مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي

بسم الله الرحمن الرحيم
مفردات الراغب الاصفهاني
مع ملاحظات العاملي

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم السلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، أفصح من نطق بالضاد، وتكلم بجوامع الكلم.

ميزات مفردات الراغب ونقاط ضعفه

تميز كتاب مفردات الراغب الأصفهاني بالإختصار، ونال إعجاب المعاهد العلمية في البلاد الإسلامية، وصار في القرون الأخيرة مرجعاً للعلماء والطلبة والباحثين. وذلك لما يتصف به من ميزات، وإن كان فيه نقاط ضعف.
فأهم ميزاته: أنه الكتاب اللغوي الوحيد المختص بألفاظ القرآن، وقد استوعب أكثرها، فكان ذلك سبباً لسعة انتشاره وشهرته الى يومنا هذا.
ومن ميزاته: أنه يصوغ المادة بنوع من التسلسل، ويحاول استيفاء مفرداتها القرآنية، وقد يفوته بعضها، أو بعض أوجه استعمالها.
ومن ميزاته: قوة المستوى الذهني لمؤلفه، فهو يتصف بالإجادة، وبالعمق أحياناً كما يتصف بالتكلف أحياناً كثيرة، و بالغفلة أحياناً أخرى.
ومن ميزاته: أنه يهتم بتجذير الكلمات وإرجاعها الى أصل واحد، وقد يحالفه التوفيق في ذلك، وقد يوقعه في أخطاء صغيرة أو كبيرة.
ومن ميزاته: أنه اعتمد على كتب أئمة اللغة وعلمائها الكبار قبله، فأخذ كثيراً من كتاب العين للخليل الفراهيدي «توفي سنة160» وكتاب الصحاح للجوهري «توفي سنة381» وأخذ أكثر من كتاب مقاييس اللغة لأحمد بن فارس«توفي سنة385».
وقد انتقده بعضهم بأنه فاته كثيرٌ من الألفاظ، لكن هذا إشكال عامٌّ يَرِدُ على عامة المؤلفات في مفردات القرآن، أو مفردات اللغة العربية. كما انتقدوه بأخطائه في ترتيب المفردات داخل الحرف الواحد، وهو إشكال كسابقه.
وبسبب هذه الميزات بلغ إعجاب البعض بمفردات الراغب الى حدِّ التقليد !
فقد بلغني عن بعض الفقهاء، أنه يعتمد على رأي الراغب في اللغة ويُفتي بموجبه، بدون أن يراجع رأي غيره من اللغويين !
وقد ذكرتُ لأحد كبارالفقهاء حفظهم الله أني أكتب نقداً وتصحيحاً لمفردات الراغب فقال متعجباً: لمفردات الراغب ! فقلتُ: نعم، ولماذا التعجب؟
قال: كان السيد الطباطبائي صاحب تفسير الميزان رحمه الله يقول: كما أن القرآن معجزة النبي صلى الله عليه وآله ، فإن مفردات الراغب معجزة القرآن !
فقلت له: من حقه رحمه الله أن يُعْجَبَ به، لأن لغته الأم التركية، ولم يتعمق في اللغة العربية بمعايشة أهلها، فإعجابه به ليس حجةً علينا، بل هو كإعجابه باللغة التركية وقوله إنها لغة الفطرة، لأن حروفها وأجراسها تحكي صفات مسمياتها. فقد فاته رحمه الله أن الراغب عايش اللغة العربية في الكتب والنصوص، وليس مع أهلها ليتكوَّنَ له حِسٌّ لغويٌّ سليم !
وقد سمعت بعد ذلك أن المرجع السيد الحسيني السيستاني دام ظله، لا يعتمد على قول الراغب وحده، ويقول إنه غير دقيق، فأكبرت دقته في العربية.
فمن نقاط ضعف الراغب: أنه عاش حياته في أصفهان، ولم يسافر الى غير الري، ولم يعايش العرب ويدقق في استعمالهم الكلام، كما فعل غيره. ولذلك وقع في أخطاء ذريعة، لأن العربية لم تتحول الى لغته الأم أو لغته الخالة !
ونقصد بالحس اللغوي: مَلَكة الخبرة باللغة، بحيث يُميز صاحبها أن هذه الكلمة تشبه ألفاظ العربية أو لا تشبهها، وتستعمل عند أهل العربية بهذا المعنى أو لا تستعمل، وتتضمن هذا البعد من المعنى أو لا تتضمنه، وترتبط بتلك الكلمة أو ذلك المعنى أو لاترتبط.. الخ. وسترى في الكتاب أنواع ذلك.
ومن نقاط ضعفه وقوته معاً: أن اللغة العربية ليست لغته الأم، فهذا نقطة قوة أيضاً، لأن ابن اللغة قد يَتَلَبَّدُ حِسُّهُ بحكم ألفته فلا يلتفت الى بعض خصائص ألفاظها والربط بينها، بينما يلتفت الى ذلك من لم تكن لغته الأم.
ومن نقاط ضعفه وقوته معاً: اتجاهه دائماً الى توحيد اشتقاق ألفاظ المادة، فهو يحاول ردها الى أصل واحد، وقد يوفق أحياناً، وقد يَشُذُّ ويُغْرِبُ، ويتكلف !
ونشير هنا الى مسألة الإشتقاق، لأنا سنتعامل فيها مع الراغب كثيراً:
فاعلم أن اللغات عوائل كأبناء آدم، وهذا من آيات الله فينا، قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ «الروم:22» فجعل اختلاف الألسنة آيةً كبرى تلي خلق السماوات والأرض، وتتقدم على آية ألوان البشر!
وقد جعل الله في عوائل بني آدم وأفرادهم، وفي عوائل اللغة ومفرداتها مشتركات إذا لاحظتها ومشيت معها، فقد تصل الى ما وصل اليه صديقنا العزيز البروفوسور رشيد بن عيسى الجزائري، في نظريته « الإشتقاق الأكبر» وأن اللغات في العالم متفرعة من اللغة السريانية التي ورثتها اللغة العربية. وما زال يعمل منذ عشرين سنة في جمع الأدلة والمؤيدات من مفردات اللغات.
كما جعل الله في مفردات اللغات ميزاتٍ وخصائص، إذا لاحظتها ومشيتَ معها، تأكدتَ أنه لايوجد ترادفٌ في اللغة العربية، ولا في غيرها، لأن كل كلمة تتناول المعنى من زاويةٍ غير الأخرى، وتختلف عنها من وجوه.
فلفظ منزل مثلاً، يلحظ النزول من سفر أو الإستقرار بعد بحث. وكلمة بيت تلحظ المبيت ليلاً. وكلمة مسكن تلحظ السكون والهدوء من الحركة.
ولمَّا واجه اللغويون مسألة الإشتقاق رأوا أن النحويين سموا لفظاً من عائلة الكلمة بالمصدر، فقالوا: إن المصدر أصل الإشتقاق ومنه اشتقت فروع الكلمة. لكنهم اصطدموا بواقع الألفاظ فتركوا هذه المقولة، ووسعوا الإشتقاق الى الأسماء بل الى الحروف، فصار المصدر مصدراً بالمعنى النحوي وليس اللغوي.
قال الزركشي في البحر المحيط «1/459»: « لايدخل الإشتقاق في سبعة أشياء: وهي الأسماء العجمية كإسماعيل، والأصوات كغاق، والحروف وما أشبهها من المتوغلة في البناء نحو مَن ومَا، والأسماء النادرة نحو طوبى له، إسمٌ للنعمة، واللغات المتداخلة نحو الهُون للأسود والأبيض، والأسماء الخماسية كسفرجل. ويدخل فيما عدا ذلك. وأثبت ابن جني الإشتقاق في الحروف ».
وعندما فتحوا باب الإشتقاق حتى من الحروف، انفتح عليهم باب الإفتراض فأخذوا يفترضون جذراً للكلمة، ويبحثون عن مناسبة تبرر اشتقاق فروعها منه وكثرت اجتهاداتهم فيه، وأكثرها ظنونٌ، وبعضها لايزيد عن الإحتمال.
وسترى اختلافاً كثيراً بين الراغب وابن فارس، فالراغب يميل الى ربط الألفاظ بأصل واحد ويتكلف لذلك، وابن فارس أقل منه تعصباً، فعندما يرى أن مفردات المادة لا يمكن أن ترجع الى أصل واحد، يجعلها أصلين أو أكثر.وسترى أن الحق يحالف ابن فارس غالباً.
أما الخليل فلم يتبنَّ منهج الراغب ولا ابن فارس في إرجاع فروع الكلمة الى جذر واحد، بل يذكر معاني الكلمة واستعمالاتها، وقلَّما ذكر مصدر الإشتقاق. وهذا من وَفْرَة عقله، فقد نأى بنفسه عن بحر التخمين والظنون،لأن الله وحده يعلم خريطة نشوء اللغة وولادة ألفاظها، وكيف استعمل الإنسان إلهام ربه في وضعها عبر مئات السنين، وأي كلمة وضعها أولاً، ثم وضع الثانية على ضوئها أو وضعها مستقلة بإلهام ربه، فجاءت تُشبه الأولى في حروفها..الخ.

اللغويون عيالٌ على الخليل الفراهيدي

جعل علي عليه السلام كل علماء النحو عيالاً على أبي الأسود الدؤلي الكناني، عندما وضع علم النحو وأعطاه صحيفةً وعلمه أن يُفَرِّع عليها، وقال له: أُنْحُ هذا النحو، فسُمِّيَ علم النحو. وكان في الصحيفة: « الكلام ثلاثة أشياء: إسمٌ وفعلٌ وحرفٌ جاء لمعنى، فالإسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أوجد معنى في غيره ».
وكان أبو الأسود يُفَرِّعُ عليها ويراجع أمير المؤمنين عليه السلام فيوجهه، حتى استكمل وضع علم النحو. قال الزجاج: أخذه عنه عتبة، ثم ابن أبي إسحق، ثم عيسى، ثم الخليل، ثم سيبويه، ثم الأخفش، ثم المازني، ثم المبرد، ثم أبو بكر بن السراج، ثم أبو علي الفارسي، ثم علي بن عيسى، ثم الحسن بن حمدان، ثم أحمد بن يعقوب. « راجع: سبب وضع علم العربية/34، وتاريخ الخلفاء /141، للسيوطي » .
ثم جاء حفيداه الإمام زين العابدين والإمام محمد الباقر عليهما السلام فجعلا علماء اللغة عيالاً على الخليل بن أحمد، فكان نابغة عصره، وكُلُّ مَن بعده عيالٌ عليه، فهو أستاذ سيبويه، وواضع علم العروض، ومؤلف كتاب العين، أول كتاب من نوعه.
روى في مناقب آل أبي طالب «1/326» عن تاريخ البلاذري، أن علم العروض خرج من دار علي عليه السلام قال: «ومنهم العروضيون ومن داره خرجت العروض. رويَ أن الخليل بن أحمد أخذ رسم العروض عن رجل من أصحاب محمد الباقر أو علي بن الحسين عليهم السلام ، فوضع لذلك أصولاً ».
ورواه في شرح إحقاق الحق «12/169» عن الحافظ أبي حاتم أحمد بن حمدان الرازي، في كتابه: الزينة في الكلمات الإسلامية العربية/80، طبعة القاهرة . قال:
«كان الخليل بن أحمد أول من استخرج العروض، فاستنبط منها ومن علل النحو ما لم يستخرجه أحد ولم يسبق إلى مثله سابق. وسمعت بعض أهل العلم يذكر أن الخليل بن أحمد أخذ رسم العروض عن رجل من أصحاب محمد بن علي أو من أصحاب علي بن الحسين، فوضع له أصولاً، وقسَّم الشعر ضروباً وسمَّاه بها، وجعل لتلك الأقسام دوائر وأسطراً، وبناه على الساكن والمتحرك من أحرف الكلمة والخفيف والثقيل. فكل كلمة فيها حرف متحرك وحرف ساكن سماه سبباً.. إلخ».
وقال في صبح الأعشى«1/478» : « أول من عمل العروض الخليل بن أحمد، وهو أول من ضبط اللغة مرتبة على حروف المعجم، صنف كتابه: العين».
وقال في معجم الأدباء «3 /300» : «وكان سفيان الثوري يقول: من أحب أن ينظر إلى رجل خُلق من الذهب والمسك، فلينظر إلى الخليل بن أحمد !
ويروى عن النضر بن شُمَّيْل أنه قال: ما رأيت رجلاً أعلم بالسنة بعد ابن عون من الخليل بن أحمد. أكلتُ الدنيا بعلم الخليل وكتبه،وهو في خُصٍّ لا يشعر به».
وتدل شهادة سفيان الثوري على أن الخليل ملك إعجابه بدرجة عالية.
ويدل قول تلميذه ابن شُمَّيل على أنه كان يأخذ كتب الخليل ويبيعها إلى الخليفة والوزراء، والخليل يعيش في كوخ في البصرة، ولايعرف ما يفعل ابن شميل !
لكن الخليل كان يعرف وكان يريد نشركتبه بواسطة الخليفة والمسؤولين، ولو قبض ثمنها ابن شميل، ويبقى هو بعيداً عن تناول أموالهم، يتنعم بعيش الفقراء، ويملأ الدنيا بعلمه!
وفي أعيان الشيعة «6/337» : « إن الخليل كان من أزهد الناس وأرفعهم نفساً، وكان الملوك يقصدونه ويبذلون له فلا يقبل».
وكان الخليل يداري في تشيعه، ويروي عن أيوب السختياني، وسفيان الثوري تلميذي الإمام الصادق عليه السلام ، فقد كانا يعيشان معه في البصرة.
وقد روى علماء السنة عنه، عن سفيان، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، حديث فلسفة الحج، وسبب جعل الموقف وراء الحرم. « تهذيب الكمال :5/93».
قال العلامة في الخلاصة /140: « كان أفضل الناس في الأدب، وقوله حجة فيه. واخترع علم العروض. وفضله أشهر من أن يذكر. وكان إماميَّ المذهب ».
وفي الذريعة «15/364» : « ذكر في العين عدد أبنية كلام العرب المهمل والمستعمل على مراتبها الأربع، من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي من غير تكرار، في اثني عشر ألف ألف وثلاث مأة وخمسة آلاف وأربع مأة وستة.
فالثنائي سبع مأة وستة وخمسون. والثلاثي تسعة عشر ألف وست مأة وخمسون. والرباعي أربع مأة ألف وأحد وتسعون ألف وأربع مأة. والخماسي أحد عشرألف ألف وسبع مأة وثلاثة وتسعون ألف وست مأة ».
أقول: استفاد الراغب من كتاب العين وكتب الخليل الأخرى، ونسب اليه أقواله في نحو ثلاثين مورداً فقط، فلا يرد عليه كثير إشكال .
لكن تعامله مع ابن فارس، ثم مع الجوهري، يوجب اتهامه بنقص أمانته العلمية .

الراغب الأصفهاني وابن فارس

عاصره الراغبُ، وقال عنه الحموي في معجم الأدباء «4/80»: «كان الصاحب بن عباد يكرمه ويتلمذ له ويقول: شيخنا أبو الحسين ممن رزق حسن التصنيف، وأُمِنَ فيه في التصحيف . وله من التصانيف: كتاب المجمل، وكتاب متخير الألفاظ، كتاب فقه اللغة، كتاب غريب إعراب القرآن..كتاب مقاييس اللغة، وهو كتاب جليل لم يصنف مثله ».
ومدحه الصدوق قدس سره في كمال الدين «2/453» وروى عنه، وذكر تشيعه في آخر عمره. وترجم له الطوسي في الفهرست/83.
وكان أهم مرجعين في اللغة الى عصر ابن فارس: العين للخليل والجمهرة لابن دريد، ثم رجع العلماء الى مجمل اللغة لابن فارس بعد ظهوره ودرَّسوه لتلاميذهم، واستجازوا روايته من مؤلفه وأجازوها، كما ترى في إجازة العلامة لآل زهرة. لاحظ: السرائر لابن إدريس: 3 /92، ونزهة الناظر ليحيى بن سعيد/130، ورسائل الشهيد الثاني: 2/1136، ومجموع النووي: 9/98، وأنساب السمعاني:2/406.
ولم يكن لمفردات الراغب ذكرٌ طول هذه القرون، بل لم أجد أحداً ذكره قبل الفيروز آبادي صاحب القاموس. ثم أخذ يشتهر في القرن الحادي عشر.
قال الداودي في مقدمة المفردات: « اعتمد الراغب على مؤلفات العلماء قبله، فبحث فيها وناقش أصحابها، وارتضى أقوالاًورد أخرى، وأهم هذه المصادر: كتاب المجمل في اللغة لابن فارس. ويبدو أن الراغب قد اعتمد عليه كثيراً، مع أنه لم يذكره باسمه، ويتضح ذلك من نفس ترتيب الكتاب، والتشابه الكبير في العبارة، وربما ينقل عنه حرفياً، والموافقة في الأبيات الشعرية..
أنظر مثلاً مادة: أبَّ، أسَّ، جَنَفَ، خَصَفَ، رَكَزَ، سَجَلَ، صَفَدَ، تجد تقارباً تاماً في العبارات، إلا أن الراغب اختصر، وقلل الأبيات الشعرية ».
ثم ذكر الداودي عشرين مصدراً أخذ منها الراغب، وهي أكثر. لكن فاته أن الراغب ألقى بكَلِّهِ على كتابي ابن فارس: المجمل والمقاييس، وكتاب العين للخليل والصحاح للجوهري، فأخذ منها فقرات وعبارات تامة، ولم يذكر مصدرها، فصار من المؤلفين الذين قد ينسبون جهود غيرهم الى أنفسهم !

أمثلة من أخطاء الراغب

سترى في الكتاب العشرات بل المئات من أخطائه، وبعضها غرائب انفرد بها !
1. قال في مادة أتى:«الإتيان: مجئٌ بسهولة» فأدخل في المجئ معنى السهولة من عنده، ولم يقله لغوي، ولا عليه شاهد من كلام العرب. وقد تُفهم السهولة أو العنف من نفس الآتي، أو الآتي به، أو المأتي به، أو الظرف، كما فهم في قوله تعالى: مَا تَذَرُ مِنْ شَئْ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيم، من الريح، وليس من نفس الإتيان.
2. تخيل أن تعبير: آتيناهم الكتاب، يدل على أنهم قبلوه وآمنوا به، قال: «وآتيناهم: يقال فيمن كان منه قبول» لكنها وردت في القرآن فيمن لم يقبلوه ولم يؤمنوا به، فقال: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ أَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . «الأنعام :20».
3. فسر الماء الأُجَاج بشديد الحرارة، مع أن الأجاج الملوحة والمرارة، قال: «وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ، شديد الملوحة والحرارة، من قولهم أجيج النار» !
4. قال الراغب: «والأجْل: الجناية التي يخاف منها آجلاً. قال تعالى: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أي من جَرَّاءِ ».
والصحيح أن أجْل كلمة مستقلة لاعلاقة لها بالأجَل، بل هي إسمٌ يدل على التفريع والتعليل، ولامدح فيها ولا ذم ولا جناية، ومعناها: بسبب ذلك.
ومعنى الجريمة في الآية لم يفهم منها بل من تفريعه على جريمة قابيل، واشتراك بني إسرائيل مع قابيل في الحسد الذي هو سبب الجريمة.
5. جعل الراغب أرَبَّ الرجلُ مالَه، من الإرْبَة، بمعنى صار له به حاجة، بينما هو من: ربَّه وأربَّه، أي رَبَّاه ونَمَّاه.
6. اتَّبع الراغب بعض من شذَّ فجعل معنى: نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ: شددنا في أبدانهم مخرج البول والغائط ! وهو عجيب لأن اللغويين نصوا على أن الأسر بمعنى الخلق، أي شددنا خلقهم وبناءهم، شبيهاً بشددنا أزرهم.قال ابن منظور«4/19»: «الأسر في كلام العرب: الخلق ».
7. جعل التبديل والإبدال واحداً، والصحيح ما قاله ابن فارس في المجمل: «بدَّلت الشي: غيرتهُ وإن لم تأت له ببدل، وأبدلتُه إذا أتيت ببدله ».
8. خلط الراغب بين الإدام وآدم، وقال إن قولهم: جعلت فلاناً أَدَمَة أهلي، معناه: من آدم، بينما هو من الإدام. ومنه الحديث الذي ذكره: لو نظرت إليها فإنه أحرى أن يودم بينكما «الوسائل :14/61، وأحمد :4/245» ومعناه: يوفق بينهما كما وُفِّق بين الخبز والإدام، فهو من الإدام وليس الأدمة التي منها إسم آدم عليه السلام .
9. أدخل معنى الحيلة في الإِرْبَة، مع أنها لا تدخل إلا في بعض أنواع المؤاربة، فالأريب في الأصل هو العاقل. قال الخليل «8/289»: «الأريب: العاقل. وأَرَبَ الرجل يأرَبُ إرْباً. والمؤاربة: مداهاة الرجل ومخاتلته، وفي الحديث: مؤاربة الأريب جهل وعناء، لأن الأريب لا يخدع عن عقله ».
10. قال الراغب في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا. «مريم :83 » : أي ترجعهم إرجاع القدر إذا أزت، أي اشتد غليانها». بينما معناه: تَدُزُّهُم الى الكفر والشرَّ دزّاً وتدفعهم دفعاً، ولاعلاقة له بأزيز القدر.
11. فسر باءَ وتَبَوَّأَ: بأنه تساوت أجزاء بدنه في القعود في المنزل، فأخذ المساواة من الحديث الشريف: الجِراحاتُ بَواءٌ، أي مُتَساويةٌ في القِصاص. مع أن بَاءَ بمعنى تحمَّل، قال تعالى: فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ. وتَبَوَّأَ بمعنى ملك واختص وسكن، قال تعالى: وَإِذْ بَوَأْنَا لآبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ . وهو مشتق من البيئة.
12. قال الراغب إن معنى قوله تعالى: لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ: يُثَبِّطُوكَ ويحيروك . مع أن معناه: ليجرحوك جُرحاً يقعدك، أو يقتلوك.
13. فسرقوله تعالى: وَلَوْ أنهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً. بأنه أشد لتحصيل علمهم. بينما معناه: أشد تثبيتاً لأنفسهم على الإيمان.
14.تفرد عن اللغويين فجعل الإباء الإمتناع الشديد، مع أنه مطلق الإمتناع، تقول: أبى فلان أن يفعل، فيقال لك: هل كان إباؤه شديداً، أم لا ؟
15. قال: « أحَدٌ: يستعمل على ضربين: أحدهما في النفي فقط، والثاني في الإثبات» فتصوَّرأن كلمة أحدٍ تدل على النفي ! وقد وقع في ذلك لأنه رأى ما النافية مع أحد تدل على نفي الجنس، فتخيل أن النفي منها، مع أنه جاء من أداته ومن التنكير، وليس من أحد.
16. قال: « أَلَوْتُ في الأمر: قصَّرت فيه، هو منه كأنه رأى فيه الإنتهاء ».فجعل فعل ألَوَ مشتقاً من حرف الجر، إلى. ولو صح الإشتقاق من الحرف، فأين معنى الإنتهاء في: ألَوَ ؟
17. جعل الراغب المعاندة و فروعها مشتقَّةً من عِنْد التي هي ظرف زمان و مكان ، قال « والعنيد المعجب بما عنده ، و المعاند المباهي بما عنده. مع أن العناد مادةٌ مستقلةٌ لا علاقة لها بعند الظرفية.
18. قد يبحث الراغب المادة ولا يذكر الآية التي وردت فيها، أو لايستوفي آياتها ومعانيها الأخرى الواردة في القرآن، وقد اهتمينا باستيفاء ذلك.
وقد أخطأ في آية: هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ . فزعم أنها تتلو بدل تبلو، وحاول أن يفسرها في تلى، ولم يتراجع عن ذلك بوضوح !
19. لايراعي في الألفاظ التي يوردها في المادة أن تكون كثيرة الإستعمال في اللغة العربية، أو معروفة لمتوسط الناس الناطقين بها، وذلك لعدم معايشته أهلها، فتراه يذكر ألفاظاً نادرة الإستعمال، أو مهجورة لاتستعمل، وقد أكثر منها في كتابه، وضررها أن القارئ يتصور أنها المعاني المشهورة للكلمة !
20. أسلوبه في العربية ضعيف، فيه عُجمة محمولة أحياناً، وغليظة أحياناً ! وهو مدمن الخطأ في المذكَّر والمؤنث، وقد يُذَكِّر المؤنثات الحقيقية كالفرس.
كما أنه يستعمل أفعالاً بدون حروف تعدية، فيقول: دلَّ كذا، ونَبَّهَ كذا، وتنبيهاً كذا. وقد راجعت نسخاً مخطوطة، فوجدته يستعمل مادة نَبَّهَ وغيرها بدون حرف تعدية إلا قليلاً، فأضفت اليها [على] بين قوسين. و على العموم، فإن عبارته ثقيلة و فيها أخطاءٌ تزيد من صعوبة فهمها إلا على الذي تعود على فهم الأعوج!
21. كأنه مغرم بإضافة قيود على معنى الكلمة، لم يذكرها أحدٌ من اللغويين ! فكلما وجدته وضع قيداً أوشرطاً، فاحتمل أنه أضافه من عنده، تأثراً ببعض موارد استعمال الكلمة، أو حُبّاً بالتفذلك !
22. فَسَّرَ في كتابه عدداً من الآيات، على مشربه الصوفي الذي يميل الى الحشو، وتضمن تفسيره أحياناً أخطاء لغويةً أو فكريةً.
كما تَعَرَّضَ الى مسائل كلامية خارجة عن كتاب لغة، وفي كلامه أحياناً نظر أو عليه إشكال، وقد اقتصرنا على مناقشة الضروري من ذلك. ولو أردنا مناقشة كل أخطائه اللغوية الفرعية والعلمية لبلغت ملاحظاتنا أضعاف ما دوناه .
هذا وقد أضفنا الى النسخة ذكر عدد المفردات في كل باب ، وأضفنا الآل أحياناً في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله .

الهوية الشخصية للراغب الأصفهاني

هو الحسين بن محمد بن المفضل، المعروف بالراغب الأصفهاني. ولد في أصفهان وتوفي فيها، وعاش فيها وفي الري، أي طهران. ولم أجد نصاً معتمداً في أنه خرج من إيران حتى الى الحج، فقد غلب عليه حب العزلة والتصوف.
وهو لغوي موسوعي، اشتهر بمؤلفه مفردات ألفاظ القرآن، ثم بكتابه المحاضرات، في بضعة عشر مجلداً.
وَعَدَّهُ بعض علمائنا شيعياً، كالسيد الأمين، قال في أعيان الشيعة «6/160»: « الشيخ الإمام الراغب أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل بن محمد الأصفهاني، العالم الفاضل الأديب المفسر اللغوي المتكلم الحكيم الصوفي، المعروف بالراغب الأصفهاني، كان من مشاهير حكماء الإسلام..
اختلف في كونه شيعياً فالعامة صرحوا بكونه معتزلياً، وبعض الخاصة صرح بذلك، ولكن الشيخ حسن بن علي الطبرسي قد صرح في آخر كتاب أسرار الإمامة بأنه كان من حكماء الشيعة..ثم استشهد السيد الأمين على تشيعه بكثرة روايته في كتبه عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وتعبيره عن علي عليه السلام دون غيره بأمير المؤمنين، وروايته عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن خليلي ووزيري وخليفتي وخير من أترك من بعدي، يقضي ديني وينجز موعدي، علي بن أبي طالب ».
واستشهد السيد الأمين برواية الراغب لعدد من نصوص الوصية لعلي عليه السلام وأن غيره لايستحق الخلافة. « راجع : اليقين لابن طاووس/523، ومحاضرات الراغب : 2 /213 ».
بينما قال السيوطي في بغية الوعاة «2/297» :«الراغب، صاحب المصنفات، كان في أوائل المائة الخامسة. له: مفردات القرآن، وأفانين البلاغة، والمحاضرات. وقفت على الثلاثة. وقد كان في ظني أن الراغب معتزلي حتى رأيت بخط الشيخ بدر الدين الزركشي على ظهر نسخة من القواعد الصغرى لابن عبد السلام ما نصه: ذكر الإمام فخر الدين الرازي في تأسيس التقديس في الأصول، أن أبا القاسم الراغب من أئمة السنة، وقرنه بالغزالي. قال: وهي فائدة حسنة، فإن كثيراً من الناس يظنون أنه معتزلي ».
ونقل الداودي في مقدمة المفردات عن رسالة الراغب في الإعتقاد/52، أنه مدح فيها الشيخين، ونص على ضلال فرقة الشيعة لأنها حسب تعبيره: « تظهر موالاة أمير المؤمنين، وبها إضلال المؤمنين، يتوصلون بمدحه وإظهار محبته إلى ذم الصحابة وأزواج النبي رضي الله عنهم..الفرقة الناجية هم أهل السُّنة والجماعة الذين اقتدوا بالصحابة».
ويظهر من ذلك أن الراغب سنيٌّ منفتحٌ على التشيع، وهو في الواقع صوفيٌّ يعيش حالات تسنن وحالات تشيع، كبعض الحشوية.
فهو يراعي عصره حيث عاش في أواخر الدولة البويهية، وعاصر الوزير الشيعي الأديب واللغوي المشهور الصاحب بن عَبَّاد، لكنه كان صغيراً، فلم يدرس عنده ودرس عند تلاميذه، ومنهم علماء كبارٌ.
قال الحموي في معجم الأدباء «6/171» : «والصاحب مع شهرته بالعلوم وأخذه من كل فن منها بالنصيب الوافر والحظ الزائد الظاهر، وما أوتيه من الفصاحة، ووفق لحسن السياسة والرجاحة، مستغنٍ عن الوصف مكتفٍ عن الإخبار عنه والرصف... فذكره الثعالبي قال: واحتفَّ به من نجوم الأرض، وأفراد العصر، وأبناء الفضل، وفرسان الشعر، من يَرْبَى عددهم على شعراء الرشيد، ولايقصرون عنهم في الأخذ برقاب القوافي، وملك رِقَّ المعاني ».
ثم اتصل الراغب بالوزير الشيعي الضبي، الذي قال عنه في الوافي «6/129» : «الوزير أحمد بن إبراهيم الوزير الضبي أبو العباس، الملقب بالكافي الأوحد، الوزير بعد الصاحب بن عباد لفخر الدولة بن أبي الحسن علي بن ركن الدولة بويه، توفي في صفر سنة تسع وتسعين وثلاث مائة. ذكره الثعالبي قال: هو جذوة من نار الصاحب أبي القاسم، ونهر من بحره، وخليفته النائب منابه في حياته، القائم مقامه بعد وفاته ».
وقال الذهبي في تاريخه «20/295»: « إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن المدبر، الوزير أبو إسحاق الضَّبِّي الكاتب الأديب الشاعر. كان أحد من جمع بين الرياسة والأدب والبلاغة.كان جليلاً عالماً، ليس في الكُتَّاب من يدانيه ».
وقد ألف الراغب للوزير الضبي كتاباً، سماه كما في مقدمة المفردات للداودي/9: «تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين. وقد طبع عدة طبعات، آخرها طبع دار الغرب الإسلامي، بتحقيق الدكتور عبد المجيد النجار.
وقال الداودي: « ذكر في كتاب مراتب العلوم ما نصه: لكن طال تعجبي في ذلك من الشيخ الفاضل حرسه الله، لأمور رأيتها منه طريفة: أحدها إنكاره عليَّ التفوه بلفظ القوة، اعتلالاً بأن هذه اللفظة يستعملها ذووا الفلسفة، وأن أقول بدله: القدرة، كأنه لم يعلم ما بينهما من الفرق في تعارف عوام الناس فضلاً عن خواصهم. ثم ما كان من إبهاماته وتعريضاته بل تصريحاته، تنفق منه على أشياعه وأتباعه بالوضع مني والغض مني، وازدياده بعد المقال مقالاً لما رأى مني في مجاوبته جملاً ثقالاً، ولم أكن أرى بأساً وضيراً في احتمال شيخ كريم عليَّ بما لا يعود بمعاب في الحقيقة عليَّ. وكلامه هذا يوحي بأنه اختلف مع الوزير، وأن أتباع الوزير آذوه، ولم يسكت هو له، بل ردَّ عليه، فلعل هذا أدى إلى سجنه ».
أقول: رأيت كتابه تفصيل النشأتين، وهو مختصر عام في الأخلاق والعقائد، على النمط الذي كتب فيه الفلاسفة قبله. وهو يستشهد فيه كثيراً بكلام منسوب الى أمير المؤمنين عليه السلام ، ولعل ذلك لأنه ألفه لرئيس وزراء شيعي.
ومعناه أن الراغب كان مؤلِّفاً في حياة الوزير الضبي، ثم اختلف معه وسُجٍن، وقد توفي الضبي سنة 399. وهذا يضعِّف قولهم إن الراغب مات سنة 502 ، فالظاهر أنه مات قبل الخمس مئة.
ولم نعرف سبب سجن الوزير له، لأن ما ذكره عن اعتراض الوزير عليه لتعابيره الفلسفية ليس سبباً كافياً لسجنه، فلعل السبب سلوكه مع الوزير وجماعته، أو سلوكه الشخصي.

أستاذ الراغب أبو منصور الجبَّان

يظهر أن أستاذ الراغب الأساسي: أبو منصور الجبان محمد بن علي بن عمر. فقد ذكروا في ترجمته أنه إمام مشهور في الحديث واللغة، وأنه كان حياً سنة 416.
قال الداودي في مقدمته للمفردات: « والظاهر أن المؤلف كان مغموراً يحبُّ الخمول كما يتضح لنا من شعره. لكن الذي يغلب على ظني ويترجح عندي أنه قرأ العربية على أبي منصور الجبان، وإسمه محمد بن علي بن عمر، قال عنه ياقوت: أحد حسنات الري وعلمائها الأعيان، جيد المعرفة باللغة، باقِعَةُ الوقت ، وفَرد الدَّهر، وبحر العلم..
صنف كتاب الشامل في اللغة، كثَّر فيه الألفاظ اللغوية، قليل الشواهد، فهو في غاية الإفادة من حيث الكثرة، وله أيضاً كتاب كبير سماه لسان العرب، استوفى فيه اللغة غاية إمكانه، لكنه مات قبل إخراجه من المسودة ».
وقال القفطي في إنباه الرواة «4/176»: « وهو إمام في اللغة مبرز في زمانه. وقد كان الصاحب كافي الكفاة يُعزه ويُجِلَّه، ويعلم مقداره ويقرب داره.
وحضر أبو منصور الجبان في مجلس علاء الدولة بن فخر الدولة ابن بويه، وفي المجلس أبو علي بن سينا الرئيس، وهو يومئذ وزير لعلاء الدولة، وجرى فصل من اللغة، تكلم فيه الرئيس ابن سينا، فقال له أبو منصور: أنت منطيقي ما نعارضك، وكلامك في لغة العرب ما نرضاه ! فسكت أبو علي خجلاً، وبعد انفصاله من المجلس نظر في اللغة وتبحر فيها، وعمل رسائل أودعها نوعاً متوفراً من اللغة. وسأل علاء الدولة ابن الجبان عما تضمنه من الغريب، فعلِمَ بعضه وأنكر بعضاً ، فقال أبو علي: الكلمة الفلانية معناها كذا، وهي مذكورة في الكتاب الفلاني.. وشرح جميعها، وأحال على الأصول، فخجل أبو منصور بن الجبان وفطن لما فعله ابن سينا، واعتذر إليه اعتذاراً طويلاً ».
وقال في الوافي «4/128»: «محمد بن علي بن عمر بن الجبان أبو منصور اللغوي، من أهل الري، سكن بأصبهان وكان إماماً في اللغة، وله مصنفات حسنة في الأدب. قدم بغداد سنة إحدى وتسعين وثلاث مائة، وروى بها كتاب انتهاز الفرص في تبيين المقلوب من كلام العرب، من تصنيفه، قرأه عليه عبد الواحد بن علي بن برهان الأسدي ورواه عنه، وقرئ عليه مسند الروياني، وتكلموا فيه من قبل مذهبه، كذا قاله ابن النجار. قلت: لعله كان معتزلياً. وكان ينخرط في سلك ندماء الصاحب بن عباد، ثم استوحش من خدمته، وتمادت به أحوال شتى حتى علق غلاماً من الديلم يقال له البركاني، واتفق للغلام أنه أحرم بالحج ولم يجد هو بداً من موافقته ومرافقته، حتى بلغا الميقات، فلما أخذ في التلبية قال: لبيك اللهم لبيك، والبركاني ساقني إليك ! وكان يواصل إنشاد هذين البيتين:
مليحُ الدَّلِّ والغَنَجِ * لكَ سُلْطَانٌ على المُهَجِ
إن بيتاً أنتَ ساكنُهُ * غيرُ محتاجٍ إلى سُرُجِ
وقال في الوافي «8/5» : « قال الصاحب ابن عباد: فاز بالعلم من أصبهان ثلاثة: حائك وحلاج وإسكاف ! فالحائك هو المرزوقي، والحلاج أبو منصور بن ماشذه « يقصد ابن الجبان » .
ولعل الصاحب كره ابن الجبان وأبعده عنه، لافتضاحه الجنسي !

أَهمية اللغة العربية في حياتنا

سألني بعضهم: لماذا أُنفق من وقتي على نقد مفردات الراغب وتصحيحها، قال:أليس الأولى أن تصرف هذا الوقت في البحوث العقدية، وسيرة المعصومين صلوات الله عليهم، فأحببتُ أن أذَكِّرَ بأهمية اللغة في عقائدنا، وبأن نشوء التعسفية في مفردات اللغة هو أساس مذاهب الحشو، والتناقض والهرطقة !

نَمَّى الله اللغة العربية ورباها ليخاطب بها الناس

من آيات الله تعالى: أنه جعل العرب لقرونٍ طويلة يعشقون لغتهم عشقاً عجيباً حتى نَضَّجُوها وطوَّروها، فصارت صالحة ليُنزل بها كتابه، ويكلم بها عباده.
قال الإمام الصادق عليه السلام « الخصال/258»: «تعلموا العربية، فإنها كلام الله الذي يكلم به خلقه ». وقوله عليه السلام : «يُكلم به خلقه» يدل على استمرار تكليم الله تعالى للخلق بالقرآن. وهذا خارج موضوعنا.
ومن آيات الله تعالى التي يخشع أمامها الباحث المنصف: أن اللغة تُولد وتتكون تلبيةً لحاجة مجتمعها، فعندما يطرأ لهم معنى يضعون له كلمة تُعَبِّرُ عنه، فمفردات اللغة ومعانيها، تناسب دائماً حاجة ذلك المجتمع ولا تزيد عنها.
لكن اللغة العربية استثناءٌ من ذلك، لأن المجتمع العربي لم يكن له حاجات بحجم لغته، ولا طرأت عليه معان أحوجته الى وضع هذه الثروة الواسعة من الألفاظ. فهو مجتمع صحراوي أو زراعي بسيط، لكن لغته شجرةٌ عملاقةٌ بين لغات العالم ! وسبب ذلك أن أهلها عشقوها وطوروها، رغم قلة حاجهتم.
وهذا يعني أن إرادة الله الغيبية تدخلت وأعدت اللغة العربية لينزل بها القرآن.
وقد شهد المستشرقون بتميُّز اللغة العربية، وعُلُوِّ مستواها عن الحاجة الطبيعية لشعوبها، فقال فيليب حِتِّي «مجلة البيان :204/9»: « والعرب لم يبدعوا أن ينشئوا فناً عظيماً خاصاً بهم، من الفنون المعروفة، ولكنهم عبروا عن الغريزة الفنية بصورة واحدة هي الكلام. فإن فاخَرَ الإغريقي بما عنده من تماثيل الفن ومنشآت هندسة البناء، فالعربي يرى قصيدته أفضل ما يعبر عن خلجاته الداخلية ».

النص ضرورةٌ أزليه للدين

كان النص ضرورة للدين الإلهي منذ أسكن الله آدم في الأرض، لأنه الخريطة والبوصلة التي تضبط له الفهم والتطبيق، وتضع حداً للخلاف.
ولذلك علم الله آدم وأبناءه عليهم السلام القراءة، وأنزل عليهم صحفاً في أصول الدين والحياة، وقد روت ذلك مصادر السنة والشيعة. ففي الخصال/524، للصدوق، وسنن البيهقي:9/188، وصحيح ابن حبان: 2/77، وغيرها، عن أبي ذر رحمه الله :« قلت: يا رسول الله، كم أنزل الله من كتاب؟ قال: مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشرين صحيفة، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. قلت: يا رسول الله فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: كانت أمثالاً كلها وكان فيها: أيها الملك المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها وإن كانت من كافر. وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه عز وجل، وساعة يحاسب نفسه، وساعة يتفكر فيما صنع الله عز وجل إليه، وساعة يخلو فيها بحظ نفسه من الحلال، فإن هذه الساعة عونٌ لتلك الساعات واستجمام للقلوب، وتوزيع لها.
وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شانه، حافظاً للسانه، فإن من حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه. وعلى العاقل أن يكون طالباً لثلاث: مرمة لمعاش، أو تزود لمعاد، أو تلذذ في غير محرم.
قلت: يا رسول الله فما كانت صحف موسى؟ قال: كانت عبرانية كلها، وفيها: عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، ولمن أيقن بالنار لمَ يضحك، ولمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها لمَ يطمئن إليها، ولمن يؤمن بالقدر كيف ينصب، ولمن أيقن بالحساب لم لا يعمل. قلت: يا رسول الله هل في أيدينا مما أنزل الله عليك شئ مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟
قال: يا أبا ذر إقرأ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى. بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى. إن هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى».
وتعليم الله تعالى آدم القراءة والكتابة، لا ينافي أن تكون حياته في بقية جوانبها بدائية، فقد ورد أن لباسه ولباس حواء كان من جلود البقر.
وقد نص القرآن على أن اختلاف الأمم بعد الرسل قانونٌ سمح به الله تعالى، فقال: وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ . «سورة البقرة :253» .
فاختلاف الأمم يحدث بمجرد موت الرسول، فيحدث الإنقسام الى مذهبين: مذهب إيمان يتمسك بالنص، ومذهب كفر، أصله وفصله تعمدٌ تحريف النص !
والى هذين الإتجاهين ترجع كل المذاهب بعد الرسل عليهم السلام .

أكد النبي صلى الله عليه وآله على جدية اللغة ودقتها

تأكيداً لمبدأ القصدية والدقة في كلمات اللغة، نهى النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام عن السطحية في فهمها، وأمروا بالتدبر في كلام الله، وفي كلامهم عليهم السلام .
قال الصدوق في الفقيه «1/240» والأمالي/285: « قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أُعطيتُ خمساً لم يُعْطَهَا أحدٌ قبلي: جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأُحِلَّ ليَ المَغْنَم، ونُصِرْتُ بالرعب، وأُعْطِيتُ جَوَامعَ الكَلِم، وأُعطيت الشفاعة ». والخصال/292 عن ابن عباس، ونحوه صحيح البخاري :4/12.
وعَلَّمَ النبي صلى الله عليه وآله الصحابي البراء بن عازب، دعاءً يقرؤه قبل النوم: «اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رهبةً ورغبة إليك، لاملجأ ولا منجى منك الا إليك. آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت. فأعاده البراء ليضبطه فقال: وبرسولك الذي أرسلت. فقال له النبي صلى الله عليه وآله :لا. ونبيك الذي أرسلت».« صحيح البخاري :7/146».
فلم يقبل صلى الله عليه وآله تبديل كلمة بكلمة، ولو كانت بمعناها.
وفي مسند أحمد «6/51»: «عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا يقولنَّ أحدكم: خَبُثَتْ نفسي، ولكن ليقل: لَقِسَتْ ». أي شَرِهَتْ.

تقيد الصحابة بقصدية اللغة ودقتها

سئل أبو بكر عن معنى: أبّاً، في قوله تعالى:وَفَاكِهَةً وَأَبّاً مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ. وهو العشب الذي تأكله الأنعام، فلم يعرف معناه، فقال: « أيُّ سماءٍ تُظلني وأيُّ أرض تُقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم». «فتح الباري :6/212» .
قال ابن حزم في المحلى«1/61»: «وقد ثبت عن الصديق أنه قال: أي أرض تقلني أو أي سماء تظلني..».
وقال أمير المؤمنين عليه السلام تعليقاً على كلام أبي بكر: «يا سبحان الله، أما علم أن الأبَّ هو الكلأ والمرعى، وأن قوله عز اسمه: وفاكهةً وأباً، اعتدادٌ من الله سبحانه بإنعامه على خلقه، فيما غذاهم به، وخلقه لهم ولأنعامهم». « الإرشاد :1/200» .
وقال عليه السلام : « وإن القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلا به ». «نهج البلاغة :1/55».
وقال عليه السلام :«لايقولن أحدكم: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، لأنه ليس أحد إلاوهو مشتمل على فتنة، ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلات الفتن فإن الله يقول: وَاعْلَمُوا إنمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ». «نهج البلاغة :4/20» .
وهذه النصوص وغيرها تدل على أن الصحابة كانوا يتقيدون بقصدية اللفظ، حتى حدثَ ما حدث !

وأكد أئمة أهل البيت عليهم السلام على قصدية اللغة

قال الإمام زين العابدين عليه السلام : « لايقولن أحدكم: اللهم تصدق عليَّ بالجنة، فإنما يتصدق أصحاب الذنوب، ولكن ليقولن: اللهم ارزقني الجنة، اللهم مُنَّ عليَّ بالجنة ». «حلية الأولياء :3/138».
وقال الإمام الصادق عليه السلام : « حديثٌ تدريه خير من ألفٍ حديث ترويه، ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا ». «معاني الأخبار/2».
وفي بصائر الدرجات/349 : « أنتم أفقه الناس ما عرفتم معاني كلامنا ».
وقال الحسن بن السري إن الإمام الصادق عليه السلام قال «الكافي :2/672» : «لا تكتب بسم الله الرحمن الرحيم: لفلان، ولا بأس أن تكتب على ظهر الكتاب: لفلان ».
فألفتَ الإمام الى الفرق بين الى واللام، وأن إلى أبلغ في احترام المخاطب .
وفي الكافي «2/342» : عن عبد الأعلى قال: «حدثني أبو عبد الله عليه السلام بحديث فقلت له: جعلت فداك أليس زعمت لي الساعة كذا وكذا ؟فقال:لا. فعظم ذلك عليَّ فقلت: بلى والله زعمت، فقال: لا والله ما زعمته ! قال: فعظم عليَّ فقلت: جعلت فداك بلى والله قد قلته ! قال: نعم قد قلته أما علمت أن كل زعم في القرآن كذب» !
فقد تعمد الإمام عليه السلام أن يصدم هذا الراوي، لينتبه الى معاني كلماته ولا يطلقها جزافاً .

مفاجأة عمر في نسف حرفية القرآن !

كان النبي صلى الله عليه وآله في حياته يُبَلِّغُ النص القرآني للمسلمين، وكانوا إذا شَكُّوا فيه راجعوه فَصَحَّحَهُ لهم، فكان النص الديني واحداً مضبوطاً في مصدره وتلاوته.
أما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله فلم تقبل السلطة نسخة القرآن التي جاء بها علي عليه السلام ، ولعلها خافت مما فيها من تفسير، فتركت الأمر بدون مرجع مكتوب.
وكان المسلم إذا شك في قراءته سأل من يرى أنه يحفظه من الصحابة، فنتج عن ذلك اختلافهم فيه، لعدم تبني السلطة نسخة مكتوبة !
هنا ابتدع عمر مقولةً ورَّطَ فيها الأمة من بعده، فقال إن القرآن يتسع لأكثر من قراءة، ولا بأس بأن يبدل القارئ بعض ألفاظه ببعض، ما دام لم يُغَيِّر اللفظ الى العكس، المغفرة الى عذاب، أو العذاب الى مغفرة !
روى أحمد في مسنده «4/30 » : «قرأ رجل عند عمر فَغَيَّر عليه فقال: قرأت على رسول الله فلم يغيِّر عليَّ! قال فاجتمعنا عند النبي قال فقرأ الرجل على النبي فقال له: قد أحسنت ! قال فكأن عمر وَجَدَ من ذلك فقال النبي: يا عمر إن القرآن كله صواب، ما لم يُجعل عذابٌ مغفرةً، أو مغفرةٌ عذاباً » !
ونسب في مسند أحمد «5/41، و51، و124» الى النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: « إن قلت غفوراً رحيماً، أو قلت سميعاً عليماً، أو عليماً سميعاً، فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب» !
وقال في مجمع الزوائد «7 /150» عن رواية أحمد الأولى: «رواه أحمد ورجاله ثقات».
ثم وثق حديث: « كلٌّ شافٍ كافٍ ما لم يختم آية عذاب برحمةٍ أو رحمة بعذاب» !
وقال السيوطي في الإتقان «1/168» عن حديث عمر: إن القرآن كله صواب، ما لم تجعل مغفرة عذاباً أو عذاباً مغفرة. أسانيدها جياد » !
أقول: تعني هذه المقوله البركانية: أن الخليفة تنازل عن صيغة القرآن وعَوَّمَ نصه لتقرأه بالألفاظ التي تريدها بشرط: أن لا تقلب المعنى من مغفرة إلى عذاب !
ثم أفتى للمسلمين بأن كل قراءاتهم بالمعنى، تكون قرآناً أنزله الله تعالى !
وبذلك يكون الخليفة أعطى للناس حقاً لم يعطه الله تعالى حتى لرسوله صلى الله عليه وآله ، لأنه قال له: قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ «يونس : 15».
ومع وضوح خطأ هذه المقوله وخطرها، فقد صارت فتوىً ومرسوماً خلافياً أشاد به الفقهاء الرسميون، وأفتوا بجواز تغيير نصوص الصلاة لأنها أخف من نص القرآن ! وبذلك جعلوا إلغاء جدية اللغة وحرفيتها وقصديتها ديناً، وقدموه الى المسلمين ليدينوا به، ويشكروا الله على هذه التوسعة والرحمة للعباد!
قال الشافعي في اختلاف الحديث/489، والأم«1/142»: « وقد اختلف بعض أصحاب النبي في بعض لفظ القرآن عند رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يختلفوا في معناه فأقرهم ! فما سوى القرآن من الذكر أولى أن يتسع هذا فيه » !
وقال ابن قدامة في المغني «1/575» : «إن عبد الله كان يرخص في إبدال لفظات من القرآن فالتشهد أولى! فقد روي عنه أن إنساناً كان يقرأ عليه: إن شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأَثِيمِ، فيقول طعام اليتيم، فقال له عبدالله: قل طعام الفاجر » !
وقال البيهقي في سننه «2/145»: «قال الشافعي رحمه الله : فإذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف، معرفة منه بأن الحفظ قد نزر ليجعل لهم قراءته وإن اختلف لفظهم فيه، كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يُخَلَّ معناه ».
والسبعة أحرف: مقولةٌ أخرى لعمر في نفس الموضوع، وقد استوفيناها في كتاب تدوين القرآن. وقد حاول محبوه أن يفسروها فلم يجدوا لها معنى معقولاً !
قال السيوطي في الإتقان في علوم القرآن «1 / 172و76»: « قال ابن حبان: اختلف أهل العلم في معنى الأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولاً ! في معنى إنزال القرآن على سبعة أحرف،وهي أقاويل يشبه بعضها بعضاً وكلها محتملة ويحتمل غيرها!
وقال المرسي: هذه الوجوه أكثرها متداخلة ولا أدري مستندها ولا عمن نقلت.. وفيها أشياء لا أفهم معناها على الحقيقة، وأكثرها يعارضه حديث عمر مع هشام بن حكيم الذي في الصحيح، فإنهما لم يختلفا في تفسيره ولا أحكامه، إنما اختلفا في قراءة حروفه ».
إن هذه الفتوى العمرية ثورة كاملة على النص الديني، فأعمق ما في الدين هو النص، وهذه المقولة مرسومٌ بإلغائه، وتفجير أنظمة الدلالة فيه !

رفض أهل البيت عليهم السلام قرار إلغاء قصدية اللغة

كان موقف أهل البيت عليهم السلام حاسماً رافضاً للتنازل عن حرفية النص القرآني، لأن القرآن واحدٌ، نزل من عند الواحد، على حرفٍ واحد، على قلب واحد.
قال الفضيل بن يسار قلت لأبي عبد الله «الصادق عليه السلام »: «إن الناس يقولون إن القرآن نزل على سبعة أحرف. فقال: كذبوا أعداء الله، ولكنه نزل على حرف واحد، من عند الواحد ». «الكافي :2/630».
ولم يتجرأ من علماء السلطة على موافقة أهل البيت عليهم السلام وإعلان خطأ الخليفة عمر إلا ابن حزم، قال في الأحكام «4/528»: «فإن ذكر ذاكرٌ الرواية الثابتة بقراءات منكرة، صحت عن طائفة من الصحابة.. مثل ما صح عن عمر من قراءة: صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم والضالين. ونحن لا ننكر على من دون رسول الله صلى الله عليه وآله الخطأ فقد هتفنا به هتفاً، ولا حجة فيما روي عن أحد دونه عليه السلام ولم يكلفنا الله تعالى الطاعة له ولا أمرنا بالعمل به ولا تكفل بحفظه، فالخطأ فيه واقع فيما يكون من الصاحب فمن دونه. فكيف يقولون مثل هذا، أيجيزون القراءة هكذا ! فلعمري لقد هلكوا وأهلكوا، وأطلقوا كل بائقة في القرآن » !
ولم أر شبيهاً له إلا ابن قدامة الحنبلي فقد انتقد تعويم النص القرآني بطرف خفي .
أما الباقون فقاموا بتبرير فعل الخليفة، وجعلوا ذلك توسعةً على العباد !

تلاميذ أهل البيت عليهم السلام أول من صنف في ألفاظ القرآن

« أول من دَوَّنَ علم القراءة أبان بن تغلب الربعي، أبو سعيد، ويقال أبو أميمة الكوفي، قال النجاشي في فهرس أسماء مصنفي الشيعة: كان أبان رحمه الله مقدماً في كل فن من العلم، في القرآن، والفقه، والحديث.. وقد ذكر ابن النديم في الفهرست «ص276» تصنيف أبان في القراءة، قال: وله من الكتب معاني القرآن لطيف، كتاب القراءة، كتاب من الأصول في الرواية على مذهب الشيعة ».
وبعد أبان صنف حمزة بن حبيب، أحد القراء السبعة كتاب القراءة. قال ابن النديم في الفهرست: « كتاب القراءة لحمزة بن حبيب، وهو أحد السبعة من أصحاب الصادق عليه السلام ».
« ثم اعلم أن المصنفين في غريب القرآن بعد أبان جماعة من الشيعة منهم: أبو جعفر الرواسي، وهو متقدم أيضاً على أبي عبيدة، ومنهم أبو عثمان المازني، المتوفى سنة 248، والفراء المتوفى سنة 207، وابن دريد الكوفي اللغوي المتوفى سنة221، وعلي بن محمد السيمساطي. وستأتي تراجم هؤلاء في فصل علم النحو، وفصل علم اللغة، والدلالة على تشيعهم». «الشيعة وفنون الإسلام/27».
« قال السيوطي في الأوائل: أول من صنف غريب القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى، أخذ ذلك من أسئلة نافع بن الأزرق لابن عباس. انتهى. والعجب من السيوطي كيف يقول ذلك، مع أنه ذكر في بغية الوعاة أن أبان بن تغلب صنف غريب القرآن وذكر وفاته 141». «أعيان الشيعة :1/128» .
وقد اقترب أحد الوهابيين المعاصرين من رأينا، وهو أحمد حسن الخميسي، فقد نشر في مجلة ملتقى أهل التفسير: http//www.tafsir.net/vb/tafsir16133 بحثاً بعنوان: حركة التأليف المعجمي في مفردات القرآن، قال فيه:
« أول من قال بغريب القرآن هو ابن عباس، وطبع له كتاب في غريب القرآن. كما أن مسائل نافع بن الأزرق المتوفى سنة 65ه قد أُثبتت في الإتقان للسيوطي وهي مطبوعة في شواهد القرآن لأبي تراب الظاهري، وفي إعجاز القرآن لعائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ». والمؤلَّفُ الثاني في غريب القرآن: هو لأبي سعيد أبان بن تغلب بن رباح البكري المتوفى141ه ودوَّن شواهده من الشعر. وهذا مايجعلنا نقول: إن بداية تدوين غريب القرآن في النصف الأول من القرن الثاني للهجرة واستمر إلى العصر الحاضر».
وقد عقد ابن النديم في«الفهرست» أبواباً للمؤلفات في القرآن، وأكثرها للشيعة:
«باب نزول القرآن بمكة والمدينة وترتيب نزوله/28
تسمية الكتب المصنفة في تفسير القرآن/36
الكتب المؤلفة في معاني القرآن ومشكله ومجازه/37
الكتب المؤلفة في غريب القرآن/37
الكتب المؤلفة في لغات القرآن/38
الكتب المؤلفة في القراءات/38
الكتب المؤلفة في النقط والشكل للقرآن/38
الكتب المؤلفة في لامات القرآن/38
الكتب المؤلفة في الوقف والابتداء في القرآن/38
الكتب المؤلفة في اختلاف المصاحف/38
الكتب المؤلفة في وقف التمام/39
الكتب المؤلفة فيما اتفقت ألفاظه ومعانيه في القرآن/39
الكتب المؤلفة في متشابه القرآن/39
الكتب المؤلفة في هجاء المصاحف/39
الكتب المؤلفة في مقطوع القرآن وموصوله/39
الكتب المؤلفة في أجزاء القرآن/39
الكتب المؤلفة في فضائل القرآن/39
الكتب المؤلفة في عدد آي القرآن/40».

ثقافة المسلمين وتاريخهم صراع بين القصدية والتعويم !

لخص الله تاريخ الخلاف بعد الرسل بمذهب التمسك بقصدية اللغة، ومذهب تعويم اللغة ! فقال تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ .
فالإختلاف بعد الرسل عليهم السلام كله: صراعٌ بين من يلتزم بحرفية النص الإلهي والنبوي، وبين من يلغي الحرفية، ويفتي بتعويم النص لأجل غرضه.

مثال لنتائج تعويم كلمة بتاثيراللغة الأم !

اخترع فقهاء السلطة قاعدة القياس في الأحكام فقالوا: إذا وجدنا موضوعاً حكمه التحريم، وموضوعاً مشابهاً له، نحكم عليه بالتحريم قياساً على شبيهه، لأنه يُظن أو يحُتمل اشتراكهما في العلة.
وهي قاعدة واسعة في أبواب الفقه، تؤثر على كل الشريعة. وقد ردها أهل البيت عليهم السلام ووصفوها بأنها خطر على الشريعة لأنها تنسب الى الله تعالى أحكام تحليل وتحريم، بظن القاضي والمفتي واستحسانهما ! والظن لايغني عن الحق شيئاً .
فانبرى فقهاء السلطة لتبرير القياس، واستدلوا عليه بكلمة «فاعتبروا» في قوله تعالى: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ .
ومعنى الآية: خذوا العبرة من مصير بني قريظة لما نقضوا عهدهم مع النبي صلى الله عليه وآله وتحزَّبوا مع الأحزاب، فلما انهزم الأحزاب قذف الله في قلوبهم الرعب فاستسلموا وخرَّبوا بيوتهم بأيديهم !
ولا قياس في الآية، لكن هؤلاء الفقهاء، وأكثرهم من الفرس، قالوا: إن معنى: فاعتبروا: فقيسوا، لأن الإعتبار بالفارسية: الوزن، فقالوا معناها: زنوا الأمور يا أولي الأبصار، أي قيسوا الشريعة !
ثم حبَّروا في كتب الفقه وأصول الفقه مئات الصفحات لإقناعك بأن الإعتبار في الآية بمعنى القياس، حتى قال الجصاص في الفصول «4/31» إن ابن سريج كتب نحو خمس مئة ورقة، في الإستدلال بالآية على القياس!
وقال الآمدي في الإحكام «4/152»: «والمعتمد في ذلك الإحتجاج بقوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ، أوجب الإعتبار وأراد به القياس» !
وقد كتبنا في: ألف سؤال وإشكال «2/514» أن أصل حجتهم على القياس والظنون عملُ عمر بن الخطاب، أما محاولتهم الإستدلال بالآية فتبريرٌ لذلك .
قال ابن حزم في المحلى «1/57» : « ومن العجيب أن يكون معنى الإعتبار القياس ويقول الله تعالى لنا: قيسوا . ثم لايبين لنا ماذا نقيس، ولا كيف نقيس، ولا على ماذا نقيس» !
إن استدلالهم باعتبروا على القياس مثلٌ صارخ لخطر تعويم النص الديني والخروج عن مدلوله المطابقي أو الإلتزامي. ومثلٌ واضح لضرورة فهم اللغة من أهلها، والحذر من رواسب اللغات الأم.

من ليس له خبرة كافية بالعربية لا يكون فقيهاً

ذلك أن لغة الإسلام العربية، فلا بد للباحث والفقيه من معرفة قواعدها، وفهم معانيها، والخبرة بتراكيبها، ليستطيع القول إن المعنى المقصود لله تعالى أو للنبي صلى الله عليه وآله هو هذا، فيبني عليه ويفتي به.
إن الإجتهاد يتوقف على استظهار المعنى من النص، ولا يمكن الإستظهار بيقين إلا بفهم اللغة وقواعدها. وليس هذا تنقيصاً لمقام الباحث والفقيه من غير العرب، فقد عشتُ في إيران نحو عشرين سنة، واختلطت بالفرس وتكلمت بالفارسية وترجمت منها، لكني لم أعش بين أهل اللغة محضاً، ولذلك لا أعدُّ نفسي صاحب خبرة كافية بها تخولني أن أجزم دائماً بمداليل نصوصها.
إن المسألة ليست بالبساطة التي يتصورها البعض، فما لم تصبح اللغة الثانية أماً لك كلغتك، أو خالةً، فلا تعتبر نفسك مؤهلاً للحكم فيها، لأنك قد تعطي رأياً في تحليل لفظ وأبعاد معناه، ثم يُلفتك المتخصصون من أبنائها الى أنك شطحتَ بعيداً عن مدلول الكلمة والجملة عند أهلها !
لكن الكثيرين من غير العرب عاشوا في بلاد العرب فصارت العربية لغتهم الأم أو أمهم الثانية، وصاروا مرجعاً في العربية للعرب أنفسهم، كسيبويه والكسائي والزجاج والمبرد والفارسي، وأكثر اللغويين والنحويين.
أما في عصرنا فقلَّ منهم من عايش العربية بين أهلها، لكن منهم منصفين يرجعون الى الخبير بها، فيسألونه عن هذه العبارة، وهذا اللفظ عند العرب.
يسألونه مثلاً عن اليوم هل هو عند العرب من طلوع الشمس أو من طلوع الفجر الى غروب الشمس؟ وتترتب عليه أحكام في الصوم، وعدة الطلاق، وأحكام السفر، والعقود الموقتة بالأيام.
ويسألونه مثلاً عن قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِي. هل المقصود: أقم الصلاة لأجل ذكر الله تعالى، أو أقم الصلاة التي نِمْتَ عنها أو نسيتها عندما تذكرها. أو أنها تشمل المعنيين؟ وتترتب عليه أحكام كذلك.
لكنَّ المشكلة في من يركب رأسه ويرى أنه أخبرُ بالعربية من أهلها، فتراه يأخذ بأول معنى يَعِنُّ لذهنه، ويجادلك فيه ولايقنع بفهمك لمعنى اللفظ، ولا باستعمال العرب له كأنه هو واضع اللغة ! لهذا، كان من الضروري لمن أراد التخصص في اللغة العربية، أن يعيش فترة كافية بين أهلها، ويحاورهم، مضافاً الى دراسته ومطالعاته .
ولهذا، أرجو أن يكون عملي في تصحيح مفردات الراغب، قربةً الى الله تعالى، والى رسوله وآله عليهم السلام .
كتبه: العاملي
في الرابع والعشرين من ذي الحجة 1432
(مفردات ألفاظ القرآن
للشيخ أبي القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الراغب الأصفهاني)

مقدمة الراغب الأصفهاني

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلواته على نبيه محمد وآله أجمعين.
قال الشيخ أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الراغب رحمه الله : أسأل الله أن يجعل لنا من أنواره نوراً، يرينا الخير والشر بصورتيهما، ويعرفنا الحق والباطل بحقيقتيهما، حتى نكون ممن يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، ومن الموصوفين بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وبقوله: أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ .
كنت قد ذكرت في الرسالة المنبهة على فوائد القرآن، أن الله تعالى كما جعل النبوة بنبينا صلى الله عليه وآله مختتمة، وجعل شرائعهم بشريعته من وجه منتسخة ومن وجه مكملة متممة، كما قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً، جعل كتابه المنزل عليه متضمناً ثمرة كتبه التي أولاها أوائل الأمم، كما نبه عليه بقوله تعالى: يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً، فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ . وجعل من معجزة هذا الكتاب أنه مع قلة الحجم متضمن للمعنى الجم، بحيث تقصر الألباب البشرية عن إحصائه، والآلات الدنيوية عن استيفائه، كما نبه عليه بقوله تعالى: وَلَوْ أنمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إن اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وأشرت في كتاب الذريعة إلى مكارم الشريعة أن القرآن وإن كان لا يخلو الناظر فيه من نور ما يريه، ونفع ما يوليه، فإنه:
كالبدر من حيثُ التفتَّ رأيتَهُ * يُهدي إلى عينيك نوراً ثاقبا
كالشمس في كبد السماء وضوئها * يَغشى البلادَ مَشارقاً ومغاربا
لكن محاسن أنواره لا يثقفها إلا البصائر الجلية، وأطايب ثمره لا يقطفها إلا الأيدي الزكية، ومنافع شفائه لاينالها إلا النفوس النقية، كما صرح تعالى به فقال في وصف متناوليه: إنهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ .
وقال في وصف سامعيه: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً .
وذكرتُ أنه كما لا تدخل الملائكة الحاملة للبركات بيتاً فيه صورةٌ أو كلبٌ، كذلك لا تدخل السكينات الجالبة للبينات قلباً فيه كبرٌ وحِرْصٌ، فالخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات، والطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات.
ودللت في تلك الرسالة على كيفية اكتساب الزاد، الذي يرقى كاسبه في درجات المعارف حتى يبلغ من معرفته أقصى ما في قوة البشر أن يدركه، من الأحكام والحكم، فيطلع من كتاب الله على ملكوت السماوات والأرض، ويتحقق أن كلامه كما وصفه بقوله: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَئٍْ .
جعلنا الله ممن تولى هدايته حتى يبلغه هذه المنزلة، ويخوله هذه المكرمة، فلن يهديه البشر من لم يهده الله كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله : إنكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ .
وذكرتُ أن أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن العلوم اللفظية. ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة، فتحصيل معاني مفردات ألفاظ القرآن في كونه من أوائل المُعاون لمن يريد أن يدرك معانيه، كتحصيل اللِّبْن في كونه من أول المُعاون في بناء ما يريد أن يبنيه، ليس ذلك نافعاً في علم القرآن فقط، بل هو نافع في كل علم من علوم الشرع، فألفاظ القرآن هي لُبُّ كلام العرب وزُبدته، وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم، وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم. وما عداها وعدا الألفاظ المتفرعات عنها والمشتقات منها، هو بالإضافة إليها كالقشور والنوى، بالإضافة إلى أطايب الثمرة، وكالحثالة والتبن، بالإضافة إلى لبوب الحنطة.
وقد استخرت الله تعالى في إملاء كتاب مستوفى، فيه مفردات ألفاظ القرآن على حروف التهجي، فنقدم ما أوله الألف ثم الباء، على ترتيب حروف المعجم، معتبراً فيه أوائل حروفه الأصلية دون الزوائد، والإشارة فيه إلى المناسبات التي بين الألفاظ المستعارات منها والمشتقات، حسبما يحتمل التوسع في هذا الكتاب، وأحيل بالقوانين الدالة على تحقيق مناسبات الألفاظ على الرسالة التي عملتها مختصة بهذا الباب، ففي اعتماد ما حررته من هذا النحو استغناء في بابه من المثبطات، عن المسارعة في سبيل الخيرات، وعن المسابقة إلى ما حثنا عليه بقوله تعالى: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، سهل الله علينا الطريق إليها.
وأُتْبِعُ هذا الكتاب إن شاء الله تعالى ونسأ في الأجل، بكتاب ينبئ عن تحقيق الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد، وما بينها من الفروق الغامضة، فبذلك يعرف اختصاص كل خبر بلفظ من الألفاظ المترادفة، دون غيره من أخواته نحو ذكره القلب مرة، والفؤاد مرة، والصدر مرة. ونحو ذكره تعالى في عقب قصة: إن فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، وفي أخرى: لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وفي أخرى: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وفي أخرى: لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ، وفي أخرى: لأُولِي الأَبْصَارِ، وفي أخرى: لِذِي حِجْرٍ، وفي أخرى: لأُولِي النُّهَى. ونحو ذلك مما يعده من لا يُحق الحق ويُبطل الباطل أنه باب واحد، فيُقدر أنه إذا فسر الحمد لله بقوله الشكر لله، لاريب فيه ولا شك فيه، قد فسر القرآن ووفاه التبيان.
جعل الله لنا التوفيق رائداً والتقوى سائقاً، ونفعنا بما أولانا، وجعله لنا من معاون تحصيل الزاد، المأمور به في قوله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإن خَيْرَ الزَّادِ التقْوَى .
ملاحظات
تدل مقدمة الراغب على أن كتاب المفردات كان آخر مؤلفاته، أو من أواخرها، لأنه لم يؤلف ما وعد به إن نسئ في أجله.
وهذا حُسْنٌ في الكتاب ، لأن أواخر مؤلفات العالم تتضمن خبرات عمره العلمية .
أما قوله في وصف العارف: « فيطلع من كتاب الله على ملكوت السماوات والأرض » فيدل على مذهبه العرفاني الفلسفي، الذي يعطي للمتصوف درجات الأنبياء عليهم السلام . وهو ما لايوافقه عليه عامة المسلمين.

