مكتبة الطالب (2) ـ قرآن علي(ع)ـ

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مكتبة الطالب ( 2 )
قرآن علي عليه السلام
مركز المصطفى للدراسات الإسلامية
برعاية المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني دام ظله
الطبعة الأولى 1427
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وأفضلُ الصلاة وأتمُّ السلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين .
وبعد ، فقد تعوَّدنا نحن شيعة أهل البيت عليهم السلام على أن نُحقق الإنجازات العظيمة فيصادرها غيرنا ! تعوَّدنا ذلك منذ اخترنا أن نكون شيعة لعلي عليه السلام الذي كان عضد النبي صلى الله عليه وآله ووزيره وحامل لوائه ، وقام كيان الإسلام بجهاده وتضحياته ، فأقصته قريش عن خلافة النبي صلى الله عليه وآله رغم وصية النبي له ، وأخذت منه ثارات بدر وأحد والأحزاب ، ونصبت خلفاءها مكانه ونسبت إليهم أمجاد الجهاد ، وادعت أنهم السبب في انتصار الإسلام ، وجعلت ولايتهم ركناً من الدين ، وسالمت الناس عليهم ، وعادتهم عليهم ، وقتلت من لم يعترف بهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

قادَ عليٌّ عليه السلام وتلاميذه الفتوحات . . فصادروها !

ثم كانت الفتوحات بفعل الموجة النبوية وتبشيره صلى الله عليه وآله المسلمين من أول بعثته بأنهم سيفتحون أرض فارس والروم ، لكن ولاة قريش خافوا عندما جمع لهم الروم مئة وعشرين ألف جندي في حمص وكان المسلمون أربعة وعشرين ألفاً ( تاريخ دمشق : 2 / 143 ) فراسل خالد أبا بكر يتخوف العاقبة فشاور علياً عليه السلام فطمأنه وأرسل لهم مدداً بقيادة مالك الأشتر وأبي ذر ، فكتب أبو بكر لخالد : ( وقد تقدم إليك أبطال اليمن وأبطال مكة ، ويكفيك ابن معدي كرب الزبيدي ، ومالك بن الأشتر ) . ( الواقدي : 1 / 68 ) . ومات أبو بكر فعزل عمر خالد بن الوليد وعين مكانه أبا عبيدة ، فكتب له يتخوف جمع الروم فقال عمر للصحابة : ( ما تشيرون به عليَّ رحمكم الله تعالى ؟ فقال له علي بن أبي طالب : أبشروا رحمكم الله تعالى فإن هذه الوقعة يكون فيها آية من آيات الله . . . أكتب إلى عاملك أبي عبيدة كتاباً وأعلمه فيه أن نصر الله خير له من غوثنا ونجدتنا ) . ( الواقدي : 1 / 178 ) .
وكانت معركة اليرموك ، فبرز ماهان بطل الروم وأكبر قادتهم فخافه المسلمون حتى أبو عبيدة وخالد ، فبرز إليه مالك الأشتر رحمه الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقتله : ( فقال له ماهان : أنت صاحب خالد بن الوليد ؟ قال : لا أنا مالك النخعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله ) ! ( فتوح الواقدي : 2 / 224 وابن الأعثم : 1 / 208 )
ثم برز عدة أبطال من قادتهم فبرز إليهم الأشتر رحمه الله وقتلهم ، فوقع الرعب والانكسار في جيش الروم ، وحمل عليهم المسلمون وتبعوهم يأسرون ويقتلون ويغنمون ، وتحققت الآية الإلهية التي وعد بها علي عليه السلام ! وكان هرقل في أنطاكية فودع سوريا قائلاً : ( السلام عليك يا سوريا ) ! واستولى عليها المسلمون ، وتوغل الأشتر رحمه الله يطارد الروم في جبال اللُّكام ، حتى انكمشوا مع هرقل في القسطنطينية !
هذه هي معركة اليرموك التي صادرتها الخلافة وأعطت سَمْن سوريا وعَسَلها لمعاوية ، ومعهما خبرة أطبائها في السُّم ، فقتل به مالك الأشتر وقال : ( لله جنود من عسل ) ! ( راجع جواهر التاريخ : 2 / 347 ) .