أ

أبَا
الأب:الوالد، ويسمى كل من كان سبباً في إيجاد شئ أو إصلاحه أو ظهوره: أباً، ولذلك يسمى النبي صلى الله عليه وآله أبا المؤمنين، قالالله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ، وفي بعض القراءات: وهو أبٌ لهم.
وروى أنه صلى الله عليه وآله قال لعلي: أنا وأنت أبَوَا هذه الأمة. [وإلى هذا أشار بقوله: كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي] وقيل أبو الأضياف لتفقده إياهم، وأبو الحرب لمهيجها، وأبو عذرتها لمفتضها.
ويسمى العم مع الأب أبوين وكذلك الأم مع الأب، وكذلك الجد مع الأب، قال تعالى في قصة يعقوب: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِداً. وإسماعيل لم يكن من آبائهم وإنما كان عمهم.
وسمي معلم الإنسان أباه لما تقدم ذكره، وقد حمل قوله تعالى: وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ على ذلك، أي علماءنا الذين ربَّوْنا بالعلم، بدلالة قوله تعالى: رَبَّنَا إنا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا.
وقيل في قوله: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ، إنه عنى الأب الذي ولده، والمعلم الذي علمه.
وقوله تعالى: مَا كَأن مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ، إنما هو نفي الولادة، وتنبيه أن التبني لا يجرى مجرى البنوة الحقيقية.
وجمع الأب: آباء وأُبُوَّةٌ، نحو بُعُولَةٌ وخَؤُولَة. وأصل أب: فَعَلَ، وقد أجري مجرى قَفَا في قول الشاعر:
إن أباها وأبا أباها
ويقال: أبَوْتُ القومَ أأبوهم: كنتُ لهم أباً، وفلان يأبو بُهْمَهُ، أي يتفقدها تفقد الأب. وزادوا في النداء فيه تاء فقالوا: يا أبت. وقولهم: بأبأ الصبي، فهو حكاية صوت الصبي إذا قال: بابا.
ملاحظات
1. الوالد الذي منه نطفة الولد، والأب أعم من الوالد والمربي والأستاذ. وقد يعبر عنه بالوالد مجازاً. وآزر في قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَر، هو عم إبراهيم عليه السلام ومربيه، وإسم والده تارخ. ويدل على ذلك قوله تعالى: وَمَا كَأن اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلما تَبَيَّنَ لَهُ إنهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ. فقد كان استغفاره له في بابل ثم لم يستغفر له. ثم استغفر لوالديه وليس لأبيه، قال: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ. ربَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ.
فالمتبرأ منه في بابل أبوه آزر، والمستغفر له بعدها والده تارخ. «راجع الخصال:318».
وقد استعمل القرآن أب ومشتقاتها في أكثر من مئة مورد، وكلها تقصد المربي وقد يكون هو الوالد، إلا إذا ثُنِّيت ودخلت معها الأم فتكون بمعنى الوالدين لاغير، كقوله تعالى: وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ.
واستعمل الوالد مفرداً وجمعاً ثلاثاً وعشرين مرة. وقوله تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ، لايشمل المعلم والمربي كما تصور بعضهم، لأنه ليس والداً، وإن لزم شكره بملاك آخر. ولعله لذلك قال الراغب: وقيل.
2. قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : أنا وأنت أبوا هذه الأمة، رواه الصدوق في أماليه بأسانيد/65 و411 و755. وفي معاني الأخبار/118: «قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : أنا وأنت أبوا هذه الأمة، فلعنالله من عقنا. قل آمين، فقلت: آمين».
وهي أبوة معنوية من نوع أبوة إبراهيم عليه السلام لأمتنا: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ. وهي أعلى رتبةً من الأبوة الحقيقية، لأن النبي صلى الله عليه وآله مؤسس الأمة، وعلي عليه السلام وزيره وعضده في جهاده، وولي الأمة بعده.
وقد وضعنا قول الراغب: [وإلى هذا أشار بقوله: كل سبب ونسب. . ] بين قوسين، لأنه لامعنى له هنا. فالنسب في أبوة النبي وعلي للأمة مجازي، وفي الحديث حقيقي، وقد استشهد به عمر بن الخطاب لما خطب ابنة فاطمة الزهراء عليها السلام، فاعتذر له بأنها لابن أخيه جعفر.
3. قال الخليل في العين «8419»: «أبوت الرجل آبوه، إذا كنت له أباً. ويقال في المثل: لا أباً لك كأنه يمدحه. والأبوة: الفعل من الأب كقولك: تأبيت أباً، وتبنيت إبناً، وتأممت أماً».
أبَيَ
الإباء: شدة الإمتناع، فكل إباء امتناع وليس كل امتناع إباء. قال تعالى: وَيَأْبَىاللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ، وقال: وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ، وقال: أَبَى وَاسْتَكْبَرَ، وقوله: إِلا إِبْلِيسَ أَبَى. ورويَ: كلكم في الجنة إلا من أبى.
ومنه رجل أبيٌّ: ممتنع من تحمُّل الضيم. وأبيت الضير تأبى. وتيس آبي، وعنز أبواء، إذا أخذها من شرب ماء فيه بول الأروى داءٌ يمنعها من شرب الماء.
ملاحظات
1. الإباء: مطلق الإمتناع، وتفرد الراغب عن اللغويين بتقييده بالشدة، ولا يصح ذلك لأنك تسأل: هل كان إباؤه شديداً، أم لا؟
2. قال الخليل «8/419»: «أبى فلان يأبى إباءً: أي ترك الطاعة ومال إلى المعصية، قالالله عز وجل: فكذب وأبى. ووجهٌ آخر: كل من ترك أمراً ورده فقد أبى. ورجل أبيٌّ ذو إِبَاء، وقوم أبِيُّونَ وأُباة».
وقال ابن فارس «1/45»:«تدل على الإمتناع. أبيت الشئ آباه. والإباء أن تعرض على الرجل الشئ فيأبى قبوله فتقول: ماهذا الإباء بالضم والكسر. والأبية من الإبل: الصعبة».
3. معنى حديث: كلكم في الجنة إلامن أبى، أي عصى وعَمِلَ عَمَلَ من يأبى دخولها، فهو إباء بالمآل. رواه أحمد «2/361» وغيره وصححوه. ورواه من علمائنا الصدوق في كمال الدين/250 من حديث قدسي فيه: «يا محمد لأدخلن جميع أمتك الجنة إلا من أبى فقلت: إلهي وأحدٌ يأبى من دخول الجنة؟ فأوحىالله عز وجل إلي: بلى فقلت: وكيف يأبى؟ فأوحىالله إلي: يا محمد اخترتك من خلقي، واخترت لك وصياً من بعدك، وجعلته منك بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدك، وألقيت محبته في قلبك، وجعلته أبا لولدك، فحقه بعدك على أمتك كحقك عليهم في حياتك، فمن جحد حقه فقد جحد حقك، ومن أبى أن يواليه فقد أبى أن يواليك، ومن أبى أن يواليك فقد أبى أن يدخل الجنة، فخررت لله عز وجل ساجداً شكراً لما أنعم علي. . الخ. ».
أبَّ
قوله تعالى: وَفَاكِهَةً وَأَبًّا. الأبُّ: المرعى المتهئ للرعي والجز، من قولهم أبَّ لكذا أي تهيأ، أبّاً وإبابةً وإباباً. وأبَّ إلى وطنه: إذا نزع إلى وطنه نزوعاً تهيأَ لقصده، وكذا أبَّ لسيفه إذا تهيأ لِسَلِّه. وإبَّانَ ذلك: فِعْلان، منه، وهو الزمان المهيأ لفعله ومجيئه.
ملاحظات
الأبُّ: النبات الذي ترعاه الأنعام، قال تعالى: وَفَاكِهَةً وَأَبّاً مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ. أما المرعى فهو مكان الرعي، وقد يطلق على نباته مجازاً.
قال ابن حجر في فتح الباري «6/212»: «وروى ابن جرير من طريق إبراهيم التيمي، أن أبا بكر الصديق سئل عن الأب فقال: أيُّ سماء تُظلني وأي أرض تُقلني إذا قلت في كتاب الله بغير علم. وعن عمر أنه قال: عرفنا الفاكهة فما الأب ؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف».
وقال ابن حزم «1/61»: «وقد ثبت عن الصديق أنه قال: أي أرض تقلني أو أي سماء تظلني».
وروى المفيد في الإرشاد: 1/200، قول علي عليه السلام : «يا سبحانالله، أما علم أن الأبَّ هو الكلأ والمرعى، وأن قوله عز اسمه: وفاكهةً وأباً، اعتدادٌ منالله سبحانه بإنعامه على خلقه فيما غذاهم به وخلقه لهم ولأنعامهم».
أبَدٌ
قال تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً. الأبد: عبارة عن مدة الزمان الممتد الذي لايتجزأ كما يتجزأ الزمان، وذلك أنه يقال: زمان كذا ولا يقال أبد كذا. وكان حقه أن لا يثنى ولا يجمع، إذ لا يتصور حصول أبدٍ آخر يُضم إليه فيثنى به، لكن قيل آباد، وذلك على حسب تخصيصه في بعض ما يتناوله، كتخصيص إسم الجنس في بعضه، ثم يثنى ويجمع.
على أنه ذكر بعض الناس أن آباداً مولَّد، وليس من كلام العرب العرباء.
وقيل: أبدٌ آبدٌ وأبيد، أي دائمٌ، وذلك على التأكيد. وتأبد الشئ: بقي أبداً، ويعبر به عما يبقى مدة طويلة.
والآبدة: البقرة الوحشية. والأوابد الوحشيات. وتأبَّد البعير: توحش فصار كالأوابد. وتأبد وجه فلان: توحَّشَ. وأبَّدَ كذلك، وقد فسر بالغضب.
ملاحظات
1. الأبد: الزمن الذي له بداية، وله أربعة معان:
الأول: ما له بداية ويمتد مدة طويلة بدون خلود، فيصح أن تشترط فيه فتقول: لن أفعل ذلك أبداً حتى كذا، أو إلا إذا حدث كذا. قالالله تعالى: وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ.
أما الخلود في مثل قوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً فيفهم من خالدين وليس من التأبيد، ولذلك لاتقول: خالدين حتى كذا، نعم يصح شرطه بمشيئةالله تعالى وبقاء الكون، كقوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرض إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ.
الثاني: ما له بداية ويمتد الى ما لانهاية، فهو كالأزل للماضي الممتد الى مالا نهاية.
وبهذا المعنى تقول: إنالله تعالى أزلي أبدي، أي لاحدَّ لأوليته ولامنتهى لآخريته، قال أمير المؤمنين عليه السلام : «لم يخلق الأشياء من أصول أزلية ولا أوائل أبدية». «نهج البلاغة:2/66».
الثالث: بمعنى آباد الدهر الماضية، فيقال للشئ القديم أبدي.
الرابع: بمعانٍ أخر، فيقال للحيوان: أبَدَ وتأبَّدَ أي تَوَحَّشَ، وتأبَّدَت الدار: خَلَت. وقَوَافٍ أوابد وشوارد: أي نادرة. «العين:8/85».
2. قال الخليل «8/85»: «آباد الدهر: طوال الدهر، والأبيد مثل الآباد. والآبدة: الغريبة من الكلام، والجميع أوابد. والأوابد: الوحش. وتأبد فلان: طالت غربته. وتأبدت الدار: خلت من أهلها».
وقال ابن فارس«1/34»: «والعرب تقول: أبدٌ أبيد كما يقولون دهرٌ دهير. والأَبْدَة الفعلة تبقى على الأبد. ويقال تأبد وجهه: كلف».
أبَقَ
قالالله تعالى: إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. يقال أبَقَ العبد يأبَق إباقاً، وأبِق يأبق إذا هرب. وعبدٌ آبق وجمعه أُبَّاق، وتأبَّق الرجل: تشبه به في الإستتار، وقول الشاعر:
قد أُحْكِمَتْ حَكَمَات القَدِّ والأبَقا
قيل: هو القُنَّب.
ملاحظات
جعل الراغب الإباق مطلق الهرب، وجعله الخليل الهرب: «من غير خوف ولا كد عمل».
وقال ابن فارس «1/39»: «تقول: أبق به: أخذه، وأبق الى كذا: هرب اليه، وبهذا المعنى وردت في القرآن في نبي الله يونس عليه السلام : إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ».
إبِلٌ
قالالله تعالى: وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ. الإبل: يقع على البعران الكثيرة، ولا واحد له من لفظه. وقوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، قيل أريد بها السحاب، فإن يكن ذلك صحيحاً فعلى تشبيه السحاب بالإبل وأحواله بأحوالها.
وأبَلَ الوحشيُّ يأبَلُ أبُولاًوأبَل أبْلاً: اجتزأ عن الماء تشبهاً بالإبل في صبرها عن الماء. وكذلك تأبَّلَ الرجل عن امرأته، إذا ترك مقاربتها.
وأبَّلَ الرجل: كثرت إبله. وفلان لا يأبل، أي لا يثبت على الإبل إذا ركبها.
ورجل آبِلٌ وَابِل: حسن القيام على إبله. وإبل مؤبَّلة: مجموعة. والإبالة: الحزمة من الحطب تشبيهاً به.
وقوله تعالى: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، أي متفرقة كقطعات إبل، الواحد أَبِيل.
ملاحظات
الإبِل بكسر الباء، وقد تسكَّن: إسم جنس للأباعر والجمال لامفرد له، وذكرالله عز وجل خلقتها المميزة وتسخيرها للإنسان، فقال: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الآبِلِ كَيْفَ خُلِقَت. وقال: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِاللهِ. وقال: وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِير. وقد توسع العرب في الإشتقاق منها فقالوا لمجموعة الخيل المغيرة: خيلٌ أبابيل. «العين:8/343».
واختار الراغب أن مفردها إِبِّيل، والصحيح أنه لامفرد لها، حيث لم يسمع من العرب إلا إِبِّيل بالتشديد، وهو كلمة سريانية بمعنى المتبتل، وسمي عيسى عليه السلام إبِّيل الإبِّيلين.
ومعنى: طيراً أبابيل: مجموعات متتابعة، ووصفوها أنها كطير السنونو، مع كل طائر: «ثلاثة أحجار في منقاره ويديه، يقتل بكل حصاة منها واحداً من القوم».
وكان عبد المطلب ينتظرها، فأرسل ابنه عبدالله والد النبي صلى الله عليه وآله لينظر ناحية البحر: «فصعد عبدالله أبا قبيس، فما لبث أن جاء طيرٌ أبابيل، مثل السيل والليل». «أمالي المفيد/313».
أتَيَ
الإتيان: مجئٌ بسهولة، ومنه قيل للسيل المارِّ على وجهه أتِيٌّ وأتاوِيٌّ، وبه سمي الغريب فقيل أتاويٌّ.
والإتيان: يقال للمجئ بالذات، وبالأمر وبالتدبير. ويقال في الخير، وفي الشر، وفي الأعيان، والأعراض، نحو قوله تعالى: إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُاللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ. وقوله تعالى: أَتَى أَمْرُاللهِ. وقوله: فَأَتَىاللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ، أي بالأمر والتدبير، نحو: جَاءَ رَبُّكَ.
وعلى هذا النحو قول الشاعر: أتيت المروءة من بابها. فَلَنَاتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا.
وقوله: وَلا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى، أي لا يتعاطون. وقوله: يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ، وفي قراءة عبدالله: تأتي الفاحشة، فاستعمال الإتيان منها كاستعمال المجئ في قوله: لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا.
يقال: أتيته وأتوتُه. ويقال للسقاء إذا مُخض وجاء زِبْدُه: أتْوَةً، وتحقيقه: جاء ما من شأنه أن يأتي منه، فهو مصدر في معنى الفاعل.
وهذه أرض كثيرة الإتاء، أي الريع.
وقوله تعالى: كَان وَعْدُهُ مَأْتِيّاً، مفعول من أتيته. قال بعضهم: معناه آتياً فجعل المفعول فاعلاً وليس كذلك، بل يقال أتيت الأمر وأتاني الأمر. ويقال أتيته بكذا وآتيته كذا، قال تعالى: وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا، وقال: فَلَنَاتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا، وقال: وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا.
وكل موضع ذكر في وصف الكتاب: آتَيْنَا، فهو أبلغ من كل موضع ذكر فيه: أُوتُوا، لأن أوتوا قد يقال إذا أوليَ من لم يكن منه قبول، وآتيناهم يقال فيمن كان منه قبول.
وقوله: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ «الكهف:96» وقرأها حمزة موصولة، أي جيئوني. والإِيتاء: الإعطاء.
وخُصَّ دفع الصدقة في القرآن بالإيتاء نحو: وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ «البقرة:277» وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ «الأنبياء:73» وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً «البقرة :229» وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ «البقرة:247».
ملاحظات
1. الإتيان: المجئ مطلقاً، بسهولةٍ كان أو صعوبة، فلم يذكر أحدٌ معنى السهولة في الإتيان، بل هو أعم. ولا يصح تعليل تسمية السيل بأتيٍّ بأنه يأتي بسهولة على وجهه. نعم قد تفهم السهولة والصعوبة من نفس الآتي، أو الآتي به، أو المأتي به، أو ظرف الإتيان، فالعنف والشدة في مثل قوله تعالى: مَا تَذَرُ مِنْ شَئٍْ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيم. فُهِمَ من الريح وليس من نفس الإتيان.
2. يتغير معنى الإتيان بحروف التعدية أو حروف المعاني، وتختلف قاعدته بين: يأتي ويُؤتي، تقول: إتيان المرأة كناية عن مقاربتها، ويغلط بعضهم فيستعمله للزكاة فيقول: يجب إتيان الزكاة! ولا يصح إلا بحرف تعدية، أو يقول إيتاء الزكاة.
قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الآنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لايَأْتُونَ بِمِثْلِهِ.
وقال: وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ. وجعل السحر كالفاحشة فقال: أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ. لكنه استعمل المجئ للسحر فقال: فَلما أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إناللهَ سَيُبْطِلُهُ، ولم يستعمل الإتيان به.
3. يقال أتاه وأتى به وَأُتِيَ به: مثل جاءه وجاء به وجئ به. وأوتي وأُتيَ وأوتوا وأتوا: مثل أُعْطِيَ وأعْطُوا. قال تعالى: فَلما أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى . أَنَا آتِيكَ بِهِ.
4. ورد الإتيان للمجئ المجازي بحيلة الإغراء والإغواء، كقول إبليس: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ.
5. تقول: يؤتى على يده: أي تغلبه نفسه على الخطأ. وكتب علي عليه السلام الى حاكم مصر يأمره بالصفح عن الناس لأنهم: «يؤتى على أيديهم في العمد والخطأ». «نهج البلاغة:3/84». ولا يصح تفسيره بأنهم يُجبرون من غيرهم «شرح النهج:17/33» لأن سياقه الصفح، وإن أجبرهم غيرهم فلا استحقاق لعقوبة ليكون صفح، بينما قال عليه السلام بعده: «فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيكالله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك والله فوق من ولاك».
6. لايصح قول الراغب إن آتيناهم الكتاب يعني أنهم قبلوه، وأوتوه لم يقبلوه. قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإن فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ. فقد آتاهم الكتاب فحرفوه ولم يقبلوه!
فآتينا وأوتوا: يستعملان في المُؤْتَوْنَ الممدوحين والمذمومين. وقد يقال إن المبني للمعلوم فيه اهتمام أكثر، والمبني للمجهول يستعمل في ذم الذين لم يستفيدوا منه كقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَاللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ. وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ.
لكنه استعمله للمدح في قوله تعالى: يَرْفَعِاللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات.
7. يصح قوله: وخُصَّ دفع الصدقة في القرآن بالإيتاء، بمعنى أن أكثر ما يعبر به عن إعطائها بالإيتاء، وقد يعبر بالإعطاء كقوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. فهو يشمل الزكاة.
أما استشهاده بإيتاء المهور والسعة من المال، فهما من موارد استعمال مطلق الإيتاء، ولاعلاقة لهما بإيتاء الزكاة.
أَثَّ
الأثاث: متاع البيت الكثير، وأصله من أثَّ أي كثر وتكاثف، وقيل للمال كله إذا كثر: أثاث. ولا واحد له كالمتاع، وجمعه أثاث.
ونساء أثائث: كثيرات اللحم كأن عليهن أثاث.
وتأثث فلان: أصاب أثاثاً.
ملاحظات
لا يشترط في المتاع الكثرة، ومنه متاع البيت لأنه يقال أثاث قليل، والكثرة فيه بمعنى تراكمه ولينه، كما نص ابن فارس «1/8» ولم يذكر الراغب اللين مع أنه دخيل في أثَّ.
وقد وُصف الأثاث بالمتاع، قال تعالى: وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلى حِينٍ. فوصفه بالمتاع لأنه قد لا يتمتع به، وليس في مفهومه وقت.
وقال تعالى: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ. «النساء:102». فلم يعبر بالأثاث لأن فيه معنى الليونة والنعومة، وهي قليلة في أدوات السفر للحرب.
ولذا قال ابن منظور «2/110»: «أثث الشئ: وطأه ووثَّره». وقال الخليل«8/253»: «يوصف به الشَّعر الكثير والنبات الملتفّ».
أثَرْ
أَثَرُ الشئ: حصول ما يدل على وجوده. يقال: أثَرٌ وأثِرٌ، والجمع الآثار. قالالله تعالى: ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا «الحديد:27»
وَآثاراً فِي الْأَرْضِ«غافر:21»
وقوله: فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِالله. «الروم:50».
ومن هذا يقال للطريق المستدل به على من تقدم: آثار، نحو قوله تعالى: فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ «الصافات:70» وقوله: هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي «طه:84».
ومنه: سمنت الإبل على أثارةٍ، أي على أثر من شحم. وأَثَرْتُ البعير: جعلت على خُفِّهِ أُثْرَةً، أي علامة تؤثر في الأرض ليستدل بها على أثره، وتسمى الحديدة التي يعمل بها ذلك المئثرة. وأَثْرُ السيف: جوهره، وأثر جودته وهو الفِرَنْد، وسيف مأثور.
وأَثَرْتُ العلم: رويته، آثُرُهُ أَثْراً وأَثَارَةً وأُثْرَةً، وأصله: تتبعت أثره.
أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ. «الأحقاف:4» وقرئ: أثَرَةٌ، وهو ما يروى أو يكتب فيبقى له أثر.
والمآثر: ما يروى من مكارم الإنسان.
ويستعار الأثر للفضل والإيثار للتفضل، ومنه: آثرته. وقوله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ «الحشر:9» وقال: تَالله لَقَدْ آثَرَكَاللهُ عَلَيْنا «يوسف:91» بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا. «الأعلى:16».
وفي الحديث: سيكون بعدي أثرة. أي يستأثر بعضكم على بعض.
والإستئثار: التفرُّد بالشيئ من دون غيره، وقولهم: استأثرالله بفلان، كناية عن موته، تنبيهٌ على أنه ممن اصطفاه وتفرد تعالى به من دون الورى تشريفاً له.
ورجل أَثِرٌ: يستأثر على أصحابه. وحكى اللحياني: خذه آثراً ما، وإثراً ما، وأثر ذي أثير.
ملاحظات
1. جعل الراغب مادة أَثَرَ أصلاً واحداً، ولم يستوف استعمالاتها في القرآن. بل أخطأ في تعريف الأثر فجعله: حصول ما يدل على وجود الشئ، ثم ترك ذلك فقال: ومن هذا يقال للطريق المستدل به على من تقدم: آثار، نحو قوله تعالى: فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ. فجعل الأثر الطريق، تخيلاً من قوله: [على] آثارهم! مع أن العلو هنا معنوي وليس علواً على الطريق.
وقد أصاب الخليل في تعريفه «8/236»: «الأثر: بقية ما ترى من كل شئ. وما لا يرى بعدما يُبْقِي عُلْقَة». أي علامة.
وجعله ابن فارس ثلاثة أصول، قال «1/53»: «ثلاثة أصول: تقديم الشئ، وذكر الشئ، ورسم الشئ الباقي».
لكن يصعب إرجاع فروع المادة الى هذه الأصول.
2. أثَرُ الشئ: ما ينتج عن وجوده، وجمعه آثار، قال تعالى: فَأنظر إِلَى آثَارِ رَحْمَةِالله. أو ما ينتج عن فعله: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود.
3. أكثر ما ورد الأثر في آثار السابقين: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ. أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَةً وَآثَارًا فِي الأرض. وقد يتضمن المكان: فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً. والزمان والمكان: قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَري. واستعمل للزمن بعد الأنبياء عليهم السلام : وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا.
وبمعنى دِين الآباء والمعلمين: فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ. وَإنا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ.
وبمعنى الموقف: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
وأثَرَ فلانٌ العِلْمَ: أي تَتَبَّعَهُ وتعلمه ورواه، فهو آثرٌ ، والعلم مأثور ، وواحده أثَرٌ وأثَارَةٌ: ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ.
4. قال الراغب: ويستعار الأثر للفضل والإيثار للتفضل ومنه آثرته.
لكن آثر الشئ ليس استعارةً، بل معناه اتَّبَعَ أثَرَه، قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا.
ومعنى آثره على نفسه: أعطاه الأثر وحرم منه نفسه، فهو من الأثر أيضاً وليس استعارة، وإن صار يتضمن معنى التفضيل. ومنه قوله تعالى: قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَاللهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ. أي أعطاك الأثر دوننا وفضلك.
5. أما ثار وأثار، فهي من ثَوَرَ لا من أَثَرَ. قال تعالى: وَأَثَارُوا الأرض وَعَمَرُوهَا. وقال تعالى: فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً. وستأتي في ثَوَر.
6. قال الخليل «8/236»: «ذهبت في إثر فلان أي استقفيته، لا يشتق منه فعل. والمأثرة: المكرمة. لأنها يأثرها قرن عن قرن. ومآثر كل قوم: مساعي آبائهم. والأثير: الكريم تؤثره بفضلك على غيره. له عندنا إثرة. والميثرة، خفيفة: شبه مرفقة تتخذ للسرج».
7. قال ابن فارس «1/53»:«والأثير: من الدواب العظيم الأثر في الأرض بخفه أو حافره. ويقولون تدع العين وتطلب الأثر! يضرب لمن يترك السهولة إلى الصعوبة».
أَثَلَ
قال تعالى: ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَئْ ٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ. الأثْل: شجر ثابت الأصل، وشجر متأثل ثابت ثبوته. وتأثل: كذا ثبت ثبوته.
وقوله صلى الله عليه وآله في الوصي: غير متأثل مالاً، أي غير مقتن له ومدخر، فاستعار التأثل له، ومنه استعير: نحتُّ أثلته إذا اغتبته.
ملاحظات
1. ورد الأثل في آية واحدة: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَئٍْ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ. وسياقها الذم والتقليل من شأن الجنتين البديلتين، وليس فيها مدح للأثل بالثبوت، ولا في لفظه دلالة على الثبوت كما فهم الراغب! وهو شجر عادي يشبه السَّرْو، وما تزال بقية الجنتين من السدر والأثل في سهل مأرب باليمن، وقد رأيتهما.
2. روي عن النبي صلى الله عليه وآله وقد سأله بعضهم: «في حجري يتيم وله مال، أفآكل من ماله ؟ قال: نعم بالمعروف غير متأثل مالاً، ولا واق مالك بماله». «تفسير عبد الرزاق:1/148».
وقد فسر الراغب التأثل فيه بالثبوت، لأنه تخيل أن الأثل فيه ثبوت! لكن معنى تأثل مالاً ملك بستاناً محاطاً بالأثل، لأنهم يستعملونه سياجاً بدل الحائط، فمعنى غير متأثل: غير متملك من مال اليتيم. ومعنى ولا واقٍ مالك بماله: أي تجعل الخسارة عليه لتحفظ مالك.
3. الأثَلة: إسم للبستان وللمكان الذي يكثر فيه الأثل، يقال أثلة المدينة، وأثلة الكوفة وجمعها أثلات، وأثلة الرجل بستانه، لأنه عادةً يحاط بالأثل. ويستعار لعِرْضِه.
فقول الراغب: «ومنه استعير: نحتُّ أثلته، إذا اغتبته» غير دقيق، بل هو مستعار من اجتثثت بستانه، وقالوا: هو لا تُنْحَتُ أثلته، أي لايمكن الإنتقاص منه. «تعاريف المناوي/34». وفي مقامات الزمخشري/37: «وحاشا لمثلك أن يتولى مُثْلَتَهْ، ويَنْحَتَ بفأسه أثْلَتَهْ».
أثِمَ
الإثم والآثام: إسم للأفعال المُبَطئة عن الثواب، وجمعه آثام، ولتضمُّنه لمعنى البطء قال الشاعر:
جماليةٌ تغتلي بالروادف
إذا كذَّبَ الآثماتُ الهَجِيرَا
وقوله تعالى: فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ: أي في تناولهما إبطاء عن الخيرات.
وقد أثم إثماً وأثاماً، فهو آثمٌ وأثِمٌ وأثيم.
وتأثَّمَ: خرج من إثمه، كقولهم تحوَّبَ خرج من حُوبه وحرجه، أي ضيقه.
وتسمية الكذب إثماً: لكون الكذب من جملة الإثم، وذلك كتسمية الإنسان حيواناً لكونه من جملته.
وقوله تعالى: أَخَذَتْهُ الْعزةُ بِالإثْمِ، أي حملته عزته على فعل ما يؤثمه. وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً:أي عذاباً، فسماه أثاماً لما كان منه، وذلك كتسمية النبات والشحم ندىً، لما كانا منه في قول الشاعر: تَعَلَّى الندى في مَتنه وتَحَدَّرَا
وقيل معنى يلق أثاماً: أي يحمله ذلك على ارتكاب آثام، وذلك لاستدعاء الأمور الصغيرة إلى الكبيرة. وعلى الوجهين حمل قوله تعالى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً.
والأَثِم: المتحمل الإثم، قال تعالى: آثمٌ قلبه. وقوبل الإثم بالبر فقال صلى الله عليه وآله : البرُّ ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في صدرك. وهذا القول منه حكم البر والإثم لا تفسيرهما.
وقوله تعالى: مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، أي آثم.
وقوله: يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ، قيل أشار بالإثم إلى نحو قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَاللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، وبالعدوان إلى قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَاللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. فالإثم: أعم من العدوان.
ملاحظات
1. أصل الإثم في العربية: البطؤ عن السير، ومنه الناقة الآثمة كما في «مقاييس اللغة:1/60» واستعمله القرآن للذنب الذي يُبَطِّئُ الإنسان عن تكامله، واستعمله وصفاً للإنسان: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً. إنا إِذاً لَمِنَ الآثِمِين. ووصفاً للقلب: وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإنهُ آثِمٌ قَلْبُهُ.
وسمى به ارتكاب محرمات عقدية وسلوكية، فجعل الشرك إثماً مبيناً «النساء:50» وظلم الناس وإخراجهم من بيوتهم «البقرة:85» وأكل اللحم الحرام: «البقرة:173» وأكل أموال الناس «البقرة:188» والتكبر: «البقرة:206» والفاحشة العلنية والخفية: ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ. «الأنعام:120».
2. الأثيم والأثوم: الذي يرتكب الإثم كثيراً، وهوخَوَّانٌ أَثِيم «النساء:107» وأفَّاكٌ أًثِيم «الشعراء:222» وكَفَّارٌ أَثِيم «البقرة:276» ومُعْتَدٍ أَثِيم «القلم:12».
3. قسَّم القرآن الإثم الى كبائر وصغائر، وأخرج منه اللمم، قال تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلأ اللَّمَمَ.
ورويَ تفسير الفواحش بالزنا والسرقة، وكبائر الإثم بالشرك بالله، والإياس من روحالله، والأمن من مكرالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرمالله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف ، وأكل الربا. . الخ. «الكافي:2/285».
واللمَم: الذنب يُلم به الرجل بين الفينة والفينة، وليس من طبيعته. «الكافي:2/442».
4. أصل الحديث الذي ذكره الراغب: أن النبي صلى الله عليه وآله قال لأحدهم: «جئتَ تسأل عن البر والإثم. قال: نعم. فضرب بيده على صدره ثم قال: يا وابصة البر ما أطمأن به الصدر، والإثم ما تردد في الصدر وجال في القلب، وإن أفتاك الناس». «قرب الإسناد/322» .
«ونحوه مسند أحمد:4/227» فجعل الإثم مقابل البر، وجعل الفطرة دليلاً على المشتبه منه.
5. الأثام: عقوبة الإثم ونتيجته، قال تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً. وآثَمَهُ: أوقعه في الإثم وأثَّمَهُ: قال له أثِمْتَ. «الصحاح:5/1857».
6. كل إثم ذنب وبالعكس، فهما يُبَطِّئَان حركة تكامل الإنسان، لكن الإثم يجعل في قلبه ما يبطؤه، والذنب يضيف اليه ما يبطؤه كأنه ذنَب. «العين:8/190».
7. يسمى الإثم الحَرج والحُوب، والآثم حارجاً وحَابَاً. وأحرجه: آثمَهُ. وتَأثَّمَ وتَحَرَّجَ وتحوَّبَ: خاف الوقوع في إثم، أو امتنع من شئ أو قام به مخافة الإثم. أو خرج من إثمه وجبر خطأه، كما قال الراغب. ومنه قالوا: رجل متأثم ومتحرج ومتحوِّب، أي كافٌّ عن الإثم.
وأصل الحرَج والحرْج:الضيق، وأصل الحُوب الحاجة التي تدعو الى الإثم، ولايصح قولهم إن الحوب الإثم الكبير، لأنه وصفه به يقتضي التغاير، قال تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إنهُ كَأن حُوباً كَبِيراً. «العين:3/763».
8. الوِزْر: الحمل الثقيل من الإثم «العين:7/380» لكن المقصود بقوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ. هو التفكير والهم، لأن الإثم منفي عن النبي صلى الله عليه وآله قبل البعثة وبعدها.
والمَعَرَّة: الإثم «الصحاح:2/742». والوَكَف: الإثم في عيب، يقال: ما عليك وكَفٌ «إصلاح المنطق/402» وسميت اليمين الكاذبة: الغَمُوس لأنها تغمس صاحبها في الإثم «الصحاح:3/956». وسميت الخمر الإثم، لأنها تجرُّ اليه «الصحاح:5/1857» وسميت جُماع الآثام. «الفقيه:4/377».
9. قال ابن الأثير «1/52» إن الإصْر هو الإثم. والصحيح أنه الثقل الحاصل من الإثم شبيهاً بالوزر، قال تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَأنتْ عَلَيْهِمْ. رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً. ومعنى لاجناح عليك: لا إثمَ عليك.
أَجَّ
قال تعالى: هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ، شديد الملوحة والحرارة، من قولهم أجيج النار وأُجَّتُها، وقد أجَّت، وائتجَّ النهار.
ويأجوج ومأجوج منه، شُبهوا بالنار المضطرمة والمياه المتموجة، لكثرة اضطرابهم.
وأجَّ الظليم: إذا عدا أجيجاً، تشبيهاً بأجيج النار.
ملاحظات
وردت كلمة الأُجاج في آيتين وصفاً للماء غير الصالح للشرب، ومعناه المالح أو المُرّ، مقابل العذب الفرات السائغ شرابه. فلا يصح جعله شديد الحرارة من أجيج النار فإن المحيطات كلها أجاج.
ويحتمل أن يكون الراغب أخذها من الخليل حيث قال «6/198»: «الأجاج: الماء المر المالح، قالالله تعالى: وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ، وهو الشديد الملوحة والمرارة، مثل ماء البحر». والظاهر أنه قرأ المرارة حرارة، وبنى عليها ما قاله في يأجوج.
وقال الخليل «6/198»: «يأجوج ومأجوج يقرأ بالهمز وبغير الهمز، ومن لم يهمز قال: هو مأخوذ من يج ومج على بناء فاعول».
وقد ذكرتهم آيتان: قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إن يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرض. حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كل حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. ويظهر أنهما إسمان سريانيان.
أما الأجاج فالظاهر أنه مشتق من أَجِنَ الماء بمعنى أسن وتغير طعمه. قال ابن فارس«1/66»: «أجن الماء يأجن ويأجن إذا تغير».
أَجْرٌ
الأجر: ما يعود من ثواب لعمل، دنيوياً كان أو أخروياً، نحو قوله تعالى: إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَىاللهِ. وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإنهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. وَلأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا. والأجرة: في الثواب الدنيوي. وجمع الأجر أجور. وقوله: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، كناية عن المهور .
والأجر والأجرة: يقال فيما كان عن عقد وما يجرى مجرى العقد، ولا يقال إلا في النفع دون الضر، نحو قوله: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وقوله تعالى: فَأجْرُهُ عَلَىالله.
والجزاء: يقال فيما كان عن عقد وغير عقد، ويقال في النافع والضار، نحو قوله: وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً. وقوله: فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ. يقال أجَّر زيد عمراً يأجره أجراً: أعطاه الشئ بأجرة. وأجَّر عمرو زيداً: أعطاه الأجرة، قال تعالى: عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ، وآجر كذلك. والفرق بينهما أن أجَّرْتُه يقال إذا اعتبر فعل أحدهما، وآجَرْتُه يقال إذا اعتبر فعلاهما. وكلاهما يرجعان إلى معنى واحد.
ويقال آجرهالله وأجَرهالله. والأجير: فعيل بمعنى فاعل أو مفاعل. والإستئجار: طلب الشئ بالأجرة، ثم يعبر به عن تناوله بالأجرة، نحو الإستيجاب في استعارته الإيجاب، وعلى هذا قوله: اسْتَأْجِرْهُ إن خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِىُّ الأَمِينُ.
ملاحظات
1. استعمل القرآن الأجر والأجرة بمعناهما اللغوي العادي كقوله تعالى: فَلما جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإن لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِين. واستعمله بشكل واسع في أجرالله تعالى للإنسان على إيمانه وعمله، وبمعنى أجر الرسل عليهم السلام من أممهم على تبليغ الرسالة.
2. سمىالله مهور النساء صدقات فقال: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً. وفرق بينه وبين مهر المتمتع بها لوقت، فسماه أجرة: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً. وكلاهما مهر وصداق، لكن سماه أجرة إشارة الى تسهيل حركته كالمعاملة.
3. لا دليل على ما ذكره الراغب من دخالة العقد في تسمية الأجرة والجزاء، فالأجر هو الجزاء كما في لسان العرب، وقد سمىالله الجزاء أجراً فقال: أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ، الى قوله:وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. «آل عمران:136».
والأجر يكون بالحسنة فقط، والجزاء يكون بها وبالسيئة، كما ذكر الراغب، لكن لايشترط في الأجر أن يكون محدداً، وإن كان غالباً كذلك.
كما لادليل على قول الراغب إنَّ أجَّر تستعمل لطرف الإجارة، وآجَرَ لطرفيها ! كما لاتعرف لغة العرب أجَّر بمعنى أعطاه الأجرة، فهو من تخيل الراغب!
4. قال تعالى عن نوح عليه السلام : فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلا عَلَىاللهِ. وقال:لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَىاللهِ. وقال:وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ أَلْعَالَمِينَ.
وقال عن هود عليه السلام :لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْريَ إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي. إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وقال عن صالح ولوط وشعيب عليهم السلام :وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ. وقال عن ثلاثة رسل: اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ.
واستعمله في أجر نبينا صلى الله عليه وآله في عشر آيات فقال إنه كبقية الأنبياء عليهم السلام لايطلب الأجر: قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ. قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا. أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ. وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ. وقال عن أجره في الآخرة: وَإن لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ.
ثم جعل للنبي صلى الله عليه وآله أجراً على الأمة لا يؤديه إلا خاصة المسلمين: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً.
وجعل هذا الأجر ولاية عترة نبيه صلى الله عليه وآله : قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
ثم قال إن نفع مودتهم يعود الى الأمة لا إلى النبي صلى الله عليه وآله : قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَىاللهِ.
5. أكثر ما استعمل الأجر في أجر الآخرة، بمعنى ثوابها بالنعيم والخلود، فقال عنه تعالى: وَلأجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَأنوا يَعْلَمُونَ. وقال: وَلأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا.
وجعله نفس الجزاء فقال: أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ.
ووصفه بأنه: أَجْرٌ عَظِيمٌ: آل عمران:172، و179، المائدة:9، الأنفال:28، التوبة:22، النساء:40 ، و67 و74 و95 و114و146، و162، الأحزاب:29و35 ، الفتح:10و29 ، الطلاق:5 ، المزمل:20، الحجرات:3، التغابن:15.
وأَجْرٌ كَبِيرٌ: هود:11، الإسراء:9، فاطر:7، الحديد:7، الملك:12.
وَأَجْرٍ كَرِيمٍ: يس:11، الحديد:11، و18، الأحزاب:44.
وأَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ: فُصِّلَتْ:8 ، والإنشقاق:25، والتين:6.
وأجْرٌ حَسَنٌ: الكهف:2، والفتح:16.
أَجَلْ
الأجَل: المدة المضروبة للشئ. قال تعالى: وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى. أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ. ويقال: دَيْنُه مؤجل. وقد أجَّلته: جعلت له أجلاً. ويقال للمدة المضروبة لحياة الإنسان: أجل، فيقال: دنا أجله، عبارةٌ عن دنو الموت. وأصله استيفاء الأجل أي مدة الحياة.
وقوله تعالى: وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا، أي حد الموت، وقيل حد الهرم، وهما واحد في التحقيق.
وقوله: ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ، فالأول هو البقاء في الدنيا، والثاني البقاء في الآخرة، وقيل الأول هو البقاء في الدنيا، والثاني مدة ما بين الموت إلى النشور، عن الحسن. وقيل الأول للنوم، والثاني للموت، إشارة إلى قوله: اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا، عن ابن عباس.
وقيل: الأجلان جميعاً للموت، فمنهم من أجلُه بعارض كالسيف والحرق والغرق وكل شئ غير موافق، وغير ذلك من الأسباب المؤدية إلى قطع الحياة. ومنهم من يوقى ويعافى حتى يأتيه الموت حتف أنفه، وهذان هما المشار إليهما بقوله: من أخطأته سهم الرزية لم تُخْطِهِ سهم المنية. وقيل: للناس أجلان، منهم من يموت عَبْطَةً، ومنهم من يبلغ حداً لم يجعلالله في طبيعة الدنيا أن يبقى أحد أكثر منه فيها. وإليها أشار بقوله تعالى: وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وقصدهما الشاعر بقوله:
رأيتُ المنايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ تُمِتْهُ
وقول الآخر: من لم يمت عَبْطةً هَرِماً
والآجل: ضد العاجل.
والأجْل: الجناية التي يخاف منها آجلاً، فكل أجْلٍ جناية وليس كل جنايةٍ أجْلاً. يقال: فعلت كذا من أجْلِهِ، قال تعالى: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أي من جرَّاء، وقرئ من إِجْلِ ذلك بالكسر، أي من جناية ذلك. ويقال: أَجَلْ، في تحقيق خبر سمعته.
وبلوغ الأجَل في قوله تعالى: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ هو المدة المضروبة بين الطلاق وبين انقضاء العدة. وقوله: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ، إشارة إلى حين انقضاء العدة، وحينئذ: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ.
ملاحظات
1. الأجَل: قطعة من الزمان طويلة أو قصيرة.
والتأجيل: وضع الأجل، قال تعالى: وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا. ويستعمل التأجيل بمعنى تمديد الأجل، ولم يرد في القرآن بل ورد تأخير الأجل، قال تعالى: لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيب. إن أَجَلَاللهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّر. وَلَنْ يُؤَخِّرَاللهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا.
2. والأجَل: التوقيت، وهو قانونٌ في خلقالله تعالى وأفعاله: مَا خَلَقَاللهُ السَّمَوَاتِ وَالأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحق وَأَجَلٍ مُسَمًّى. وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كل يَجْرِى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
وتكوين الإنسان تمَّ بأجَل: وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
ونفسه وروحه بأجَل: اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الآخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
والأمم والحضارات لها أجَل: وَلِكل أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً.
وإرسال الأنبياء عليهم السلام وإنزال الآيات بأجل: وَمَا كَأن لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِاللهِ لِكل أَجَلٍ كِتَابٌ. والقيامة لها أجل معدود عداً: وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ.
3. الأجلُ محددٌ في علمه سبحانه: ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ، ومكتوب عنده: لِكل أَجَلٍ كِتَابٌ. وسماه أجلالله تعالى: ِفَإن أَجَلَاللهِ لآتٍ. إن أَجَلَاللهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ.
4. أطال المفسرون بدون طائل في تفسير الأجلين في قوله تعالى: ثُمَّ قَضَى أجلاً وَأجل مُسَمّىً عِنْدَهُ.
وقال الإمام الباقر عليه السلام :«هما أجلان: أجل محتوم وأجل موقوف». «الكافي:1/147».
وقال الإمام الصادق عليه السلام :«الأجل الأول هو الذي نبذه إلى الملائكة والرسل والأنبياء عليهم السلام والأجل المسمى عنده هو الذي ستره عن الخلائق». «الفصول المهمة:1/268».
5. أمرَالله الناس باعتماد التوقيت والأجل حتى في ديونهم الصغيرة، فقال في أطول آية في القرآن: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ. . وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ.
6. أغْرَبَ الراغب فجعل أجَل التي بمعنى نعم، مشتقةً من الأجَل بمعنى الزمن، والصحيح أنها حرف جواب، أما أجَل الزمنية فإسم. وقد قلد في ذلك الزَّجَّاج.
وأغْرَبَ الزجاج فجعل أجْل في آية: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أنهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَانمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً، بمعنى الجناية لأنها تتضمن الجزاء على جريمة!
وتبعه الراغب فقال: «والأجْل: الجناية التي يخاف منها آجلاً، فكل أجْلٍ جناية وليس كل جناية أجْلاً، يقال: فعلت كذا من أجله. قال تعالى: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. أي من جراء»!
قال في التبيان «3/501»:«معنى من أجْل ذلك: من جراء ذلك وجريرته. وقال الزجاج: معناه من جناية ذلك». ونحوه القرطبي «6/145».
والصحيح أن أجْل كلمة مستقلة لاعلاقة لها بالأجَل، وهي للتعليل والتفريع، ولامدح فيها ولا ذم ولا جناية، ومعناها: بسبب ذلك. ومعنى الجريمة في الآية فُهِمَ من جريمة قابيل، وقد شُبِّهَ به بنو إسرائيل لاشتراكهم في الحسد.
ويدل على ما قلناه أنه ورد في الحديث القدسي في الصائم لأنه: ترك شهوته من أجلي. «المحاسن:1/15، والبخارى:2/226» فأي جريمة فيه! ومثله حديث النبي صلى الله عليه وآله مع المخزومي: أرأيت لو فعلت هذا، أكنتُ من أجل هذا نبياً. «الإحتجاج:1/33» ولا جريمة في ذلك!
أَحَدٌ
أحَدٌ: يستعمل على ضربين، أحدهما في النفي فقط، والثاني في الإثبات. فأما المختص بالنفي فلاستغراق جنس الناطقين، ويتناول القليل والكثير على طريق الإجتماع والإفتراق نحو: ما في الدار أحدٌ، أي واحد، ولا اثنان فصاعداً، لا مجتمعين ولا مفترقين. ولهذا المعنى لم يصح استعماله في الإثبات، لأن نفي المتضادين يصح ولا يصح إثباتهما، فلو قيل في الدار واحد، لكان فيه إثبات واحد منفرد مع إثبات ما فوق الواحد مجتمعين ومفترقين، وذلك ظاهر لا محالة. ولتناول ذلك ما فوق الواحد يصح أن يقال: ما من أحد فاضِلينَ، كقوله تعالى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ. «الحاقة:47».
وأما المستعمل في الإثبات فعلى ثلاثة أوجه: الأول: في الواحد المضموم إلى العشرات نحو: أحد عشر وأحد وعشرين.
والثاني: أن يستعمل مضافاً أو مضافاً إليه بمعنى الأول، كقوله تعالى: أما أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً «يوسف:41». وقولهم: يوم الأحد، أي يوم الأول، ويوم الإثنين.
والثالث: أن يستعمل مطلقاً وصفاً، وليس ذلك إلا في وصفالله تعالى بقوله: قُلْ هُوَاللهُ أَحَدٌ «الإخلاص:1» وأصله: وحد، ولكن وحد يستعمل في غيره نحو قول النابغة: كأن رَحلي وقد زالَ النهارُ بنا
بذي الجليل على مستأنسٍ وَحَدِ
ملاحظات
1. رأى الراغب أن ما النافية مع أحَدٍ تدل على نفي الجنس، فتخيل أن أحداً تدل على النفي، فقال: «أحَدٌ: يستعمل على ضربين: أحدهما في النفي فقط، والثاني في الإثبات».
ولم يلتفت الى أن النفي جاء من ما ومن التنكير، وليس من أحد!
2. لم يستوف الراغب استعمالات أحَد في القرآن، فقد اهتم باستعمالها بعد ما النافية، وذكر آيتين لاستعمالها بغير نفي.
وقد وردت في القرآن في أكثر من مئة مورد، منها تسعة موارد في نفي الجنس، ستة بعد النفي بما، كقوله تعالى: مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ. وواحد بالنفي بإن: وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ. وموردان بالإستفهام بهل: هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَد. هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ.
وتستعمل أحدٌ في صيغة التسوية ويحذف أحد طرفيها كقوله تعالى: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، أي بين أحد وأحد من رسله.
وتأتي بصيغة المذكر للمؤنث كقوله تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ. أي كواحدة. وبمعنى كل كقوله تعالى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ.
وقوله تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُاللهُ إِحْدَى الطائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ. بمعنى واحدة منهما: القافلة أو الجيش.
وقوله تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ. أي كانوا من خوفهم ورُعبهم لايلتفتون الى من يناديهم.
3. استعملت أحدٌ بمعنى من لاثاني له، مقابل واحد الذي له ثان. قال تعالى: قُلْ هُوَاللهُ أَحَدٌ.
وجاء في تفسيره في التوحيد للصدوق/83 :«أن أعرابياً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين أتقول: إنالله واحد؟ قال: فحمل الناس عليه قالوا: يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : دعوه، فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم، ثم قال: يا أعرابي إن القول في أنالله واحد على أربعة أقسام: فوجهان منها لايجوزان علىالله عز وجل، ووجهان يثبتان فيه.
فأما اللذان لا يجوزان عليه، فقول القائل: واحد يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أما ترى أنه كفر من قال: ثالث ثلاثة.
وقول القائل: هو واحد من الناس، يريد به النوع من الجنس، فبهذا ما لا يجوز عليه لأنه تشبيه، وجل ربنا عن ذلك وتعالى.
وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شِبْهٌ، كذلك ربنا، وقول القائل: إنه عز وجل أحديُّ المعنى، يعني به أنه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم. كذلك ربنا عز وجل».
ومعنى: «دعوه، فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم». يعني أن هدفنا من حربنا مع أصحاب الجمل، أن نصحح توحيدهم لأنه مثلوم، حيث نصبوا أنداداً، ودعوا الى طاعتها!
أَخَذَ
الأَخْذُ: حَوْزُ الشئ وتحصيله، وذلك تارةً بالتناول نحو: مَعاذَالله أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ «يوسف:79» وتارةً بالقهر نحو قوله تعالى: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ. «البقرة:255».
ويقال: أخذته الحمَّى. وقال تعالى: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ «هود:67» فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى. «النازعات:25». وقال: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى. «هود:102».
ويُعبر عن الأسير بالأَخِيذِ والمأخوذ.
والإتخاذ: افتعال منه، ويُعدَّى إلى مفعولين ويجري مجرى الجعل، نحو قوله تعالى: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ. «المائدة:51» أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ «الشورى:9» فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا «المؤمنون:110» أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ: اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِالله «المائدة:116»
وقوله تعالى: وَلَوْ يُؤاخِذُاللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ. «النحل:61» فتخصيص لفظ المؤاخذة تنبيهٌ على معنى المجازاة والمقابلة لما أخذوه من النعم، فلم يقابلوه بالشكر.
ويقال: فلان مأخوذٌ، وبه أَخْذَةٌ من الجن، وفلان يأخذ مَأْخَذَ فلان، أي يفعل فعله ويسلك مسلكه، ورجل أَخِيذٌ، وبه أُخُذٌ كناية عن الرَّمَد.
والإخاذة والإخاذ: أرض يأخذها الرجل لنفسه. وذهبوا ومن أخذ أَخْذَهُمْ وإِخْذَهُمْ.
ملاحظات
1. الأخذ أوسع من«حوْز الشئ وتحصيله» الذي عرَّفه به الراغب، فالأخذ في قوله تعالى: حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ، ليس فيه حيازة واستيلاء، بل هو بمعنى استكملت زخرفها وتجللت به كأنها لبسته. وكذا قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ. وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ. فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً. فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً.
وقد استعملت أخَذَ واتخذ وآخذ في القرآن في أكثر من 200 آية، كفعل مساعد يشير الى عدد من الأفعال والأوصاف، ومنها ما لاينتظم تحت الحيازة والتناول.
2. ذكر الراغب أن وصف العقوبة بالمؤاخذة في آية: وَلَوْ يُؤَاخِذُاللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ. لأنه أخذٌ مقابل ما أخذ العاصي من النعم ولم يشكرها.
والأصح تفسيره أيضاً بأن كل ظلم أخْذٌ من حقالله أو حق الناس، فالجزاء به أخذٌ عليه.
أَخٌ
الأصل أَخَوٌ، وهو المشارك آخرَ في الولادة من الطرفين أو من أحدهما، أو من الرضاع.
ويستعار في كل مشارك لغيره في القبيلة، أو في الدين، أو في صنعة، أو في معاملة، أو في مودة، وفي غير ذلك من المناسبات.
قوله تعالى: لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ «آل عمران:156» أي لمشاركيهم في الكفر. وقال تعالى: إنمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ «الحجرات : 10» أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً «الحجرات:12».
وقوله: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ «النساء:11» أي إخوانٌ وأخوات. وقوله تعالى: إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ «الحجر:47» تنبيهٌ على انتفاء المخالفة من بينهم.
والأخت: تأنيث الأخ، وجعل التاء فيه كالعوض من المحذوف منه.
وقوله تعالى: يا أُخْتَ هارُونَ «مريم:28» يعني: أخته في الصلاح لا في النسبة، وذلك كقولهم: يا أخا تميم.
وقوله تعالى: أَخَا عَادٍ «الأحقاف:21» سماه أخاً تنبيهاً على إشفاقه عليهم شفقة الأخ على أخيه.
وعلى هذا قوله تعالى: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ «الأعراف :73» وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ «الأعراف:65» وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ «الأعراف:85». وقوله: وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها «الزخرف:48» أي من الآية التي تقدمتها، وسماها أختاً لها لاشتراكهما في الصحة والإبانة والصدق.
وقوله تعالى: كلما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها «الأعراف:38» فإشارة إلى أوليائهم المذكورين في نحو قوله تعالى: أَوْلِياؤُهُمُ الطاغُوتُ «البقرة:257».
وتأخَّيْت: أي تحريت تحري الأخ للأخ. واعتُبِرَ من الأخُوَّة معنى الملازمة فقيل: أخِيَّةُ الدابة.
ملاحظات
1. التاء في أخت للتأنيث، وليس فيها محذوف لتكون التاء بدله، وعلى القول بأن أصل أخ أخوٌ، فأصل أخت أخَوَةٌ، وحذفت واوها.
2. سمى القرآن الرسول أخاً لقومه في ثلاث عشرة آية. وقرر الأخوة بين المؤمنين في آيات مثل قوله تعالى: فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً. إنمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ. وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً. فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ. رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإ خْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ.
وحكم بالأخوة بين المنافقين في آيات: الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا. وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ.
واستعمل الأخوة بمعنى أخوة النسب كقوله تعالى: وَإِنْ كَأن رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكل وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ.
أما قولهم لمريم عليها السلام: يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَأن أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ، فلم تكن مريم أخته، لكن أخت هارون كانت مضرب المثل في العفة.
3. قال الخليل: 4/319: «أخ وأخوان وإخوة وإخوان. وبيني وبينه أُخُوَّةٌ وإخَاءٌ. وتقول: آخيته. ولغة طئ: واخيته. والأخية: عود يعرض في الحائط، تشد إليه الدابة، وتجمع على الأواخي. وكذلك قالوا: إخوان، وهم الإخوة إذا كانوا لأب، وهم الإخوان إذا لم يكونوا لأب. وفي القرآن: فأصْلِحُوا بينَ أخَوَيْكم.
والأخت: كان حدها أَخَهْ والإعراب على الهاء والخاء في موضع الرفع، ولكنها انفتحت لحال هاء التأنيث، لأنها لاتعتمد إلا على حرف متحرك بالفتحة، وأسكنت الخاء فحول صرفها على الألف، وصارت الهاء تاء كأنها من أصل الكلمة ووقع الإعراب على التاء، وألزمت الضمة التي كانت في الخاء الألف».
آخِر
آخِر: يقابل به الأول وآخَر يقابل به الواحد. ويعبَّر بالدار الآخرة عن النشأة الثانية، كما يعبَّر بالدار الدنيا عن النشأة الأولى، نحو: وَإن الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ. «العنكبوت:64».
وربما تُرك ذكر الدار نحو قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ «هود:16».
وقد توصف الدار بالآخرة تارةً، وتضاف إليها تارةً نحو قوله تعالى: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ «الأنعام:32» وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا «يوسف:109».
وتقدير الإضافة: دار الحياة الآخرة.
وأُخَر: معدولٌ عن تقدير ما فيه الألف واللام وليس له نظير في كلامهم، فإن أفعل من كذا إما أن يذكر معه مِنْ لفظاً أو تقديراً، فلا يثنى ولايجمع ولا يؤنث. وإما أن تحذف منه مِنْ فيدخل عليه الألف واللام فيثنى ويجمع. وهذه اللفظة من بين أخواتها جُوَّز فيها ذلك من غير الألف واللام.
والتأخير: مقابل للتقديم، قال تعالى: بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ «القيامة:13» ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «الفتح:2» إنما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ «إبراهيم:42» رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ «إبراهيم :44».
وبعته بِأَخِرَةٍ. أي بتأخير أجل، كقوله: بِنَظِرَة. وقولهم: أبعدالله الأَخِرَ، أي المتأخر عن الفضيلة وعن تحرِّي الحق.
ملاحظات
1. استعمل القرآن تأخَّرَ بالمعنى الحقيقي: وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْه. والمجازي للتأخر في الإيمان: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ.
2. واستعمل وصْف النشأة الأولى والآخرة: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأولى. وَإن عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى. ثُمَّاللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ.
ووصْف الأولى والآخرة: لَهُ الْحَمْدُ فِي الأولى وَالآخِرَةِ. وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولى.
3. والأوَّلِين والآخرين لأمم الأنبياء عليهم السلام : وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِىٍّ فِي الأولينَ. ثُلَّةٌ مِنَ الأولينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ. وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ. والمستقدمين والمستأخرين: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ.
4. والآخرون: مفهومها نسبي: أَلَمْ نُهْلِكِ الأولينَ. ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ. كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ. مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ.
5. واستعمل الأخرى بمعنى آخر الهاربين في أحد: وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ.
6. واستعمل وعد الأولى والآخرة، لعقوبة بني إسرائيل: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا. فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ.
7. ووصف الآخرة بأوصاف عديدة وسمى الدنيا الحياة الدنيا، ولم يعبر عن الآخرة بالحياة أبداً، بل بالدار: وَإن الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ.
8. استعمل الإمام الهادي عليهم السلام في الزيارة الجامعة الآخرة والأولى مقابل الدنيا، فقال: «السلام على أئمة الهدى. وحججالله على أهل الدنيا، والآخرة والأولى». لأن العوالم ثلاثة، أولها عالم الذر، وعبر عنه بالأولى.
أدَّ
قال تعالى: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا «مريم:89» أي أمراً منكراً يقع فيه جَلَبَة، من قولهم: أدَّت الناقة تئدُّ، أي رجَّعت حنينها ترجيعاً شديداً.
والأديد: الجلبة، وأدَّ قيل: من الود، أو من: أدَّت الناقة.
ملاحظات
فسر اللغويون الإدَّ بالأمر الفظيع، ولم يذكر أحد معنى الجَلَبَة الذي أدخله الراغب فيه!
نعم قد يستوجب الجَلَبة والضجة، لكنها ليست جزءً من معناه. قال الخليل «8/101»: «لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا، أي أمراً فظيعاً».
وقال ابن فارس«1/12»: «فالإدّ هو الأمر العظيم. قالالله تعالى: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا، أي عظيماً من الكفر».
أدَاء
الأداء: دفع الحق دفعةً وتوفيته، كأداء الخراج والجزية، ورد الأمانة قال تعالى: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ. إناللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا. وقال: وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ. وأصل ذلك من الأداة، يقال أدَوْتَ تفعل كذا أي احتلت، وأصله تناولت الأداة التي بها يتوصل إليه. واسْتَأْدَيْتُ على فلان: نحو استعديت.
ملاحظات
1. الأداء مطلق دفع الحق، سواء أدَّاه دفعةً أو دفعات، وسواء كان أداؤه ناقصاً أو كاملاً، والأداء الناقص نوعٌ من الأداء.
2. جعل الراغب الأداء مشتقاً من الأداة، فقال في آيات أداء الأمانة: «وأصل ذلك من الأداة، يقال: أدَوْتَ تفعل كذا أي احتلت». والصحيح أن الأداة من أدَوَ، ومعناها الوسيلة والحيلة. والأداء من أدَيَ، ومعناه الإيصال، فهما أصلان لا أصلٌ واحد.
قال ابن فارس «1/73»: «الأدْوُ: كالختل والمراوغة، يقال أدَى يأدُو أدْوَاً. وهذا شئ مشتق من الأداة لأنها تعمل أعمالاً حتى يوصل بها إلى ما يراد. ومن هذا الباب استأديت على فلان بمعنى استعديت، كأنك طلبت به أداة تمكنك من خصمك. وآدَيْتُ فلاناً أي أعنته».
ثم قال ابن فارس:«أَدَيَ. إيصال الشئ إلى الشئ، أو من تلقاء نفسه. قال الخليل أدَّى فلانٌ يؤدي ما عليه أداءً وتأدية. وتقول: فلان آدى للأمانة منك».
لكن الراغب خلط بينهما فجعل أداء الأمانة من الأداة! ولعله وقع في الخطأ من عبارة الخليل التي فيها انتقال موهم من أدَيَ الى أدَوَ! قال «8/98»: «وأدَّى فلان ما عليه أداء وتأدية، وفلان آدَى للأمانة من فلان. وألف الأداة هي الواو، لأنك تقول أدوات».
و: استأدَيْتُ على فلان: التي جعلها ابن فارس من أَدَوَ، لا تستعمل إلا نادراً، وهي غير استأديْتُ فلاناً، من أديَ، وهي السائدة.
3. لم يستعمل القرآن الأداة أبداً، واستعمل الأداء ست مرات، أربع منها في أداء الأمانة، كقوله تعالى: إناللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا. فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِاللهَ رَبَّهُ.
وواحدة في الدية: فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ. وواحدة في مطالبة موسى عليه السلام بأداء بني إسرائيل اليه: أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَاللهِ.
آدَمُ
آدم: أبو البشرقيل سُمِّي بذلك لكون جسده من أديم الأرض. وقيل لسمرةٍ في لونه، يقال رجل آدم نحو أسمر. وقيل سمي بذلك لكونه من عناصر مختلفة وقوى متفرقة، كما قال تعالى: مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ «الإنسان:2». ويقال: جعلت فلاناً أَدَمَة أهلي، أي خلطته بهم.
وقيل سُمي بذلك لما طُيِّبَ به من الروح المنفوخ فيه، المذكور في قوله تعالى: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي «الحجر:29» وجعل له العقل والفهم والرَّوِيَّة التي فُضِّل بها على غيره، كما قال تعالى: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا «الإسراء:70» وذلك من قولهم: الإدام، وهو ما يُطَيَّبُ به الطعام، وفي الحديث: لو نظرت إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما. أي يؤلف ويطيب.
ملاحظات
1. استعمل القرآن إسم آدم أبي البشر عليه السلام خمساً وعشرين مرة. والمعروف أنه سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض أي وجهها، ورويَ ذلك عن الإمام الصادق عليه السلام «علل الشرائع:1/15» فالأدمة بمعنى أدَمة الأرض وسمرتها، وهو الوجه الأقوى في اشتقاق إسم آدم عليه السلام .
أما الألفة والأمشاج ونفخ الروح، فليست من معنى الأدَمة. وأما الحديث النبوي: لو نظرت إليها فإنه أحرى أن يودم بينكما «الوسائل:14/61، وأحمد:4/245» فمعناه يوفق بينهما كما وُفِّق بين الخبز والإدام. فهو من الإدام وليس الأدمة.
2. ذكر اللغويون الوجهين في اشتقاق آدم عليه السلام من أديم الأرض أو الأدمة بمعنى الإتفاق. قال الخليل«8/88»: «الأدم: الإتفاق، وأدَمَالله بينهما يأدم أدماً وآدم بينهما إيداماً. ويقال بينهما أدمة وملحة أي خلطة. وأديم كل شئ ظاهر جلده، وأدمة الأرض وجهها، وقيل سمي آدم لأنه خلق من أدمة الأرض. والإدام والأدم: مايؤتدم به مع الخبز».
وقال ابن فارس«1/71»: «أدم: أصل واحد وهو الموافقة والملاءمة ، وذلك قول النبي صلى الله عليه وآله للمغيرة بن شعبة وخطب امرأة: لو نظرت إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما.
قال أبو عبيد: ولا أرى هذا إلا من أدم الطعام لأن صلاحه وطيبه إنما يكون بالإدام. وكذلك يقال طعام مأدوم. آدمالله بينهما يؤدم إيداماً فهو مؤدم بينهما».
3. جعل الراغب الإدام ما يُطَيِّبُ الطعام، وهو نفس الطعام، الذي يؤتدم به مع الخبز.
أُذُنً
الأذُن: الجارحة، وشُبِّه به من حيث الحلقة أذن القدر وغيرها، ويستعار لمن كثر استماعه وقوله لما يسمع، قال تعالى: وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ «التوبة:61» أي استماعه لما يعود بخيرٍ لكم.
وقوله تعالى: وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً «الأنعام:25» إشارة إلى جهلهم لا إلى عدم سمعهم.
وأَذِنَ: استمع، نحو قوله: وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحقتْ «الإنشقاق:2». ويستعمل ذلك في العلم الذي يتوصل إليه بالسماع، نحو قوله: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَالله وَرَسُولِهِ. «البقرة:279».
والأُذن والأذان: لما يسمع. ويعبر بذلك عن العلم، إذ هو مبدأ كثيرٍ من العلم فينا، قالالله تعالى: ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي «التوبة:49» وقال: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ «إبراهيم:7». وأذنته بكذا وآذنته بمعنى.
والمُؤَذِّن: كل من يُعْلِم بشئ نداءً، قال تعالى: ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ «يوسف:70» فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ «الأعراف:44» وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ. «الحج:27». والأَذِين: المكان الذي يأتيه الأذان.
والإِذنُ في الشئ: إعلام بإجازته والرخصة فيه، نحو: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِالله «النساء:64» أي بإرادته وأمره.
وقوله: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِالله «آل عمران:166» وقوله: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِالله «البقرة:102» وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِالله «المجادلة:10» قيل: معناه بعلمه، لكن بين العلم والإذن فرقٌ فإن الإذن أخص ولا يكاد يستعمل إلا فيما فيه مشيئة به، راضياً منه الفعل أم لم يرض به، فإن قوله: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِالله «يونس:100» فمعلوم أن فيه مشيئته وأمره.
وقوله: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِالله «البقرة:102» ففيه مشيئته من وجهٍ، وهو أنه لا خلاف أنالله تعالى أوجد في الإنسان قوة فيها إمكان قبول الضرب من جهة من يظلمه فيضرُّه، ولم يجعله كالحجر الذي لا يوجعه الضرب. ولا خلاف أن إيجاد هذا الإمكان من فعلالله، فمن هذا الوجه يصح أن يقال: إنه بإذنالله ومشيئته يلحق الضرر من جهة الظالم، ولبسط هذا الكلام كتاب غير هذا.
والإستئذان: طلب الإذن، قال تعالى: إنما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالله «التوبة:45» فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ «النور:62».
وإِذَنْ: جواب وجزاء، ومعنى ذلك إنه يقتضي جواباً أو تقدير جواب، ويتضمن ما يصحبه من الكلام جزاءً. ومتى صُدِّرَ به الكلام وتعقَّبه فعلٌ مضارعٌ ينصبه لا محالة، نحو: إذن أخرجَ. ومتى تقدمه كلام ثم تبعه فعلٌ مضارعٌ يجوز نصبه ورفعه نحو: أنا إذن أخرجَ وأخرجُ.
ومتى تأخر عن الفعل أو لم يكن معه الفعل المضارع لم يعمل، نحو: أنا أخرجُ إذن، قال تعالى: إنكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ. «النساء:140».
ملاحظات
1. جعل الراغب مادة أَذِنَ مشتقة من الأُذن الجارحة، فاضطر أن يدخل فيها معنى السماع أو العلم الناتج عن السماع، فجعل قوله تعالى: وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحقتْ، بمعنى سمعت.
وجعل: إئْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي، يتضمن معنى السماع والعلم أي أعلمني.. الخ.
وقد أخذ ذلك من الخليل قال: «8/200»: «رجل أذَنَة: يستمع لكل شئ، وأَمَنَة: يأمن بكل إنسان. وأذنت بهذا الشئ أي علمت. وآذنني أعلمني. وتأذنت: تقدمت كالأمير يتأذن قبل العقوبة، ومنه: وإذ تأذن ربك».
وقال ابن فارس «1/75»: «أصلان متقاربان في المعنى متباعدان في اللفظ، أحدهما: أذُن كلِّ ذي أُذُن. وعنهما يتفرع الباب كله. ويقال للرجل السامع من كل أحد: أذُن.
والأصل الآخر: العلم والإعلام. تقول العرب: قد أُذِنْتُ بهذا الأمر أي عَلِمت. وآذنني فلانٌ: أعلمني. والمصدر: الإذن والإيذان».
فقد رأى ابن فارس أنه لا يمكن إرجاع مشتقات أذن الى الأذن الجارحة، ولا الى السماع بها، فقال: إن أذِنَ تأتي بمعنى عَلِم، وجعلها أصلين: بمعنى الإذن والعلم.
وهو كلامٌ قويٌّ.
2. معنى قوله تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحقتْ، أنها انصاعت بالحق الذي لربها عليه، ففي تفسير القمي «2/413»: «أي أطاعت ربها وحُقت، وحَقَّ لها أن تطيع ربها».
ومعنى قوله تعالى: إئْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي:لاتجبرني على الذهاب الى الحرب فأفتتن وأكفر. فالإذن فيها بمعنى الإجازة، وليس فيه معنى السماع.
وقوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ، وقوله:فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَاللهِ وَرَسُولِهِ. بمعنى الإعلان والإعلام، وليس فيه سماع.
3. استعمل الإذن في القرآن بمعانٍ:
منها: إذنالله بوقوع الشئ تكويناً كقوله تعالى: فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِاللهِ. وَمَا كَأن لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِاللهِ. يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ. تُؤْتِي أُكُلَهَا كل حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا.
ومنها: إذنٌ بمعنى الإجازة، كقوله: شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِالله فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ. أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ. حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي. لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.
ومنها: بمعنى أمر به: فِي بُيُوتٍ أَذِنَاللهُ أَنْ تُرْفَعَ.
ومنها: تأذَّنَ به بمعنى تعهَّد وأعلن: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ. وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
ومنها: آذنه، بمعنى أقرَّ له: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ.
أذَى
الأذَى: ما يصل إلى الحيوان من الضرر، إما في نفسه أو جسمه أو تبعاته، دنيوياً كان أو أخروياً، قال تعالى: لاتُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى «البقرة:264».
قوله تعالى: فَآذُوهُما«النساء:16» إشارة إلى الضرب. ونحو ذلك في سورة التوبة: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ «التوبة:61» ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى «الأحزاب:69» وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا. «الأنعام:34». وقال: لِمَ تُؤْذُونَنِي «الصف:5». وقوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً. «البقرة: 222» فسمَّى ذلك أذىً باعتبار الشرع، وباعتبار الطب على حسب ما يذكره أصحاب هذه الصناعة.
يقال: آذَيْتُهُ أو أَذَيْتُهُ إِيذاءً وأذيَّةً وأذىً. ومنه الآذيّ، وهو الموج المؤذي لركاب البحر.
ملاحظات
1. يشمل الأذى كل ما يؤذي، قال الخليل «3/50و:8/206»: «وكل شئ نحيته عن شئ، فقد نقحته من أذى. وهو الشئ تتكرهه».
وقال ابن فارس «1/78»: «الأذى كل ما تأذيت به، ورجل أذيٌّ أي شديد التأذي».
2. ذكر القرآن الُمؤْذِينَ لله ورسوله صلى الله عليه وآله : إن الَّذِينَ يُؤْذُونَاللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُاللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَمَا كَأن لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَاللهِ.
والمؤذين للمؤمنين والمؤمنات، فقال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا.
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً.
وأذى معطي الصدقة: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى. خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً.
وأذى المرض: أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِه. إِنْ كَان بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ. وأذى المحيض: وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً.
وأذى العقوبة: وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا.
إِذَا
إذا: يعبر به عن كل زمان مستقبل، وقد يُضَمَّن معنى الشرط فيجزم به وذلك في الشعر أكثر.
وإذْ: يعبر به عن الزمان الماضي، ولا يجازى به إلا إذا ضُمَّ إليه ما نحو: إذْمَا أتيت على الرسول فقل له.
ملاحظات
ذكر الراغب «إِذَنْ» في فعل أذنَ! وقد استعملها القرآن مع «إذَا وإذْ » بشكل واسع واستوفتها مصادر النحو واللغة، وفيما يلي خلاصة من المغني لابن هشام «1/87»:
إذا الفجائية: تختص بالجمل الإسمية ولا تحتاج إلى جواب، ومعناها الحال لا الإستقبال نحو: خرجت فإذا الأسد بالباب.
ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحاً به نحو: فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى. فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ . فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ. فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ . فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ.
إذا الشرطية: ظرفٌ للمستقبل، وتختص بالجملة الفعلية عكس الفجائية، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ . وقوله تعالى: فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . ويكون الفعل بعدها ماضياً، ومضارعاً.
وقد تجئ للماضي كقوله تعالى: وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا . وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا . أوللحال بعد القسم نحو: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى. وقد يقرن جوابها بإذا الفجائية نحو: ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ.
وقيل إنَّها في قوله تعالى: وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ. وقوله: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ. ظرف لخبر المبتدأ بعدها، ولو كانت شرطية لاقترنت بالفاء مثل: وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
إِذَنْ: قال الجمهور إنها حرف، حذفت بعده الجملة وعوض عنها بالتنوين كقوله تعالى: وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا. فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا.
إذْ: تأتي إسماً للزمن الماضي، فتكون ظرفاً، نحو: فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا.
أو مفعولاً به، نحو: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا . وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ . أو مضافاً إليها إسم زمان نحو: يَوْمَئِذٍ،بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا .
وتأتي إذْ للتعليل، نحو: وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ . وتأتي مضافة إلى جملة نحو: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ . وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ .
وقد تحذف الجملة ويعوض عنها التنوين نحو: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. «المغني:1/80».
أَرَبَ
الأرَب: فَرْطُ الحاجة المقتضي للإحتيال في دفعه، فكل أربٍ حاجة وليس كل حاجة أرباً.
ثم يستعمل تارة في الحاجة المفردة، وتارة في الإحتيال وإن لم يكن حاجة، كقولهم: فلان ذو أربٍ، وأريب، أي ذو احتيال، وقد أَرِبَ إلى كذا، أي احتاج إليه حاجةً شديدة. وقد أَرِبَ إلى كذا أَرَباً وأُرْبَةً وإِرْبَةً ومَأْرَبَةً.
قال تعالى: وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى. «طه:18» ولا أَرَبَ لي في كذا، أي ليس بي شدة حاجة إليه، وقوله: أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ «النور:31» كناية عن الحاجة إلى النكاح. وهي الأُرْبَى، للداهية المقتضية للإحتيال.
وتسمَّى الأعضاء التي تشتد الحاجة إليها آراباً الواحد: إِرْب، وذلك أن الإعضاء ضربان: ضربٌ أوجد لحاجة الحيوان إليه كاليد والرجل والعين. وضربٌ للزينة، كالحاجب واللحية.
ثم التي للحاجة ضربان: ضرب لا تشتد الحاجة إليه. وضرب تشتد الحاجة إليه، حتى لو تُوُهِّمَ مرتفعاً لاختل البدن به اختلالًا عظيماً وهي التي تسمى آراباً. وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا سجد العبد سجد معه سبعة آرابٍ: وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه.
ويقال: أَرَّبَ نصيبه، أي عَظَّمه، وذلك إذا جعله قَدْراً يكون له فيه أرَب. ومنه: أرَّبَ ماله أي كثَّر. وأرَّبت العقدة: أحكمتها.
ملاحظات
1. جعل الراغب أرَبَ أصلاً واحداً بمعنى الحاجة المهمة والحيلة، وحاول إرجاع فروعها اليها، وتضمينها معنى الحاجة والحيلة.
وقد أفرط في ذلك حتى جعل أرَبَّ الرجل ماله، من الإربة، بمعنى صار له به حاجة، بينما هو من ربَّه وأربَّه، أي ربَّاه ونمَّاه.
وكذلك فعل في واربتُ العقدة أي أحكمتها، وهي من وَارَبَ بواو دون همزة، والعقدة المَوْرُوبة هي المُحكمة.
وقد اتَّبَعَ الراغب في ذلك بعض اللغويين الذين حاولوا توحيد فروع أرَب، وجعلوها من الإربة، وتكلفوا في معانيها بلا موجب! فالإربة: من أرَب أصل. ورَبَّ المالَ وأربَّه: من ربَّى وأربَّ أصل. ووَارَبَ: بمعنى استعمل الحيلة للإربة أصل، والآراب: بمعنى قطع البدن أصل.
وقد أجاد ابن فارس حيث قال «1/89»: «أرب: لها أربعة أصول إليها ترجع الفروع وهي: الحاجة، والعقل، والنصيب، والعقد».
2. ومما يدل على خطئهم في إدخال الحيلة في معنى الإِرْبَة، أن الأريب هو العاقل، قال الخليل «8/289»: «والإرْب: الحاجة المهمة، الأريب: العاقل. وأرب الرجل يأرب إرباً. والمؤاربة: مداهاة الرجل ومخاتلته، وفي الحديث: مؤاربة الأريب جهل وعناء، لأن الأريب لا يخدع عن عقله».
3. لا أصل لحديث: السجود على سبعة آراب في مصادر الشيعة والسنة. بل هو: على سبعة أعظم، أو أعضاء. والآراب: كما نص الخليل قطع اللحم، نعم شاع استعمال: قَطَّعَهُ إرباً إرباً، وهو يعني عضواً عضواً لكنه باعتبار تقطيع اللحم. وذكر ابن منظور أن الإرب العضو الكامل من البدن وليس كل قطعة، وفسر حديث: أُتِيَ النبي صلى الله عليه وآله بكتف مُوَرَّب، بكتف كامل، ولعل تسميته بالإرب، لأن قطعه يحتاج الى مواربة.
4. يظهر من استعمال الإربة أن معناها الحاجة الملحة وليس المهمة. وسميت الشهوة الجنسية إربة، كما في الصحيح عن زرارة قال: «سألت أبا جعفر عليه السلام عن قولالله عز وجل: أَوِ التابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ ؟ قال: الأحمق الذي لا يأتي النساء». «الكافي:5/523».
وقال أمير المؤمنين عليه السلام «نهج البلاغة:2/184»:«والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة. ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها». فاستعمل الإربة مقابل الرغبة وكأنها رغبة مع شهوة.
5. قال الخليل«8/289»: «قطعت اللحم آراباً، أي قطعاً. والإرْب: الحاجة المهمة».
وقال ابن فارس«1/89»: «الإرب العقل. قال ابن الإعرابي: يقال للعقل أيضاً إرب وإربة، كما يقال للحاجة إربة وإرب. والنعت من الإرب: أريب، والفعل أَرُبَ بضم الراء. ومن هذا الباب الفوز والمهارة بالشئ يقال: أربت بالشئ، أي صرت به ماهراً. ومن هذا الباب المؤاربة وهي المداهاة، كذا قال الخليل».
وبهذا تعرف كم ابتعد الراغب في هذه المادة.
أرَضَ
الأرض: الجُرم المقابل للسماء، وجمعه أرضون ولم تجئ مجموعةً في القرآن، ويعبر بها عن أسفل الشئ كما يعبر بالسماء عن أعلاه. قال الشاعر في صفة فرس:
وأحمرُ كالديباج أما سماؤُه
فَرَيَّا، وأمَّا أرْضُهُ فمُحُولُ
وقوله تعالى: إعْلَمُوا إنالله يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها «الحديد:17» عبارة عن كل تكوين بعد إفساد وعودٍ بعد بدء، ولذلك قال بعض المفسرين: يعني به تليين القلوب بعد قساوتها.
ويقال: أرضٌ أريضة، أي حسنةُ النبت. وتأرَّضَ النَّبْتُ: تمكَّن على الأرض فكثر، وتأرَّض الجَدْيُ: إذا تناول نبت الأرض.
والأَرَضَة: الدودة التي تقع في الخشب من الأرض. يقال: أُرِضَتِ الخشبة فهي مأروضة.
ملاحظات
1. استعملت الأرض في القرآن ثلاث مئة وإحدى وستين مرة، في موضوعات عن خلق السماوات والأرض، وإسكان الإنسان وحياته ومستقبله فيها.
فقد خلقهاالله بالحق بقوانين صحيحة وهدف صحيح: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرض بِالْحق.
ولم يخلقها عبثاً بدون قصد: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ.
ولا باطلاً بدون هدف: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرض وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً.
وخلقها في ست مراحل، اثنتان منها لتكوينها العام وأربع لإعدادها لحياة الإنسان: قُلْ أَإنكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ.
ورتب فيها نظام الزمن السنوي والشهري: إن عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَاللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرض.
وأنظمة الإمطار والإنبات والإنهار: وَمَا أَنْزَلَاللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كل دَابَّةٍ.
وجعلها مهداً، وسلك فيها سبلاً، وجعلها كفاتاً وبساطاً وفراشاً ومهاداً وذلولاً، ووضعها للأنام. وجعل فيها معايش، وسخر ذلك للانسان.
وجعل فيها أنواع الأمم من الدواب والطيور، وتكفل رزق جميع من عليها.
فانتظمت قوانينها وفق إرادته ومشيئته: يُدَبِّرُ الأمر مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرض ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَأن مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ.
وهي في كل ذلك طائعة راضية، لأنها وجود حي على خلاف ما نتصور، وفي كل ذرة منها حياة وروح: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرض وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَئٍْ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.
وقد دعاهاالله عز وجل هي والسماء فأجابتا وأعلنتا خضوعهما: قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ.
وهي موحدة لله تعالى تمقت الشرك، وتكاد تنشق من ادعاء المشركين وتَخِرُّ جبالها هداً. وبذلك استحقت أن تسمى الأرض المباركة.
وخلقالله الإنسان من ترابها، ونطف ذرياته من غذائها، وجعل حياتنا فيها تشبه دورة حياة النبات: وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأرض نَبَاتاً، فالعناصر الستة عشر التي يتركب منها جسم الانسان هي التي يتركب منها تراب الأرض.
وأسكن آدم وأبناءه فيها: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرض وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا.
والهدف منها الإعداد للحياة الآخرة: وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإن الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ.
و جعل الطريق الى نيلها عبادةالله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ.
وأراد تعالى أن تبقى معادلة الصراع بين الحق والباطل فيها قائمة، فلم يسمح أن يعمها الفساد:وَلَوْلا دَفْعُاللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْض.
وسمح أن يتداول حكمها الأبرار والفجار: أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا. حتى يحين وعده فيورثها للمؤمنين ويمكن لهم.
2. وضع القرآن خمسة عشر مصطلحاً تتعلق بالأرض، هي: الخلافة في الأرض، والباغون في الأرض، والفرحون في الأرض، والماشون في الأرض مرحاً وهوناً، والمستكبرون والمستضعفون والعالون في الأرض، والمثَّاقلون الى الأرض، والتمكين في الأرض، والإستقرار في الأرض، والهجرة في الأرض، والوارثون للأرض، والأرض المباركة والمقدسة، وأدنى الأرض وأقصاها، والسير في الأرض، والضرب والإنتشار في الأرض، والإسكان والإستعمار في الأرض.
3. الأرض الأريضة: أي الأرض الحسنة بنبتها أو بغيره. والأرضة: حشرة في الأرض، والجدران، والخشب، والكتب، وغيرها.
أَرِيك
الأريكة: حَجَلَة «أشبه بالغرفة» على سرير، جمعها أرائك. وتسميتها بذلك إما لكونها في الأرض متخذة من أراك وهو شجرة، أو لكونها مكاناً للإقامة من قولهم: أَرَكَ بالمكان أروكاً، وأصل الأروك الإقامة على رعي الأراك، ثم تجوز به في غيره من الإقامات.
ملاحظات
1. الأريكة: السرير أو الكرسي الموضوع في حجلة أو مقصورة وقد جعلهما الخليل أريكة، قال «5/404»: «الأريكة: سرير في حجلة، فالحجلة والسرير أريكة».
ولايصح قولهم إنها سميت أريكة لأنها صنعت من شجر الأراك. والصحيح أنها من الأروك وهو المقام المريح، وقد استعملت في القرآن لكراسٍ ذات جلسة مريحة، في قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً «الإنسان:13» عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ. «المطفّفين:23».
2. عبَّر النبي صلى الله عليه وآله بالأريكة عن كرسي الحكم بعده فقال: «لا ألفينَّ أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر مما أمرتُ به أو نهيتُ عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه»!
وقد صححه النقاد، وهو من إخباره بالمغيبات بما حدث بعده، حيث منعوا تدوين السنة والتحديث عن النبي صلى الله عليه وآله ! راجع: ألف سؤال وإشكال:2/42.
إِرَم
الإرم: عَلَمٌ يبنى من الحجارة، وجمعه آرام. وقيل للحجارة إرم، ومنه قيل للمتغيظ يُحرِّق الإرَّم، وقوله تعالى: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ «الفجر:7» إشارة إلى أعمدة مرفوعة مزخرفة. وما بها إرم وأريم أي أحَدٌ، وأصله اللازم للإرم.
وخص به النفي كقولهم: ما بها ديَّار، وأصله للمقيم في الدار.
ملاحظات
1. الآرامي: نسبة الى حضارة إرَم القديمة. واللغة الآرامية من اللغات المدونة المعروفة الى اليوم، وكان يتكلم بها المسيح عليه السلام ، وبها نزل الإنجيل «قاموس الكتاب المقدس/44».
ويرى الباحث سعيد اللحام أنها مطورة عن النبطية والسريانية، وأنها هي العرمية التي تطورت الى العربية القديمة ثم الجديدة. «ابن أبي شيبة:7/156».
وذكر في معجم المطبوعات العربية «1/497» كتاب الأصول الجليلة في نحو اللغة الأرامية، تأليف:يعقوب أوجين الكلداني- 1896م.
وترجم في الأعلام «8/100» لهنريك صموئيل نيبرغ S H Nyberg: من كبار المستشرقين من السويد أستاذ اللغات السامية، وأتقن منها الآرامية والفهلوية، وغيرها.
والذي يدخل في غرضنا كلمة «إرَم» التي وردت في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ. ويظهر أنها إسم لعاصمة قبيلة عاد، وأنها وصفت بذات العماد لأساطين قصورها الرخامية، فجعلوا إسمها بمعنى الأعمدة أو الأعلام، ورووا عنها أساطير.
وروى الصدوق في كمال الدين/552، أثراً عن أبي وائل، بعنوان: «حديث شداد بن عاد بن أرم، وصفة إرم ذات العماد». والمشهور أنها الأحقاف قرب حضرموت. وروي أنها دمشق. «معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام :5/255».
2. المؤكد أن إرم لفظة غير عربية، فهي تعني الآراميين. وأقوال اللغويين فيها وتفريعاتهم عليها كلها احتمالات، فقد جعلها الراغب العَلَم، وجعلها الخليل ملتقى قبائل الرأس، وجعل الأرمي العَلَمَ العادي نسبة الى عاد «العين:8/296» وجعلها الأصمعي الأصابع «غريب ابن قتيبة:1/359» وجعلها الجوهري «5/1860» الأضراس، ومنه قولهم يحرَّق عليه الإرَّمَ! وجعل ابن منظور «12/13» أرَّمَ بمعنى أكل. الخ. وقد تكون هذه الكلمات متأثرة بها.
أَزَّ
قال تعالى: تَؤُزُّهُمْ أَزّاً، أي ترجعهم إرجاع القدر إذا أزَّتْ، أي اشتد غليانها. وروى أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي ولجَوْفِهِ أزيزٌ كأزيز المرجل. وأزَّهُ أبلغ من هَزَّهُ.
ملاحظات
1. استعمل القرآن أزَّ في آية واحدة: أَلَمْ تَرَ إنا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا. أي تحثهم على الكفر والشر، وتدفعهم اليه دفعاً، لا أنها تُفَوِّرُهم كالمرجل، كما تصور الراغب.
قال الخليل في العين: 7/397: «الأز ُّ:أن تَؤُزَّ إنساناً، أي أن تحمله على أمر برفق واحتيال حتى يفعله كأنه يزين له ». ونحوه الصحاح: 3/854 ، ومقاييس اللغة:1/13.
وفي تفسير القمي: 2/55، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «مد لهم في طغيانهم وضلالهم وأرسل عليهم شياطين الإنس والجن تؤزهم أزاً، أي تنخسهم نخساً، وتحضُّهم على طاعتهم وعبادتهم».
2. فالأ زَّ هو الدفع بحيلة، ولا علاقة له بالأزيز الذي هو صوت غلْي القدر، وصوت الرعد. ولم يسمع استعمال الفعل من الأخير، فهما أصلان، لا أصل واحد.
و أزَّهُ: مثل دزَّهُ، أو هو لغة فيه، يقال: دزَّ فلاناً أي دفعه لإيذائه أو على عمل الشر. ويتوسع فيه العراقيون للدفع الى خير أو شر.
أزَرَ
أصل الأزْر: الإزار الذي هو اللباس، يقال: إزار وإزارة ومئزر. ويكنى بالإزار عن المرأة قال الشاعر:
ألا بلغ أبا حفص رسولاً
فدىً لك من أخي ثقةٍ إزاري
وتسميتها بذلك لما قال تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ «البقرة:187». وقوله تعالى: أُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي «طه:31» أي أتقوى به.
والأزر: القوة الشديدة، وآزره: أعانه وقوَّاه، وأصله من شد الإزار، قال تعالى: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ «الفتح:29» يقال: آزرته فتأزّر، أي شددت أزره، وهو حسن الإزرة.
وأزرت البناء وآزرته: قوَّيت أسافله، وتأزَّر النَّبْتُ: طال وقوي.
وآزرته ووازرته: صرت وزيره، وأصله الواو. وفرس آزر: انتهى بياض قوائمه إلى موضع شد الإزار.
قال تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ «الأنعام:74» قيل: كان إسم أبيه تارخ فعُرِّب فجعل آزر، وقيل: آزر معناه الضال في كلامهم.
ملاحظات
1. وردت مادة أزَرَ في آيتين، في طلب موسى من ربه أن يشد أزره بأخيه: هَارُونَ أَخِي أشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. أي قوِّ به ظهري.
وفي وصف أئمة العترة عليهم السلام بأبناء الزرع الذي يشد أزر أصله صلى الله عليه وآله : وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ.
وقد تفاوت كلام الراغب في أزَرَ، فقال هنا إن أصله الإزار، وفرع عليه مواده، وقال في أواخر كتابه: «الوزَر الملجأ الذي يُلْتَجَأُ إليه من الجبل. والوِزْر الثقل تشبيهاً بوَزَر الجبل» وفرَّعَ عليه مواده!
والصحيح ما ذكره الخليل من أن الأزر الظهر، ومنه الإزار والمئزر لأنه يشده، ومنه الوزير لأنه يشد الأزر. ومنه الوزْر بمعنى الإثم كأنه ثقل على الظهر.
أما آزر، فلا علاقة له بالأزر، لأنه ليس عربياً وتقدم أن آزر عمُّ إبراهيم عليه السلام وليس والده.
أَزِفَ
قال تعالى: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ «النجم:57» أي دَنَت القيامة. وأزِفَ وأفِدَ يتقاربان، لكن أزف يقال اعتباراً بضيق وقتها، ويقال: أزف الشخوص.
والأَزَفُ: ضيق الوقت، وسميت به لقرب كونها، وعلى ذلك عبَّر عنها بالساعة. وقيل: أَتى أَمْرُالله «النحل:1» فعبر عنها بالماضي لقربها وضيق وقتها، قال تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ. «غافر:18».
ملاحظات
استعملت مادة أزَفَ في آيتين: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الأَزِفَةِ. أَزِفَتِ الآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِاللهِ كَاشِفَةٌ.
ومعنى أَزِفَ: قَرُبَ أن يقع. وسميَ يوم القيامة يوم الأزفة، لذلك.
أما الآزفة: بالمد فهي التي ستأزف، ففيها إشارةٌ الى قربها وأن وقوعها قطعي.
أَسَّ
أَسَّسَ بنيانه: جعل له أُسّاً، وهو قاعدته التي يبتنى عليها، يقال: أُسٌّ وأَسَاسٌ.
وجمع الأس: إِسَاسٌ، وجمع الإساس: أُسُس، يقال: كان ذلك على أُسِّ الدهر كقولهم: على وجه الدهر.
ملاحظات
استعمل الأساس في قوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقْوَى. في النية والهدف من البناء، لأنه أمرٌ معنوي أعمق من الأساس المادي.
أَسِفَ
الأَسَفُ: الحزن والغضب معاً، وقد يقال لكل واحدٍ منهما على الإنفراد. وحقيقته: ثوران دم القلب من شهوة الإنتقام، فمتى كان ذلك على من دونه انتشر فصار غضباً، ومتى كان على من فوقه انقبض فصار حزناً. ولذلك سئل ابن عباس عن الحزن والغضب فقال: مخرجهما واحد واللفظ مختلف، فمن نازع من يقوى عليه أظهره غيظاً وغضباً، ومن نازع من لا يقوى عليه أظهره حزناً وجزعاً. وبهذا النظر قال الشاعر:
فَحُزْنُ كل أخي حُزْنٍ أخو الغَضَبِ
وقوله تعالى: فَلما آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ. «الزخرف :55» أي أغضبونا. قال أبو عبدالله ابن الرضا: إنالله لا يأسف كأسفنا، ولكن له أولياء يأسفون ويرضون، فجعل رضاهم رضاه وغضبهم غضبه، قال: وعلى ذلك قال: من أهان لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة. وقال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَالله.
وقوله تعالى: غَضْبانَ أَسِفاً. «الأعراف:150». والأسيف: الغضبان، ويستعار للمستخدم المسخَّر، ولمن لا يكاد يسمى فيقال: هو أسيف.
ملاحظات
فسر كثير من اللغويين الأسف بالغضب، أو جعلوه جزءً منه، مع أنهما أمران غير متلازمين ولذا تقول: أسف فغضب، قال تعالى: وَلما رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً. أي غاضباً متحسراً لما حدث. ومعنى: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا:هل تقتل نفسك بتأسفك عليهم لعدم إيمانهم؟! «تفسير القمي:2:31».
وسبب نسبتهم الأسف والغضب الىالله تعالى أن وهب بن منبه وهو حاخام مقرب من السلطة، غضب على شخص: «فضربه على قرنه بعصاً فإذا دماؤه تشخب. فقال وهب: وما لي لا أغضب وقد غضب خالق الأحلام! إنالله تعالى يقول: فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ، يقول أغضبونا».
«تهذيب الكمال:20/33». وقد ردَّ ذلك أهل البيت عليهم السلام .
وما ذكره الراغب عن الإمام الرضا فهو عن أبي عبدالله الصادق عليهما السلام رواه في الكافي:1/144، قال: «إنالله عز وجل لا يأسف كأسفنا ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون، وهم مخلوقون مربوبون، فجعل رضاهم رضا نفسه وسخطهم سخط نفسه، لأنه جعلهم الدعاة إليه والأدلاء عليه. ولو كان يصل إلىالله الأسف والضجر وهو الذي خلقهما وأنشأهما لجاز لقائل هذا أن يقول: إن الخالق يبيد يوماً ما، لأنه إذا دخله الغضب والضجر دخله التغيير، وإذا دخله التغيير لم يؤمن عليه الإبادة، ثم لم يعرف المكوِّن من المكوَّن ولا القادر من المقدور عليه، ولا الخالق من المخلوق، تعالىالله عن هذا القول علواً كبيراً، بل هو الخالق للأشياء لا لحاجة، فإذا كان لا لحاجة استحال الحد والكيف فيه».
وقصده بهؤلاء الأولياء النبي صلى الله عليه وآله وعترته الأئمة عليهم السلام .
أسَرَ
الأسْر: الشدُّ بالقيد من قولهم أسَرْتُ القَتَب، وسمي الأسير بذلك، ثم قيل لكل مأخوذ ومقيد وإن لم يكن مشدوداً ذلك. وقيل في جمعه أُسَارى وأَسَارى وأسْرى. وقال: وَيَتِيماً وَأَسِيراً. ويتجوز به فيقال أنا أسير نعمتك. وأسرة الرجل: من يتقوى به.
قال تعالى: وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ. «الإنسان:28» إشارة إلى حكمته تعالى في تراكيب الإنسان، المأمور بتأملها وتدبرها في قوله تعالى: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ «الذاريات:21».
يقال: أراد الخلق ، ويقال: بل أراد مجرى ما يخرج من السبيلين.
والأَسْر: احتباس البول ورجل مَأْسُور: أصابه أسرٌ، كأنه سد منفذ بوله. والأسر في البول كالحصر في الغائط.
ملاحظات
1. استعمل القرآن لفظ الأسير: وَيُطْعِمُونَ الطعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا.
والأسارى: وَإِنْ يَاتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ. والمضارع من أسر: فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً.
2. لا يصح القول بأن شددنا أسرهم مأخوذ من الأسير وأسر البول. فالأسر هنا بمعنى الخلق، قال ابن منظور: 4/19: «الأسر: في كلام العرب: الخلق. قال الفراء: أسْرُ فلان أحسن الأسر أي أحسن الخلق، وأسره الله أي خلقه، وهذا الشئ لك بأسره أي بقده، يعني كما يقال برمته». والعين:7/32، وإصلاح المنطق/185.
فالمعنى شددنا خلقهم وبناءهم، شبيهاً بقولك شددنا أزرهم.
وقد ساوى الراغب بين القولين فقال: «وشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ، يقال أراد الخلق، ويقال بل أراد مجرى مايخرج من السبيلين». وكان رجح الثاني!
أسَنَ
يقال أسِنَ الماءُ يَأْسَنُ، وأسن يأسن: إذا تغير ريحه تغيراً منكراً. وماءٌ آسن. قال تعالى: مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ. «محمد:15». وأَسِنَ الرجل: مرض. من أسن الماء، إذا غشيَ عليه. قال الشاعر: يَمِيدُ في الرُّمْحِ مَيْدَ المائحِ الأسِنِ
وقيل تأسن الرجل: إذا اعتل، تشبيهاً به.
ملاحظات
أَسِنَ الماء: تغير طَعمه «العين:7/307» ولا يشترط فيه شدة التغير ولا تغير رائحته. ومعنى قوله تعالى: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُه:أن ماءها ولبنها لايقبل التغير ذاتاً، كما قالالله تعالى لعزير عليه السلام : فَأنظر إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ.
أسَوَ
الأسوة: كالقدوة، والقدوة هي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره، إن حَسَناً وإن قبيحاً، وإن سارَّاً وإن ضارَّاً، ولهذا قال تعالى: لَقَدْ كَأن لَكُمْ فِي رَسُولِاللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، فوصفها بالحسنة، ويقال تأسيت به.
والأسى: الحزن، وحقيقته إتْباع الفائت بالغم، يقال: أسَيْتُ عليه أسَىً وأسيت له. قال تعالى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. «المائدة:68» وقال الشاعر:
أَسِيتُ لأخوالي ربيعة
وأصله من الواو، لقولهم: رجل أسوان، أي حزين.
والأَسْوُ: إصلاح الجرح، وأصله إزالة الأسى نحو: كربت النخل: أزلت الكرب عنه، وقد أسوْته أسْوُوهُ أسْوَاً. والآسي: طبيب الجرح جمعه أُساة وإِساة. والمجروح مَأسِيٌّ وأسِيٌّ مَعاً. ويقال أسَيْتُ بين القوم أي أصلحت وآسيت، قال الشاعر: آسَى أخَاه بنفسه.
وقال آخر: فآسى وآدَاه فكان كمَنْ جَنَى. وآسي: هو فاعل من قولهم يواسي. وقول الشاعر:
يكفون أثقالَ ثَأَى المسْتَأسِي
فهو مستفعل من ذلك. فأما الإساءة، فليست من هذا الباب، وإنما هي منقولة عن ساء.
ملاحظات
1. الأُسْوَة بضم الهمزة وكسرها: مشترك يعني القدوة أو السواسية. قالالله تعالى: لَقَدْ كَأن لَكُمْ فِي رَسُولِاللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. . قَدْ كَأنتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ. وقال النبي صلى الله عليه وآله : الناسُ فيَّ أُسْوَةٌ سواء. «الكافي:7/267».
وفي رسالة علي عليه السلام الى طلحة والزبير جواباً لاعتراضهما على تسويته في العطاء: «أما ما ذكرتما من أمر الأسوة، فإن ذلك أمرٌ لم أحكم أنا فيه برأيي ولا وليته هوى مني. بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسولالله صلى الله عليه وآله قد فرغ منه، فلم أحتج إليكما فيما فرغالله من قسمه، وأمضى فيه حكمه». «نهج البلاغة:2/185».
2. جعل الراغب الأسوة: الحالة. لكنها تستعمل بمعنى القدوة، يقال: فعل كذا أسوةً بفلان، وتأسياً به.
3. استعمل القرآن آسَى: فكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ. والمضارع:فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ. لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ. ولم يستعمل أسَوَ بمعنى معالجة الجرح. وتستعمل: واساه مواساةً، في الحزن والمرض والمصيبة، ونحوها.
أشَرَ
الأَشَرُ: شدة البطر، وقد أَشِرَ يَأْشَرُ أَشَراً. قال تعالى: سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ. «القمر:26» فالأشَر أبلغ من البطر، والبطر أبلغ من الفرح، فإن الفرح وإن كان في أغلب أحواله مذموماً لقوله تعالى: إنالله لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ. «القصص:76» فقد يحمد تارة إذا كان على قدر ما يجب، وفي الموضع الذي يجب، كما قال تعالى: فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا «يونس:58».
وذلك أن الفرح قد يكون من سرور بحسب قضية العقل. والأَشَرُ لا يكون إلا فرحاً بحسب قضية الهوى، ويقال: ناقة مِئْشِير، أي نشيطة على طريق التشبيه، أو ضامر من قولهم: أشرت الخشبة.
ملاحظات
1. الأشَر: أشد من الفرح، والبطر أشد من الأشَر، والأشَر نوعٌ من الفخر والغرور، يقال: رجل أشِرٌ وأشْرَانٌ وأُشَارَى، مثل سكران وسكارى. «الصحاح:2/579». ويتضمن الأشر الفخر، قال الرضا عليه السلام : «ما أدفع عبادالله عن التحدث بنعمالله عليَّ، وإن كنت لا أبغي أشراً ولا بطراً». «عيون أخبار الرضا:1/182».
والأشر والبطر باطل. أما الفرح فمنه باطل، قال تعالى: ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الْحق.
ومنه فرح بالحق ممدوح، قال تعالى: قُلْ بِفَضْلِاللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا. وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ.
2. ورد الأشر في القرآن صفة للمفرد فقط، قال تعالى: بَلْ هُوَكَذَّابٌ أَشِرٌ. أي كذاب مغرور بنفسه، وهو غير الفرِح.
3. تصور بعضهم أن تأشير الأسنان بمعنى تحزيزها وتحديد أطرافها، وتأشير الخشبة بالمئشار وهو شبيه المنشار، مشتقة من أشِرَ.
و الصحيح أنها من أشَّرَ، أي جعل فيه إشارة، ومنه التأشيرة للدخول الى بلد، ونحوها.
أَصَرَ
الأَصْرُ: عقد الشيئ وحبسه بقهره، يقال: أَصَرْتُهُ فهو مَأْصُورٌ، والمَأْصَرُ والمَأْصِرُ: محبس السفينة. قالالله تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ. «الأعراف:157» أي الأمور التي تثبطهم وتقيدهم عن الخيرات، وعن الوصول إلى الثواب. وعلى ذلك: وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً «البقرة:286» وقيل: ثقلاً. وتحقيقه ما ذكرت.
والإِصْرُ: العهد المؤكد الذي يثبط ناقضه عن الثواب والخيرات، قال تعالى: أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي. «آل عمران:81».
والإصار: الطنب والأوتاد التي بها يعمد البيت.
وما يَأْصِرُنِي عنك شئ أي ما يحبسني. والأَيْصَرُ: كساء يشد فيه الحشيش فيثنى على السنام ليمكن ركوبه.
ملاحظات
1. ورد الإصْر في ثلاث آيات، قال تعالى: أأقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا. أي هل قبلتم على ذلك عهدي.
وقال تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَأنتْ عَلَيْهِمْ. أي ثقل ذنوبهم وقيودهم.
رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا:عبئاً يحبس عن الخير. «الكشاف:1/110».
2. وردت كلمة آصار في حديث النبي صلى الله عليه وآله . وقال الإمام الرضا عليه السلام لكبير النصارى كما في توحيد الصدوق/428:
«وفي الإنجيل مكتوب: إن ابن البَرَّة ذاهبٌ والفارقليطا جائي من بعده وهو الذي يخفف الآصار، ويفسر لكم كل شئ، ويشهد لي كما شهدت له، أنا جئتكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل». وتفسير الطبري:3/383.
إصْبَع
الإصبع: إسم يقع على السُّلَامَى والظفر والأنملة والأطرة والبرجمة معاً.
ويستعار للأثر الحسي فيقال: لك على فلان إصبع، كقولك لك عليه يدٌ.
ملاحظات
قال تعالى: كلمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ. فضربه مثلاً لمن لايريد اتباع الحق.
وضربه مثلاً للمنافقين: يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ.
واستعمل البنان في آيتين، فقال تعالى: بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّىَ بَنَانَهُ. وقال للملائكة: وَاضْرِبوُا مِنْهُمْ كل بَنَانٍ.
أصَلَ
بالغدو والآصال: أي العشايا. يقال للعشية: أصيل وأصيلة. فجمع الأصيل أُصُل وآصَال، وجمع الأصيلة أصائل. قال تعالى: بُكْرَةً وَأَصِيلاً. «الفتح:9».
وأصل الشئ: قاعدته التي لو توهمت مرتفعة لارتفع بارتفاعه سائره لذلك، قال تعالى: أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ. «إبراهيم:24».
وقد تَأَصَّلَ كذا، وأَصَّلَهُ، ومجد أصيل، وفلان لا أصل له ولا فصل.
ملاحظات
استعمل القرآن كلمة أصل لشجرة إبراهيم عليه السلام : أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ.
وأصول للنخلة: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِاللهِ. «الكافي:6/376».
وقال عن منبت شجرة الزقوم: إنهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ. واستعمل الآصال ثلاث مرات، وأصيل أربع مرات.
أُفٍّ
أصل الأُفِّ: كل مستقذر من وسخ وقلامة ظفر، وما يجري مجراها. ويقال ذلك لكل مُسْتَخَفٍّ به استقذاراً له نحو: أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِالله «الأنبياء:67».
وقد أَفَّفْتُ لكذا: إذا قلت ذلك استقذاراً له، ومنه قيل للضجر من استقذار شئ: أفَّفَ فلان.
ملاحظات
1. في أفٍّ وجوه، أفصحها استعمالها بالجر والتنوين، كما ورد في القرآن.
ومعنى الأُفّ: التضجر من شئ، ومنه قول إبراهيم عليه السلام لقومه: أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ.
وقوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا. وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ.
وقال علي عليه السلام : أفٍّ لكم لقد سئمت عتابكم. أفٍّ لكم لقد لقيت منكم برحاً. «نهج البلاغة:1/82». وجعل الراغب الأف نفس المستقذر، لكنه التضجر وقد يكون من القذر. ولعل الراغب تأثر بمعناها في غير العربية!
«راجع:العين:8/410، والصحاح:4/1331، ولسان العرب:9/6».
أُفُقٌ
قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ «فصلت:53» أي في النواحي، الواحد أفُق وأفْق. ويقال في النسبة إليه أفُقي. وقد أفِق فلان: إذا ذهب في الآفاق. وقيل الآفق الذي يبلغ النهاية في الكرم، تشبيهاً بالآفق الذاهب في الآفاق.
ملاحظات
قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ، بمعنى آفاق الأرض، كما وردت الرواية ويمكن شمولها لآفاق السماء.
وفي آية المعراج: ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأفُقِ الأعلى، بمعنى أفق السماوات.
وفي آية بدء الوحي: وَلَقَدْ رَآهُ بِالآفُقِ الْمُبِينِ. بمعنى أفق السماء الدنيا.
أفِكَ
الإفك: كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه، ومنه قيل للرياح العادلة عن المهابّ: مُؤْتَفِكَة.
قال تعالى: وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ. «الحاقة:9». وقال تعالى: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى «النجم:53».
وقوله تعالى: قاتَلَهُمُاللهُ إنى يُؤْفَكُونَ «التوبة:30» أي يصرفون عن الحق في الإعتقاد إلى الباطل ومن الصدق في المقال إلى الكذب، ومن الجميل في الفعل إلى القبيح، ومنه قوله تعالى: يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ «الذاريات:9» فَأنى تُؤْفَكُونَ «الأنعام:95» وقوله تعالى: أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا «الأحقاف:22» فاستعملوا الإفك في ذلك لما اعتقدوا أن ذلك صرفٌ من الحق إلى الباطل، فاستعمل ذلك في الكذب لما قلنا.
وقال تعالى: إن الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ «النور:11» وقال: لِكل أَفَّاكٍ أَثِيمٍ «الجاثية:7».
وقوله: أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَالله تُرِيدُونَ «الصافات:86» فيصح أن يجعل تقديره: أتريدون آلهة من الإفك، ويصح أن يجعل إفكاً مفعول تريدون ويجعل آلهة بدلاً منه، ويكون قد سماهم إفكاً.
ورجل مَأْفُوك: مصروف عن الحق إلى الباطل، قال الشاعر: فإن تكُ عن أحسن المروءة مأفو
كاً ففي آخرين قد أُفكوا
وأُفِكَ يُؤْفَكُ: صرف عقله. ورجل مَأْفُوكُ العقل.
ملاحظات
1. أفِكَ فلانٌ الكلامَ والأمر والشئَ: قَلَبَهُ، ومنه: أفكْتُهُ عن الأمر: صرفته عنه بالكذب والباطل «العين:5/416» «يدل على قلب الشئ وصرفه عن جهته». «المقاييس:1/118».
وهو أشد من الكذب، قالالله تعالى: أَلا إنهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَاللهُ وَإنهُمْ لَكَاذِبُونَ.
وقال: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ اَلشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كل أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا. أي لتقلبنا عنها الى التوحيد.
2. سمىالله عبادتهم للأصنام إفكاً وافتراءً فقال: إنمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِاللهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا.
وسمى ردهم الإسلام ائتفاكاً عن الحق فقال: إنكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ، يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ.
وسمى المشركون الإسلام إفكاً، قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُوَ. وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ.
3. وسمى فعل السحَرة إفكاً ، لأنه تزوير للحقائق، قال: فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ.
وسمى اتهام زوجة النبي صلى الله عليه وآله إفكاً: إن الَّذِينَ جَاءُوا بِالآفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ.
وسمى المدائن المخسوفة مؤتفكة، أي منقلبة بإفكها، فقال: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى. وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ.
أفَلَ
الأفول: غيبوبة النَّيِّرات كالقمر والنجوم، قال تعالى: فَلما أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ، وقال: فَلما أَفَلَتْ، والأفَال: صغار الغنم، والأفِيل: الفصيل الضئيل.
ملاحظات
الأفول: غياب الكواكب والنجوم وغيرها، قال الخليل «8/337»: «وكل شئ غاب فقد أفل وهو آفل».
وذكر ابن فارس«1/119» أن الأفيل «أصلان: أحدهما الغيبة، والثاني الصغار من الإبل».
وجعل بعضهم منه: سيف أفِل، ولعله مقلوب عن فَلِل، وهو الكسر في حده.
أكَلَ
الأكْل: تناول المطعم، وعلى طريق التشبيه. قيل: أكلت النار الحطب. والأُكُل: لما يؤكل بضم الكاف وسكونه، قال تعالى: أكُلُهَا دَائِمٌ. والأَكْلة للمرة، والأُكْلة كاللقمة. وأكيلة الأسد: فريسته التي يأكلها. والأكولة من الغنم ما يؤكل. والأكيل المؤاكل. وفلان مُؤْكِل ومُطْعِم: استعارة للمرزوق. وثوب ذو أكُل: كثير الغزل كذلك. والتمر مأكلة للفم.
قال تعالى: ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ. «سبأ:16» ويُعبر به عن النصيب فيقال: فلان ذو أُكُلٍ من الدنيا، وفلان استوفى أُكُلَهُ، كناية عن انقضاء الأجل، وأَكَلَ فلانٌ فلاناً: اغتابه، وكذا أكل لحمه. قال تعالى: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً «الحجرات:12» وقال الشاعر:
فإن كنتُ مأكولاً فكُنْ أنتَ آكلي
وما ذقت أَكَالًا، أي شيئاً يؤكل. وعبَّر بالأكل عن إنفاق المال لما كان الأكل أعظم ما يحتاج فيه إلى المال، نحو: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ «البقرة:188» وقال: إن الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً «النساء:10» فأكل المال بالباطل صرفه إلى ما ينافيه الحق.
وقوله تعالى: إنما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً «النساء:10» تنبيهاً [على] أن تناولهم لذلك يؤدي بهم إلى النار.
والأَكُول والأَكَّال: الكثير الأكل، قال تعالى: أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ «المائدة:42».
والأَكَلَة: جمع آكِل، وقولهم: هم أَكَلَةُ رأس، عبارة عن ناس من قلتهم يشبعهم رأس.
وقد يُعَبَّر بالأَكْلِ عن الفساد، نحو: كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ «الفيل:5» وتَأَكَّلَ كذا: فسد. وأصابه إِكَالٌ في رأسه وفي أسنانه، أي تأكَّل.
وأكلني رأسي. وميكائيل: ليس بعربي.
ملاحظات
1. الأكولة: الشاة ترعى للأكل. والمأكلة: الطعمة. وأكائل النخل: المحبوسة للأكل. وائتكل الرجل: اشتد غضبه. وأصابه أَكَال في رأسه: حِكاك. «العين:5/409».
2. استعمل القرآن الأكْل بمعناه المعروف، وأمر بأكل الحلال وإطعام المحتاج: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُاللهُ حَلالاً طَيِّباً. فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير. ونهى عن أكل اللحم غير المذكي: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُاللهِ عَلَيْهِ.
وذم الذين همهم الأكل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ.
ونهى عن أكل السحت: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ. والربا: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ.
وفي الحديث: لعنالله آكل الربا ومؤكله.
وعبَّر بأكل التراث: وَتَأْكُلُونَ الترَاثَ أَكْلاً لما. وبأكل السنين لما يُدَّخر: سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ. وقال في أكل أهل جهنم: طَلْعُهَا كَأنهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ. لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ.
واستعمله في أكل النحل الرحيق: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ. واستعمل الأُكُل بضم الكاف لثمار الجنة: أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا.
واستعمله لثمر شجرة ذرية إبراهيم عليهم السلام : تُؤْتِي أُكُلَهَا كل حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا. ولجنائن الأرض:كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً.
الإلُّ
الإلُّ: كل حالة ظاهرة من عهد حِلف وقرابة تَؤلُّ [أي] تَلمعُ، فلا يمكن إنكارها. قال تعالى: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاً وَلا ذِمَّةً. وأَلَّ الفرس: أي أسرع. حقيقته لمعَ، وذلك استعارة في باب الإسراع نحو برق وطار.
والآلة: الحربة اللامعة. وألَّ بها: ضَرَبَ. وقيل إلٌّ وإيلٌ إسمالله تعالى، وليس ذلك بصحيح.
وأذن مؤللة. والإلال:صفحتا السكين.
ملاحظات
1. استعمل القرآن الإلَّ، بمعنى العهد: لايَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاً وَلا ذِمَّةً.
والإيلاء: الحلف على هجر الزوجة: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
واستعمل الآل بمعنى الأهل في29مورداً. واستعمل إيلَ جزءً من إسماعيل وإسرائيل وجبرائيل في عدة آيات.
2. لا يصح نفي الراغب أن يكون إيل إسماً لله تعالى، فقد وردت به الرواية، ونص عليه اللغويون، ففي علل الشرائع «1/43» عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «ويعقوب هو إسرائيل، ومعنى إسرائيل عبدالله، لأن إسرا هو عبد وإيل هوالله عز وجل». وقال الخليل«8/357»: «إيل: إسم من أسماءالله عز وجل بالعبرانية». «قاموس الكتاب المقدس/111».
ولعلها جاءت الى العبرية من البابلية التي هي أصل العربية أيضاً.
وتستعمل في التركية والفارسية بمعنى الجد والقبيلة. وقد ترجع اليها بعض مفردات العربية التي تتناسب مع الرب والجد والقبيلة.
3. جعل الراغب أصل المادة من الظهور واللمعان، وجعل ألَّ الفَرَسُ بمعنى أسرع، وألَّه أي ضربه بالآلة، وقد دَمَجَ عدة مواد لمجرد اشتراكها في الحروف!
ولا يبعد أن يكون الإلُّ والإيلاءُ بمعنى العهد والحلف، مشتقاً من الإيل، فيكون معنى آلَّ وآلى: عاهد وحلَف بالإيل عز وجل. وسيأتي ذكر الإيلاء.
وقد تكون الآل بمعنى أهل البيت والعترة، مشتقة من الإيل المستعملة بشكل واسع في اللغات القديمة بمعنى الرب والجد والقبيلة.
أما ألَّ الفرس، والآلة، وألَّ بها بمعنى ضرب، وأذنٌ مؤَّللة بمعنى محددة، والإلال بمعنى صفحتي السكين، وغيرها من المفردات، فلا بد أن تكون من أصول أخرى.
«راجع:العين:8/360، وإصلاح المنطق/57 وغريب ابن قتيبة:1/229، والصحاح:4/1626، وأبا هلال/6، و84، و350، والمقاييس:1/18، ومعجم ما استعجم:1/185».
الألِفَ
الأَلِفُ: من حروف التهجي. والإِلْفُ: اجتماع مع التئام، يقال: أَلَّفْتُ بينهم.
ومنه: الأُلْفَة، ويقال للمألوف: إِلْفٌ وأَلِيفٌ. قال تعالى: إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ. «آل عمران:103» وقال: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ.«الأنفال:63».
والمُؤَلَّف: ما جمع من أجزاء مختلفة ورُتِّبَ ترتيباً قُدِّمَ فيه ما حقه أن يقدم، وأُخِّر فيه ما حقه أن يؤخر.
ولِإِيلافِ قُرَيْشٍ:مصدر من أَلِفَ.
والمؤلَّفة قلوبهم: هم الذين يتحرى فيهم بتفقدهم أن يصيروا من جملة من وصفهمالله، لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ «الأنفال:63». وأَوَالِفُ الطير: ما أَلِفَتِ الدار.
والأَلْفُ: العدد المخصوص، وسمي بذلك لكون الأعداد فيه مؤتلفة، فإن الأعداد أربعة: آحاد وعشرات ومئات وألوف، فإذا بلغت الألف فقد ائتلفت، وما بعده يكون مكرراً. قال بعضهم: الأَلْفُ من ذلك، لأنه مبدأ النظام، وقيل: آلَفْتُ الدراهم، أي بلغت بها الألف، نحو ماءيت، وآلفتُ هي نحو أمأتُ.
ملاحظات
يقصد الراغب الألف غير المهموزة، وستأتي الهمزة في آخر الباب تحت عنوان الألفات.
والإلْفُ بالكسر والأُلْفَة بالضم: حالة التئام ومودة بين أشخاص. والمؤلفة قلوبهم: الكفار الذين يستمالون إلى الجهاد. «الحدائق:12/176».
واستعمل القرآن التأليف بين القلوب: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وبين الناس: وَلَكِنَّاللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ.
وتأليف السحاب: يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ،
وإيلاف قريش رحلة الصيف التي رتبها هاشم الى فارس والشام ومصر. ورحلة الشتاء التي رتبها هاشم وعبد المطلب رضي الله عنهما الى اليمن والحبشة. ومعنى إيلافهم إياها أنه تعالى جعلها مألوفة لهم غير مستوحشة. والتأليف: يكون بين شخصين أو شيئين، والإيلاف: إيناسٌ بعمل أوشئ.
ألَكَ
مَلَك: أصله مَأْلَك، وقيل هو مقلوب عن مَلْأك. والمألك والمألكة والألوك: الرسالة، ومنه أَلَكْنِي، أي أبلغه رسالتي.
والملائكة: تقع على الواحد والجمع، قال تعالى: اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا «الحج:75».
قال الخليل: المألكة: الرسالة، لأنها تؤلك في الفم، من قولهم فرس يألك اللجام ويعلك.
ملاحظات
الملأك: حامل الرسالة وقد خُفِّفَ الى مَلك.
أما أن المألكة والألوكة مشتقة من ألكَ بمعنى علك، لأنها توضع أو تعلك في الفم أو تنطق منه، فهو احتمال ضعيف. «راجع: العين:5/409، إصلاح المنطق/365، شرح الشافية: 4/287، القاموس:3/293».
ألَمَ
الأَلَمُ: الوجع الشديد، يقال: أَلَمَ يَأْلَمُ أَلَماً فهو آلِمٌ. قال تعالى: فَإنهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ «النساء:104» وقد آلمتُ فلاناً. وعذابٌ أليم، أي مؤلم. وقوله: ألَمْ يَأْتِكُمْ «الأنعام:130» فهو ألف الإستفهام، وقد دخل على لم.
ملاحظات
1. الألم عند اللغويين: الوجع، وجعله الراغب الوجع الشديد، وقال هو أخف من الوجع!
قال في الفروق/569: «الوجع أعم من الألم، تقول: آلمني زيد بضربته إياي، وأوجعني بذلك».
2. وتنبيهه على أن «أَلَمْ» همزة إستفهام دخلت على لَم النافية، تعليم لغير العرب حتى لايخلطوا بينهما. وينبغي تنبيههم الى «أ. ل. م» في افتتاح ست سور.
3. استعمل الأليم في القرآن صفةً للعذاب الأخروي والدنيوي في عشرات الآيات، وصفةً لعذاب الرِّجز في آيتين: لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ. ولعقابالله تعالى: إن أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ. فالأليم ليس بالضرورة شديداً.
الله
الله: قيل: أصله إِلَهٌ فحذفت همزته، وأدخل عليها الألف واللام، فخصَّ بالباري تعالى. ولتخصصه به قال تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَميا «مريم:65».
وإلهٌ: جعلوه إسماً لكل معبود لهم، وكذا اللات، وسمَّوْا الشمس إِلَاهَة لاتخاذهم إياها معبوداً.
وأَلَهَ فلان يَأْلُهُ الآلهة: عَبَدَ. وقيل تَأَلَّهَ.
فالإله على هذا هو المعبود. وقيل هو من: أَلِهَ، أي تحيَّر، وتسميته بذلك إشارة إلى ما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: كل دون صفاته تحبير الصفات، وضلَّ هناك تصاريف اللغات. وذلك أن العبد إذا تفكر في صفاته تحيَّر فيها، ولهذا روي: تفكروا في آلاءالله، ولا تفكروا فيالله.
وقيل أصله: وَلَاه، فأبدل من الواو همزة، وتسميته بذلك لكون كل مخلوق والهاً نحوه، إما بالتسخير فقط كالجمادات والحيوانات، وإما بالتسخير والإرادة معاً كبعض الناس، ومن هذا الوجه قال بعض الحكماء: الله محبوب الأشياء كلها، وعليه دل قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَئٍْ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ. «الإسراء:44».
وقيل أصله من لاهَ يلوهُ لِيَاهاً، أي احتجب. قالوا: وذلك إشارة إلى ما قال تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ. «الأنعام:103» والمشار إليه بالباطن في قوله: وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ«الحديد:3».
وإِلَهٌ: حقه ألا يجمع إذ لا معبود سواه، لكن العرب لاعتقادهم أن هاهنا معبودات، جمعوه فقالوا: الآلهة. قال تعالى: أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا «الأنبياء:43» وقال: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ. «الأعراف:127» وقرئ: وإلاهتك، أي عبادتك.
ولاهِ أنت، أي لله، وحذف إحدى اللامين.
اللهم: قيل معناه ياالله، فأبدل من الياء في أوله الميمان في آخره، وخُص بدعاءالله.
وقيل تقديره: ياالله أُمَّنَا بخير، مركب تركيب حيَّهلا.
ملاحظات
1. لفظ الجلالة «الإله» مشتق من أَلَهَ بمعنى تَعَلَّقَ وتَوَلَّع وأدغمت ألفه، فقد صح عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: الله معناه المعبود الذي يأله فيه الخلق ويؤله إليه. «توحيد الصدوق/89».
وورد في الحديث «متأله» بمعنى متعبد.
2. يستعمل ألَهَ متعدياً مباشرة فيقال: ألهَهَ، أي أجاره «توحيد الصدوق/196» ومتعدياً بفي وإلى، يقال: أَلِهَ اليه يأله، أي فزع إليه من أمر نزل به. ومتعدياً بعن بمعنى عجز عن معرفته وتحير فيه، لكن ابن فارس «1/127» قال: «ألِهَ يأله فليس من الباب، لأن الهمزة واو».
لكن الظاهر أن وَلَهَ منه وكذا وَلَع وتَوَلَّعَ، وتغيير الحروف شائع في لغة العرب.
3. لايصح تفسير بعضهماللهم بيا ألله أُمَّ بخير، أو أُمَّنا بخير. قال الخليل وسيبويه وغيرهما: اللهم بمعنى يا ألله، والميم المشددة عوض من يا». «لسان العرب:13/470».
إلَى
إلى: حرف يُحَدُّ به النهاية من الجوانب الست. وأَلَوْتُ في الأمر: قصَّرت فيه، هو منه، كأنه رأى فيه الإنتهاء.
وأَلَوْتُ فلاناً: أي أوليته تقصيراً، نحو كسبته أي أوليته كسباً. وما ألوته جهداً، أي ما أوليته تقصيراً بحسب الجهد، فقولك: جهداً تمييز، وكذلك: ما ألوته نصحاً.
وقوله تعالى: لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا «آل عمران:118» منه أي لايقصرون في جلب الخبال.
وقال تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ. «النور:22» قيل هو يفتعل من ألوتُ. وقيل هو من آليت: حلفت. وقيل: نزل ذلك في أبي بكر، وكان قد حلف على مسطح أن يزوي عنه فضله. وردَّ هذا بعضهم بأن افتعل قلما يبنى من أفعل إنما يبنى من فعل، وذلك مثل كسبت واكتسبت، وصنعت واصطنعت، ورأيت وارتأيت. وروي: لادريت ولا ائتليت وذلك: افتعلت من قولك: ما ألوته شيئاً، كأنه قيل: ولا استطعت.
وحقيقة الإيلاء والأَلِيَّة: الحلف المقتضي لتقصير في الأمر الذي يحلف عليه. وجُعل الإيلاء في الشرع للحلف المانع من جماع المرأة. وكيفيته وأحكامه مختصة بكتب الفقه.
فَاذْكُرُوا آلاءَالله «الأعراف:69» أي نعمه، الواحد ألاً وإِلىً، نحو أناً وإنىً لواحد الآناء.
وقال بعضهم في قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ «القيامة:22» إن معناه إلى نعمة ربها منتظرة، وفي هذا تعسف من حيث البلاغة.
وأَلَا: للإستفتاح، وإِلَّا: للإستثناء، وأُولَاءِ، في قوله تعالى: ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ. وقوله: أولئك: إسم مبهم موضوع للإشارة إلى جمع المذكر والمؤنث، ولا واحد له من لفظه، وقد يقصر نحو قول الأعشى:
هؤلا ثم هؤلا كلاً أعطيْتَ نوالاً محذوَّةً بِمِثَالِ
ملاحظات
1. جعل الراغب ألَوَ مشتقة من حرف الجر: الى، ولو صح الإشتقاق من الحرف، فأين معنى الإنتهاء في فعل: ألَوَ ؟!
2. كما دمج الراغب عدة أصول في الباب وجعلها مادةً واحدةً! ونسجل ما يلي:
أ. ألَوَ أو آلى، تقول: أَلَوْتُ في الأمر أليّاً بمعنى قصَّرت فيه، وأكثر ما يستعمل مع النفي تقول: ما آلاه وما يألوه ألواً، بمعنى ما استطاعه، لا آلو، وما ألوتُ، أي لم أقصر فيه بل بذلت جهدي، ومنه قوله تعالى: لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً. وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى.
ويستعمل بعكسه بمعنى عجزت عنه، تقول: ألوتُهُ ألواً وائتليتُ ائتلاءً، أي عجزتُ.
وعده ابن فارس«1/127» أصلاً مستقلاً، قال: «أصلان متباعدان أحدهما الإجتهاد والمبالغة والآخر التقصير» لكن الكلمات المستعملة في عكسها في العربية كثيرة، كالسليم والبصير.
ب. آليتُ بمعنى حلفتُ وعاهدتُ تقول: آلى على نفسه فهو مؤلٍ ومؤالٍ. وائتلى فهو مؤتل. وآليتُ ألوةً وإليةً وألاياً، وآلى يولي يؤلى ويأتلي ويتألى، وائتلى يأتلي، وتألى يتألى، ومنه قوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. أي يحلفون على هجرهن، ومصدره الإيلاء والإئتلاء والتألي، وهو من ملحقات باب الطلاق، وهو أصل مستقل، لكن الراغب اخترع له معنى التقصير، وجعله من ألوْتُ بمعنى قصَّرْتُ!
ج. إلى حرف جر يدل على الحد ونوع من الإنتهاء، ولايشير الى الشروع والإبتداء كما تخيل البعض، فقوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِق ِ، يدل على حد الغَسل بقطع النظر عن البدء من أعلى أو أسفل، كقولك: إصبغ الجدار الى عُلُوِّ ذراع، فليس فيه شرط الإبتداء من أسفل أو أعلى، بل يعرف البدء إذا كان مطلوباً، من غيره.
د. إلى بمعنى النعمة، وجمعها إلىً وآلاء، قال تعالى: فَاذْكُرُوا آلاءَاللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. فَاذْكُرُوا آلاءَاللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرض مُفْسدِينَ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.
وقد وردت آلاء في سورة الرحمن 31 مرة.
ه. إلْيَةٌ: عجز الحيوان، أو ما ينبت عليه من لحم وشحم، تقول: شاة ألِيَّة، وكبش ألَيَان، ونعجة ألَيَانة، بفتح اللام، أي ذات إلْيَة.
3. جعل الراغب جهداً في لا آلوك، تمييزاً، والأقوى قول ابن هشام في المغني«2/525»: «عُدِّيَ ألوتُ بقصر الهمزة بمعنى قَصَّرتُ إلى مفعولين بعد ما كان قاصراً، وذلك في قولهم: لا آلوك نصحاً ولا آلوك جهداً، لما ضمن معنى لا أمنعك». ونحوه التفتازاني في المختصر/16. راجع:العين:8/356، والصحاح:6/2270، والمقاييس:1/127، ولسان العرب:14/39، والقاموس:4/300.
4. اختار الراغب أن يكون معنى قوله تعالى: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ، أنها تنظر الى ذاتالله تعالى، ووصف القول بأن معناها: «إلى نعمة ربها منتظرة، تعسف من حيث البلاغة».
وهذا يدل على أن الراغب ليس شيعياً، لأن مذهبنا أنالله تعالى يُرى بالعقل والبصيرة، ولا يرى بالعين لا في الدنيا ولا في الآخرة.
والتعسف إنما هو في تفسيرالآية بالنظر الى ذاته عز وجل وجعله جسماً ينعكس عليه الضوء، وهو عز وجل يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئْ. فلا بد أن تكون ناظرة من نوع: وَإني مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ «النمل:35» أي منتظرة.
ويؤيده أن سياق الآية في مشاهد المحشر حيث يخشى الكفار أن تحل بهم فاقرة: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ. تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ. ويتطلع المؤمنون الى الجنة، قال الإمام الرضا عليه السلام : يعني مشرفة ٌتنتظر ثواب ربها. «التوحيد /116».
ومثله تفسير الراغب: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ، بأنه النظر إلى وجهالله سبحانه وتعالى.
أَمَّ
الأم: بإزاء الأب، وهي الوالدة القريبة التي ولدته، والبعيدة التي ولدت من ولدته. ولهذا قيل لحواء: هي أمنا، وإن كان بيننا وبينها وسائط.
ويقال لكل ما كان أصلاً لوجود شئ أو تربيته أو إصلاحه أو مبدئه: أم.
قال الخليل: كل شئ ضم إليه سائر ما يليه يسمى أماً. قال تعالى: وَإنهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ «الزخرف:4» أي اللوح المحفوظ، وذلك لكون العلوم كلها منسوبة إليه ومتولدة منه.
وقيل لمكة أم القرى، وذلك لما رويَ أن الدنيا دحيت من تحتها، وقال تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها «الأنعام:92».
وأم النجوم: المجرة، قال الشاعر:
حيثُ اهتدَتْ أمُّ النُّجُومِ الشَّوَابِكِ
وقيل أم الأضياف وأم المساكين، كقولهم أبو الأضياف. ويقال للرئيس أم الجيش كقول الشاعر:
وأم عيالٍ قد شهدتُ نفوسهم
وقيل لفاتحة الكتاب أم الكتاب لكونها مبدأ الكتاب.
وقوله تعالى: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ «القارعة:9» أي مثواه النار فجعلها أماً له، قال وهو نحو: مَأْواكُمُ النَّارُ «الحديد:15».
وسمىالله تعالى أزواج النبي أمهات المؤمنين فقال: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ «الأحزاب:6» لما تقدم في الأب. وقال: يَا ابْنَ أُمَّ، وكذا قوله: وَيْلُ امِّهِ، وكذا: هَوَتْ أُمُّهُ.
والأم: قيل أصله أمهة، لقولهم جمعاً أمهات وأميهة، وقيل أصله من المضاعف لقولهم أُمَّات وأُمَيْمَة. قال بعضهم أكثر ما يقال أمات في البهائم ونحوها، وأمهات في الإنسان.
والأمَّة: كل جماعة يجمعهم أمرٌ ما، إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيراً أو اختياراً. وجمعها أُمَمٌ.
وقوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ «الأنعام:38» أي كل نوع منها على طريقة قد سخرهاالله عليها بالطبع، فهي من بين ناسجة كالعنكبوت، وبانية كالسُّرْفة بالضم والتشديد، ومدخرة كالنمل، ومعتمدة على قوت وقته كالعصفور والحمام، إلى غير ذلك من الطبائع التي تخصص بها كل نوع.
وقوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً. «البقرة:213» أي صنفاً واحداً وعلى طريقة واحدة في الضلال والكفر. وقوله: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً. «هود:118» أي في الإيمان.
وقوله: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ. «آل عمران:104» أي جماعة يتخيرون العلم والعمل الصالح، يكونون أسوة لغيرهم.
وقوله: إنا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ. «الزخرف:22» أي على دين مجتمع، قال الشاعر:
وهل يأثَمَنْ ذو أمَّةٍ وَهْوَ طَائِعُ
وقوله تعالى: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ «يوسف:45» أي حين. وقرئ بعد أمَهٍ أي بعد نسيان. وحقيقة ذلك بعد انقضاء أهل عصر أو أهل دين.
وقوله: إن إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِله «النحل:120» أي قائماً مقام جماعة في عبادةالله، نحو قولهم فلان في نفسه قبيلة. ورويَ أنه يحشر زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده.
وقوله تعالى: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ «آل عمران:113» أي جماعة وجعلها الزجَّاج هاهنا للإستقامة وقال: تقديره ذو طريقة واحدة فترك الإضمار.
والأمِّيُّ: هو الذي لايكتب ولا يقرأ من كتاب وعليه حمل: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُميينَ رَسُولًا مِنْهُمْ «الجمعة:2». قال قطرب: الأُمِّيَّة الغفلة والجهالة فالأميُّ منه، وذلك هو قلة المعرفة. ومنه قوله تعالى: وَمِنْهُمْ أُميونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ «البقرة:78» أي إلا أن يتلى عليهم. قال الفراء: هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب.
و: النَّبِيَّ الْأُمي الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ «الأعراف:157» قيل منسوب إلى الأمة الذين لم يكتبوا لكونه على عادتهم، كقولك عامي لكونه على عادة العامة.
وقيل سميَ بذلك لأنه لم يكن يكتب ولا يقرأ من كتاب، وذلك فضيلة له لاستغنائه بحفظه واعتماده على ضمانالله منه بقوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى«الأعلى:6» وقيل سميَ بذلك لنسبته إلى أم القرى.
والإِمام: المؤتمُّ به، إنساناً كأن يقتدى بقوله أو فعله، أو كتاباً، أو غير ذلك محقاً كان أو مبطلاً، وجمعه: أئمة.
وقوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كل أُناسٍ بِإِمامِهِمْ «الإسراء:71» أي بالذي يقتدون به. وقيل بكتابهم. وقوله: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً «الفرقان:74». قال أبو الحسن: جمع آمَ، وقال غيره: هو من باب دِرْعٌ دلاصٌ ودروع دلاص.
وقوله: وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً «القصص:5». وقال: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ «القصص:41» جمع إمام. وقوله تعالى: وَكل شَئٍْ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ«يس:12» فقد قيل إشارةٌ إلى اللوح المحفوظ.
والأَمُّ: القصد المستقيم وهو التوجه نحو مقصود، وعلى ذلك: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ. «المائدة:2».
وقولهم: أَمَّهُ: شجَّه، فحقيقته إنما هو أن يصيب أُمَُ دماغه، وذلك على حد ما يبنون من إصابة الجارحة لفظ فَعَلْتَ منه، وذلك نحو رَأَسْتُهُ ورَجَلْتُه وكَبَدْته وبَطَنته، إذا أصيبت هذه الجوارح.
وأَمْ: إذا قوبل به ألف الإستفهام فمعناه أي، نحو: أزيد في الدار أمْ عمرو، أي أيهما ؟وإذا جُرد عن ألف الإستفهام فمعناه بل نحو: أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ «صاد:63» أي بل زاغت.
وأمَّا: حرفٌ تقتضي معنى أحد الشيئين. وتُكرر، نحو: أما أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وأما الْآخَرُ فَيُصْلَبُ. «يوسف:41».
ويبتدأ بها الكلام، نحو: أما بعد فإنه كذا.
ملاحظات
1. تبع الراغب البخاري «5/146» في أن الفاتحة سميت أم الكتاب لأنها مبدأ الكتاب.
وهي مبدأ الكتاب الآن، لكن الوحي بدأ بسورة إقرأ، وسميت الفاتحة أم الكتاب لمركزيتها، وجمعها كل ما فيه«إعانة الطالبين:1/10».
2. روي أن مكة سميت أم القرى، لأن الأرض دحيت من تحتها، وروي أنها سميت بذلك، لأنها أم القرى، قال تعالى: وَمَا كَأن رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً. وقال:لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا.
وفي معاني الأخبار/54: «وإنما سمي الأمي لأنه كان من أهل مكة. ومكة من أمهات القرى وذلك قولالله عز وجل: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى».
3. أم المساكين: لقب لزينب الهلالية زوجة النبي صلى الله عليه وآله «الطبقات:8/219». ووصفوا الراية بأنها أم الجيش «مسند الشافعي:1/48». لكن لم أجد وصف قائد الجيش بذلك.
4. فسر الراغب قوله تعالى: فأمُّهُ هاوية، بأن النار أمه التي يهوي فيها، فتكون النار سميت أماً مجازاً ويهوي فيها ابنها. والصحيح أن المعنى أن أم رأسه هاوية في النار يقال: هوت به أمه، وهوت أمه، وهوت أم رأسه، فيكون الضمير في مَاهِيَهْ راجعاً الى النار المهوي اليها وليس الى أمه. قال علي عليه السلام لما بلغه قتل رئيس بني ناجية: هوت أمه، ما كان أنقص عقله وأجرأه على ربه». «الغارات:1/371». وقال تعالى: وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى. وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى. فقوله تعالى:فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ، من هذا النوع. «راجع:الكشاف:4/280، والقمي:2/440 ومجمع البيان:10/429، والطبري:3/361».
5. قوله: رويَ أن زيد بن عمرو بن نفيل يحشر أمة وحده. وقدغالى فيه رواة السلطة لأنه ابن عم عمر بن الخطاب، وزعم البخاري أنه كان لا يأكل ما ذبح للنصب وأن نبينا صلى الله عليه وآله كان يأكل منه! راجع: ألف سؤال وإشكال:1/140.
6. لم يذكر الراغب الأمة المعدودة في قوله تعالى: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ. وهم أصحاب المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
أمَد
قال تعالى: تَوَدُّ لَوْ إن بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيداً «آل عمران:30». الأمد والأبَد: يتقاربان، لكن الأبَد عبارة عن مدة الزمان التي ليس لها حد محدود ولا تتقيد لايقال أبَدُ كذا.
والأمد مدةٌ لها حدٌّ مجهول إذا أطلق، وقد ينحصر نحو أن يقال: أمَدُ كذا، كما يقال زَمَانُ كذا.
والفرق بين الزمان والأمد: أن الأمد يقال باعتبار الغاية، والزمان عام في المبدأ والغاية. ولذلك قال بعضهم: المدى والأمد يتقاربان.
ملاحظات
لا بد أن يكون معنى قوله: والأمد مدةٌ لها حدٌّ مجهول، أنه غايةٌ لمدة من الوقت غير محددة.
قال الخليل «8/89»: «الأمد: منتهى كل شئ وآخره». وقال ابن فارس«1/137»: «الأمد: الغاية. كلمة واحدة لا يقاس عليها».
وقال أبو هلال/71: «يكون الأمد ظرفاً من الزمان والمكان، فالزمان قوله تعالى: فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ. والمكان قوله تعالى: تَوَدُّ لَوْ إن بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيداً».
وقد ورد الأمد في ثلاث آيات أخرى لم يذكرها الراغب:
أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا. قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَاتُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً. وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ. ومعنى طول الأمد: أنهم تركوا في فترةٍ من الرسل.
أمَرَ
الأَمْرُ: الشأن وجمعه أُمُور. ومصدر أمرته: إذا كلفته أن يفعل شيئاً. وهو لفظ عام للأفعال والأقوال كلها، وعلى ذلك قوله تعالى: إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كلهُ «هود:123». وقال: قُلْ إن الْأَمْرَ كلهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ، يَقُولُونَ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَئٌ «آل عمران:154» أَمْرُهُ إِلَىالله «البقرة:275»ويقال للإبداع أمر، نحو: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ «الأعراف:54».
ويختص ذلك بالله تعالى دون الخلائق. وقد حمل على ذلك قوله تعالى: وَأَوْحَى فِي كل سَماءٍ أَمْرَها. «فصلت:12»
وعلى ذلك حمل الحكماء قوله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي «الإسراء:85» أي من إبداعه.
وقوله: إنما قَوْلُنا لِشَئْ ٍإِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «النحل:40» فإشارة إلى إبداعه، وعُبر عنه بأقصر لفظة وأبلغ ما يتقدم فيه فيما بيننا بفعل الشئ. وعلى ذلك قوله: وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ «القمر:50» فعبر عن سرعة إيجاده بأسرع ما يدركه وهمنا.
والأمر: التقدم بالشئ سواء كان ذلك بقولهم: إفعل وليفعل، أو كان ذلك بلفظ خبر نحو: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ «البقرة:228» أو كان بإشارة أو غير ذلك. ألا ترى أنه قد سمَّى ما رأى إبراهيم في المنام من ذبح ابنه أمراً، حيث قال: إني أَرى فِي الْمَنامِ إني أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ «الصافات:102» فسمى ما رآه في المنام من تعاطي الذبح أمراً.
وقوله تعالى: وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ «هود:97» فعامٌّ في أقواله وأفعاله.
وقوله: أَتى أَمْرُالله «النحل:1» إشارة إلى القيامة، فذكره بأعم الألفاظ.
وقوله: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً «يوسف:18» أي ماتأمر النفس الأمارة بالسوء.
وقيل: أَمِرَ القومُ: كثروا، وذلك لأن القوم إذا كثروا صاروا ذا أمير من حيث إنهم لا بد لهم من سائس يسوسهم، ولذلك قال الشاعر:
لا يصلح الناس فَوْضَى لا سُرَاةَ لهمْ
وقوله تعالى: أَمَرْنا مُتْرَفِيها«الإسراء:16» أي أمرناهم بالطاعة، وقيل معناه كثرناهم.
وقال أبو عمرو: لا يقال أمَرْتُ بالتخفيف في معنى كثرت، وإنما يقال: أمَّرت وآمرت.
وقال أبو عبيدة قد يقال: أمرت بالتخفيف نحو: خير المال مهرة مأمورة وسكة مأبورة. وفعله: أمرت. وقرئ: أَمَّرْنَا، أي جعلناهم أمراء، وكثرة الأمراء في القرية الواحدة سبب لوقوع هلاكهم ولذلك قيل: لا خير في كثرة الأمراء، وعلى هذا حمل قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كل قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها «الأنعام:123» وقرئ: آمَرْنَا، بمعنى: أكثرنا.
والائْتِمَارُ: قبول الأمر، ويقال للتشاور: ائتمار، لقبول بعضهم أمر بعض فيما أشار به.
قال تعالى: إن الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ «القصص:20» قال الشاعر: وآمرت نفسي أيَّ أمْرَيَّ أفعلُ
وقوله تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً «الكهف:71». أي منكراً، من قولهم: أَمِرَ الأَمْرُ، أي كَبُرَ وكَثُرَ كقولهم: استفحل الأمر.
وقوله: وَأُولِي الْأَمْرِ «النساء:59» قيل عَنَى الأمراء في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل الأئمة من أهل البيت. وقيل: الآمرون بالمعروف. وقال ابن عباس: هم الفقهاء وأهل الدين المطيعون لله.
وكل هذه الأقوال صحيحة، ووجه ذلك أن أولي الأمر الذين بهم يرتدع الناس أربعة: الأنبياء: وحكمهم على ظاهر العامة والخاصة وعلى بواطنهم. والولاة: وحكمهم على ظاهر الكافة دون باطنهم. والحكماء: وحكمهم على باطن الخاصة دون الظاهر. والوَعَظَة: وحكمهم على بواطن العامة دون ظواهرهم.
ملاحظات
1. الأمر: مصطلح نبوي بمعنى ولاية الأمر بعده، أي الخلافة. فقد كان يعرض نفسه على القبائل فيقولون له: إن نصرناك أتجعل الأمر لنا بعدك ؟ فيقول: لا.
ثم كان يأخذ البيعة من المسلمين على أن لا ينازعوا الأمر أهله. لكن علماء السلطة أبهموا الأمر ليقولوا إن رسولالله صلى الله عليه وآله لم يعين أحداً للأمر بعده!
وتبعهم الراغب فوسع أولي الأمر في الآية الى أهل البيت عليهم السلام وأنواع الناس حتى وعاظ المساجد والتكايا والقصاصين! ومحالٌ أن يأمرالله تعالى بطاعة أناس مختلفين، وقد تقاتلوا على الحكم، وقتل بعضهم بعضاً.
قال ابن هشام «2/289»: «أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلىالله عز وجل وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس. أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهركالله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر إلىالله يضعه حيث يشاء. قال فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهركالله كان الأمر لغيرنا! لا حاجة لنا بأمرك. فأبوا عليه».
وورد في بيعة الأنصار للنبي صلى الله عليه وآله قبل الهجرة: «قال: تبايعوني على أن تشهدوا أن لا إله إلاالله وأني رسولالله، وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة، والسمع والطاعة، وأن لا تنازعوا الأمر أهله، وأن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأهليكم». «مجمع الزوائد:6/49».
وروى البخاري: 8/122، في بيعة الشجرة: «عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسولالله صلى الله عليه وآله على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله». ومسلم:6/16، والنسائي:7 /137، وابن ماجة:2/957. وأحمد:5/316.
فهذا يفسر لنا قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوااللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمر مِنْكُمْ.
ويضاف اليه تأكيده صلى الله عليه وآله على أن علياً وليكم من بعدي، وعلى التمسك بالقرآن وعترته عليهم السلام وأنهما باقيان الى يوم القيامة. «مسند أحمد:3/17».
ويضاف اليه أن الأمر بالطاعة مطلقاً يوجب العصمة، قال الفخر الرازي في تفسيره «10/144»: «أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمرالله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابد وأن يكون معصوماً عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمرالله بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهي عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد، بالإعتبار الواحد، وإنه محالٌ».
2. ورد الأمر في القرآن بخمسة معانٍ أخرى:
أ. أمر الخلق والتكوين والإدارة: قال تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمر تَبَارَكَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِين.
ب. بمعنى قضاءالله: وَكَانَ أَمْرُاللهِ مَفْعُولاً.
ج. بمعنى خططه في المجتمع البشري: وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.
د. بمعنى الروح: وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي.
د. الأمر مقابل النهي: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ.
أمِنَ
أصل الأَمْن: طمأنينة النفس وزوال الخوف. والأَمْنُ والأَمَانَةُ والأَمَانُ في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة إسماً للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة إسماً لما يؤمن عليه الإنسان، نحو قوله تعالى: وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ «الأنفال:27» أي ما ائتمنتم عليه.
وقوله: إنا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «الأحزاب:72» قيل: هي كلمة التوحيد، وقيل العدالة، وقيل حروف التهجي، وقيل العقل، وهو صحيح فإن العقل هو الذي بحصوله يتحصل معرفة التوحيد، وتجري العدالة، وتُعلم حروف التهجي، بل بحصوله تُعلم كل ما في طوق البشر تعلُّمه، وفعل ما في طوقهم من الجميل فعله، وبه فُضِّلَ على كثير ممن خلقه.
وقوله: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً «آل عمران:97» أي آمناً من النار. وقيل من بلايا الدنيا التي تصيب من قال فيهم: إنما يُرِيدُاللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا «التوبة:55».
ومنهم من قال: لفظه خبر ومعناه أمر. وقيل يأمن الإصطلام. وقيل آمنٌ في حكمالله وذلك كقولك: هذا حلال وهذا حرام، أي في حكمالله، والمعنى: لايجب أن يقتص منه ولا يقتل فيه إلا أن يخرج.
وعلى هذه الوجوه: أَوَلَمْ يَرَوْا إنا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً «العنكبوت:67». وقال تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً «البقرة:125». وقوله: أَمَنَةً نُعاساً «آل عمران:154» أي أمناً، وقيل: هي جمع كالكَتَبَة. وفي حديث نزول المسيح: وتقع الأمنة في الأرض. وقوله تعالى: ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ «التوبة:6» أي منزله الذي فيه أمنه.
وآمَنَ: إنما يقال على وجهين، أحدهما: متعدياً بنفسه يقال: آمنته، أي جعلت له الأمن، ومنه قيل لله: مؤمن.
والثاني: غير متعدٍّ، ومعناه: صار ذا أمن.
والإِيمان: يستعمل تارة إسماً للشريعة التي جاء بها محمد عليه الصلاة والسلام، وعلى ذلك: الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ «المائدة:69» ويوصف به كل من دخل في شريعته مقراً بالله وبنبوته. قيل: وعلى هذا قال تعالى: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ. «يوسف:106».
وتارة يستعمل على سبيل المدح، ويراد به إذعان النفس للحق على سبيل التصديق، وذلك باجتماع ثلاثة أشياء: تحقيق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بحسب ذلك بالجوارح. وعلى هذا قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ «الحديد:19».
ويقال لكل واحد من الإعتقاد والقول الصدق والعمل الصالح: إيمان. قال تعالى: وَما كانَاللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ «البقرة:143» أي صلاتكم، وجعل الحياء وإماطة الأذى من الإيمان.
قال تعالى: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ. «يوسف:17» قيل معناه: بمصدق لنا، إلا أن الإيمان هو التصديق الذي معه أمْن.
وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطاغُوتِ «النساء:51» فذلك مذكور على سبيل الذم لهم، وأنه قد حصل لهم الأمن بما لا يقع به الأمن، إذ ليس من شأن القلب، ما لم يكن مطبوعاً عليه، أن يطمئن إلى الباطل، وإنما ذلك كقوله: مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَالله وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ «النحل: 106» وهذا كما يقال: إيمانه الكفر، وتحيته الضرب، ونحو ذلك.
وجعل النبي صلى الله عليه وآله أصل الإيمان ستة أشياء في خبر جبريل حيث سأله فقال: ما الإيمان ؟ والخبر معروف.
ويقال: رجل أَمْنَةٌ وأَمَنَةٌ، يثق بكل أحد، وأَمِينٌ وأَمَانٌ يؤمن به. والأَمُون: الناقة يؤمن فتورها وعثورها.
آمين: يقال بالمد والقصر، وهو إسم للفعل نحو: صه ومه. قال الحسن: معناه: إستجب. وأَمَّنَ فلان: إذا قال: آمين. وقيل: آمين إسم من أسماءالله تعالى.
وقال أبو علي الفسوي: أراد هذا القائل أن في آمين ضميراً لله تعالى، لأن معناه: إستجب.
وقوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ «الزمر:9» تقديره أم من.
وقرئ أمَنْ. وليسا من هذا الباب.
ملاحظات
1. أصل الأمن بمعنى طمأنينة النفس ضد الخوف، وسمي التصديق بالله تعالى ورسوله إيماناً، لأن النفس تطمئن به ، وتخرج من الشك والقلق.
2. استعمل الإيمان، والمؤمنون، والذين آمنوا، في القرآن، في معان متفاوتة، من أدنى درجات الإيمان الى أعلاه، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
وأدناها من ادعى الإيمان، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً. وَإن مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَاللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً. قال الإمام الصادق عليه السلام : لو أن هذه الكلمة قالها أهل المشرق وأهل المغرب، لكانوا بها خارجين من الإيمان، ولكن قد سماهمالله مؤمنين بإقرارهم». «تفسير القمي:1/30 ».
وذكر القمي في تفسيرها أن الإيمان في كتاب الله على أربعة وجوه: بمعنى الإقرار باللسان. والتصديق بالقلب. والأداء. والتأييد المكتوب في قلوب المؤمنين.
ولذلك قالالله تعالى: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلما يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ.
وقال:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ.
والحديث الذي أشار اليه الراغب رواه البخاري «1/18»: «قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث. قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبدالله ولاتشرك به وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان».
3. سميت الوديعة أمانة، لأنها جعلت في مكان يُؤْمَنُ عليها. أما الأمانة في قوله تعالى: إناللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، فهي أمانة الحكم، أي أن يؤدي الحاكم الأمانة الى الحاكم الشرعي بعده، ولايخونها.
قال ابن أبي شيبة: 7/571: أنزلت في ولاة الأمر. ونحوه الطبري في تفسيره:5/200.
وقال الإمام الصادق عليه السلام :إيانا عنى، أن يؤدي الأول إلى الإمام الذي بعده الكتب والعلم والسلاح.
وقال الإمام الرضا عليه السلام :هم الأئمة يؤدي الإمام إلى الإمام من بعده، ولا يخص بها غيره ولا يزويها عنه. «الكافي:1/276».
وقال العيني في عمدة القاري: 12/227، إن أكثر المفسرين قالوا إنها نزلت في مفتاح الكعبة عندما أخذه النبي صلى الله عليه وآله في فتح مكة، فأمرهالله تعالى أن يرده الى بني شيبة!
ويقصد رواة السلطة أن النبي صلى الله عليه وآله ليس له حق في سدانة الكعبة، مع أنه بنص القرآن وليُّ البيت وأولى بالمؤمنين من أنفسهم!
4. ذكر الراغب في تفسير: وَمَنْ دَخَلَهُ كَأن آمِناً ثلاثة وجوه ولم يختر منها شيئاً: أنه آمنٌ من عذابالله في الحياة الدنيا، أو آمنٌ من الإصطلام والإهلاك، أو آمنٌ من القصاص حتى يخرج. وفسرها أهل البيت عليهم السلام :
أ. «من دخل الحرم من الناس مستجيراً به فهو آمنٌ من سَخَطالله، ومن دخله من الوحش والطير كان آمناً من أن يهاج أو يؤذى حتى يخرج من الحرم.
إن سرق سارق بغير مكة أو جنى جناية ففرَّ إلى مكة لم يؤخذ مادام في الحرم. وإن أحدث في الحرم ذلك الحدث أخذ فيه». «الكافي:4/226».
ب. «من أمَّ هذا البيت وهو يعلم أنه البيت الذي أمرهالله عز وجل به، وعرفنا أهل البيت حق معرفتنا، كان آمناً». «الكافي:4/545».
ج. قال الإمام الصادق عليه السلام لأبي حنيفة: «أنت فقيه أهل العراق؟ قال نعم، قال: بما تفتيهم؟ قال: بكتاب الله وسنة نبيه. قال: يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حق معرفته وتعرف الناسخ والمنسوخ؟قال: نعم، قال: يا أبا حنيفة لقد ادعيت علماً، ويلك ما جعلالله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم، ويلك ولا هو إلا عند الخاص من ذرية نبينا صلى الله عليه وآله ، ما ورَّثكالله من كتابه حرفاً، فإن كنت كما تقول ولستَ كما تقول، فأخبرني عن قولالله عز وجل: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ، أين ذلك من الأرض؟
قال: أحسبه ما بين مكة والمدينة، فالتفت أبو عبدالله عليه السلام إلى أصحابه فقال: تعلمون أن الناس يُقطع عليهم بين المدينة ومكة فتؤخذ أموالهم ولا يؤمنون على أنفسهم، ويقتلون؟ قالوا نعم! قال: فسكت أبو حنيفة.
فقال: يا أبا حنيفة أخبرني عن قولالله عز وجل: وَمَنْ دَخَلَهُ كَأن آمِنًا، أين ذلك من الأرض؟ قال: الكعبة. قال: أفتعلم أن الحجاج بن يوسف حين وضع المنجنيق على ابن الزبير في الكعبة فقتله، كان آمناً فيها ؟
قال: فسكت. فقال أبو بكر الحضرمي: جعلت فداك، الجواب في المسألتين؟ فقال: يا أبا بكر، سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ، مع قائمنا أهل البيت. وأما قوله: وَمَنْ دَخَلَهُ كَأن آمِنًا، فمن بايعه ودخل معه ومسح على يده ودخل في عقد أصحابه كان آمناً». «علل الشرائع:1/89».
5. آمين: ليست مشتقة من أمِن، بل معربة من الآرامية، وأصل معناها «حقاً أقول لكم» واستعملت في العربية بمعنى: اللهم استجب. ففي الإنجيل طبعة دار الكتاب المقدس/548: «آمين «حقاً» كلمة من الكلمات الآرامية الأربع التي حفظت في النص اليوناني، في صيغ العهد الجديد الطقسية. إنها تؤكد على أمانة الرب وإيمان الإنسان، خلافاً لما كان يفعل الربانيون، كان يسوع يستهل أقواله بقوله: آمين أقول لكم».
وأضافها الحكام في الصلاة، ونسبوها الى النبي صلى الله عليه وآله . لكن أهل البيت قالوا إنها بدعة. «المقنعة/105، والمعتبر:2/185، وشرائع الإسلام:1/66، وتدوين القرآن/455».
إِنَّ وأَنَّ
إنَّ وأنَّ ينصبان الإسم ويرفعان الخبر، والفرق بينهما أن إنَّ يكون ما بعده جملة مستقلة وأنَّ يكون ما بعده في حكم مفرد، يقع موقع مرفوع ومنصوب ومجرور، نحو: أعجبني أنك تخرج، وعلمت أنكَ تخرج، وتعجّبت من أنك تخرج.
وإذا أدخل عليه «ما» يبطل عمله، ويقتضي إثبات الحكم للمذكور وصرفه عما عداه، نحو: إنمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ «التوبة:28» تنبيهاً [على] أن النجاسة التامة هي حاصلة للمختص بالشرك. وقوله عز وجل: إنما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ. «البقرة:173»أي: ما حرم ذلك إلا تنبيهاً [على] أن أعظم المحرمات من المطعومات في أصل الشرع هو هذه المذكورات.
وأَنْ:على أربعة أوجه: الداخلة على المعدومين من الفعل الماضي أو المستقبل، ويكون ما بعده في تقدير مصدر، وينصب المستقبل نحو: أعجبني أن تخرج وأن خرجت.
والمخففة من الثقيلة:نحو: أعجبني أن زيداً منطلق. والمؤكدة للما نحو: فَلما أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ. «يوسف:96». والمفسرة لما يكون بمعنى القول، نحو: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا «ص:6» أي قالوا إمشوا.
وكذلك إِنْ على أربعة أوجه: للشرط نحو: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنهُمْ عِبادُكَ «المائدة:118».
والمخفّفة من الثقيلة:ويلزمها اللام نحو: إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا. «الفرقان:42».
والنافية:وأكثر ما يجئ يتعقّبه إلا، نحو: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا. «الجاثية:32» إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ «المدثر:25» إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ. «هود:54».
والمؤكدة لما النافية: نحو: ما إن يخرج زيد.
ملاحظات
استعمال أنَّ وأخواتها في القرآن أوسع مما ذكره الراغب، وفيها بحوثٌ مفصلة تجدها في كتب النحو، والتفسير.
أنَثَ
الأنثى:خلاف الذكر، ويقالان في الأصل اعتباراً بالفرجين، قال عز وجل: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى. «النساء:124».
ولما كان الأنثى في جميع الحيوان تضعف عن الذكَر اعتبر فيها الضعف، فقيل لما يضعف عمله: أنثى، ومنه قيل حديد أنيث، قال الشاعر: عندي جَرازٌ لا أَفَلُّ ولا أنِيثُ.
وقيل: أرض أنيث سهل، اعتباراً بالسهولة التي في الأنثى، أو يقال ذلك اعتباراً بجودة إنباتها تشبيهاً بالأنثى، ولذا قال: أرض حرَّة وولودة.
ولما شُبِّهَ في حكم اللفظ بعض الأشياء بالذكَر فذُكِّر أحكامه، وبعضها بالأنثى فأنثَ أحكامها، نحو: اليد والأذن والخصية، سميت الخصية لتأنيث لفظ الأنثيين، وكذلك الأذن. قال الشاعر:
ضربناهُ تحت الأنثيينِ على الكَرْدِ
وقال آخر: وَمَا ذَكَرٌ وإن يَسْمَنْ فأنثى
يعني: القراد فإنه يقال له إذا كبر: حَلَمَة، فيؤنَّث.
وقوله تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً. «النساء:117»
فمن المفسرين من اعتبر حكم اللفظ فقال: لما كانت أسماء معبوداتهم مؤنثة نحو: اللَّات وَالْعزى وَمَناة، قال ذلك.
ومنهم، وهو أصح، من اعتبر حكم المعنى، وقال: المنفعل يقال له: أنيث، ومنه قيل للحديد الليِّن: أنيث، فقال: ولما كانت الموجودات بإضافة بعضها إلى بعض ثلاثة أضرب: فاعلاً غير منفعل، وذلك هو الباري عز وجل فقط، ومنفعلاً غير فاعل، وذلك هو الجمادات. ومنفعلاً من وجه كالملائكة والإنس والجن، وهم بالإضافة إلىالله تعالى منفعلة، وبالإضافة إلى مصنوعاتهم فاعلة.
ولما كانت معبوداتهم من جملة الجمادات التي هي منفعلة غير فاعلة، سماهاالله تعالى أنثى وبكَّتَهُمْ بها، ونبَّههم على جهلهم في اعتقاداتهم فيها أنها آلهة، مع أنها لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر، بل لا تفعل فعلاً بوجه.
وعلى هذا قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً. «مريم:42». وأما قوله عز وجل: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً «الزخرف:19» فلزعم الذين قالوا: إن الملائكة بناتالله.
ملاحظات
1. أصل التذكير والتأنيث في اللغة العربية للمؤنث الحقيي كالرجل والمرأة، وشبههما. وقد توسع العرب فقسموا الموجودات والأمور الى مذكر ومؤنث. ثم جاء علماء اللغة وحاولوا أن يعرفوا الملاك في ذلك فوقعوا في التعليل بعد الوقوع.
ويصعب قبول ما ذكره الراغب من أن الملاك هو الفعل والإنفعال، أوالقوة والضعف.
بل لا بد من القول إن ملاك العرب في التذكير والتأنيث أوسع من هذين الملاكين.
وللتأنيث والتذكير أحكامٌ، وهما أقسامٌ، وهما سَمَاعِيَّان، ويقل فيهما القياسي.
2. وردت مادة أَنِثَ في بضع وعشرين مورداً في موضوعات، أهمها:
أ. أنالله تعالى بنى المجتمع على نظام الزوجية: ثُمَّ كَأن عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالآنْثَى.. يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى. وأشار الى مُوَرِّثَات الذكورة والأنوثة بقوله: وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالآنْثَى.
ب. والله تعالى هو الذي ينظم خلق الذكر والأنثى، ويحقق التوازن في المجتمعات: اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كل أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكل شَئٍْ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ.
ج. ومنها، المساواة عندالله تعالى بين الذكر والأنثى: لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ.
ه . ومنها، إدانة نظرة الجاهلية السلبية الى الأنثى: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالآنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَكَظِيمٌ.
و. ومنها، فرض توريث النساء، مع أن نفقتهن على الرجال: يُوصِيكُمُاللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الآنْثَيَيْنِ.
إنْسٌ
الإِنْس:خلاف الجن. والأُنْس:خلاف النفور. والإنسيُّ: منسوب إلى الإنس، يقال ذلك لمن كثر أنْسُه، ولكل ما يؤنس به، ولهذا قيل إنسيُّ الدابة للجانب الذي يلي الراكب، وإنسي القوس للجانب الذي يقبل على الرامي. والإنسي: من كل شئ ما يلي الإنسان، والوحشي ما يلي الجانب الآخر له.
وجمع الإنس أناسي، قالالله تعالى: وَأَناسِيَّ كَثِيراً «الفرقان:49». وقيل أَبِنْ أُنْسَك للنفس. وقوله عز وجل: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً «النساء:6» أي أبصرتم أنساً به. وآنَسْتُ ناراً «طه:10».
وقوله: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا «النور:27» أي تجدوا إيناساً.
والإنسان:قيل سمي بذلك لأنه خلق خلقة لا قوام له إلا بأنس بعضهم ببعض، ولهذا قيل الإنسان مدني بالطبع، من حيث لاقوام لبعضهم إلا ببعض ولا يمكنه أن يقوم بجميع أسبابه.
وقيل سمي بذلك لأنه يأنس بكل ما يألفه. وقيل هو إفعلان وأصله إنْسِيَان، سمي بذلك لأنه عُهد إليه فنسي.
ملاحظات
1. الإنسان، قيل مشتق من الأنس، في مقابل الوحشي أو مقابل الجن المخفي، ومنه استأنس لشئ، قال تعالى: وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ.
وفي علل الشرائع «1/15» عن الإمام الصادق عليه السلام : «سمي الإنسان إنساناً لأنه ينسى، وقالالله عز وجل: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ». ونحوه مجمع الزوائد «7/67».
واختاره الخليل «7/304» وقال:«أصله إنْسِيَانٌ لأن جماعته أناسي وتصغيره أُنَيْسِيَانٌ».
2. ورد الإنسان في القرآن محوراً لموضوعات عديدة، من أهمها:
أ. خلق الإنسان: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ.
ب. تكريمالله تعالى للإنسان: خَلَقَ الإنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ. عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
ج. عداوة الشيطان للإنسان: إن الشَّيْطَانَ لِلإنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
د. ضعف الإنسان في تكوينه وسلوكه: وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا. إنهُ كَان ظَلُومًا جَهُولاً.
أنَفَ
أصل الأنْف: الجارحة، ثم يسمى به طرف الشئ وأشرفه فيقال أنف الجبل وأنف اللحية. ونسب الحمية والغضب والعزة والذلة إلى الأنف، حتى قال الشاعر:
إذا غضبتْ تلك الأنوفُ لم أرضها
ولم أطلبِ العُتبى ولكن أزيدُهَا
وقيل شمخ فلان بأنفه للمتكبر، وتَرِبَ أنفه للذليل، وأنِفَ فلانٌ من كذا، بمعنى استَنْكَفَ.
وأَنِفْتُهُ: أصبت أنفه وحتى قيل الأنَفَة الحمية. واستأنفت الشئ: أخذت أنفه، أي مبدأه. ومنه قوله عز وجل: مَاذَا قَالَ آنِفاً. «محمد:16» أي مُبْتَدَأً.
ملاحظات
ورد آنفاً بمعنى : قبل قليل، قال تعالى: قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا.
والبيت الذي استشهد به الراغب في وزنه خلل، إلا أن تقول فأرضها بدل لم أرضها، لكن يتغير المعنى، ولعله من نظم الراغب، ففيه عجمة، ولم يروه غيره.
أنْمُل
قالالله تعالى: عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ «آل عمران:119» الأنامل: جمع الأنملة وهي المفصل الأعلى من الأصابع التي فيها الظفر، وفلان مؤنمل الأصابع، أي غليظ أطرافها في قصر، والهمزة فيها زائدة، بدليل قولهم هو نَمِلُ الأصابع، وذكَّرَها هنا للفظه.
ملاحظات
وردت الأنامل في آية واحدة: وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ.
والبنان في آيتين: بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّىَ بَنَانَه. فَاضْرِبُوا فَوْقَ الإعنَاقِ وَاضْرِبوُا مِنْهُمْ كل بَنَانٍ.
أَنَّى
أَنَّى:للبحث عن الحال والمكان، ولذلك قيل هو بمعنى أين وكيف، لتضمنه معناهما، قالالله عز وجل: أَنَّى لَكِ هَذَا. «آل عمران:37» أي من أين وكيف.
ملاحظات
استعملت أنَّى في القرآن بضعاً وعشرين مرة، في معان أوسع من البحث والطلب، وأوسع من السؤال عن الحال والمكان! ففيها استنكارٌ وتعجبٌ وإستفهامٌ عن لبِّ الموضوع. فقوله تعالى: أنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتي عَاقِراً : إستفهام عن الحَمْل مع فقد شروطه.
وقوله: فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأنى يُبْصِرُونَ : سؤال عن الرؤية مع فقد شروطها.
وقوله: أنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ : سؤال عن الإهتداء بغير النبي والوحي.
وقوله: أنى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا : سؤال عن استحقاق طالوت عليه السلام للملك مع قلة ماله.
وهكذا قوله: سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ فَأنَّى تُسْحَرُونَ . فَأنَّى يُؤْفَكُونَ. أنَّى يُصْرَفُونَ. وَأنَّى لَهُمُ التنَاوُشُ.
فمصبُّ أنَّى في هذه الآيات ليس البحث عن المكان والحال فقط، بل أوسع منهما.
أنَا
أَنَا: ضمير المخبر عن نفسه، وتحذف ألفه في الوصل في لغة، وتثبت في لغة.
وقوله عز وجل: لكِنَّا هُوَاللهُ رَبِّي «الكهف:38» فقد قيل: تقديره: لكن أنا هوالله ربي، فحذف الهمزة من أوله وأدغم النون في النون. وقرئ: لكنَّ هوالله ربي فحذف الألف أيضاً من آخره.
ويقال: إِ نِّيَّة الشئ وأَنِيَّتُه، كما يقال ذاته، وذلك إشارة إلى وجود الشئ، وهو لفظ محدث ليس من كلام العرب.
وآناء الليل:ساعاته، الواحد: إِنْيٌ وإِنىً وأَناً، قال عز وجل: يَتْلُونَ آياتِالله آناءَ اللَّيْلِ. «آل عمران:113» وقال تعالى: وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ. «طه:130» وقوله تعالى: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ «الأحزاب :53» أي وقته.
والإنا:إذا كُسر أوله قُصِر، وإذا فُتح مُدَّ، نحو قول الحطيئة: وآنيتُ العشاءَ إلى سهيلٍ
أو الشِّعرى فطالَ بيَ الأناءُ
أَنَى
آن الشئ:قرب إناه. وحَمِيمٍ آنٍ «الرحمن:44» بلغ إناه من شدة الحر، ومنه قوله تعالى: مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ «الغاشية:5». وقوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا «الحديد:16» أي: ألم يقرب إناه. ويقال: آنَيْتُ الشئ أُنِيّاً، أي أخرته عن أوانه.
وتَأنيْتُ:تأخرت. والأَنَاة التؤدة. وتَأنى فلان تَأنياً، وأَنَى يَأْنِي فهو آنٍ، أي وقور.
واستأنيته:انتظرت أوانه، ويجوز في معنى استبطأته. واستأنيت الطعام كذلك.
والإِنَاء:ما يوضع فيه الشئ وجمعه آنِيَة، نحو كساء وأكسية، والأَوَانِي:جمع الجمع.
أيْنَ
أيْنَ:لفظ يبحث به عن المكان، كما أن متى يبحث به عن الزمان. والآن:كل زمان مقدر بين زمانين ماض ومستقبل نحو: أنَا الآن أفعل كذا. وخص الآن بالألف واللام المعرف بهما ولزماه. وأفعلُ كذا آونةً:أي وقتاً بعد وقت. وهو من قولهم الآن.
وقولهم: هذا أوان ذلك، أي زمانه المختص به وبفعله، قال سيبويه: يقال الآن آنك: أي هذا الوقت وقتك.
وآن يؤون: قال أبو العباس رحمه الله : ليس من الأول وإنما هو فعل على حدته.
والأين:الإعياء، يقال آن يئين أيناً، وكذلك أنَى يأني أنياً: إذا حان. وأما بلغ إناه، فقد قيل هو مقلوب من أنى وقد تقدم.
قال أبو العباس: قال قوم: آنَ يئين أيناً، الهمزة مقلوبة فيه عن الحاء، وأصله حان يحين حيناً، قال: وأصل الكلمة من الحين.
ملاحظات
1. أجاد ابن فارس بقوله «1/141»: «أنَى. له أصول أربعة: البطء، وما أشبهه من الحلم وغيره، وساعة من الزمان، وإدراك الشئ، وظرف من الظروف».
ثم ذكر الأناة بمعنى الحلم، والإنَى والأنَى: وهي من ساعات الليل جمعها آناء. واستأنيتُ الطعام أي انتظرت إدراكه، وأنَى لك يأني أنياً أي حان، وأتيت فلاناً آينةً بعد آينة، أي أحياناً أو تارةً. وتقول إناء من الآنية، والأواني جمع جمع. «راجع العين:8/400».
2. استَعْمَل القرآن كلمة الآن ست مرات بدون همزة إستفهام، ومرتين معها، قال تعالى: الآنَ خَفَّفَاللهُ عَنْكُمْ. أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ. آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ.
3. أنَى الشئ يأني إنىً: بلغ نضجه وإدراكه وأوْجَهُ. ومنه قوله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ. أي منتظرين نضجه.
وقوله تعالى: يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ : أي ماءٌ بلغ إناه في الحرارة. تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ : حارة.
4. واستعمل القرآن أيَّانَ ست مرات للسؤال عن القيامة: يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا.
5. واستعمل أيْن سبع مرات، خمسة منها في السؤال عن الشركاء: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. واثنان في التعجب من موقف المكذبين: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ. . وسؤال الإنسان يوم القيامة: أَيْنَ الْمَفَرُّ.
6. واستعمل أينما اثنتي عشر مرة. إحداها مع ما الموصولة وليس فيها معنى الشرط، قال تعالى: وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ.
7. قوله تعالى: وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، أي ظروف فضية، وقد تكون سميت آنية لأنه يوضع فيها الطعام الذي نضج وبلغ إناه.
أهْل
أهل الرجل:من يجمعه وإياهم نسب أو دين، أو ما يجرى مجراهما من صناعة وبيت وبلد. فأهل الرجل: في الأصل من يجمعه وإياهم مسكن واحد، ثم تُجُوِّز به فقيل أهل بيت الرجل لمن يجمعه وإياهم نسب.
وتُعُورف في أسرة النبي عليه الصلاة والسلام مطلقاً إذا قيل أهل البيت، لقوله عز وجل: إنما يُرِيدُاللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ. «الأحزاب:33».
وعبَّر بأهل الرجل عن امرأته. وأهل الإسلام: من يجمعهم. ولما كانت الشريعة حَكمت برفع حكم النسب في كثير من الأحكام بين المسلم والكافر، قال تعالى: إنهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إنهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ. «هود:46» وقال تعالى: وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ «هود:40».
وقيل: أَهَلَ الرجل يَأْهَلُ أُهُولًا، وقيل: مكان مأهول: فيه أهله. وأُهِلَ به: إذا صار ذا ناس وأهل. وكل دابة ألف مكاناً يقال: أَهِلٌ وأَهْلِيٌّ.
وتأهَّلَ: إذا تزوج، ومنه قيل أهَّلكالله في الجنة، أي زوجك فيها، وجعل لك فيها أهلاً يجمعك وإياهم. ويقال فلان أهل لكذا، أي خليق به.
ومرحباً وأهلاً:في التحية للنازل بالإنسان، أي وجدت سعة مكان عندنا، ومن هو أهل بيت لك في الشفقة. وجمع الأهل أهلون، وأهال، وأهلات.
الآل
الآلُ:مقلوب من الأهل، ويُصَغَّر على أُهَيْل، إلا أنه خُصَّ بالإضافة إلى الأعلام الناطقين دون النكرات، ودون الأزمنة والأمكنة، يقال: آلُ فلان، ولا يقال: آلُ رجل، ولا آلُ زمان كذا، أو موضع كذا، ولا يقال: آلُ الخياط، بل يضاف إلى الأشرف الأفضل، يقال: آلُالله، وآلُ السلطان.
والأهل:يضاف إلى الكل يقال: أهلالله، وأهل الخياط، كما يقال: أهل زمن كذا، وبلد كذا. وقيل: هو في الأصل إسم الشخص، ويُصَغَّر أُوَيْلًا، ويستعمل فيمن يختص بالإنسان اختصاصاً ذاتياً إما بقرابة قريبة أو بموالاة، قالالله عز وجل: وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ «آل عمران:33» وقال: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ «غافر:46».
قيل: آل النبي عليه السلام أقاربه. وقيل المختصون به من حيث العلم، وذلك أن أهل الدين ضربان: ضرب متخصص بالعلم المتقن والعمل المحكم، فيقال لهم: آل النبي وأمته. وضرب يختصون بالعلم على سبيل التقليد، يقال لهم أمة محمد عليه الصلاة والسلام، ولا يقال لهم آله، فكل آل للنبي أمته، وليس كل أمة له آله.
وقيل لجعفر الصادق رضي الله عنه : الناس يقولون: المسلمون كلهم آل النبي فقال: كذبوا وصدقوا، فقيل له: ما معنى ذلك؟ فقال: كذبوا في أن الأمة كافتهم آله، وصدقوا في أنهم إذا قاموا بشرائط شريعته آله.
وقوله تعالى: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ «غافر:28» أي من المختصين به وبشريعته، وجعله منهم من حيث النسب، أو المسكن، لا من حيث تقدير القوم أنه على شريعتهم.
وقيل في جبرائيل وميكائيل: إن إيل إسمالله تعالى، وهذا لا يصح بحسب كلام العرب، لأنه كان يقتضي أن يضاف إليه فيجرَّ إيل، فيقال: جَبْرُإيلٍ.
وآل الشخص: شخصه المتردد. قال الشاعر:
ولم يبق إلا آل خيمٍ منضَّدِ
والآل أيضاً: الحال التي يؤول إليها أمره، قال الشاعر:
سَأَحْمِلُ نَفْسِي عَلَى آلةٍ فَإمَّا عَلَيْهَا وإمَّا لهَا
وقيل لما يبدو من السراب: آلٌ، وذلك لشخص يبدو من حيث المنظر وإن كان كاذباً، أو لتردد هواء وتموُّج، فيكون من آل يؤول.
وآلَ اللبن، يَؤُولُ: إذا خَثُرَ، كأنه رجوع إلى نقصان، كقولهم في الشئ الناقص: راجع.
ملاحظات
1. في كل لغات العالم يوجد مفهوم أهل بيت الرجل بمعنى أسرته، وقد يتسع ليشمل عشيرته، فأهل بيت هرقل، أو كسرى، أو إبراهيم، أو إسماعيل، أو امرئ القيس، بمعنى أسرهم، وقد يستعمل بمعنى عشيرتهم!
لكن عندما يصل الأمر الى النبي صلى الله عليه وآله يفاجؤك العلماء الأتقياء بتوسيع معنى أهل بيته وآله، ليشمل كل قبائل قريش، بل كل أمة الإسلام! لذلك ينبغي الحذر ممايحرفه علماء السلطة ويلبسونه ثوباً علمياً!
ومن ذلك قول الراغب: «أهل الرجل من يجمعه وإياهم نسب أو دين»! فكلمة «أو دين»تحريف لتبرير مصادرة حق أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وإعطائه الى قبائل قريش والأمة، ليصيروا كلهم: آل النبي صلى الله عليه وآله !
ويكفي لتكذيب ذلك: صحة سلب إسم الآل وأهل البيت عن غير أسرته وعشيرته، فتقول: الروم ليسوا كلهم آل هرقل وأهل بيته، والفرس ليسوا كلهم أهل بيت كسرى، والعرب ليسوا كلهم آل النبي وأهل بيته صلى الله عليه وآله . وكفى بصحة السلب دليلاً.
2. روى الجميع أن النبي صلى الله عليه وآله وضع مصطلحاً إسلامياً لأهل بيت عليهم السلام فأدار عليهم كساء وقال: اللهم هؤلاء آل محمد، هؤلاء أهل بيتي. وأرادت زوجته أن تدخل معهم فجذب منها الكساء وقال: لا، إنك الى خير، ولكن هؤلاء أهل بيتي! ومع ذلك يقفز رواة السلطة على هذا المصطلح الصريح، ويقولون آل النبي زوجاته، وكل قريش، والعلماء، والأمة!
لقد نسي الراغب هنا علمه وأن الآل غير الأمة! ونسي آيات القرآن ومنها آية التطهير وأن الأمة كلها لا يمكن أن تكون مطهرة، وفيها القتلة والمجرمون! ثم حاول أن يقنعك أن أهل العلم من أمثاله، من آل النبي صلى الله عليه وآله !
إن اليهود لم يفعلوا مع آل أنبيائهم عليهم السلام ما فعلته هذه الأمة مع آل نبيها صلى الله عليه وآله ! فلم يدعِ اليهود أن من تعلم حرفين فسماه الناس عالماً فهو من آل موسى، أو آل داوود!
ولتبرير ذلك نسبوه الى إمام العترة جعفر الصادق عليه السلام ليقولوا: «كل من قام بشرائط شريعته هم آله»! وقد قام بشرائطها بنو أمية وبنو العباس والعثمانيون والوهابية، ورؤساء بلاد المسلمين بعدهم، فكلهم آل النبي وأهل بيته! ومعناه: لايوجد شئ إسمه «أهل البيت النبوي»!
3. تمسك علماء السلطة بالمعنى اللغوي لأهل البيت، ووضعوا المصطلح النبوي وراء ظهورهم! كمن يقول: الصلاةُ في اللغة كل دعاء، وأنا أتمسك بالمعنى اللغوي فأقيم الصلاة بأي دعاء كان، ولا أعترف بالمعنى الإصطلاحي، ولا أصلي صلاتكم!
4. استعمل القرآن أهل البيت بالمعنى اللغوي في قوله تعالى: قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِاللهِ رَحْمَتُاللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إنهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. فزوجة إبراهيم عليه السلام من أهل بيته لغةً. وكذلك زوجات النبي صلى الله عليه وآله فهن من أهل بيته لغةً، لكن بعد قول النبي صلى الله عليه وآله إن أهل بيتي مصطلح، لايصح تفسيره بالمعنى اللغوي.
روى أحمد بن حنبل: 6/323: «عن أم سلمة أن رسولالله صلى الله عليه وآله قال لفاطمة: إئتيني بزوجك وابنيك فجاءت بهم، فألقى عليهم كساء فدكياً، قال ثم وضع يده عليهم، ثم قال: اللهم إن هؤلاء آل محمد، فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد إنك حميد مجيد. قالت أم سلمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي وقال: إنك على خير». وروى في: 1/185: «ثم تلا هذه الآية: إنما يُرِيدُاللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحق».
5. العترة في اللغة أخص من الآل فهم الأقارب القريبون خاصة، وهم الذين حددهم النبي صلى الله عليه وآله وجعلهم وصيته في أمته مع القرآن في الحديث المتواتر عند الجميع: «قال إني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عز وجل وعترتي كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض فانظروني بمَ تخلفوني فيهما». «مسند أحمد:3/17».
وصح عندنا أنه صلى الله عليه وآله قال: وتسعة من ذرية الحسين آخرهم المهدي.
6. استعمل القرآن كلمة «آل» ستاً وعشرين مرة، في آل إبراهيم وعمران ويعقوب وموسى وهارون عليهم السلام . وفي آل فرعون. وقال تعالى: سَلامٌ عَلَى إِلْيَاسِينَ، وقرئ: سَلامٌ عَلَى آل يَاسِين، أي آل محمد صلى الله عليه وآله وهو الصحيح.
وفي صحيح بخاري:4 /138، في قوله تعالى: إناللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ: «قال ابن عباس. . وآل عمران وآل ياسين وآل محمد».
7. ورد تعبير «أهل الكتاب» في القرآن ثلاثين مرة، وأهل الإنجيل مرة واحدة: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَاللهُ فِيه، ولم يستعمل «أهل التوراة»!
وورد تعبير أهل النار: إن ذَلِكَ لَحق تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ، ولم يرد تعبير «أهل الجنة» بل ورد التعبير بأصحاب الجنة وأصحاب النار!
كما ورد في القرآن أهل المدينة، وأهل يثرب، وأهل القرى، وأهل مدين، وأهل قرية، وفي صفاتالله تعالى: أَهْلُ التقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ.
ورد تعبير«أهلك» لنبينا ونوح وموسى ولوط وأيوب وصالح ويوسف عليهم السلام . وعزيز مصر.
واستعمل القرآن تعبير: أهل الأمانات، وأهل السفينة، وأهل الفتيات: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ. وأهلونا في آية، وأهليكم في آيتين، وأهل الذكر مرتين: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ.
أوَبَ
الأَوْبُ:ضربٌ من الرجوع، وذلك أن الأوب لا يقال إلا في الحيوان الذي له إرادة.
والرجوع: يقال فيه وفي غيره، يقال: آب أَوْباً وإِيَاباً ومَآباً. قالالله تعالى: إن إِلَيْنا إِيابَهُمْ «الغاشية:25» وقال: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً «النبأ:39». والمآب: المصدر منه، وإسم الزمان، والمكان، قالالله تعالى: وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ «آل عمران:14».
والأوَّاب:كالتواب، وهو الراجع إلىالله تعالى بترك المعاصي وفعل الطاعات.
قال تعالى: أَوَّابٍ حَفِيظٍ «ق:32» وقال: إنهُ أَوَّابٌ «صاد:30» ومنه قيل للتوبة: أَوْبَة.
والتأويب:يقال في سير النهار. وقيل: آبت يد الرامي إلى السهم، وذلك فعل الرامي في الحقيقة، وإن كان منسوباً إلى اليد. ولا ينقض ما قدمناه من أن ذلك رجوع بإرادة واختيار.
وكذا ناقة أَؤُوب: سريعة رجع اليدين.
ملاحظات
1. لاوجه لحصر الأوْب في الحيوان الذي له إرادة. فكل شئ رجع إلى مكانه فقد آب يؤوب أوباً وإياباً. وفي الحديث النبوي: حتى آبت الشمس. «لسان العرب:1/219». وقال الكميت:
أنَّى ومن أين آبك الطرب. «المقاييس:1/152». والشمس والطرب جامدان.
2. استعمل القرآن أوَّاب خمس مرات، منها: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إنهُ أَوَابٌ، أي سريع الرجوع أو كثير الرجوع الىالله، وذلك إذا ارتكب خلاف الأولى، لأنه لا يصح نسبة المعصية الى الأنبياء عليهم السلام . واستعمل القرآن الأوابين للتائبين فقال: فَإنهُ كَأن للأَوَابِينَ غَفُورًا. والأواب لرجوع الطيور الى داود عليه السلام : وَالطيْرَ مَحْشُورَةً كل لَهُ أَوَابٌ.
واستعمل مآب، بمعنى الرجوع والمرجع، تسع مرات، قال تعالى: وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ. فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً. وَإن لِلطاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ. وقال: إن إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، أي رجوعهم. وقال: يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطيْرَ، أي رَجِّعِي تسبيحهُ.
3. آب الغائب يؤوب مآباً وأوبةً: رجع. وفي الحديث: كان صلى الله عليه وآله إذا أقبل من سفر قال: آيبون تائبون، لربنا حامدون.
4. جمع آيب: أُوَّبٌ وُأوَّابٌ وأُيَّابٌ، بضم الألف وتشديد الواو. والمتأوب سريع الرجوع وأوَّبت الشمس في مآبها: غابت في مغيبها. وجاءوا من كل أوْب: من كل ناحية.
و أبْتُ الى بني فلان: جئتهم بالليل.
وتأوَّبتهم:جئتهم أول الليل. وآب إلى سيفه: أي رد يده ليستله.
5. التأويب:السير نهاراً والنزول ليلاً. والإسآد السير ليلاً. يقال: أوَّب القوم تأويباً أي ساروا بالنهار، وأسأدوا إذا ساروا بالليل.
6. آب:من أسماء الشهور، عجمي معرب. ومآب: إسم بلد بالبلقاء. وأيوب عليه السلام : من آب يؤوب. «معاني الأخبار/50». وبنو أيوب: قبيلة. وفي الزيارة الجامعة: مؤمن بإيابكم، مصدق برجعتكم. «التهذيب:6/99».
أيَدَ
قالالله عز وجل: أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ «المائدة :110» فَعَلْتُ، من الأيْد، أي القوة الشديدة. وقال تعالى: وَاللَّه يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ «آل عمران:13» أي يكثر تأييده.
ويقال: إِدْتُهُ أَئِيدُهُ أَيْداً نحو: بعته أبيعه بيعاً، وأيدته على التكثير.
قال عز وجل: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ. «الذاريات:47» ويقال: له أيْدٌ، ومنه قيل للأمر العظيم مؤيد. وإِيَاد الشئ ما يقيه، وقرئ: أَأْيَدْتُكَ، وهو أفعلت من ذلك. قال الزجاج رحمه الله : يجوز أن يكون فاعلت نحو: عاونت، وقوله عز وجل: وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما «البقرة:255» أي لا يثقله.
وأصله من الأود، آد يؤود أوداً وإياداً: إذا أثقله، نحو: قال يقول قولاً، وفي الحكاية عن نفسك: أُدْتُ مثل قُلْتُ، فتحقيق آدَهُ: عوجه من ثقله [في ممرِّه ].
ملاحظات
وردت مادة أيَّدَ في القرآن تسع مرات.
والأَيْد بمعنى القوة مرتين: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِه ِ. وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإنا لَمُوسِعُون. وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إنهُ أَوَّابٌ.
ووردت مادة أوَدَ مرة واحدة: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأرض وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا، أي لايثقله ولايشق عليه. تقول: آدني هذا الأمر يؤودني، أي شق عليَّ.
ومنه التأوُّد بمعنى الإعوجاج من الثقل تقول: تأود الغصن والعود. قال ابن منظور«1/154»: «هو العطف والإنثناء، أُدْتُ الشئ: عطفته، وتأوَّد النبت مثل تعطف وتعوج». «راجع:العين:8/97».
وقد وضعنا قوله «في ممره» بين قوسين لأنها لا معنى لها، ونشك في صحة النسخة.
أَيْك
الأيك:شجرٌ مُلْتَفٌّ. وأصحاب الأيكة: قيل نسبوا إلى غيضة كانوا يسكنونها، وقيل هي إسم بلد.
ملاحظات
ورد ذكر أصحاب الأيكة في أربع آيات، قال تعالى: كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ أَلْمُرْسَلِينَ «الشعراء:176» وَإِنْ كَأن أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ. «الحجر:78» وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُولَئِكَ الأَحْزَابُ «صاد:13» وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ. «قاف:14»
وقيل هم أهل مَدْيَن الذين قالالله فيهم: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً. . وقيل هم أهل تبوك. «معجم البلدان:1/291، ومجمع البيان:6/127».
أوَلَ
التأويل:من الأوْل، أي الرجوع إلى الأصل، ومنه المَوْئِلُ للموضع الذي يرجع إليه، وذلك هو رد الشئ إلى الغاية المرادة منه، عِلْماً كان أو فعلاً، ففي العلم نحو: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّااللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ «آل عمران:7» وفي الفعل كقول الشاعر: وللنَّوى قبل يوم البين تأويلُ.
وقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ «الأعراف:53» أي بيانه الذي [هو] غايته المقصودة منه. وقوله تعالى: ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا «النساء:59» قيل: أحسن معنى ترجمةً، وقيل: أحسن ثواباً في الآخرة. والأَوْلُ: السياسة التي تراعي مآلها يقال: أُلْنَا وإِيلَ علينا.
وأوَّلُ: قال الخليل: تأسيسه من همزة وواو ولام، فيكون فَعَّل، وقد قيل من واوين ولام، فيكون أفعل، والأول أفصح لقلة وجود ما فاؤه وعينه حرف واحد، كددن، فعلى الأول يكون من: آل يؤول، وأصله: آول، فأدغمت المدة لكثرة الكلمة. وهو في الأصل صفة لقولهم في مؤنثه: أُولى، نحو: أُخرى.
فالأول: هو الذي يترتب عليه غيره، ويستعمل على أوجه: أحدها: المتقدم بالزمان كقولك: عبد الملك أولاً، ثم المنصور.
الثاني: المتقدم بالرئاسة في الشئ، وكون غيره محتذياً به، نحو: الأمير أولاً، ثم الوزير.
الثالث: المتقدم بالوضع والنسبة، كقولك للخارج من العراق: القادسية أولاً، ثم فيد، وتقول للخارج من مكة: فيد، أولاً، ثم القادسية. الرابع: المتقدم بالنظام الصناعي، نحو أن يقال: الأساس أولاً، ثم البناء.
وإذا قيل في صفةالله: هوالأول فمعناه: أنه الذي لم يسبقه في الوجود شئ، وإلى هذا يرجع قول من قال: هو الذي لا يحتاج إلى غيره، ومن قال: هو المستغني بنفسه.
وقوله تعالى: وَأَنَا أول الْمُسْلِمِينَ «الأنعام:163» وَأَنَا أول الْمُؤْمِنِينَ «الأعراف:143» فمعناه: أنا المقتدى بي في الإسلام والإيمان، وقال تعالى: وَلا تَكُونُوا أول كافِرٍ بِهِ «البقرة:41» أي لاتكونوا ممن يقتدى بكم في الكفر.
ويستعمل أولُ ظرفاً فيبنى على الضم، نحو جئتك أَوَّلُ، ويقال: بمعنى قديم، نحو: جئتك أولاً وآخراً، أي قديماً وحديثاً.
وقوله تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى «القيامة:34» كلمة تهديد وتخويف يخاطب بها من أشرف على هلاك فيحثُّ بها على التحرز. أو يخاطب بها من نجا ذليلاً منه فينهى عن مثله ثانياً. وأكثر ما يستعمل مكرراً، وكأنه حثٌّ على تأمُّل ما يؤول إليه أمره ليتنبَّه للتحرز منه.
ملاحظات
1. التفسير:بيان معنى ألفاظ الكلام. والتأويل: بيان ما يقصد منه ويؤول اليه. تقول: أوَّلتُه وتأولته تأوُّلاً وتأويلاً. وتقول:مآل الكلام وموئله. قالالله تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحق وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا.
وقال تعالى عن القرآن: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأوِيلَهُ إِلااللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.
وقال عن يوسف عليه السلام : وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ. يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاىَ مِنْ قَبْلُ.
وقال في الخضر: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا.
والتأويل في هذه الآيات تأويلُ حَدَثٍ أو كلامٍ مضى، وقد يكون تأويل شئ سيأتي، كقوله عن يوسف: لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي.
وقال عن البيع والتعامل: وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً.
وقال عن رد الأخبار الهامة الى أولي الأمر: ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً.
2. استعمل لفظ الأوَّل في القرآن بضعاً وستين مرة، ثلاثون منها مفرداً والباقي جمعاً.
واستعمل أولاهم مرتين، وأولاهما مرة. وكلها بمعنى السبق والأولية في الشئ، وليس فيها معنى الإقتداء الذي ذكره الراغب.
3. أولى لك:أي أحق لك أو أحْرَى بك، وليست من مادة أول، بل من وَلِيَ، وقد ذكرها الراغب في وليَ وقال: وقيل: أولى لك فأولى، من هذا.
4. تقول: رأيته عاماً أولَ وعامَ أول. والجمع أولون، وجمع أُولى: أولَيَات، وجمع أخرى أخْرَيات. ومُثَنَّى أوْلى أوْلَيان، وجمعه أوْلَوْن. «العين:8/368».
أيَمَ
الأيامى:جمع الأيِّم، وهي المرأة التي لا بعل لها، وقد قيل للرجل الذي لا زوج له، وذلك على طريق التشبيه بالمرأة فيمن لا غناء عنه لاعلى التحقيق، والمصدر الأيِّمَة.
وقد آم الرجل، وآمت المرأة، وتأيَّم وتأيَّمت وامرأة أيِّمة ورجل أيِّم. والحرب مأيَمَة، أي تفرق بين الزوج والزوجة، والأيْمُ: الحيَّة.
ملاحظات
1. لم ترد كلمة أيِّم في القرآن، وورد جمعها في قوله تعالى: وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ.
2. جعل الراغب الأيْم أي الحية من نفس مادة أيَمَ، لكن الصحيح ما ذكره صاحب المقاييس: 1/165، من أن أَيَمَ ثلاثة أصول متباينة: الدخان، والحية، والمرأة لازوج لها، أو الرجل لازوجة له. وذكر الخليل أن الأيِّم مشتقة من الدخان، ومعناها الذي ما زال فيه دخان زواج. «راجع:العين:8/425، والصحاح:5/1868، ولسان العرب:12/39».
أوَهَ
الأوَّاه:الذي يكثر التأوُّه وهو أن يقول: أُوهْ، وكل كلام يدل على حزن يقال له: التأوه. ويعبر بالأوَّاه عمن يُظهر خشيةالله تعالى، وقيل في قوله تعالى: أوَّاهٌ مُنِيبْ، أي المؤمن الداعي. وأصله راجع إلى ما تقدم.
قال أبو العباس رحمه الله : يقال إيهاً إذا كففته، ووَيْهاً إذا أغريته، ووَاهاً إذا تعجبت منه.
ملاحظات
قال تعالى: إن إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ. وقال: إن إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ. وورد في تفسيره أنه عليه السلام كان دَعَّاءً أي كثير الدعاء والتضرع، وكان يسمع له في صلاته أزيز كأزيز المِرْجَل. وورد ذلك في وصف عبادة النبي صلى الله عليه وآله «تفسير العياشي:2/154، وعدة الداعي/138». وورد في وصف عبادة فاطمة عليها السلام أنها كانت تَنْهَجُ من خيفةالله. «مستدرك الوسائل:4/100».
وسمىالله إبراهيم عليه السلام أوَّاهاً، لكثرة تحزُّنه في دعائه ومناجاته. فالمتأوه المتضرع كثيرُ الحزن.
وقد يكون التأوه من الشكاية، كما في قول النبي صلى الله عليه وآله لمعاذ: «واهاً لفراخ آل محمد من خليفة يقتل خلفي وخلف الخلف ». «الطبراني الكبير:20/38».
وقد يقلبون الواو ألفاً فيقولون: آهٍ من كذا، وأوَّهْ منه. وروي الحديث المتقدم: «أوَّهْ لفراخ آل محمد». «نهاية ابن الأثير:1/82، ولسان العرب:9/232». وفي تاج العروس «19/10»: «أُوَّهْ لفراخ محمد. ضبطوه بتشديد الواو وسكون الهاء».
وفي حديث علي عليه السلام :«أُوَّهْ على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه». «مجمع البحرين:1/136».
وتقول: آهٍ وأُوهٍ بكسر الهاء وتنوينها، وتأوَّهَ فلان آهاً وآهةً كآهةِ المجروح. وتقول: آهْ وآو وأوتاه.
وتقول متلهفاً: واهاً. ومستزيداً من حديث أو عمل: إيهٍ. وفي التحريض والإغراء: ويهاً، وويهُ فلان. «الصحاح:6/2257، والعين:4/104، وإصلاح المنطق/71، والمقاييس:6/80».
أيٌّ
أي:في الإستخبار موضوعٌ للبحث عن بعض الجنس والنوع، وعن تعيينه، ويستعمل ذلك في الخبر، والجزاء، نحو: أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسماء الْحُسْنَى. أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ.
آية
والآية:هي العلامة الظاهرة، وحقيقته لكل شئ ظاهر، وهو ملازم لشئ لا يظهر ظهوره. فمتى أدرك مدركٌ الظاهر منهما عُلم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته، إذ كان حكمهما سواء. وذلك ظاهر في المحسوسات والمعقولات، فمن علم ملازمة العلم للطريق المنهج، ثم وجد العلم علم أنه وجد الطريق. وكذا إذا علم شيئاً مصنوعاً عُلم أنه لا بد له من صانع.
واشتقاق الآية إما من أيٍّ فإنها هي التي تبين أيّاً من أي، أو من قولهم: أوى إليه. والصحيح أنها مشتقة من التأيِّي الذي هو التثبت والإقامة على الشئ. يقال: تأيَّ، أي إرفق، أو من قولهم: أوى إليه.
وقيل للبناء العالي: آية، نحو: أَتَبْنُونَ بِكل رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ. «الشعراء:128». ولكل جملة من القرآن دالة على حكم آية، سورة كانت أو فصولاً أو فصلاً من سورة. وقد يقال لكل كلام منه منفصل بفصل لفظي: آية. وعلى هذا اعتبار السور التي تعدُّ بها السورة.
وقوله تعالى: إن فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. «الجاثية:3» فهي من الآيات المعقولة التي تتفاوت بها المعرفة بحسب تفاوت منازل الناس في العلم.
وكذلك قوله: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ. «العنكبوت:49» وكذا قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. «يوسف:105».
وذكر في مواضع آية، وفي مواضع آيات، وذلك لمعنى مخصوص، ليس هذا الكتاب موضع ذكره. وإنما قال: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً «المؤمنون:50» ولم يقل: آيتين، لأن كل واحد صار آية بالآخر.
وقوله عز وجل: وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً. «الإسراء:59» فالآيات هاهنا قيل: إشارة إلى الجراد والقُمَّل والضفادع، ونحوها من الآيات التي أرسلت إلى الأمم المتقدمة، فنبَّه [على] أن ذلك إنما يفعل بمن يفعله تخويفاً، وذلك أخسُّ المنازل للمأمورين، فإن الإنسان يتحرى فعل الخير لأحد ثلاثة أشياء: إما أن يتحراه لرغبة أو رهبة، وهو أدنى منزلة. وإما أن يتحراه لطلب محمدة. وإما أن يتحراه للفضيلة، وهو أن يكون ذلك الشئ فاضلاً في نفسه، وذلك أشرف المنازل.
فلما كانت هذه الأمة خير أمة كما قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، «آل عمران:110» رفعهم عن هذه المنزلة، ونبه [على] أنه لا يعمهم بالعذاب، وإن كانت الجهلة منهم كانوا يقولون: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ. «الأنفال:32».
وقيل: الآيات إشارة إلى الأدلة، ونبه[على] أنه يقتصر معهم على الأدلة ويصانون عن العذاب الذي يستعجلون به في قوله عز وجل: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ «العنكبوت:54».
وفي بناء آية ثلاثة أقوال، قيل: هي فَعْلَة، وحق مثلها أن يكون لامه معلّا دون عينه، نحو حياة ونواة، لكن صُحِّحَ لامُهُ لوقوع الياء قبلها، نحو: راية. وقيل: هي فَعْلَة إلا أنها قُلِبَتْ كراهة التضعيف، كطائي في طيئ. وقيل: هي فاعلة وأصلها: آيِيَة فخففت فصار آية. وذلك ضعيف لقولهم في تصغيرها: أُيَيَّة، ولو كانت فاعلة لقيل: أوية.
ملاحظات
1. الصحيح أن معنى الآية: العَلَامة، وأصلها عند الخليل أَأْية قلبت ألفها ياء فصارت أيِيَّة، ثم حذفت فصارت آية كراية وغاية. «العين:8/440» وعند سيبويه أوِيَّة.
وجمعها: آيٌ وآياتٌ وآيايٌ وآياءٌ. وفي حديث الإسراء: «وآية ذلك أني مررت بعير لأبي سفيان على ماء لبني فلان وقد أضلوا جملاً ». «الكافي:8/364».
وفي وصف الخوارج: «آية ذلك أن فيهم رجلاً أسود مُخَدَّج اليد». «أحمد:1/88».
وفي المقاييس: 1/167، أنها مشتقة من تأيَّى يتأيَّى تأيِّيَاً، أي تَمَهَّل وتمكَّث، أو تأمَّل ونظر، وكأنها سميت آية لأنها توجب التأمل والنظر.
2. استعملت آية: في القرآن مفردةً أربعاً وثمانين مرة. وآيات: مئة وثمانية وأربعين مرة، وآياتنا: اثنين وتسعين مرة. وآياته: سبعاً وثلاثين مرة. . الخ. وهذا الإستعمال الواسع للمادة يدل على سعة مصاديقها.
3. حاول الراغب أن يثبت تميز هذه الأمة على غيرها، بأنالله تعالى لاينزل عليها العذاب «وإن كانت الجهلة منهم كانوا يقولون: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ»!
وإنما صارت هذه الأمة خير أمة بنبيها وعترته صلى الله عليه وآله . فهم خير أمة وهم دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام : رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ.
أيَّانَ
وأَيَّانَ:عبارة عن وقت الشئ، ويقارب معنى متى، قال تعالى: أَيَّانَ مُرْسَاهَا «الأعراف:187» أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ «الذاريات:12»من قولهم: أي.
وقيل أصله: أيُّ أوان، أي أيُّ وقت، فحذف الألف ثم جعل الواو ياء، فأدغم فصار أيَّان.
وإيَّا:لفظ موضوع ليتوصل به إلى ضمير المنصوب إذا انقطع عما يتصل به، وذلك يستعمل إذا تقدم الضمير نحو: إيَّاكَ نَعْبُدُ، أو فصل بينهما بمعطوف عليه أو بإلا، نحو: نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ. ونحو: وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ. وإي: كلمة موضوعة لتحقيق كلام متقدم نحو: إِي وَرَبِّي إنهُ لَحق.
وأي، وآ، وأيا:من حروف النداء، تقول: أي زيد، وأيا زيد، وآزيد. وأي: كلمة ينبه بها أن ما يذكر بعدها شرح وتفسير لما قبلها.
ملاحظات
وضع الراغب هذه الكلمات تحت عنوان «أي» وأصولها متعددة. ويبدو أن أيّاً الإستفهامية والتفسيرية وأيانَ أصلٌ، وإياك وأخواتها أصل، وإي بمعنى بلى أصل، وأي للنداء وأخواتها أصل.
وقد ذكرنا أن: أيَّانَ استعملت في القرآن ست مرات، وكلها للسؤال عن القيامة، كقوله تعالى: يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا.
أما إيَّا، فقد جاءت متصلة بكاف الخطاب للمفرد والجمع «إياك، إياكم» وبضمير المفرد الغائب والجمع «إياه، إياهم» والمفرد المتكلم وجمعه «إياي، إيانا».
وقد استعمل القرآن هذه الضمائر في إسناد الفعل لله بصيغة المفرد والجمع، للمتكلم والغائب، وهذا يكشف عن فاعلياتالله تعالى بواسطة الملائكة والنبي وآله صلى الله عليه وآله .
وأما إي، بمعنى نعم، فقال ابن منظور: 14/59: «توصل باليمين فيقال: إي والله، وتبدل منها هاء فيقال: هِي».
وأما أيٌّ التي للنداء، فوردت في القرآن مئة وخمسين مرةً مع حرف النداء مضافاً اليها الهاء والألف «يا أيها» ومرة واحدة فقط بدونه.
وصح دخول حرف النداء عليها لأنها إسم. قال الجوهري:6/2275: «يا أيها الرجل ويا أيتها المرأة، فأي: إسم مبهم مفرد معرفة بالنداء مبني على الضمير، وها: حرف تنبيه وهي عوض مما كانت أيٌّ تضاف إليه».
وقال ابن هشام في المغني«1/77»: «أي: بفتح الهمزة وتشديد الياء إسم يأتي على خمسة أوجه: شرطاً، نحو أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسماء الْحُسْنَى. أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ. وإستفهاماً نحو: أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً. فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُون. وموصولاً نحو: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كل شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ. والخامس: أن تكون وصلة إلى نداء ما فيه أل نحو: يا أيها الرجل».
وقال ابن منظور «14/56»: «أيْ: حرف إستفهام عما يعقل وما لا يعقل. ويقول لك قائل: رأيت ظبياً فتجيبه: أيّاً. ويقول: رأيت ظبيين فتقول: أيَّيْن، ويقول: رأيت ظباء فتقول: أَيَّات. ويقول: رأيت ظبية، فتقول: أيَّةَ.
تقول يا أيها الرجل أقبل ولا يجوز يا الرجل. وقال الكوفيون: لأن أياً وما ومن والذي أسماء ناقصة، لا تتم إلا بالصلات».
هذا، وقد زادت نداءات القرآن على مئة نداء. وهي موضوع غني في أدواته، وأغراضه، وأنواع المنادَيْن، والمواضيع التي ينادَوْن من أجلها.
أوَى
المَأْوَى: مصدر أَوَى يَأْوِي أَوِيّاً ومَأْوًى. تقول: أوَى إلى كذا: انضم إليه يأوي أويّاً ومأوى، وآوَاهُ غيره يُؤْوِيهِ إِيوَاءً. قال عز وجل: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ «الكهف:10»
وقال: سَآوِي إِلى جَبَلٍ «هود:43» وقال تعالى: آوى إِلَيْهِ أَخاهُ «يوسف:69» وقال: تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ «الأحزاب:51» وقال: وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ «المعارج:13» وقوله تعالى: جَنَّةُ الْمَأْوى «النجم:15» كقوله: دارُ الْخُلْدِ «فصلت:28» في كون الدار مضافة إلى المصدر، وقوله تعالى: مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ. «آل عمران:197» إسم للمكان الذي يأوي إليه.
وأَوَيْتُ له: رحمته، أَوِيّاً وأَيَّةً ومَأْوِيَةً، ومَأْوَاةً. وتحقيقه: رجعت إليه بقلبي. وآوَى إِلَيْهِ أَخاهُ. «يوسف:69» أي ضمه إلى نفسه. يقال: أواه وآواه.
والماوية: في قول حاتم طيئ: أماويُّ إن المال غادٍ ورائحُ.
مأويَّة، فقد قيل: هي من هذا الباب، فكأنها سميت بذلك لكونها مأوى الصورة. وقيل: هي منسوبة للماء، وأصلها مائية، فجعلت الهمزة واواً.
ملاحظات
استعمل القرآن من هذه المادة بضع عشرة كلمة هي زبدة كلماتها: المأوى، جنة المأوى، مأواه، مأواهم، مأواكم، آواكم، آوينا، أوينا. . الخ.
وجعلها صاحب المقاييس«1/151» أصلين قال: «أحدهما التجمع، والثاني الإشفاق.
الألِفَات
الألفات: التي تدخل لمعنى على ثلاثة أنواع: نوع في صدر الكلام، ونوع في وسطه، ونوع في آخره. فالذي في صدر الكلام أضرب:
الأول: ألف الإستخبار، وتفسيره بالإستخبار أولى من تفسيره بالإستفهام، إذ كان ذلك يعمُّه وغيره نحو: الإنكار، والتبكيت، والنفي والتسوية.
فالإستفهام نحو قوله تعالى: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها «البقرة:30».
والتبكيت إما للمخاطب أو لغيره نحو: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ «الأحقاف:20» أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَالله عَهْداً «البقرة:80» آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ «يونس:91» أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ «آل عمران:144» أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ «الأنبياء:34» أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً «يونس:2» آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ. «الأنعام:144».
والتسوية نحو: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا «إبراهيم:21» سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ «البقرة:6».
وهذه الألف متى دخلت على الإثبات تجعله نفياً، نحو: أَخَرَجَ. هذا اللفظ ينفي الخروج، فلهذا سأل عن إثباته نحو ما تقدم.
وإذا دخلت على نفي تجعله إثباتاً، لأنه يصير معها نفياً يحصل منهما إثبات، نحو: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ «الأعراف:172» أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ «التين:8» أَوَلَمْ يَرَوْا أنا نَأْتِي الْأَرْضَ «الرعد:41» أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ «طه:133»أَوَلا يَرَوْنَ «التوبة:126» أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ «فاطر:37».
الثاني: ألف المخبر عن نفسه نحو : أسمعُ وأبصرُ.
الثالث: ألف الأمر، قطعاً كان أو وصلاً، نحو: أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ «المائدة:114» ابْنِ لِي عِنْدَك بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ «التحريم:11» ونحوهما.
الرابع: الألف مع لام التعريف، نحو: العالمين.
الخامس: ألف النداء نحو: أَزَيْدُ، أي يا زيد.
والنوع الذي في الوسط: الألف التي للتثنية، والألف في بعض الجموع في نحو: مسلمات ونحو مساكين.
والنوع الذي في آخره: ألف التأنيث في حبلى وبيضاء، وألف الضمير في التثنية، نحو: إذهبا.
والذي في أواخر الآيات الجارية مجرى أواخر الأبيات، نحو: وَتَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا «الأحزاب:10» فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا «الأحزاب:67» لكن هذه الألف لاتثبت معنى، وإنما ذلك لإصلاح اللفظ.
ملاحظات
وضع الراغب هذا العنوان في ختام الباب اتباعاً لغيره من اللغويين. ويقصد بالألِفَات: المهموزة، واللينة، وفيها بحوث لايتسع لها الكتاب، فنكتفي ببعض كلمات اللغويين فيها:
قال الجوهري: 6/2542: «الألف على ضربين: ليِّنَة ومتحركة. فاللينة تسمى ألفاً، والمتحركة تسمى همزة».
وقال ابن منظور: 1/17: «الهمزة لا هجاء لها، إنما تكتب مرة ألفاً ومرة ياء ومرة واواً، والألف اللينة لاحرف لها، إنما هي جزء من مَدة بعد فَتحة. والحروف ثمانية وعشرون حرفاً مع الواو والألف والياء، وتتم بالهمزة تسعة وعشرين حرفاً».
وفي مختار الصحاح /9:«الألف من حروف المد واللين والزيادات. وحروف الزيادات عشرة يجمعها قولك: اليوم تنساه. وقد تكون الألف في الأفعال ضمير الإثنين نحو فَعَلا ويفعلان، وقد تكون في الأسماء علامة للإثنين ودليلاً على الرفع نحو: رجلان، فإذا تحركت فهي همزة».
وفي المغني «1/13» ملخصاً: «الألف المفردة: تكون حرفاً ينادى به القريب. وتكون للإستفهام وهي أصل أدواته، ولهذا خصت بأحكام: أحدها: جواز حذفها، سواء تقدمت على أم، أم لم تتقدمها.
تدخل على النفي: ألم نشرح لك صدرك. أو لما أصابتكم مصيبة.
تأتي للإنكار الإبطالي، وتقتضي أن ما بعدها غير واقع ومدعيه كاذب نحو: أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ . وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا . فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ. أَفَسِحْرٌ هَذَا . أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ . أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا . أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ .
وللإنكار التوبيخي، فيقتضي أن ما بعدها واقع وأن فاعله ملوم نحو: أتعبدون ما تنحتون: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ . أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ. أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ . أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا .
وللتقرير، ومعناه حملك المخاطب على الإقرار والإعتراف بأمر قد استقر عنده ثبوته أو نفيه، كقوله تعالى: أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا ، وهو يحتمل إرادة الإستفهام الحقيقي.
وللتهكم: أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا. وللأمر: أأسلمتم، أي: أسلموا. وللتعجب: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ . وللإستبطاء، نحو: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ». «راجع:لسان العرب:15/427، وتاج العروس:20/361».
تم كتاب الألف