ونسبوا فتح إيران إلى غير علي عليه السلام

وفي جبهة فتح فارس جمع الفرس للمسلمين مائة وخمسين ألف جندي ، وقرروا أن يهاجموا المدينة المنورة ليستأصلوا بزعمهم أصل هذا الدين ! فخاف عمر ، قال ابن الأعثم في الفتوح : 2 / 290 : ( ذكر كتاب عمار بن ياسر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما : بسم الله الرحمن الرحيم ، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمار بن ياسر ، سلام عليك .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أما بعد فإن ذا السطوات والنقمات المنتقم من أعدائه ، المنعم على أوليائه ، هو الناصر لأهل طاعته على أهل الإنكار والجحود من أهل عداوته ، ومما حدث يا أمير المؤمنين أن أهل الري وسمنان وساوه وهمذان ونهاوند وأصفهان وقم وقاشان وراوند واسفندهان وفارس وكرمان وضواحي أذربيجان قد اجتمعوا بأرض نهاوند ، في خمسين ومائة ألف من فارس وراجل من الكفار ، وقد كانوا أمَّروا عليهم أربعة من ملوك الأعاجم ، منهم ذو الحاجب خرزاد بن هرمز ، وسنفاد بن حشروا ، وخهانيل بن فيروز ، وشروميان بن اسفنديار ، وأنهم قد تعاهدوا وتعاقدوا وتحالفوا وتكاتبوا وتواصوا وتواثقوا ، على أنهم يخرجوننا من أرضنا ، ويأتونكم من بعدنا ، وهم جمع عتيد وبأس شديد ، ودواب فَرِهٌ ، وسلاح شاك ، ويد الله فوق أيديهم . فإني أخبرك يا أمير المؤمنين أنهم قد قتلوا كل من كان منا في مدنهم ، وقد تقاربوا مما كنا فتحناه من أرضهم ، وقد عزموا أن يقصدوا المدائن ، ويصيروا منها إلى الكوفة ، وقد والله هالنا ذلك وما أتانا من أمرهم وخبرهم ، وكتبت هذا الكتاب إلى أمير المؤمنين ليكون هو الذي يرشدنا وعلى الأمور يدلنا ، والله الموفق الصانع بحول وقوته ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، فرأي أمير المؤمنين أسعده الله فيما كتبته والسلام ! قال : فلما ورد الكتاب على عمر بن الخطاب رضي الله عنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقرأه وفهم ما فيه وقعت عليه الرعدة والنفضة ، حتى سمع المسلمون أطيط أضراسه ! ثم قام عن موضعه حتى دخل المسجد وجعل ينادي : أين المهاجرون والأنصار ! ألا فاجتمعوا رحمكم الله ، وأعينوني أعانكم الله ) ! انتهى .
هنا جاء علي عليه السلام فثبَّتَ القلوب ورفع المعنويات ، وأعطى الخطة فتنفس عمر الصعداء ، وأطلق يده فأدار الحرب ، فبعث علي عليه السلام تلميذه النعمان بن مُقرن فقاد معركة نهاوند ، وعيَّن مكانه إن استشهد حذيفة بن اليمان ، فكان كما توقع عليه السلام ، فاستشهد النعمان وأكمل حذيفة المعركة ، وحقق النصر .
وفي هذا يقول علي عليه السلام : ( فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً ، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل ، يزول منها ما كان كما يزول السراب ، أو كما يتقشع السحاب ، فنهضت في تلك الأحداث ، حتى زاح الباطل وزهق ، واطمأن الدين وتَنَهْنَهْ ) . ( نهج البلاغة : 3 / 118 ) .
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج : 20 / 298 : ( قال له قائل : يا أمير المؤمنين أرأيتَ لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله ترك ولداً ذكراً قد بلغ الحلم ، وآنس منه الرشد ، أكانت العرب تسلم إليه أمرها ؟
قال : لا ، بل كانت تقتله إن لم يفعل ما فعلتُ ، ولولا أن قريشاً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جعلت اسمه صلى الله عليه وآله ذريعةً إلى الرياسة ، وسلَّماً إلى العز والإمرة ، لما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً ، ولارتدت في حافرتها ، وعاد قارحها جذعاً ، وبازلها بكرًا !
ثم فتح الله عليها الفتوح فأثْرَتْ بعد الفاقة ، وتَمَوَّلَتْ بعد الجَهد والمخمصة ، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجاً ، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطرباً ، وقالت : لولا أنه حق لما كان كذا ، ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها وحسن تدبير الأمراء القائمين بها ، فتأكد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين ، فكنا نحن ممن خمل ذكره ، وخبت ناره ، وانقطع صوته وصيته ، حتى أكل الدهر علينا وشرب ، ومضت السنون والأحقاب بما فيها ، ومات كثير ممن يعرف ، ونشأ كثير ممن لا يعرف !
وما عسى أن يكون الولد لو كان ! إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقربني بما تعلمونه من القُرْب للنسب واللحمة ، بل للجهاد والنصيحة ، أفتراهُ لو كان له ولد هل كان يفعل ما فعلت ! وكذاك لم يكن يَقْرُب ما قَرُبْتُ ، ثم لم يكن عند قريش والعرب سبباً للحظوة والمنزلة ، بل للحرمان والجفوة .
اللهم إنك تعلم أني لم أرد الإمرة ، ولا علوَّ الملك والرياسة ، وإنما أردت القيام بحدودك ، والأداء لشرعك ، ووضع الأمور في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مواضعها ، وتوفير الحقوق على أهلها ، والمضي على منهاج نبيك ، وإرشاد الضال إلى أنوار هدايتك ) . انتهى .
فتأمل هذه الشكوى ، وكشْفَ الإمام عن الواقع الذي عَتَّمُوا عليه !