كتاب الباء وما يتصل بها

ب
بَتْك
البَتْكُ: يقارب البتّ، لكن البتك يستعمل في قطع الأعضاء والشعر، يقال بتك شعره وأذنه، قالالله تعالى: فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ «النساء:119» ومنه: سيف باتك، قاطع للأعضاء. وبتكت الشعر تناولت قطعة منه.
والبتكة: القطعة المنجذبة جمعها بتك، قال الشاعر:
طارت وفي يدها من ريشها بَتْكُ
وأما البتُّ: فيقال في قطع الحبل والوصل، ويقال طلقت المرأة بتةً وبتلةً، وبَتَتُّ الحكم بينهما. وروي: لاصيام لمن لم يَبُتَّ الصوم من الليل.
والبشْكُ: مثله، يقال في قطع الثوب، ويستعمل في الناقة السريعة: ناقة بشكى وذلك لتشبيه يدها في السرعة بيد الناسجة، في نحو قول الشاعر:
فِعْلُ السريعة بادرتْ حدَّادَها
قبل المساء تَهِمُّ بالإسراعِ
ملاحظات
ذكر ابن فارس أن أصل البتك قطع الشعر ونحوه باليد، فهو نوع من النتف، قال زهير يصف نتف ولد لطائر «مجمع البيان:3/192»:
حتى إذا هَوَتْ كفُّ الغلامِ لهُ
طارتْ وفي كفِّه من ريشها بَتَكُ
وفي تفسير الثعلبي «3/192» ما يقطع بالسكين، ومنه الآية: فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ. ومثله المتْك. أما البتُّ فهو القطع، قطع العلاقة، وقطع الشئ، وقطع الأمر عن الرجوع فيه، ومنه اليمين الباتُّ، والرأي الباتُّ، والبَتُّ.
أما البَشْكُ فأصله الخفة في المشي: «يقال ناقة بشكى، أي سريعة. ويقال امرأة بَشْكى: عمولٌ». «المقاييس:1/250».
بَتَرَ
البتر: يقارب ما تقدم «البتك» لكن يستعمل في قطع الذنَب، ثم أجرى قطع العقب مجراه فقيل: فلان أبتر إذا لم يكن له عقب يخلفه، ورجل أبتر وأباتر انقطع ذِكْرُهُ عن الخير، ورجل أباتر يقطع رحمه.
وقيل على طريق التشبيه: خطبة بتراء، لما لم يذكر فيها اسمالله تعالى، وذلك لقوله عليه السلام : كل أمر لايبدأ فيه بذكرالله فهو أبتر.
وقوله تعالى: إن شَانِئَكَ هُوَالأَبْتَرُ. «الكوثر:3» أي المقطوع الذِّكْر، وذلك أنهم زعموا أن محمداً ينقطع ذكره إذا انقطع عمره لفقدان نسله، فنبه تعالى أن الذي ينقطع ذكره هو الذي يشنؤه، فأما هو فكما وصفهالله تعالى بقوله: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ «الشرح:4» وذلك لجعله أباً للمؤمنين، وتقييض من يراعيه ويراعى دينه الحق، وإلى هذا المعنى أشار أميرالمؤمنين رضي الله عنه بقوله: العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وآثارهم في القلوب موجودة.
هذا في العلماء الذين هم أتباع النبي صلى الله عليه وآله ، فكيف هو وقد رفعالله عز وجل ذكره، وجعله خاتم الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.
ملاحظات
حاول علماء السلطة أن يُبعدوا الأبتر والكوثر عن الذرية، حتى لا تكون فضيلة لذرية النبي صلى الله عليه وآله ! مع أن قوله تعالى: إن شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ، جواب لقول العاص بن وائل دعوا محمداً صلى الله عليه وآله فإنه أبتر لا عقب له يقوم بدعوته. فأجابهمالله تعالى بأنه أعطاه الكوثر من الذرية، وأعطاه حوض الكوثر في المحشر، وأعطاه نهر الكوثر في الجنة. وقال له: لست أبتر، بل عدوك العاص الأبتر مقطوع العقب. ولذلك استدل بعضهم بالآية على أن العاص أبتر، ونفى أبوَّته لعمرو.
فالمقصود الأول بالسورة المقابلة بين النبي صلى الله عليه وآله وعدوه، وإثبات الذرية له ونفيها عن عدوه ، أما غير الذرية فمقصود ثان.
لكن الراغب تبع علماء السلطة وأبعد الأبتر والكوثر عن كثرة الذرية وتخبط فيه! فجعل الأبتر خاصاً ببتر الذنب وأبعده عن النسب! ثم جعل الكوثر رفع الذكر، ثم جعله الذرية، لكن جعله كل الأمة لأنهم بمثابة أولاد النبي صلى الله عليه وآله . ثم جعله علماء أمة النبي صلى الله عليه وآله لأنهم يرفعون ذكر النبي صلى الله عليه وآله !
ولم يجعلوه نسل النبي صلى الله عليه وآله من فاطمة الزهراء عليها السلام كما هو ظاهر اللفظ! ولا جعلوهم عليهم السلام جزءً من الكوثر.
و هذا من عجيب تخبطهم.
بَتَلَ
قال تعالى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا «المزمل:8» أي انقطع في العبادة وإخلاص النية انقطاعاً يختص به. وإلى هذا المعنى أشار بقوله عز وجل: قُلِاللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ «الأنعام:91» وليس هذا منافياً لقوله عليه الصلاة والسلام: لا رهبانية ولا تَبَتُّلَ في الإسلام، فإن التبتل هاهنا هو الإنقطاع عن النكاح، ومنه قيل لمريم: العذراء البَتُول، أي المنقطعة عن الرجال.
والإنقطاع عن النكاح والرغبة عنه محظور لقوله عز وجل: وأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ. «النور:32» وقوله عليه الصلاة والسلام: تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة.
ونخلة مُبْتِل: إذا انفرد عنها صغيرة معها. ومثله البَتْل.
ملاحظات
البتل: القطع، والتبتل الإنقطاع فقط، ويعرف معناه من حرف التعدية وغيره، ويأتي بمعنى الإنقطاع الىالله، قال تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً «المزّمّل:8».
ومنه البتول المنقطعة الى ربها كالزهراءعليها السلام، أو المنقطعة عن الزواج كمريم عليها السلام.
ويستعمل التبتل في الدعاء للإشارة بالإصبع. ويقال الحج المبتول أي المقطوع، وكذا العمرة.
وفي حديث الغدير: «فأتتني عزيمة منالله عز وجل بَتْلَة، أوعدني إن لم أبلغ أن يعذبني فنزلت: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ .. ». «الكافي:1/290» والبتْلة : القطعية.
بَثَّ
أصل البَثِّ: التفريق وإثارة الشئ كبث الريح التراب، وبثُّ النفس ما انطوت عليه من الغم والسر، يقال: بَثَثْتُهُ فَانْبَثَّ، ومنه قوله عز وجل: فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا «الواقعة:6».
وقوله عز وجل: وَبَثَّ فِيها مِنْ كل دَابَّةٍ «البقرة:164» إشارة إلى إيجاده تعالى ما لم يكن موجوداً وإظهاره إياه.
وقوله عز وجل: كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ «القارعة:4» أي المهيَّج بعد ركونه وخفائه.
وقوله عز وجل: إنما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي «يوسف:86» أي غمِّي الذي أبثُّه عن كتمان فهو مصدر في تقدير مفعول، أو بمعنى: غمي الذي بثَّ فكري، نحو: توزَّعني الفكر. فيكون في معنى الفاعل.
ملاحظات
يفهم من قوله تعالى: وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ، أن البث توزيعٌ غير منظم، مقابل المصفوف بانتظام، وأن المبثوث هو المتفرق مقابل المجتمع.
واستعمل البث في القرآن مضافاً الى ما تقدم في خلق نسل آدم وحواء عليهما السلام ونشره في الأرض: وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً.
وفي خلق الحيوانات في الأرض: وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كل دَابَّةٍ. وفي بث هباء الجبال قال تعالى: وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا. فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا. والبسُّ هو التفتيت. «الفائق:2/4114».
بَجَسَ
يقال: بَجَسَ الماء وانْبَجَسَ: انفجر، لكن الإنبجاس أكثر ما يقال فيما يخرج من شئ ضيق، والإنفجار يستعمل فيه وفيما يخرج من شئ واسع، ولذلك قال عز وجل: فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً «الأعراف:160» وقال في موضع آخر: فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً «البقرة:60» فاستعمل حيث ضاق المخرج اللفظان.
قال تعالى: وَفَجَّرْنا خِلالهما نَهَراً «الكهف:33» وقال: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً «القمر:12» ولم يقل: بجسنا.
ملاحظات
ربط الراغب معنى الإنبجاس بمكان خروج الماء. والصحيح أنه صفة لخروج الماء بقطع النظر عن مكان خروجه، ويستعمل له: انبثق لأول خروجه، وانبجس لخروجه متواصلاً، وانفجر وانثجر لقوة خروجه، وأفعال أخرى لا علاقة لها بمكان خروجه.
قالالله تعالى: وَإن مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ، وَإن مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ. فجعل تفجر الماء غير خروجه.
وعبَّر عن العيون التي فجرها النبي موسى عليه السلام بانفجر وانبجس، حسب الغرض في وصف حركة الماء في أول انبجاسه، أو في تفجره بقوة واستمرار، ولم يميز اللغويون بدقة بين الإنبجاس والإنفجار.
وفَجَر الينبوع: جعله يتفجر، قال تعالى: حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً. ومنه التفجير، قال تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُاللهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا.
وفَجَرَ الشخص فجوراً: أصر على الباطل، وخرج عن حدود الشرع والأدب. قال تعالى: بَلْ يُرِيدُ الإنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ. أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ.
وقد سمي فَجْر النهار فجراً، لأنه نور ينفجر من الظلام ويطلع منه، قال تعالى: سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ.
بَحَثَ
البحث: الكشف والطلب، يقال بحثت عن الأمر وبحثت كذا، قالالله تعالى: فَبَعَثَاللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ. وقيل: بحثت الناقة الأرض برجلها في السير إذا شدَّدَت الوطأ ، تشبيهاً بذلك.
ملاحظات
قال الخليل «3/207»: «البحث: طلبك شيئاً في التراب. وسؤالك مستخبراً. تقول: أستبحث عنه وأبحث، وهو يبحث بحثاً. والبَحُوث من الإبل التي إذا سارت بحثت التراب بأيديها آخراً آخراً، ترمي به إلى خلفها».
أي تحثو التراب بيديها الى خلفها، تفعل ذلك باستمرار. فليس في البحث معنى الكشف كما تخيل الراغب، بل هو استكشاف بهدف الكشف.
ولم ترد في القرآن إلا في: بَعَثَاللهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرض. وذكر اللغويون أن أصلها البحث في التراب، ثم استعملت بمعنى التفتيش والإستكشاف.
بَحْر
أصل البحر: كل مكان واسع جامع للماء الكثير، هذا هو الأصل، ثم اعتبر تارة سعته المعاينة (!) فيقال بحرت كذا أوسعته سعة البحر تشبيهاً به.
ومنه بَحَرْتُ البعير شققت أذنه شقاً واسعاً، ومنه سميت البَحِيرَة، قال تعالى: مَا جَعَلَاللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ، وذلك ما كانوا يجعلونه بالناقة إذا ولدت عشرة أبطن، شقوا أذنها فيُسِيِّبُوها، فلا تركب ولا يحمل عليها.
وسموا كل متوسع في شئ بحراً، حتى قالوا فرس بحر باعتبار سعة جريه. وقال صلى الله عليه وآله في فرس ركبه: وجدته بحراً. وللمتوسع في علمه: بحر، وقد تبحر: أي توسع في كذا، والتبحر في العلم: التوسع. واعتبر من البحر تارة ملوحته، فقيل ماء بحراني أي مالح، وقد أبحر الماء، قال الشاعر: وقد عادَ ماءُ الأرضِ بَحْرَاً فَزَادَنِي
إلى مَرَضي أن أُبْحِرَ المَشْرَبَ العَذْبَا
وقال بعضهم: البحر يقال في الأصل للماء المالح دون العذب، وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ، إنما سمى العذب بحراً لكونه مع الملح، كما يقال للشمس والقمر: قمران.
وقيل للسحاب الذي كثر ماؤه: بنات بحر. وقوله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، قيل أراد في البوادي والأرياف لافيما بين الماء. وقولهم: لقيته صَحْرَةً بَحْرَة، أي ظاهراً حيث لا بناء يستره.
ملاحظات
اختلفوا في سبب تسمية البحر والبحِيرة. وجعله الجوهري «2/585» من السعة والعمق وجعل الخليل «3/219» اليَمَّ البحر الذي لا يدرك قعره ولا شطاه. «8/431». وأخذ به الراغب.
والأسباب التي ذكروها غير مقنعة لأن في لفظ البحر عناصر أخرى، فقد قالت العرب للأحمق والكذاب: الباحر، لأنه إذا تكلم بُحِرَ وبقي كالمبهوت «القاموس:1/368».
والعنصر المؤكد في أصل تسميته: الماء والسعة، وهي سعة نسبية، لأن العرب يسمون النهر بحراً، قال تعالى: وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ. مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ. فعبر عن العذب بالبحر وهو قليل. وقال تعالى: حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً. ومعناه حتى أبلغ ملتقى البحرين المالحين، أو العذبين، أو المالح والعذب.
كما عبر عن البحر المحيط بالبحر أيضاً، فقال تعالى: وَلَوْ أن مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ. وعن كل مياه الأرض: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
واستعمل البحر في القرآن نحو أربعين مرة، وسمى السفن: الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأعلامِ.
وقال تعالى: وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إنهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ وفسر بعضهم رهواً بأنها صفة حال البحر. وفسرها الخليل «4/83» وجماعة بأنها صفة مشي موسى عليه السلام بمعنى سيراً سهلاً، وهو الصحيح.
وجمع ابن فارس «2/446» بين القولين فجعل الرهو أصلين:نعتاً للمشي، ومنه نعت للبحر.
وقال تعالى يصف عمل الكفار: أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّىٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ.
واللجة: وسط البحر، حيث لاتُرى أرض. «العين:6/19».
وأبحر القوم إذا ركبوا البحر وأبروا أخذوا في البر. وبحرت الإبل أكلت شجر البحر، كما سموا الروضة البحرة.
وقالوا لنوع من السحاب: بنات بحر، وبنات بخر من البخار، وقال بعضهم: بنات مخر بالميم. وتصور الداودي أن الراغب أخطأ فسماها بنات بحر وهي بالخاء، لكن الخليل وغيره أوردوها بالحاء المهملة. «3/220».
بَخْس
البَخْسُ: نقص الشئ على سبيل الظلم، قال تعالى: وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ «هود:15» وقال تعالى: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ «الأعراف:85».
والبَخْسُ والبَاخِسُ: الشئ الطفيف الناقص. وقوله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ «يوسف:20» قيل: معناه: بَاخِس، أي ناقص، وقيل مَبْخُوس أي منقوص. ويقال: تَبَاخَسُوا أي تناقصوا وتغابنوا فبخس بعضهم بعضاً.
ملاحظات
أجاد الراغب في تعميمه البخس. قال ابن السكيت /74: «البخس النقصان من الحق». وقال الخليل «4/203»: «البخس: الظلم، تبخس أخاك حقه فتنقصه».
ويؤيده قوله تعالى: فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ. وذكر الفقهاء أن البخس قد يكون بأن يزيد في السلعةما لا يرغب فيه المشتري كما لو زاد على الباب قفلاً لايريده المشتري.
وأشار عزّ وجل بقوله: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ، الى أن البخس يكون في الحق المادي والمعنوي، بينما استعمل التطفيف في الأعم فقال تعالى: وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. فشمل الكيل لهم وكيلهم أنفسهم.
أما البخص بالصاد فهو لحْمَةُ العين، ويقال بَخَص عينه إذا ضربه عليها، أو فقأها. «المقاييس:1/206». ويستعار للتطفيف فيقال بخصه حقه، أي نقصه وطففه.
بَخَعَ
البَخْعُ: قتل النفس غمّاً، قال تعالى: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ «الكهف:6» حثٌّ على ترك التأسف، نحو: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ «فاطر:8» قال الشاعر:
ألا أيُّ هَذا البَاخِعُ الوَجْدِ نفسَه
لشئ نَحَتْهُ عن يَدَيْكَ المقَادِرُ
وبخع فلان بالطاعة، وبما عليه من الحق، إذا أقرَّ به وأذعن، مع كراهة شديدة تجري مجرى بخع نفسه في شدته.
ملاحظات
قال الخليل «1/123»: «بخع نفسه: قتلها غيظاً من شدة الوجد. بخعتُ به بخوعاً أي أقررتُ به على نفسي. وبخع بالطاعة أي أذعن وانقاد وسلس».
فمعنى البخوع يعرف من مفعوله ومن حرف التعدية. والسلاسة في كلام الخليل بمعنى سهولة الإنقياد، وقد يكون البخوع بالطاعة عن كره كما في الزيارة الجامعة «طأطأ كل شريف لشرفكم وبخع كل متكبر لطاعتكم». «الفقيه:2/615» وقد يكون طوعاً، كما في الحديث النبوي: «أتاكم أهل اليمن، هم أرق قلوباً، وألين أفئدة وأبخع طاعة». «الفايق:1/74».
بَخِلَ
البُخْل: إمساك المقتنيات عما لا يحق حبسها عنه، ويقابله الجود. يقال بخل فهو باخل، وأما البخيل فالذي يكثر منه البخل كالرحيم من الراحم.
والبخل ضربان: بخلٌ بقُنْيَاتِ نفسه وبخلٌ بقنيات غيره، وهو أكثرهما ذماً. دليلنا على ذلك قوله تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ.
ملاحظات
1. قال الشريف المرتضى في رسائله: 2/265: «البخل: منع المحتاج حقه الواجب من ماله».
وأيده أبو الصلاح الحلبي في تقريب المعارف/125، فقال: «ولو كان إسماً لمن منع نفعاً خالصاً لوجب وصف كافة العقلاء به حتى الأنبياء والأوصياء عليهم السلام والفضلاء، لأنه لا أحد منهم إلا وهو مانع ماله هذه الصفة، وإنما هو مختص بمانع الواجب عليه لغيره».
لكن البخل لاينحصر بمنع العطاء الواجب شرعاً، فالغني الذي يمتنع عن إعطاء أقاربه ما هو لازمٌ عرفاً، يصح تسميته بخيلاً. فقد روى الصدوق في معاني الأخبار/245، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: «البخيل حق البخيل: الذي يمنع الزكاة المفروضة من ماله ويمنع البائنة في قومه ، وهو في ما سوى ذلك يُبَذِّر». والبائنة: العطية اللازمة عرفاً، لأنها تَبِينُ من ماله.
أما الشح فهو شدة البخل مع حرص. «الصحاح:1/378».
2. الصحيح أن البخل لا يختص بالمال، قال تعالى:
وَلايَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُاللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَخَيْرًا لَهُمْ. وما آتاهم أعم من المال.
3. ذم القرآن الأغنياء الذين يبخلون فقال تعالى: وأما مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وقال في الأغنياء بعد الفقر: فَلما آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ.
وقال في تخفيفالله على الناس: إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ.
وكشف عن أن البخيل يبخل عن نفسه: وَمَنْ يَبْخَلْ فَإنمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ.
وذم الباخلين المبخلين لغيرهم: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ.
وقال في جزاء البخلاء: بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
بدَرَ
قال تعالى: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً «النساء:6» أي مسارعة، يقال بَدَرْتُ إليه وبَادَرْتُ، ويعبر عن الخطأ الذي يقع عن حدة: بَادِرَة. يقال: كانت من فلان بَوَادِر في هذا الأمر.
والبَدْرُ: قيل سمي بذلك لمبادرته الشمس بالطلوع، وقيل: لامتلائه تشبيهاً بالبَدْرَةِ، فعلى ما قيل يكون مصدراً في معنى الفاعل.
والأقرب عندي أن يجعل البدر أصلاً في الباب ثم تعتبر معانيه التي تظهر منه، فيقال تارة: بَدَرَ كذا، أي طلع طلوع البدر، ويعتبر امتلاؤه تارة فشبه البدرة به. والبَيْدَرُ: المكان المرشح لجمع الغِلَّة فيه وملئه منه، لامتلائه من الطعام.
وقال تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُاللهُ بِبَدْرٍ «آل عمران:123» وهو موضع مخصوص بين مكة والمدينة.
ملاحظات
الصحيح ما ذكره الخليل «8/34» من أنه سمي بدراً لأنه بادر بالطلوع عند غروب الشمس.
و جعله ابن فارس «1/28» أصلين والثاني الإسراع في الشيء، وهو ضعيف.
ويقول المصريون: بدري، لمن يذهب الى الحقل مبكراً كأنه ذهب على ضوء البدر قبل الفجر.
بَدَعَ
الإِبْدَاع: إنشاء صنعة بلا احتذاء واقتداء، ومنه قيل: ركيَّةٌ بَدِيع أي جديدة الحفر، وإذا استعمل فيالله تعالى فهو إيجاد الشئ بغير آلة ولا مادة ولا زمان ولا مكان، وليس ذلك إلالله. والبديع: يقال للمُبْدِعِ، نحو قوله تعالى: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «البقرة:117» ويقال للمُبْدَع نحو: ركية بديع. وكذلك البِدْعُ يقال لهما جميعاً بمعنى الفاعل والمفعول.
وقوله تعالى: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ «الأحقاف:9» قيل: معناه: مبدعاً لم يتقدمني رسول، وقيل: مبدعاً فيما أقوله.
والبِدْعةُ في المذهب: إيراد قول لم يستن قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدمة وأصولها المتقنة، وروي: كل مُحْدَثَةٍ بِدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
والإِبْدَاع بالرجل: انقطاع الظهر به، من كلال راحلته وهزالها.
ملاحظات
قال ابن فارس في المجمل: «أبدعت الشئ: لا عن مثال. والله عز وجل: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وابتدع فلان الركيَّ: استنبطهُ. وفلان بدعٌ في هذا الأمر.
وأبدعتِ الراحلة: كَلَّتْ. وسميت البدعة، لأن قائلها ابتدعها من غير مقال إمام».
وفسر الراغب قوله تعالى: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ بقوله: مبدعاً لم يتقدمني رسول، وقيل: مبدعاً فيما أقوله. وهو يشمل الأمرين.
بَدَلَ
الإبدال والتبديل والتبَدُّل والإستبدال: جعل شئ مكان آخر، وهو أعمُّ من العوض، فإن العوض هو أن يصير لك الثاني بإعطاء الأول ، والتبديل قد يقال للتغيير مطلقاً وإن لم يأت ببدله. قال تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ «البقرة:59» وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً «النور:55». وقال تعالى: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُاللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ. «الفرقان:70» قيل: أن يعملوا أعمالاً صالحة تبطل ما قدموه من الإساءة. وقيل: هو أن يعفو تعالى عن سيئاتهم، ويحتسب بحسناتهم.
وقال تعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ «البقرة:181». وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ «النحل:101» وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ «سبأ:16» ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ «الأعراف:95». يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ «إبراهيم:48» أي تَغَيرُ عن حالها. أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ «غافر:26» وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ «البقرة:108» وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ «محمد:38».
وقوله: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَ «ق:29» أي لا يغير ما سبق في اللوح المحفوظ، تنبيهاً على أن ما علمه أن سيكون يكون على ما قد علمه، لا يتغيرعن حاله. وقيل: لايقع في قوله خلف. وعلى الوجهين قوله تعالى: لَاتَبْدِيلَ لِكَلِماتِالله «يونس:64» لاتَبْدِيلَ لِخَلْقِالله «الروم:30» قيل: معناه أمر وهو نهي عن الخصاء.
والأَبْدَال: قوم صالحون يجعلهمالله مكان آخرين مثلهم ماضين. وحقيقته: هم الذين بدلوا أحوالهم الذميمة بأحوالهم الحميدة، وهم المشار إليهم بقوله تعالى: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُاللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ «الفرقان:70».
والبَأْدَلَة: ما بين العنق إلى الترقوة، والجمع البَآدِل. قال الشاعر: ولا رَهِلٌ لَبَّاتُهُ وبآدلُهْ.
ملاحظات
1. جعل الراغب التبديل والإبدال، واحداً، والصحيح ما قاله ابن فارس في المجمل: «بدَّلت الشي: غيرتهُ وإن لم تأت له ببدل. وأبدلتُه إذا أتيت ببدله».
2. فسر الراغب قوله تعالى: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُاللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ. بالأبدال الذين يبدلون أحوالهم الى الأحسن.
ولا يصح ذلك، لأن الآية تنص على استبدال شيئ بشئ، وليست كآية: ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ، التي تجعل شيئاً مكان شئ. وقد عدى الفعل فيها مباشرة بدون حرف التعدية بل عداه بدون حرف ليدل على أنه يحول نفس سيئاتهم الى حسنات! وقال أهل البيت عليهم السلام : «يبدل الله سيئات شيعتنا حسنات، ويبدلالله حسنات أعدائنا سيئات». «علل الشرائع:2/610».
3. روى الطرفان في الأبدال، أنهم جماعة إذا مات منهم شخص أبدلهالله بآخر. ورووا : «لن تخلو الأرض من ثلاثين مثل إبراهيم خليل الرحمن، بهم تُغاثون وبهم تُرزقون وبهم تُمطرون». «الجامع الصغير:2 /422».
وروينا أنهم أصحاب الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في غيبته، فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: «لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة، ولابد له في غيبته من عزلة، ونعم المنزل طيبة، وما بثلاثين من وحشة». «الكافي:1/340».
4. لم يستوف الراغب موارد التبديل في القرآن، وهي كثيرة، وفيها حقائق ودقائق. فقد استعمل القرآن التبديل لازماً ومتعدياً، وحذف المُبَدَّل منه أحياناً كقوله تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ، ولم يقل يستبدل بكم. واستعمل: بدل، وأبدل، واستبدل، وتبديل، ومبدل، وبدل.
فمنها: في نفي تبديل قولالله، وكلامالله، وكلماتالله، وسنةالله، وخلقالله.
ومنها: تهديد الأمة باستبدالها بغيرها، أو بخير منها. ومنها: تهديد نساء النبي صلى الله عليه وآله بأنالله يبدله خيراً منهن: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ.
ومنها: حكم استبدال الزوجة بغيرها: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ.
ومنها: تبديلالله تعالى للأرض والسماوات: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ.
ومنها: مَدْح الثابتين: وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً.
ومدح الذين يبدلون السيئة بالحسنة: إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ.
ومنها: في ذم الذين استبدلوا بالإيمان: وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ.
والذين استبدلوا ولايةالله بولاية إبليس: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً.
والحكام الذين بدلوا نعمةالله بالإسلام بالكفر: بَدَّلُوا نِعْمَةَاللهِ كُفْرًا.
والذين تبدلوا الخبيث بالطيب: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطيِّبِ. والذين فضلوا الثوم على المن والسلوى: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَأَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرُ.
ومنها: تبديل خوف المؤمنين بالأمن في دولة المهدي عليه السلام : وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا.
بَدَنَ
البَدَنُ: الجسد، لكن البدن يقال اعتباراً بعظم الجثة، والجسد يقال اعتباراً باللون، ومنه قيل: ثوب مجسَّد، ومنه قيل: امرأة بَادِنٌ وبَدِينٌ: عظيمة البدن. وسميت البُدنة بذلك لسمنها.
يقال: بَدَنَ إذا سمن، وبَدَّنَ كذلك. وقيل: بل بَدَّنَ إذا أسنَّ، وأنشد: وكنت خِلْتُ الشيبَ والتَّبْدِينَا
وعلى ذلك ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام: لا تبادروني بالركوع والسجود فإني قد بَدِنْتُ، أي كبرت وأسننت.
وقوله تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ «يونس:92» أي بجسدك، وقيل: يعني بدرعك، فقد يسمى الدرع بَدَنَةً لكونها على البدن، كما يسمى موضع اليد من القميص يداً، وموضع الظهر والبطن ظهراً وبطناً.
وقوله تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِالله «الحج:36» هو جمع البَدَنَة التي تُهْدَى.
ملاحظات
1. لا يصح قوله إن البدن سميَ جسداً باعتبار اللون. بل باعتبار الجسمية ولاعلاقة للون به.
2. روى في علل الشرائع «1/59» عن الإمام الرضا عليه السلام في تفسير: فَالْيَوْمَ نُنَجّيِكَ بِبَدَنِكَ: «كان فرعون من قرنه إلى قدمه في الحديد وقد لبسه على بدنه، فلما أغرقه ألقاهالله على نجوةٍ من الأرض ببدنه، ليكون لمن بعده علامة فيرونه مع تثقله بالحديد على مرتفع من الأرض، وسبيل التثقيل أن يرسب ولا يرتفع فكان ذلك آية».
بَدَا
بَدَا الشئ بُدُوّاً وبَدَاءً: أي ظهر ظهوراً بيِّناً، قالالله تعالى: وَبَدا لَهُمْ مِنَالله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ «الزمر:47» وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا «الزمر:48» فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما. «طه:121».
والبَدْوُ: خلاف الحضر، قال تعالى: وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ «يوسف:100» أي البادية وهي كل مكان يبدو ما يعنُّ فيه، أي يُعْرَض.
ويقال للمقيم بالبادية: بَادٍ، كقوله تعالى: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ «الحج:25». لَوْ أَنهُمْ بادُونَ فِي الإعرابِ «الأحزاب:20».
ملاحظات
1. حسناً فعل الراغب ففسر بدا الشئ وبدا له الشئ، بأنه مطلق الظهور، ولم يشترط أن يكون ظهوره بعد خفائه، فقد استعمله القرآن فيما لم يكن خافياً عليهم، قال: بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَأنوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ. «الأنعام:28».
بل يستعمل البُدُوُّ فيما لا ظهور فيه أبداً، كقوله تعالى: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ. «يوسف:35» فلم يكن سجن يوسف خافياً عليهم ثم ظهر، ولا كانوا يخفونه ثم أظهروه، بل معناه: ثم قرروا سجنه رغم الآيات. فليس فيه عنصر ظهور ولا إظهار!
وكذلك قوله تعالى: وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ. «الممتحنة:4» ومعناه: قررنا أن نعاديكم ونبغضكم حتى تؤمنوا. وليس الإخبار عن العداوة.
وقوله تعالى: وَمَانَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرَّأْىِ. «هود:27» فيه معنى الظهور لكن الأولية فيه أقوى لاشتقاقه من البِدء. وكذلك قول العرب: إفعل ما بدا لك. لايعني ما ظهر لك، بل ما أحببت.
2. اتضح أن البِدَاء لا يعني أن الشئ لم يكن ظاهراً فظهر، فلا يصح الإشكال على من يقول: بدا لله تعالى، بأنه ينسب اليه تعالى أنه لم يكن عالماً بالشئ ثم علمه، معاذالله، بل معناه القرار، وليس الظهور بعد خفاء.
فالتشنيع علينا لقولنا بالبداء، مغرضٌ، أو ناتجٌ عن عدم فهم معنى البداء!
قال الإمام الصادق عليه السلام :«ما بدا لله في شئ، إلا كان في علمه قبل أن يبدو له». «الكافي:1/148».
وحقيقة البداء: أن يكون الأمر جارياً في مسار فيقررالله تعالى ما لم يكن في حسبان الناظر.
وقد روى البخاري «4/146» عن النبي صلى الله عليه وآله نفس هذا المعنى، قال: «إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأعمى وأقرع، بدا لله عز وجل أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكاً».
وفي مصنف عبد الرزاق«4/125»: «فصالح النبي اليهود على أنكم تكفونا العمل ولكن شطر الثمر على أن أقركم، ما بدا لله ورسوله».
وفي مجمع الزوائد «8/8»: «حتى إذا بدا لله أن تطلع من مغربها فعلت».
بَدَأَ
يقال: بَدَأْتُ بكذا وأَبْدَأْتُ وابْتَدَأْتُ: أي قدَّمت. والبَدْءُ والإبتداء: تقديم الشئ على غيره ضرباً من التقديم.
قال تعالى: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ «السجدة:7» وقال تعالى: كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ «العنكبوت:20»اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ «يونس:34» كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ «الأعراف:29».
ومَبْدَأُ الشئ: هو الذي منه يتركب أو منه يكون. فالحروف مبدأ الكلام، والخشب مبدأ الباب والسرير، والنواة مبدأ النخل. يقال للسيد الذي يبدأ به إذا عُدَّ السادات: بَدْءٌ. والله هو المُبْدِئُ المُعِيد: أي هو السبب في المبدأ والنهاية. ويقال: رجع عَوْدُه على بدئه، وفعل ذلك عائداً وبادئاً، ومعيداً ومبدئاً.
وأَبْدَأْتُ من أرض كذا، أي ابتدأت منها بالخروج.
وقوله تعالى: بَادِئَ الرَّأْي «هود:27» أي ما يبدأ من الرأي، وهو الرأي الفطير، وقرئ: بادِيَ بغير همزة، أي الذي يَظْهَر من الرأي ولم يُرَوَّ فيه. وشئ بَدِئ: لم يعهد من قبل كالبديع في كونه غير معمول قبل.
والبُدْأَةُ: النصيب المبدأ به في القسمة، ومنه قيل لكل قطعة من اللحم عظيمة بُدْءٌ.
ملاحظات
معنى باديَ الرأي: ما يبدو بالنظرة الأولى، وقد يكون صحيحاً، أو فطيراً.
ومعنى المُبْدِئُ المُعِيد: الخالق الباعث. وما يُبْدئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ: الباطل لا يخلق شيئاً، ولا يبعث.
ولم يذكر الراغب الفرق بين بَدَأَ وأَبْدَأَ. وجعلهما الخليل واحداً وهو بعيد، قال: «والله بدأ الخلق وأبدأ واحد». «العين:8/83».
وجعل الراغب البُدْأة بضم الباء أول سهم في تقسيم اللحم، وجعلها ابن منظور بمعنى النصيب من الجزور،
«لسان العرب:1/26». وقال: «وفي الحديث: إن النبيَّ صلى الله عليه وآله نَفَّلَ في البَدْأَةِ الرُّبُعَ وفي الرَّجْعَةِ الثُلثَ، أَرادَ بالبَدْأَةِ ابتِداءَ سَفَرِ الغزو وبالرَّجْعةِ القُفُولَ منه».
ولم يذكر الراغب البِدَاء، وقال الخليل: «البداء يكني عنه الفعل: أبدى يبدي» «العين:8/83».
وقال ابن فارس«1/212»:«تقول: بدا لي في هذا الأمر بداءً، أي تغير رأيي عما كان عليه». وتقدم أن معنى بدا لله: قضى وأظهر وليس ظهر له كما يتوهم. أما الإنسان فقد يكون جاهلاً ثم يبدو له أي يظهر.
بَذَرَ
التبذير: التفريق. وأصله إلقاء البذر وطرحه، فاستعير لكل مضيع لماله، فتبذير البذر: تضييع في الظاهر لمن لم يعرف مآل ما يلقيه.
قالالله تعالى: إن الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ «الإسراء:27»
وقال تعالى: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً«الإسراء:26».
ملاحظات
روي عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: «إن التبذير من الإسراف». «الكافي:3/501».
وقال الخليل «8/182»: «والتبذير: إفساد المال وإنفاقه في السرف».
وقال ابن فارس «1/216»: «البُذْرُ: القوم لا يكتمون حديثاً ولايحفظون ألسنتهم. قال علي عليه السلام : أولئك مصابيح الدجى ليسوا بالمساييح ولا المذاييع البُذْر».
وقال ابن منظور «4/51»: «بَذَرْتُ الكلام بين الناس كما تُبْذَرُ الحبُوبُ أَي أَفشيته».
ولا يقال في العربية تبذير البذر لبذره ، كما تخيل الراغب . بل يقال بذر البذر .
بَرَّ
البَرُّ: خلاف البحر، وتُصُوِّرَ منه التوسع فاشتق منه البِرُّ، أي التوسع في فعل الخير، وينسب ذلك إلىالله تعالى تارة نحو: إنهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ. «الطور:28» وإلى العبد تارة، فيقال: بَرَّ العبد ربه، أي توسَّع في طاعته. فمنالله تعالى الثواب، ومن العبد الطاعة.
وذلك ضربان: ضرب في الإعتقاد وضرب في الأعمال، وقد اشتمل عليه قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ «البقرة:177» وعلى هذا ما روي أنه سئل عليه الصلاة والسلام عن البِرِّ فتلى هذه الآية، فإن الآية متضمنة للإعتقاد والأعمال الفرائض والنوافل.
وبِرُّ الوالدين: التوسع في الإحسان إليهما، وضده العقوق، قال تعالى: لا يَنْهاكُمُاللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ «الممتحنة:8».
ويستعمل البِرُّ في الصدق لكونه بعض الخير المتوسع فيه، يقال: بَرَّ في قوله، وبرَّ في يمينه، وقول الشاعر:
أكُونُ مَكَانَ البّرِّ مِنْهُ [ودونه وأجعل ماله دونه وأؤامره] قيل أراد به الفؤاد، وليس كذلك، بل أراد ما تقدم، أي يحبني محبة البر.
ويقال: بَرَّ أباه فهو بَارٌّ وبَرٌّ، مثل صائف وصيف، وطائف وطيف. وعلى ذلك قوله تعالى: وَبَرًّا بِوالِدَتِي «مريم:32». وبَرَّ في يمنيه فهو بَارٌّ، وأَبْرَرْتُهُ، وبَرَّتْ يميني. وحجٌّ مَبْرُور أي مقبول، وجمع البار: أَبْرَار وبَرَرَة، قال تعالى: إن الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ «الإنفطار:13» وقال: كلا إن كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ «المطففين:18».
وقال في صفة الملائكة: كِرامٍ بَرَرَةٍ «عبس:16». فَبَرَرَةٌ خصَّ بها الملائكة في القرآن من حيث إنه أبلغ من أبرار، فإنه جمع برٍّ، وأبرار جمع بار. وبَرٌّ أبلغ من بَارٍّ، كما أن عدلاً أبلغ من عادل. والبُرُّ: معروف، وتسميته بذلك لكونه أوسع ما يحتاج إليه في الغذاء.
والبَرِيرُ: خُصَّ بثمر الأراك ونحوه. وقولهم: لا يعرف الهِرَّ من البِرّ، من هذا. وقيل: هما حكايتا الصوت، والصحيح أن معناه لا يعرف من يبره ومن يسئ إليه.
والبَرْبَرَةُ: كثرة الكلام، وذلك حكاية صوته.
ملاحظات
1. تفرد الراغب بجعل البِرَّ مشتقاً من البَرِّ، وجعله التوسع بالخير، لأن البَرَّ واسعٌ. والأقرب أنه أصل مستقل.
قال ابن فارس «ا/177»: «أربعة أصول: الصدق، وحكاية صوت، وخلاف البحر، ونبت. فأما الصدق فقولهم: صدق فلان وبرَّ.
ومن ذلك قولهم يَبِرُّ ربَّهُ أي يطيعه، وهو من الصدق. وأما حكاية الصوت فالعرب تقول: لا يعرف هَرَّاً من بِر، فالهَرُّ دعاء الغنم، والبَرُّ الصوت بها إذا سيقت.
والأصل الثالث: خلاف البحر، وأبَرَّ الرجل: صار في البر وأبْحَرَ صار في البحر.
وأما النبت: فمنه البُرّ وهي الحنطة، الواحدة بُرَّة. أبرَّت الأرض إذا كثر بُرُّها».
2. البِرُّ:عمل الخير لنفع الآخرين، قال تعالى: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى. ولايشترط أن يكون محتاجاً. «الفروق اللغوية/312».
3. والبِر: يشمل أنواع الإنفاق والصلة، قال الإمام زين العابدين عليه السلام :«ووَجِّه فِي أَبْوَابِ الْبِرِّ إِنْفَاقِي» «الصحيفة السجادية/188و138».
ويشمل حسن التعامل، قال أمير المؤمنين عليه السلام «نهج البلاغة:4/89» «ثلاث من أبواب البر: سخاء النفس، وطيب الكلام، والصبر على الأذى».
4. وقد وسعه النبي صلى الله عليه وآله لكل خير يطمئن به القلب فقال: «يا وابصة: البِرُّ ما اطمأن به الصدر، والإثم ما تردد في الصدر وجال في القلب، وإن أفتاك الناس وأفتوك». «قرب الاسناد/321»
5. وفسروه باللطف قال الإمام زين العابدين عليه السلام : «فَغَذَوْتَنِي بِفَضْلِكَ غِذَاءَ الْبَرِّ اللَّطِيفِ. إِلَى غَايَتِي هَذِه لَا أَعْدَمُ بِرَّكَ». «الصحيفة السجادية/152».
بَرَجَ
البُرُوج: القصور، الواحد: بُرْج، وبه سمِّي بروج السماء لمنازلها المختصة بها، قال تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ «البروج:1» وقال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً «الفرقان:61».
وقوله تعالى: وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ «النساء:78» يصح أن يراد بها بروج في الأرض، وأن يراد بها بروج النجم، ويكون استعمال لفظ المشيدة فيها على سبيل الإستعارة، وتكون الإشارة بالمعنى إلى نحو ما قال زهير:
ومن هابَ أسبابَ المنايا يَنلنَهُ
ولو نالَ أسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ
وأن تكون البروج في الأرض، وتكون الإشارة إلى ما قال الآخر: ولو كنتُ في غَمْدَانَ يَحْرُسُ بابُه
أراجيل أحبوشٍ وأسودُ آلفُ
إذاً لأتتني حَيْثُ كُنْتُ مَنِيَّتِي
يَخِبُّ بها هادٍ لِإثْريَ قَائِفُ
وثوب مُبَرَّج: صُوِّرت عليه بروج واعتبر حسنه. فقيل: تَبَرَّجَتِ المرأة أي تشبهت به في إظهار المحاسن، وقيل: ظهرت من برجها أي قصرها. ويدل على ذلك قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الأولى «الأحزاب:33» وقوله: غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ «النور:60».
والبَرَجُ: سعة العين وحسنها، تشبيهاً بالبرج في الأمرين.
ملاحظات
1. قوله تعالى: وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ، أي حتى لو كنتم في بروج مبنية للمحافظة على حياة ساكنيها. فلا علاقة له ببروج السماء.
2. جعل تبرج المرأة مشتقاً من البرج لشبهها به في الظهور، أو لشبهها بمن خرج منه فظهر. وذلك لأنه جعل مادة بَرَجَ أصلاً واحداً، فهو يريد توحيد أصلها. والصحيح قول ابن فارس «المقاييس:1/238»:«أصلان: أحدهما البروز والظهور، والآخر الوَزَر والملجأ. فمن الأول البَرَج، وهو سعة العين في شدة سواد سوادها وشدة بياض بياضها. ومنه التبرج وهو إظهار المرأة محاسنها. والأصل الثاني البُرْج».
بَرَحَ
البَرَاح: المكان المتسع الظاهر الذي لا بناء فيه ولا شجر، فيعتبر تارة ظهوره فيقال: فعل كذا بَرَاحاً، أي صراحاً لا يستره شئ. وبَرِحَ الخفاء: ظهر، كأنه حصل في براح يرى ومنه: بَرَاحُ الدار.
وبَرِحَ: ذهب في البراح، ومنه: البَارِحُ للريح الشديدة، والبَارِحُ من الظباء والطير، لكن خُصَّ البارح بما ينحرف عن الرامي إلى جهة لا يمكنه فيها الرمي فيتشاءم به، وجمعه بَوَارِح، وخُصَّ السانِح بالمقبل من جهة يمكن رميه، ويُتَيَمَّن به. والبَارِحَة: الليلة الماضية.
وما بَرِحَ: ثبت في البراح، ومنه قوله عز وجل: لا أَبْرَحُ. «الكهف:60». وخُصَّ بالإثبات كقولهم: لا أزال، لأن برح وزال اقتضيا معنى النفي، ولا للنفي، والنفيان يحصل من اجتماعهما إثبات، وعلى ذلك قوله عز وجل: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ «طه:91» وقال تعالى: لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ. «الكهف:60».
ولما تُصُوِّرَ من البارح معنى التشاؤم، اشتق منه التبْرِيح والتبَارِيح فقيل: بَرَّح بي الأمر، وبَرَّح بي فلان في التقاضي، وضربه ضرباً مُبَرِّحاً، وجاء فلان بالبَرَح، وأَبْرَحْتَ ربّاً وأبرحت جاراً، أي أكرمت.
وقيل للرامي إذا أخطأ: بَرْحَى، دعاءً عليه، وإذا أصاب: مَرْحَى، دعاءً له. ولقيت منه البرَحِينَ والبُرَحَاء، أي الشدائد. وبُرَحَاء الحمّى: شدتها.
بَرَدَ
أصل البَرْد: خلاف الحر، فتارة يعتبر ذاته فيقال: بَرَدَ كذا، أي اكتسب برداً، وبَرَدَ الماء كذا، أي أكسبه برداً، نحو:
ستُبْرِدُ أكباداً وتُبْكي بَوَاكِياً
ويقال: بَرَّدَهُ أيضاً. وقيل: قد جاء أَبْرَدَ، وليس بصحيح. ومنه البَرَّادَة لما يُبَرِّدُ الماء، ويقال: بَرَدَ كذا، إذا ثبت ثبوت البرد، واختصاص الثبوت بالبرد كاختصاص الحرارة بالحر، فيقال: بَرَدَ كذا، أي ثبت كما يقال: بَرَدَ عليه دين. قال الشاعر: اليوم يومٌ باردٌ سَمُومُهُ.
وقال الآخر: قد بَرَدَ الموتُ على مُصْطَلَاهُ.
أي ثبت. يقال: لم يَبْرُدْ بيدي شئ، أي لم يثبت.
وبَرَدَ الإنسان: مات. وبَرَّدَه: قتله، ومنه: السيوف البَوَارِد، وذلك لما يعرض للميت من عدم الحرارة بفقدان الروح، أو لما يعرض له من السكون.
وقولهم للنوم بَرْد: إما لما يعرض عليه من البرد في ظاهر جلده، أو لما يعرض له من السكون. وقد علم أن النوم من جنس الموت لقوله عز وجل: اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها «الزمر:42» وقال: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً«النبأ:24» أي نوماً.
وعيش بارد: أي طيب، اعتباراً بما يجد الإنسان في اللذة في الحر من البرد، أو بما يجد من السكون. والأبردان: الغداة والعشي، لكونهما أبرد الأوقات في النهار.
والبَرَدُ: ما يَبْرُدُ من المطر في الهواء فيَصْلُبُ.
وبَرَد السحاب: اختص بالبَرَد، وسحاب أَبْرَد وبَرِد: ذو بَرَد، قالالله تعالى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ. «النور:43».
والبَرْدِيُّ: نبت ينسب إلى البرد لكونه نابتاً به، وقيل: أصل كل داء البَرَدَة، أي التخمة، وسميت بذلك لكونها عارضة من البرودة الطبيعية التي تعجز عن الهضم.
والبَرُود: يقال لما يُبَرَّدُ به، ولما يُبَرَّدُ، فيكون تارة فعولاً في معنى فاعل، وتارة في معنى مفعول، نحو: ماء برود، وثغر برود، كقولهم للكحل: برود.
وبَرَدْتُ الحديد: سحلته، من قولهم: بَرَّدْتُهُ، أي قتلته.
والبُرَادَة: ما يسقط، والمِبْرَدُ: الآلة التي يبرد بها.
والبُرُد في الطرق: جمع البَرِيد، وهم الذين يلزم كل واحد منهم موضعاً منه معلوماً، ثم اعتبر فعله في تصرفه في المكان المخصوص به، فقيل لكل سريع: هو يَبْرُد، وقيل لجناحي الطائر: بَرِيدَاه، اعتباراً بأن ذلك منه يجري مجرى البريد من الناس في كونه متصرفاً في طريقه، وذلك فرع على فرع، حسب ما يبين في أصول الإشتقاق.
ملاحظات
استعمل القرآن ثلاث كلمات من هذه المادة «بَرَد وبَرْد وبَارد» في خمس آيات.
وجعل الراغب مادة بَرَدَ أصلاً واحداً، بمعنى خلاف الحر، وفرَّعَ منها حتى البريد، والمبرد، والبردي، وبريدي الطائر بمعنى جناحيه. وذكر وجه اشتقاق بعضها دون بعض.
وقول ابن فارس أقوى «1/241»: «بَرَدَ: أصول أربعة، أحدها: خلاف الحر. والآخر: السكون والثبوت. والثالث: الملبوس. والرابع: الإضطراب والحركة. وإليها ترجع الفروع».
بَرَزَ
البَرَاز: الفضاء، وبَرَزَ: حصل في براز، وذلك إما أن يظهر بذاته نحو: وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً «الكهف:47» تنبيهاً [على] أنه تبطل فيها الأبنية وسكانها.
ومنه: المبارزة للقتال، وهي الظهور من الصف، قال تعالى: لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ «آل عمران:154» وقال عز وجل: وَلما بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ «البقرة:250».
وإما أن يظهر بفضله، وهو أن يسبق في فعل محمود. وإما أن ينكشف عنه ما كان مستوراً منه، ومنه قوله تعالى: وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ «إبراهيم:48» وقال تعالى: يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ «غافر::16» وقوله عز وجل: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ «الشعراء:91» تنبيهاً على أنهم يعرضون عليها.
ويقال: تَبَرَّزَ فلان كناية عن التغوُّط.
وامرأة بَرْزَة: عفيفة، لأن رفعتها بالعفة، لا أن اللفظة اقتضت ذلك.
ملاحظات
استعملت المادة في القرآن في تسع آيات ، ذكر الراغب منها ستة. والتي لم يذكرها قوله تعالى: وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ. «النساء:81». وقوله: وَبَرَزُوا للهِ جَمِيعاً. «إبراهيم: 21».
وقوله:وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى. «النازعات: 36».
وكلها يتسق تفسيرها بالظهور، ولا يتسق بالفضاء، كما قال الراغب.
وقد عبَّرَ القرآن: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ، أي قُرِّبَتْ منهم وزينت ليدخلوها. وبُرِّزت الجحيم، أي أظهرت ليروها ولو من بعيد.
بَرْزَخ
البَرْزَخ: الحاجز والحد بين الشيئين، وقيل: أصله بَرْزَهْ فعُرِّب، وقوله تعالى: بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ «الرحمن:20»
والبرزخ في القيامة: الحائل بين الإنسان وبين بلوغ المنازل الرفيعة في الآخرة، وذلك إشارة إلى العقبة المذكورة في قوله عز وجل: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ «البلد:11».
قال تعالى: وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ «المؤمنون /100» وتلك العقبة موانع من أحوال لا يصل إليها إلا الصالحون. وقيل: البرزخ ما بين الموت إلى القيامة.
ملاحظات
1. قال الخليل«4/238»: «البرزخ: ما بين كل شيئين، والميت في البرزخ لأنه بين الدنيا والآخرة. وبرازخ الإيمان ما بين الشك واليقين. وما بين الظل والشمس برزخ».
وقد نصت الأحاديث على أن البرزخ يبدأ من حين الموت الى القيامة، ففي الكافي «3/242» عن الإمام الصادق عليه السلام : «أما في القيامة فكلكم في الجنة بشفاعة النبي المطاع أو وصي النبي صلى الله عليه وآله ولكني والله أتخوف عليكم في البرزخ. قلت: وما البرزخ؟ قال: القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة».
وقال أمير المؤمنين عليه السلام «نهج البلاغة:2/206و212»:سلكوا في بطون البرزخ سبيلاً».
2. أشار الراغب الى أن أصل برزخ قد يكون كلمة برزه الفارسية، بل هي مُعَرَّبَة منها، ويكثر في الفارسية ما آخره خاء قبلها مفتوح، مثل كلمة فرسخ المعربة عن كلمة فر سنگ. وقرأت بحثاً بعنوان: «المفردات الدخيلة/36، و139» للغوي الإيراني عادل أشكبوس، رجَّح فيه أن كلمة برزخ بالفارسية: بمعنى العالم الحسن، مقابل دوزخ: بمعنى جهنم والعالم السيئ. وبهشت: بمعنى العالم الأعلى:
http://wwwashkbooscom/post/359
بَرَصَ
البَرَصُ: معروف، وقيل للقمر: أَبْرَص للنكتة التي عليه.
وسامٌّ أَبْرَص: سميَ بذلك تشبيهاً بالبرص.
والبَرِيصُ: الذي يلمع لمعان الأبرص، ويقارب البصيص، بصَّ يبصُّ: إذا برق.
ملاحظات
قالالله تعالى: وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِاللهِ «آل عمران:49».
وقال: تُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي. «المائدة:110».
بَرَقَ
البَرْقُ: لمعان السحاب، قال تعالى: فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ «البقرة:19» يقال: بَرِقَ وأَبْرَقَ وبَرَقَ، يقال في كل ما يلمع، نحو: سيف بَارِقٌ، وبَرَقَ وبَرِقَ يقال في العين إذا اضطربت وجالت من خوف، قال عز وجل: فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ «القيامة:7» وقرئ: بَرَقَ.
وتُصُوِّر منه تارة اختلاف اللون فقيل البُرْقَة للأرض ذات حجارة مختلفة الألوان.
والأبرق: الجبل فيه سواد وبياض. وسموا العين بَرْقَاء لذلك. وناقة بَرُوق: تلمع بذنبها.
والبَرُوقَة: شجرة تخضرُّ إذا رأت السحاب وهي التي يقال فيها: أشْكَرُ من بَروقة.
وبَرَقَ طعامه بزيت: إذا جعل فيه قليلاً يلمع منه. والبارقة والأُبَيْرِق: السيف لِلَمَعَانِه.
والبُرَاق: قيل هو دابة ركبها النبي صلى الله عليه وآله لما عُرج به، والله أعلم بكيفيته.
والإِبْريق: معروف، وتُصُوِّرَ من البرق ما يظهر من تجويفه. وقيل بَرَقَ فلان ورعد، وأَبْرَقَ وأرعد: إذا تهدد.
ملاحظات
يقصد الراغب أن الإبريق سمي إبريقاً لأنهم تصوروا أن الماء الذي يخرج منه يبرق، لكنه معرب من الفارسية، وأصله آب ريز، أو آب ريخت. أي صب الماء. والعجب من الراغب وابن فارس كيف يحاولان إثبات أصول كلمات من العربية وهما فارسيان يريان أنها فارسية معربة. ويظهر أن الجو السائد كان يرفض أن يكون في القرآن كلمات معربة، لتخيل الحكام أنه ينافي كونه قرآناً عربياً، ولعلهم كانوا يعاقبون من يقول بذلك، فخاف منهم اللغويون!
بَرَكَ
أصل البَرْك: صدر البعير، وإن استعمل في غيره. ويقال له بَرَكَة.
وبَرَكَ البعير: ألقى بَرْكَهُ، واعتُبِر منه معنى اللزوم فقيل ابْتَرَكُوا في الحرب، أي ثبتوا ولازموا موضع الحرب. وبَرَاكَاء الحرب وبَرُوكَاؤُها، للمكان الذي يلزمه الأبطال.
وابْتَرَكَتِ الدابة: وقفت وقوفاً كالبروك. وسمِّي محبس الماء: بِرْكَة.
والبَرَكَةُ: ثبوت الخير الإلهي في الشئ، قال تعالى: لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ «الأعراف:96» وسمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة.
والمُبَارَك: ما فيه ذلك الخير، على ذلك: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ «الأنبياء:50» تنبيهاً على ما يفيض عليه من الخيرات الإلهية.
وقال: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ «الأنعام:155» وقوله تعالى: وَجَعَلَنِي مُبارَكاً «مريم:31» أي موضع الخيرات الإلهية.
وقوله تعالى: إنا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ. «الدخان:3» رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً «المؤمنون:29» أي حيث يوجد الخير الإلهي.
وقوله تعالى: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً «قاف:9» فبركة ماء السماء هي ما نبه عليه بقوله: أَلَمْ تَرَ إنالله أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ «الزمر:21»
وبقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ «المؤمنون:18»
ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لايُحَسُّ وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر، قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة: هو مُبَارَكٌ وفيه بركة. وإلى هذه الزيادة أشير بما روي أنه: لا ينقص مال من صدقة. لا إلى النقصان المحسوس حسب ما قال بعض الخاسرين حيث قيل له ذلك فقال: بيني وبينك الميزان.
وقوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً. «الفرقان:61» فتنبيهٌ على ما يفيضه علينا من نعمه بواسطة هذه البروج والنيرات المذكورة في هذه الآية. وكل موضع ذكر فيه لفظ تَبَارَكَ، فهو تنبيه على اختصاصه تعالى بالخيرات المذكورة مع ذكر تبارك. وقوله تعالى: فَتَبارَكَاللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ. «المؤمنون: 14» تَبارَك الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ. «الفرقان:1» تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ. «الفرقان:10» فَتَبارَكَاللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ. «غافر:64» تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ «الملك:1».
كل ذلك تنبيهٌ على اختصاصه تعالى بالخيرات المذكورة مع ذكر تبارك.
ملاحظات
1. لم أجد عند اللغويين كلاماً مقنعاً في اشتقاق البَرَكة، وجعل الراغب معناها الثبوت من جلوس البعير على بَرْكِهِ أي صدره، وقريب منه كلام ابن فارس. «1/227».
وجعلها بعضهم من بركة الماء. وأضاف بعضهم اليها معنى النمو وهو صحيح، لأنه ظاهرٌ في استعمالها. فالبرَكة في الشئ بمعنى نموه وزيادته، وبمعنى ثباته وعدم نقصانه.
والمفهوم من نصوص الإسلام وغيره من الأديان: أن البركة سرٌّ وعطاء رباني غيبي، يمنحه للشخص أو الشئ أو العمل. وهو نوع من النمو والثبات.
لكن تعبير: «تباركالله، وتبارك إسمه» لاتقبل التفسير بالنمو، فلا بد من تفسيرها بالتمجيد والتقديس، وقالوا: معناها: تمجَّدَ وتقدس وتطهر بذاته، ولو لم يمجده أحد.
قال الطوسي في التبيان «7/470»: «معنى تبارك: تقدس وجل، بما لم يزل عليه من الصفات ولا يزال كذلك ولا يشاركه فيها غيره. وأصله من بروك الطير على الماء، فكأنه قال: ثبت فيما لم يزل ولا يزال الذي نزل الفرقان على عبده. وقال الحسن: معناه الذي تجئ البركة من قبله، والبركة الخير الكثير».
2. استعمل القرآن مادة بَرَكَ في أكثر من ثلاثين مورداً، منها بارك، وتبارك، وبورك، ومبارك، وبركات.
والبركة: عالم واسع له أصوله وقوانينه، وقد بينتها أحاديث النبي وآله صلى الله عليه وآله . وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: «لا تأكلوا من رأس الثريد، فإن البركة تأتي من رأس الثريد». «المحاسن:2/450». ويقول: «إياكم والحلف فإنه ينفق السلعة ويمحق البركة». «الكافي:6/162».
وعن الصادق عليه السلام : «إن النبي أتي بطعام حار جداً فقال: ما كانالله عز وجل ليطعمنا النار، أقروه حتى يبرد ويمكن، فإنه طعام ممحوق البركة للشيطان فيه نصيب». «الكافي:6/322».
وعنه عليه السلام : «إن مع الإسراف قلة البركة». «الكافي:4/55». وعنه عليه السلام قال: «دخل رسولالله صلى الله عليه وآله على أم سلمة فقال لها: ما لي لا أرى في بيتك البركة! قالت: بلى والحمد لله إن البركة لفي بيتي فقال: إنالله عز وجل أنزل ثلاث بركات: الماء والنار والشاة». «الكافي:6/545».
وعن الإمام الكاظم عليه السلام : «إياك والزنا فإنه يمحق البركة ويهلك الدين». «الكافي:5/542».
بَرَمَ
الإِبْرَام: إحكام الأمر، قال تعالى: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإنا مُبْرِمُونَ «الزخرف:79». وأصله من إبرام الحبل وهو ترديد فتله، قال الشاعر: على كل حالٍ من سَحِيلٍ ومُبْرَمِ
والبَرِيمُ: المُبْرَم أي المفتول فتلاً محكماً، يقال: أَبْرَمْتُهُ فبَرِمَ، ولهذا قيل للبخيل الذي لا يدخل في الميسر: بَرِم، كما يقال للبخيل: مغلول اليد.
والمُبْرِم: الذي يلح ويشدد في الأمر تشبيهاً بمبرم الحبل، والبَرِم: كذلك.
ويقال لمن يأكل تمرتين تمرتين: بَرِمٌ، لشدة ما يتناوله بعضه على بعض.
ولما كان البريم من الحبل قد يكون ذا لونين، سمي كل ذي لونين به من جيش مختلط أسود وأبيض، ولغنم مختلط، وغير ذلك.
والبُرْمَةُ: في الأصل هي القدر المبرمة، وجمعها بِرَامٌ، نحو حفرة وحفار، وجعل على بناء المفعول، نحو: ضحكة وهزأة.
ملاحظات
استعمل القرآن هذه المادة في آية واحدة، بمعنى إحكام الأمر، كما ذكر الراغب.
وقد فصَّل اللغويون في أصل أبرم ومشتقاته، وجعلها ابن فارس«1/231» أربعة أصول: «إحكام الشئ، والغرض به، واختلاف اللونين، وجنس من النبات».
بَرَهَ
البُرْهَان: بيان للحجة، وهو فُعْلان مثل: الرُّجحان والثُّنْيَان، وقال بعضهم: هو مصدر بَرِهَ يَبْرَهُ: إذا ابيضَّ، ورجل أَبْرَهُ وامرأة بَرْهَاءُ، وقوم بُرْهٌ. وبَرَهْرَهَة: شابة بيضاء.
والبُرْهَة: مدة من الزمان. والبُرْهَان: أوكد الأدلة، وهو الذي يقتضي الصدق أبداً لامحالة، وذلك أن الأدلة خمسة أضرب: دلالة تقتضي الصدق أبداً. ودلالةٌ تقتضي الكذب أبداً. ودلالةٌ إلى الصدق أقرب. ودلالةٌ إلى الكذب أقرب. ودلالةٌ هي إليهما سواء. قال تعالى: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «البقرة:111» قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ «الأنبياء:24» قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ «النساء:174».
ملاحظات
قال الخليل: «البرهان: بيان الحجة وإيضاحها». «العين:4/49» لكن الظاهر أن البرهان نفس الحجة وليس بيانها، بل هو الدليل القوي. واستعمله القرآن بضع مرات في هذا المعنى.
بَرَأَ
أصل البُرْءِ والبَرَاءِ والتَبَرِّي: التفصِّي مما يُكره مجاورته، ولذلك قيل: بَرَئْتُ من المرض، وبَرِئْتُ من فلان وتَبَرَّأْتُ، وأَبْرَأْتُهُ من كذا وبَرَّأْتُهُ، ورجل بَرِئ وقوم بُرَآء وبَرِيئُون. قال عز وجل: بَراءَةٌ مِنَالله وَرَسُولِهِ «التوبة:1» إنالله بَرِئ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ «التوبة:3»
وقال: أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِئ مِمَّا تَعْمَلُونَ «يونس:41» إنا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِالله «الممتحنة:4» وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إننِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ «الزخرف:26» فَبَرَّأَهُاللهُ مِمَّا قالُوا «الأحزاب:69» وقال: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا «البقرة:166».
والبارئ: خُصَّ بوصفالله تعالى، نحو قوله: الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ «الحشر:24». وقوله تعالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ «البقرة:54».
والبَرِيَّة: الخلق، قيل أصله الهمز فترك. وقيل بل ذلك من قولهم: بَرَيْتُ العود، وسميت برية لكونها مَبْرِيَّة من البَرَا، أي التراب، بدلالة قوله تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ «غافر:67» وقوله تعالى: أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ «البينة:7» وقال: شَرُّ الْبَرِيَّةِ. «البينة:6».
ملاحظات
1. استعملت مادة بَرَأَ في القرآن أكثر من ثلاثين مرة، فمنها: البرئ، والمبرؤون، والتبرؤ، والبارئ سبحانه، والبرية.
وجعل الراغب أصلها التبرؤ من العيب، وسماه البُعد عما يُكره، وجعل البرية مشتقة من البرا، وهو التراب.
والصحيح ما ذكره الخليل «8/298» وابن فارس «1/236» أن برأ أصلان: أحدهما: الخلق، يقال برأالله الخلق يبرؤهم بَرْءً. والبارئالله جل ثناؤه.
والثاني: التباعد من الشئ ومزايلته، ومنه السلامة من السقم، يقال برئتُ وبَرَّأتُ. ومنه بارأتُ الرجل، أي برئت إليه وبرئ إلي. ومنه بُرَآء: على قياس فعلاء: جمع البرئ، ومن ترك الهمز قال: بُراء. وبَرْآء على قياس فعلاء: جمع البرئ، ومن ترك الهمز قال: براء.
2. قال أبو هلال في الفروق/95: «الفرق بين البَرْأ والخلق: أن البَرْأ هو تمييز الصورة، وقولهم برأ الله الخلق: أي ميز صورهم».
واشتهر قسم أمير المؤمنين عليه السلام :«فوالذي فلق الحبة، وبرأ النسمة». وفي المقنعة/324، في دعاء رمضان: «سبحانالله بارئ النسم، سبحانالله المصور، سبحانالله خالق الأزواج كلها».
بَزَغَ
قال تعالى: فَلما رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً. «الأنعام:78» فَلما رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً. «الأنعام:77» أي طالعاً منتشر الضوء. وبَزَغَ النَّابُ تشبيهاً به، وأصله من بَزَغَ البيطارُ الدَّابَّةَ، أسال دمها فبزغ هو، أي سال.
ملاحظات
اتفق اللغويون على أن البزوغ مأخوذ من تشريط البيطار للدابة بمبزغ حديد حتى يبزغ دمها.
ففي أساس البلاغة/45: «بزغ البيطار الدابة بزغاً وبزغها تبزيغاً، إذا شق أشعرها بمبزغه. وبزغ النابُ: إذا شق اللحم فخرج ». فبزوغ الشمس: شقُّها للأفق حتى يبدو طلوعها، كما قال الخليل «العين:4/ 385».
لكن اشتقاق بزوغ الشمس من بزوغ الدم غير مقنع، وقد أجاد ابن منظور «8/418» فجعل الأمر بالعكس، فإن تعامل الإنسان مع الشمس قبل تعامله مع مبزغ البيطار. قال: «بَزَغَتِ الشمسُ تَبْزُغُ بَزْغاً وبُزُوغاً: بدا منها طُلوعٌ أَو طَلَعَت وشَرَقَتْ. وفي التنزيل: فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا . ومن هذا يقال: بَزَغَ البَيْطارُ أَشاعِرَ الدابة وبضعها، إِذا شق ذلك المكان».
بَسَّ
قالالله تعالى: وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسّاً «الواقعة:5» أي فُتِّتَتْ، من قولهم: بَسَسْتُ الحنطة والسويق بالماء: فَتَتُّهُ به، وهي بَسِيسَةٌ.
وقيل: معناه سُقْتُ سوقاً سريعاً، من قولهم: انْبَسَّتِ الحَيَّاتُ: انسابت انسياباً سريعاً، فيكون كقوله عز وجل: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ «الكهف:47» وكقوله: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ «النمل:88».
وبَسَسْتُ الإبلَ: زجرتها عند السوق، وأَبْسَسْتُ بها عند الحلب: أي رققت لها كلاماً تسكن إليه.
وناقةٌ بَسُوسٌ: لاتدرُّ إلا على الإِبْسَاس، وفي الحديث: جاء أهل اليمن يَبُسُّونَ عيالهم. أي كانوا يسوقونهم.
ملاحظات
قال ابن فارس «1/181»:«الباء والسين: أصلان أحدهما السَّوْق، والآخر فتُّ الشئ وخلطه». وقد استعمل البسُّ في آية واحدة هي قوله تعالى: إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا. وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا. فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا. «الواقعة:4». وهي صريحة في أن الجبال تُذرى حتى تكون هباءً، وهي غير حركة الجبال في قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ. وغير تسييرها يوم القيامة: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ.
بَسَرَ
البَسْرُ: الإستعجال بالشئ قبل أوانه، نحو: بَسَرَ الرجل الحاجة: طلبها في غير أوانها، وبَسَرَ الفحل الناقة: ضربها قبل الضبعة، وماء بَسْر: متناول من غديره قبل سكونه.
وقيل للقرح الذي ينكأ قبل النضج: بَسْر، ومنه قيل لما لم يدرك من التمر: بُسْر.
وقوله عز وجل: ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ «المدثر:» أي أظهر العبوس قبل أوانه وفي غير وقته.
فإن قيل: فقوله: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ «القيامة:24» ليس يفعلون ذلك قبل الوقت، وقد قلت: إن ذلك يقال فيما كان قبل الوقت!
قيل: إن ذلك إشارة إلى حالهم قبل الإنتهاء بهم إلى النار، فخُصَّ لفظ البَسْر تنبيهاً على أن ذلك مع ما ينالهم من بعد يجري مجرى التكلف ومجرى ما يفعل قبل وقته، ويدل على ذلك قوله عز وجل: تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ «القيامة:25».
ملاحظات
استعملت مادة بَسَرَ في الآيتين المذكورتين فقط، واتفق اللغويون على أن العجلة عنصر في معناها. «العين:7/250، والمقاييس:1/249».
وكأن بُسْر التمر سميَ بذلك لأنهم يعجلون في قطفه قبل نضجه. فمعنى: ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، أنه عبس واستعجل فغضب.
ومعنى: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ. تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ. أنها قبل الجنة والنار تستعجل الغضب لأنها تتوقع الحكم عليها بالنار.
ومعنى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ. أنها في المحشر تستشرف ثواب ربها لا أنها تنظر الى ذاتالله، كما زعمت المجسمة.
بَسَطَ
بَسْطُ الشئ: نَشْرُهُ وتوسيعه، فتارة يُتصور منه الأمران، وتارة يتصور منه أحدهما.
ويقال: بَسَطَ الثوب: نشره، ومنه: البِسَاط، وذلك اسم لكل مَبْسُوط، قالالله تعالى: وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً «نوح: 19» والبِسَاط: الأرض المتسعة. وبَسِيط الأرض: مبسوطه.
واستعار قوم البسط لكل شئ لا يتصور فيه تركيب وتأليف ونظم. قالالله تعالى: وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ «البقرة:245». وقال تعالى: وَلَوْ بَسَطَاللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ «الشورى:27» أي لو وسَّعه. وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ «البقرة:247» أي سَعَةً.
قال بعضهم: بَسْطَتُهُ في العلم: هو أن انتفع هو به ونفع غيره، فصار له به بسطة، أي جوداً.
وبَسْطُ اليد: مدها، قال عز وجل: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ «الكهف:18».
وبَسْطُ الكف: يستعمل تارة للطلب نحو: كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ «الرعد:14» وتارة للأخذ نحو: وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ «الأنعام:93». وتارة للصولة والضرب، قال تعالى: وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ «الممتحنة:2» وتارة للبذل والإعطاء: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ «المائدة:64».
والبَسْطُ: الناقة تترك مع ولدها، كأنها المبسوط نحو النكث والنقض في معنى المنكوث والمنقوض، وقد أَبْسَطَ ناقَتَه أي تركها مع ولدها.
ملاحظات
أجاد الراغب في تدوين هذه المادة، ولم أجد ما ينبغي إضافته، أو التنبيه عليه. ولعلها أدق ما كتبه.
بَسَقَ
قالالله عز وجل: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ «ق:10» أي طويلات.
والباسق: هو الذاهب طولاً من جهة الإرتفاع ومنه: بَسَقَ فلان على أصحابه: علاهم.
وبَسَقَ وبصق أصله بزق. وبَسَقَتِ الناقة: وقع في ضرعها لِبَاء قليل كالبساق، وليس من الأول.
ملاحظات
إبدال الحروف المتقاربة شائع في لغة العرب، ومنه إبدال بزق وبصق ببسق. وقد تصور بعضهم أن بسقت المرأة والناقة والشاة بمعنى حملت، فقال إن معنى باسقات حاملات، وهو اشتباه لأن الباسق المرتفع في السماء طولاً باستقامة.
وبَسَقَتِ الأنثى: درت لبناً قبل الولادة، كأنها بصقت. قال ابن فارس «1/247»: «المبساق التي تدر قبل نتاجها».
بَسَلَ
البَسْلُ: ضم الشئ ومنعه. ولتضمنه لمعنى الضم استعير لتقطيب الوجه، فقيل هو بَاسِل ومُبْتَسِل الوجه. ولتضمنه لمعنى المنع قيل للمحرم والمرتهن: بَسْلٌ.
وقوله تعالى: وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ «الأنعام:70» أي تحرم الثواب.
والفرق بين الحرام والبَسْل: أن الحرام عامٌّ فيما كان ممنوعاً منه بالحكم والقهر، والبسل هو الممنوع منه بالقهر، قال عز وجل: أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا «الأنعام:70» أي حرموا الثواب. وفسر بالإرتهان لقوله: كل نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ «المدثر:38».
قال الشاعر: وإبْسَالي بَنِيَّ بغير جُرْمٍ
وقال آخر: فإن تَقْوَيَا منهم فَإنَّهُمُ بُسْلُ
أقوى المكان: إذا خلا. وقيل للشجاعة: البَسالة إما لما يوصف به الشجاع من عبوس وجهه، أو لكون نفسه محرماً على أقرانه لشجاعته، أو لمنعه لما تحت يده عن أعدائه. وأَبْسَلْتُ المكان: حفظته وجعلته بسلاً على من يريده.
والبُسْلَةُ: أجرة الراقي، وذلك لفظ مشتق من قول الراقي: أَبْسَلْتُ فلاناً، أي جعلته بَسَلاً، أي شجاعاً قوياً على مدافعة الشيطان أو الحيات والهوام، أو جعلته مُبْسَلاً، أي محرماً عليها.
وحكي: بَسَّلْتُ الحنظل: طيبته، فإن يكن ذلك صحيحاً فمعناه: أزلت بَسَالَتَه، أي شدته، أو بَسْلَهُ أي تحريمه، وهو ما فيه من المرارة الجارية مجرى كونه محرماً.
وبَسَلْ: في معنى أجَلْ، وبَسَّ.
ملاحظات
استعمل القرآن البَسْل في الآيتين المذكورتين فقط.
والرهين: المحبوس بما كسب، والمُبْسَل محبوسٌ بما كسب، والفرق بينهما أن المحبوس المبسل ممنوع من التقدم لأن الإبسال منع من خير أو تقدُّم، والرهينة محبوس عن الحركة. والمحبوس المبسل لا استثناء فيه، والمحبوس الرهينة يستثنى منه أصحاب اليمين، قال تعالى: كل نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ. وهو استثناء ملفتٌ لفئة لها أعمال سيئة، لكنها لا ترتهن بها!
وقد تحير فيهم المفسرون وقال بعضهم إنهم أطفال المسلمين «الحاكم:2/507» لكن أطفال المسلمين لاذنوب لهم ليستحقوا أن يُبسلوا بها!
وفسرهم بعضهم بقوم صالحين. وقال بعضهم الملائكة! «الطبري:29/206». وقال الإمام الباقر عليه السلام :«نحن وشيعتنا أصحاب اليمين». «الكافي:1/434، وشرح الأخبار:3/455». وصدق عليه السلام لأنه لا يصح تفسيرها بغير ذلك.
بَسَمَ
قال تعالى: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها. «النمل:19».
بَشَرَ
البَشَرَة: ظاهر الجلد، والأدمة: باطنه، كذا قال عامة الأدباء، وقال أبو زيد بعكس ذلك، وغلَّطه أبو العباس وغيره. وجمعها بَشَرٌ وأَبْشَارٌ.
وعُبِّر عن الإنسان بالبَشَر اعتباراً بظهور جلده من الشعر، بخلاف الحيوانات التي عليها الصوف أو الشعر أو الوبر. واستوى في لفظ البشر الواحد والجمع. وثُنِّيَ فقال تعالى: أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ «المؤمنون:47». وخصَّ في القرآن كل موضع اعتبر من الإنسان جثته وظاهره، بلفظ البشر، نحو: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً «الفرقان:54» وقال عز وجل: إني خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ «ص:71».
ولما أراد الكفار الغض من الأنبياء اعتبروا ذلك فقالوا: إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ «المدثر:25» وقال تعالى: أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ «القمر:24» ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا «يس:15» أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا «المؤمنون47» فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا «التغابن:6» وعلى هذا قال: إنما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ «الكهف:110» تنبيهاً على أن الناس يتساوون في البشرية، وإنما يتفاضلون بما يختصون به من المعارف الجليلة والأعمال الجميلة، ولذلك قال بعده: يُوحى إِلَيَّ «الكهف :110» تنبيهاً [على] أني بذلك تميزت عنكم.
وقال تعالى: لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ «مريم:20»فخصَّ لفظ البشر. وقوله: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا «مريم : 17» فعبارة عن الملائكة، ونبه [على] أنه تشبه لها وتراءى لها بصورة بشر.
وقوله تعالى: مَا هَذَا بَشَراً «يوسف:31» فإعظام له وإجلال، وأنه أشرف وأكرم من أن يكون جوهره جوهر البشر.
وبَشَرْتُ الأديم: أصبت بشرته، نحو أنِفْتُهُ ورَجَلْتُهُ، ومنه: بَشَرَ الجرادُ الأرضَ إذا أكلها.
والمباشرة: الإفضاء بالبشرتين، وكنيَ بها عن الجماع في قوله: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ «البقرة:187» وقال تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ «البقرة:187».
وفلان مُؤْدَم مُبْشَر: أصله من قولهم: أَبْشَرَهُالله وآدمه، أي جعل له بشرة وأدمة محمودة، ثم عبر بذلك عن الكامل الذي يجمع بين الفضيلتين الظاهرة والباطنة. وقيل معناه: جمع لين الأدمة وخشونة البشرة.
وأَبْشَرْتُ الرجل وبَشَّرْتُهُ وبَشَرْتُهُ: أخبرته بسارٍّ بسط بشرة وجهه، وذلك أن النفس إذا سُرَّتْ انتشر الدم فيها انتشار الماء في الشجر، وبين هذه الألفاظ فروق، فإن بشرته عام، وأبشرته نحو: أحمدته، وبشرته على التكثير.
وأبَشَرَ: يكون لازماً ومتعدياً، يقال: بَشَرْتُهُ فَأَبْشَرَ، أي اسْتَبْشَرَ، وأَبْشَرْتُهُ. وقرئ: يُبَشِّرُكَ «آل عمران:39» ويُبْشِرُكَ ويَبْشُرُكَ، قالالله عز وجل: لا تَوْجَلْ إنا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ. وقالَ: أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحق «الحجر:53».
واستبشر: إذا وجد ما يبشره من الفرح، قال تعالى: وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ «آل عمران:170» يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَالله وَفَضْلٍ «آل عمران:171» وقال تعالى:
وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ «الحجر:67».
ويقال للخبر السار: البِشارة والبُشْرَى، قال تعالى: لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ «يونس:64» وقال تعالى: لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ «الفرقان:22» وَلما جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى «هود:69» يا بُشْرى هذا غُلامٌ «يوسف:19» وَما جَعَلَهُالله إِلَّا بُشْرى «الأنفال:10».
والبشير: المُبَشِّر، قال تعالى: فَلما أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً «يوسف:96» فَبَشِّرْ عِبادِ «الزمر:17» وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ «الروم:46» أي تبشر بالمطر.
وقال صلى الله عليه وآله : انقطع الوحي ولم يبق إلا المُبَشِّرَات وهي الرؤيا الصالحة، يراها المؤمن أو ترى له.
وقال تعالى: فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ «يس:11» وقال: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ «آل عمران:21» بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأن لَهُمْ «النساء:138» وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ «التوبة:3»فاستعارة ذلك تنبيهٌ [على] أن أسرَّ ما يسمعونه الخبر بما ينالهم من العذاب، وذلك نحو قول الشاعر: تحيَّةُ بينِهم ضربٌ وجيعُ
ويصح أن يكون على ذلك قوله تعالى: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإن مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ «إبراهيم:30».
وقال عز وجل: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ «الزخرف:17».
ويقال: أَبشرَ، أي وجد بشارة، نحو: أبقل وأمحل، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ «فصلت:30».
وأبشرت الأرض: حَسُنَ طلوع نبتها، ومنه قول ابن مسعود: من أحبَّ القرآن فليَبْشُر. أي فليسر. قال الفرّاء: إذا ثُقِّل فمن البشرى، وإذا خُفِّف فمن السرور. يقال: بَشَرْتُهُ فَبَشَرَ، نحو: جبرته فجبر، وقال سيبويه: فَأَبْشَرَ، قال ابن قتيبة: هو من بشرت الأديم، إذا رققت وجهه، قال: ومعناه فليضمِّر نفسه، كما روي: إن وراءنا عقبة لا يقطعها إلا الضُّمَّر من الرجال. وعلى الأول قول الشاعر:
فَأَعِنْهُمُ وأَبْشِرْ بما بَشَرُوا
به وإذا هُمْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانزلِ
وتَبَاشِير الوجه وبِشْرُهُ: ما يبدو من سروره، وتباشير الصبح: ما يبدو من أوائله. وتباشير النخيل: ما يبدو من رطبه، ويسمى ما يعطى المبشر: بُشْرَى وبشَارَة.
ملاحظات
1. جعل اللغويون البشارة مشتقة من البشرة، لأنها توجب السرور الذي يظهر على الوجه والبشرة. «المقاييس:1/251» وهذا من ميلهم الى توحيد جذره. وقد تكون من أصلين: البشرة والبشارة. وقد استعملهما القرآن بشكل واسع في عشرات الآيات فعبر بالبَشَر عن آدم والرسل والإنسان، وبالبشارة عن بشاراتالله تعالى وسمى الأنبياء عليهم السلام مبشرين، وسمى رسوله صلى الله عليه وآله بشيراً للناس.
وبشر المحسنين والمؤمنين والمسلمين، ووصفهم بالمستبشرين بنعمالله تعالى في الدنيا وبالجنة. وجعل لهم البشرى لنجاتهم من عبادة الطاغوت. ووصف الرياح بأنها مبشرات بالمطر والخير. . الخ.
2. في نسخ المفردات: بَشَرَ الجَرَادُ الأرضَ، إذا أكلته، والصحيح أكلها. قال ابن منظور:«4/60»: «بَشَرَ الجرادُ الأَرضَ يَبْشُرُها، بَشراً: قَشَرَها وأَكل ما عليها، كأَن ظاهر الأَرض بَشَرَتُها».
بَصَرَ
البَصَر: يقال للجارحة الناظرة نحو قوله تعالى: كَلَمْحِ الْبَصَرِ «النحل:77» وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ «الأحزاب:10» وللقوة التي فيها. ويقال لقوة القلب المدركة: بَصِيرَة وبَصَر، نحو قوله تعالى: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ «ق:22».
وقال: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى «النجم:17».
وجمع البصر: أَبْصَار، وجمع البصيرة: بَصَائِر، قال تعالى: فَمَا أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ «الأحقاف:26» .
ولايكاد يقال للجارحة بصيرة، ويقال من الأول: أبصرتُ، ومن الثاني: أبصرتُه وبصرتُ به. وقلما يقال بصرتُ في الحاسة، إذا لم تضامَّهُ رؤية القلب.
وقال تعالى في الأبصار: لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ«مريم:42» وقال: رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا «السجدة:12» وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ «يونس:43» وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ «الصافات:179» بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ «طه:96» ومنه: أَدْعُوا إِلَىالله عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي «يوسف:108» أي على معرفة وتحقق.
وقوله: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. «القيامة:14» أي بصيرة تبصره، فتشهد له وعليه يوم القيامة، كما قال تعالى: تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ «النور:24».
والضرير: يقال له بصير على سبيل العكس، والأولى أن ذلك يقال لما له من قوة بصيرة القلب لا لما قالوه، ولهذا لا يقال له: مبصر وباصر.
وقوله عز وجل: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِك الْأَبْصارَ «الأنعام:103»حمله كثير من المفسرين على الجارحة.
وقيل: ذلك إشارة إلى ذلك وإلى الأوهام والأفهام، كما قال أمير المؤمنين رضي الله عنه: التوحيد أن لا تتوهمه. وقال: كل ما أدركته فهو غيره.
والبَاصِرَة: عبارة عن الجارحة الناظرة، يقال: رأيته لمحاً باصراً، أي نظراً بتحديق، قال عز وجل: فَلما اءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً «النمل:13» وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً«الإسراء:12» أي مضيئة للأبصار. وكذلك قوله عز وجل: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً «الإسراء:59» .
وقيل: معناه صار أهله بُصَراء نحو قولهم: رجل مخبث ومضعف، أي أهله خبثاء وضعفاء.
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ «القصص:43» أي جعلناها عبرة لهم.
وقوله: وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ «الصافات:179» أي أنظر حتى ترى ويرون.
وقوله عز وجل: وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ «العنكبوت:38» أي طالبين للبصيرة.
ويصح أن يستعار الإسْتِبْصَار للإِبْصَار، نحو استعارة الإستجابة للإجابة.
وقوله عز وجل: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كل زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً «ق:7» أي تبصيراً وتبياناً. يقال: بَصَّرْتُهُ تبصيراً وتبصرةً، كما يقال: قدمته تقديماً وتقدمة، وذكرته تذكيراً وتذكرة، قال تعالى: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ «المعارج:10» أي يجعلون بصراء بآثارهم. يقال: بصَّرَ الجرو: تعرض للإبصار لفتحه العين.
والبَصْرَة: حجارة رَخْوَةٌ تلمع كأنها تبصر، أو سميت بذلك لأن لها ضوءً تُبْصَرُ به من بعد. ويقال له بِصْرٌ.
والبَصِيرَة: قطعة من الدم تلمع. والترس اللامع. والبُصْرُ: الناحية. والبَصِيرَةُ ما بين شقتي الثوب، والمزادة ونحوها التي يبصر منها. ثم يقال: بصرتُ الثوبَ والأديمَ: إذا خطت ذلك الموضع منه.
ملاحظات
1. جعل الراغب بَصَرَ أربعة أصول. بمعنى العين الباصرة، والقوة الباصرة، والحجارة الرخوة، وقطعة الدم. وجعلها ابن فارس أصلين، بمعنى العِلْم الناتج من البصر المادي أو المعنوي، وقطعة الدم التي تقع فتستدير. وقال الخليل: «البصرة: أرض حجارتها جص ، وهكذا أرض البصرة». «العين:7/119».
2. استعمل القرآن البصر بالمعنيين المادي والمعنوي في عشرات الآيات. لبصر العين مقابل العمى، ولبصر القلب والعقل، ومقابله العمى أيضاً: فَإنهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ. «الحج:46».
وذكَّر الناس بنعمة البصر: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. «النحل:78».
وذكَّرَ بمسؤولية الإنسان: إن السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كل أُولَئِكَ كَأن عَنْهُ مَسْئُولاً. «الإسراء:36» وأمر المؤمنين والمؤمنات بالغض من أبصارهم لئلا يقعوا في الفتنة.
وذكر آفات البصر، وأن الإنسان قد يستحق أن يُذهبالله بصره ويعميه، أو يجعل عليه غشاوة، أو يُقَلِّبُه، أو يطبع عليه.
وذكر إصابة العين وأن المشركين حاولوا أن يصيبوا النبي صلى الله عليه وآله بها فيزلقونه بأبصارهم. وأن البرق يكاد يذهب بالبصر. وأن البصر يزيغ عند الخوف. ويبرق عند الموت. وأنه بعد الموت يحيا فيكون نافذاً حديداً. وفي مشاهد يوم القيامة شاخصاً خاشعاً. ويومها يشهد على صاحبه.
واستعمل البصر بصيغة الأمر لازماً، قال أَبْصِرْ به، ومتعدياً: أَبْصِرْهُمْ، وأفعل تعجب: أبْصِرْ به وأسْمِع. أسْمِعْ بهم وأبْصِرْ.
والبصير: من أسماءالله الحسنى، فهو عز وجل بصير بما تعملون، وبصير بالعباد، وسميع بصير، وخبير بصير، وبكل شئ بصير ، وبذنوب عباده خبيراً بصيراً.
وبصر العين عاجز عن رؤيةالله عز وجل، لأنه يدرك الجسم الذي ينعكس عليه الضوء، والله تعالى فوق المادة وإنما تراه العقول والقلوب. لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ. «الأنعام:102».
والنبي صلى الله عليه وآله ومن معه على بصيرة من ربه، والأنبياء عليهم السلام أولوا الأيدي والأبصار: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِى وَالأَبْصَارِ. «صاد:45».
ونظم الخلق ونعمة إنبات النبات، فيه تبصرة لكل عبد منيب. والدين والوحي بصائر. والإنسان على نفسه بصيرة: خبيرٌ بها. والنهار مبصرٌ، وآيةٌ مبصرة. وآية الناقة لثمود وآيات موسى لفرعون، كلها مبصرة.
ومدح القرآن أولي الأبصار، أي العقول التي تعتبر، فقال عن معركة بدر: وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إن فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ. «آل عمران:13» وقال عن معركة بني قريظة: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ. «الحشر:2».
وبَيَّنَ عز وجل سرعة البصر: وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ. «النحل:77».
بَصَل
البَصَلُ: معروف في قوله عز وجل: وَعَدَسِها وَبَصَلِها «البقرة:61». وبيضة الحديد بصلٌ، تشبيهاً به لقول الشاعر:
وتركاً كالبصل
ملاحظات
البيت الذي استشهد به الراغب، للشاعر لبيد، يصف كتيبة مدرعة فيقول:
فَخْمَةٌ دَفْرَاءُ تُرْتَى بِالْعُرَى
قَرْدَمَانِيًاً وَتَرْكاً كَالْبَصَلْ
أي: يغيثون المستغيث بهم بكتيبة فخمة، على خيول نجيبة، يشد فرسانها ذيول دروعهم القردمانية الخشنة الطويلة، بالعرى الى أوساطهم، وعلى رؤوسهم خوذ كبيض
النعام وكالبصل. «العين:5/338، وشرح أدب الكاتب/340».
بَضَعَ
البِضَاعَة: قطعة وافرة من المال تقتنى للتجارة يقال: أَبْضَعَ بِضَاعَة وابْتَضَعَهَا. قال تعالى: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا «يوسف:65» وقال تعالى: بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ «يوسف:88».
والأصل في هذه الكلمة: البَضْعُ وهو جملة من اللحم تُبْضَعُ، أي تقطع، يقال: بَضَعْتُهُ فَابْتَضَعَ وتَبَضَّعَ، كقولك: قطعته وقطعته فانقطع وتقطع. والمِبْضَع: مايبضع به نحو المقطع.
وكُنِّيَ بالبِضْعِ عن الفرج فقيل: ملكتُ بضعها، أي تزوجتها. وبَاضَعَهَا بِضَاعاً، أي باشرها، وفلان: حَسَنُ البَضْع والبَضِيعِ والبَضْعَة. والبضاعة: عبارة عن الثَّمن.
وقيل للجزيرة المنقطعة عن البر: بَضِيع.
وفلان بَضْعَة مني، أي جارٍ مجرى بعض جسدي لقربه مني.
والبَاضِعَة: الشجَّة التي تبضع اللحم. والبِضع بالكسر: المنقطع من العشرة، ويقال ذلك لما بين الثلاث إلى العشرة وقيل: بل هو فوق الخمس ودون العشرة. قال تعالى: بِضْعَ سِنِينَ «الروم:4».
ملاحظات
لا يشترط في البضاعة أن تكون: «قطعة وافرة من المال، تُقْتَنى للتجارة». بل هي كما قال الخليل «1/286»: «البضاعة: ما أبضعت للبيع كائناً ما كان». ويؤيده قوله تعالى: وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ. أي غير مرغوبة، أو قليلة «التبيان:6/186». وقد يقتني الشئ للتملك أو الإستهلاك، ثم يتاجر به.
بَطَرَ
البَطَر: دَهَشٌ يعتري الإنسان من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها، وصرفها إلى غير وجهها.
قال عز وجل: بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ «الأنفال:47» وقال: بَطِرَتْ مَعِيشَتَها «القصص:58» أصله بطرت معيشتُها، فصُرِف عنه الفعل ونُصِبَ.
ويقارب البطر الطرب: وهو خفةٌ أكثر ما تعتري من الفرح، وقد يقال ذلك في الترح. والبيطرة: معالجة الدابة.
ملاحظات
1. تبع الراغب الخليل فلم يبين مصدر اشتقاق البطر، وجعله إسماً لحالة الدهش من النعمة. وكان الخليل أدق منه حيث قال: «7/422»: «البطر: في معنى كالحيرة والدهش، يقال: لايبطرن جهل فلان حلمك، أي لا يدهشك. وفي معنى كالأشَر وغمط النعمة، يقال: بطر فلان نعمةالله، أي كأنه مرح حتى جاوز الشكر فتركه وراءه». فهو حالة سكر وهوج من النعمة، تشبه الدَّهَش، وليست نفس الدهش.
وجعله ابن فارس «1/262»: «تجاوُزُ الحد في المرح» ومال الى أنه مشتق من البيطرة بمعنى الشق! لكنه بعيد، فالظاهر أنها أصلٌ مستقلٌّ.
2. ورد البطر في آيتين: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ «الأنفال:47» فوصف به قريشاً لما خرجت الى حرب النبي صلى الله عليه وآله بطراً للسمعة.
وقال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا. «القصص:58». أي بطر أهلها.
قال الراغب: «أصله: بطرت معيشتُها فصُرِف عنه الفعل ونُصِبَ» وقال في سَفِه نحوه. فهو يرى أن بَطِر وسَفَه فعلان لازمان، لكنهما في القرآن متعديان.
بَطَشَ
البَطْشُ: تناول الشئ بصولة، قال تعالى: وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ «الشعراء:130» يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى «الدخان:16» وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا «القمر:36» إن بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ «البروج:12» يقال: يد بَاطِشَة.
ملاحظات
1. استعمل القرآن مادة بطش في تسع آيات. والبطش يكون خفيفاً وشديداً، ولذا قال تعالى: إن بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ. أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً. واليد مظهر البطش: أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا. وبطشالله: عذابه لأعدائه في الدنيا: وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ.
والبطشة الكبرى في القيامة: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إنا مُنْتَقِمُونَ.
2. أخذ الراغب تعريف البطش من الخليل، لكن لم يلتفت الى دقة عبارته. قال الخليل «6/240»: «البطش: التناول عند الصولة. والأخذ الشديد في كل شئ بطشٌ به. والله ذو البطش الشديد، أي ذو البأس والأخذ لأعدائه». وأدق منهما قول ابن فارس «1/262»: «وهو أخذ الشئ بقهر وغلبة وقوة».
بَطَلَ
البَاطِل: نقيض الحق، وهو ما لاثبات له عند الفحص عنه، قال تعالى: ذلِكَ بأنالله هُوَ الْحق وَإن ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ «الحج:62».
وقد يقال ذلك في الإعتبار إلى المقال والفعال، يقال: بَطَلَ بُطُولًا وبُطْلًا وبُطْلَاناً وأَبْطَلَهُ غيره. قال عز وجل: وَبَطَلَ ماكانُوا يَعْمَلُونَ«الأعراف:118».
وقال تعالى: لِمَ تَلْبِسُونَ الْحق بِالْباطِلِ«آل عمران:71».
ويقال للمستقل عما يعود بنفع دنيوي أو أخروي: بَطَّال، وهو ذو بِطَالَةٍ بالكسر.
وبَطَلَ دمه: إذا قتل ولم يحصل له ثأر ولا دية، وقيل للشجاع المتعرض للموت: بَطَل، تصوراً لبطلان دمه، كما قال الشاعر: فقلت لها لا تَنْكَحِيهِ فإنهُ
لأولِ بُطْلٍ إن يلاقي مُجَمَّعَا
فيكون فُعْلاً بمعنى مفعول، أو لأنه يبطل دم المتعرض له بسوء، والأول أقرب.
وقد بَطُلَ الرجل بُطُولَة: صار بَطَلًا، وبُطِلَ: نسب إلى البَطَالة، ويقال: ذهب دمه بُطْلاً أي هدراً. والإِبطال: يقال في إفساد الشئ وإزالته حقاً كان ذلك الشئ أو باطلاً، قالالله تعالى: لِيُحق الْحق وَيُبْطِلَ الْباطِلَ «الأنفال:8».
وقد يقال فيمن يقول شيئاً لاحقيقة له، نحو: وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ «الروم:58».
وقوله تعالى: وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ «غافر:78» أي الذين يبطلون الحق.
ملاحظات
1. أخذ الراغب تعريف الباطل من الخليل «7/431» لكن تعريف ابن فارس أدق، قال «1/259»: «وهو ذهاب الشئ وقلة مكثه ولبثه. يقال بطل الشئ يبطل بطلاً وبطولاً. وسُمِّيَ الشيطان الباطل لأنه لا حقيقة لأفعاله، وكل شئ منه فلا مرجوع له ولا معول عليه».
فقد جعل الباطل أمراً وجودياً، بينما جعله الراغب والخليل عدمياً، والصحيح أنه أعم، تقول: هذا باطل لا وجود له. وقال زهير بن أبي سلمى:
ألَا كُلُّ شئٍ مَا خَلَااللهَ بَاطِلُ
فغيرالله موجود لكنه زائل، قليل مكثه ولبثه.
2. قال اللغويون إن البَطَل مشتق من الباطل لأنه يُبطل جراحه ولا يكترث بها، أو لأنه يعرض نفسه للتلف والبطلان، أو لأنه يُبطل دم غيره. وربما كانت تسميته لأنه يريد أن يُبطل دَمَ غيره. وقد يكون أصلاً مستقلاً.
3. استعمل القرآن مفردات مادة بَطَلَ في أكثر من ثلاثين آية، ولم يستعملها بمعنى الرجل البطل. وأبرز المعاني التي استعملها فيها:
أن ما يدعوه الناس من دونالله، من آلهة، أو شركاء، أو زعماء، باطلٌ ليس لها وجود حقيقي: ذَلِكَ بِأناللهَ هُوَالْحق وَأن مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأناللهَ هُوَالْعَلِي الْكَبِيرُ «الحج:62».
أن ما يعادي الإسلام باطل: قُلْ جَاءَ الْحق وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ «سبأ:49».
وأن خلقالله تعالى حق ليس فيه باطل، لافي تكوينه ولا في هدفه: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا.
والقرآن حق كله: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
من يكفر بنعمالله يؤمن بالباطل: أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِاللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ.
والباطل ضعيفٌ مهما بدا قوياً: وَقُلْ جَاءَ الْحق وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إن الْبَاطِلَ كَأن زَهُوقًا.
وأتباع الباطل مثله ضعفاء وخاسرون: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ.
وحذرالله تعالى من خلط الحق بالباطل: وَلا تَلْبِسُوا الْحق بِالْبَاطِلِ.
ونهى عن الحيل المالية لأكل المال بالباطل: وَلا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ.
وحذر من الأعمال التي تبطل العمل: لاتُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى.
وقال في عمل السَحَرَة: قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إناللهَ سَيُبْطِلُهُ.
وتعجب من وصف الكفار آياتالله بالباطل: وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُبْطِلُونَ.
بَطَنَ
أصل البَطْن: الجارحة، وجمعه بُطُون، قال تعالى: وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ «النجم:32»
وقد بَطَنْتُهُ: أصبت بطنه.
والبَطْن: خلاف الظهر في كل شئ، ويقال للجهة السفلى بَطْنٌ وللجهة العليا ظهر، وبه شُبِّهَ بطن الأمر، وبطن الوادي.
والبطن من العرب: اعتباراً بأنهم كشخص واحد ، وأن كل قبيلة منهم كعضو: بطن وفخذ وكاهل.
وعلى هذا الإعتبار قال الشاعر:
النّاس جِسْمٌ وإمامُ الهُدَى
رأسٌ وأنتَ العينُ في الرأسِ
ويقال لكل غامض بطن، ولكل ظاهر ظهر. ومنه: بُطْنَان القِدْرِ وظَهْرَانُها.
ويقال لما تدركه الحاسة: ظاهر، ولما يخفى عنها: باطن. قال عز وجل: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ «الأنعام:120» ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ «الأنعام:151».
والبَطِين: العظيم البطن، والبَطِنُ: الكثير الأكل، والمِبْطَان: الذي يكثر الأكل حتى يعظم بطنه.
والبِطْنَة: كثرة الأكل، وقيل: البطنة تُذهب الفطنة. وقد بَطِنَ الرجل بَطَناً: إذا أَشِرَ من الشبع ومن كثرة الأكل. وقد بَطِنَ الرجل: عظم بطنه، ومُبَطن: خميص البطن، وبَطَنَ الإنسان: أصيب بطنه، ومنه: رجل مَبْطُون: عليل البطن.
والبِطانَة: خلاف الظهارة، وبَطنْتُ ثوبي بآخر: جعلته تحته. وقد بَطَنَ فلان بفلان بُطُوناً.
وتستعار البِطَانَةُ لمن تختصه بالإطلاع على باطن أمرك، قال عز وجل: لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ «آل عمران:118» أي مختصاً بكم يستبطن أموركم، وذلك استعارة من بطانة الثوب، بدلالة قولهم: لبست فلاناً إذا اختصصته، وفلان شعاري ودثاري.
وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: ما بعثالله من نبيٍّ ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضُّه عليه، وبطانة تأمره بالشرِّ وتحثُّه عليه.
والبِطان: حِزَامٌ يشد على البطن، وجمعه: أَبْطِنَة وبُطُن. والأَبْطَنَان: عرقان يمرَّان على البطن. والبُطين: نجم هو بطن الحمل. والتَبَطن: دخول في باطن الأمر.
والظاهر والباطن في صفاتالله تعالى: لا يقالان إلا مزدوجين، كالأول والآخر، فالظاهر قيل: إشارة إلى معرفتنا البديهية، فإن الفطرة تقتضي في كل ما نظر إليه الإنسان أنه تعالى موجود، كما قال: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ «الزخرف:84» ولذلك قال بعض الحكماء: مثل طالب معرفته مثل من طوف في الآفاق في طلب ما هو معه.
والبَاطِن: إشارة إلى معرفته الحقيقية، وهي التي أشار إليها أبو بكر رضي الله عنه بقوله: يا من غاية معرفته القصور عن معرفته.
وقيل: ظاهر بآياته باطن بذاته، وقيل: ظاهر بأنه محيط بالأشياء مدرك لها، باطن من أن يحاط به، كما قال عز وجل: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ «الأنعام:103». وقد روي عن أمير المؤمنين رضي الله عنه ما دل على تفسير اللفظتين حيث قال: تجلى لعباده من غير أن رأوه، وأراهم نفسه من غير أن تجلى لهم. ومعرفة ذلك تحتاج إلى فهم ثاقب وعقل وافر.
وقوله تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً «لقمان:20» قيل الظاهرة النبوة الباطنة بالعقل، وقيل الظاهرة المحسوسات، والباطنة: المعقولات. وقيل: الظاهرة النصرة على الأعداء بالناس، والباطنة النصرة بالملائكة. وكل ذلك يدخل في عموم الآية.
ملاحظات
1. أطال الراغب في تفسير الظاهر والباطن، بسبب مشربه الصوفي، ولم يستوفِ استعمالاته في القرآن. وليته نقل تعريف الخليل له «1/241» أو ابن فارس «1/259» فهو أدق من كلامه.
2. استعمل القرآن مادة بَطَنَ أكثر من عشرين مرة، منها: أنه سبحانه هو الظاهر والباطن: هُوَالأَوَلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَئٍْ عَلِيمٌ. وفسره ابن فارس بعلمه عز وجل بالظاهر والباطن. ولم يفسره بذاته أو أفعاله.
ومنها: التذكير بنعمالله تعالى على الناس وتغذيتهم من بطون الأنعام والنحل: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا. نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ.
ومنها: النعم. وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً.
ومنها: الحُجج الظاهرة والباطنة. قال الإمام الكاظم عليه السلام : «يا هشام، إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة عليهم السلام ، وأما الباطنة فالعقول». «الكافي:1/16».
ومنها: الفواحش الظاهرة والباطنة : وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. وَذَرُوا ظَاهِرَ الإثْمِ وَبَاطِنَهُ.
ومنها: نعمته علينا بخلقنا في بطون أمهاتنا: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتُكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ.
وقال تعالى عن مريم عليها السلام : إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا.
والحيوانات التي تمشي على بطونها: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ.
وانتقد الذين يشرعون في الأنعام من عندهم: وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا.
ووصف الذين يأكلون النار في بطونهم: إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا. أُولَئِكَ مَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ.
وأخبرعن نوع من أهل النار: لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَإِنَّهُمْ لاكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ.
وقال عن يونس عليه السلام : فَلَوْلا أَنَّهُ كَأن مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
بِطْؤٌ
البُطْؤُ: تأخر الإنبعاث في السير، يقال: بَطُؤَ وتَبَاطَأَ واسْتَبْطَأَ وأَبْطَأَ. فَبَطُؤَ إذا تخصص بالبطؤ، وتَبَاطَأَ: تحرى وتكلف ذلك، واستبطأ: طلبه، وأَبْطَأَ: صار ذا بُطْؤٍ. ويقال: بَطأَهُ وأَبْطَأَهُ.
وقوله تعالى: وَإن مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ «النساء:72» أي يثبط غيره. وقيل: يكثرهوالتثبط في نفسه. والمقصد من ذلك إن منكم من يتأخر ويؤخر غيره.
ملاحظات
وردت هذه المادة في آية واحدة: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً. «النساء:71».
قال الإمام الصادق عليه السلام :«لو أن هذه الكلمة قالها أهل المشرق وأهل المغرب لكانوا بها خارجين من الإيمان، ولكن قد سماهمالله مؤمنين بإقرارهم»! «تفسير القمي:1/30».
فبَطَّأَ في الآية فعلٌ متعدٍّ، بمعنى ثبَّط غيره.
ومعنى قول الراغب: بطؤ: إذا تخصص بالبطؤ أي بَطُؤَ هو. وقوله: أبطأ: صار ذا بطؤ. لا يصح، بل معناه: تأخر هو أو الفعل المنتظر منه.
بِظْر
قرئ في بعض القراءات: والله أخرجكم من بُظُور أمّهاتكم. وذلك جمع البَظَارَة، وهي اللحمة المتدلية من ضرع الشاة، والهنة الناتئة من الشفة العليا، فعبر بها عن الهن، كما عبر عنه بالبضع.
ملاحظات
العجب من سليقة الراغب كيف قبل قراءة شاذة لم يقبلها أحد، وجعلها عنواناً.
وفي المقابل ترك العديد من ألفاظ القرآن، أو فاتته!
بَعْث
أصل البَعْث: إثارة الشئ وتوجيهه، يقال: بَعَثْتُهُ فَانْبَعَثَ. ويختلف البعث بحسب اختلاف ما عُلِّق به، فَبَعَثْتُ البعير: أثرته وسيَّرته، وقوله عز وجل: وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُاللهُ «الأنعام:36» أي يخرجهم ويسيرهم إلى القيامة. يَوْمَ يَبْعَثُهُمُالله جَمِيعاً «المجادلة:6» زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ «التغابن:7» ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ «لقمان:28».
فالبعث ضربان: بشريٌّ كبعث البعير، وبعث الإنسان في حاجة. وإلهيٌّ، وذلك ضربان: أحدهما: إيجاد الأعيان والأجناس والأنواع لا عن ليس، وذلك يختص به الباري تعالى ولا يقدر عليه أحد. والثاني: إحياء الموتى، وقد خص بذلك بعض أوليائه كعيسى عليه السلام وأمثاله ومنه قوله عز وجل: فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ «الروم:56» يعني: يوم الحشر. وقوله عز وجل: فَبَعَثَالله غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ «المائدة:31» أي قيَّضه. وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كل أُمَّةٍ رَسُولًا «النحل:36» نحو: أَرْسَلْنا رُسُلَنا «المؤمنون:44».
وقوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً «الكهف:12» وذلك إثارة بلا توجيه إلى مكان.
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كل أُمَّةٍ شَهِيداً «النحل:84» قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ «الأنعام:65» وقال عز وجل: فَأَماتَهُالله مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ «البقرة:259». وعلى هذا قوله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ «الأنعام:60». والنوم من جنس الموت فجعل التوفي فيهما، والبعث منهما سواء.
وقوله عز وجل: وَلكِنْ كَرِهَالله انْبِعاثَهُمْ «التوبة :46» أي تَوَجَّهَهُم ومُضِيَّهُم.
ملاحظات
1. اختار الراغب قول ابن فارس«1/266»: بأن أصل البعث الإثارة كبعث الناقة وإنهاضها. وفسره بعضهم بالإرسال فقط، وقد يتضمن هذا أو ذاك.
2. ورد البعث بمعنى الإحياء في الدنيا، في أصحاب موسى عليه السلام : فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. «البقرة:56».
وقال عن عزير: فَأَمَاتَهُاللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ. «البقرة:259»
وعن أهل الكهف: ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَىُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا. «الكهف:12».
وعن بعث الناس من النوم: وَهُوَالَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ. «الأنعام:60».
وعن إحياء أنصار المهدي عليه السلام :وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُاللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حقا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. «النحل:38».
فهو بعث بحضور مسلمين يحلفون بالله تعالى جهد أيمانهم، لايبعثالله في الدنيا من يموت.
3. ورد البعث بمعنى إرسال غير الأنبياء عليهم السلام كإرسال طالوت ملكاً لبني إسرائيل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِىٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِاللهِ. وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّاللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً. «البقرة:247».
وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً. «المائدة:12».
فَبَعَثَاللهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ. «المائدة:31».
لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ «الأعراف:167».
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا. «الإسراء:5».
وعن عاقر الناقة: إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا. «الشمس:11»
بَعْثَرَ
قالالله تعالى: وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ «الإنفطار:4» أي قلب ترابها وأثير ما فيها.
ومن رأى تركيب الرباعي والخماسي من ثلاثيين نحو: تهلل وبسمل، إذا قال: لا إله إلاالله وبسمالله. يقول: إن بعثر مركب من: بعث وأثير، وهذا لا يبعد في هذا الحرف، فإن البعثرة تتضمن معنى بعث وأثير.
ملاحظات
حكم الراغب بأن بَعْثَرَ مركبة من بعث وأثار لأنه يتضمن من معنييهما، وهو مجرد احتمال.
ومعنى بَعْثَرَ الشئ في العربية نَبَشَهُ وخرَّب نظمه، يقال: بعثر حوضه أي خربه، وبعثر المتاع: فرقه وقلب بعضه على بعض. وسميت سورة براءة عند نزولها: الفاضحة والمبعثرة والبعثرة «تفسير القرطبي:8 /61» لأنها فضحت المنافقين وبعثرت أحوالهم.
وقد استعملت البعثرة في آيتين بصيغة الماضي المبني للمجهول: وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ. «الإنفطار:4» أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ. «العاديات:9».
بَعُدَ
البُعْد: ضد القرب، وليس لهما حد محدود، وإنما ذلك بحسب اعتبار المكان بغيره.
يقال ذلك في المحسوس وهو الأكثر، وفي المعقول نحو قوله تعالى: ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً «النساء:167» وقوله عز وجل: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ «فصلت:44» يقال بَعُدَ: إذا تباعد، وهو بعيد، وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ «هود:83».
وبَعِدَ: مات، والبُعْد أكثر ما يقال في الهلاك، نحو: بَعِدَتْ ثَمُودُ «هود:95». وقد قال النابغة:
[فضلاً على الناس] في الأدنى وفي البَعَدِ
والبُعَدُ: يقال فيه وفي ضد القرب، قال تعالى: فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ «المؤمنون:41» فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ «المؤمنون:44».
وقوله تعالى: بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ «سبأ:8» أي الضلال الذي يصعب الرجوع منه إلى الهدى، تشبيهاً بمن ضل عن محجة الطريق بعداً متناهياً، فلا يكاد يرجى له العود إليها.
وقوله عز وجل: وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ «هود:89» أي تقاربونهم في الضلال، فلا يبعد أن يأتيكم ما أتاهم من العذاب.
بَعْدُ: يقال في مقابلة قبلُ. ونستوفي أنواعه في باب قبلُ إن شاءالله تعالى.
ملاحظات
ورد البُعد في القرآن للبعد المكاني: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ «النمل:22» والزماني: وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ «الأنبياء:109» والمشترك بينهما: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيداً. «آل عمران:30».
والأمد: في الأصل ظرف زمان، لكنه هنا يشمل المكان بقرينة مُحْضَراً. «الفروق اللغوية/71».
واستعمل البعد لما هو بعيد التحقق: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ. «قاف:3».
وللدعاء بالهلاك: أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ. «هود:95». وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. «هود:44». أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ. «هود:60». أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ. «هود:68» فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. «المؤمنون:41» فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ. «المؤمنون:44».
واستعمل الضلال البعيد للطغيان: مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَأن فِي ضَلالٍ بَعِيد. «قاف:27».
وللتحاكم الى الطاغوت: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً. «النساء:60».
وللشرك: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا. «النساء:116».
ولبعض أنواع الكفر: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا. «النساء:136» إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِاللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيدًا. «النساء:167». يَدْعُواْ مِنْ دُونِاللهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَالضَّلالُ الْبَعِيدُ. «الحج:12». بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ «سبأ:8». أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ «الشورى:18».
ووصف به الشِّقَاق وهو الخلاف الحاد: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. «البقرة:176» وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. «الحج:53».
بَعَرَ
قال تعالى: وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ «يوسف:72»
البَعِير: معروف، ويقع على الذكر والأنثى كالإنسان في وقوعه عليهما، وجمعه أَبْعِرَة وأَبَاعِر وبُعْرَان.
والبَعْرُ: لما يسقط منه. والمِبْعَر: موضع البعر، والمِبْعَار من البَعْر: الكثير البعر.
ملاحظات
1. تقدم ذكر الإبل، وقد وردت في آيتين. ولم يرد في القرآن ذكر الجِمَال.
2. قال الخليل«2/132»: «البَعْرُ: للإبل ولكل ذي ظلف، إلا للبقر الأهلي».
وتعريف الراغب للبعر بما يسقط من البعير، ظريف، فإنه يشمل بوله ووبره وأسنانه. . الخ.
بَعْضٌ
بَعْضُ الشئ: جزءٌ منه، ويقال ذلك بمراعاة كل، ولذلك يقابل به كل فيقال بعضه وكله، وجمعه أَبْعَاض. قال عز وجل: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ «البقرة:36» وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً «الأنعام:129» وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً «العنكبوت:25».
وقد بَعَّضْتُ كذا: جعلته أبعاضاً نحو جَزَّأته. قال أبو عبيدة: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ «الزخرف:63» أي كل الذي كقول الشاعر [لبيد]:
[تَرَّاكُ أَمكِنَةٍ إذا لَمْ أَرْضها] أو يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفوسِ حِمَامُهَا
وفي قوله هذا قصور نظر منه، وذلك أن الأشياء على أربعة أضرب: ضربٌ، في بيانه مفسدة فلا يجوز لصاحب الشريعة أن يبينه، كوقت القيامة ووقت الموت.
وضربٌ: معقول يمكن للناس إدراكه من غير نبي، كمعرفةالله ومعرفته في خلق السموات والأرض، فلا يلزم صاحب الشرع أن يُبينه، ألا ترى أنه كيف أحال معرفته على العقول في نحو قوله: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «يونس:101» وبقوله: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا «الأعراف:184» وغير ذلك من الآيات.
وضربٌ: يجب عليه بيانه، كأصول الشرعيات المختصة بشرعه. وضربٌ: يمكن الوقوف عليه بما بينه صاحب الشرع، كفروع الأحكام.
وإذا اختلف الناس في أمر غير الذي يختص بالمنهي بيانه فهو مخير بين أن يُبين وبين ألا يُبين ، حسب ما يقتضي اجتهاده وحكمته.
فإذاً قوله تعالى: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ «الزخرف:63» لم يرد به كل ذلك، وهذا ظاهر لمن ألقى العصبية عن نفسه.
أما قول الشاعر: أو يرتبط بعض النفوس حمامها، فإنه يعني به نفسه والمعنى: إلا أن يتداركني الموت، لكن عَرَّضَ ولم يصرح حسب ما بُنيت عليه جِبِلَّةُ الإنسان في الإبتعاد عن ذكر موته. قال الخليل: يقال: رأيت غرباناً تَتَبَعَّضُ، أي يتناول بعضها بعضاً.
والبَعُوض بُنِيَ لفظه من بعض، وذلك لصغر جسمها بالإضافة إلى سائر الحيوانات.
ملاحظات
1. أطال الراغب بلا موجب، فنقل عن أبي عبيدة وهو من كبار أئمة اللغة توفي209 «الإعلام:7/272» أن بعض تستعمل بمعنى كل كقوله تعالى: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ. واستشهد ببيت لبيد المتقدم، وهو من معلقة لبيد الطويلة «جمهرة أشعار العرب للقرشي/129» يخاطب فيه زوجته نوار، ومطلعها:
عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّها فَمُقَامُها
بِمنىً تَأَبّدَ غَوْلُها فَرِجَامُهَا
أَوَلَمْ تَكُنْ تَدري نَوارُ بِأَنّني
وَصَّالُ عَقْدِ حَبَائلٍ جَذَّامُهَا
تَرَّاكُ أَمكِنَةٍ إذا لَمْ أَرْضَهَا
أَو يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمَامُهَا
ومعناه: ألا تعلم نوار أني أترك المكان الذي لا يرضيني، إلا أن يربط بعض الأنفس أجلها فيمنعني من الرحيل.
فاعترض الراغب على أبي عبيدة وقال إن بعض في الآية ليست بمعنى كل، لأن النبي صلى الله عليه وآله لايجب عليه بيان الكل. وكذلك قول لبيد، فقد قصد به أن الحمام قد يرتبط البعض، وعنى نفسه ولم يقصد الكل.
وكلام الراغب قوي لأن النبي صلى الله عليه وآله لا يجب عليه أن يبين كل ما يختلف فيه، فقد يكون بيانه موجباً لاختلافٍ أشد. وكذلك قول لبيد فقد قصد ببعض نفسه، ولم يقصد أن كل نفس يرتبطها أجلها وحمامها.
2. زعم أن البعوضة مشتقة من بعض ، وقَوَّاه الرازي في تفسيره «2/136» وقال البغوي في تفسيره «1/58»: «سميت بعوضة لأنها كانت بعض البق».
وهو مجرد استحسان، فيبقى البعوض أصلاً مستقلاً حتى نجد له مصدر اشتقاق مؤكد.
بَعْلٌ
البَعْلُ هو الذكر من الزوجين، قالالله عز وجل: وَهذا بَعْلِي شَيْخاً «هود:72». وجمعه بُعُولَة، نحو فحل وفحولة. قال تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحق بِرَدِّهِنَّ «البقرة:228».
ولما تُصُوِّرَ من الرجل الإستعلاء على المرأة فجُعل سائسها والقائم عليها كما قال تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ «النساء:34» سُمِّيَ باسمه كل مُسْتَعْلٍ على غيره، فسمى العرب معبودهم الذين يتقربون به إلىالله بَعْلاً، لاعتقادهم ذلك فيه في نحو قوله تعالى: أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ «الصافات:125» ويقال: أتانا بَعْلُ هذه الدابة أي المستعلي عليها. وقيل للأرض المستعلية على غيرها بَعْلٌ، ولفحل النخل بَعْلٌ تشبيهاً بالبعل من الرجال، ولِما عظم حتى يشرب بعروقه بعلٌ لاستعلائه، قال صلى الله عليه وآله : فيما سقي بَعْلاً، العشر.
ولما كانت وطأة العالي على المستولى عليه مستثقلة في النفس، قيل: أصبح فلان بَعْلًا على أهله، أي ثقيلاً لعلوِّه عليهم.
وبُنِيَ من لفظ البعل المُبَاعَلَة والبِعَال كناية عن الجماع، وبَعَلَ الرجل يَبْعَلُ بُعُولَةً، واسْتَبْعَلَ فهو بَعْلٌ ومُسْتَبْعِلٌ: إذا صار بعلاً، واستبعل النخل عَظُم.
وتُصُوِّرَ من البعل الذي هو النخل قيامه في مكانه، فقيل: بَعِلَ فلانٌ بأمره: إذا أدهش وثبت مكانه ثبوت النخل في مقرِّه، وذلك كقولهم: ما هو إلا شجر، فيمن لا يبرح.
ملاحظات
1. وردت مادة بعل في آيتين مضافاً الى الثلاث التي ذكرها الراغب: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا. «النساء:128» وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ. «النور:31».
2. جعل الراغب «بعل» أصلاً واحداً بمعنى الإستعلاء وحاول إرجاع الفروع اليه، مع أنه لفظ غير عربي ومعناه الرب والرئيس. قال في قاموس الكتاب المقدس/207: «بيل: إسم أكادي لفظه بيلو وهو يقابل الإسم العبري: بعل، وهو الإله الرئيس في بابل، وكان يعرف أيضاً باسم مردوخ «اش46:1وإرميا50:2 و51:44» وكان إله الشمس، وإله الربيع».
كما أخطأ أو تعمد الخطأ، ففسر: بَعِل الرجل باستعلى. وفسره في الفائق «1/107»: «العاجز الذي لا يهتدي لأمره». وفي تاج العروس «14/57»: «دُهِشَ وفَرِقَ وبَرِمَ وعَيِىَ. والبَعِلَةُ: التي لاتُحْسِنُ لُبسَ الثِّيابِ ولا إصلاحَ شَأنِ النَّفْسِ، وهي البَلْهاءُ».
فأي استعلاء في الجبن والعيِّ والبلَه والخبال!
وفسر قول العرب: أتانا بَعْلُ هذه الدابة بمعنى المستعلي عليها. وفسره اللغويون بمعنى ربها وصاحبها. وفسر قولهم: أصبح بَعْلًا على أهله، بالمستعلي، وفسره اللغويون بالثقيل الكَلِّ على أهله!
3. قال ابن فارس «1/264»: «بَعَلَ: أصول ثلاثة، فالأول: الصاحب يقال للزوج بعل. وكانوا يسمون بعض الأصنام بعلاً. والأصل الثاني: جنس من الحيرة والدهش يقال: بعل الرجل إذا دُهش. والأصل الثالث: البعل من الأرض المرتفعة التي لا يصيبها المطر في السنة إلا مرة واحدة». راجع:العين «2/249».
بَغْتٌ
البَغْت: مفاجأة الشئ من حيث لايحتسب. قال تعالى: لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً «الأعراف:187» وقال: بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً «الأنبياء:40» وقال: تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً «يوسف:107» ويقال: بَغَتَ كذا فهو بَاغِتٌ. قال الشاعر:
إذا بَغَتَتْ أشياءُ قد كان مثلُها
قديماً فلا تَعْتَدَّها بَغَتَاتِ
ملاحظات
1. قال ابن فارس «1/272»: «بَغَتَ، أصلٌ واحد لا يقاس عليه» أي لايفرع عليه إلا ما سمع. وقال ابن منظور «2/11»: «ويقال: لَسْتُ آمَنُ من بَغَتَاتِ العَدُوِّ أَي فَجَآتِه».
2. استعملت البغتة في القرآن لمجئ القيامة: بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ. «الأنبياء:40» وللعذاب: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً «الزمر:55».
واستعملت لظهور المهدي عليه السلام قال النّبي صلى الله عليه وآله : «مثل القائم من ولدي مثل الساعة، قالالله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ. . لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً». «كفاية الأثر/277».
وفسر بها الإمام الباقر عليه السلام الآية: أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ : يعني قيام القائم». «البصائر / 78».
وتستعمل لمجئ الموت، قال الإمام الصادق عليه السلام : «إنكم في آجال مقبوضة وأيام معدودة، والموت يأتي بغتة». «الكافى:2/458».
بُغْضٌ
البُغْض: نِفَارُ النفس عن الشئ الذي ترغب عنه، وهو ضد الحُب، فإن الحُب انجذاب النفس إلى الشئ الذي ترغب فيه. يقال: بَغُضَ الشئ بُغْضاً، وبَغَضْتُه بَغْضَاء. قالالله عز وجل: وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ. «المائدة:64» وقال: إنما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ «المائدة:91» وقوله عليه السلام : إنالله تعالى يبغض الفاحش المتفحّش. فذكر بغضه له تنبيه على بعد فيضه وتوفيق إحسانه منه.
ملاحظات
وردت البغضاء في بطانة السوء: وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ. «آل عمران:118».
والبغضاء بين اليهود: وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. «المائدة:64».
وبين النصارى: أَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. «المائدة:14».
وبغضاء الخمر والميسر: أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ. «المائدة:91».
وبغضاء إبراهيم ومن معه لكفار قومهم: إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِاللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ. «الممتحنة:7».
بَغْل
قالالله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ «النحل:8» والبَغْل: المتولد من بين الحمار والفرس.
وتَبَغَّلَ البعير: تشبه به في سعة مشيه، وتُصُوِّرَ منه عرامته وخبثه، فقيل في صفة النذل: هو بغل.
ملاحظات
قال ابن فارس «1/271»: «والذي نذهب إليه أن التبغيل مشتق من سير البغل».
وفي أساس البلاغة/56: «فلانة أعقر من بغلة».
وفي الخرائج «1/243» أن ابن عباس قال لعائشة لما ركبت على بغل لتمنع دفن الإمام الحسن عليه السلام عند جده صلى الله عليه وآله : «يوماً تجملت، ويوماً تَبَغَّلْت، وإن عشت تَفَيَّلْتِ».
بَغْيٌ
البَغْي: طلب تجاوز الإقتصاد فيما يتحرَّى، تجاوزه أم لم يتجاوزه. فتارةً يعتبر في القدر الذي هو الكمية، وتارة يعتبر في الوصف الذي هو الكيفية، يقال: بَغَيْتُ الشئ إذا طلبت أكثر ما يجب وابْتَغَيْتُ كذلك.
قالالله عز وجل: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ «التوبة:48»وقال تعالى: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ «التوبة:47».
والبَغْيُ على ضربين: أحدهما محمود، وهو تجاوز العدل إلى الإحسان، والفرض إلى التطوع. والثاني مذموم، وهو تجاوز الحق إلى الباطل، أو تجاوزه إلى الشَّبه، كما قال عليه الصلاة والسلام: الحق بَيِّنٌ والباطل بَيِّنٌ، وبين ذلك أمور مشتبهات، ومن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه.
ولأن البغي قد يكون محموداً ومذموماً، قال تعالى: إنمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحق «الشورى:42» فخصَّ العقوبة ببغيه بغير الحق.
وأَبْغَيْتُك: أعنتك على طلبه، وبَغَى الجرح: تجاوز الحد في فساده. وبَغَتِ المرأة بِغَاءً: إذا فجرت، وذلك لتجاوزها إلى ما ليس لها. قال عز وجل: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً «النور:33».
وبَغَتِ السماء: تجاوزت في المطر حد المحتاج إليه. وبَغَى: تكبَّر، وذلك لتجاوزه منزلته إلى ما ليس له، ويستعمل ذلك في أي أمر كان. قال تعالى: يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحق «الشورى:42» وقال تعالى: إنما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ «يونس:23» ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُالله «الحج:60» إن قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ «القصص:76» وقال: فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي «الحجرات:9». فالبغي في أكثر المواضع مذموم.
وقوله: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ «البقرة:173» أي غير طالب ما ليس له طلبه ولا متجاوز لما رسم له. قال الحسن: غير متناول للذة ولا متجاوز سد الجوعة. وقال مجاهد: غير باغ على إمام، ولا عاد في المعصية طريق الحق.
وأما الإبتغاء: فقد خُصَّ بالإجتهاد في الطلب فمتى كان الطلب لشئ محمود فالإبتغاء فيه محمود نحو: ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ «الإسراء:28» وابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى «الليل:20».
وقولهم: يَنْبغي مطاوع بغى، فإذا قيل: ينبغي أن يكون كذا فيقال على وجهين: أحدهما ما يكون مسخراً للفعل نحو: النار ينبغي أن تحرق الثوب. والثاني: على معنى الإستئهال نحو: فلان ينبغي أن يعطى لكرمه. وقوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ «يس:69» على الأول، فإن معناه لا يتسخر ولا يستأهل له، ألا ترى إن لسانه لم يكن يجري به. وقوله تعالى: وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي. «صاد:35».
ملاحظات
1. جعل الراغب بَغَى كله بمعنى التجاوز. وأرجع إليه بعض فروعه وعجز عن الباقي!
وأجاد ابن فارس بقوله «1/271»: «بغى: أصلان: أحدهما طلب الشئ، والثاني جنسٌ من الفساد. فمن الأول: بغيت الشئ أبغيه إذا طلبته. وأبغيتك الشئ إذا أعنتك على طلبه. والبُغْيَة والبَغْيَة: الحاجة.
والأصل الثاني: قولهم بغى الجرح إذا ترامى إلى فساد، ثم يشتق من هذا ما بعده. فالبغيُّ الفاجرة، تقول: بغت تبغي بِغَاءً وهي بغي. ومنه أن يبغي الإنسان على آخر. ومنه بَغْيُ المطر وهو شدته ومعظمه. وإذا كان ذا بغي فلا بد أن يقع منه فساد. والبغي الظلم». وقال الخليل: «4/453»: «بغى بغاء، أي فجر. والبَغْيَة: نقيض الرَّشْدَة في الولد، يقال: هو ابن بَغْيَة. والبُغْيَة: مصدر الإبتغاء».
2. ورد البغي في القرآن بمعنى الطلب، وبمعنى الظلم. ومن أبرز استعمالاته:
التشديد في تحريم البغي: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحق «الأعراف:33».
البغي يعود على أصحابه:يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ. «يونس:23».
بغيُ الأثرياء: إِنَّ قَارُونَ كَأن مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ. «القصص:76».
بغيُ الناس: وَلَوْ بَسَطَاللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ. «الشورى:27».
بغي الصحابة بعد كل رسول: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ. . وَلَوْ شَاءَاللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ. «البقرة:253».
وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ. «البقرة:213».
وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ. «الشورى:14».
وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ. «آل عمران:19».
الحسد لرسولالله صلى الله عليه وآله : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَاللهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَاللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. «البقرة:90».
تعهدالله بنصر أهل البيت عليهم السلام لأنه بُغِيَ عليهم: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ. «الشورى:39».
ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُاللهُ إِنَّاللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ. «الحج:60».
وجوب مساعدة المبغي عليهم: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الآخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِى حَتَّى تَفِئَ إِلَى أَمْرِاللهِ. «الحجرات:9».
سد أبواب الحلال يدفع الى البغي: وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا «النور:33».
الإبتغاء: بمعنى الهدف من العمل، وقد يكون ممدوحاً : و إما تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُورًا. «الإسراء:28». وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِاللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ. «البقرة:207». وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ. «الرعد:22». وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِاللهِ. «البقرة:265. وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِاللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا. «النساء:114». وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى. «الليل:19». وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِالله. «الحديد:27». وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ. «النساء:104». إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي. «الممتحنة:1».
وقد يكون مذموماً: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأوِيلِهِ. «آل عمران:7».
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ. «النساء:139».
بَقَرَ
البَقَر: واحدته بَقَرَة. قالالله تعالى: إن الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا «البقرة :70» وقال: بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ «البقرة : 68» بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها «البقرة : 69».
ويقال في جمعه: بَاقِر كحامل. وبَقِير كحكيم وقيل: بَيْقُور، وقيل للذكر: ثور، وذلك نحو: جمل وناقة ورجل وامرأة.
واشتق من لفظه لفظٌ لفعله فقيل: بَقَرَ الأرض أي شق، ولما كان شقه واسعاً استعمل في كل شق واسع. يقال: بَقَرْتُ بطنه إذا شققته شقاً واسعاً.
وسمي محمد بن علي رضي الله عنه بَاقِراً لتوسعه في دقائق العلوم وبَقْرِه بواطنها.
وبَيْقَرَ الرجل في المال وفي غيره: اتسع فيه، وبَيْقَرَ في سفره إذا شقّ أرضاً إلى أرض متوسعاً في سيره، قال الشاعر:
ألا هل أتاها والحوادثُ جَمَّةٌ
بأنَّ امرئِ القيسِ بنِ تَمْلِكَ بَيْقَرَا
وبَقَّرَ الصبيان: إذا لعبوا البقِّيرى، وذلك إذا بقَّروا حولهم حفائر. والبَيْقَرَان: نبت، قيل إنه يشق الأرض لخروجه ويشقه بعروقه.
ملاحظات
1. جعل عدد من اللغويين أصل هذه المادة: بَقَرَ بمعنى شَقَّ، وذكروا مناسبات لاشتقاق فروعها منها. بينما جعل الراغب أصلها البقرة وتكلف في افتراض مناسبات لاشتقاق فروعها منها. أما ابن فارس فجعله أصلين: البقر بمعنى الشق، والتبقر بمعنى التوسع، قال «1/277»: «وربما جمع ناس بينهما وزعموا أنه أصل واحد. ومن جمع بينهما ذهب إلى أن البَقَر سميت لأنها تبقر الأرض وليس بشئ».
وقال الجوهري «2/594»: «التبقر: التوسع في العلم والمال. وكان يقال لمحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه الباقر، لتبقره في العلم».
وقال الزبيدي «6/105»: «وفي اللسان: لأنه بقر العلم وعرف أصله واستنبط فرعه. قلت: وقد ورد في بعض الآثار عن جابر بن عبدالله الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وآله قال له: يوشك أن تبقى حتى تلقى ولداً لي من الحسين يقال له محمد، يبقر العلم بقراً، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام. خرَّجه أئمة النسب».
2. ذُكر البَقَر في القرآن بضع مرات، أشهرها بقرة بني إسرائيل التي سميت بها أطول سورة في القرآن، وهي مثلٌ لجهل البشر وجدلهم في الأمر الإلهي: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّاللهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً. . الآيات.
ومنها البقرات السبع في منام فرعون : وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَاكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ.. الى آخر الآيات.
بَقَلَ
قوله تعالى: بَقْلِها وَقِثَّائِها «البقرة:61»: البَقْلُ: ما لا ينبت أصله وفرعه في الشتاء.
وقد اشتق من لفظه لفظُ الفعل فقيل: بَقَل، أي نبت، وبَقَل وجه الصبي تشبيهاً به، وكذا بَقَلَ ناب البعير، قاله ابن السكِّيت. وأَبْقَلَ المكان: صار ذا بقل فهو مُبْقِلٌ، وبَقَلْتُ البقل جززته، والمَبْقَلَة موضعه.
ملاحظات
1. ورد البقل في آية واحدة في القرآن: فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا «البقرة:61».
2. لايصح تعريف الراغب للبقل، وقد ذكر علماء النبات أن العائلة البقولية تعتبر من أكبر العائلات النباتية، فهي تضم نحو690جنساً وحوالي 1800 نوعاً.
وعَرَّفَ الخليل البقل «5/170» بأنه: «ما ليس بشجر دَقَّ ولا جَلَّ. وابتقل القوم إذا رعوا البقل. وأبقلت الأرض فهي مبقلة أي أنبتت البقل. ويقال للأمرد إذا خرج وجهه: قد بقل وجهه. وباقل: إسم رجل يوصف بالعَيِّ».
بَقِيَ
البَقَاء: ثبات الشئ على حاله الأولى وهو يضاد الفناء، وقد بَقِيَ بَقَاءً. وقيل بَقَيَ في الماضي موضع بَقِيَ، وفي الحديث: بَقَيْنَا رسولالله، أي انتظرناه وترصدنا له مدة كثيرة. والباقي ضربان: باق بنفسه لا إلى مدة وهو الباري تعالى، ولا يصح عليه الفناء، وباقٍ بغيره وهو ما عداه، ويصح عليه الفناء.
والباقي بالله ضربان: باق بشخصه إلى أن يشاءالله أن يفنيه، كبقاء الأجرام السماوية. وباق بنوعه وجنسه دون شخصه وجزئه كالإنسان والحيوان. وكذا في الآخرة، باق بشخصه كأهل الجنة، فإنهم يبقون على التأبيد لا إلى مدة كما قال عز وجل: خالِدِينَ فِيها «البقرة:162».
والآخر: بنوعه وجنسه كما روي عن النبي: إن ثمار أهل الجنة يقطفها أهلها ويأكلونها ثم تخلف مكانها مثلها.
ولكون ما في الآخرة دائماً قالالله عز وجل: وَما عِنْدَالله خَيْرٌ وَأَبْقى «القصص:60».
وقوله تعالى: وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ «الكهف:46» أي ما يبقى ثوابه للإنسان من الأعمال، وقد فُسِّربأنها الصلوات الخمس، وقيل: سبحانالله والحمد لله، والصحيح أنها كل عبادة يقصد بها وجهالله تعالى، وعلى هذا قوله: بَقِيَّتُالله خَيْرٌ لَكُمْ «هود:86» وأضافها إلىالله تعالى [تعظيماً له نحو: بيتالله. وقيل: أشار إلى ثوابه وما أعد لصالحي عباده مما لا يلحقه الفناء، وهو المشار إليه بقوله تعالى: وَإن الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ «العنكبوت:64»].
وقوله تعالى: فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ «الحاقة:8» أي جماعةٍ باقية أوفَعْلَةٍ لهم باقية. وقيل معناه بقية، قال: وقد جاء من المصادر ما هو على فاعل، وما هو على بناء مفعول. والأول أصح.
ملاحظات
1. قال شيخنا المرجع الصافي مد ظله: سقط من عبارة الراغب هنا: تعظيماً له. . الخ. وأضيفت الى عبارته في تسمية والدي البكر، وليس محلها هناك، بل هنا.
لذلك وضعناها هناك، وهنا بين معقوفين.
2. قال الخليل «5/230»: «بقي الشئ يبقى بقاءً وهو ضد الفناء، يقال: ما بقيت منه بقية.
وبَقَا يَبْقَى: لغة طئ، وكل ياء مكسورة في الفعل يجعلونها ألفاً.
واستبقيت فلاناً، إذا أوجبت عليه قتلاً وعفوت عنه. في معنى عفوت عن زلله واستبقيت مودته».
وقال ابن فارس «1/276»: «يقول العرب نشدتكالله والبُقْيَا، وربما قالوا البَقْوَى. قال ابن السكيت: بَقَّيْتُ فلاناً أبقِّيه إذا رعيته وانتظرته. ومن ذلك حديث معاذ: بَقَّيْنَا رسولالله صلى الله عليه وآله ، يريد انتظرناه».
3. ما ذكره الراغب عن أنواع البقاء وبقاءالله تعالى والبقاء بالله، خارج عن مفردات القرآن فقد ورد في القرآن لبقاء المخلوقات من الأشخاص والأفعال والأشياء، وليس فيها عن بقاءالله تعالى إلا ما يوهمه قول السحرة الآتي.
ورد لبقاء عطاءالله: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَاللهِ بَاقٍ «النحل:96». وَمَا عِنْدَاللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى. «القصص:60» وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى. «الأعلى:17».
ولبيان شدة عذاب الآخرة: وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى. «طَهَ:127».
ولبقاء كلمة التوحيد في الأئمة من ذرية إبراهيم عليه السلام : وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. «الزخرف:28».
وللأعمال الباقية: وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً. «الكهف:46».
ولما بقي من الربا: وَذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. «البقرة:278».
ولقوم عاد: فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ. «الحاقّة:7». وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأولى وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى. «النجم:51».
والباقية غير البقية، لأن عاداً بقيت منهم بقية، وروي عن علي عليه السلام أن جرهم بقايا عاد، وثقيفاً بقايا ثمود.
كما وردت لمواريث موسى وهارون: وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ. «البقرة:248».
ولأصحاب العقل: أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ. «هود:117».
أما قول السحرة: وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى. «طَهَ:73». فالظاهر أن المقصود بها كقوله تعالى: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى «الصافات:28».
وأما قوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالآكْرَامِ. «الرحمن: 26». فالمقصود بوجهالله فيها ليس ذاته عز وجل بل حججه وأولياؤه، وهم النبي وآله صلى الله عليه وآله ، فهم المستثنى من الهلاك بدليل قوله تعالى: كُلُّ شَئٍْ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ. «القصص:88». لأنه لايصح القول إن معناها يهلك الله تعالى إلا وجهه كما زعم الوهابية!
4. استعمل نبيالله شعيب عليه السلام تعبير بقيةالله لما بقي من ربح حلال: بَقِيَّةُاللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.«هود:86 ». وهي قاعدة عامة تعني: أن كل ما أبقاهالله تعالى للإنسان بعد ذهاب غيره خيرٌ له. وعُبِّرَ بها عمن بقي من الأئمة بعد ذهاب الماضين منهم عليهم السلام ، فقال الإمام الكاظم عن ولده الإمام الرضا عليهما السلام عندما وُلد: «هنيئاً لك يا نجمةُ كرامة ربك.. خذيه فإنه بقيةُالله تعالى في أرضه». «عيون أخبار الرضا عليه السلام :1/30».
كما سُمِّيَ بها الإمام المهدي عليه السلام لأنه آخر من أبقاهالله من الأئمة والحجج عليهم السلام فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: «فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة واجتمع عنده ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلاً، وأول ما ينطق به هذه الآية: بَقِيَّةُاللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، ثم يقول: أنا بقيةالله وحجته وخليفته عليكم. فلا يسلم عليه مسلم إلا قال: السلام عليك يا بقيةالله في أرضه».
بَكَّ
بَكَّةُ: هي مكة عن مجاهد، وجعله نحو: سَبَدَ رأسَهُ وسَمَدَهُ، وضَرْبَةُ لازبٍ ولازم، في كون الباء بدلاً من الميم. قال عز وجل: إن أول بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً «آل عمران:96». وقيل: بطن مكة. وقيل هي إسم المسجد. وقيل هي البيت. وقيل: هي حيث الطواف.
وسُمِّيَ بذلك من التَّبَاكّ أي الإزدحام، لأن الناس يزدحمون فيه للطواف. وقيل: سميت مكّة بَكَّة لأنها تبكُّ أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم.
ملاحظات
قال أكثر اللغويين إن بَكَّة مرادفة لمكة، وقال بعضهم: بكة موضع البيت، ومكة البلد. واتفق على أن سبب تسميتها بكة أن الناس يزدحمون فيها فيدفع بعضهم بعضاً.
قال ابن فارس«1/186»: «بكة: أصل يجمع التزاحم والمغالبة. قال ابن الإعرابي: تباكَّت الإبل، إذا ازدحمت على الماء فشربت».
وسأل معاوية بن عمار الصادق عليه السلام : «أقوم أصلي بمكة والمرأة بين يديَّ جالسة أو مارة ؟ فقال: لا بأس إنما سميت بكة. لأن الناس يبكُّ بعضهم بعضاً بالأيدي. وكانت تسمى بكة لأنها تَبُكُّ أعناق الباغين إذا بغوا فيها، وتسمى بَسَّاسَة كانوا إذا ظلموا فيها بَسَّتْهم ، وأهلكتهم» «الكافي:4/211و526».
بَكَرَ
أصل الكلمة: هي البُكْرَة التي هي أول النهار فاشتق من لفظه لفظ الفعل، فقيل: بَكَرَ فلان بُكُوراً، إذا خرج بُكْرَةً.
والبَكُور: المبالغ في البكرة. وبَكَّر في حاجته وابْتَكَر وبَاكَرَ مُبَاكَرَةً. وتُصُوِّر منها معنى التعجيل لتقدمها على سائر أوقات النهار، فقيل لكل متعجل في أمر: بِكْر، قال الشاعر: بَكَرَتْ تَلُومُك بعدَ وَهْنٍ في النَّدى
بَسَلٌ عليك ملامتي وعتابي
وسمي أول الولد بِكْراً، وكذلك أبواه في ولادته إياه [تعظيماً له، نحو: بيتالله. وقيل: أشار إلى ثوابه وما أعد لصالحي عباده مما لا يلحقه الفناء، وهو المشار إليه بقوله تعالى: وَإن الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ] «العنكبوت:64»قال الشاعر: يا بِكرُ بِكريْنِ وَيَا خُلَّبَ الكَبدِ.
فبِكر في قوله تعالى: لاَ فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ «البقرة:68» هي التي لم تلد. وسميت التي لم تفتض بكراً اعتباراً بالثيب، لتقدمها عليها فيما يراد له النساء، وجمع البِكر أبكار، قال تعالى: إنا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً «الواقعة:35».
والبَكَرَة: المحالة الصغيرة لتصوُّرِ السرعة فيها.
ملاحظات
1. معنى البيت الذي استشهد به: إن فلانة بكَّرت عليك في اللوم على نداك وكرمك، وأنت الكريم، فحرام عليَّ أن ألومك.
2. قول الراغب: وكذلك أبواه في ولادته إياه تعظيماً له. أن الوالدين يسميان بِكرين أيضاً تعظيماً لابنهم كما عُظِّمَ البيت فسمي بيتالله.
وتقدم قول شيخنا المرجع الصافي مد ظله: إن قوله هنا تعظيماً. . الخ. زائد هنا، وقد سقط من مادة بقي. ويدل عليه أن عبارته هناك تتم به. ولذا جعلناه في المكانين بين قوسين.
3. جعل الراغب هذه المادة من أصل واحد هو البُكْرة أول النهار، ولايمكن إرجاع فروعها اليها، فكيف نربط بها بَكَرَة البئر الدائرية، بالإبن البكر، والبنت الباكر!
كما حاول ابن فارس«1/187» توسيع البُكْرَة عن النهار لتشمل فروع المادة فلم يحالفه التوفيق.
بُكْمٌ
قال عز وجل: صُمٌّ بُكْمٌ «البقرة:18» جمع أَبْكَم، وهو الذي يولد أخرس، فكل أبكم أخرس وليس كل أخرس أبكم، قال تعالى: وَضَرَبَالله مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَئ «النحل:76» ويقال: بَكِمَ عن الكلام: إذا ضعف عنه لضعف عقله، فصار كالأبكم.
ملاحظات
استعمل القرآن مادة بكم، في ست آيات:
للمنافقين الذين اشتروا الضلالة بالهدى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَاللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ «الأنفال:22» صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ. «البقرة:18».
وللكافرين الذين لايسمعون كلام النبي صلى الله عليه وآله ولايريدون فهمه: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ. «البقرة:171» وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ. «الأنعام:39».
ولمقارنة المؤمن المهتدي بالأبكم العاجز: وَضَرَبَاللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَئٍْ وَهُوَكَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ. «النحل:76».
ولنوع من الكفار أنكروا الآخرة: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا «الإسراء:97».
واستعمل البكم مع الصم، ومفرديْن.
بَكَى
بَكَى يَبْكِي بُكىً وبُكَاءً، فالبكاء بالمد: سَيَلان الدمع عن حزن وعويل، يقال إذا كان الصوت أغلب كالرُّغاء والثُّغاء، وسائر هذه الأبنية الموضوعة للصوت.
وبالقصر يقال إذا كان الحزن أغلب.
وجمع البَاكِي بَاكُون وبُكِيٌّ، قالالله تعالى: خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا «مريم:58». وأصل بُكِيٍّ فُعُولٌ كقولهم: ساجد وسجود وراكع وركوع وقاعد وقعود، لكن قلب الواو ياء فأدغم نحو: جاثٍ وجثيٌّ وعاتٍ وعتيٌّ.
وبكى: يقال في الحزن وإسالة الدمع معاً، ويقال في كل واحد منهما منفرداً عن الآخر، وقوله عز وجل: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً «التوبة:82» إشارة إلى الفرح والترح، وإن لم تكن مع الضحك قهقهة، ولامع البكاء إسالة دمع.
وكذلك قوله تعالى: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ «الدخان:29».
وقد قيل: إن ذلك على الحقيقة، وذلك قول من يجعل لهما حياة وعلماً، وقيل: ذلك على المجاز، وتقديره: فما بكت عليهم أهل السماء.
ملاحظات
1. معنى قول الراغب: وبالقصر يقال إذا كان الحزن أغلب: أن البكاء بالألف الممدود يقال للبكاء الذي يغلب فيه الصوت، لأنه من نوع أسماء الأصوات كالثغاء والرغاء. فإن لم يغلب فيه الصوت فهو بكا بدون همزة.
لكنه تقسيم لايلتزم به العرب، وقد أخذه الراغب من عبارة ابن فارس، قال «1/285»: «قال النحويون: من قَصَرَهُ أجراه مجرى الأدواء والأمراض، ومن مَدَّه أجراه مجرى الأصوات كالثغاء والرغاء والدعاء».
2. ورد البكاء في سبع آيات، ومواضيعها: أنالله خص الإنسان بالقدرة على الضحك والبكاء: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى. «النجم:43».
وأن المؤمنين يبكون خشوعاً: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا. «مريم:58».
وأن الفجار يضحكون: أَفَمِنْ هَذَا الحدِيثِ تَعْجَبُونَ. وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ. «النجم:59».
وأن المنافقين سيبكون كثيراً: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَأنوا يَكْسِبُونَ. «التوبة:82».
وأن الأرض والسماء لا تبكيان على المجرمين: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَأنوا مُنْظَرِينَ. «الدخان:29».
وفي بكاء إخوة يوسف كذباً: وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ. «يوسف:16».
بَلْ
بَلْ: كلمةٌ للتدارك، وهو ضربان: ضرب يناقض ما بعده ما قبله، لكن ربما يقصد به لتصحيح الحكم الذي بعده، وإبطال ما قبله، وربما يقصد تصحيح الذي قبله وإبطال الثاني.
فمما قصد به تصحيح الثاني وإبطال الأول، قوله تعالى: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الأولينَ كلا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ «المطففين: 13» أي ليس الأمر كما قالوا بل جهلوا، فنبَّه بقوله رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ، على جهلهم.
وعلى هذا قوله في قصة إبراهيم: قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ. «الأنبياء :62».
وممّا قصد به تصحيح الأول وإبطال الثاني قوله تعالى: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وإما إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ كلا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ. «الفجر:15» أي ليس إعطاؤهم المال من الإكرام، ولا منعهم من الإهانة، لكن جهلوا ذلك لوضعهم المال في غير موضعه. وعلى ذلك قوله تعالى: صَ. وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عزةٍ وَشِقاقٍ. فإنه دلَّ بقوله: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [على] أن القرآن مقرٌّ للتذكر، وأن ليس امتناع الكفار من الإصغاء إليه أن ليس موضعاً للذكر بل لتعززهم ومشاقتهم.
وعلى هذا: قَ. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا، أي ليس امتناعهم من الإيمان بالقرآن أن لا مجد للقرآن، ولكن لجهلهم. ونبَّه بقوله: بَلْ عَجِبُوا على جهلهم، لأن التعجب من الشئ يقتضي الجهل بسببه. وعلى هذا قوله عز وجل: مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ كلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ. «الإنفطار:6» كأنه قيل: ليس هاهنا ما يقتضي أن يغرَّهم به تعالى، ولكن تكذيبهم هو الذي حملهم على ما ارتكبوه.
والضرب الثاني من بل: هو أن يكون مُبَيِّناً للحكم الأول وزائداً عليه بما بعد بل، نحو قوله تعالى: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ «الأنبياء:5» فإنه نبه أنهم يقولون: أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ، يزيدون على ذلك أن الذي أتى به مفترى افتراه، بل يزيدون فيدعون أنه كذاب فإن الشاعر في القرآن عبارة عن الكاذب بالطبع. وعلى هذا قوله تعالى: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ. «الأنبياء:39» أي لو يعلمون ما هو زائد عن الأول وأعظم منه، وهو أن تأتيهم بغتة.
وجميع ما في القرآن من لفظ بل لايخرج من أحد هذين الوجهين، وإن دقَّ الكلام في بعضه.
ملاحظات
1. أخذ الراغب شيئاً من النحاة واللغويين والفقهاء والأصوليين في بل، وتصور أنه استوعبها، وحصرها في قسمين!
2. قال ابن هشام «1/112»: «بل: حرف إضراب فإن تلاها بجملة كان معنى الإضراب إما الإبطال نحو: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ. أي بل هم عباد، ونحو: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحق.
وإما الإنتقال من غرض إلى آخر. ووهم ابن مالك إذ زعم في شرح كافيته أنها لا تقع في التنزيل إلا على هذا الوجه، ومثاله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّ. بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. ونحو: وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحق وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ. وهي في ذلك كله حرف ابتداء، لا عاطفة على الصحيح».
وقال الشهيد الثاني في مسالك الأفهام «11/19» في حكم من قال: له عليَّ ألف بل ألفان:
«إعلم أن بل حرف إضراب بما بعدها عما قبلها وعدول عنه. ثم إن تقدمها إيجاب وتلاها مفرد، جعلت ما قبلها كالمسكوت عنه فلا يحكم عليه بشئ، وأثبتت الحكم لما بعدها. وحيث كان الأول إقراراً صحيحاً استقر حكمه بالإضراب عنه، وثبت ما بعده أيضاً.
ثم إن كانا مختلفين أو معينين لم يقبل إضرابه، لأنه إنكار للاقرار الأول وهو غير مسموع.
وإن كانا مطلقين، أو أحدهما، لزمه واحد، إن اتحد مقدار ما قبل بل وما بعدها، وإن اختلفا كمية، لزمه الأكثر. وإن تقدمها نفي فهي لتقرير ما قبلها على حكمه، وجعل ضده لما بعدها. . الخ».
وقال المظفر في أصول الفقه «1/179»: «تستعمل في وجوه ثلاثة، الأول: للدلالة على أن المضرب عنه وقع عن غفلة أو على نحو الغلط. ولا دلالة لها حينئذ على الحصر، وهو واضح. الثاني: للدلالة على تأكيد المضرب عنه وتقريره نحو زيد عالم بل شاعر. ولا دلالة لها أيضاً حينئذ على الحصر.
الثالث: للدلالة على الردع وإبطال ما ثبت أولاً، نحو: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ، بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ ، فتدل على الحصر، فيكون لها مفهوم وهذه الآية الكريمة تدل على انتفاء مجيئه بغير الحق».
ثم وجد الفقهاء أن هذه الأقسام لا تستوعب استعمالات «بل» في القرآن والعربية فقال في المغني «2/653»:
«قولهم: بل حرف إضراب. والصواب: حرف استدراك وإضراب فإنها بعد النفي والنهى بمنزلة لكن».
وقال الشيخ الأنصاري في مطارح الأنظار/217: «وكلمة بل في قوله: بل المقيد، ليست للإضراب كما زعمه بعض الأجلة، بل هي للترقي».
3. معنى قولهم: بل حرف إضراب أو استدراك أو ترقٍّ، أنها ناظرة الى لفظ ما قبلها، ثم تستدرك عليه أو تضيف عليه وترتقي درجة. وهذا صحيح في استعمالها في القرآن، لكن ما قبلها الذي تنظر اليه، ليس اللفظ بالضرورة، فقد يكون أمراً مفهوماً من اللفظ، أو مفهوماً من الحال، وقد يكون قريباً من مضمون اللفظ أو بعيداً عنه. فهي تشبه قول المؤلفين «أقول، أوقال المؤلف» فهو ناظر الى ما قبله، لكن قد يُفَرِّع أو ينفي، وقد يثبت، وقد يترقى، وقد يستدرك أمراً، أو يكشف جديداً. وقد يتناول الموضوع من زاوية جديدة. . الخ.
وهي تشبه تعبير«حقاً أقول» في الخطاب الإلهي في الأديان السابقة. فقد رويَ في الحديث القدسي قولالله تعالى لعيسى عليه السلام «الكافي:8/132»: «يا عيسى حقاً أقول: ما آمنت بي خليقة إلا خشعت لي، ولا خشعت لي إلا رجت ثوابي». وروي قولالله تعالى لنبينا صلى الله عليه وآله : «حقاً أقول: يا محمد لأدخلن جميع أمتك الجنة، إلا من أبى من خلقي ». «كمال الدين/250».
وفي قاموس الكتاب المقدس/7: «وردت هذه العبارة: الحق أقول لكم، مرات كثيرة في الأناجيل وهي في الأصل: آمين أقول لكم، أو آمين آمين أقول لكم». وآمين بالسريانية: حقاً.
4. من استعمالات بل في القرآن: لنفي ما قبلها وإثبات ما بعدها محضاً، كقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَالْحق. «السجدة:3».
ولرد ما قبلها وإثبات جديد: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ «البقرة:135».
ولإثبات ما قبلها وبيانه: إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ. «الحجر:15».
ولإثبات ما قبلها وإصدار الحكم عليه: إِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ. «الأعراف:81».
وللترقي مع إثبات ما قبلها: يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ. «الأنبياء:97».
وللترقي بدون إثبات ما قبلها أو نفيه: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُاللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ. «البقرة:88». أولإثبات ما قبلها ثم الترقي عنه: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ. «النمل:66» أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ. «الأعراف:179».
وقد تثبت أمراً جديداً كقوله تعالى: أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأول بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ. «قاف:15» كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ. «الذاريات:52».
أو تكون ناظرة الى قضية تتعلق بمعنى ماقبلها: أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لايُوقِنُونَ. «الطور:36»
أو ناظرة الى قضية مفهومة من الحال، كقوله تعالى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ. بَلْ هُوَقُرْآنٌ مَجِيدٌ. «البروج:17».
أو استئنافاً لا علاقة لها بما قبلها إلا إذا قدرته من قرائن الحال: بَلْ يُرِيدُ الآنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ. يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. «القيامة:5».
وقد لايكون فيها إضراب ولا ترقٍّ بل تكون لتعليل ما قبلها: أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. «البقرة:100».
ولتقرير حقيقة جديدة تتعلق بنحو ما بما قبلها: وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحق وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا. «المؤمنون:61».
الى آخر استعمالاتها، وهي أوسع مما ذكروه.
بَلَد
البَلَد: المكان المحيط المحدود المتأثر باجتماع قطانه وإقامتهم فيه، وجمعه: بِلَاد وبُلْدَان، قال عز وجل: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ «البلد:1» قيل يعني به مكة.
قال تعالى: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ «سبأ:15» فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً «الزخرف:11» وقال عز وجل: فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ ميتٍ «الأعراف:57» رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً «البقرة:126» يعني مكة.
وتخصيص ذلك في أحد الموضعين وتنكيره في الموضع الآخر، له موضع غير هذا الكتاب.
وسميت المفازة بلداً لكونها موطن الوحشيات والمقبرة بلداً، لكونها موطناً للأموات. والبَلْدَة منزل من منازل القمر. والبُلْدَة: البلجة ما بين الحاجبين تشبيهاً بالبلد لتمددها. وسميت الكركرة بلدة لذلك. وربما استعير ذلك لصدر الإنسان، ولاعتبار الأثر قيل: بجلده بَلَدٌ، أي أثر، وجمعه أَبْلَاد، قال الشاعر: وفي النُّحُورِ كُلُومٌ ذَاتُ أَبْلَادِ.
وأَبْلَدَ الرجل: صار ذا بلد نحو: أنجد وأتهم. وبَلِدَ: لزم البلد.
ولما كان اللازم لموطنه كثيراً ما يتحير إذا حصل في غير موطنه قيل للمتحير: بَلُدَ في أمره وأَبْلَدَ وتَبَلَّدَ، قال الشاعر: لا بدَّ للمحزونِ أنْ يتَبَلَّدَا
ولكثرة وجود البلادة فيمن كان جلف البدن قيل رجل أبلد، عبارة عن عظيم الخلق.
وقوله تعالى: وَالْبَلَدُ الطيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً. «الأعراف:58» كنايتان عن النفوس الطاهرة والنجسة فيما قيل.
ملاحظات
1. لاحظ ضعف تعريف الراغب للبَلَد: «المكان المحيط المحدود المتأثر باجتماع قطانه وإقامتهم فيه».
وقوة تعريف الخليل«8/42»: «كل موضع متحيز من الأرض، عامر أو غير عامر، خال أو مسكون».
2. استعمل البلد في القرآن بمعنى القرية، والبلدة، والمدينة، والدولة.
واستعملت القرية بمعناها المعروف،وبمعنى المدينة، والدولة والحضارة، وأهلها. قال تعالى في المفسدين في البلاد: وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ.الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ. «الفجر:7». لَايَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ. «آل عمران:196».
وقال في نظام التبخير والإمطار: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ ميتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ. «فاطر:9»
وقال في تسخير الحيوانات: وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ. «النحل:7».
وقال عن البلد الأمين مكة: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا. «إبراهيم:35». لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ.
بَلَسَ
الإِبْلَاس: الحزن المعترض من شدة البأس، يقال: أَبْلَسَ، ومنه اشتق إبليس فيما قيل.
قال عز وجل: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ. «الروم:12» وقال تعالى: أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ «الأنعام:44» وقال تعالى: وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ. «الروم:49».
ولما كان المبلس كثيراً ما يلزم السكوت وينسى ما يعنيه قيل: أَبْلَسَ فلان، إذا سكت وإذا انقطعت حجته، وأَبْلَسَتِ الناقة فهي مِبْلَاس، إذالم ترع من شدة الضبعة.
وأما البِلَاس: للمِسْح «البساط» ففارسيٌّ مُعَرَّب.
ملاحظات
1. الإبلاس: نوع من اليأس، وجعله الراغب ناتجاً من اليأس. قال ابن فارس «1/299»: «يقال: أبلس إذا يئس، قالالله تعالى: فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ. قالوا: ومن ذلك اشتق إسم إبليس كأنه يئس من رحمةالله»
وقال الجوهري «3/909»: «أبلس من رحمةالله: أي يئس، ومنه سمى إبليس وكان إسمه عزازيل».
2. في معاني الأخبار / 138، عن الإمام الرضا عليه السلام :«إن إسم إبليس الحارث، وإنما قولالله عز وجل: يا إبليس يا عاصي. وسمي إبليس، لأنه أبلس من رحمةالله عز وجل».
وفي دعاء الإمام السجاد عليه السلام :«ولَا تَرُعْنِي رَوْعَةً أُبْلِسُ بِهَا، ولَاخِيفَةً أُوجِسُ دُونَهَا». «الصحيفة السجادية/230».
فإبليس والشيطان صفتان كالإسمين، من شاط عن أمر ربه، وأبلس من رحمة ربه. ولا شك في اشتقاقه من أبلس بمعنى يئس، لأنه ورد استعماله على لسان النبي وآله صلى الله عليه وآله ، وهم أفصح من نطق بالضاد.
3. في الكافي «1/58» : «أول من قاس إبليس حين قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْه خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، فقاس ما بين النار والطين. ولو قاس نورية آدم بنورية النار، عرف فضل ما بين النورين».
وفي نهج البلاغة «2/138»: «اعترضته الحمية فافتخر على آدم بخلقه وتعصب عليه لأصله. فعدوالله إمام المتعصبين وسلف المستكبرين، الذي وضع أساس العصبية ونازعالله رداء الجبرية. ولو أرادالله أن يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياؤه، ويبهر العقول رواؤه وطيبٍ يأخذ الأنفاس عُرْفُهُ لفعل. ولو فعل لظلت له الأعناق خاضعة، ولخفت البلوى فيه على الملائكة. ولكنالله سبحانه يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون أصله تمييزاً بالإختبار لهم، ونفياً للإستكبار عنهم».
بَلَعَ
قال عز وجل: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ. «هود:44» من قولهم: بَلَعْتُ الشئ وابْتَلَعْتُه. ومنه: البَالُوعة. وسَعْدُ بُلَع: نجمٌ. وبَلَّعَ الشيب في رأسه: أول ما يظهر.
ملاحظات
وردت هذه المادة في آية واحدة، في طوفان نوح عليه السلام . وذكر اللغويون أن البلع هو الإبتلاع والإزدراد. وقال الخليل «2/156»: «ابتلع الطعام أي لم يمضغه».
وجعله ابن فارس «1/301» بمعنى الإزدراد.
والظاهر أن البلع والإبتلاع أعم مما كان عن مضغ أو بدونه، والإزدراد بدون مضغ. والبلع دفعةً، والإبتلاع أعم. فيكون معنى: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ: دفعةً واحدة.
بَلَغَ
البُلُوغ والبَلَاغ: الإنتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى، مكاناً كان أو زماناً أو أمراً من الأمور المقدرة. وربما يعبر به عن المشارفة عليه وإن لم ينته إليه. فمن الإنتهاء: بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. «الأحقاف:15» وقوله عز وجل:فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ «البقرة:232» وَمَا هُمْ بِبالِغِيهِ «غافر:56» فَلما بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ «الصافات:102» لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ «غافر:36» أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ «القلم:39». أي منتهية في التوكيد.
والبَلَاغ: التبليغ، نحو قوله عز وجل: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ «إبراهيم:52» وقوله عز وجل: بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ «الأحقاف:35» وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ «يس:17» فَإنما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ «الرعد:40».
والبَلَاغ: الكفاية نحو قوله عز وجل: إن فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ «الأنبياء:106» وقوله عز وجل: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ «المائدة:67» أي إن لم تبلغ هذا أو شيئاً مما حُمِّلْت تكن في حكم من لم يبلغ شيئاً من رسالته، وذلك أن حكم الأنبياء وتكليفاتهم أشد، وليس حكمهم كحكم سائر الناس الذين يُتَجَافى عنهم إذا خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً.
وأما قوله عز وجل: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ «الطلاق:2» فللمشارفة، فإنها إذا انتهت إلى أقصى الأجل لا يصح للزوج مراجعتها وإمساكها.
ويقال: بَلَّغْتُهُ الخبر وأَبْلَغْتُهُ مثله، وبلغته أكثر قال تعالى: أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي «الأعراف:62» وقال: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ «المائدة:67» وقال عز وجل: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ. «هود:57» وقال تعالى: بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ «آل عمران:40» وفي موضع: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا. «مريم:8».
وذلك نحو: أدركني الجهد وأدركت الجهد. ولا يصح: بَلَغَنِي المكان وأدركني.
والبلاغة: تقال على وجهين، أحدهما: أن يكون بذاته بليغاً، وذلك بأن يجمع ثلاثة أوصاف: صوباً في موضوع لغته، وطبقاً للمعنى المقصود به وصدقاً في نفسه. ومتى اخترم وصف من ذلك كان ناقصاً في البلاغة.
والثاني: أن يكون بليغاً باعتبار القائل والمقول له، وهو أن يقصد القائل أمراً فيورده على وجه حقيق أن يقبله المقول له، وقوله تعالى: وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً «النساء:63» يصح حمله على المعنيين. وقول من قال: معناه قل لهم: إن أظهرتم ما في أنفسكم قتلتم. وقول من قال: خوفهم بمكاره تنزل بهم، فإشارة إلى بعض ما يقتضيه عموم اللفظ. والبلغة: ما يُتَبَلَّغُ به من العيش.
ملاحظات
1. بَلَغَ: أصلٌ واحد كما ذكر اللغويون، وهو الوصول الى الشئ، كما قال ابن فارس. وهو أحسن من تعريف الراغب له: «الإنتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى».
قال ابن فارس«1/301» : «وقد تسمى المشارفة بلوغاً. وكذلك البلاغة التي يمدح بها الفصيح اللسان لأنه يبلغ بها ما يريده». وفروعها المشهورة أربعة:
التبليغ، والبُلوغ، والبَلاغة، والبُلْغة. والكفاية التي ذكرها الراغب من البُلغة.
2. استعمل القرآن بَلَّغَ ومشتقاته لإيصال الرسالات، قال تعالى: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِاللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلااللهَ. «الأحزاب:39».
والبلاغ قانون عام لإدارته سبحانه للناس: وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ. «يس:17». ولم يستعمل التبليغ أبداً : فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ. «التغابن:12».
فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ. «الرعد:40» فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ. «النحل:35».
3. استعمل القرآن بَلَغَ بمعنى وصل الى غايته وهدفه. وفي من بلغه القرآن، وبلوغ الأطفال الحلم، وبلوغهم سن الزواج، وبلوغ الإنسان أشده، وبلوغه أربعين سنة، وبلوغ ذي القرنين مطلع الشمس ومغربها وبين السدين. وبلوغ موسى مجمع البحرين، وبلوغ الإنسان الكبر، وبلوغ القلوب الحناجر، وبلوغ الروح الحلقوم والتراقي، وبلوغ النساء أجل الطلاق، وبلوغ الإنس والجن أجلهم في الحياة، وبلوغ الهَدْيِ مَحِلَّه، وبلوغ الكتاب أجلَه، وبلوغ المأمن. . الخ.
4. استعمل القرآن كلمة بليغ فقط: وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً. «النساء:63». وقال عليٌّ عليه السلام : «لاتجعلن ذرب لسانك على من أنطقك، وبلاغة قولك على من سددك»«نهج البلاغة:4/96» وقال الإمام سجاد عليه السلام : «فأسألك ببلاغة حكمتك ونفاذ مشيتك». «الصحيفة/404»
5. تعريف الراغب للبلاغة فيه إشكال، وقد اختلفوا في تعريفها، وأطالوا حتى خرجوا عن البلاغة.
وتعريفها المشهور بين الطلبة: مطابقةُ الكلام لمقتضى الحال. وهو على اختصاره وبلاغته مجمل، وقد أضاف له بعضهم: مع الفصاحة.
وقال التفتازاني في مختصر المعاني «1/24»: «البلاغة في المتكلم ملكة يَقتدر بها على تأليف كلام بليغ. . ليس كل فصيح بليغاً لجواز أن يكون كلامٌ فصيح غير مطابق لمقتضى الحال».
فالمتفق عليه: أن البلاغة كلامٌ مميز في ألفاظه ومعانيه، يشهد له أهل المعرفة باللغة.
6. قال الراغب: والبَلَاغ: الكفاية، نحو قوله عز وجل: إن فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ. «الأنبياء:106»وهو في الآية أعم من التبليغ والكفاية.
ثم فسر آية: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، بأنك تكون مبلغاً للرسالة لكن ليس بنحو كافٍ. وهذا خطأ، قال البيضاوي «2/136» : «فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه، فما أديت شيئاً منها». وقال ابن جزي في التسهيل «1/238»: «إن تركت منه شيئاً فكأنك لم تبلغ شيئاً وصار مابلغت لايعتد به». فقد أُمِر صلى الله عليه وآله بتليغ أمرٍ مهم يعادل الرسالة، وهو إعلان ولاية علي عليه السلام ، لكن علماء السلطة حاولوا تهوين الأمر! وقد استوفينا بحثه في كتاب: آيات الغدير.
بَلِيَ
يقال: بَلِيَ الثوب بِلًى وبَلَاءً، أي خَلِقَ. ومنه قيل لمن سافر: بِلْوُ سفر وبِلْيُ سفر، أي أبلاه السفر.