مصادرتهم جَمْعُ عليٍّ عليه السلام للقرآن ونسبته إلى غيره !

وأعجب من كل ما تقدم : مصادرتهم جهود علي عليه السلام لحفظ القرآن من التحريف ، وعمله لفرض نسخته الصحيحة على عثمان لتعميمها باسم مصحف الخليفة ، ليكون القرآن نسخةً واحدة .
فقد اخترع رواة الخلافة أن فلاناً وفلاناً هم الذين جمعوا القرآن بصعوبة بالغة ! من حفظ الناس ، ومما كتبوه على رقاع الورق ، والجلد ، والحجارة ، وسعف النخل ، والعظام ، فلم يستطيعوا جمعه كله ، فوضعوا أشخاصاً على باب المسجد ينادون ساعدونا يا مسلمين ! فكانوا يأتون بالآية مع شاهد أو اثنين يشهدان عليها فيضعونها في القرآن ، وبقيت آيات ضائعة ، فوجدوها عند خزيمة ولم يكن له شاهد ، فقالوا إن شهادة خزيمة بشهادتين وقبلوها !
لقد صادروا عمل علي عليه السلام ونسبوا فضيلة جمع القرآن إلى غيره في روايات خيالية ، تطعن في سند ثبوت القرآن !
ثم لم يكتفوا حتى هاجموا شيعة علي عليه السلام بأنهم أعداء القرآن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لأنهم يقولون بتحريفه ولا يؤمنون به !
وفي بلد عربي تجرَّأ شاب شيعي وناقش أستاذه في الجامعة عن أحاديث الوصية بالخلافة لعلي عليه السلام ، فزجره الأستاذ وأوعز إلى شرطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( ! ) فأخذوه وحاكموه وحكموا عليه بالإعدام وقتلوه ، بتهمة أنه أهان القرآن وداس عليه بقدميه ! وشهد عليه ( شيخ ) له لحية طويلة بأنه رآه بأم عينه يدوس القرآن ويقول لا نؤمن به !
وهكذا يُزَوَّرونُ التاريخ ، ويُمَارَسونه ، ويَكتَبونه ، ويَنْشَرونه ، ويُنَشِّؤون عليه الأطفال والشباب والأجيال ، حتى يُظهر الله وليه الموعود المذخور أرواحنا فداه ، فيعيد الحق إلى نصابه ، ويكشف التاريخ على حقيقته ، ويصنع المستقبل بهداية ربه عجل الله تعالي فرجه الشريف .
أرجو أن ترى في هذا الكتيِّب خلاصة قصة تدوين القرآن ، ودور أمير المؤمنين عليه السلام وتلميذه حذيفة بن اليمان رحمه الله في إنقاذ القرآن من خطر محقق كان يواجهه !
مركز المصطفى للدراسات الإسلامية
علي الكَوْراني العاملي
3 جمادى الأولى 1427
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول : القرآن عند الشيعة والسنة مصونٌ من التحريف