وبَلَوْتُهُ: اختبرته كأني أخلقته من كثرة اختباري له، وقرئ: هُنالِكَ تَبْلُو كل نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ. «يونس:30» أي تعرف حقيقة ما عملت،
ولذلك قيل: بلوت فلاناً إذا اختبرته.
وسميَ الغم بلاءً من حيث إنه يُبلي الجسم، قال تعالى: وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ «البقرة:49» وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَئ مِنَ الْخَوْفِ..الآية. «البقرة:155» وقال عز وجل: إن هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ «الصافات:106».
وسمي التكليف بلاءً من أوجه، أحدها: أن التكاليف كلها مشاق على الأبدان، فصارت من هذا الوجه بلاء. والثاني: أنها اختبارات، ولهذا قالالله عز وجل: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ «محمد:31».
والثالث: إن اختبارالله تعالى للعباد تارةً بالمسَارِّ ليشكروا، وتارة بالمضارِّ ليصبروا، فصارت المحنة والمنحة جميعاً بلاء، فالمحنة مقتضية للصبر والمنحة مقتضية للشكر. والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر، فصارت المنحة أعظم البلاءين.
وبهذا النظر قال عمر: بلينا بالضراء فصبرنا وبلينا بالسراء فلم نشكر.
ولهذا قال أمير المؤمنين: من وسع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مكر به فهو مخدوع عن عقله.
وقال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً «الأنبياء:35» وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً «الأنفال:17» وقوله عز وجل: وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ «البقرة:49» راجع إلى الأمرين، إلى المحنة التي في قوله عز وجل: يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ «البقرة:49» وإلى المنحة التي أنجاهم.
وكذلك قوله تعالى: وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ «الدخان:33» راجع إلى الأمرين، كما وصف كتابه بقوله: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى. «فصلت:44».
وإذا قيل: ابْتَلَى فلان كذا وأَبْلَاهُ فذلك يتضمن أمرين، أحدهما: تَعَرُّفُ حاله والوقوف على ما يُجهل من أمره. والثاني: ظهور جودته ورداءته. وربما قصد به الأمران، وربما يقصد به أحدهما.
فإذا قيل فيالله تعالى: بلى كذا وأبلاه، فليس المراد منه إلا ظهور جودته ورداءته دون التعرف لحاله والوقوف على ما يجهل من أمره، إذ كانالله علَّام الغيوب.
وعلى هذا قوله عز وجل: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ. «البقرة:124». ويقال: أَبْلَيْتُ فلاناً يميناً: إذا عرضت عليه اليمين لتبلوه بها.
ملاحظات
1. جعل الراغب كل فروع بَلِيَ وابْتَلَى أصلاً واحداً من بَلِيَ الثوب ولم يذكر بَلَوَ.
وذكر قولهم: بِلْوُ سفر، وفسره بأبلاه السفر، وهم يقصدون أنه قويٌّ على السفر! وجعله الراغب للإنسان وهو للناقة، يقولون: نِضْوُ سفر، وبِلو سفر.
أما ابن فارس فجعل بَلِيَ وبَلَوَ أصلين من بلي الثوب، لكن المادة أوسع من ذلك.
قال ابن فارس «1/192»: «أصلان، أحدهما: إخلاق الشئ. والثاني: نوع من الإختبار، ويحمل عليه الإخبار أيضاً، يقول العرب: أبلِني كذا، أي أخبرني فيقول الآخر: لاأبليك. ومنه حديث أم سلمة حين ذكرت قول النبي صلى الله عليه وآله : إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أفارقه، فسألها عمر أمنهم أنا! فقالت لا، ولن أبلي أحداً بعدك. أي لن أخبر».
2. لم يَستعمل القرآن بَلِيَ للثوب واستعملها ضد الخلود: وَمُلْكٍ لا يَبْلَى. «طَهَ:120»
واستعمل بَلَى وأَبْلَى وابتلى بشكل واسع بمعنى الإختبار والإمتحان.
واستعمل بَلَوْنا ونَبْلُو ويَبْلُو، متعدياً بالباء: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً «الأنبياء:35».
ومتعدياً بفي: لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ. «الأنعام:165». ومجرداً: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً. «الملك:2».
وابْتَلَى ويَبتلي ونَبتلي وابْتُلِيَ، متعدياً بفي: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ. «آل عمران:186».
وبالباء: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ «البقرة:124».
ومجرداً: هُنَالِكَ ابْتُلِي الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا. «الأحزاب:11».
واستعمل أبلى مرة واحدة: وَلِيُبْليَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا. «الأنفال:17».
وتُبْلى في آية واحدة للسرائر: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ. «الطارق:9». أي يوم تظهرفيها نتيجة الإبتلاء.
وكذا تَبْلُو في آية واحدة للنفس: هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ. «يونس:30». أي ترى نتيجته.
واستعمل الإبتلاء للنوايا، والتمحيص لنتائج الأعمال في القلوب، فقال عز وجل: وَلِيَبْتَلِياللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ، وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. «آل عمران:154».
3. لم أجد تفريقاً مقنعاً بين البلاء والإبتلاء، ويفهم من تتبع مواردهما أن البلاء قانون إلهي عام، عليه قامت الحياة على الأرض، قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً. «الملك:2». إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً. «الكهف:7». وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً. «هود:7».
ويكون البلاء بالشر وبالخير: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر. «الأنبياء:35» لِيَبْلُوَنِى أشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ. «النمل:40».
ومنه البلاء بالرزق: لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ. «الأنعام:165».
وبلاء العقوبة: نَبْلُوهُمْ بِمَا كَأنوا يَفْسُقُونَ. «الأعراف:163».
وبلاء الصراع بين أولياءالله وأعدائه: وَلَوْ يَشَاءُاللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ «محمّد:4».
وابتلاء الناس بأزمة أمنية واقتصادية قبل ظهور المهدي عليه السلام : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَئٍْ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ. «البقرة:155».
أما الإبتلاء فهو فعل إلهي خاص، يشترك مع قانون البلاء العام لكنه أخص منه.
ويكون تكوينياً محضاً: إِنَّا خَلَقْنَا الآنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا. «الإنسان:2».
أوعقوبة على ذنب: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ. «آل عمران:152» هُنَالِكَ ابْتُلِي الْمُؤْمِنُونَ. «الأحزاب:11».
أو اختباراً لرفع درجة: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ. «البقرة:124». إِنَّاللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ. «البقرة:249». وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ. «النساء:6».
بَلَى
ردٌّ للنفي، نحو قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَالله عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَالله عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَىالله ما لا تَعْلَمُونَ. بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً. «البقرة:80». أو جوابٌ لاستفهام مقترن بنفي نحو: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا:بَلى. «الأعراف:172».
ونعم: يقال في الإستفهام المجرد نحو: فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حقا قالُوا:نَعَمْ. «الأعراف:44» ولا يقال هاهنا: بلى. فإذا قيل: ما عندي شئ، فقلت: بلى، فهو ردٌّ لكلامه، وإذا قلت نعم، فإقرار منك.
قال تعالى: فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إنالله عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. «النحل:28» وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ «سبأ:3». وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى «الزمر:71» قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى. «غافر:50».
ملاحظات
قال ابن هشام في المغني «1/113»:«بلى: حرف جواب. وتختص بالنفي وتفيد إبطاله، سواء كان مجرداً نحو: الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا ، قُلْ بَلَى وَرَبِّي. أم مقروناً بالإستفهام، حقيقياً كان نحو: أليس زيد بقائم فتقول: بلى، أو توبيخياً نحو: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم، بَلَى. أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ، بَلَى. أو تقريرياً نحو: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ، قَالُوا بَلَى. أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، قَالُوا بَلَى . أجروا النفي مع التقرير مجرى النفي المجرد في رده ببلى».
وقال في المغني «2/346»: «واعلم أنه إذا قيل: قام زيد، فتصديقه نعم وتكذيبه لا، ويمتنع دخول بلى لعدم النفي. وإذا قيل: ما قام زيد، فتصديقه نعم وتكذيبه بلى، ومنه: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا ، قُلْ بَلَى وَرَبِّي.
ويمتنع دخول لا، لأنها لنفي الإثبات لا لنفي النفي. وإذا قيل: أقام زيد، فهو مثل قام زيد، أعني أنك تقول إن أثبتَّ القيام: نعم، وإن نفيته: لا، ويمتنع دخول بلى.
وإذا قيل: ألم يقم زيد، فهو مثل لم يقم زيد، فتقول إذا أثبت القيام: بلى، ويمنع دخول لا. وإن نفيته قلت: نعم، قالالله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ . قَالُوا بَلَى . أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى . أَوَلَمْ تُؤْمِن ، قَالَ بَلَى. وعن ابن عباس أنه لو قيل نعم في جواب: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، لكان كفراً.
والحاصل: أن بلى لا تأتي إلا بعد نفي. وأن لا لا تأتي إلا بعد إيجاب، وأن نعم تأتي بعدهما. وإنما جاز: بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ، مع أنه لم يتقدم أداة نفي لأن: لَوْ أَنَّاللهَ هَدَانِي، يدل على نفي هدايته ومعنى الجواب حينئذ: بلى قد هديتك بمجئ الآيات، أي قد أرشدتك لذلك، مثل: وإما ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ».
أقول: يقصد ابن هشام أن قاعدتهم في أنه لا تجئ بلى إلا بعد نفي، ينقضها قوله تعالى: بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا. «الزمر:58». فإنه لا يوجد قبلها نفي، ثم أجاب بأنه يوجد نفي في المعنى وإن لم يصرح به.
والصحيح: أن اشتراط النحويين النفي قبل بلى غير دقيق، نعم تحتاج لأن يتقدم عليها سؤال، إما ظاهر بالإستفهام أو النفي، أو مقدر بقرينة المقال أو الحال. وكذا استعملها أهل البيت عليهم السلام وهم أفصح من نطق بالضاد. قال علي عليه السلام «فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً، ولا ادخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً. بلى، كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين». «نهج البلاغة:3/71»:
وقال عليه السلام : «إن هاهنا لعلماً جماً، وأشار إلى صدره، لو أصبت له حَمَلَة. بلى، أصبت لَقِناً غير مأمونٍ عليه، مستعملاً آلة الدين للدنيا. اللهم بلى، لاتخلو الأرض من قائم لله بحجة». «نهج البلاغة:4/37»
وفي الكافي «1/90» في جواب سؤال يهودي: «متى كان ربنا؟ قال له: يا يهودي إنما يقال متى كان لمن لم يكن فكان، هو كائن بلا كينونية، كائن كان بلا كيف يكون. بلى يايهودي ثم بلى يا يهودي، كيف يكون له قبل! هو قَبْلَ القبل بلا غاية، ولا منتهى غاية لتنتهي غايته. انقطعت الغايات عنده، هو غاية كل غاية. فقال: أشهد أن دينك الحق، وأن ما خالفه باطل».
فَبَلَى في هذه الموارد جوابٌ سؤال مقدر من السياق، أو مفترض من المتكلم. وقد يخلو من النفي والاستفهام.
بَنَن
البَنَان: الأصابع، قيل سميت بذلك لأن بها صلاح الأحوال التي يمكن للإنسان أن يُبِنَّ بها، يريد: أن يقيم بها. ويقال: أَبَنَّ بالمكان يُبِنُّ، ولذلك خص في قوله تعالى: بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ. «القيامة:4». وقوله تعالى: وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كل بَنانٍ«الأنفال:12» خصه لأجل أنها بها تقاتل وتدافع. والبَنَّة: الرائحة التي تبنُّ بما تعلقت به.
ملاحظات
1. شكَّ الراغب في أن البنان مشتقة من بَنَنَ بمعنى أقام، وأن مناسبة اشتقاقها أنها تمكن الإنسان من الإقامة بالمكان. وشكه في محله، لأن اللغويين لم يذكروا ارتباطاً معقولاً بينهما. ثم إن الأصابع من أعضاء البدن، فكيف تأخرت تسميتها حتى أخذوها من الإقامة في مكان لتسمين الشياه!
قال الخليل«8/373»: «البنان: أطراف الأصابع من اليدين والرجلين. ويجئ في الشِّعر البنانة».
وقال ابن منظور «13/58»: «والبَنانُ في قوله تعالى: بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ. يعني شَوَاه «الأيدي والأرجل» ويقال: بنانٌ مُخَضَّبٌ، لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاءُ، فإِنه يُوَحِّد ويذكَّرُ. وقوله عز وجل: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الإعناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كل بَنانٍ، قال أَبو إسحق: البَنانُ هاهنا جميعُ أَعضاء البدن».
أقول: وسَّعُوا معنى البنان الى كل البدن بدون دليل، وقصدهم تقوية ضرب الملائكة للمشركين في بدر في قوله تعالى: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعنَاقِ وَاضْرِبوُا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ. «الأنفال:12» فجعلوها كل البدن.
والصحيح حملها على ظاهرها، وأن الملائكة كانوا مساعدين، فضربوا المشركين فوق الأعناق، ولم يضربوا نفس الأعناق، وضربوا أصابعهم. ولا نعرف كيفية ضربهم، ولا قوانين حربهم.
بَنَيَ
يقال: بَنَيْتُ أَبْنِي بِنَاءً وبِنْيَةً وبِنًى. قال عز وجل: وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً «النبأ:12». والبِنَاء إسم لما يبنى بناءً، قال تعالى: لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ. «الزمر:20».
والبَنِيَّة: يعبر بها عن بيتالله تعالى.
قال تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ. «الذاريات:47» وَالسَّماءِ وَما بَناها. «الشمس:5».
والبُنيان: واحد لا جمع له، لقوله تعالى: لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ. «التوبة:110» وقال: كَأنهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ «الصف:4» قالُوا: ابْنُوا لَهُ بُنْياناً «الصافات:97».
وقال بعضهم: بُنْيَانٌ جمع بُنْيَانَة، فهو مثل شعير وشعيرة وتمر وتمرة ونخل ونخلة. وهذا النحو من الجمع يصح تذكيره وتأنيثه.
وابْنُ: أصله: بَنَوَ، لقولهم في الجمع أَبْنَاء، وفي التصغير: بُنَيّ. قال تعالى: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ. «يوسف:5». يا بُنَيَّ إني أَرى فِي الْمَنامِ إني أَذْبَحُكَ. «الصافات:102» يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ «لقمان:13».
يا بنيَّ لاتعبد الشيطان. وسماه بذلك لكونه بناءً للأب، فإن الأب هو الذي بناه وجعلهالله بَنَّاءً في إيجاده.
ويقال لكل ما يحصل من جهة شئ أو من تربيته، أو بتفقده أو كثرة خدمته له، أو قيامه بأمره: هو ابنه، نحو: فلان ابن الحرب، وابن السبيل للمسافر، وابن الليل، وابن العلم، قال الشاعر: أولاك بنو خير وشرّ كليهما.
وفلان ابن بطنه، وابن فرجه، إذا كان همه مصروفاً إليهما. وابن يومه: إذا لم يتفكر في غده.
قال تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُالله وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُالله «التوبة:30». وقال تعالى: إن ابْنِي مِنْ أَهْلِي «هود:45». إن ابْنَكَ سَرَقَ «يوسف:81».
وجمع ابْن: أَبْنَاء وبَنُون، قال عز وجل: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً. «النحل:72». وقال عز وجل: يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ. «يوسف:67» يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كل مَسْجِدٍ «الأعراف:31». يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ. «الأعراف:27».
ويقال في مؤنث ابن: ابْنَة وبِنْت. وقوله تعالى: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ. «هود:78». وقوله: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حق. «هود:79». فقد قيل: خاطب بذلك أكابر القوم وعرض عليهم بناته لا أهل قريته كلهم، فإنه محال أن يعرض بنات له قليلة على الجم الغفير. وقيل: بل أشار بالبنات إلى نساء أمته وسماهن بنات له، لكون كل نبي بمنزلة الأب لأمته، بل لكونه أكبر وأجل الأبوين لهم، كما تقدم في ذكر الأب، وقوله تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ. «النحل:57»هو قولهم عنالله: إن الملائكة بناتالله.
ملاحظات
1. قال ابن فارس«1/302» في بَنَيَ: «وأصل بنائه: بَنَوَ، والنسبة إليه بنوي، وكذلك النسبة إلى بنت، وإلى بُنَيَّاتِ الطريق. ثم تُفرع العرب فتُسمى أشياء كثيرة بابن كذا وأشياء غيرها ببنت كذا، فيقولون ابن ذكاء الصبح، وذكاء الشمس لأنها تذكو كما تذكو النار. ويقولون هو ابن مدينة، إذا كان عالماً بها، وابن بَجْدَتِها أي عالم بها، وبجدة الأمر دخلته».
2. استعمل القرآن بناء السماء، فقال تعالى: ءَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَاهَا. «النازعات:27».
وأقسَمَ بالسماء وبالقوى التي بنتها بأمره فقال: وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا. «الشمس:5». وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا. «النبأ:12». أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ. «قاف:6».
وكشف توسيعها المستمر: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ. «الذاريات:47».
وذكر صَرْحَ نبيالله سليمان عليه السلام : قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ. «النمل:44». والشياطين المسخرين له: وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَاصٍ. «صاد:37».
وذكر آيات عاد ومصانعهم: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ. وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ. «الشعراء:128».
وبيوت ثمود وقصورها: تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا. «الأعراف:74».
والصرح الذي طلب فرعون أن يبنى له: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ. «غافر:36».
وبنيان نمرود لإحراق إبراهيم عليه السلام : قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ. «الصافات:97».
وبنيان المسجد والرقيم على غار أهل الكهف: فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ. «الكهف:21».
وبنيان مسجد قباء ومسجد الضرار: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَاللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ. «التوبة:110».
وقصور الجنة وغرفها: وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا. «الفرقان:10». لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ. «الزمر:20». قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ. «التحريم:11».
وبنيان أعداء الأنبياء عليه السلام : قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَىاللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ. «النحل:26».
3. ذكر القرآن ابني آدم وبني آدم عليه السلام وابن نوح عليه السلام والمسيح عيسى بن مريم عليهما السلام ، وبني ابراهيم، وبني يعقوب عليهما السلام ، وبني اسرائيل، وابن لقمان، وابن السبيل، وابنة عمران، وبنات شعيب، وبنات لوط، وتذبيح فرعون لأبناء المؤمنين.
وذكر بنات النبي صلى الله عليه وآله وأبناءه، وأمره أن يباهل بهم، وبنات أعمام النبي صلى الله عليه وآله وبنات عماته وأخواله وخالاته. والأبناء والبنات بالتبني.
وذكر زعْم اليهود أنهم أبناءالله، وأن عزيراً ابنالله، وزعم النصارى أن المسيح ابنالله، وزعم المشركين أن الملائكة بناتالله. . الخ.
بَهَتَ
قالالله عز وجل: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ. «البقرة:258» أي دُهِشَ وتحير، وقد بَهَتَهُ. قال عز وجل: هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ. «النور:16» أي كذبٌ يبهت سامعه لفظاعته.
قال تعالى: وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ. «الممتحنة:12»كناية عن الزنا.
وقيل بل ذلك لكل فعل مستبشع تعاطينه باليد والرجل من تناول ما لا يجوز والمشي إلى ما يقبح. ويقال: جاء بالبَهِيتَةِ، أي بالكذب.
ملاحظات
اشترط الخليل في تحقق البهتان ثلاثة شروط فقال «4/36»: «بهته فلان، أي استقبله بأمر قذفه به وهو برئ منه لا يعلمه. والإسم: البُهتان. وبُهِتَ الرجل يُبْهَتُ بُهْتاً إذا حار. يقال: رأى شيئاً فبُهِتَ».
2. وقد ذكر القرآن هذه المادة في ثمان آيات، وليس فيها كل شروط الخليل. فقد وصف بها تهمة اليهود لمريم عليها السلام: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا. «النساء:156». وأكل المهر ظلماً:أَتَاخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا. «النساء:20». وفعل من يرمي غيره بما هو فيه: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا. «النساء:112». ومن يرمي غيره مطلقاً: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا. «الأحزاب:58».
ووصف اتهام المنافقين لمارية عليها السلام:سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ. «النور:16».
وجعله شرط بيعة النساء للنبي صلى الله عليه وآله : وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ. «الممتحنة:12».
ووصف إفحام إبراهيم عليه السلام لنمرود: فَإِنَّاللهَ يَأتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ. «البقرة:258».
ومباغتة القيامة : بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ. «الأنبياء:40».
بَهَجَ
البَهْجَة: حسن اللون وظهور السرور، وفيه قال عز وجل: حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ «النمل:60».
وقد بَهُجَ فهو بَهِيج. قال: وَأَنْبَتْنا فِيهَا مِنْ كل زَوْجٍ بَهِيجٍ «ق:7». ويقال: بَهِجٍ، كقول الشاعر: ذات خُلْقٍ بَهِج ِ.
ولا يجئ منه بَهُوج. وقد ابْتَهَجَ بكذا: أي سُرَّ به سروراً بانَ أثره على وجهه، وأَبْهَجَهُ كذا.
ملاحظات
وردت هذه المادة في ثلاث آيات. وصفت الحدائق بأنها ذات بهجة لأن ألوانها ونضرتها تبعث البهجة في النفس، وكذلك النبات.
بَهَلَ
أصل البَهْل: كون الشئ غير مراعى، والباهل: البعير المخلى عن قيده أو عن سِمَة، أو المخلَّى ضرعها عن صِرَار. قالت امرأة: أتيتك باهلاً غير ذات صِرار، أي أبَحْتُ لك جميع ما كنت أملكه لم أستأثر بشئ من دونه. وأَبْهَلْتُ فلاناً: خليته وإرادته، تشبيهاً بالبعير الباهل.
والبَهْل والإبتهال في الدعاء: الإسترسال فيه والتضرع، نحو قوله عز وجل: ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ الله عَلَى الْكاذِبِينَ «آل عمران:61». ومن فسَّر الإبتهال باللعن فلأجل أن الإسترسال في هذا المكان لأجل اللعن، قال الشاعر:
نَظَرَ الدَّهرُ إليهمْ فابتهلْ
أي: استرسل فيهم فأفناهم.
ملاحظات
جعل الراغب الإبتهال مأخوذاً من الناقة الباهل غير ذات الصرار، أي ليس على ضرعها كيسٌ يمنع من حلبها، فأخذ منه الإبتهال لأنه تخلية واسترسال في الدعاء. لكنه ربطٌ ضعيف وما ذكره من المعاني غير ثابت. لذلك يترجح قول ابن فارس إن المادة ثلاثة أصول. قال «1/311»: «أحدهما: التخلية، والثاني: جنس من الدعاء، والثالث: قلة في الماء.
فأما الأول فيقولون بهلته إذا خليته وإرادته. وأما الآخر: فالإبتهال والتضرع في الدعاء. والمباهلة ترجع إلى هذا فإن المتباهلين يدعو كل واحد منهما على صاحبه. قالالله تعالى: ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ الله عَلَى الْكاذِبِينَ.
والثالث: البَهْل: وهو الماء القليل».
وقال الخليل «4/55»: «باهلت فلاناً، أي دعونا على الظالم منا. وبهلته: لعنته. وابتهل إلىالله في الدعاء، أي جد واجتهد. ورجل بهلول: حيي كريم، وامرأة بهلول».
بَهُمَ
البُهْمَة: الحجر الصلب، وقيل للشجاع بُهْمة تشبيهاً به، وقيل لكل ما يصعب على الحاسة إدراكه إن كان محسوساً، وعلى الفهم إن كان معقولاً: مُبْهَم. ويقال: أَبْهَمْتُ كذا فَاسْتَبْهَمَ، وأَبْهَمْتُ الباب: أغلقته إغلاقاً لا يهتدى لفتحه.
والبَهيمةُ: ما لا نُطق له، وذلك لما في صوته من الإبهام، لكن خُصَّ في التعارف بما عدا السباع والطير، فقال تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ «المائدة:1».
وليل بَهِيم: فعيل بمعنى مُفْعَل قد أبهم أمره للظلمة، أو في معنى مُفْعِل لأنه يبهم ما يعنُّ فيه فلا يدرك.
وفرس بَهِيم: إذا كان على لون واحد، لا يكاد تميزه العين غاية التمييز، ومنه ما روي أنه يحشر الناس يوم القيامة بُهْماً أي عراة. وقيل: معرَّون مما يتوسمون به في الدنيا ويتزينون به، والله أعلم.
والبَهْم: صغار الغنم. والبُهْمَى: نبات يستبهم منبته لشوكه. وقد أبهمت الأرض: كثر بهمها نحو أعشبت وأبقلت، أي كثر عشبها.
ملاحظات
1. وردت بهيمة الأنعام في ثلاث آيات:
في تحليلها وذكر إسمالله عليها: وَيَذْكُرُوا اسْمَاللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ. «الحج:28»
وجعل الراغب أصل المادة البُهْمَة، أي الحجر الصلب، وقول ابن فارس أقوى «1/312» فقد جعله الشئ المبهم الذي لايعرف المدخل اليه، قال: «أن يبقى الشئ لايُعرف المَأْتَى إليه. يقال هذا أمر مبهم. وأبهمتُ الباب أغلقتُه. ومما شذ عن هذا الباب الإبهام من الأصابع».
والصحيح أنه لم يشذ، فقد سمي بذلك لأنه يُبْهِم الكف إذ يُطْبِقُ عليه فلايعرف مافيه. «لسان العرب:12/59».
وسمي البطل: بُهْمَة، لأنه مغلق عن قرنه أن ينال منه، فهو صفة مدح. وكذا قول الإمام الكاظم عليه السلام : «إنالله خلق قلوب المؤمنين مطوية مبهمة على الإيمان، فإذا أراد استنارة ما فيها نضحها بالحكمة، وزرعها بالعلم». «الكافي:2/421».
ومعنى ما رويَ عن النبي صلى الله عليه وآله : «يحشر الناس يوم القيامة عُرَاةَ حُفَاةَ بُهْماً». «ابن الأثير:1/167». أي بصفة آدم وحواء عليهما السلام في الجنة فهم مع عُرْيهم مبهمون لا تظهر عوراتهم.
وسمي الليل بُهمة، لأن ظلمته إغلاق، قال الإمام زين العابدين عليه السلام في وصف القمر: «آمنت بمن نَوَّرَ بك الظلم، وأوضح بك البُهَم». «الصحيفة السجادية/209».
وقد بَيَّنَ الإمام الصادق عليه السلام السبب في تسمية البهائم هو أن الكلام أبهم عليها، قال عليه السلام : «مهما أُبْهِمَ على البهائم من شئ، فلا يُبهم عليها أربعة خصال: معرفة أن لها خالقاً، ومعرفة طلب الرزق، ومعرفة الذكر من الأنثى، ومخافة الموت». «الكافي:6/539».
2. قالالله تعالى في مطلع سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ. ولم يعرف المفسرون وجه الربط بين الوفاء بالعقود وتحليل الأنعام. والظاهر أن تحليل الأنعام مشروط بوفاء الإنسان بعقده وعهده وميثاقه معالله تعالى، فمن لم يفِ بذلك لا يحل له أن يطعم منها. «تفسير القمي:1/160».
فهو من الشروط العامة لتحليل لحوم الحيوانات للإنسان، من نوع ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنالله جعل الأرض مهراً لفاطمة عليها السلام فمن أبغضها فحرامٌ عليه أن يمشي عليها. «مسند الإمام علي7:8/36».
بَابٌ
البَاب: يقال لمدخل الشئ، وأصل ذلك مداخل الأمكنة كباب المدينة والدار والبيت، وجمعه: أَبْوَاب. قال تعالى: وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ «يوسف:25» وقال تعالى: لاتَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ «يوسف:67».
ومنه يقال في العلم: باب كذا، وهذا العلم باب إلى علم كذا، أي به يتوصل إليه. وقال صلى الله عليه وآله : أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها، أي به يتوصَّل. قال الشاعر:
أتيتَ المَرُوءَةَ منْ بَابِهَا
وقال تعالى: فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كل شَئ «الأنعام:44» وقال عز وجل: بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ. «الحديد:13».
وقد يقال: أبواب الجنة وأبواب جهنم، للأشياء التي بها يتوصل إليهما. قال تعالى: فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ. «النحل:29» وقال تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ «الزمر:73».
وربما قيل: هذا من بَابَة كذا، أي مما يصلح له وجمعه: بابات. وقال الخليل: بابة في الحدود، وبَوَّبْتُ باباً، أي عملتُ، وأبوابٌ مُبَوَّبَة.
والبَوَّاب: حافظ البيت. وتَبَوَّبْتُ بواباً: اتخذته. وأصل باب: بَوْبٌ.
ملاحظات
وردت كلمة باب في القرآن في عدة آيات:
منها: الأمر بدخول البيوت من أبوابها: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا. «البقرة:189» وهي أمرٌ بطلب الأمور من طريقها الطبيعي، كمعرفة الدين من النبي صلى الله عليه وآله وأوصيائه عليهم السلام ، وهو تعبير آخر عن قوله صلى الله عليه وآله : أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب. «الحاكم:3 /126»
ومنها: أبواب السماء: وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا. «النبأ:18» إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ. «الأعراف:40». فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ. «القمر:11».
ومنها: أبواب الجنة والنار: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ. «صاد:50» وقوله: إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا. «الزمر:73». وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ. «الرعد:23». لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ. «الحجر:43».
ومنها: الباب بين الجنة والنار: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ. «الحديد:13».
ومنها: أبواب العذاب: حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ. «المؤمنون:77».
ومنها: أبواب النعمة: فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَئٍْ. «الأنعام:44».
ومنها: أبواب قصور الكافرين: وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ. «الزخرف:33».
ومنها: باب حطة: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ. «البقرة:58».
ومنها: وصية يعقوب عليه السلام : يَا بَنِي لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ. «يوسف:67»
ومنها: في قصة يوسف عليه السلام : وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ. «يوسف:25».
بَيْتٌ
أصل البيت: مأوى الإنسان بالليل، لأنه يقال: بَاتَ، أقام بالليل كما يقال: ظل بالنهار. ثم قد يقال للمسكن بيت من غير اعتبار الليل فيه، وجمعه أَبْيَات وبُيُوت، لكن البيوت بالمسكن أخص، والأبيات بالشعر.
قال عز وجل: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا «النمل:52» وقال تعالى: وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً «يونس:78» لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ «النور:27».
ويقع ذلك على المتخذ من حَجَرٍ ومَدَرٍ وصوف وَوَبَر، وبه شُبه بيت الشِّعْر، وعُبر عن مكان الشئ بأنه بيته.
وصار أهلُ البيتِ متعارفاً في آل النبي عليه الصلاة والسلام، ونبه النبي صلى الله عليه وآله بقوله: سلمان منا أهل البيت [على] أن مولى القوم يصح نسبته إليهم. كما قال: مولى القوم منهم، وابنه من أنفسهم.
وبيتالله، والبيت العتيق: مكة، قالالله عز وجل: وَلْيَطوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ «الحج:29» إن أول بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ «آل عمران:96» وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ «البقرة:127» يعني: بيتالله.
وقوله عز وجل: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى «البقرة:189». إنما نزل في قوم كانوا يتحاشون أن يستقبلوا بيوتهم بعد إحرامهم، فنبه تعالى [على] أن ذلك منافٍ للبر.
وقوله عز وجل: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كل بابٍ سَلامٌ «الرعد:23»معناه: بكل نوع من المسار.
وقوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَالله أَنْ تُرْفَعَ «النور:36» قيل: بيوت النبي صلى الله عليه وآله نحو: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ. «الأحزاب:53» وقيل: أشير بقوله: فِي بُيُوتٍ إلى أهل بيته وقومه. وقيل: أشير به إلى القلب.
وقال بعض الحكماء في قول النبي صلى الله عليه وآله : لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة: إنه أريد به القلب وعني بالكلب الحِرْص، بدلالة أنه يقال: كَلِبَ فلانٌ إذا أفرط في الحرص، وقولهم: هو أحرص من كلب.
وقوله تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ. «الحج:26» يعني مكة.
وقالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ «التحريم:11» أي سهِّل لي فيها مقرّاً.
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً. «يونس:87» يعني: المسجد الأقصى.
وقوله عز وجل: فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ «الذاريات:36» فقد قيل: إشارة إلى جماعة البيت فسماهم بيتاً، كتسمية نازل القرية: قرية.
والبَيَاتُ والتبْيِيتُ: قصد العدو ليلاً. قال تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ. «الأعراف:97» بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ «الأعراف:4».
والبَيُّوت: ما يفعل بالليل، قال تعالى: بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ. «النساء:81». يقال لكل فعل دُبِّر فيه بالليل: بُيِّتَ، قال تعالى: إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ. «النساء:108» وعلى ذلك قوله عليه السلام : لا صيام لمن لم يُبيت الصيام من الليل.
وبَاتَ فلان يفعل كذا: عبارة موضوعة لما يفعل بالليل، كظلٍّ لما يفعل بالنهار، وهما من باب العبارات.
ملاحظات
1. البيت في القرآن دائماً فيه عنصر المبيت، والمسكن عنصر السكن، والمنزل عنصر النزول من سفر ونحوه.
قال تعالى: فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ. «القصص:58». وقال:يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ. «الحشر:2» وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنيى مُنْزَلاً مُبَارَكاً. «المؤمنون:29» لَقَدْ كَأن لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ. «سبأ:15».
قال الراغب: «ثم قد يقال للمسكن بيت من غير اعتبار الليل فيه» واستدل بقوله تعالى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً. وهو اشتباه، لأن جعل الخواء لبيوتهم التي باتوا فيها أبلغ منه لمساكنهم أو منازلهم.
2. قال الراغب: «وصار أهلُ البيتِ متعارفاً في آل النبيِّ عليه الصلاة والسلام، ونبه النبي صلى الله عليه وآله بقوله: سلمان منا أهل البيت [على] أن مولى القوم يصح نسبته إليهم، كما قال: مولى القوم منهم، وابنه من أنفسهم».
يقصد أن اختصاص آل النبي صلى الله عليه وآله بأنهم أهل البيت مجرد عُرف عند المسلمين، وإلا فهو إسم عام يشمل حتى مواليهم مثل سلمان الفارسي رضي الله عنه!
لكن عرفت في «آل وأهل» أن آل محمد وأهل بيته عليهم السلام مهما كان واسعاً في اللغة فقد صح عند الجميع أن النبي صلى الله عليه وآله جعله مصطلحاً خاصاً لأهله، فأدار عليهم الكساء وحصرأهل بيته فيهم، ومنع أم سلمة من الدخول معهم، وهم: علي وفاطمة والحسن والحسين وتسعة من ذرية الحسين عليهم السلام فلا يجوز الزيادة فيهم ولا النقيصة.
وقد حرص رواة السلطة على الهرب من المصطلح النبوي، وتوسيع أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ليشمل الأمة كلها. وهذا ظلم فاضح لأهل البيت النبوي عليهم السلام !
بَادَ
قال عز وجل: ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً. «الكهف:35» يقال: بَادَ الشئ يَبِيدُ بَيَاداً، إذا تفرق وتوزع في البَيْدَاء، أي المفازة. وجمع البيداء: بِيد. وأتان بَيْدَانَة: تسكن البادية البيداء.
ملاحظات
استعمل القرآن بادَ بمعنى فنيَ في هذه الآية فقط. وبمعنى كانوا في البادية: يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعرَابِ. «الأحزاب:20» وبمعنى ساكن البادية: سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ. «الحج:25».
بَوَرَ
البَوَار: فَرْطُ الكساد، ولما كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد كما قيل: كَسَدَ حتى فَسَدَ. عُبر بالبوار عن الهلاك، يقال: بَارَ الشئ يَبُورُ بَوَاراً وبَوْراً. قال عز وجل: تِجارَةً لَنْ تَبُورَ «فاطر:29» وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ. «فاطر:10» وروي: نعوذ بالله من بَوَار الأيِّم.
وقال عز وجل: وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ. «إبراهيم:28» ويقال: رجل حائر بَائِر، وقوم حُور بُور. وقال عز وجل: حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً. «الفرقان:18» أي هلكى، جمع: بَائِر. وقيل: بل هو مصدر يوصف به الواحد والجمع، فيقال: رجل بور وقوم بور، وقال الشاعر:
يا رسولَ المليك إنَّ لساني
راتقٌ ما فتقتُ إذْ أنا بُورُ
وبَارَ الفحل الناقة: إذا تشمَّمها اللاقح هي أم لا. ثم يستعار ذلك للإختبارفيقال:بُرْتُ كذا، أي اختبرته.
ملاحظات
1. فسر بعض اللغويين البوار بالهلاك، وأجاد الراغب ففسره بفرط الكساد، وهو أعم من الهلاك والكساد. على أن من فسرها بالهلاك لا يقصد الفناء أيضاً، لأن الآية نصت على أنه بمعنى دخول النار، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَاللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ. جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ. «إبراهيم:28».
وكذلك الآيات الأربع الأخرى التي ورد فيها: وَكَانُوا قَوْمًا بُوراً. «الفرقان:18» وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً. «الفتح:12» وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ. «فاطر:10» يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ. «فاطر:29».
2. جعل الراغب بَوَرَ أصلاً واحداً، ولم يستطع أن يُرجع اليها: بار الفحل الناقة بمعنى شمها واختبرها، فجعله استعارة. والصحيح أن بار وبَوَرَ بمعنى اختبر، أصل مستقل. قال ابن منظور «6/118»: «بارَهُ يَبُورُه بَوْراً: جَرَّبَه واختبَرَه، ومنه الحديث: كُنَّا نَبُوِّرُ أوْلادَنا بحُبِّ عليِّ رضيَاللهُ عنه». أي نختبر أنهم أولاد حلال بحبهم لعلي عليه السلام .
بِئْرٌ
قال عز وجل: وَبِئْرٍ مُعَطلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ. «الحج:45» وأصله الهمز، يقال: بَأَرْتُ بِئْراً وبَأَرْتُ بُؤْرَة، أي حفيرة.
ومنه اشتق المِئْبَر، وهو في الأصل حفيرة يستر رأسها ليقع فيها من مرَّ عليها، ويقال لها: المغواة. وعُبِّرَ بها عن النميمة الموقعة في البلية، والجمع: المآبر.
ملاحظات
خلط الراغب بين بَأَرَ، وأَبَرَ، وهما مادتان ومعناهما مختلف. فأبر منه الإبرة، والتأبير، وبأر منه البئر والبؤرة. ولم يرد أبر في القرآن، لذا لا نطيل في فروعهما.
بَؤُسَ
البُؤْسُ والبَأْسُ والبَأْسَاءُ: الشدة والمكروه، إلا أن البؤس في الفقر والحرب أكثر، والبأس والبأساء في النكاية، نحو: وَاللَّه أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا. «النساء:84» فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ «الأنعام:42» وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ. «البقرة:177». وقال تعالى: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ «الحشر:14».
وقد بَؤُسَ يَبْؤُسُ، وبِعَذابٍ بَئِيسٍ. «الأعراف:165» فعيل من البأس أو من البؤس: فَلا تَبْتَئِسْ «هود:36» أي لاتلزم البؤس ولا تحزن. وفي الخبر أنه عليه السلام : كان يكره البُؤْسَ والتبَاؤُسَ والتبَؤُّسَ. أي الضراعة للفقر، أو أن يجعل نفسه ذليلاً، ويتكلف ذلك جميعاً.
وبِئْسَ: كلمة تستعمل في جميع المذام، كما أن نِعْمَ تستعمل في جميع الممادح. ويرفعان ما فيه الألف واللام، أو مضافاً إلى ما فيه الألف واللام، نحو: بئس الرجل زيد، وبئس غلام الرجل زيد. وينصبان النكرة نحو: بئس رجلاً. ولَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ. «المائدة:79» أي شيئاً يفعلونه. قال تعالى: وَبِئْسَ الْقَرارُ «إبراهيم:29» فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ «النحل:29» بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا «الكهف:50» لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ. «المائدة:63». وأصل: بِئْسَ:بَئِسَ، وهو من البؤس.
ملاحظات
1. قالالله تعالى: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا. «البقرة:177».
والبأساء من البُؤس وهو الفقر. والضراء من الضُّرّ كالمرض. وحين البأس كالحرب. فهي ثلاثة أحوال، لكن الراغب وبعض اللغويين خلط البؤس والبأس والبأساء، فقال: «البُؤْسُ والبَأْسُ والبَأْسَاءُ: الشدة والمكروه، إلا أن البؤس في الفقر والحرب أكثر، والبأس والبأساء في النكاية».
فكيف يكون البؤس والبأساء في الحرب أكثر وهو الفقر، وأين الشاهد عليه من كلام العرب، أو قول اللغويين ؟
ولعل اشتباه الراغب جاء من عبارة ابن فارس «1/328» قال: « الباء والهمزة والسين، أصلٌ واحد: الشدة وما ضارعها. فالبأس الشدة في الحرب، ورجل ذو بأس وبئيس أي شجاع، وقد بأَسَ بأْساً، فإن نعته بالبؤس قلت بؤوس. والبؤس : الشدة في العيش. والمبتئس: المفتعل من الكراهة والحزن».
فلم يخلط ابن فارس البؤس والبأساء وهما الفقر، بالبأس وهو الشجاعة والشدة في الحرب، كما فعل الراغب. بل لم يذكر ابن فارس البأساء أبداً!
ولعل الراغب اعتمد على ما ذكره الخليل «7/316» قال: «البأس: الحرب. ورجل بَئِسٌ قد بَؤُسَ بَأسُهُ، أي شجاع. والبأساء: إسم للحرب والمشقة والضرر».
لكن لايمكن قبول أن البأساء إسم للحرب لأنها من البؤس وهو الفقر وليست من البأس، بل هي في الآية قسيم البأس وهي الحرب. ولعل في نسخة العين خطأً، وصحيحها البأس فصحفت عنها بالبأساء.
ولم أجد استعمال البأساء في الحرب أبداً، ففي تفسير القمي «1/64»: «في الجوع والعطش والخوف والمرض. وحين البأس: قال: عند القتال».
وفي مجمع البيان«1/488»: «يريد بالبأساء: البؤس والفقر، وبالضراء: الوجع والعلة، عن ابن مسعود وقتادة وجماعة من المفسرين. وحين البأس: يريد وقت القتال». ونحوه: عبد الرزاق «1/66» وتفسير الطبري «2/135» وغيره.
بَيَضَ
البَيَاضُ في الألوان: ضد السواد، يقال: ابْيَضَّ يَبْيَضُّ ابْيِضَاضاً وبَيَاضاً، فهو مُبْيَضٌّ وأَبْيَضُ. قال عز وجل:
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وإما الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِالله «آل عمران:106».
والأَبْيَض: عِرْقٌ، سُمِّيَ به لكونه أبيض. «وهو عصب النخاع».
ولما كان البياض أفضل لون عندهم كما قيل: البياض أفضل، والسواد أهول، والحمرة أجمل، والصفرة أشكل. عبَّر به عن الفضل والكرم بالبياض، حتى قيل لمن لم يتدنس بمعاب: هو أبيض اللون. وقوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ. «آل عمران:106»
فابيضاض الوجوه عبارة عن المسرَّة واسودادها عن الغم، وعلى ذلك: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا. «النحل:58». وعلى نحو الإبيضاض قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. «القيامة:22»وقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ. «عبس:38».
وقيل: أمُّك بيضاء من قضاعة. وعلى ذلك قوله تعالى: بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ. «الصافات:46». وسُمِّيَ البَيْض لبياضه، الواحدة بَيْضَة، وكُنِّيَ عن المرأة بالبيضة تشبيهاً بها في اللون وكونها مصونة تحت الجناح.
وبيضة البلد: يقال في المدح والذم، أما المدح فلمن كان مصوناً من بين أهل البلد ورئيساً فيهم، وعلى ذلك قول الشاعر: كانت قريشٌ بيضةً فَتَفَلَّقَتْ
فالمحُّ خالصُهُ لعبد مناف
وأما الذم فلمن كان ذليلاً معرَّضاً لمن يتناوله كبيضة متروكة بالبلد، أي العراء والمفازة. وبَيْضَتَا الرجل: سُمِّيتَا بذلك تشبيهاً بها في الهيئة والبياض.
يقال: بَاضَتِ الدجاجة، وباض كذا، أي تمكن. قال الشاعر: بداءٍ من ذواتِ الضِّغْنِ يأوي
صدورَهم فَعَشَّشَ ثم باضَا
وبَاضَ الحَرُّ: تمكن، وبَاضَتْ يد المرأة: إذا ورمت ورماً على هيئة البيض، ويقال: دجاجة بَيُوض، ودجاج بُيُض.
ملاحظات
1. قال الخليل«7/68»: «وبَيْضَةُ الإسلام: جماعاتهم. وبيضة البلد: تريكة النعامة. والأبيضان: الشحم واللبن. والبيضة الخصية».
قال الراغب: «وبيضة البلد يقال في المدح والذم» لكن الظاهر صحة قول الشريف المرتضى بأنها لا تستعمل للذم إلا بقرينة من باب الضد. قال في الأمالي «3/96»: «معنى البيضة كله يعود إلى التفخيم والتعظيم». ورووا قول أخت عمرو بن ود «المستدرك :3/34» :
لو كان قاتلُ عمرو غيرُ قاتلهِ
بكيتُهُ ما أقامَ الروحُ في جسدي
لكن قاتلَه من لا يُعَاب به
أبوهُ يُدْعَى قديماً بيضةَ البلد»
وقال الخليل «8/42»: «وبيضة البلد: بيضة تتركها النعامة في قيٍّ من البلاد، ويقال: هو أذلُّ من بيضة البلد».
وقال ابن فارس «1/326»: «فإذا عبروا عن الذليل المستضعف بأنه بيضة البلد يريدون أنه متروك مفرد كالبيضة المتروكة بالعراء. ولذلك تسمى التريكة».
2. استعمل القرآن البياض لوجوه المؤمنين في الآخرة: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ. وأما الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِاللهِ. «آل عمران:106».
ولكأس المعين: بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ. «الصافات:45».
وللحور العين: قَاصِرَاتُ الطرْفِ عِينٌ. كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ. «الصافات:48».
ولبياض الفجر: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ. «البقرة:187».
وليد موسى عليه السلام : وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ. «طه:22».
ولعيني يعقوب عليه السلام : وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَكَظِيمٌ. «يوسف:84».
وللجبال البيض: وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا. «فاطر:27».
بَيَعَ
البَيْع:إعطاء المثمن وأخذ الثمن. والشراء: إعطاء الثمن وأخذ المثمن. ويقال للبيع الشراء وللشراء البيع، وذلك بحسب ما يتصور من الثمن والمثمن، وعلى ذلك قوله عز وجل: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ. «يوسف:20».
وقال عليه السلام : لايبيعنَّ أحدكم على بيع أخيه. أي لا يشتري على شرائه. وأَبَعْتُ الشئ: عرضته، نحو قول الشاعر:
فرساً فليس جوادُنا بِمُبَاعِ
والمُبَايَعَة والمشاراة: تقالان فيهما، قالالله تعالى: وَأَحَلَّالله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا. «البقرة:275» وقال: وَذَرُوا الْبَيْعَ «الجمعة:9» وقال عز وجل: لابَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ. «إبراهيم:31» لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ. «البقرة:254».
وبَايَعَ السلطان: إذا تَضَمَّنَ بذل الطاعة له بما رضخ له، ويقال لذلك: بَيْعَة ومُبَايَعَة.
وقوله عز وجل: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ. «التوبة:111» إشارة إلى بيعة الرضوان المذكورة في قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَالله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ «الفتح:18» وإلى ما ذكر في قوله تعالى: إنالله اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ الآية. «التوبة:111».
وأما البَاعُ، فمن الواو بدلالة قولهم باع في السير يبوع: إذا مدَّ باعه.
ملاحظات
1. أمر القرآن المسلمين بالإشهاد على البيع: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ. «البقرة:283».
وردَّ قول المرابين: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّاللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا. «البقرة:275».
ونهى عن البيع وقت صلاة الظهر يوم الجمعة: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِاللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ. «الجمعة:9».
ووصف أهل البيت عليهم السلام بأنهم: رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِاللهِ. «النور:37».
ووصف يوم القيامة بأنه: يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ. «إبراهيم:31».
قال ابن منظور «8/23»:«البيعُ: ضدُّ الشراء والبَيْع الشراء أَيضاً، وهو من الأَضْداد.
2. أكثر ما استعمل القرآن من هذه المادة: المبايعة. فقالالله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ. «الفتح:10».
واعتبر إيمان المؤمنين بيعاً لأنفسهم لله تعالى: إِنَّاللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ. . . فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ. «التوبة:111».
وأمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يأخذ من المسلمين البيعة في الحديبية، وقال: لَقَدْ رَضِيَاللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. «الفتح:18».
وكان النبي صلى الله عليه وآله يشرط على المسلمين في البيعة الإيمان والطاعة، وأن لايفروا في الحرب، وأن لاينازعوا الأمر أهله، أي لاينازعوا أهل بيته بعده في الخلافة.
وأمرهالله أن يقبل البيعة من النساء ويشرط عليهن فقال: يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ. «الممتحنة:12».
وكانت البيعة في زمن النبي صلى الله عليه وآله اختيارية تحترم فيها إرادة المبايع. وبمجرد موته صارت إجبارية، فهددوا علياً وأهل البيت عليهم السلام بإحراق بيتهم وقتلهم إن لم يبايعوا أبا بكر !
ولا يصح قول الراغب: إن قوله عز وجل: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ. إشارة إلى بيعة الرضوان المذكورة في قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَالله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. لأنهم بايعوا تحت الشجرة على أن لا يفروا في الحرب ثم فروا بعدها في معركة حنين، ولأن في المبايعين من شهد له بالنار كقاتل عمار.
3. ذكر القرآن بِيَعَ النصارى أي كنائسهم فقال: وَلَوْلا دَفْعُاللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُاللهِ كَثِيراً. «الحج:40». قال الخليل«2/266»: «البِيعَة: كنيسة النصارى وجمعها بِيَع».
وأفتى في جواهر الكلام «14/137» باحترامها وجواز الصلاة فيها. وقال ابن منظور«8/23»: «البِيعةُ بالكسر: كَنِيسةُ النصارى، وقيل كنيسة اليهود، والجمع بِيَعٌ وهو قوله تعالى: وبِيَعٌ وصلواتٌ ومساجدُ. فبدأَ بذكر البِيَعِ على المساجد لأن صلوات من تقدَّم من أَنبياء بني إِسرائيل وأُممهم كانت فيها قبل نزول الفُرقان».
بَالٌ
البَال: الحال التي يكترث بها، ولذلك يقال: ما باليتُ بكذا بالةً، أي ما اكترثت به. قال تعالى: كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ «محمد:2» وقال: فَما بالُ الْقُرُونِ الأولى«طه:51» أي فما حالهم وخبرهم.
ويعبَّر بالبال عن الحال الذي ينطوي عليه الإنسان، فيقال: خطر كذا ببالي.
ملاحظات
1. يظهر أن البال أوسع من الحال، والشأن، والأمر، ويشمل كل مقومات الهداية والقوة والعزة والرفاهية. يقال: ناعم البال، رَخِيَّ البالِ، راخي البال، فارِه البالِ، فارغ البال، خلي البال، خالي البال، مطمئن البال، سعيد البال، صالح البال، طويل البال، مرتاح البال.
ويقال: ما خطر على بالي وفي بالي وببالي، وحضر على بالي، وغاب عن بالي، واختلج في البال، ومرَّ بالبال. كقولك: وقع في خَلَدي ورَوْعِي وقلبي ونفسي.
ويقال: كاسف البال، أي سئ الحظ، منكسف البال، كئيب البال، مكدر البال، مشتت البال، مبلبل البال، قلق البال، مشوش البال، موزع البال، مشغول البال.
2. استعمل القرآن البال أربع مرات:
في قول يوسف عليه السلام : قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطعْنَ أَيْدِيَهُنَّ «يوسف:50» أي إسأله عن النساء اللواتي شهدن على زليخة لمصلحتي.
وفي قول فرعون لموسى عليه السلام : قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأولى. قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي.
وفي حال المؤمنين: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَالْحق مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ. «محمّد:2».
وفي حال الشهداء من هؤلاء المؤمنين: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِاللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ. وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ «محمّد:4».
وهذا وعدٌ عجيبٌ بهداية الشهداء في المستقبل وإصلاح بالهم، وإدخالهم الجنة! والجنة ليس فيها تكليف ولا موضوع للهداية والضلال. وقد فسروه بأنه سيثيبهم في الآخرة، وهو غير مقنع لأنه خلاف الظاهر.
وقد يكون وعداً لهم بإعادتهم الى الدنيا في الرجعة ليهديهم ويصلح بالهم، ثم يدخلهم الجنة! وهو بحث خارج عن غرض الكتاب.
3. قال ابن منظور «11/74» ملخصاً: «البَالُ: الحال والشأْن. وفي الحديث: كل أَمر ذي بال لا يُبْدأُ فيه بحمدالله فهو أَبتر. أَي شريفٌ يُحْتَفل له ويُهْتَمُّ به. والبَالُ: القَلْبُ والخاطر.
وقوله عز وجل: سَيَهْديهم ويُصْلح بالَهم، أَي حالهم في الدنيا. وفي الحديث: هؤلاء في الجنة ولا أُبالي وهؤلاء في النار ولا أُبالي أَي لا أَكره.
البالُ:جمع بالة، وهي الجِرَاب الضَّخْم. قال الجوهري: أَصله بالفارسية بَلّه».
بَيْنَ
بَيْن:موضوع للخلالة بين الشيئين ووسطِهما. قال تعالى: وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً. «الكهف:32» يقال: بَانَ كذا أي انفصل وظهر ما كان مستتراً منه. ولماَّ اعتبر فيه معنى الإنفصال والظهور استعمل في كل واحد منفرداً فقيل للبئر البعيدة القعر: بَيُون، لبعد ما بين الشفير والقعر، لانفصال حبلها من يد صاحبها.
وبانَ الصبح: ظهر، وقوله تعالى: لَقَدْ تَقَطعَ بَيْنَكُمْ. «الأنعام:194» أي وَصْلُكُمْ. وتحقيقه: أنه ضاع عنكم الأموال والعشيرة والأعمال التي كنتم تعتمدونها، إشارة إلى قوله سبحانه: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ. «الشعراء:88». وعلى ذلك قوله: لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى الآية. «الأنعام:94».
وبَيْنَ: يستعمل تارة إسماً وتارةً ظرفاً، فمن قرأ: بينُكم جعله إسماً، ومن قرأ: بَيْنَكُمْ جعله ظرفاً غير متمكن وتركه مفتوحاً.
فمن الظرف قوله: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِالله وَرَسُولِهِ. «الحجرات:1» وقوله: فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً. «المجادلة:12» فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحق. «صاد:22»
وقوله تعالى: فَلما بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما «الكهف:61» فيجوز أن يكون مصدراً، أي موضع المفترق.
وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ. «النساء:92» ولا يستعمل بين إلا فيما كان له مسافة، نحو: بين البلدين، أو له عددٌ مّا اثنان فصاعداً نحو: الرجلين، وبين القوم.
ولا يضاف إلى ما يقتضي معنى الوحدة إلا إذا كُرِّر نحو: وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ «فصلت:5» فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً. «طه:58»
ويقال: هذا الشئ بين يديك، أي متقدماً لك. ويقال: هو بين يديك، أي قريب منك. وعلى هذا قوله: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ. «الأعراف:17» ولَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا. «مريم:64» وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا «يس:9» مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوْراةِ. «المائدة:46» أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا. «صاد:8» أي من جملتنا.
وقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ. «سبأ:31»أي متقدِّماً له من الإنجيل ونحوه. وقوله: فَاتَّقُواالله وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ. «الأنفال:1» أي راعوا الأحوال التي تجمعكم، من القرابة والوصلة والمودة.
ويزاد في بين ما أو الألف، فيجعل بمنزلة حين، نحو: بَيْنَمَا زيد يفعل كذا، وبَيْنَا يفعل كذا، قال الشاعر:
بينَا يُعَنِّقُه الكُمَاةُ ورَوْغُهُ
يوماً أتيحَ له جَرئٌ سَلْفَعُ
ملاحظات
عَرَّفَ الراغب بَيْنَ، بأنها للوسط بين الشيئين والصحيح أنها استعملت في القرآن للوسط بين شيئين، كقوله تعالى: وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ. «البقرة:164» وقوله تعالى: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ. «البقرة:284». تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ. «آل عمران:64» وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا. «النساء:35» مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ. «النساء:92» وَاعْلَمُوا أَنَّاللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. «الأنفال:24» نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ. «النحل:66».
واستعملت لما تقدم زمنياً على الشئ، كقوله تعالى: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ. «المائدة:48».
أوتقدماً مكانياً كقوله تعالى: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ. «الرعد:11»
كما استعملت بمعان لا علاقة لها بالوسطية والزمان والمكان، كقوله تعالى: وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ. «سبأ:12» أي يعمل بأمره.
كما يمكن النقاش في دلالتها على الوسطية في عدد من الآيات.
قال الخليل «8/381»: «البينونة: مصدر بانَ يَبين بَيْناً وبَينونةً، أي قَطَع. والبينُ: الفُرْقة، والإسم: البَيْنُ أيضاً. والبين: الوصل، قال عز من قائل: لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ . أي وصلكم».
وقال ابن منظور «13/61»: «البَيْنُ في كلام العرب جاء على وجْهَين: يكون البَينُ الفُرْقةَ ويكون الوَصْلَ وهو من الأَضداد. ويكون البَينُ إسماً وظَرْفاً مُتمكِّناً. وفي التنزيل العزيز : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ».
بَيَنَ
يقال: بَانَ، واسْتَبَانَ، وتَبَيَّنَ: نحو عَجَّلَ واستعجل وتعجَّل، وقد بَيَّنْتُهُ.
قالالله سبحانه: وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ «العنكبوت:38» وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ. «إبراهيم:45» ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ «الأنعام:55» قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ «البقرة:256» قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ. «آل عمران:118» وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ. «الزخرف:63» وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ. «النحل:44» لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. «النحل:39» فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ. «آل عمران:97».
وقال: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيّناتٍ. «البقرة:185».
ويقال: آية مُبَيَّنَة اعتباراً بمن بيَّنها، وآية مُبَيِّنَة اعتباراَ بنفسها، وآيات مبيَّنات ومبيِّنات.
والبَيِّنَة:الدلالة الواضحة، عقلية كانت أو محسوسة. وسميَ الشاهدان بينة لقوله عليه السلام : البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
وقال سبحانه: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ «هود:17» وقال: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ. «الأنفال:42» جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ. «الروم:9».
والبَيَان: الكشف عن الشئ، وهو أعمُّ من النطق لأن النطق مختص بالإنسان. ويسمى ما بَيَّنَ به بياناً.
قال بعضهم: البيان يكون على ضربين: أحدهما بالتسخير، وهو الأشياء التي تدل على حال من الأحوال من آثار الصنعة.
والثاني بالإختبار، وذلك إما يكون نطقاً أو كتابةً أو إشارةً. فمما هو بيان بالحال قوله: وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. «الزخرف:62» أي كونه عدوّاً بَيِّن في الحال. تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ. «إبراهيم:10».
وما هو بيان بالإختبار: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ. «النحل:43»
وسُمِّيَ الكلام بياناً لكشفه عن المعنى المقصود إظهاره نحو: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ. «آل عمران:138».
وسمي ما يشرح به المجمل والمبهم من الكلام بياناً، نحو قوله: ثُمَّ إن عَلَيْنا بَيانَهُ. «القيامة:19»
ويقال: بَيَّنْتُهُ وأَبَنْتُهُ: إذا جعلت له بياناً تكشفه، نحو: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ. «النحل:44».
وقال: نَذِيرٌ مُبِينٌ. «صاد:70» وإنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ. «الصافات:106» وَلا يَكادُ يُبِينُ. «الزخرف:52» أي يبيّن. وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ. «الزخرف:18».
ملاحظات
1. البيان في القرآن: الإبلاغ بوضوح، ويشمل الإبلاغ والتوضيح. وهو قانون جعلهالله تعالى على نفسه: وَيُبَيِّنُاللهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. «النور:18» كَذَلِكَ يُبَيِّنُاللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ. «البقرة:219» تَعْقِلُونَ. «النور:61» تَهْتَدُونَ. «آل عمران:103» تَشْكُرُونَ. «المائدة:89» لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. «البقرة:187» يُبَيِّنُاللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَئٍْ عَلِيمٌ. «النساء:176».
وقال تعالى: وَمَا كَأن اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ. «البقرة:115». وفسرها الإمام الصادق عليه السلام : «حتى يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه». «الكافي:1/163».
واستدل العلماء بالآية على قاعدة براءة ذمة الإنسان حتى يصل اليه البيان.
2. قانون البيان ملازمٌ لبعثة الأنبياء عليهم السلام : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ. «إبراهيم:4».
والبيان النبوي لايجب أن يكون شاملاً لكل المواضيع: قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ. «الزخرف:63» قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ. «المائدة:15».
وبعضه يؤخرهالله تعالى الى يوم القيامة: وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ. «النحل:92».
وبعضه يؤخرهالله الى إقامة دولة العدل الإلهي على يد المهدي الموعود عليه السلام ، قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحق. «فُصِّلَتْ:53».
3. شرعالله قتال الذين يمنعون رسله من البيان والتبليغ، أما بعد البيان ف : لاإِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ. «البقرة:256».
وبيان الأنبياء والرسل عليهم السلام هو الميزان في استحقاق العقاب الإلهي: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ «الأنفال:42».
ولم يكن اختلاف الأمم بعد الرسل لنقص البيان، لكن من أجل السلطة: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ. «البقرة:213».
وَلَوْ شَاءَاللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا. «البقرة:253».
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ. «آل عمران:105».
وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ. «البقرة:213».
4. وسمىالله القرآن مُبِيناً: الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ. «يوسف:1» ونوراً مبيناً: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا. «النساء:174» وتبياناً: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَئٍْ. «النحل:89».
و وصف التوراة بأنها كتاب مستبين: وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ. «الصافات:117».
وتكفلالله تعالى بأن يبعث للقرآن في كل عصر إماماً مُفَسِّراً ومُبَيِّناً: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ. «القيامة:18».
وجعل هذا الإمام الذي يملك اليقين والبيان الرباني، شاهداً على الأمة بعد الرسول: أَفَمَنْ كَأن عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ. «هود:17».
5. وأمرالله رسوله أن يبين للناس فبين صلى الله عليه وآله وبلغ وأوضح. قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ. «النحل:44». قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ. «المائدة:15» وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ. «النحل:64».
وكان صلى الله عليه وآله يُشهد المسلمين على أنه بَلَّغَ: «ألاهل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد» «الكافي:7/273».
6. وسمى نبيه صلى الله عليه وآله رسولاً مبيناً: حَتَّى جَاءَهُمُ الْحق وَرَسُولٌ مُبِينٌ. «الزخرف:29» ونذيراً مبيناً: وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ. «الحجر:89».
وسمى القرآن والوحي آيات بينات: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّاللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ. «الحج:16» وآيات مُبَيِّنات:وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ. «النور:34».
7. ومن المسلمين من كان يجادل الرسول صلى الله عليه وآله حتى بعد البيان، كالصحابة الخوافين الذين أشاروا عليه في طريق بدر أن لا يقاتل: يُجَادِلُونَكَ فِي الْحق بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأنمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. «الأنفال:6».
ومنهم من ارتد بعد البيان والتوضيح: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ. «محمّد:25».
8. واستعمل القرآن لفظ المُبِين بمعنى البَيِّن الواضح في آيات عديدة ومواضيع عديدة، فالضلال والخسران: منه مُبِينٌ، وغير مبين، والعدو: منه مبين وغير مبين، والظالم لنفسه، والسحر، والخصيم، والحق، والفتح، والفاحشة منها مُبَيِّنَة وغير مبينه. . الخ.
9. وأمرالله المسلمين بالتبين والتحقق: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِاللهِ فَتَبَيَّنُوا. «النساء:94». يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ. «الحجرات:6» وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ. «البقرة:187».
10. قال ابن منظور «13/67»: «بانَ الشئُ بَياناً: اتَّضَح فهو بَيِّنٌ، والجمع أَبْيِناءُ، مثل هَيِّنٍ وأَهْيِناء. وكذلك أَبانَ الشئُ فهو مُبينٌ. وأَبَنْتُه أَي أَوْضَحْتُه.
واستَبانَ الشئُ: ظهَر. واستَبَنْتُه أَنا: عرَفتُه. وتَبَيَّنَ الشئُ: ظَهَر، وتَبيَّنْته أَنا. تتعدَّى هذه الثلاثةُ ولا تتعدَّى.
وقوله عز وجل: وهو في الخِصام غيرُ مُبين، يريد الأُنثى لا تكاد تَسْتَو في الحجةَ ولا تُبينُ.
وقوله عز وجل: لا تُخْرِجوهُنَّ من بيوتهنّ ولا يَخْرُجْنَ إلا أَن يأْتِين بفاحِشةٍ مُبَيِّنة. أَي ظاهرة.
وقوله عز وجل: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ. أَي بُيِّنَ لك فيه كلُّ ما تحتاج إليه أَنت وأُمتُك من أَمر الدِّين، وهذا من اللفظ العامِّ الذي أُريد به الخاصُّ، والعرب تقول: بَيَّنْت الشئَ تَبْييناً وتِبْياناً بكسر التاء.
وقال الزجاج في قوله تعالى: خَلَق الإِنْسان علَّمَه البيانَ. قيل إنه عنى بالإِنسان هاهنا النبيَّ صلى الله عليه وآله علَّمَه البيان أَي علَّمه القرآنَ. ويجوز في اللغة أَن يكون الإِنسانُ إسماً لجنس الناس جميعاً».
وقد أجاد ابن منظور حيث جعل المخاطب بأن القرآن فيه تبيان كل شئ هو النبي صلى الله عليه وآله لأنه هو الذي عنده علم الكتاب. أما الأمة فلا تفهم من القرآن تبيان كل شئ ولا تبيان أكثر الأمور. فلا يفهمه حق فهمه إلا من أوتي علم الكتاب.
بَوَّأَ
أصل البَوَاء: مساواة الأجزاء في المكان، خلاف النَّبْو الذي هو منافاة الأجزاء. يقال: مكان بَوَاء: إذا لم يكن نابياً بنازله، وبَوَّأْتُ له مكاناً: سوَّيته فَتَبَوَّأَ، وبَاءَ فلان بدم فلان يَبُوءُ به أي ساواه، قال تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً. «يونس:87» وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ. «يونس:93» تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ. «آل عمران:121» يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ «يوسف:56».
وروي أنه كان عليه السلام يتبوَّأ لبوله كما يتبوَّأ لمنزله. وبَوَّأْتُ الرمح: هيأت له مكاناً، ثم قصدت الطعن به. وقال: من كذب عليَّ متعمداً فليتبوَّأ مقعده من النار. وقال الراعي في صفة إبل: لها أمرُها حتى إذا ما تَبَوَّأتْ
بأخفافها مأوىً تبوأَ مضجعا
أي يتركها الراعي حتى إذا وجدت مكاناً موافقاً للرعي طلب الراعي لنفسه متبوأً لمضجعه.
ويقال: تَبَوَّأَ فلان، كناية عن التزوج كما يعبر عنه بالبناء فيقال: بنى بأهله.
ويستعمل البَوَاء في مراعاة التكافؤ في المصاهرة والقصاص، فيقال: فلان بُوَاءٌ لفلان إذا ساواه وقوله عز وجل: باءَ بِغَضَبٍ مِنَالله. «الأنفال:16» أي حلَّ مُبَوّأً ومعه غضبالله، أي عقوبته. وقوله: بِغَضَبٍ في موضع حال، كخرج بسيفه أي رجع، لامفعول نحو: مرَّ بزيد.
واستعمال بَاءَ تنبيهاً على أن مكانه الموافق يلزمه فيه غضب الله، فكيف غيره من الأمكنة، وذلك على حد ما ذكر في قوله: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ. «آل عمران:21»
وقوله: إني أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ. «المائدة:29» أي تقيم بهذه الحالة. قال: أنكرتَ باطلَهَا وبُؤْتَ بحقِّها.
وقول من قال: أقررت بحقها، فليس تفسيره بحسب مقتضى اللفظ. والبَاءَة كناية عن الجماع.
وحكي عن خلف الأحمر أنه قال في قولهم حَيَّاكالله وبَيَّاك: إن أصله: بَوَّأك مَنْزِلاً، فغُيِّر لازدواج الكلمة، كما غير جمع الغداة في قولهم: آتيه الغدايا والعشايا.
ملاحظات
1. فسر الراغب «بَاءَ» بأنه تساوت أجزاء بدنه في المكان وجلس فيه براحة. وجعله مقابل: نَبَا به المكان، وفسره بتفاوتت أجزاء بدنه فيه. لكنه لم يرد في العربية للنزول والسكن والجلوس.
وقد أخذه الراغب من ابن فارس حيث جعله أصلين فقال: «1/312»: «الرجوع إلى الشئ، والآخر تساوي الشيئين». وقصده تساويهما في القصاص والدية، تقول: فلان بواءٌ بفلان، أي كفؤٌ له إن قتل به.
والصحيح أن باءَ من: البيئة، تقول العرب: إِنه لَحَسَنُ البِيئةِ أَي هيئة التبَوُّءِ، وتسمي المنزل: البيئة والباءَة والمباءَة. قال ابن منظور «1/36»:«وأَباءَه مَنْزِلاً وبَوَّأَه إيَّاه وبَوَّأَه له وبَوَّأَه فيه، يعني هَيَّأَه له وأَنْزَلَه ومَكَّنَ له فيه. والإسم: البِيئةُ. وإِنه لَحَسَنُ البِيئةِ أَي هيئة التبَوُّءِ. وباءَتْ بِبيئةِ سُوءٍ، أَي بحالِ سُوءٍ.
وفي الحديث: مَن كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّداً، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه من النار: لِيَنْزِلْ مَنْزِله مِن النار».
وقال: «وسُمي النكاحُ باءَةً وباءً من المَباءَةِ لأَن الرجل يَتَبَوَّأُ من أَهله أَي يَسْتَمْكِنُ من أَهله، كما يَتَبَوَّأُ من دارِه. والهاء في الباءة زائدة، والناسُ يقولون: الباه».
ويؤيد ما قلناه: أن كل موارد المادة في القرآن يصح تفسيرها بالبيئة والجو المادي والمعنوي، ولا يصح تفسيرها بالرجوع والمساواة.
فمعنى قوله تعالى: تَبَوَآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً:اختارا بيوتاً في بيئة مناسبة.
ومعنى: باءَ بسخط من اللَّه: تحمل الجو المعنوي من السخط. ومعنى: إِذْ بَوَأْنَا لآبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ:جعلنا بيئة البيت مناسبة، وأعطيناه لإبراهيم وذريته.
ومعنى: وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ:أورثنا الأرض، لكنا نختار لسكننا الجنة.
ومعنى: وَبَوَأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا: جعلناكم في بيئة مناسبة من الأرض.
فعنصر البيئة والجو المادي أو المعنوي داخل في كل استعمالات المادة.
أما معنى المساواة في باءَ، فليس من البيئة بل من قولهم: باوَأْتُ بين القَتْلى: أَي ساوَيْتُ. وقولهم: هم بَواءٌ أَي أَكْفاءٌ. وفي الحديث: الجِراحاتُ بَواءٌ، أي مُتَساويةٌ في القِصاص فلا يُؤْخَذُ إلا مِثْلُ جِراحَتِه سَواءً، وذلك البَواءُ. وكذلك معنى الرجوع في قولك باءَ به، فهو رجوع معنوي بمعنى تحمل نتيجة عمله وصار عليه وليس رجوعاً حقيقياً.
2. ذكر الراغب أربع آيات وردت فيها مادة: بَاءَ، من بضع عشرة آية.
و منها: قوله تعالى عمن فرَّ من القتال في بدر: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَاللهِ. «الأنفال:16».
ومنها: لمن سرق من الغنائم أو اتهم النبي صلى الله عليه وآله بأنه سرق! أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَاللهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَاللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. «آل عمران:163».
ومنها: ثلاث آيات في بَوْء اليهود بغضبالله: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَاللهِ. «البقرة:61».
ومنها: على لسان هابيل لأخيه قابيل: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ. «المائدة:28».
ومنها: عن قوم هود: خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَأَكُمْ فِي الأَرْضِ. «الأعراف:74».
ومنها: تبويئ إبراهيم عليه السلام مكان البيت: إِذْ بَوَأْنَا لآبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ. «الحج:26».
ومنها: تبويئ بني إسرائيل: وَلَقَدْ بَوَانَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَأَ صِدْقٍ. «يونس:93».
ومنها: تبويئ المقاتلين أمكنتَهم: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ. «آل عمران:121».
ومنها: وعدٌ للمهاجرين الذين فقدوا بيوتهم: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِياللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً. «النحل:41».
ومنها: وعدٌ للمؤمنين في الآخرة: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا. نَتَبَوَأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ. وروي أنها في المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وأصحابه.
ومنها: مدحٌ للأنصار: وَالَّذِينَ تَبَوَءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ. «الحشر:9».
ومنها: في يوسف عليه السلام : مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ. «يوسف:56».
ومنها: عن موسى وهارون عليهما السلام : وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا. «يونس87 ».
البَاء
الباء: يجئ إما متعلِّقا بفعل ظاهر معه، أو متعلِّقاً بمضمر. فالمتعلق بفعل ظاهر معه ضربان: أحدهما: لتعدية الفعل، وهو جارٍ مجرى الألف الداخل على الفعل للتعدية نحو: ذهبت به وأذهبته. قال تعالى: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً. «الفرقان:72». والثاني: للآلة نحو: قطعه بالسكين.
والمتعلِّق بمضمر: يكون في موضع الحال نحو: خرج بسلاحه أي وعليه السلاح أو معه السلاح. وربما قالوا تكون زائدة نحو: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا. «يوسف:17» وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ. «الشعراء:114» وَكَفى بِنا حاسِبِينَ «الأنبياء:47».
وفي كل ذلك لا ينفك عن معنىً ربما يدقُّ، فيتصور أن حصوله وحذفه سواء وهما في التحقيق مختلفان، سيما في كلام من لا يقع عليه اللغو. فقوله: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا. «يوسف:17» فبينه وبين قولك: ما أنت مؤمناً لنا فرق، فالمتصوَّر من الكلام إذا نصبتَ ذاتٌ واحدة، كقولك: زيد خارج. والمتصور منه إذا قيل: ما أنت بمؤمن لنا، ذاتان، كقولك: لقيت بزيد رجلاً فاضلاً، فإن قوله رجلاً فاضلاً وإن أريد به زيد فقد أخرج في معرض يتصور منه إنسان آخر، فكأنه قال: رأيت برؤيتي لك آخر هو رجل فاضل. وعلى هذا: رأيت بك حاتماً في السخاء.
وعلى هذا: وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ. «الشعراء:114» وقوله تعالى: أَلَيْسَالله بِكافٍ عَبْدَهُ. «الزمر:36»
وقوله: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ. «المؤمنون:20» قيل معناه: تنبت الدهن، وليس ذلك بالمقصود بل المقصود أنها تنبت النبات ومعه الدهن، أي والدهن فيه موجود بالقوة. ونبه بلفظة بِالدُّهْنِ على ما أنعم به على عباده وهداهم إلى استنباطه. وقيل: الباء هاهنا للحال، أي حاله أن فيه الدهن. والسبب فيه أن الهمزة والباء اللتين للتعدية لا يجتمعان.
وقوله: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً «الفتح:28» فقيل: كفىالله شهيداً، نحو: وَكَفَىالله الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ. «الأحزاب:25» الباء زائدة، ولو كان ذلك كما قيل لصح أن يقال: كفى بالله المؤمنين القتال، وذلك غير سائغ، وإنما يجئ ذلك حيث يذكر بعده منصوب في موضع الحال، كما تقدم ذكره.
والصحيح أن كفى هاهنا موضوع موضع إِكْتَفِ، كما أن قولهم: أحسن بزيد موضوع موضع ما أحسن، ومعناه: إِكْتَفِ بالله شهيداً.
وعلى هذا: وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً. «الفرقان:31» وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا. «النساء:132» وقوله: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ إنهُ عَلى كل شَئ شَهِيدٌ. «فصلت:53» وعلى هذا قوله: حُبَّ إليَّ بفلان أي أحْبِبْ إليَّ به.
ومما ادُّعي فيه الزيادة: الباء في قوله: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهْلُكَةِ. «البقرة:195» قيل تقديره: لاتلقوا أيديكم، والصحيح أن معناه لاتلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة، إلا أنه حذف المفعول استغناء عنه وقصداً إلى العموم، فإنه لايجوز إلقاء أنفسهم ولا إلقاء غيرهم بأيديهم إلى التهلكة.
وقال بعضهم: الباء بمعنى من في قوله: عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ. «المطففين:28» عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُالله. «الإنسان:6» والوجه ألا يصرف ذلك عما عليه وأن العين هاهنا إشارة إلى المكان الذي ينبع منه الماء لا إلى الماء بعينه، نحو: نزلت بعين، فصار كقولك: مكاناً يشرب به، وعلى هذا قوله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ. «آل عمران:188» أي بموضع الفوز. والله تعالى أعلم.
تم كتاب الباء
ملاحظات
1. في الباء بحوث، نكتفي منها بخلاصة ما قاله ابن هشام في المغني «1/101»:
«الباء المفردة: حرف جر، لأربعة عشر معنى:
أولها: الإلصاق، قيل وهو معنى لا يفارقها، فلهذا اقتصر عليه سيبويه.
الثاني: التعدية، وهي المعاقبة للهمزة في تصيير الفاعل مفعولاً، وأكثر ما تُعَدِّي الفعل القاصر، تقول في ذهب زيد: ذهبت بزيد، وأذهبته، ومنه: ذهبالله بنورهم.
الثالث: الإستعانة، وهي الداخلة على آلة الفعل نحو: كتبت بالقلم. ونجرت بالقدوم. وقيل: ومنه باء البسملة.
الرابع: السببية نحو: إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ . فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ .
الخامس: المصاحبة، نحو: اهْبِطْ بِسَلَامٍ . أي معه. وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ . الآية.
وقد اختلف في الباء من قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ، فقيل: للمصاحبة والحمد مضاف إلى المفعول أي فسبحه حامداً له، أي نزهه عما لا يليق به.
والسادس: الظرفية نحو: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ . نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ.
والسابع: البدل، كقول الحماسي:
فليتَ لي بهمُ قوماً إذا ركبوا
شَنُّوا الإغارة فرساناً وركباناً
والثامن: المقابلة وهي الداخلة على الأعواض، ومنه: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ .
والتاسع: المجاوزة كعن، فقيل تختص بالسؤال نحو: فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا.
العاشر: الإستعلاء نحو: مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ . .
الثاني عشر: القسم، وهو أصل أحرفه، نحو: أقسم بالله لتفعلن.
الثالث عشر: الغاية نحو وَقَدْ أَحْسَنَ بِي أي إليَّ.
الرابع عشر: التوكيد، نحو: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا.
2. الصحيح ما قاله الراغب من عدم زيادة الباء في هذه الموارد، بل عدم وجود زيادة في ألفاظ في القرآن، ولا في السنة، ولا في اللغة العربية.
وينبغي التنبيه الى أن النحاة يؤكدون على وصف الزيادة باللفظية، لكنهم يجعلونها زيادة في المعنى!

كتاب التاء وما يتصل بها

ت
تَبَّ
التَبُّ والتبَابُ: الإستمرار في الخسران، يقال: تَبّاً له وتَبٌّ له، وتَبَبْتُهُ: إذا قلت له ذلك، ولتضمن الإستمرار قيل: اسْتَتَبَّ لفلان كذا، أي استمر. وتَبَّتْ يَدا أَبي لَهَبٍ. «المسد:1» أي استمرت في خسرانه، نحو: ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ «الزمر:15» وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ «هود:101» أي تخسير. وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ. «غافر:37».
ملاحظات
فسر ابن منظور وغيره التبَّ بالهلاك. وهو الخَسَار كما قال الراغب، بدليل قول الإمام الحسين عليه السلام في خطبته: تباً لكم أيتها الجماعة وتَرَحاً. «الإحتجاج«2/24». فلو كان الهلاك لما أضاف اليه الترح. والترَح ضد الفرح.
والتتبيب لايدل على الإستمرار كما ذكر الراغب، وإن فهم فهو من غير الكلمة. «راجع العين:1/111» .
وقد شك ابن فارس «1/341» في صحة استتب قال: «يقولون: اسْتَتَبَّ الأمرُ إذا تهيأ، فإن كانت صحيحة، فللباب إذاً وجهان: الخسران والإستقامة».
وهي صحيحة، لأنها وردت في دعاء الإمام السجاد عليه السلام وهو من أفصح من نطق بالضاد، قال في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله : «حَتَّى اسْتَتَبَّ لَه مَا حَاوَلَ فِي أَعْدَائِكَ، واسْتَتَمَّ لَه مَا دَبَّرَ فِي أَوْلِيَائِكَ. «الصحيفة السجادية/34».
تَابُوت
التابُوت: فيما بيننا معروف. أَنْ يَأْتِيَكُمُ التابُوتُ. «البقرة:248» قيل كان شيئاً منحوتاً من الخشب فيه حكمة، وقيل عبارة عن القلب والسكينة عما فيه من العلم، وسمي القلب سفط العلم، وبيت الحكمة وتابوته، ووعاؤه وصندوقه، وعلى هذا قيل إجعل سرَِّك في وعاءٍ غير سَرِب.
وعلى تسميته بالتابوت قال عمر لابن مسعود رضي الله عنهما: كنيف ملئ علماً.
ملاحظات
التابوت: كما في قاموس الكتاب المقدس/209: «صندوق صنعه موسى بأمره تعالى، طوله ذراعان ونصف وعرضه ذراع ونصف وارتفاعه ذراع ونصف. وكان مصنوعاً من خشب السنط «شجر صحراوي» ومُغَشَّى بصفائح ذهب نقي من داخل ومن خارج، ويحيط برأسه إكليل من ذهب، فوقه غطاء من ذهب نقي. وفوق كل طرف من الغطاء كَرُّوبٌ «صورة ملك» من ذهب يظلل الغطاء. وعلى كل من جانبي التابوت حلقتان من ذهب لعصوي التابوت المصفحتين بالذهب لحمل التابوت. وكان المنوط بحراسته وحمله بنو فهات من اللاويين. «عد3:29».
وفي معاني الأخبار/284: «سألته «الإمام الرضا عليه السلام » فقلت: جعلت فداك ما كان تابوت موسى وكم كان سعته؟ قال: ثلاثة أذرع في ذراعين. قلت: ما كان فيه؟ قال: عصى موسى والسكينة. قلت: وما السكينة؟ قال: روحالله يتكلم. كانوا إذا اختلفوا في شئ كلمهم وأخبرهم ببيان مايريدون».
ولعله التابوت الذي أنزلهالله لأم موسى عليه السلام فوضعته فيه وألقته في اليم، فقد ورد في تفسير القمي«2/135» أنه نزل عليها من السماء. وفي الكافي «1/238» عن الإمام الباقر عليه السلام :«إنما مثل السلاح فينا مثل التابوت في بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل أيُّ أهل بيتٍ وُجد التابوت على بابهم، أوتوا النبوة فمن صار إليه السلاح منا أوتي الإمامة».
وقد ورد التابوت في آيتين: قوله تعالى: أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ. «طه:37». وقوله تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَاتِيَكُمُ التابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ. «البقرة:248».
تَبَرَ
التبْر: الكسر والإهلاك، يقال: تَبَرَهُ وتَبَّرَهُ. قال تعالى: إن هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ «الأعراف:139» وقال: وَكلا تَبَّرْنا تَتْبِيراً. «الفرقان:39» وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً «الإسراء:7» وقوله تعالى: وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً. «نوح:28» أي هلاكاً.
ملاحظات
قال ابن فارس«1/362» ومن وافقه:«التاء والباء والراء أصلان متباعدٌ ما بينهما: أحدهما الهلاك، والآخر جوهر من جواهر الأرض». والصحيح أنه أصلٌ واحد بمعنى السحق، كما ذهب الراغب.
والإهلاك قد يكون من لوازمه، كما في قوله تعالى عن حرب المسلمين الموعودة مع اليهود: وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً. أي ليسحقوا ما بنوه سحقاً.
تَبِعَ
يقال: تَبِعَهُ واتَّبَعَهُ: قفا أثره، وذلك تارةً بالجسم وتارةً بالإرتسام والإئتمار. وعلى ذلك قوله تعالى: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ «البقرة:38» قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً. «يس:20» فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ «طه:123» إِتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ. «الأعراف:3» وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ. «الشعراء:111» وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي. «يوسف:38» ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. «الجاثية:18» وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ. «البقرة:102» وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ. «البقرة:168» إنكُمْ مُتَّبَعُونَ. «الدخان:23» وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِالله. «صاد:26» هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِي. «الكهف:66» وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ. «لقمان:15».
ويقال: أَتْبَعَه إذا لحقه، قال تعالى: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ. «الشعراء:60» ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً «الكهف:89» وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً «القصص:42» فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ «الأعراف:175» فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً. «المؤمنون:44».
يقال أَتْبَعْتُ عليه، أي أحلت عليه.
ويقال أُتْبِعَ فلان بمال، أي أحيل عليه.
والتبِيع: خُصَّ بولد البقر إذا تبع أمه.
والتبَعُ: رِجْلُ الدابة وتسميته بذلك كما قال:
كأنما اليدانِ والرجلان * طالِبتَا وِتْرٍ وهَاربانِ
والمُتْبِعُ من البهائم: التي يتبعها ولدها.
وتُبَّعٌ: كانوا رؤساء سَمُّوا بذلك لاتِّباع بعضهم بعضاً في الرياسة والسياسة. وقيل: تُبَّع ملكٌ يتبعه قومه، والجمع التبَابِعَة، قال تعالى: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ «الدخان:37». والتَّبَّعُ: الظل.
ملاحظات
1. أخذ الراغب تعريف تَبِعَ من الخليل. كما وافق ابنَ فارس فجعل تَبِعَهُ واتَّبَعَهُ بمعنى واحد، مع أن تَبِعَ أعم من اتَّبع وأقل مؤونة، واتَّبع أشد في الإقتفاء.
والإتِّباع في القرآن أنواع، فمن ذلك: ما أمرالله رسوله صلى الله عليه وآله باتباعه، مثل: مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ. مَا يُوحَى إِلَيْكَ . مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ . سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ. فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ.
وما نهى رسوله صلى الله عليه وآله عن اتباعه، مثل: وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ . أهواء قوم قد ضلوا من قبل. أهواء الذين كذبوا بآياتنا. أهواء الذين لايعلمون. سبيل المفسدين. ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيلالله.
وما أمرالله الناس باتباعه: مَا أَنزَلَ اللَّهُ . أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم. يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ . فَاتَّبِعُونِي. وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ .كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ .فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.. وَاتَّبِعُوهُ . يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ . إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ. مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ . لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ . وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ. وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ . كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ . واتباع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
وما نهى الناس عن اتباعه، مثل: الهوى. أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا . مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ . خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ . وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ. وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ. ن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ . قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا . وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ . وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ .
ومن موارد الإتباع: مقابلة اتباع الرسول صلى الله عليه وآله بالإنقلاب على الأعقاب: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ.
والعلاقة بين حبالله واتباع الرسول صلى الله عليه وآله : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَاللهَ فَاتَّبِعُونِى. وأن المتبعين للنبي صلى الله عليه وآله كانوا بعض المسلمين وليس كلهم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَاللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
3. ذكر القرآن التبابعة في آيتين: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَأنوا مُجْرِمِينَ.. وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ.
وقال المسعودي في مروج الذهب «2/88»:«كان لليمن ملوك لايُدْعَوْنَ بالتبابعة ممن تقدم وتأخر منهم، حتى ينقاد الى ملكه أهل الشِّحْر وحضرموت، فحينئذ يستحق أن يسمى تُبَّعاً، ومن تخلف عن ملكه ممن ذكرنا سمي ملكاً، ولم يطلق عليه اسم تُبَّع».
وأهل الشَّحْر: ما بين عدن وعمان.
وقال ابن خلدون «1/358»: «فالفرسُ طالت مدتهم آلافاً من السنين، وكذلك القبط والنبط والروم، وكذلك العرب الأولى من عاد وثمود والعمالقة والتبابعة.
تَتْرَى
تَتْرَى على فَعْلَى، من المواترة، أي المتابعة وتراً وتراً، وأصلها واو فأبدلت، نحو تُراث وتِجاه. فمن صرَفَه جعل الألف زائدة لا للتأنيث، ومن لم يَصْرِفْهُ جعل ألفه للتأنيث. قال تعالى: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا. «المؤمنون:44» أي متواترين. قال الفرَّاء: يقال تترى في الرفع، وتترى في الجر وتترى في النصب.
والألف فيه بدل من التنوين. وقال ثعلب: هي تفعل.
تَجِرَ
التجَارَة: التصرف في رأس المال طلباً للربح، يقال: تَجَرَ يَتْجُرُ، وتَاجِر وتَجْر، كصاحب وصحب، قال: وليس في كلامهم تاء بعدها جيم غير هذا اللفظ، فأما تجاه: فأصله وجاه، وتجوب: التاء للمضارعة.
وقوله تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ «الصف:10» فقد فسَّر هذه التجارة بقوله: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ «الصف:11» إلى آخر الآية.
وقال: اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ «البقرة:16» إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ. «النساء:29» تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ. «البقرة:282».
قال ابن الإعرابي: فلان تاجر بكذا، أي حاذق به عارف لوجه المكتسب منه.
ملاحظات
استعمل القرآن التجارة بالمعنى المادي في آيتين بَيَّنَ فيهما بعض أحكامها: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ. تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ. وفي ست آيات أخرى في التجارة معالله تعالى وأنها أفضل من التجارة المادية: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ . يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ. مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ . الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ. وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا.
تَحْتَ
تَحْت: مقابل لفوق، قال تعالى: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ. «المائدة:66». وقوله تعالى: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ «الحج:23» تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ. «يونس:9». فَناداها مِنْ تَحْتِها. «مريم:24» يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ. «العنكبوت:55».
وتحت: تستعمل في المنفصل، وأسفل في المتصل، يقال: المال تحته، وأسفله أغلظ من أعلاه، وفي الحديث: لاتقوم الساعة حتى يظهر التحُوت أي الأراذل من الناس. وقيل: بل ذلك إشارة إلى ما قال سبحانه: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ. «الإنشقاق:3».
ملاحظات
1. لم أجد استعمال كلمة التحوت جمع تحت، إلا عند أبي هريرة، فقد زعم أن النبي صلى الله عليه وآله ذكر علامات الساعة، وقال: «تظهر التحوت على الوعول». «الصحاح:5/1843».
ورواه في مجمع الزوائد«7/324» وصححه. لكنه بعيد عن تعابير النبي صلى الله عليه وآله .
2. قول الراغب إن تحت تستعمل في المنفصل صحيح. لأن معنى كونه تحته أنه غيره.
أما قوله إن أسفل تستعمل في المتصل، فلا يصح إلا إذا قلت أسفل الشئ، بمعنى آخره السفلي. أما إذا قلت أسفل منه، فتدل على أنه غيره، فهومنفصل عنه، كقوله تعالى: وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ. إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ.
فلا اتصال هنا. وكذلك قوله تعالى: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، فلا اتصال بل تغيُّرٌ الى الأسفل.
3. وردت تحت في وصف الجنات التي تجري من تحتها الأنهار أكثر من ثلاثين مرة. وفي النعم من فوقهم ومن تحت أرجلهم. والعذاب من فوق المجرمين وتحت أرجلهم. وفي ملكالله تعالى لما تحت الثرى . . الخ.
تَخِذَ
تَخِذَ:بمعنى أخذ، قال:
وقد تَخِذَتْ رِجلي إلى جَنْبِ غِرْزِهَا
نَسِيفاً كأُفحوص القَطاةِ المُطَرَّقِ
واتّخذ: افتعل منه، أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي «الكهف:50» قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَالله عَهْداً «البقرة:80» وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِالله آلِهَةً «مريم:81» وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى «البقرة:125» لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ «الممتحنة:1» لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً «الكهف:77».
ملاحظات
معنى البيت: أنه ركب ناقته وكان ينهرها بعقب رجله لتسرع، فأثَّرَ عقب رجله في جنبها كمبيض القطاة.
تَرِبَ
الترَاب: معروف، قال تعالى: أَإِذا كُنَّا تُراباً. «الرعد:5» وقال تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ. «فاطر:11» يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً. «النبأ:40».
وتَرِبَ: افتقر، كأنه لصق بالتراب، قال تعالى: أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ. «البلد:16» أي ذا لصوق بالتراب لفقره.
وأَتْرَبَ: استغنى، كأنه صار له المال بقدر التراب.
والترْبَاء: الأرض نفسها. والتيْرَب واحد التيَارب. والتوْرَب والتوْرَاب:التراب.
وريح تَرِبَة: تأتي بالتراب، ومنه قوله عليه السلام : عليك بذات الدين تَرِبَتْ يداك. تنبيهاً على أنه لا يفوتنك ذات الدين، فلا يحصل لك ما ترومه فتفتقر من حيث لا تشعر.
وبارح تَرِبٌ: ريح فيها تراب.
والترائب: ضلوع الصدر، الواحدة: تَرِيبَة. قال تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالترائِبِ. «الطارق:7».
وقوله: أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً. «الواقعة:36» وَكَواعِبَ أَتْراباً «النبأ:33» وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطرْفِ أَتْرابٌ «صاد:52» أي لِدَاتٌ تنشأن معاً تشبيهاً في التساوي والتماثل بالترائب التي هي ضلوع الصدر. أو لوقوعهن معاً على الأرض.
وقيل لأنهن في حال الصبا يلعبن بالتراب معاً.
ملاحظات
جعل الراغب وأكثر اللغويين مادة ترب أصلاً واحداً، وقال ابن فارس «1/346»: «أصلان، أحدهما: التراب وما يشتق منه، والآخر: تساوي الشيئين. فالتِّرْبُ: الخِدْنُ والجمع أتراب، ومنه التريب وهو الصدر عند تساوي رؤوس العظام».
وقال ابن منظور «1/327»: «وقوله عز وجل: خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ يَخْرُج من بينِ الصُّلْب والترائبِ. قال أَهل اللغة أَجمعون: الترائبُ موضع القِلادةِ من الصَّدْرِ».
تَرِثَ
وَتَأْكُلُونَ التراثَ. «الفجر:19» أصله: وُراث، وهو من باب الواو.
تَفَثَ
قال تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ. «الحج:29» أي يزيلوا وسخهم. يقال: قضى الشئ يقضي: إذا قطعه وأزاله. وأصل التفْث وسخ الظفر وغير ذلك مما شابه أن يزال عن البدن. قال أعرابيّ: ما أَتْفَثَكَ وأدرنك.
ملاحظات
ورد التفث في آية واحدة في مناسك الحج، قال تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ. «الحج:29». والمعروف في معناه أنه يشمل الوسخ المادي والمعنوي، أي ليزيلوا تفثهم، لكن ورد في مناقب ابن سليمان «2/253» عن علي عليه السلام قال: «دخلت على النبي صلى الله عليه وآله ذات يوم وعيناه تفيضان، قلت: يا رسولالله أغْضَبَك أحد ما شأن عينيك تَفِثَة ؟ قال: بلى، قام عندي جبرئيل فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات، فقال: هل لك أن أشمك من تربته؟ قلت: نعم، فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عينيَّ أن فاضتا».
فعبر عن تغير العين من البكاء بالتفث.
وفي حديث رواه أحمد «4/15»: عن النبي صلى الله عليه وآله : «فقد تم حجه، وقضى تفثه». بمعنى مناسكه.
وفي الكافي «4/549» عن عبدالله بن سنان أنه سأل الإمام الصادق عليه السلام عن الآية فقال: «أخذ الشارب وقص الأظفار وما أشبه ذلك، قال قلت: جعلت فداك إن ذريح المحاربي حدثني عنك بأنك قلت له: ليقضوا تفثهم:لقاء الإمام وليوفوا نذورهم تلك المناسك؟ فقال: صدق ذريح وصدقت، إن للقرآن ظاهراً وباطناً. ومن يحتمل ما يحتمل ذريح».
فجعل التفث بمعنى المناسك يشمل الطواف بالبيت والتنظف والتطيب، ولقاء الإمام عليه السلام .
قال ابن فارس «1/350»: «قال أبو عبيدة: هو قص الأظافر وأخذ الشارب وشم الطيب، وكل ما يحرم على المحرم إلا النكاح. قال: ولم يجئ فيه شعر يحتج به».
وقال ابن منظور «2/120»: «قال الزجاج: لا يَعْرِفُ أَهلُ اللغة التفَثَ إِلَّا من التفسير. وعن ابن عباس قال: التفَثُ الحَلْق والتقْصير والأَخْذُ من اللحية والشارب والإِبط، والذبحُ والرَّمْيُ.
ورجل تَفِثٌ: أَي متغير شَعِثٌ، لم يَدَّهِنْ، ولم يَسْتَحِد. وقال ابن الأَعرابي: ثم ليَقْضُوا تَفَثَهم. قال: قَضاءُ حَوائجهمِ من الحَلْق والتنْظِيفِ».
ويدل ذلك على شمول التفث لجميع المناسك.
تَرِفَ
الترْفَةُ: التوسع في النعمة، يقال: أُتْرِفَ فلانٌ فهو مُتْرَف. أَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا «المؤمنون:33».
وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ «هود:116».
وقال: إرْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ «الأنبياء:13».
وأَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ «المؤمنون:64».
وهم الموصوفون بقوله سبحانه: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ. «الفجر:15».
ملاحظات
1. الترف حالة في الشخصية، يهوى صاحبها التنعم والتأنق والدعة، في مأكله وملبسه وكل أموره. وهو في الأغنياء وقد يكون في الفقراء. وقد ورد في القرآن في ثمان آيات، كلها للذم، أورد منها الراغب أربعة.
وقال تعالى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا. «الإسراء:16». وقال: قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ. «سبأ:34». وقال: قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ. «الزخرف:23». وقال: إِنَّهُمْ كَأنوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ. «الواقعة:46».
تَرَقَ
قال تعالى: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التراقِيَ وَقِيلَ مَنْ راقٍ. «القيامة:26» جمع تَرْقُوَة، وهي عظم وصل ما بين ثغرة النحر والعاتق.
ملاحظات
جعل الترقوة هنا من تَرَقَ. وجعلها في حرف الراء من رَقَيَ. وهو الصحيح. وستأتي.
تَرَكَ
تَرْكُ الشئ:رفَضَه، قصداً واختياراً، أو قهراً واضطراراً. فمن الأول: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ. «الكهف:99» وقوله: وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً. «الدخان:24».
ومن الثاني: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ «الدخان:25» ومنه: تَرِكَة فلان لما يخلفه بعد موته.
وقد يقال في كل فعل ينتهي به إلى حالة ما: تركته كذا، أو يجري مجرى جعلته كذا نحو: تركت فلاناً وحيداً.
والترِيكَة: أصله البيض المتروك في مفازة. وتسمى بيضة الحديد بها كتسميتهم إياها بالبيضة.
ملاحظات
التَّرك: انصرافٌ عن الشئ، وقد يكون عن رفض له أو بغير رفض. قال الخليل «5/337»: «الترك:وَدَعُكَ الشئ. والترك: الجعل في بعض الكلام. تركت الحبل شديداً، أي جعلته. والتريكة ماء يمضي عنه السيل ويتركه ناقعاً. وسمي الغدير، لأن السيل غادره».
وقال ابن فارس «1/345»: «الترك: التخلية عن الشئ. وفي الكتاب المنسوب إلى الخليل: يقال تركت الحبل شديداً، أي جعلته شديداً. وما أحسب هذا من كلام الخليل».
وما نسب إلى الخليل صحيح، ولم يطلع ابن فارس على استعمال العرب لترك، وأنها قد تتضمن معنى الجعل، تقول: كسَّرَهُ ودقه حتى تركه كالطحين، أي جعله. وأكرم عدوه حتى تركه صديقاً، أي جعله. وفي حديث عمار في أيام السقيفة: «فلُبِّبَ وَوُجِئَ في عنقه حتى تُرِكَتْ كالسِّلْعة». «الإختصاص:1/10».
تِسْعَة
التسْعَةُ: في العدد معروفة وكذا التسْعُون، قال تعالى: تِسْعَةُ رَهْطٍ. «النمل:48» تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً. «صاد:23» ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً. «الكهف:25» عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ. «المدثر:30». والتسْع: من أظماء الإبل. والتسْع: جزءٌ من تسعة.
والتسَعُ: ثلاث ليال من الشهر آخرها التاسعة.
وتَسَّعْتُ القوم: أخذت تِسْعَ أموالهم، أو كنت لهم تاسعاً.
ملاحظات
الإبل التَّوَاسِعُ: أي تظمأ ثمانية أيام، وترد في التاسع.
وقال الخليل «1/325»: «تَسِعْتُ القوم: أي صرت تاسعهم. وأَتْسَعْتُ الشئ إذا كان ثمانية وأتممته تسعة».
وقال ابن منظور «8/34»: «تقول: تسع عَشْرَةَ امْرَأَةً وتِسْعَةَ عشر رجلاً. قالالله تعالى: عليها تسعة عشَرَ. والتاسُوعاء: اليوم التاسع من المحرم. وحبْلٌ مَتْسُوع: على تِسْع قُوىً.
وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ. قيل في التفسير إِنها أَخْذُ آلِ فِرعون بالسِّنِينَ، وهو الجَدْب حتى ذهبت ثِمارُهم وذهب من أَهل البوادي مَواشِيهم. ومنها إِخراج موسى عليه السلام يدَه بيضاء للناظرين. ومنها إِلقاؤه عصاه فإِذا هي ثُعبان مبين. ومنها إِرسالالله تعالى عليهم الطوفان والجَراد والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ. وانْفِلاقُ البحر. ومن آياته: انفجار الحجر».
تَعِسَ
التَّعْسُ: أن لا ينتعش من العثرة، وأن ينكسر في سفال، وتَعِسَ تَعْساً وتَعْسَةً. قال تعالى: فَتَعْساً لَهُمْ. «محمد:8».
ملاحظات
أصل تَعِسَ: بمعنى عثر ووقع على وجهه، وأكثر ما يستعمل للدابة. ويستعمل في الدعاء على أحد، تقول: تَعِسَ عبد الدينار والدرهم، وتَعْساً ونَكْساً. والنكس أن يقوم من تعسته ثم يَتْعَس. «المصباح المنير/75». قالالله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ. «محمّد:8».
تَقْوَى
تاء تقوى مقلوب من الواو، وذلك مذكور في بابه.
ملاحظات
التقوى: في مادة وَقَيَ، وليس محلها هنا.
تَكَأ
المُتَّكَأ: المكان الذي يتكأ عليه، والمخدَّة المتكأ عليها. وقوله تعالى: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً «يوسف:31» أي أُتْرُجاً، وقيل طعاماً متناولاً، من قولك: إتكأ على كذا فأكله. قال تعالى: قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْها. «طه:18» مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ «الطور:20» عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ. «يس:56» مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ. «الواقعة:16».
ملاحظات
التاء في تَكَأَ ليست أصلية، فموضعها في وَكَأ. وقد عنون الراغب وَكَأ، لكن اختصرها.
ولا يصح تفسيره وغيره للمتكأ بالطعام بل معنى الآية: هيأت لهن مجلساً، وقدمت لهن فاكهة تقطع بالسكين، ثم قالت ليوسف عليه السلام : أخرج عليهن.
تَلَّ
أصل التلِّ:المكان المرتفع. والتلِيل: العنق. وَتَلَّهُ لِلْجَبِين. «الصافات:103»: أسقطه على التل، كقولك: تَرَّبَه: أسقطه على التراب. وقيل: أسقطه على تليله، والمِتَّل: الرمح الذي يُتَلُّ به.
ملاحظات
خلط الراغب بين التل بمعنى الشد، والتل بمعنى الربوة، فتصور أن تله أسقطه على التل! بينما معناه: شده وجذبه وأسقطه على وجهه. قال ابن فارس «1/339»: «والتلتلة: الإقلاق. وهو ذلك القياس. وأما ضده: فَتَلَّهُ أي صرعه وهذا جنس من المقابلة. والمُتِلُّ: الرمح الذي يُصْرَعُ به. قالالله تعالى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينْ».
فتَلَّهُ بمعنى:شَدَّهُ شداً سريعاً، وهو قريب من نَتَلَهُ. ولا علاقة له بالتل والتلة كما تصور. قال الخليل «8/107»: «تلَّ فلانٌ فلاناً: أي صرعه، وما أسوأ تلته، أي صَرْعَتَه. والتلتلة مثل الترترة في التحريك». وروى البخاري «3/100». «قال: فَتَلَّهُ رسولالله في يده».
تَلَوَ
تَلَاهُ: تبعه متابعة ليس بينها ما ليس منها، وذلك يكون تارة بالجسم، وتارة بالإقتداء في الحكم. ومصدره: تُلُوٌّ وتُلْوٌ. وتارة بالقراءة وتدبر المعنى ومصدره: تِلَاوَة.
وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها. «الشمس:2» أراد به هاهنا الإتباع على سبيل الإقتداء والمرتبة، وذلك أنه يقال: إن القمر هو يقتبس النور من الشمس، وهو لها بمنزلة الخليفة، وقيل: وعلى هذا نبه قوله: وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً. «الفرقان:61» فأخبر أن الشمس بمنزلة السراج، والقمر بمنزلة النور المقتبس منه.
وعلى هذا قوله تعالى: جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً «يونس:5» والضياء أعلى مرتبة من النور، إذ كل ضياء نور، وليس كل نور ضياء. وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ. «هود:17» أي يقتدي به ويعمل بموجب قوله: يَتْلُونَ آياتِالله. «آل عمران:113».
والتلاوة: تختص باتباع كتبالله المنزلة، تارة بالقراءة، وتارة بالإرتسام لما فيها من أمر ونهي وترغيب وترهيب. أو ما يتوهم فيه ذلك، وهو أخصُّ من القراءة، فكل تلاوة قراءة، وليس كل قراءة تلاوة. لايقال: تلوت رقعتك وإنما يقال في القرآن في شئ إذا قرأته وجب عليك اتباعه.
هنالك تتلو كل نفس ما أسلفت «يونس:30» وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا «الأنفال:31» أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ إنا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ. «العنكبوت:51» قُلْ لَوْ شاءَالله ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ. «يونس:16» وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً. «الأنفال:2».
فهذا بالقراءة، وكذلك: وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ «الكهف:27» وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحق «المائدة:27» فَالتالِياتِ ذِكْراً «الصافات:3».
وأما قوله: يَتْلُونَهُ حق تِلاوَتِهِ «البقرة:121» فاتباع له بالعلم والعمل. ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ. «آل عمران:58» أي ننزله.
وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ. «البقرة:102» واستعمل فيه لفظ التلاوة لما كان يزعم الشيطان إن ما يتلونه من كتب الله.
والتلَاوَة والتلِيَّة: بقية مما يتلى، أي يتبع. وأَتليته أي أبقيت منه تلاوة، أي تركته قادراً على أن يتلوه. وأَتْلَيْتُ فلاناً على فلان بحق، أي أحلته عليه.
ويقال: فلان يَتْلُو على فلان ويقول عليه، أي يكذب عليه. قال: وَيَقُولُونَ عَلَىالله الْكَذِبَ «آل عمران:75» ويقال: لا دَرَى ولا تَلَا، ولا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ. وأصله ولا تلوت فقلب للمزاوجة كما قيل: مأزورات غير مأجورات وإنما هو موزورات.
ملاحظات
1. اشتبه الراغب فجعل تتلو بدل تبلو، في قوله تعالى: هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ «يونس:30». وأصرَّ على اشتباهه في مادة بَلِيَ فزعم أن تبلو قراءة، والأصل تتلو!
قال: وقرئ: هُنالِكَ تَبْلُوا كل نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ. لكنه ذكر الآية بشكل صحيح في مادة: هُنَا.
أما قوله: فلان يَتْلُو على فلان، أي يكذب عليه! فهو في ذهنه، ولا يوجد في العربية.
2. تلاوة القرآن:قراءته، وسُميت تلاوةً لأن الكلمة أو الآية منها تتلو ما قبلها. وهي مصطلح لقراءة القرآن لتمييزها عن قراءة غيره، فيقال قرأ الرسالة، وتلا القرآن.
وليس فيها دلالة على اتباع الذي يتلو للقرآن، ولا على تدبره وفهمه! فالعجب من الراغب وبعض اللغويين كيف جعلوا تلاوة القرآن بمعنى اتباعه! وهم يقرؤون قوله تعالى لبني إسرائيل: أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ. «البقرة:44» وقال تعالى: وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَئٍْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ«البقرة:113» فوبخهم لعدم اتباعهم الكتاب مع أنهم يتلونه!
نعم تلاوة الكتاب حق التلاوة تعني اتباعه، قال تعالى: يَتْلُونَهُ حق تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ. «البقرة:121».
ولعل الراغب أحس بخطأ اشتراط الإتباع في التلاوة فتهرب منه، فقال: «والتلاوة تختص باتباع كتبالله المنزلة، تارة بالقراءة، وتارة بالإرتسام لما فيها من أمر ونهي، وترغيب وترهيب». فجعل القراءة بدون ارتسام نوعاً من الإتباع! والصحيح أنها لا تتضمن اتَّباعاً.
3. سبب تصورهم أن تلاوة القرآن تتضمن اتباعه، أن التلاوة فيها تتابع الكلام، فخلطوا بينه وبين اتباع القرآن. وبعض عباراتهم موهمة كقول ابن فارس «1/351»: «التاء واللام والواو: أصل واحد وهو الإتْبَاع. يقال تلوته إذا تَبِعْتَه. ومنه تلاوة القرآن لأنه يُتْبِعُ آيةً بعد آية». وكان يجب أن يقول: أتْبَعْتُهُ لا تَبِعْتُهُ.
4. التلاوة بمعنى قراءة القرآن ابتكار إسلامي فلم أجدها في نص قبل الإسلام إلا في البشارة بالنبي صلى الله عليه وآله بأنه ستظهر على يديه التلاوة!
فقد رووا عن سطيح الكاهن قوله: «إذا غاضت بحيرة ساوة، وظهرت بأرض تهامة التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، فليست الشام لسطيح شاماً». «الفائق:2/19».
والظاهر أنها من جو المصطلح الإسلامي.
تَمَّ
تَمَام الشئ: انتهاؤه إلى حدٍّ لا يحتاج إلى شئ خارج عنه. والناقص: ما يحتاج إلى شئ خارج عنه، ويقال ذلك للمعدود والممسوح. تقول: عدد تَامٌّ وليلٌ تام، قال: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ. «الأنعام:115» وَاللَّه مُتِمُّ نُورِهِ. «الصف:8» وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ. «الأعراف:142».
ملاحظات
1. تعريفه للتمام والنقص ضعيف. وهما متفاوتان في الأشياء والأشخاص والأمور، ولا فرق بين المعدود وغيره. وقد وضح القرآن الفرق بينهما في قوله تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ. «البقرة:233».
وقال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الآسْلامَ دِينًا. «المائدة:3».
فالكمال يوصف به المركب الذي ينتفي وجوده بانتفاء جزئه، كتبليغ الرسالة الذي ينتفي بعدم تبليغ رسالة واحدة منه: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ. «المائدة:67».
والتمام يوصف به المركب الذي لاينتفي بانتفاء جزئه، كالرضاعة، فالتام منها حولان وإن نقصت يوماً لم تتم، لكنها تسمى رضاعة غير تامة. وسيأتي ذلك في كَمُلَ.
2. استعمل القرآن التمام في كلمةالله عز وجل: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً. «الأنعام:115» وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ. «هود:119» وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. «الأعراف:137».
كما وعدَ عز وجل أن يتم نوره في الأرض: وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. «الصف:8».
ويستعمل التمام في إتمام نعمته على الناس: كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ. «النحل:81».
وفي امتحان إبراهيم عليه السلام : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ «البقرة:124».
وفي دعاء المؤمنين يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا. «التحريم:8».
وفي إتمام النعمة على يوسف عليه السلام : وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ «يوسف:6».
وفي إتمام ميقات موسى عليه السلام : فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. «الأعراف:142».
وفي عقد موسى مع شعيب عليهما السلام : فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ. «القصص:27».
وفي إيتاء موسى الكتاب: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ. «الأنعام:154».
وفي إتمام النعمة على المسلمين: وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ. «المائدة:6». وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ. «البقرة:150».
وفي النعمة على نبينا صلى الله عليه وآله : وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ. «الفتح:2».
وفي الرضاعة: حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ. «البقرة:233».
وفي إتمام الصيام والحج والعهد: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ. «البقرة:187» وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمَرَةَ للهِ. «البقرة:176» فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ. «التوبة:4».
تَوْرَاة
التوراة: التاء فيه مقلوب، وأصله من الورى وبناؤها عند الكوفيين: وَوْرَاة، تَفْعِلَة، وقال بعضهم: هي تَفْعَلَة نحو تَنْفَلَة. وليس في كلامهم تفعلة إسماً.
وعند البصريين وَوْرَاة، هي فَوْعَلة نحو حَوْصَلَة. قال تعالى: إنا أَنْزَلْنَا التوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ «المائدة:44» ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التوْراةِ، وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ. «الفتح:29».
ملاحظات
1. العجب من اللغويين أنهم يحاولون إشتقاق الكلمات غير العربية كالتوراة، من أصل عربي ثم يتنازعون فيما يفترضونه من خيالهم!
قال ابن منظور«15/398»: «والتوْرَاةُ عند أَبي العباس تَفْعِلةٌ. وعند الفارسي فَوْعلة، قال: لقلة تَفْعِلة في الأسماء وكثرة فَوْعلة.
وقد أجاد ابن فارس حيث لم يعتبرها أصلاً عربياً، قال «1/358»: «التاء والواو والراء ليس أصلاً يعمل عليه».
نعم، قد يقال إن كثيراً من ألفاظ اللغة العربية والعبرية والبابلية والسريانية، تشترك في أصولها، وقيل إن التوْرَا بالعبرية: الشريعة وجمعها التوراة، وقيل معناها بالعبرية: الإراءة والتعليم والتوجيه، فقد تكون هي والإراءة في العربية من أصل واحد.
والذي أرجحه أن تكون من معنى التلاوة. لأن التلاوة مَرَّةً ومَثْنَاةً من أصول الكتاب الإلهي. وقد تقدم في المثناة، وسيأتي في التين والطور، ما ينفع في ذلك. وهو بحث تاريخي لغوي مهم.
تَارَةً
أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى. «الإسراء:69» وقال تعالى: وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى. «طه:55» أي مرَّة وكرَّة أخرى، هو فيما قيل من تار الجرح: التأم.
ملاحظات
جعله الراغب من تار الجرح. وجعلها الخليل«7/446» من طورٍ بعد طور. وجعلها إبن منظور«4/96» بمعنى الحين.
تِينٌ
قال تعالى: وَالتينِ وَالزَّيْتُونِ. «التين:1» قيل: هما جبلان، وقيل هما المأكولان. وتحقيق موردهما واختصاصهما يتعلق بما بعد هذا الكتاب.
ملاحظات
يقصد الراغب الكتاب الذي وعد بتأليفه في مقدمته قال: «وأُتْبِعُ هذا الكتاب. . بكتاب ينبئ عن تحقيق الألفاظ المترادفة» لكن الأجل لم يمهله لتأليفه.
وقد ورد التين في القرآن في هذه الآية فقط، وسميت السورة: التين. والمعنى: أقسم لكم ببلاد التين والزيتون وطور سيناء ومكة، وجهود الأنبياء عليهم السلام فيها لهداية الإنسان، أنا خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، وجاهد أنبياؤنا لهدايته، فاهتدى قسم وكذب آخرون، فرددنا المكذبين أسفل سافلين.
فالمقصود فيها بلاد التين والزيتون وليس ثمرهما، بقرينة المعطوف عليه والمقسم عليه، وبدليل ما روي عن الإمام الكاظم عليه السلام قال: «قال رسولالله صلى الله عليه وآله : إنالله تبارك وتعالى اختار من كل شئ أربعة: اختار من الملائكة جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام . واختار من الأنبياء أربعة للسيف إبراهيم وداود وموسى وأنا. واختار من البيوتات أربعة فقال: إِنَّاللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. واختار من البلدان أربعة فقال عز وجل: وَالتينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ. فالتين المدينة، والزيتون بيت المقدس، وطور سينين الكوفة، وهذا البلد الأمين مكة». «الخصال/225».
ونصت أحاديث أهل البيت عليهم السلام على أن إسم طور سينين أصله للكوفة. ومعناه أن إبراهيم وبنيه عليهم السلام سموا به طور سيناء في مهجرهم، كما يسمي المهاجرون بأسماء مدن بلدهم الأصلي. والى الآن توجد منطقة قرب النجف تسمى الطارات.
ويساعد عليه أن إبراهيم عليه السلام رجع مع إسماعيل بعد هلاك نمرود الى العراق. وقد تكون الطارات والطور لها علاقة بالتلاوة، ثم سميت التوراة، لأنها تستحق أن تتلى، كما سمي القرآن، لأنه يستحق أن يقرأ. وللبحث في ذلك مجال آخر.
تَوَبَ
التوْبُ: ترك الذنب على أجمل الوجوه وهو أبلغ وجوه الإعتذار، فإن الإعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو فعلت وأسأت وقد أقلعت، ولارابع لذلك. وهذا الأخير هو التوبة. والتوْبَةُ في الشرع: ترك الذنب لقبحه والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالأعمال بالإعادة، فمتى اجتمعت هذه الأربع، فقد كملت شرائط التوبة.
وتاب إلىالله: فَذِكْرُ إلىالله يقتضي الإنابة نحو: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ. «البقرة:54» وَتُوبُوا إِلَىالله جَمِيعاً. «النور:31» أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَىالله. «المائدة:74»
وتَابَالله عليه، أي قبل توبته، منه: لَقَدْ تابَالله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ. «التوبة:117» ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا. «التوبة:118» فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفاعَنْكُمْ. «البقرة:187».
والتائب: يقال لباذل التوبة ولقابل التوبة، فالعبد تائب إلىالله، والله تائب على عبده.
والتوَّاب: العبد الكثير التوبة، وذلك بتركه كل وقت بعض الذنوب على الترتيب حتى يصير تاركاً لجميعه. وقد يقال ذلك لله تعالى، لكثرة قبوله توبة العباد حالاً بعد حال.
وقوله: وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإنهُ يَتُوبُ إِلَىالله مَتاباً. «الفرقان:71» أي التوبة التامة، وهو الجمع بين ترك القبيح وتحري الجميل. عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ. «الرعد:30» إنهُ هُوَ التوَّابُ الرَّحِيمُ. «البقرة:54».
ملاحظات
1. قال ابن منظور «1/233»: «رَجل تَوَّابٌ: تائِبٌ إلى اللَّه. واللَّه تَوّابٌ: يَتُوبُ علَى عَبْدِه.
وقوله تعالى: غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التوْب. يجوز أَن يكون عَنَى به المَصْدَرَ كالقَول، وأَن يكون جمع تَوْبةٍ كَلَوْزةٍ ولَوْزٍ، وهو مذهب المبرد.
وقوله تعالى: وتُوبُوا إلى اللَّه جَمِيعاً. أَي عُودُوا إلى طَاعتِه وأَنيبُوا إليه. واللهُ التوَّابُ: يَتُوبُ على عَبْدِه بفَضْله إذا تابَ إليه من ذَنْبه. واسْتَتَبْتُ فُلاناً: عَرَضْتُ عليه التوْبَةَ مما اقْتَرَف أَي الرُّجُوعَ والنَّدَمَ».
2. التوبة في القرآن موضوع مهم، لأن القرآن كتاب دعوة الىالله تعالى، والتوبة هي الرجوع الىالله تعالى من الكفر أو المعصية.
وقد استعملها القرآن أكثر من ثمانين مرة، شملت: أصول نظام التوبة. والدعوة اليها. ووجوبها. وكيفيتها. وشروطها. وأنواع التائبين وحالاتهم. وتعاملالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله والمؤمنين معهم. ونتائج التوبة.
3. يظهر من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام أن التوبة فعلٌ نفسي وإن ترتب عليه فعل بدني. فقد روى الصدوق في كتابه التوحيد/408، قول النبي صلى الله عليه وآله : «كفى بالندم توبة. وقال صلى الله عليه وآله : من سرته حسنته وساءته سيئة فهو مؤمن، فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن، ولم تجب له الشفاعة، وكان ظالماً».
وعليه، فكل ما ورد من عمل في التوبة والتائب فهو من توابع التوبة، وأحياناً من شروط قبولها.
التِّيهُ
يقال: تَاهَ يَتِيهُ: إذا تحيَّر، وتاه يَتُوهُ لغةٌ في تاهَ يتيه. وفي قصة بني إسرائيل: أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ. «المائدة:26». وتَوَّهَهُ وتَيَّهَهُ: إذا حيَّره وطرحه. ووقع في التيهِ والتوه، أي في مواضع الحيرة. ومفازة تَيْهَاء: تحيَّر سالكوها.
ملاحظات
استعمل القرآن كلمة يتيهون مرة واحدة، في تيه بني إسرائيل في سيناء، فقال: قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ. «المائدة:26»
ورويَ عن الإمام محمد الباقر عليه السلام أنه قال: «فلما أبَوْا أن يدخلوها حرمهاالله عليهم فتاهوا في أربع فراسخ أربعين سنة يتيهون في الأرض. ونَزَّل عليهم المن والسلوى. وكان معهم حَجَرٌ إذا نزلوا ضربه موسى عليه السلام بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، لكل سبط عين. فإذا ارتحلوا رجع الماء إلى الحجر، ووضع الحجر على الدابة»! «البرهان:2/266».
التاءَات
التاء في أول الكلمة للقسم ، نحو: تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ. «الأنبياء:57» وللمخاطب في الفعل المستقبل نحو: تُكْرِهُ النَّاسَ. «يونس:99» وللتأنيث نحو: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ. «فصلت:30».
وفي آخر الكلمة تكون: إما زائدة للتأنيث، فتصير في الوقف هاء نحو: قائمهْ. أو تكون ثابتة في الوقف والوصل، وذلك في أخت وبنت. أو تكون في الجمع مع الألف، نحو مسلمات ومؤمنات.
وفي آخر الفعل الماضي لضمير المتكلم، نحو قوله تعالى: وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً «المدثر:12» أو للمخاطب مفتوحاً نحو: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. «الفاتحة:7» ولضمير المخاطبة مكسوراً، نحو: لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا. «مريم:27». والله أعلم.
ملاحظات
قال ابن هشام في المغني «1/115»: «التاء المفردة: محركةٌ في أوائل الأسماء ومحركةٌ في أواخرها، ومحركةٌ في أواخر الأفعال، ومسكنةٌ في أواخرها.
فالمحركة في أوائل الأسماء: حرف جر، معناه القسم، وتختص بالتعجب وباسمالله تعالى.
والمحركة في أواخرها: حرف خطاب نحو أنتَ وأنتِ.
والمحركة في أواخر الأفعال: ضمير نحو قمتُ وقمتَ وقمتِ.
والتاء الساكنة في أواخر الأفعال: حرف وضع علامة للتأنيث كقامت، وربما وصلت هذه التاء بثم ورب ، والأكثر تحريكها معهما بالفتح».
تم كتاب التاء

كتاب الثاء وما يتصل بها

ث
ثَبَتَ
الثَّبَات: ضد الزوال، يقال: ثَبَتَ يَثْبُتُ ثَبَاتاً، قالالله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا. «الأنفال:45» ورجل ثَبْتٌ وثَبِيتٌ في الحرب. وأَثْبَتَهُ السقم. ويقال ذلك للموجود بالبصر أو البصيرة، فيقال: فلان ثَابِت عندي. ونُبُوَّةُ النبي صلى الله عليه وآله ثابتة.
والإثبات والتثْبِيت: تارة يقال بالفعل، فيقال لما يخرج من العدم إلى الوجود، نحو: أثبتالله كذا.
وتارة لما يثبت بالحكم فيقال: أثبت الحاكم على فلان كذا وثبَّته. وتارة لما يكون بالقول، سواء كان ذلك صدقاً منه أو كذباً، فيقال: أثبت التوحيد وصدق النبوة، وفلان أثبت معالله إلهاً آخر.
وقوله تعالى: لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ. «الأنفال:30» أي يُثَبِّطُوكَ ويحيروك.
وقوله تعالى: يُثَبِّتُالله الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا. «إبراهيم:27» أي يقويهم بالحجج القوية.
وقوله تعالى: وَلَوْ أنهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً. «النساء:66» أي أشد لتحصيل علمهم.
وقيل: أثبت لأعمالهم واجتناء ثمرة أفعالهم، وأن يكونوا بخلاف من قال فيهم: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً. يقال: ثبَّتُّهُ، أي قوَّيته، قالالله تعالى: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ. «الإسراء:74». وقال: فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا. «الأنفال:12» وقال: وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ. «البقرة:265» وقال: وَثَبِّتْ أَقْدامَنا. «البقرة:250».
ملاحظات
1. تعريفه الثبات بأنه ضد الزوال، ضعيف. وليته أبقى تعريف ابن فارس بأنه: الدوام. وتفسيره ليثبتوك في الآية بيُثَبِّطُوكَ ويحيروك، لا يصح، بل معناه ليُثْبِتُوكَ جريحاً، فإن أثبته إذا أطلقت كانت بمعنى جَرَحَهُ وَأَقْعَدَهُ، إلا إذا وجدت قرينة صارفة، كقولك: أثبته وثاقاً.
وكذلك قولك همَّ بزيد، معناه أراد أن يبطش به، إلا إذا وجدت قرينة صارفة، مثل: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ: أرادته لنفسها وهي قرينة المقام. أما هَمَّ بِهَا فتبقى بمعنى البطش لعدم وجود قرينة تصرفها عن معناها. قال الجوهري «1/245»: «لِيُثْبِتُوكَ، أي يجرحوك جراحة لا تقوم معها».
كما أن تفسير الراغب لقوله تعالى: وَلَوْ أنهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً. بأن معناه: أشد لتحصيل علمهم. لايصح.
وقد تحير فيه المفسرون وذكر الطبري عدداً من أقوالهم في تفسيره «3/96» فأخذ الراغب منها ما رآه أنسب، وكلها غير مقنع!
ويظهر أن تركيب: تَثْبِيتاً من أَنفسهم، جديدٌ على علماء اللغة، ويتوقف فهمه على تعيين متعلق الجار والمجرور. والصحيح أن مِن بمعنى اللام والمعنى: ينفقون ليُثَبِّتُوا أنفسهم على الإيمان لأن الإنفاق دليل على الصدق فيه. فالجار والمجرور متعلق بتثبيتاً.
وقد احتمله العكبري في تفسيره «1/113» فقال: يجوز أن تكون من بمعنى اللام: أي تثبيتاً لأنفسهم، كما تقول: فعلت ذلك كسراً من شهوتي».
وذكر ابن هشام في المغني «1/321» مجئ مِن بمعنى الباء، وفي، وعند، لكنه لم يذكر مجيئها بمعنى اللام. ولا عجب فإن النحويين لم يستقرئوا اللغة استقراءً تاماً، فهذا فعل بَقِيَ فيه كل صفات كان النحوية، ولم يذكروه في أخواتها!
2. وقد ورد الثبات في القرآن في خمس آيات:
في الشجرة الطيبة:كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ. «إبراهيم:24».
وفي المحو والإثبات: يَمْحُواْاللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ. «الرعد:39».
وفي الثبات في الحرب: إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا. «الأنفال:45». وفي ثبات القدم في الإيمان: فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا. «النحل:94».
ويتصل بمعنى هذه الآية قول تعالى: يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِاللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ. «البقرة:265».
واستعمل التثبيت في ثلاث عشرة آية:
منها: في تثبيتالله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله :وَكُلاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ. «هود:120».
ومنها: في تثبيتالله عز وجل للمؤمنين: يُثَبِّتُاللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ. «إبراهيم:27». وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ. «الأنفال:11». إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا. «الأنفال:12».
ومنها الأعمال التي توجب تثبيت الإيمان: يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِاللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ. «البقرة:265» لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا. «النساء:66».
ثَبَرَ
الثُّبُور: الهلاك والفساد. المُثَابِر على الإتيان: أي المواظب، من قولهم: ثَابَرْتُ.
قال تعالى: دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً «الفرقان:13».
وقوله تعالى: وَإني لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً. «الإسراء:102» قال ابن عباس رضي الله عنه: يعني ناقص العقل، ونقصان العقل أعظم هُلْكٍ. وثَبِيرٌ جبل بمكة.
ملاحظات
أجاد ابن فارس في شرح الثبور فقال «1/400»: «أصول ثلاثة: الأول السهولة. والثاني الهلاك. والثالث المواظبة على الشئ. فالأرض السهلة هي الثبرة. قال ابن دريد: والثَّبْرَةُ تراب شبيه بالنورة، إذا بلغ عرق النخلة إليه وقف، فيقولون بلغت النخلة ثَبْرَةً من الأرض.
وثبير: جبل معروف. ورجل مثبور هالك. وفي كتاب الله تعالى: دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا».
ثَبَطَ
قالالله تعالى: فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ. «التوبة:46» حبسهم وشغلهم، يقال: ثَبَّطَه المرض وأَثْبَطَه: إذا حبسه ومنعه ولم يكد يفارقه.
ملاحظات
لم يُعَرِّفِ الراغب التثبيط، وذكر منه ثبَّطه المرض بمعنى حبسه ومنعه، وكأنه يرى أن التثبيط المنع.
وعرفه الخليل«7/412» وغيره بأنه إشغال الإنسان عن فعل. وفسروا التعويق بالتثبيط. «لسان العرب:10/280» وهو الصحيح لأن التثبيط يكون بأساليب كالإشغال والحبس والمنع. قال ابن منظور «7/267»: «وفي الحديث: كانت سَوْدةُ امرأَةً ثَبِطةً أَي ثقِيلة بَطِيئةً، من التثْبِيطِ وهو التعْوِيقُ والشَّغْلُ عن المُراد».
ثُبَا
قال تعالى: فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً. «النساء:71» هي جمَعْ ُثُبَة، أي جماعة منفردة، قال الشاعر: وقد أَغدو على ثُبَةٍ كرامِ
ومنه: ثَبَّيْتُ على فلان، أي ذكرت متفرَّق محاسنه. ويصغر ثُبَيَّة، ويجمع على ثُبَاتٍ وثُبِين، والمحذوف منه اللام.
وأما ثُبَةُ الحوض فوسطه الذي يثوب إليه الماء ، والمحذوف منه عينه لا لامه.
ملاحظات
وردت هذه المادة في القرآن مرة واحدة، واتفق المفسرون على أن معناها جماعات متفرقة.
قال ابن منظور «1/244»: «الثُّباتُ جَماعاتٌ في تَفْرِقةٍ، وكلُّ فِرْقةٍ ثُبةٌ، وهذا من ثابَ».
أما قول الراغب: ثَبَّيْتُ على فلان، أي ذكرت متفرَّق محاسنه، فلم يذكروا عليه شاهداً من شعر العرب، فهو محل شك، مضافاً الى أنه نشازٌ في لفظه ومعناه.
ثَجَّ
يقال: ثَجَّ الماء، وأتى الوادي بِثَجِيجِه. قالالله تعالى: وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا. «النبأ:14»وفي الحديث: أفضل الحج العَجُّ والثَّجُّ. أي رفع الصوت بالتلبية، وإسالة دم الهدي.
ثَخَنَ
يقال ثَخُنَ الشئ فهو ثَخِين: إذا غلظ فلم يسل، ولم يستمر في ذهابه. ومنه استعير قولهم: أَثْخَنْتُهُ ضرباً واستخفافاً. قالالله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ. «الأنفال:67» حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ. «محمد:4».
ملاحظات
وردت هذه المادة في آيتين وتخبط اللغويون والفقهاء والمحدثون في معنى الإثخان، لأنها ارتبطت بأسرى بدر، وزعموا أن عمر كان رأيه صواباً فوافقهالله تعالى، ونزل الوحي مؤيداً له ومخطئاً للنبي صلى الله عليه وآله لأنه أخذ الأسرى من قريش قبل أن يثخن في الأرض!
فهل معنى الإثخان في الأرض: السفر، أو جرح العدو، أو قتله. وهل حُذف تمييز الإثخان إرادةً لإطلاقه، فصار مطلقاً يشمل كل إثخان ؟
قال الراغب وتبعه صاحب الميزان«9/134» إن الإثخان هو أن يصير الدين قوياً ثخيناً جامداً، بعد أن كان ضعيفاً سائلاً! وهو قول لا يستقيم، وهو يستلزم الطعن في النبي صلى الله عليه وآله لأن أخذ الأسرى قبل أن يَثْخُنَ الدين وينتصر المسلمون في الأحزاب أو بعدها!
والتفسير الصحيح للآية: أن الإثخان يعني مواصلة الحرب والقتل، لكن لما انهزمت قريش في بدر، تبعهم صحابةٌ وأكثرهم كانوا خلف صف القتال، بدون أمر النبي صلى الله عليه وآله ليأسروا منهم ويربحوا فديتهم! فالخطأ منهم وليس من النبي صلى الله عليه وآله .
قال المفيد في المسائل العكبرية/109: «ولم يكن منه صلى الله عليه وآله في الأسرى ذنب عوتب عليه، وإنما كان ذلك من أصحابه الذين أسروا بغير علمه وكفوا عن القتال طمعاً في الفداء». راجع:ألف سؤال وإشكال «2/221».
ثَرِبَ
التثْرِيب: التقريع والتقرير بالذنب. قال تعالى: لاتَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ «يوسف:92».
وروي: إذا زنت أمَةُ أحدكم فليجلدها ولايثرِّبها. ولا يعرف من لفظه إلا قولهم: الثَّرْبُ، وهو شحمة رقيقة.
وقوله تعالى: يا أَهْلَ يَثْرِبَ. «الأحزاب:13» أي أهل المدينة، يصح أن يكون أصله من هذا الباب. والياء تكون فيه زائدة.
ملاحظات
قال ابن فارس «1/375»:«كلمتان متباينتا الأصل لا فروع لهما. فالتثريب اللوم والأخذ على الذنب. . والآخر: الثَّرْب وهو شحم قد غشي الكرش والأمعاء رقيق، والجمع ثُرُوب».
وهذا هو الصحيح، ولا علاقة لمدينة يثرب بهما، وقد تكون إسماً غير عربي.
ثَعَبَ
قال عز وجل: فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ. «الأعراف:107» يجوز أن يكون سمي بذلك من قوله: ثَعَبْتُ الماء فَانْثَعَبَ، أي فجَّرته وأَسَلْتُهُ فسال، ومنه: ثَعَبَ المطر. والثُّعْبَة: ضربٌ من الوزغ وجمعها ثُعَبٌ، كأنه شُبِّه بالثعبان في هيئته فاختصرلفظه من لفظه، لكونه مختصراً منه في الهيئة.
ملاحظات
تبع الراغب ابن فارس «1/378» فاحتمل أن يكون أصلها من ثَعَب الماء أي جرى لأنه ينساب كالماء. لكنه عكسه محتمل أيضاً. قال ابن منظور «1/136»: «وفي الحديث: يجئُ الشَّهيدُ يومَ القيامةِ وجُرْحُه يَثْعَبُ دَماً، أَي يَجْري. والمَثْعَبُ: بالفتح واحد مَثاعِبِ الحِياضِ.
والثُّعْبانُ: الحَيَّةُ الضَّخْمُ الطويلُ الذكرُ خاصّةً.
وقوله تعالى: فأَلْقَى عَصاه فإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ. . وفي موضع آخر: تَهْتَزُّ كأَنها جانٌّ. والجانُّ الصغيرُ من الحيَّات».
وقال أمير المؤمنين عليه السلام كما في الخصال /624: « ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً. حوضنا مترعٌ، فيه مثعبان يَنْصَبَّانِ من الجنة: أحدهما من تسنيم، والآخر من معين، على حافتيه الزعفران، وحصاه اللؤلؤ والياقوت. وهو الكوثر».
ثَقَبَ
الثَّاقِب: المضئ الذي يثقب بنوره وإضاءته ما يقع عليه. قالالله تعالى: فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ. «الصافات:10» وقال تعالى: وَما أَدْراكَ مَا الطارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ «الطارق:2» وأصله من الثُّقْبَة. والمَثْقَبُ: الطريق في الجبل، كأنه قد ثقب.
وقال أبو عمرو: والصحيح المِثْقَب. وقالوا: ثَقَبْتُ النار، أي ذكَيتها.
ملاحظات
ورد لفظ الثاقب في آيتين: صفةً للنجم، وصفةً للشهاب الذي يُرمى به الجن. ونص اللغويون على أن الثاقب إسم فاعل من ثَقَبَ أي خَرَقَ، فالنجم الثاقب يثقب بنوره كما قال الراغب، أو بنفسه، فبعض النجوم تثقب أجواء الكون بنفسها. وكذا الشهاب الذي يرمى به الجن، بنفسه أو بأشعته الحارقة.
ثَقِفَ
الثَّقْفُ: الحذق في إدراك الشئ وفعله، ومنه قيل: رجل ثَقِفٌ، أي حاذق في إدراك الشئ وفعله. ومنه استعير المُثَاقَفَة. ورمح مُثَقَّف: أي مقوَّم. وما يُثَقَّفُ به:الثِّقَاف. ويقال: ثَقِفْتُ كذا: إذا أدركته ببصرك لحذق في النظر. ثم يُتَجَوَّز به فيستعمل في الإدراك وإن لم تكن معه ثِقَافَة.
قالالله تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ«البقرة:19» وقال عز وجل: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ «الأنفال:57» وقال عز وجل: مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا. «الأحزاب:61».
ملاحظات
قال الخليل «5/139»: «قال أعرابي: إني لَثَقِفٌ لَقِفٌ رَاوٍ رَامٍ شاعر. وثَفَقْتُ فلاناً في موضع كذا: أي أخذناه ثقفاً. وقَلْبٌ ثَقِفٌ: أي سريع التعلم والتفهم».
وقال ابن فارس «1/382»: «يقال ثقفت به: إذا ظفرت به. فإن قيل: فما وجه قرب هذا من الأول؟ قيل له: أليس إذا ثقفه فقد أمسكه. وكذلك الظافر بالشئ يمسكه، فالقياس بأخذهما مأخذاً واحداً».
فأصل الثقافة : المهارة وتعديل العِوَج. استعملت في مهارة الإمساك بالعدو، فمعنى قوله تعالى: فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ، حيث تمكنتم بمهارتكم من الإمساك بهم.
وفي عصرنا استعملت الثقافة بمعنى المهارات وكافة العناصر التعليمية والفنية والأخلاقية، للمجتمع أو لشخص. بل صارت بمعنى معالم المدنية والحضارة.
ثَقُلَ
الثِّقْلُ والخِفَّةُ متقابلان، فكل ما يترجح على ما يوزن به أو يقدَّر به يقال: هو ثَقِيل.
وأصله في الأجسام، ثم يقال في المعاني نحو: أَثْقَلَه الغرم والوزر. قالالله تعالى: أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ. «الطور:40». والثقيل في الإنسان يستعمل تارة في الذم، وهو أكثر في التعارف وتارة في المدح نحو قول الشاعر:
تخفُّ الأرضُ إذْ ما زلتَ عنها
وتبقى ما بقيتَ بها ثقيلا
حللتَ بمستقرِّ العِزِّ منها
فتمنعُ جانبيها أن تميلا
ويقال: في أذنه ثِقل: إذا لم يَجُد سمعه، كما يقال في أذنه خفة: إذا جَادَ سمعه، كأنه يثقل عن قبول ما يلقى إليه. وقد يقال: ثَقُلَ القول إذا لم يطب سماعه، ولذلك قال في صفة يوم القيامة: ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. «الأعراف:187».
وقوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها. «الزلزلة:2» قيل كنوزها، وقيل ما تضمنته من أجساد البشر عند الحشر والبعث.
وقال تعالى: وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ. «النحل:7» أي أحمالكم الثقيلة. وقال عز وجل: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ «العنكبوت:13» أي آثامهم التي تثقلهم وتثبطهم عن الثواب كقوله تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ. «النحل:25».
وقوله عز وجل: إنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا. «التوبة:41» قيل: شُبَّاناً وشيوخاً. وقيل فقراء وأغنياء، وقيل غرباء ومستوطنين، وقيل نُشُّاطاً وكسالى.
وكل ذلك يدخل في عمومها، فإن القصد بالآية الحثُّ على النفر على كل حال، تَصْعُبُ أو تَسْهُل.
والمِثْقَال: ما يوزن به وهو من الثقل، وذلك إسم لكل سَنْج «حجر الميزان» قال تعالى: وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ. «الأنبياء:47»
وقال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. «الزلزلة:7».
وقوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ. «القارعة:6» فإشارة إلى كثرة الخيرات. وقوله تعالى: وأما مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ. «القارعة:8» فإشارة إلى قلة الخيرات.
والثقيل والخفيف يستعمل على وجهين: أحدهما: على سبيل المضايفة، وهو أن لا يقال لشئ ثقيل أو خفيف إلا باعتباره بغيره، ولهذا يصح للشئ الواحد أن يقال خفيف إذا اعتبرته بما هو أثقل منه، وثقيل إذا اعتبرته بما هو أخف منه، وعلى هذه الآية المتقدمة آنفاً.
والثاني: أن يستعمل الثقيل في الأجسام المرجَّحة إلى أسفل كالحجر والمدر، والخفيف يقال في الأجسام المائلة إلى الصعود كالنار والدخان، ومن هذا الثقل قوله تعالى: إثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ. «التوبة:38».
ملاحظات
استعمل القرآن زبدة ألفاظ هذه المادة كعادته. فاستعمل للقيامة: ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ «الأعراف187» وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلاً.
ولحساب يوم القيامة: مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ. و:مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ.
وللوحي المنزل على رسوله عليه السلام : إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً.
ووصفاً للسحاب: وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ.
ووصفاً للمقصرين في النفر للجهاد: مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِاللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ. إنْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا.
ووصفاً للذنوب: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ.
ووصفاً للنفس المثقلة بالذنوب: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَئٌ.
وللمُثقلين من الضريبة المالية: أَمْ تَسْئلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ.
واستعمل الثقلين للإنس والجن: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ.
والأثقال لأسباب المعيشة:وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ.
ولأجساد الموتى: وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا.
واستعمل المثقال لدقة علمالله تعالى:وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ.
وللوزن يوم القيامة:فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
وأشهر استعمالات هذه المادة في السنة وصية النبي صلى الله عليه وآله لأمته بالثقلين: إني تاركٌ فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي عليهم السلام أي الثقيلين في قدرهما ومسؤوليتهما.
ثَلَثَ
الثَّلَاثَة والثَّلَاثُون والثَّلَاث والثَّلَاثُ مِائَة وثَلَاثَة آلاف، والثُّلُثُ والثُّلُثَان.
قال عز وجل: فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ. «النساء:11» أي أحد أجزائه الثلاثة، والجمع أَثْلَاث، قال تعالى: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً. «الأعراف:142».
وقال عز وجل: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ. «المجادلة:7» وقال تعالى: ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ «النور:58» أي ثلاثة أوقات العورة.
وقال عز وجل: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ «الكهف:25». وقال تعالى: بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ. «آل عمران:124».
وقال تعالى: إن رَبَّكَ يَعْلَمُ إنكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ. «المزمل:20». وقال عز وجل: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ. «فاطر:1» أي اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة.
وثَلَّثْتُ الشئ: جزَّأته أثلاثاً. وثَلَّثْتُ القوم: أخذت ثلث أموالهم. وأَثْلَثْتُهُمْ: صرت ثالثهم أو ثلثهم. وأَثْلَثْتُ الدراهم فأثلثت هي، وأَثْلَثَ القوم: صاروا ثلاثة.
وحبل مَثْلُوث: مفتول على ثلاثة قوى. ورجل مَثْلُوث: أخذ ثلث ماله. وثَلَّثَ الفرس وربَّع جاء ثالثاً ورابعاً في السباق.
ويقال: أَثَلَاثَةٌ وثلاثون عندك أو ثلاث وثلاثون؟ كناية عن الرجال والنساء، وجاؤوا ثُلَاثَ ومَثْلَثَ، أي ثلاثة ثلاثة. وناقة ثَلُوث: تحلب من ثلاثة أخلاف.
والثَّلَاثَاء والأربعاء من الأيام، جعل الألف فيهما بدلاً من الهاء، نحو: حسنة وحسناء، فخصَّ اللفظ باليوم. وحكي: ثَلَّثْتُ الشئ تَثْلِيثاً: جعلته على ثلاثة أجزاء. وثَلَّثَ البُسْر: إذا بلغ الرطب ثلثيه. وثَلَّثَ العنب: أدرك ثلثاه. وثوب ثُلَاثِيٌّ: طوله ثلاثة أذرع.
ثَلَّ
الثَّلَّة: قطعةٌ مجتمعة من الصوف، ولذلك قيل للمقيم ثَلَّة. ولاعتبار الإجتماع قيل: ثُلَّةٌ مِنَ الأولينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ. «الواقعة:39» أي جماعة. وثَلَّلْتُ كذا: تناولتُ ثُلَّةً منه.
وثَلَّ عرشه: أسقط ثُلَّةً منه. والثَّلَل: قِصَرُ الأسنان لسقوط ثلة منها. وأثلَّ فمه: سقطت أسنانه. وتثللت الركية: أي تهدَّمت.
ملاحظات
لم يذكر الراغب اشتقاق ثَلَّ لأنه غير معلوم، وقال ابن فارس «1/368 »:«أصلان متباينان: أحدهما، التجمع. والآخر، السقوط والهدم والذل».
وقال الخليل «8/115»: «والثُّلَّة: قطيع من الغنم غير كثير. والثُّلَّة: جماعة من الناس كثيرة».
أقول: لاتدل الثُّلَّة بذاتها على كثرة أو قلة، فهي مثل قسم وبعض وجماعة، يعرف كبرها وصغرها من غيرها.
ثَمَدَ
ثَمُود: قيل هو أعجمي، وقيل هو عربي وتُرك صرفه لكونه إسم قبيلة أو أرض. ومن صرفه جعله إسم حيٍّ أو أب، لأنه يذكر فعول من الثَّمَد، وهو الماء القليل الذي لا مادّة له. ومنه قيل: فلان مَثْمُود، ثَمَدَتْهُ النساء: أي قطعن مادة مائه لكثرة غشيانه لهن.
ومَثْمُود: إذا كثر عليه السُّؤال حتى فقد مادة ماله.
ملاحظات
الثَّمَد: الماء القليل والوشْل. وقد جعله ابن فارس يشمل غير الماء أيضاً. «1/388». والثماد: الرمل أو التراب الذي فيه الثمد.
قال الإمام الباقر عليه السلام يصف علماء السلطة «الكافي:1/ 122»: «يَمُصُّونَ الثَّماد ويَدَعُونَ النهر العظيم! قيل له: وما النهر العظيم؟ قال: رسولالله صلى الله عليه وآله والعلم الذي أعطاهالله. إنالله عز وجل جمع لمحمد صلى الله عليه وآله سنن النبيين من آدم وهلمَّ جَرّاً إلى محمد صلى الله عليه وآله . قيل له: وما تلك السنن؟ قال: علم النبيين عليهم السلام بأسره، وإن رسولالله صلى الله عليه وآله صَيَّرَ ذلك كله عند أمير المؤمنين عليه السلام ».
2. ذُكرت ثمود في القرآن بضعاً وعشرين مرة. «وهم قبيلة من العرب الأولى، وهم قوم صالح» «الصحاح:2 /451».
وقال بعض النسابة: ثمودٌ من عاد. «الصحاح:2/ 636» ومنازلهم في الحِجْر، وتقع بين الشام والحجاز عند وادي القرى. «الصحاح:2/624».
وأحمر ثمود: لقب قدار بن سالف، عاقر ناقة صالح عليه السلام «الصحاح:2/636».
وكانت العرب تتداول معلومات عن تاريخ عاد وثمود، وأنهما حضارتان طغتا، فأهلكهماالله تعالى، فكان تهديد القرآن للعرب بعقوبة ثمود مؤثراً فيهم. رويَ أن الوليد بن المغيرة جاء الى النبي صلى الله عليه وآله وقال له: «يا محمد أنشدني من شعرك، قال: ما هو شعر ولكنه كلامالله الذي ارتضاه لملائكته وأنبيائه. فقال: أُتْلُ عليَّ منه شيئاً، فقرأ رسولالله صلى الله عليه وآله : حم السجدة، فلما بلغ قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا، يا محمد أعني قريشاً، فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ. قال: فاقشعر الوليد وقامت كل شعرة في رأسه ولحيته، ومر إلى بيته ولم يرجع إلى قريش». «تفسير القمي:2/394».
ثَمَرٌ
الثَّمَرُ: إسم لكل ما يُتطعم من أحمال الشجر، الواحدة ثَمَرَة، والجمع:ثِمَار وثَمَرَات، كقوله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ «البقرة:22» وقوله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالإعنابِ. «النحل:67» وقوله تعالى: أنْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ. «الأنعام:99» وقوله تعالى: وَمِنْ كل الثَّمَراتِ «الرعد:3».
والثَّمَر: قيل هو الثِّمَار، وقيل هو جمعه. ويكنَّى به عن المال المستفاد. وعلى ذلك حمل ابن عباس: وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ «الكهف:34».
ويقال: ثَمَّرَالله ماله، ويقال لكل نفع يصدر عن شئ: ثَمَرَة، كقولك: ثمرة العلم العمل الصالح، وثمرة العمل الصالح الجنة.
وثمرة السوط: عُقدة أطرافها، تشبيهاً بالثمر في الهيئة، والتدلي عنه كتدلي الثمر عن الشجر.
والثَّمِيرَة من اللبن: ما تحبب من الزُّبد تشبيهاً بالثمر في الهيئة، وفي التحصيل من اللبن.
ملاحظات
عَرَّفَ الخليل الثمر «8/223» بأنه: حِمْل الشجر، وعرفه الراغب بأنه ما يؤكل من أحمال الشجر. لكنه أعم منهما لأنه يوجد ثمر لا يؤكل، وثمر على غير الشجر، وقد سمىالله رحيق الزهور ثمراً فقال تعالى للنحل: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ.
ثُمَّ
ثُمَّ:حرف عطف يقتضي تأخر ما بعده عما قبله، إما تأخيراً بالذات أو بالمرتبة أو بالوضع، حسبما ذكر في قبل وفي أول. قال تعالى: أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا. «يونس:51» وقال عز وجل: ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ. «البقرة:52» وأشباهه.
وثُمَامَة:شجر. وثَمَّتِ الشاةُ: إذا رعتها، نحو شَجَّرَت إذا رعت الشجر. ثم يقال في غيرها من النبات.
وثَمَمْتُ الشئ: جمعته، ومنه قيل: كنا أَهْلَ ثُمِّهِ ورَمِّهِ. والثُّمَّة:جَمْعَةٌ من حشيش.
وثَمَّ: إشارة إلى المتبعِّد من المكان، وهنالك للمتقرب، وهما ظرفان في الأصل، وقوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ. «الإنسان:20» فهو في موضع المفعول.
ملاحظات
1. قال ابن هشام في المغني «1/117»: «ثُمَّ:ويقال فيها فُمَّ، كقولهم في جدث جدف: حرفُ عطفٍ يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفى كل منها خلاف».
ثم ردَّ الإشكالات على دلالتها على الترتيب والتراخي. ورد قولَ الطبري بأنها بمعنى هنالك في قوله تعالى: أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ. وقال: «هذا وهم. اشتبه عليه ثُم المضمومة الثاء بالمفتوحة».
ثم قال عن ثَمَّ بالفتح: «إسم يشار به إلى المكان البعيد نحو: وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ. وهو ظرف لا يتصرف، فلذلك غُلِّط من أعربه مفعولاً لرأيت في قوله تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ. ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتأخر عنه كاف الخطاب».
2. معنى: «كنا أَهْلَ ثُمِّهِ ورُمِّهِ» الذي جاء في كلام الراغب: «كنا أهل تربيته، والمتولين لجمع أمره، وإصلاح شأنه». «الفائق للزمخشري:1/154».
ثَمَنٌ
قوله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ. «يوسف:20» الثَّمَنُ: إسم لما يأخذه البائع في مقابلة البيع، عيناً كان أو سلعة. وكل ما يحصل عوضاً عن شئ فهو ثمنه. قال تعالى: إن الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِالله وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا. «آل عمران:77». وقال تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِالله ثَمَناً قَلِيلًا. «النحل:95». وقال: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا. «البقرة:41».
وأَثْمَنْتُ الرجل بمتاعه وأَثْمَنْتُ لَهُ: أكثرت له الثمن. وشئ ثَمِين: كثير الثمن. والثَّمَانِيَة والثَّمَانُون والثُّمُن في العدد، معروف.
ويقال ثَمَّنْتُهُ: كنت له ثامناً، أو أخذت ثمن ماله، وقال عز وجل: سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ. «الكهف:22»
وقال تعالى: عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ. «القصص:27». والثَّمِين: الثُّمْن، قال الشاعر: فما صَار لي في القَسْمِ إلا ثَمِينُهَا
وقوله تعالى: فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ. «النساء:12».
ثَنَيَ
الثَّنْي والإثنان: أصل لمتصرفات هذه الكلمة، ويقال ذلك باعتبار العدد، أو باعتبار التكرير الموجود فيه، أو باعتبارهما معاً. قالالله تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ. «التوبة:40» اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً. «البقرة:60». وقال: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ. «النساء:3».
فيقال ثَنَّيْتُهُ تَثْنِيَة: كنت له ثانياً، أو أخذت نصف ماله، أو ضممت إليه ما صار به اثنين.
والثِّنْيُ: مايعاد مرتين، قال عليه السلام : لاثِنْيَ في الصدقة، أي لاتؤخذ في السنة مرتين. قال الشاعر:
لقد كانت مَلامَتُهَا ثَنِىَّا
وامرأة ثِنْيٌ: ولدت اثنين، والولد يقال له: ثِنْيٌ. وحلف يميناً فيها ثُنْيَا وثَنْوَى وثَنِيَّة ومَثْنَوِيَّة. ويقال لِلَاوِي الشئ: قد ثَناه، نحو قوله تعالى: أَلا إنهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ«هود:5» وقراءة ابن عباس: يَثْنَوْنَى صدورهم، من: اثْنَوْنَيْتُ.
وقوله عز وجل: ثانِيَ عِطْفِهِ. «الحج:9» وذلك عبارة عن التنكر والإعراض، نحو: لوى شدقه. وَنَأى بِجانِبِهِ. «الإسراء:83».
والثَّنِيُّ من الشاة: ما دخل في السنة الثانية، وما سقطت ثنيته من البعيروقد أَثْنَى.
وثَنَيْتُ الشئ أَثْنِيهِ: عقدته بثنايين غير مهموز، قيل وإنما لم يهمز لأنه بنى الكلمة على التثنية، ولم يبن عليه لفظ الواحد.
والمُثَنَّاة: ما ثني من طرف الزمام. والثُّنْيَان الذي يثنى به إذا عُدَّ السادات. وفلان ثَنِيَّة أهل بيته: كناية عن قصور منزلته فيهم.
والثَّنِيَّة من الجبل: ما يحتاج في قطعه وسلوكه إلى صعود وحدور، فكأنه يثني السير.
والثَّنِية من السن: تشبيهاً بالثنية من الجبل في الهيئة والصلابة.
والثُّنْيَا من الجزور: ما يثنيه جازره إلى ثنيه من الرأس والصلب، وقيل: الثُّنْوَى.
والثَّنَاء: ما يذكر في محامد الناس، فيثنى حالاً فحالاً ذكره، يقال: أثنى عليه. وتَثَنَّى في مشيته: نحو تبختر.
وسميت سور القرآن مثاني في قوله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي «الحجر:87» لأنها تُثَنَّى على مرور الأوقات وتُكَرَّر، فلا تدرس ولا تنقطع دروس سائر الأشياء التي تضمحل وتبطل على مرور الأيام.
وعلى ذلك قوله تعالى: الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ. «الزمر:23» ويصح أنه قيل للقرآن: مثاني، لما يثنى ويتجدد حالاً فحالاً من فوائده، كما روي في الخبر في صفته: لايَعْوَجُّ فَيُقَوَّم ولا يَزيغ فيُستعتب، ولاتنقضي عجائبه. ويصح أن يكون ذلك من الثناء، تنبيهاً على أنه أبداً يظهر منه ما يدعو إلى الثناء عليه، وعلى من يتلوه ويعلمه ويعمل به.
وعلى هذا الوجه وصفه بالكرم في قوله تعالى: إنهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. «الواقعة:77» وبالمجد في قوله: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. «البروج:21».
والإستثناء: إيراد لفظ يقتضي رفع بعض ما يوجبه عموم لفظ متقدم، أو يقتضي رفع حكم اللفظ عما هو.
فمما يقتضي رفع بعض ما يوجبه عموم اللفظ قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً.. الآية «الأنعام:145».
وما يقتضي رفع ما يوجبه اللفظ، فنحو قوله: والله لأفعلنَّ كذا إن شاءالله، وامرأته طالق إن شاءالله، وعبده عتيق إن شاءالله، وعلى هذا قوله تعالى: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ. «القلم:17».
ملاحظات
1. أطال الراغب في تفسير المثاني بلا محصل، قال: «وسميت سور القرآن مثاني في قوله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي لأنها تُثَنَّى على مرور الأوقات وتُكَرَّر. . الخ. ».
ثم عاد وصحح وجهين لتسميتها، أحدهما: أنه مثاني لأنه يتجدد. وأنه مثاني بمعنى يُثنى عليه، فهو مشتق من الثناء، لأنه أثنى على القرآن بالكرم والمجد. وهو كلام ضعيف!
2. الصحيح أن المثاني صفةٌ لكل القرآن، وصفةٌ لسورة الحمد، وهي السبع المثاني، وصفةٌ للسور المثاني التي هي أقل من مئة آية. ولا منافاة بين ذلك.
ذلك أنالله تعالى أطلق هذا الوصف على القرآن مقابل النص التوراتي الذي يقرأ مثنى، أي يقرأ وتعاد قراءته ليفهم أكثر.
فقد وضع اليهود كتباً سموها المثناة «المشنا» شبهوها بالتوراة بأنها تستحق أن تُقرأ مَثْنى. فقال لهمالله تعالى ليس تلمودكم وما كتبتموه مثاني، ولا حتى التوراة بعد اليوم، بل هذا القرآن، وكله مثاني، يستحق أن يقرأ مثنى مثنى، وفي كل قراءة يفهم القارئ منه أكثر، وتنفتح له أبعادٌ ومعانٍ جديدة.
3. قال ابن منظور «14/11»: «قال أَبو عبيد:المَثاني من كتاب الله ثلاثة أَشياء: سَمَّىالله عز وجل القرآن كله مثانيَ في قوله عز وجل: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ . وسَمَّى فاتحةَ الكتاب مثاني في قوله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ.
4. السبع المثاني: سورة الحمد، والبسملة أول آية فيها، وسميت مثاني لأنها تثنى في الصلاة، وبهذا أفتى فقهاؤنا وأكثر فقهاء المذاهب.
قال أمير المؤمنين كما في عيون أخبار الرضا عليه السلام «1/270»: «إن بسمالله الرحمن الرحيم آية من فاتحة الكتاب، وهي سبع آيات تمامها بسمالله الرحمن الرحيم. سمعت رسولالله صلى الله عليه وآله يقول: إنالله عز وجل قال لي: يا محمد: ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم، فأفرد الإمتنان عليَّ بفاتحة الكتاب، وجعلها بإزاء القرآن العظيم».
5. تصور بعضهم أن كلمة اثنين في قوله تعالى: وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، للتأكيد، لكن المعنى: اثنين من كل زوجين. قال الخليل «6/167»: «يقال: لفلان زوجان من الحمام، أي ذكر وأنثى. قال سبحانه : فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ».
6. قوله عز وجل: فانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ. وقوله:جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ.
قال في جامع المقاصد «12/374»: «والواو للتخيير لا للجمع، وإلا لجاز نكاح ثماني عشرة، لأن معنى قوله مثنى:اثنتين اثنتين، وكذا قوله: وثلاث: معناه ثلاثاً ثلاثاً، وقوله ورباع: معناه أربعاً أربعاً».
7. معنى قوله تعالى: إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُاللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّاللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَاللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا. أنالله تكفل بنصره وإن لم تنصروه فقد نصره عندما كان وحيداً فاراً من قومه ليس معه إلا شخص واحد غير مقاتل، فأنزل عليه السكينة وجنوداً لم يرها رفقاؤه. فليس في الآية إلا إشارة إلى شخص كان معه، بقطع النظر عن نوعه ومن هُوَ.
وفي لسان العرب «14/116» والصحاح «6/2295» والمغني «1/84» «تقول هو ثاني اثنين: أي أحد اثنين. واحدٌ من اثنين».
فمصب الآية على وحدة النبي صلى الله عليه وآله فقد أفرد ضميره في قوله: إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ولم يقل أخرجهما، وأفرده في نزول السكينة فقال: فَأَنْزَلَاللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا. ولم يقل عليهما. وهذا يدل على عدم وجود دور لمرافقه في صلب الهجرة. ويتضح بطلان دعوى بعضهم أن معنى ثاني اثنين: أن النبي صلى الله عليه وآله أول وأبا بكر ثانٍ. فالثاني في اللفظ هو النبي صلى الله عليه وآله والأول أبو بكر فالترتيب الرتبي لا يصح، والترتيب العددي غير مقصود، بل المعنى أنه صلى الله عليه وآله كان وحده ولم يكن معه إلا نفر واحد لا ينفعه.
ثَوَبَ
أصل الثَّوْب: رجوع الشئ إلى حالته الأولى التي كان عليها، أو إلى الحالة المقدرة المقصودة بالفكرة، وهي الحالة المشار إليها بقولهم: أول الفكرة آخر العمل.
فمن الرجوع إلى الحالة الأولى قولهم: ثَابَ فلان إلى داره، وثَابَتْ إِلَيَّ نفسي، وسمي مكان المستسقي على فم البئر مَثَابَة.
ومن الرجوع إلى الحالة المقدرة المقصود بالفكرة: الثَّوْب، سمي بذلك لرجوع الغزل إلى الحالة التي قدرت له، وكذا ثواب العمل.
وجمع الثوب أَثْوَاب وثِيَاب، وقوله تعالى: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. «المدثر:4» يحمل على تطهير الثوب.
وقيل: الثياب كناية عن النفس لقول الشاعر: ثياب بني عوف طهارى نقيَّةٌ. وذلك أمْرٌ بما ذكرهالله تعالى في قوله: إنما يُرِيدُالله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. «الأحزاب:33».
والثَّوَاب: ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله، فيسمى الجزاء ثواباً تصوراً أنه هو هو، ألا ترى كيف جعلالله تعالى الجزاء نفس العمل في قوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. «الزلزلة:7» ولم يقل جزاءه.
والثواب: يقال في الخير والشر، لكن الأكثر المتعارف في الخير، وعلى هذا قوله عز وجل: ثَواباً مِنْ عِنْدِالله وَاللَّه عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ. «آل عمران:195» فَآتاهُمُالله ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ. «آل عمران:148».
وكذلك المَثُوبَة في قوله تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَالله. «المائدة:60» فإن ذلك استعارة في الشر كاستعارة البشارة فيه. قال تعالى: وَلَوْ إنهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِالله. «البقرة:103».
والإِثَابَةُ: تستعمل في المحبوب، قال تعالى: فَأَثابَهُمُالله بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ. «المائدة:85» وقد قيل ذلك في المكروه: فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ. «آل عمران:153» على الإستعارة كما تقدم.
والتثْوِيب: في القرآن لم يجئ إلا في المكروه نحو: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ «المطففين:36».
وقوله عز وجل: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً. «البقرة:125» قيل معناه: مكاناً يثوب إليه الناس على مرور الأوقات. وقيل: مكاناً يكتسب فيه الثواب.
والثَّيِّب: التي تثوب عن الزوج. قال تعالى: ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً. «التحريم:5» وقال عليه السلام : الثيِّب أحق بنفسها.
والتثْوِيب: تكرار النداء، ومنه: التثويب في الأذان. والثُّوبَاء: التي تعتري الإنسان، سميت بذلك لتكررها.
والثُّبَة: الجماعة الثائب بعضهم إلى بعض في الظاهر. قال عز وجل: فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً«النساء:71» . قال الشاعر: وقد أغدو على ثُبَةٍ كرامِ.
وثُبَةُ الحوض: ما يثوب إليه الماء، وقد تقدم.
ملاحظات
1. جعل الراغب ثَوَبَ أصلاً واحداً بمعنى الرجوع، تبعاً لابن فارس «1/393» . لكن يصعب جعل الثوب والثواب بمعنى الرجوع لأنه يرجع إلى الحالة التي قدرت له!
ولو صح ذلك لصح أن نسمي السيارة مثلاً ثوباً، لأن حديدها وموادها تثوب الى الحالة التي قدرت لها!
2. لم يستعمل القرآن كلمة ثَوْبٍ بل كلمة ثياب، فأمرَ النبيَّ صلى الله عليه وآله والمسلمين بتطهير ثيابهم، وبين حكم التبذل ووضع الثياب، وسَخِرَ من الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم ويستغشون ثيابهم، لئلا يسمعوا القرآن! وذكر ثياب السندس والإستبرق لأهل الجنة، والثياب المقطعة من نار للكافرين، أعاذناالله.
3. الثواب والعقاب نظام رباني، لسَوْق الإنسان الى تكامله ومنعه من السقوط.
وقد فصَّله الإسلام في نحو عشرين آية: فقَسَّمَ الثواب الى ثواب الدنيا وثواب الآخرة: قال تعالى: وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الأَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا. «آل عمران:145» فَآتَاهُمُاللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ. «آل عمران:148». لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِاللهِ خَيْرٌ. «البقرة:103». هُنَالِكَ الْوَلايَةُ للهِ الْحق هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا. «الكهف:44». وقال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُاللهِ خَيْرٌ. «القصص:80». وقال تعالى: وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا. «الفتح:18».
ووصف قسماً من العقوبات بالثواب: قال تعالى: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَاكَأنوا يَفْعَلُونَ. «المطفّفين:36». وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ. «آل عمران:153». قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَاللهِ مَنْ لَعَنَهُاللهُ. «المائدة:60».
وقَسَّمَ الثواب الى درجات: منها الثواب العادي ومنها حُسْنُ الثواب، ونِعْمَ الثواب، والثواب بالنصر، والثواب بالجنات وأرائكها. . الخ.
ثَوَرَ
ثَارَ الغبار والسحاب ونحوهما، يَثُور ثَوْراً وثَوَرَاناً: انتشر ساطعاً، وقد أَثَرْتُهُ. قال تعالى: فَتُثِيرُ سَحاباً «الروم:48». يقال: أَثَرْتُ الأرض، كقوله تعالى: وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها «الروم:9».
وثَارَتِ الحصبة ثَوْراً: تشبيهاً بانتشار الغبار. وثَوَّرَ شراً كذلك. وثَارَ ثَائِرُهُ: كناية عن انتشار غضبه.
وثَاوَرَهُ: واثبه. والثَّوْرُ: البقر الذي يثار به الأرض، فكأنه في الأصل مصدرٌ جُعل في موضع الفاعل نحو: ضيف وطيف في معنى: ضائف وطائف. وقولهم سقط ثور الشفق: أي الثائر المنتثر.
والثأر: هو طلب الدم وأصله الهمز. وليس من هذا الباب.
ملاحظات
استعمل القرآن هذه المادة في إثارة الأرض وإعمارها بالمدنية والحضارة. وفي إثارتها وزراعتها. وفي إثارة الخيل للنقع في الحرب. وفي إثارة الرياح للسحاب.
ثَوَيَ
الثَّوَاء: الإقامة مع الإستقرار، يقال: ثَوَى يَثْوِي ثَوَاءً.
قال عز وجل: وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ. «القصص:45» وقال: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ. «الزمر:60». وقالالله تعالى: فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ. «فصلت:24» أُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ. «الزمر:72» وقال: النَّارُ مَثْواكُمْ. «الأنعام:128»
وقيل: من أَمَّ مَثْواك. كناية عمن نزل به ضيف.
والثَّوِيَّة: مأوى الغنم. والله أعلم بالصواب.
ملاحظات
عَرَّفَ الراغب الثِّوَاء بأنه إقامة مع استقرار، وعرفه الخليل «8/252» بأنه طول المقام. وعرفه ابن فارس«1/393» بأنه الإقامة فقط. وهذا هو الصحيح لقول مالك بن سوار الطائي، كما في ربيع الأبرار «4/402»:
«ثوى اللؤمُ في العجلان يوماً وليلةً
وفي دار مَروانٍ ثوى آخرَ الدهرِ
ولما أتى مروانَ ألقى رحالهُ
وقال رضينا بالمقامِ إلى الحشرِ»
تم كتاب الثاء

كتاب الجيم وما يتصل بها

ج
جَبَّ
قالالله تعالى: وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ «يوسف:10» أي بئرٍ لم تُطْوَ. وتسميته بذلك إما لكونه محفوراً في جَبُوب أي في أرض غليظة، وإما لأنه قد جُبَّ.
والجَبُّ: قطع الشئ من أصله، كجَبِّ النخل. وقيل زمن الجِبَاب نحو: زمن الصِّرَام. وبعيرٌ أَجَبُّ: مقطوع السنام، وناقة جَبَّاء. وذلك نحو: أقطع وقطعاء، للمقطوع اليد. وخِصْيٌ مَجْبُوبٌ: مقطوع الذَّكر من أصله.
والجُبَّةُ: التي هي اللباس منه، وبه شُبَّهَ ما دخل فيه الرمح من السنان. والجُبَاب: شئ يعلو ألبان الإبل.
وجَبَّتِ المرأة النساء حسناً: إذا غلبتهن استعارةً من الجَب الذي هو القطع، وذلك كقولهم: قطعته في المناظرة والمنازعة.
وأما الجُبْجُبَة: فليست من ذلك، بل سميت به لصوتها المسموع منها.
ملاحظات
1. استعمل القرآن من هذه المادة كلمة الجُبَّ فقط في سورة يوسف عليه السلام : قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ.
والجُب، والبئر، والطويُّ، والرِّكْية، والقَلِيب، بمعنى. وقال اللغويون إن البئر مؤنثة، والقليب والجُب يؤنثان ويذكران، وقد ذكَّرَها الراغب.
وقالوا إن البئر والطوى: هو المطوي بالحجارة ونحوها، والجُب والباقي ليست مبنية. لكن لم يستدلوا عليه باستعمال العرب.
ولهم أقوال في الجب، منها: أنها البئر غير بعيدة القعر، أو البئر العادِيَة القديمة، أو كثيرة الماء بَعيدةُ القَعْرِ، أو المُقَبَّبة المُجَبَّبةُ الجَوْفِ إذا كان وَسَطُها أَوْسَعَ شئ فيها. أو رَكِيَّةٌ تُجابُ في الصَّفا، أوالرَّكِيَّةِ قبل أَن تُطْوَى، أو القَلِيب الواسِعَةُ الشَّحْوةِ، أي الفم، والشحوة الخطوة.
والظاهر أن البئر أعم من ذلك كله. راجع: معالم التنزيل:2/412، والكشاف:2/305، ولسان العرب:1/250.
2. أرجع الراغب مفردات الجُب الى القطع، لكن لا مناسبة بين الجُب، والجبة، وجبة السنان، قال: «والجُبَّة التي هي اللباس منه، وبه شُبَّهَ ما دخل فيه الرمح من السنان».
كما أنه حصر البئر بما حُفر في أرض غليظة ليصح فيه معنى القطع! قال: «وتسميته بذلك إما لكونه محفوراً في جَبُوب، أي في أرض غليظة وإما لأنه قد جُبَّ».
وجعله ابن فارس أصلين «المقاييس:1/423»: «أحدهما القطع والثاني تجمع الشئ. الجُبَّة معروفة لأنها تشمل الجسم وتجمعه فيها».
لكن هذين الأصلين لايستوعبان مفردات المادة، فقولهم: جُبَّةُ العينِ وحجاجها للعظم الذي عليه الحاجب، ليس فيه قطع ولا جمع، إلا بتكلفات بعيدة!
جِبْت
قالالله تعالى: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطاغُوتِ. الجِبْتُ والِجبْس: الفِسْل الذي لا خير فيه، وقيل التاء بدل من السين، تنبيهاً على مبالغته في الفسولة، كقول الشاعر:
عمرو بنُ يربوعٍ شِرَارُ الناسِ
أي خِساس الناس. ويقال لكل ماعُبد من دونالله جِبْت. وسمي الساحر والكاهن جبتاً.
ملاحظات
وردت كلمة الطاغوت في القرآن ثمان مرات، والجبت مرة، في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطاغُوتِ. «النساء:51».
وفي المخصص«1/98» أن الجبت: الضعيف في عقله ورأيه. وهو قريب من الجِبْسُ. وقال الخليل «6/93و:5/58»: «الجبت: الكاهن والساحر والجبس: الجبان الردئ. ويقال: الجبس من أولاد الريبة». ونحوه المقاييس:1/500.
وقال ابن منظور «2/21»: «الجِبْتُ: كلُّ ما عُبِدَ مِن دونالله. وقيل هي كلمة تَقَعُ على الصَّنَم والكاهن والساحر ونَحْوِ ذلك».
أقول: الطاغوت هو الذي يطغى ويتزعم ويعبده الناس أي يطيعونه من دونالله تعالى. والجبت: الرجل الضعيف المنحط الذي ينصبونه بدل الطاغوت، ويطيعونه لأنه يمثل رمز طغيانهم.
والجبت معرَّب، وقد ورد جمعه في حديث الإمام الصادق عليه السلام في كامل الزيارات/99 : «اللهم العن الجوابيت والطواغيت والفراعنة، واللات والعزى، والجبت والطاغوت، وكل نِدٍّ يدعى من دونالله».
وفي الكافي «4/402» عن الإمام الصادق عليه السلام في دعاء الطواف:آمنت بالله، وكفرت بالجبت والطاغوت، وباللات والعزى، وعبادة الشيطان، وعبادة كل ند يُدعى من دونالله».
وفي الكافي «1/205»: «عن بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر«الباقر عليه السلام »عن قولالله عز وجل: بِالْجِبْتِ وَالطاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً. يقولون لأئمة الضلالة والدعاة إلى النار: هؤلاء أهدى من آل محمد سبيلاً. أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُاللهُ مِنْ فَضْلِهِ: نحن الناس المحسودون على ما آتاناالله من الإمامة دون خلقالله أجمعين».
وفي فتح الباري «8/189»:«اختار الطبري أن المراد بالجبت والطاغوت جنس من كان يُعبد من دونالله، سواء كان صنماً، أو شيطاناً، جنياً، أو آدمياً».
جَبَرَ
أصل الجَبْر: إصلاح الشئ بضرب من القهر يقال: جَبَرْتُهُ فَانْجَبَرَ واجْتَبَرَ، وقد قيل: جَبَرْتُهُ فَجَبَرَ كقول الشاعر:
قد جَبَرَ الدينَ الإلهُ فجَبَرْ
هذا قول أكثر أهل اللغة. وقال بعضهم: ليس قوله فجبر، مذكوراً على سبيل الإنفعال، بل ذلك على سبيل الفعل، وكرره، ونبَّه بالأول على الإبتداء بإصلاحه وبالثاني على تتميمه، فكأنه قال: قصد جَبْرَ الدين، وابتدأ به فتمم جبْره، وذلك أنَّ فَعَلَ تارة يقال لمن ابتدأ بفعل وتارة لمن فرغ منه.
وتَجَبَّرَ بعد الأكل: يقال إما لتصور معنى الإجتهاد والمبالغة، أو لمعنى التكلف، كقول الشاعر:
تجبَّرَ بعدَ الأكْلِ فَهْوَ نَمِيصُ
وقد يقال الْجَبْرُ تارة في الإصلاح المجرد، نحو قول علي رضي الله عنه: يا جَابِر كل كسير، ويا مسهل كل عسير. ومنه قولهم للخبز: جَابِر بن حبَّة. وتارة في القهر المجرد نحو قوله عليه السلام : لا جَبْر ولا تفويض.
والجَبْر في الحساب: إلحاق شئ به إصلاحاً لما يريد إصلاحه، وسمي السلطان جَبْراً كقول الشاعر:
وأنعم صباحاً أيها الجبر
لقهره الناس على ما يريده، أو لإصلاح أمورهم.
والإجبار في الأصل: حمل الغير على أن يجبر الآخر، لكن تُعورف في الإكراه المجرَّد، فقيل: أَجْبَرْتُهُ على كذا، كقولك: أكرهته. وسمي الذين يَدَّعون أنالله تعالى يكره العباد على المعاصي في تعارف المتكلمين مُجَبِّرَة، وفي قول المتقدمين جَبْرِيَّة وجَبَرِيَّة.
والجبَّار: في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها، وهذا لا يقال إلا على طريق الذم، كقوله عز وجل: وَخابَ كل جَبَّارٍ عَنِيدٍ «إبراهيم:15» وقوله تعالى: وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا «مريم:32».
وقوله عز وجل: إن فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ «المائدة:22» وقوله عزوجل: كَذلِكَ يَطْبَعُاللهُ عَلى كل قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ «غافر:35» أي متعالٍ عن قبول الحق والإيمان له. يقال للقاهر غيره: جَبَّار، نحو: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ «ق:45».
ولتصور القهر بالعلو على الأقران قيل: نخلة جبَّارة وناقة جبَّار. وما روي في الخبر: ضرس الكافر في النار مثل أحد، وكثافة جلده أربعون ذراعاً بذراع الجبار فقد قال ابن قتيبة: هو الذراع المنسوب إلى الملك الذي يقال له: ذراع الشاهْ. فأما في وصفه تعالى نحو: الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ «الحشر:23» فقد قيل: سمي بذلك من قولهم: جَبَرْتُ الفقير، لأنه هو الذي يجبر الناس بفائض نعمه، وقيل لأنه يجبر الناس، أي يقهرهم على ما يريده.
ودفع بعض أهل اللغة ذلك من حيث اللفظ فقال: لايقال من أفعلتُ: فعَّال، فجبَّار لا يبنى من: أجبرت. فأجيب عنه بأن ذلك من لفظ الجبر المروي في قوله: لا جَبْرَ ولا تفويض، لا من لفظ الإجبار.
وأنكر جماعة من المعتزلة ذلك من حيث المعنى فقالوا: يتعالىالله عن ذلك. وليس ذلك بمنكر فإنالله تعالى قد أجبر الناس على أشياء لا انفكاك لهم منها حسبما تقتضيه الحكمة الإلهية، لا على ما تتوهمه الغواة والجهلة، وذلك كإكراههم على المرض والموت والبعث، وسخَّر كلاً منهم لصناعة يتعاطاها، وطريقة من الأخلاق والأعمال يتحراها، وجعله مجبراً في صورة مُخيَّر، فإما راضٍ بصنعته لا يريد عنها حولاً، وإما كارهٌ لها يكابدها مع كراهيته لها كأنه لا يجد عنها بدلاً، ولذلك قال تعالى: فَتَقَطعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كل حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ «المؤمنون:53» وقال عز وجل: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا «الزخرف:32».
وعلى هذا الحد وصف بالقاهر، وهو لا يقهر إلا على ما تقتضي الحكمة أن يقهر عليه.
وقد روي عن أمير المؤمنين رضي الله عنه: يا بارئ المسموكات وجبّار القلوب على فطرتها، شقيها وسعيدها.
وقول ابن قتيبة: هو من جبرت العظم، فإنه جبر القلوب على فطرتها من المعرفة، فذكرٌ لبعض ما دخل في عموم ما تقدم.
وجَبَرُوت: فعلوت من التجبر. واسْتَجْبَرْتُ حاله: تعاهدت أن أجبرها، وأصابته مصيبة لا يَجْتَبِرُهَا، أي لا يتحرَّى لجبرها من عظمها.
واشتق من لفظ جبر العظم: الجَبِيرَة، للخرقة التي تشد على المَجْبُور، والجِبَارة للخشبة التي تشدُّ عليه، وجمعها جَبَائِر. وسُمِّيَ الدملوج «معضد» جبارة، تشبيهاً بها في الهيئة، والجبار: لما يسقط من الأرش.
ملاحظات
1. استعمل القرآن من هذه المادة كلمة جَبَّار فقط، وقد وردت في تسع آيات ذماً للإنسان الجبار، لأنه يضطهد الناس ويجبرهم ظلماً. كقوله تعالى: وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ. . وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ. . وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا. . وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا. . وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ. .
ووردت مدحاًلله تعالى لأنه يجبر مخلوقاته على ما يصلحها. قال تعالى: الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ. «الحشر:23».
2. جعل الراغب جَبَرَ أصلاً واحداً، وأدخل فيها معنى قهر، قال: «إصلاح الشئ بضرب من القهر، يقال: جَبَرْتُهُ فَانْجَبَرَ». ثم قال إن الإصلاح والقهر قد ينفردان، أي يصير الأصل الواحد أصلين! «وقد يقال الْجَبْرُ تارة في الإصلاح المجرد، نحو قول علي رضي الله عنه: يا جَابِر كل كسير. وتارة في القهر المجرد نحو قوله عليه السلام : لا جَبْر ولا تفويض». ثم زعم أن معنى أجبره: أكرهه على أن يجبر الآخر!
والصحيح أن جَبَرَهُ بمعنى أصلحه، وأجبره بمعنى أكرهه.
4. أفرغ الراغب كلمة جبار من معنى الإكراه قال: «والجبَّار: في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها».
والصحيح أن الجبار في غيرالله تعالى يتضمن التعالي، وإكراه الآخرين ظلماً.
5. قال الراغب: «وما روي في الخبر: ضرس الكافر في النار مثل أحد، وكثافة جلده أربعون ذراعاً بذراع الجبار، فقد قال ابن قتيبة: هو الذراع المنسوب إلى الملك الذي يقال له: ذراع الشاهْ».
ولا توجد روايته في مصادرنا لأنه تجسيم، تعالىالله أن يكون له ذراع مثلنا.
لكن رووه وصححوه على شرط الشيخين: «إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعاً بذراع الجبار وضرسه مثل أحد». «المستدرك:4/595». ويقصد أبو هريرة ذراعالله تعالى، وقد أخذه من إسرائيليات كعب ونسبه الى رسولالله صلى الله عليه وآله ! وقد أثبتنا في «ألف سؤال وإشكال:1/483» أنه كان يجعل أقوال كعب أحاديث نبوية!
و خففه البيهقي فقال إنه للتهويل وليس للحقيقة. وقول ابن قتيبة إن الجبار حاكم فارسي أو يمني. تحايلٌ للفرار من التجسيم! «فتح الباري:11/365، وعمدة القاري:23/121».
6. استشهد الراغب كغيره في تفسير المادة بقول العجاج: قد جَبَرَ الدينَ الإلهُ فجَبَرْ
وعَوَّرَ الرحمنُ من ولَّى العور
وقد حمَّلوه أكثر مما يحتمل لأن الشاعر قاله: «يمدح عبيدالله بن معمر التيمي وكان غزا أبا فديك بهجر فقتله».«شرح أدب الكاتب/318».
وقصده أنالله أصلح أمر ابن معمر وعوَّر أمر الخارجي فديك. فإصلاح الدين بمعنى إصلاح حال أهله ونصرهم. وقد منعه الوزن أن يقول فانجبر أو فاجتبر، فقال فجبر، وانشغل اللغويون في تحليل كلمته!
6. قال ابن فارس عن هذه المادة «1/501»: «أصل واحد وهو جنس من العظمة والعلو والإستقامة، فالجُبار الذي طال وفاتَ اليدَ، يقال: فرس جبار ونخلة جبارة.
وذو الجبورة وذو الجَبروتالله جل ثناؤه. ويقال للخشب الذي يضم به العظم الكسير: جُبارة، والجمع جبائر. ويقال أجبرت فلاناً على الأمر ولا يكون ذلك إلابالقهر».
ونعم ما قال الخليل «6/115»: «وهو أن تجبر إنساناً على ما لا يريد وتكرهه. والجبر: أن تجبر كسراً. والجبار من الأرش: ما لا يهدر. والله تبارك وتعالى: الجبار العزيز، أي قهر خلقه فلا يملكون منه أمراً، وله التجبر وهو التعظم، وله الجبرية والجبروت. وفي الحديث: ما كانت نبوة إلا تناسخها ملكٌ جبرية، أي إلا تجبرت الملوك. والجبار: العاتي على ربه القتَّال لرعيته. والجبار من الناس: العظيم في نفسه الذي لا يقبل موعظة أحد».
7. أما جبريل عليه السلام فليس من الجبر، بل معنى إيلالله تعالى كما تقدم في آل، ومعنى جَبْرَا الرجل أو الملاك، فهو بمعنى الملاك الإلهي. وقد ورد في القرآن في آيتين: قُلْ مَنْ كَأن عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ الَّلهِ. . وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّاللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ. وفي قاموس الكتاب المقدس/245: «جبرائيل: إسم عبري معناه رجلالله. إسم علم لملاك ذي رتبة رفيعة».
جَبَل
الجَبَل جمعه: أَجْبَال وجِبَال. وقال عز وجل: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً «النبأ:6». وقال تعالى: وَالْجِبالَ أَرْساها «النازعات:32». وقال تعالى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ. «النور:43». وقال تعالى: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها. «فاطر:27». وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبي نَسْفاً. «طه:105» وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ. «الشعراء:149».
واعْتُبَر«ت» معانيه، فاستعير منه واشتق منه بحسبه، فقيل: فلان جبلٌ لا يتزحزح تصوراً لمعنى الثبات فيه. وجَبَلَهُالله على كذا، إشارة إلى ما ركب فيه من الطبع الذي يأبى على الناقل نقله، وفلان ذو جِبِلَّة أي غليظ الجسم، وثوب جيد الجِبِلَّة.
وتُصور منه معنى العِظَم فقيل للجماعة العظيمة: جِبْل. قالالله تعالى: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبْلاً كَثِيراً «يس:62» أي جماعة، تشبيهاً بالجَبَل في العِظَم. وقرئ: جِبِلًّا مُثَقَّلاً، قال التوزي: جُبْلًا وجَبْلًا وجُبُلًّا وجِبِلًّا. وقال غيره: جُبُلًّا جمع جِبِلَّة، ومنه قوله عز وجل: وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأولينَ. «الشعراء:184».
أي المجبولين على أحوالهم التي بنوا عليها، وسبلهم التي قُيِّضُوا لسلوكها، المشار إليها بقوله تعالى: قُلْ كل يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ «الإسراء:84». وجَبِلَ: صارَ كالجبل في الغِلْظ.
ملاحظات
1. ورد الجبل في القرآن مفرداً ست مرات: في الجبل الذي آوى اليه ابن نوح عليه السلام ، وجبل إبراهيم عليه السلام الذي وضع عليه أجزاء الطيور، وجبل الطور الذي تجلىالله فيه بنوره، وجبل الظلة الذي مدهالله فوق رؤوس بني إسرائيل. والجبل الذي افترضالله إنزال القرآن عليه. واستعمل كلمة الجبال ثلاثاً وعشرين مرة، منها عن تنوع الجبال: وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ.
ومنها تشبيه الموج حول سفينة نوح عليه السلام بالجبال: وَهِيَ تَجْرِى بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ.
وجعلالله الجبال منصوبة في الأرض، وأوتاداً لها، وأكناناً لحياة الناس.
وسوف تُسَيَّر يوم القيامة، وتُنسف، وتُدك دكاً، وترَجف، وتُبَسُّ بَسَّاً، وتكون كالمهل، وكالعهن المنفوش، وكثيباً مهيلاً، وسراباً.
وهي مسخرة بأمرالله تعالى، وتسجد له.
وقد عرض عليها الأمانة فأشفقت منها. وهدى النحل لتتخذ منها بيوتاً. وسخرهاالله تعالى مع داود عليه السلام فكانت تسبح بتسبيحه. وقد تفننت ثمود في نحت البيوت في الجبال.
وشبهَ مكر الكفار بأنه تزول منه الجبال، ونصح المتكبر بالتواضع لأنه لن يبلغ الجبال طولاً. وذكر جبال الغيوم التي ينزل منها البَرَد.
وذكر أن القرآن تُسَيَّرُ به الجبال وتُنقل من أماكنها، وتُقَطعُ به الأرض، ويُكَلَّمُ به الموتى، وذلك على يد الإمام المهدي عليه السلام .
2. جعل الراغب وغيره الجبل أصل المادة، وحاول أن يرجع اليه كل مفرداتها. وقرأ الآية جِبْلاً كثيراً، والأصح جِبِلّاً. ويبدو من الخليل أن الجِبِلَّة بمعنى الطبيعة، هي الأصل. قال «6/136»: «الجَبَل: إسم لكل وتد من أوتاد الأرض إذا عظم وطال، من الأعلام والأطوار والشناخيب والأنضاد. فإذا صغر فهو من الآكام والقيران.
وجِبِلَّةُ الجبل: تأسيس خلقته التي جُبل عليها.
وجِبِلَّة الأرض: صلابها. وجِبَلَّةُ كل مخلوق: تُوسُهُ الذي طُبع عليه. ويقال للثوب الجيد النسج والغزل والفتل: إنه لجيد الجِبِلَّة. والخلق: الجِبِلَّة، وكل أمة مضت فهي جِبِلَّةٌ على حدة، وقال تعالى: والِجِبَّلةَ الأولين. وجُبِلَ الإنسان على هذا الأمر، أي طبع عليه».
جَبَنَ
قال تعالى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ «الصافات:103» فالجَبِينَان: جانبا الجبهة. والجُبْن: ضعف القلب عما يحق أن يقوى عليه. ورجل جَبَان وامرأة جبان. وأَجْبَنْتُهُ: وجدته جباناً، وحكمت بجبنه. والجُبْنُ: ما يؤكل. وتَجَبَّنَ اللبن: صار كالجبن.
جَبَهَ
الجَبْهَة: موضع السجود من الرأس، قالالله تعالى: فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُم وَظُهُورُهُمْ. «التوبة:35».
والنجم يقال له جبهة، تصوراً أنه كالجبهة للمسمى بالأسد.
ويقال لأعيان الناس جبهة، وتسميتهم بذلك كتسميتهم بالوجوه، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ليس في الجبهة صدقة. أي الخيل.
جَبَيَ
يقال: جَبَيْتُ الماء في الحوض: جمعته. والحوض الجامع له: جَابِيَة، وجمعها جَوَابٍ. قالالله تعالى: وَجِفانٍ كَالْجَوابِ «سبأ:13» ومنه استعير: جَبَيْتُ الخراج جِبَايَةً، ومنه قوله تعالى: يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كل شَئ. «القصص:57».
والإجتباء: الجمع على طريق الإصطفاء، قال عز وجل: فَاجْتَباهُ رَبُّهُ «القلم:50». وقال تعالى: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها. «الأعراف:203» أي يقولون هلَّا جمعتها، تعريضاً منهم بأنك تخترع هذه الآيات وليست منالله.
واجتباءالله العبد: تخصيصه إياه بفيض إلهيٍّ يتحصل له منه أنواع من النعم بلا سعي من العبد، وذلك للأنبياء وبعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء، كما قال تعالى: وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ «يوسف:6» فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ «القلم:50»
ملاحظات
1. جعل الراغب الإجتباء بمعنى الإصطفاء، ونُقل ذلك عن اللغوي ابن الأعرابي، قال: «اقترحْتُه، واجتَبيْته، وخَوَّصته، وخدَّمْته، واخْتَلَمْته، واستَخْلَصْته واسْتَمَيْتُه، كلُّه بمعنَى اخترْته». «تاج العروس:4/171».
وهذا تبسيط، لعدم الإنتباه الى استعمالات اصطفى واجتبى، لازمين ومتعديين، بحروف متعددة. تقول اصطفاه واجتباه، مجرداً، وتقول اصطفاه من كذا، أو اصطفاه على كذا، أو اصطفاه لنفسه أو لغيره. ونحوه اجتبى.
هذا في الفعل البشري، أما الفعل الإلهي فهو أكثر تفصيلاً، وفي القرآن تصديق ما قلناه: فقد يكون الإصطفاء مجرداً: وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. واصطفاءً من أجل أحد: اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ.
واصطفاءً من أحد: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ. أو اصطفاءً على أحد: اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ.
أو اصطفاءً على العالمين: إِنَّاللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ.
أو اصطفاء بالرسالة والتكليم: اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِى وَبِكَلامِى.
وقد يكون اصطفاء لأنبياء: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِى وَالأَبْصَارِ. . وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ.
أواصطفاء لجماعة كبيرة فيهم الظالم لنفسه: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ.
أو اصطفاء بدرجة، ثم بدرجة أعلى: اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ. أو اصطفاء في الدنيا غير شامل للآخرة: وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا.
كما أن الإجتباء قد يكون اجتباء النخبة من النخبة: كقوله تعالى: وَلَكِنَّاللهَ يَجْتَبِى مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ.
وقال تعالى في اجتباء الأئمة من عترة النبي وذرية إسماعيل عليهم السلام: وَجَاهِدُوا فِياللهِ حق جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ.
وقد يكون واسعاً: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَاللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا.
وقال تعالى: وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ. وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وقد يكون إجتباءً مطلقاً، أو اجتباءً اليه: اللهُ يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ.
وقد يكون إجتباءً بعد ذنب، قال تعالى: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى. ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى. وقال في يونس عليه السلام : لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ. فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ.
والإجتباء كالإصطفاء يرتبط بسلوك المجتبى ونجاحه في الإمتحان: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ.
والنتيجة: أنهما عملان ربانيان، لهما أقسامهما وقوانينهما، وبينهما فروق، ولا يصح القول بأنهما شئ واحد، ولا مترادفان.
جَثَّ
يقال: جَثَثْتُهُ فَانْجَثَّ، وجَثَثْتُهُ فَاجْتَثَّ. قالالله عز وجل: اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ «إبراهيم:26» أي اقتلعت جثُّتُهَا.
والمِجَثَّة: ما يُجثُّ به. وجُثَّة الشئ: شخصه الناتئ. والجُثُّ: ما ارتفع من الأرض كالأكمة. والجَثِيثَة: سميت به لما بان جثته بعد طبخه، والجَثْجَاث: نبت.
ملاحظات
جعل الراغب أصل المادة الجثة، وجعله ابن فارس التجمع، قال: «1/425»: «الجيم والثاء يدل على تجمع الشئ. وهو قياس صحيح». وكلام ابن فارس أقرب، وكلاهما ظني.
جَثَمَ
فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ «الأعراف:78» استعارة للمقيمين، من قولهم: جَثَمَ الطائرُ إذا قعد ولطئ بالأرض.
والجُثْمَان: شخص الإنسان قاعداً، ورجل جُثَمَة وجَثَّامَة: كناية عن النؤوم والكسلان.
ملاحظات
1. وصفالله تعالى قوم عاد وثمود وقوم شعيب بعد هلاكهم بالجثوم: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ. ومعناه عند الراغب: أصبحوا قاعدين لاطئين بالأرض. وعند ابن فارس: قاعدين أو نائمين.
لكن الجُثُوم في اللغة الهمود والسكون، وليس فيه عنصر الوقوف أوالقعود أو النوم، إلا أنه لا يتناسب مع الوقوف. وقد يكون فيه معنى الإقامة والثقل كقولهم جثم الهمُّ على القلب. أو معنى الكُمُون كما في جثم الأسد لفريسته، وفي الحديث: «إن الشيطان يدير ابن آدم في كل شئ، فإذا أعياه جثم له عند المال فأخذ برقبته». «الكافي:2/315».
وروى في الإحتجاج «2 /159» أنهم كانوا يحفرون بئراً بين الكوفة والمدينة فانخسفت الأرض فأدلوا بها رجلين على عمق سحيق: «فمكثا ملياً، ثم حركا الحبل فأصعدا فقال لهما: ما رأيتما ؟ قالا: أمراً عظيماً! رجالاًونساءً وبيوتاً وآنيةً ومتاعاً كله ممسوخ من حجارة! فأما الرجال والنساء فعليهم ثيابهم، فمن بين قاعد ومضطجع ومتكئ، فلما مسسناهم إذا ثيابهم تتفشى شبه الهباء ومنازل قائمة! قال: فكتب المهدي «الخليفة» إلى المدينة إلى موسى بن جعفر عليه السلام يسأله. فأخبره فبكى بكاءً شديداً وقال: يا أمير المؤمنين هؤلاء بقية قوم عاد غضبالله عليهم فساخت بهم منازلهم، هؤلاء أصحاب الأحقاف»!
2. قال الخليل «6/100»: «جثم: جثم يجثم جثوماً، أي لزم مكاناً لا يبرح. والجاثوم الكابوس أي الديثان. . والجثمان بمنزلة الجسمان».
والخليل أخبر في اللغة من الراغب وابن فارس.
جَثَيَ
جَثَا على ركبتيه يَجْثُو جُثُوّاً وجِثِيّاً فهو جَاثٍ، نحو: عتا يعتو عتوَّاً وعِتِيَّاً، وجمعه: جُثِيٌّ نحو: باك وبُكِيّ.
وقوله عز وجل: وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا «مريم:72» يصح أن يكون جمعاً نحو: بُكِيّ، وأن يكون مصدراً موصوفاً به.
والجاثية في قوله عز وجل: وَتَرى كل أُمَّةٍ جاثِيَةً «الجاثية:28» فموضوع موضع الجمع، كقولك: جماعة قائمة وقاعدة.
ملاحظات
لم يذكر الراغب أن الجثو على الركب بمعنى الجلوس للخصومة. ولم يذكر ابن فارس المادة أو سقطت من نسخته.
وقال الخليل «7/171»: «العرب لا تستعمل الجثو إلا في عمل الإنسان إذا جثى على ركبتيه للخصومة ونحوها».
وقال علي عليه السلام : «أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة». «البخاري:5/6».
وقال ابن منظور «14/131»: «جَثَا يَجْثُو ويَجْثِي جُثُوّاً وجُثِيّاً، على فعول فيهما: جلس على ركبتيه للخصومة ونحوها. والجاثي: القاعد. وفي التنزيل العزيز: وترى كل أُمَّةٍ جاثِيَةً، قال مجاهد: مُستوفِزينَ على الرُّكَب.
والجُثْوة والجَثْوَة والجِثْوَة، ثلاث لغات: حجارة من تراب متجمع كالقبر. وفي الحديث: فلان من جُثَى جهنم. قالالله تعالى: ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا .
وجُثْوةُ كل إنسان: جسده. والجمع الجُثَى».
جَحَدَ
الجُحُود: نفي ما في القلب إثباته، وإثبات ما في القلب نفيه، يقال: جَحَدَ جُحُوداً وجَحْداً. قال عز وجل: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ «النمل:14» وقال عز وجل: بِآياتِنا يَجحَدُونَ. «الأعراف:51».
وتَجَحَّدَ: تَخَصَّصَ بفعل ذلك. يقال: رجل جَحِدٌ: شحيحٌ قليل الخير يُظهر الفقر. وأرض جَحْدَة: قليلة النبت، يقال: جَحَداً له ونَكَداً، وأَجْحَدَ: صار ذا جَحْد.
ملاحظات
اتفق اللغويون على أن الجحود إنكار ما يعلمه الشخص، فإن أنكر ما لايعلمه فهو منكر وليس جاحداً. قال ابن فارس: «1/425»: «الجحود وهو ضد الإقرار ولا يكون إلا مع علم الجاحد به أنه صحيح».
وفي الكافي «2/399» أن الإمام الصادق عليه السلام سئل: «ما تقول فيمن شك فيالله ؟ فقال: كافر يا أبا محمد. قال: فشك في رسولالله صلى الله عليه وآله ؟ فقال: كافر، قال: ثم التفت إلى زرارة فقال: إنما يكفر إذا جحد».
جَحَمَ
الجُحْمَة: شدة تأجج النار، ومنه: الجحيم، وجَحَمَ وجهُه من شدة الغضب، استعارةٌ من جحمة النار، وذلك من ثوران حرارة القلب. وجُحْمَتَا الأسد: عيناه لتوقدهما.
ملاحظات
ليست الجحيم من أسماء النار إلا مجازاً، فقد استعملوا: جَحِمَت الحرب، وجَاحِمُ الحرب، بمعنى مركز شدتها. ثم استعملوها للنار بعد نزول القرآن.
وهي في القرآن بمعنى جوٍّ جهنمي يعيشه الفاجر في الدنيا، فيستعرُ في الآخرة ويصلاه، قال تعالى: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ. يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ. وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ. فهم فيها في الدنيا، ويَصْلَوْنَها في الآخرة.
جَدَّ
الجَدُّ: قَطْعُ الأرض المستوية، ومنه: جَدَّ في سيره يَجِدُّ جَدّاً. وكذلك جَدَّ في أمره وأَجَدَّ: صار ذا جِدٍّ. وتُصُور من: جَدَدْتُ الأرض: القطع المجرد، فقيل: جددت الثوب إذا قطعته على وجه الإصلاح.
وثوب جديد: أصله المقطوع، ثم جعل لكل ما أحدث إنشاؤه، قال تعالى: بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ «ق:15» إشارة إلى النشأة الثانية، وذلك قولهم: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ «ق:3».
وقوبل الجديد بالخَلِق، لما كان المقصود بالجديد القريب العهد بالقطع من الثوب. ومنه قيل لليل والنهار: الجَدِيدَان والأَجَدَّان.
قال تعالى: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ «فاطر:27» جمع جُدَّة، أي طريقة ظاهرة، من قولهم: طريق مَجْدُود، أي مسلوك مقطوع. ومنه: جَادَّة الطريق.
والجَدُود والجِدَّاء من الضأن: التي انقطع لبنها. وجُدَّ ثدي أمه: على طريق الشتم.
وسمي الفيض الإلهي جَدّاً، قال تعالى: وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا «الجن:3» أي فيضه، وقيل عظمته، وهو يرجع إلى الأول، وإضافته إليه على سبيل اختصاصه بملكه.
وسمي ما جعلالله للإنسان من الحظوظ الدنيوية جَدّاً، وهو البخت، فقيل: جُدِدْتُ وحُظِظْتُ. وقوله عليه السلام : لاينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ، أي لا يتوصل إلى ثوابالله تعالى في الآخرة بالجد، وإنما ذلك بالجد في الطاعة، وهذا هو الذي أنبأ عنه قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ «الإسراء:18» وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً «الإسراء:19». وإلى ذلك أشار بقوله: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ «الشعراء:88».
والجَدُّ: أبو الأب وأبو الأم. وقيل: معنى لا ينفع ذا الجد: لا ينفع أحداً نسبه وأبُوَّته، فكما نفى نفع البنين في قوله: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ «الشعراء:88» كذلك نفى الأبوة في هذا الحديث.
ملاحظات
1. جعل الراغب المادة أصلاً واحداً، وهو ظاهر كلام الخليل«6/7». وجعلها ابن فارس ثلاثة أصول، ورأيه أقوى لأنه لايمكن إرجاع كل فروعها الى القطع.
قال «1/406»: «فالأول: العظَمة، قالالله جل ثناؤه إخباراً عمن قال: وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا .
والثاني: الغنى والحظ، قال رسولالله صلى الله عليه وآله في دعائه: لاينفع ذا الجد منك الجد. يريد لا ينفع ذا الغنى منك غناه، إنما ينفعه العمل بطاعتك.
والثالث: يقال جددت الشئ جداً وهو مجدود وجديد، أي مقطوع. ومنه الجدود والجِدَاء من الضان وهي التي جف لبنها ويبس ضرعها. ومن هذا الباب الَجداد والِجداد وهو صرام النخل».
2. فسر الراغب وغيره كلمة جُدَدٌ في قوله تعالى: وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ «فاطر:27» بأنه: طُرُقٌ أو طرائق. ولم أجد وجهاً مقنعاً لتفسير طرق الجبال المتكونة من ماء الأمطار! ولعلها طرقٌ جيولوجية للدلالة على الماء والمعادن في باطن الأرض.
3. قالالله تعالى حكاية عن الجن: وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً. ويقصد الجن تعالى حَظُّ ربنا !
وقد قبل المفسرون هذا الوصفلله تعالى، لكن أهل البيت عليهم السلام ردوه، ففي تفسير القمي«2/389» عن الإمام الصادق عليه السلام : «هو شئ قالته الجن بجهالة، فلم يرضهالله منهم. وفي رواية عنه عليه السلام : شئ كَذَبَه الجن، فقصهالله كما قالوا». وفي الخصال «1/604»: «يقال في افتتاح الصلاة: تعالى عرشك، ولايقال: تعالى جَدُّك».
جَدَثَ
قال تعالى: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً «المعارج:43» جمع الجَدَث، يقال: جدث وجدف. وفي سورة يس: فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ.
ملاحظات
اتفق اللغويون على أن معنى الجدث القبر، وليس له معنى آخر. ولم يذكروا اشتقاقه. ولعله اسم ديني.
جَدَرَ
الجِدَار: الحائط، إلا إن الحائط يقال اعتباراً بالإحاطة بالمكان، والجدار يقال اعتباراً بالنتوِّ والإرتفاع، وجمعه جُدُر. قال تعالى: وأما الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ «الكهف:82». وقال: جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ «الكهف:77». وقال تعالى: أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ «الحشر:14» وفي الحديث: حتى يبلغ الماء الجُدُر.
وجَدَرْتُ الجدار: رفعته، واعتبر منه معنى النتوِّ فقيل: جَدَرَ الشجر: إذا خرج ورقه كأنه حُمُّص. وسمي النبات الناتئ من الأرض جَدَراً، الواحد جَدَرَة، وأَجْدَرت الأرض: أخرجت ذلك. وجُدِرَ الصبي وجُدِّرَ: إذا خرج جدريهُ تشبيهاً بجدر الشجر.
وقيل: الجُدَرِيُّ والجُدَرَةُ: سلعة تظهر في الجسد ، وجمعها أَجْدَار. وشاة جَدْرَاء.
والجَيْدَر: القصير. اشتق ذلك من الجدار، وزيد فيه حرف على سبيل التهكم حسبما بيناه في أصول الإشتقاق. والجَدِيرُ: المنتهى، لانتهاء الأمر إليه انتهاء الشئ إلى الجدار، وقد جَدُرَ بكذا فهو جَدِير، وما أَجْدَرَهُ بكذا وأَجْدِرْ به.
ملاحظات
استعمل القرآن كلمة الجدار مفرداً وجمعاً، وكلمة أجدر ولم يذكرها الراغب، قال تعالى: الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَاللهُ. «التوبة:97».
وجعل الراغب الجدار أصلاً بمعنى الإرتفاع وهو وجه ضعيف، وقد تكلف في إرجاع الفروع اليه، وأي ارتفاع في قولك هو جدير به بمعنى حريٍّ به، وكذا: هو أجدر به.
وجعله ابن فارس «1/431» أصلين: الجدار والجدري، لكن جديراً تبقى خارجهما ومعناها : أحق.
جَدَلَ
الجِدَال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من: جَدَلْتُ الحبل أي أحكمت فتله، ومنه الجَدِيل. وجدلت البناء: أحكمته، ودرع مَجْدُولَة. والأَجْدَل: الصقر المحكم البنية. والمِجْدَل: القصر المحكم البناء.
ومنه: الجِدَال، فكأن المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه. وقيل: الأصل في الجِدَال: الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجَدَالَة وهي الأرض الصلبة. قالالله تعالى: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «النحل:125» الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِالله «غافر:35» وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِاللهُ أَعْلَمُ «الحج:68» قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا «هود:32» وقرئ: جدلنا. ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا «الزخرف:58» وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَئ جَدَلًا «الكهف:54» وقال تعالى: وَهُمْ يُجادِلُونَ فِيالله «الرعد:13» يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ «هود:74» وَجادَلُوا بِالْباطِلِ «غافر:5» وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِيالله «الحج:3» وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ «البقرة:197» يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا «هود:32».
ملاحظات
1. جعل الراغب الجدل مشتقاً من جَدْل الحبل، كأن المجادل يفتل صاحبه ليقنعه برأيه. وجعله ابن فارس مشتقاً من الأرض الصلبة، كأنه يريد أن يوقع صاحبه على الأرض. قال في المجمل/179: «الجدالُ: الخصومة، سمي بذلك لشدته. والجدالةُ: الأرض. يقال: طعنهُ فجدلهُ أي رماهُ بالأرض».
وكلا القولين احتمال، ويحتمل غيرهما.
2. استعمل القرآن المادة أكثر من عشرين مرة، في وصف مجادلات الإنسان، وقال عنه: وَكَانَ الآنْسَانُ أَكْثَرَ شَئٍْ جَدَلاً، ووصف جدل قوم نوح وهود عليهم السلام، وجدل إبراهيم عليه السلام للملائكة: فَلما ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ.
واستنكر على الذين يجادلون فيالله تعالى، وفي آياته، ويجادلون الرسول صلى الله عليه وآله . وبَيَّنَ دوافعهم. وسمى سورة المجادلة بمناسبة الشكاية الزوجية: قَدْ سَمِعَاللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِى إِلَى اللَّهِ.
وذكر المجادلة بين النبي صلى الله عليه وآله وأمته، فقال له: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ. وأمر المسلمين: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ.
وقال عن جبناء الصحابة في حرب بدر: يُجَادِلُونَكَ فِي الْحق بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأنمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ.
ونهاه أن يجادل عن الخائنين: وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ.
وقال عن الآخرة: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا.
ونهى عن الجدال في الحج خاصة: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ.
وقال عمَّن يجادل في التسمية عند الذبح: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ.
جَذَّ
الجَذُّ: كسر الشئ وتفتيته، ويقال لحجارة الذهب المكسورة ولفُتَات الذَّهب: جُذَاذ، ومنه قوله تعالى: فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً «الأنبياء:58» عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ «هود:108» أي غير مقطوع عنهم ولا مخترم. وقيل: ما عليه جِذَّة، أي متقطعٌ من الثياب.
جَذَعَ
الجِذْعُ جمعه جُذُوع، قال: فِي جُذُوعِ النَّخْلِ «طه:71» جَذَعْتُهُ: قطعته قطع الجذع. والجَذَع من الإبل: ما أتت لها خمس سنين، ومن الشاة: ما تمّت له سنة.
ويقال للدهم الزالة الجذع، تشبيهاً بالجذع من الحيوان.
ملاحظات
استعمل القرآن من هذه المادة كلمتين: جذع النخلة، وجذوع النخل فقط. وقوله: «يقال للدهم الإزالة: الجذع» فيها تصحيف وأصلها: للدهر الأزلم، وقد أخذها من الخليل، قال «1/221»:«الجذع من الدواب قبل أن يثني بسنة، ومن الأنعام هو أول ما يستطاع ركوبه. والدهر يسمى جذعاً لأنه جديد.
جَذَوَ
الجَذْوَة والجِذْوَة: الذي يبقى من الحطب بعد الإلتهاب، والجمع: جذى. قال عز وجل: أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ «القصص:29».
قال الخليل: يقال: جَذَا يَجْذُو، نحو جثا يجثو، إلا أن جذا أدل على اللزوم. يقال: جذا القراد في جنب البعير: إذا شد التزاقه به، وأَجْذَتِ الشجرة: صارت ذات جذوة. وفي الحديث: كمثل الأرزة المجذية. ورجل جَاذٍ: مجموع الباع، كأن يديه جذوة، وامرأة جَاذِيَة.
ملاحظات
1. وردت كلمة جذوة في القرآن مرة واحدة في قصة موسى عليه السلام وبمعناها القبس: إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ.
2. المتبادر من الجذوة والجمرة والشهاب: قبس النار. لكن تعريف الراغب لها بما يبقى من الحطب بعد الإلتهاب، مضحك! وعليه يكون باقي الخشبة بعد التهابها جذوة ولو لم يكن فيه نار، ولا تكون الخشبة المشتعلة بدون التهاب جذوة! وهذا من عدم معايشته اللغة بين أهلها، ورغبته في تغيير ما قرأه للخليل وابن فارس وأئمة اللغة قبله! قال الخليل «6/171»: «والجذوة: قَبْسَةٌ من نار. والتجاذي: إشالة الجمر. ونحوه أجذيته، وهم يجذونه».
وقال ابن منظور«14/138»:«جَذْوة من النار أَي قطعة من الجمر. وهي بلغة جميع العرب».
3. كأن الراغب وافق الخليل على أن أصل الجذوة من جذا بمعنى لزق، لكن ابن فارس جعل جذا بمعنى ارتفع. قال «1/440»:«أصل يدل على الإنتصاب. يقال: جذوت على أطراف أصابعي إذا قمت. قال الخليل: يقال جذا يجذو مثل جثا يجثو. وهذا الذي قاله الخليل فدليل لنا في بعض ما ذكرناه من مقاييس الكلام، والخليل عندنا في هذا المعنى إمام».
جَرَحَ
الجرح: أثر دام في الجلد، يقال: جَرَحَه جَرْحاً فهو جَرِيح ومجروح. قال تعالى: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ «المائدة:45» وسمي القَدْح في الشاهد جَرْحاً تشبيهاً به. وتسمى الصائدة من الكلاب والفهود والطيور جَارِحَة وجمعها جَوَارِح، إما لأنها تجرح وإما لأنها تكسب. قال عز وجل: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكلبِينَ «المائدة:4». وسميت الأعضاء الكاسبة جوارح، تشبيهاً بها لأحد هذين.
والإجتراح: اكتساب الإثم، وأصله من الجِرَاحة، كما أن الإقتراف من: قرف القرحة، قال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ «الجاثية:21».
ملاحظات
1. جعل الراغب هذه المادة أصلاً واحداً، وجعلها ابن فارس أصلين فقال: «1/452»: «أصلان أحدهما الكسب، والثاني شق الجلد». ورأيُ الراغب أقوى وإن كانت في عبارته عُجمة، لأن الكسب غالباً ما يكون بالأعضاء وهي الجوارح، فهو جرحٌ.
2. استعمل القرآن من هذه المادة أربع كلمات: الجروح والجوارح. واستعمل جَرَحَ لكل كسب: وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ. أي ما كسبتم من خير وشر.
واستعمل اجترح للسيآت خاصة: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ.
3. قال الخليل«3/77»: «جوارح الإنسان: عوامل جسده من يديه ورجليه». والصحيح أن هذه أبرزها، وأن كل أعضاء البدن جوارح. قال الإمام الصادق عليه السلام «2/34»: «لأنالله تبارك وتعالى فرض الإيمان على جوارح ابن آدم وقسمه عليها وفرقه فيها. . فمنها قلبه الذي به يعقل ويفقه ويفهم، وهو أمير بدنه الذي لا تَرِد الجوارح ولا تَصْدر إلا عن رأيه وأمره، ومنها عيناه اللتان يبصر بهما، وأذناه اللتان يسمع بهما، ويداه اللتان يبطش بهما، ورجلاه اللتان يمشي بهما، وفرجه الذي الباه من قبله، ولسانه الذي ينطق به، ورأسه الذي فيه وجهه، فليس من هذه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها، بفرض منالله تبارك اسمه».
وقال عليه السلام «2/151»: «أول ناطق من الجوارح يوم القيامة الرحم، تقول: يا رب من وصلني في الدنيا فَصِلِ اليوم ما بينك وبينه، ومن قطعني في الدنيا فاقطع اليوم ما بينك وبينه».
جَرَدَ
الجَرَاد: معروف، قال تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ «الأعراف:133» وقال: كَأنهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ «القمر:7» فيجوز أن يجعل أصلاً فيشتق من فعله جَرَدَ الأرض، ويصح أن يقال: إنما سمِّي ذلك لجرده الأرض من النبات يقال: أرض مَجْرُودَة، أي أكل ما عليها حتى تجردت. وفرس أَجْرَد: منحسر الشعر. وثوب جَرْدٌ: خلق، وذلك لزوال وبره وقوته.
وتَجَرَّدَ عن الثوب، وجَرَّدْتُهُ عنه، وامرأة حسنة المتجرد. وروي: جَرِّدُوا القرآن، أي لا تلبسوه شيئاً آخر ينافيه. وانْجَرَدَ بنا السير. وجَرِدَ الإنسان: شَرِيَ جلده من أكل الجراد.
ملاحظات
ذكر القرآن الجراد الذي أرسلهالله تعالى على قوم فرعون، وشبَّه خروج الناس من قبورهم يوم القيامة بانتشار الجراد: خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأنهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ.
وقول الراغب: جردوا القرآن، هو قول عمر بن الخطاب لما مَنَع المسلمين من التحديث عن النبي صلى الله عليه وآله ، أي إقرؤوا القرآن وحده، ولا تقرؤوا الحديث، ولا تفسروه بالحديث!
وقد أجاد الخليل في تدوين المادة، فقال «6/75»: «الجَرْد: فضاءٌ لا نبات فيه، إسمٌ للفضاء، فإذا نُعت به قلت: أرض جرداء، ومكان أجرد، وقد جردته جرداً، وجردها القحط تجريداً. ورجل أجرد: لا شعر على جسده. والأجرد من الخيل والدواب: القصير الشعر حتى يقال إنه لأجرد القوائم. وتجرد لأمر كذا أو للعبادة أي أخذ في القيام به. وإذا خرجت السنبلة من لفائفها، قيل تجردت. وامرأة بضة المتجرد، أي رخصة ناعمة تحت ثيابها. والجريدة: سعفةٌ رطبة جُرد عنها خوصها كما يقشأ الورق عن القضيب. وزرع مجرود: أصابه الجراد. والجرادة اللحاسة: معروف. وأرض مجرودة ومَجْرَد وجَرْدة، أي ليس فيها سترة من شجر وغيره. والجريدة: طائفة من الجند».
جَرَزَ
قال عز وجل: صَعِيداً جُرُزاً «الكهف:8» أي منقطع النبات من أصله، وأرض مَجْرُوزَة: أكل ما عليها، والجَرُوز: الذي يأكل ما على الخوان، وفي المثل: لا ترضى شانئة إلا بِجَرْزَة، أي باستئصال. والجَارِز: الشديد من السُّعال، تُصُوِّرَ منه معنى الجرز، والجَرْزُ: قطع بالسيف وسيف جُرَاز».
ملاحظات
استعمل القرآن الجُرُز صفةً للأرض في آيتين: وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا. نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا. وفسره الراغب بأنه صعيد منقطع النبات من أصله، أي مجزوزة أشجاره ونباته.
وفسره الخليل بالأرض المأكول نباتها، قال «6/64»: «الجرز: شدة الأكل. وأرض جرز، وجرزت جرزاً، أي لم يبق عليها من النبت شئ إلا مأكولاً. والجِرْز من السلاح، والجميع الجِرزة. والجرزة: الحزمة من قتٍّ ونحوه. وسيف جِرَاز: سريع القطع. ورجل جروز، أي مقتول في المعركة».
وقال ابن فارس «1/441»: «أرض جارزة: يابسة غليظة يكتنفها رمل. وامرأة جارز: عاقر».
جَرَعَ
جَرِِعَ الماء يَجْرَعُ، وقيل: جَرَعَ. وتَجَرَّعَهُ: إذا تكلف جرعه. قال عز وجل: يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ «إبراهيم:17» والجُرْعَة: قدر ما يتجرَّع، وأفلت بجُرَيْعَة الذقن، بقدر جرعة من النفس. ونوق مَجَارِيع: لم يبق في ضروعها من اللبن إلا جَرْعٌ.
والجَرَعُ والجَرْعَاء: رمل لا ينبت شيئاً، كأنه يتجرع البذر.
جَرَفَ
قال عز وجل: عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ «التوبة:109» يقال للمكان الذي يأكله السيل فيجرفه أي يذهب به: جُرْف، وقد جَرَفَ الدهر ماله، أي اجتاحه تشبيهاً به، ورجل جُرَاف: نَكِحَةٌ، كأنه يجرف في ذلك العمل.
ملاحظات
قال ابن منظور «9/25و14/436»: «الجُرُفُ: ما أَكلَ السيلُ من أَسْفَل شِقِّ الوادي والنَّهر، والجمع أَجْرافٌ وجُرُوف وجِرَفةٌ، فإن لم يكن من شِقِّه فهو شَطٌّ وشاطئٌ.
والشَّفى: حرْفُ الشئِ وحَدُّه، قالالله تعالى: على شَفى جُرُفٍ هارٍ، والإثنان شَفَوان. وشَفى كلِّ شئ حَرْفُه، قال تعالى: وكنتم على شَفى حُفْرة من النارِ».
وفي مجمع البحرين «1/247»: «هارٍ: مقلوب من هائر كقولهم: شاكِي السلاح وشائك السلاح».
جَرَمَ
أصل الجَرْم: قطع الثمرة عن الشجر. ورجل جَارِم وقوم جِرَام وثمر جَرِيم. والجُرَامَة: ردئ التمر المَجْرُوم، وجعل بناؤه بناء النفاية.
وأَجْرَمَ: صار ذا جُرْم، نحو: أثمر وألبن، واستعير ذلك لكل اكتساب مكروه، ولا يكاد يقال في عامة كلامهم للكَيِّس المحمود. ومصدره جَرْم. وقول الشاعر في صفة عقاب: جريمةُ ناهضٍ في رأسِ نِيقِ
فإنه سمى اكتسابها لأولادها جرماً من حيث إنها تقتل الطيور، أو لأنه تصورها بصورة مرتكب الجرائم لأجل أولادها، كما قال بعضهم: ما ذو ولد وإن كان بهيمة، إلا ويذنب لأجل أولاده!
فمن الإجرام: قوله عز وجل: إن الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ «المطففين:29» وقال تعالى: فَعَلَيَّ إِجْرامِي «هود:35» وقال تعالى: كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنكُمْ مُجْرِمُونَ «المرسلات:46» وقال تعالى: إن الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ «القمر:47» وقال عز وجل:إن الْمُجْرِمِينَ، فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ «الزخرف:74».
ومن جَرَم، قال تعالى: لايَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ «هود:89» فمن قرأ بالفتح فنحو: بغيتهُ مالاً، ومن ضمَّ فنحو: أبغيتهُ مالاً، أي أغثته.
وقوله عز وجل: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا «المائدة:8».
وقوله عز وجل: فَعَلَيَّ إِجْرامِي«هود:35» فمن كسر فمصدر، ومن فتح فجمع جرم. واستعير من الجرم أي القطع جَرَمْتُ صوف الشاة، وتَجَرَّمَ الليل.
والجِرْمُ في الأصل: المجروم، نحو نَقْض ونَفْض للمنقوض والمنفوض، وجعل إسماً للجسم المجروم. وقولهم: فلان حسن الجرم أي اللون، فحقيقته كقولك: حسن السخاء. وأما قولهم: حسن الجِرْم أي الصوت، فالجرم في الحقيقة إشارة إلى موضع الصوت لا إلى ذات الصوت، ولكن لما كان المقصود بوصفه بالحسن هو الصوت فُسِّرَ به، كقولك: فلان طيب الحلق، وإنما ذلك إشارة إلى الصوت لا إلى الحلق نفسه.
وقوله عز وجل: لا جَرَمَ، قيل: إن لا تتناول محذوفاً، نحو لا في قوله تعالى: لا أُقْسِمُ «القيامة:1» وفي قول الشاعر:
لَاوَأَبِيكِ ابنةَ العامِرِيَِ
ومعنى جَرَمَ: كسب، أو جنى. و: إن لَهُمُ النَّارَ «النحل:62» في موضع المفعول، كأنه قال: كسب لنفسه النار. وقيل: جَرَمَ وجَرِمَ بمعنى، لكن خُصَّ بهذا الموضع جرم كما خُصَّ عُمْر بالقسم وإن كان عُمْر وعُمُر بمعنى، ومعناه: ليس بجرم أن لهم النار، تنبيهاً [على] أنهم اكتسبوها بما ارتكبوه، إشارة إلى قوله تعالى: وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها «الجاثية:15». وقد قيل في ذلك أقوال، أكثرها ليس بمرتضى عند التحقيق.
وعلى ذلك قوله عز وجل: فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ «النحل:22» لا جَرَمَ إنالله يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ «النحل:23» وقال تعالى: لا جَرَمَ إنهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ «النحل:109».
ملاحظات
1. جعل أكثر اللغويين مادة جَرَمَ أصلاً واحداً بمعنى قَطَعَ، إلا الجوهري فجعلها عدة أصول وهو الصحيح، لأنه لايمكن إرجاع جريمة المجرم الى القطع، ولا إرجاع الجِرم بمعنى الجسم الى القطع. . قال «5/1885»: «الجُرْم: الذنب، والجريمة مثله. والجَرْم: القطع. وقد جَرَمَ النخل واجترمه أي صرمه فهو جارم. وجَرمْتُ صوف الشاة، أي جززته، مثل جَلَمْتُ. والجِرم بالكسر الجسد. والجِرم اللون. والجِرم الصوت. وفلان جريمة أهله، أي كاسبهم.
2. استعمل القرآن مادة جَرَمَ أكثر من خمسين مرة، منها 34 مرة في المجرمين، أي العصاة أهل المخالفات الكبيرة. والجريمة في اللغة الفارسية خفيفة بخلاف العربية، فلو قلت لفارسي عملك جريمة وأنت مُجرم، فمعناه ارتكبت مخالفة بسيطة. لذلك خفف اللغويون وأكثرهم فرس، من معنى الجريمة، وجعلوها جَزَّ الزرع!
3. استعمل القرآن تعبير لايجرمنكم، ثلاث مرات، بمعنى لايوقعكم الأمر الفلاني في الجُرْم والذنب، كقوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا.
واستعمل لا جَرَمَ خمس مرات، بمعنى لاعجبَ ولا جُرْمَ في هذا الأمر بل يستحقه أهله، كقوله تعالى: لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ. لاجَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ. لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ.
لاجَرَمَ أَنَّاللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ. وأكثر اللغويون في تفسيره، وفسره الراغب: لا كسب ولا جناية في كذا.
وقال الجوهري «5/1886»:«هي كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة، فجرت على ذلك وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم، وصارت بمنزلة حقاً فلذلك يجاب عنه باللام، كما يجاب بها عن القسم. ألا تراهم يقولون: لا جرم لآتينك».
وفي المخصص «4/117»: «وأما لا جرم أن لهم النار، فإن الخليل وسيبويه ومن تبعهما من البصريين يجعلون جَرَم فعلاً ماضياً ويجعلون لا داخلة عليها. قال سيبويه: حقٌّ أن لهم النار. وقال غيره: جَرَم بمعنى كسب. وأما الفراء وأصحابه فذهبوا إلى أن جَرَم إسم منصوب بلا، على التبرئة». أي على النفي.
جَرَى
الجَرْي: المرُّ السريع، وأصله كمرِّ الماء ولما يجري بجريه. يقال: جَرَى يَجْرِي جِرْيَة وجَرَيَاناً. قال عز وجل: وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي «الزخرف:51» وقال تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ «الكهف:31» وقال: وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ «الروم:46»وقال تعالى: فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ «الغاشية:12». وقال: إنا لما طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ «الحاقة:11» أي السفينة التي تجري في البحر، وجمعها جَوَارٍ، قال عز وجل: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ «الرحمن:24» وقال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالإعلامِ «الشورى:32».
ويقال للحوصلة جِرِّيَّة إما لانتهاء الطعام إليها في جريه، أو لأنها مجرى الطعام.
والإِجْرِيَّا : العادة التي يجري عليها الإنسان.
والجَرِيُّ : الوكيل والرسول الجاري في الأمر، وهو أخص من لفظ الرسول والوكيل. وقد جَرَيْتُ جَرْياً.
وقوله عليه السلام : لايستجرينكم الشيطان، يصح أن يدعى فيه معنى الأصل، أي لا يحملنكم أن تجروا في ائتماره وطاعته. ويصح أن تجعله من الجري، أي الرسول والوكيل، ومعناه: لا تتولوا وكالة الشيطان ورسالته، وذلك إشارة إلى نحو قوله عز وجل: فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ «النساء:76» وقال عز وجل: إنما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ. «آل عمران:175».
ملاحظات
1. عرَّف الراغب الجَري بأنه المرور، وأضاف له السرعة، لكن قد يكون الجري بطيئاً.
قال الخليل «3/228»: «فرس مُحْمِر، وجمعه محامر ومحامير، أي يجري جري الحمار من بطئه».
2. استعمل القرآن: تجري من تحتها الأنهار، ومن تحتهم الأنهار، في نحو أربعين آية. ووصف في الجنة عيناً جارية، وعينين تجريان.
وقال عن السفن: وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ. وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ. حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا. وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ. وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ. تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ.
وسمى سفينة نوح عليه السلام الجارية: إِنَّا لما طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ. وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِاللهِ مَجْرِاهَا وَمُرْسَاهَا.
وقال عن الشمس والقمر: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُسَمًّى. وكشف عن قوى كونية: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا. فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا. فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا.
وقال عن سليمان عليه السلام : فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ.
جَزَعَ
قال تعالى: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا «إبراهيم:21» الجَزَع: أبلغ من الحزن، فإن الحزن عام والجزع هو حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده ويقطعه عنه.
وأصل الجَزَع: قطع الحبل من نصفه، يقال: جَزَعْتُهُ فَانْجَزَعَ. ولتصور الإنقطاع منه قيل: جِزْعُ الوادي لمنقطعه. ولانقطاع اللون بتغيره قيل للخرز المتلون جَزْع.
ومنه استعير قولهم: لحم مُجَزَّع، إذا كان ذا لونين. وقيل للبسرة إذا بلغ الإرطاب نصفها: مُجَزَّعَة.
والجَازِع: خشبة تجعل في وسط البيت فتلقى عليها رؤوس الخشب من الجانبين، وكأنما سمي بذلك إما لتصور الجزعة لما حمل من العبء، وإما لقطعه بطوله وسط البيت.
ملاحظات
1. استعمل القرآن الجزع في آيتين: إِنَّ الآنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. وذكر قول أهل النار: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ.
2. لا يصح قول الراغب: «الجزع: هو حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده» لأن الجَزَع ليس الحزن، بل حالة تصاحب الحزن أو الغضب أو تنتج عنهما. وهي تُناقض الصبر، ولذلك يقال: حزن فصبر، وحزن فَجَزِعَ. ويقال: غضب فجزع، وغضب وصبر.
وقد يكون الجزع بفعل كاللطم والضرب ونحوهما، وقد يكون باستحكام حالة نفسية على الحزين الجازع. قال أمير المؤمنين عليه السلام يصف ثورة الصحابة على عثمان: «استأثر فأساء الأثرة. وجزعتم فأسأتم الجزع. ولله حكم واقع في المستأثر والجازع» «نهج البلاغة:1/76».
وسئل الإمام الباقر عليه السلام عن الجزع فقال: «أشد الجزع: الصراخ بالويل والعويل، ولطم الوجه والصدر، وجز الشعر من النواصي». «الكافي:3/222».
وقال الإمام الصادق عليه السلام : «كل الجزع والبكاء مكروه، سوى الجزع والبكاء على الحسين». «أمالى الطوسي/162».
3. جعل الراغب الجَزْع أصلاً واحداً بمعنى القطع، من قطع الحبل، لأنه يقطع الإنسان عما يريد عمله. لكن اشتقاقه من قطع الحبل أو الصحراء، مجرد احتمال.
وجعله ابن فارس أصلين «1/453»:«أحدهما الإنقطاع، والآخر جوهر من الجواهر. وهو الخَرَز المعروف».
ولم يتعرض الخليل لاشتقاقه، قال: «1/217»:«الواحدة: جَزْعَةٌ من الخَرَز. والجَزْعُ: قطعك المفازة عرضاً. وناحيتا الوادي: جَزْعَاهُ. والجزْعَة: من الماء واللبن: ما كان أقل من نصف السقاء. والجَزَعُ: نقيض الصبر».
جَزَأَ
جُزْءُ الشئ: ما يتقوَّم به جملته كأجزاء السفينة وأجزاء البيت وأجزاء الجملة من الحساب، قال تعالى: ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كل جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً «البقرة:260» وقال عز وجل: لِكل بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ «الحجر:44» أي نصيب، وذلك جزءٌ من الشئ، وقال تعالى: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً «الزخرف:15» وقيل: ذلك عبارة عن الإناث، من قولهم: أَجْزَأَتِ المرأة: أتت بأنثى.
وجَزَأَ الإبل: مَجْزَءاً وجَزْءاً: اكتفى بالبقل عن شرب الماء. وقيل: اللحم السمين أجزأ من المهزول. وجُزْأَة السكين: العود الذي فيه السيلان «دمٌ كثير» تصوُّراً أنه جزء منه.
جَزَيَ
الجَزَاء: الغَنَاء والكفاية، وقال تعالى: لايَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً «لقمان:33».
والجَزَاء: ما فيه الكفاية من المقابلة، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. يقال: جَزَيْتُهُ كذا وبكذا. قالالله تعالى: وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى«طه:76». وقال: فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى «الكهف:88» وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها «الشورى:40» وقال تعالى: وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً «الإنسان:12» وقال عز وجل: جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً «الإسراء:63» أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا «الفرقان:75» وَما تُجْزَوْنَ إِلَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «الصافات:39».
والجِزْيَة: ما يؤخذ من أهل الذمة، وتسميتها بذلك للإجتزاء بها عن حقن دمهم، قالالله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ «التوبة:29». ويقال: جازيك فلان، أي كافيك، ويقال: جَزَيْتُهُ بكذا وجَازَيْتُهُ.
ولم يجئ في القرآن إلا جزى، دون جازى، وذاك أن المجازاة هي المكافأة، وهي المقابلة من كل واحد من الرجلين، والمكافأة هي مقابلة نعمة بنعمة هي كفؤها، ونعمةالله تتعالى عن ذلك، ولهذا لا يستعمل لفظ المكافأة فيالله عز وجل. وهذا ظاهر.
ملاحظات
1. فات الراغب قوله تعالى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ «سبأ:17». ومعنى المكافأة يصح بأدنى سبب، فالكفور ظلمالله تعالى فجازاه.
كما أن من يفعل خيراً: يُقْرِضُالله قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ. قال ابن منظور «14/143»: «قال الفراء: لا يكون جَزَيْتُه إِلَّا في الخير، وجازَيْته يكون في الخير والشر، قال: وغيره يُجِيزُ جَزَيْتُه في الخير والشر، وجازَيْتُه في الشَّرّ».
والصحيح أنهما يستعملان حسب المعنى الذي يقصده المتكلم، فقد يريد القول إن هذا الجزاء مجازاة باعتبار من الإعتبارات.
2. جعل الراغب الجزاء بمعنى المكافأة مشتقاً من الجزاء بمعنى الغَنَاء، لأنهما سدٌّ مَسَدَّ شئ. والظاهر أنهما أصلان. وابتكر ابن فارس أصلاً يجمعهما «1/455» قال: «يقال: جزيت فلاناً أجزيه جزاءً وجازيته مجازاة. وهذا رجل جَازِيكَ من رجل، أي حسبك، ومعناه أنه ينوب مناب كل أحد».
ويبدو أن الخليل جعلها ثلاثة، قال«6/164»:«جزى يجزي جزاء: أي كافأ بالإحسان وبالإساءة. وفلان ذو غناء وجزاء، ممدود. وتجازيتُ دَيْني: تقاضيته».
لكن مادة جزى أوسع مما ذكروا، وأصولها أكثر من ثلاثة، وفروعها كثيرة لا يمكن إرجاعها كلها الى الأصول المذكورة، والأمر فيها سهل لوضوحها.
جَسَسَ
قالالله تعالى: وَلا تَجَسَّسُوا «الحجرات:12» أصل الجَسِّ: مسُّ العِرْق وتعرُّف نبضه للحكم به على الصحة والسقم، وهو أخص من الحَسِّ فإن الحس تعرُّف ما يدركه الحِس، والجَسُّ تَعَرُّفُ حاله من ذلك.
ومن لفظ الجس اشتق الجاسوس.
جَسَدَ
الجَسَد كالجسم، لكنه أخصُّ، قال الخليل رحمه الله : لا يقال الجسد لغير الإنسان من خلق الأرض ونحوه. وأيضاً فإن الجسد ما له لون، والجسم يقال لما لا يَبِينُ له لون كالماء والهواء.
وقوله عز وجل: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطعامَ «الأنبياء:8» يشهد لما قال الخليل. وقال: عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ «طه:88» وقال تعالى: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ «ص:34». وباعتبار اللون قيل للزعفران: جِسَاد. وثوب مِجْسَد: مصبوغ بالجِسَاد، والمِجْسَد: الثوب الذي يلي الجسد. والجَسَد والجَاسِد والجَسِد من الدم ما قد يبس.
ملاحظات
قال الخليل«6/47»: «ولا يقال لغير الإنسان جسد من خلق الأرض. وكل خلق لا يأكل ولا يشرب من نحو الملائكة والجن مما يعقل فهو جسد. وكان عجل بني إسرائيل جسداً لا يأكل ولا يشرب، ويصيح.
وقوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ، أي ما جعلناهم خلقاً مستغنين عن الطعام».
يقصد الخليل: أن وصفالله تعالى لعجل بني إسرائيل بأنه جسد مع أنه خُلق من الأرض، لا ينافي اختصاص لفظ الجسد بالإنسان. وهو كلام ضعيف، قاله ليفسر قوله تعالى: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطعامَ. لكن المعنى: وما جعلناهم جسداً مصمتاً لا جوف له فلا يحتاج الى طعام. قال الإمام الباقر عليه السلام : «إنالله خلق ابن آدم أجوف، لابد له من الطعام والشراب». «الكافي:6/286».
جَسَمَ
الجسم: ماله طول وعرض وعمق، ولا تخرج أجزاء الجسم عن كونها أجساماً، وإن قطع ما قطع، وجُزِّئ ما قد جزئ. قالالله تعالى: وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ «البقرة:247» وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ «المنافقون:4»تنبيهاً [على] أن لا وراء الأشباح معنى معتد به.
والجُسْمَان: قيل هو الشخص، والشخص قد يخرج من كونه شخصاً بتقطيعه وتجزئته، بخلاف الجسم.
ملاحظات
تعريفه للجسم فيه تكلف وتعقيد. فهو من تعريف الواضح بغير الواضح!
جَعَلَ
جَعَلَ: لفظ عام في الأفعال كلها، وهو أعمُّ من فَعَلَ وصَنَعَ وسائر أخواتها، ويتصرف على خمسة أوجه: الأول: يجري مجرى صار وطفق فلا يتعدى، نحو جعل زيدٌ يقول كذا، قال الشاعر:
فقد جَعَلَتْ قُلوصُ بني سهيلٍ
من الأكوار مرتَعُها قريبُ
والثاني: يجري مجرى أوجدَ فيتعدى إلى مفعول واحد، نحو قوله عز وجل: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ «الأنعام:1» وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ. «النحل:78».
والثالث: في إيجاد شئ من شئ وتكوينه منه، نحو: وَاللَّه جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً «النحل:72» وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً «النحل:81» وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا. «الزخرف:10».
والرابع: في تصيير الشئ على حالة دون حالة، نحو: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً «البقرة:22» وقوله: جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا «النحل:81» وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً «نوح:16» وقوله تعالى: إنا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا «الزخرف:3».
والخامس: الحكم بالشئ على الشئ حقاً كان أو باطلاً، فأما الحق فنحو قوله تعالى: إنا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ «القصص:7» وأما الباطل فنحو قوله عز وجل: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً «الأنعام:136» وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ «النحل:57» الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ «الحجر:91».
والجِعَالَة والجُعَالَة: خرقة ينزل بها القدر.
والجُعْل والجَعَالَة والجَعِيلَة: ما يجعل للإنسان بفعله فهو أعمُّ من الأجرة والثواب.
وكلبٌ مُجْعِل: كناية عن طلب السفاد، والجُعَل: دويبة.
ملاحظات
قسم الراغب جعل الى خمسة معانٍ: بمعنى صار، وأوجد، وأوجد شيئاً من شئ، وصيَّر الشيئ على حالةٍ، وحكم بشئ على شئ! لكن الجعل أوسع من ذلك لأنه فعل كنائي عن فعل أو أفعال أخرى، تُفهم من سياق الكلام، وقد استعمله القرآن بشكل واسع في معانٍ عديدة، فاستعمل جَعَلَ 77 مرة، وجَعَلْنَا 70 مرة، وجَعَلْنَاه 15مرة، ومجموع استعمالات المادة أكثر من 400 مرة.
فالجعل في القرآن موضوع دراسة لاستخراج معانيه وأنواعه، ولا يصح حصره في خمسة أنواع، وبعضها متداخل! وهذه نماذج منه، وأكثرها غير ما ذكره الراغب، وبعضها فيه بحثبل بحوث:
قالالله تعالى: يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم.
وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا.
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا.
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا.
فَمَا جَعَلَاللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً.
خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ.
وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ.
رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ.
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا.
مَا يُرِيدُاللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ.
قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً.
يُرِيدُاللهُ أَلا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الأَخِرَة.
وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
فَالِقُ الآصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا.
وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا.
فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ فِي النَّاسِ.
أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَاللهُ لَكُمْ قِيَامًا.
لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً.
إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ.
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا.
إِنْ تَتَّقُوااللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا.
جَفَنَ
الجَفْنَة: خُصت بوعاء الأطعمة وجمعها جِفَان، قال عز وجل: وَجِفانٍ كَالْجَوابِ «سبأ:13» وفي حديث: وأنت الجفنة الغراء، أي المطعام. وقيل للبئر الصغيرة جفنة تشبيهاً بها. والجِفْن: خُصَّ بوعاء السيف والعين، وجمعه أجفان. وسمي الكَرْم جَفناً تصوراً أنه وعاء العنب.
جَفَأَ
قال تعالى: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً «الرعد:17» وهو ما يرمي به الوادي أو القدر من الغثاء إلى جوانبه. يقال: أَجْفَأَتِ القِدْرُ زَبَدَهَا: ألقته، إِجْفَاء. وأَجْفَأَتِ الأرض: صارت كالجفاء في ذهاب خيرها. وقيل: أصل ذلك الواو لا الهمز. ويقال: جفت القدر وأجفت.
ومنه: الجفاء، وقد جفوته أجفوه جفوة وجفاء. ومن أصله أخذ: جفا السرج عن ظهر الدابة: رفعه عنه.
ملاحظات
ومنه قوله تعالى: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ «السجدة:16» أي تجفو المضاجعَ والصحيح أن الجَفْوَ والجَفَاء أصلان، لأن الجفاءَ ماديٌّ والجفوَ معنويٌّ.
جَلَّ
الجَلَالَة: عِظَم القَدْر، والجلال بغير الهاء: التناهي في ذلك. وخصَّ بوصفالله تعالى فقيل: ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ «الرحمن:27» ولم يستعمل في غيره.
والجليل: العظيم القَدر. ووصفه تعالى بذلك إما لخلقه الأشياء العظيمة المستدل بها عليه، أو لأنه يجل عن الإحاطة به، أو لأنه يجل أن يدرك بالحواس.
وموضوعه للجسم العظيم الغليظ، ولمراعاة معنى الغلظ فيه قوبل بالدقيق، وقوبل العظيم بالصغير، فقيل جَلِيل ودقيق، وعظيم وصغير، وقيل للبعير: جليل، وللشاة: دقيق، اعتباراً لأحدهما بالآخر فقيل: ما له جليل ولا دقيق، وما أجَلَّنِي ولا أدَقَّني، أي ما أعطاني بعيراً ولا شاة. ثم صار مثلاً في كل كبير وصغير. وخص الجُلَالةَ بالناقة الجسيمة، والجِلَّة بالمسانِّ منها.
والجَلَل: كل شئ عظيم. وجَلَلْتُ كذا: تناولت. وتَجَلَّلْتُ البقر: تناولت جُلَالَه. والجَلَل: المتناول من البقر، وعُبِّر به عن الشئ الحقير، وعلى ذلك قوله: كل مصيبة بعده جلل.
والجَلَل: ما يُعظم الشئ، فقيل: جَلَّ الفرس، وجل الثمن.
والمِجَلَّة: ما يغطى به الصحف، ثم سميت الصحف مَجَلَّة.
وأما الجَلْجَلَة: فحكاية الصوت، وليس من ذلك الأصل في شئ، ومنه: سحاب مُجَلْجِل أي مصوت. فأما سحاب مُجَلِّل فمن الأول، كأنه يُجَلِّل الأرض بالماء والنبات.
ملاحظات
جعل الراغب أصل جَلَلَ واحداً بمعنى عظيم القَدر، وحاول إرجاع الفروع اليه، وأخرج منه جلجل الصوت، وأهمل ذكر: أمرٌ جلل بمعنى هين!
وجعله ابن فارس ثلاثة أصول، قال «1/417»: «جَلَّ الشئ: عظم، وجِلُّ الشئ: معظمه، وجَلالالله: عظمته. والثاني: شئ يشمل شيئاً مثل: جِلُّ الفرس ومثل المجلل الغيث الذي يجلل الأرض بالما