أطول معارضة في التاريخ تواجه أشرس الهجومات

تعودنا نحن الشيعة على التعامل مع خصومنا بصَبْرٍ ونَفَس طويل ، فقد بدأ اضطهادنا من يوم وفاة النبي صلى الله عليه وآله فكنا المعارضة لحكومات تحالف قريش ضد أهل البيت عليهم السلام . والمعارضة يجب أن تتحمل أذى الدولة وإعلامها وحملات اضطهادها ، وهي حملاتٌ لم تختلف علينا عبر العصور إلا بين الأشد والشديد !
وقد ابتلينا في عصرنا بفئة روَّجت لاتهامنا بعدم الإيمان بالقرآن ، ووظفوا من يكتب ضدنا نيابة عنهم من الهند والشام ، فكتب الهندي الوهابي إحسان إلهي ظهير في كتابه الشيعة والسنة / 65 ، تحت عنوان : الشيعة والقرآن : ( من أهم الخلافات التي تقع بين السنة والشيعة هو اعتقاد أهل السنة بأن القرآن المجيد الذي أنزله الله على نبينا ( ص ) هو الكتاب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأخير المنزل من عند الله إلى الناس كافة وأنه لم يتغير ولم يتبدل . . . وأما الشيعة فإنهم لا يعتقدون بهذا القرآن الكريم الموجود بأيدي الناس . . مكابرين للحق وتاركين للصواب . فهذا هو الاختلاف الحقيقي الأساسي بين أهل السنة والشيعة ، بين المسلمين والشيعة لأنه لا يكون الإنسان مسلماً إلا باعتقاده أن القرآن هو الذي بلغه رسول الله ( ص ) إلى الناس كافة بأمر من الله عز وجل ) . انتهى .
والطبعة التي نقلنا منها هي الثلاثون ، طبعوها في باكستان وعلى غلافها عناوين ثلاث عشرة مكتبة لتوزيعه في السعودية ! ومثله عشرات الكتب والمنشورات والأشرطة ، بألوف النسخ وبعضها بملايين النسخ ، نشروها في أنحاء العالم الإسلامي ، وفي المهجر في أوروبا وأمريكا ! ووزعوا منها على الحجاج حتى كان نصيب كل حاج حسب ما نشرته جرائدهم عشرة كتب وخمسة أشرطة ! وكلها تطعن في الشيعة أو تكفِّرهم وتُخرجهم من الإسلام ، وفي طليعة التُّهم أنهم كافرون بالقرآن ويلعنون الصحابة أبا بكر وعمر وعثمان وحفصة وعائشة ومعاوية !
إن القضية عندهم نفسها عند أجدادهم الخوارج ، أنهم يريدون أن يقاتلوا المسلمين فهم محتاجون إلى تكفيرهم ، وإلا فقدوا المبرر لقتالهم ! ولذا تراهم يتشبثون بأي طِحْلِبٍ ليكفروك به ! وقد وجدوا في مصادر الشيعة بعض روايات يفهم منها أن الخلافة حذفت من القرآن بعض آيات نزلت في أهل البيت عليهم السلام ، وقد ردها علماؤنا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وضعفوها ، لكن ( بني خصام ) الراغبين في جهادنا وقتلنا ، زعموا أنا نقبل تلك الروايات ونقول بتحريف القرآن !
وفي نفس الوقت أغمضوا عيونهم عن أضعافها في مصادرهم ، وهي صريحة في تحريف القرآن ، بل في جواز تحريفه ، وقد رد علماؤهم أكثرها أو أوَّلوها ، كما فعل علماؤنا في رواياتهم !

خلاصة ردود علماء الشيعة

1 - أن واقع الشيعة في العالم يكذب التهمة : فالشيعة ليسوا طائفة تعيش في قرية حتى يخفى قرآنهم الذي يعتقدون به ! بل هم عشرات الملايين في أكثر بلاد العالم الإسلامي ، وهذه وبيوتهم ومساجدهم وحسينياتهم ومدارسهم وحوزاتهم العملية ، لا يوجد فيها إلا نسخة هذا القرآن ، ولو كانوا لا يعتقدون به أو يعتقدون بغيره دونه أو معه ، فلماذا يقرؤونه دون غيره ؟ ولماذا يدرسونه دون غيره ؟ !
2 - أن مذهب التشيع مبني على التمسك بالقرآن والعترة عليهم السلام ، فكيف ننكر أحد ركني مذهبنا ؟ ! وحديث الثقلين ثابت متواتر عند الشيعة والسنة رواه أحمد : 3 / 17 : ( عن أبي سعيد الخدري عن النبي ( ص ) قال : إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وإن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، فانظروني بم تخلفوني فيهما ؟ ! ) .
3 - والشيعة أصحاب قاعدة عرض الأحاديث على القرآن : ففي الكافي : 1 / 69 : ( عن أبي عبد الله عليه السلام قال : خطب النبي صلى الله عليه وآله بمنى فقال : أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته ، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله . . . عن أيوب بن الحُرّ قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : كل شئ مردودٌ إلى الكتاب والسنة ، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف ) . وفي التهذيب : 7 / 275 : ( إذا جاءكم منا حديث فاعرضوه على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالفه فاطرحوه أو ردوه علينا ) .
4 - وكل ثقافة الشيعة مبنية على القرآن : فهذا تاريخهم عبر القرون وفقههم وعقائدهم وتفسيرهم ومؤلفاتهم الكثيرة الغزيرة ، كانت وما زالت محورها القرآن والسنة ، ولا أثر فيها لقرآن آخر !
5 وهذه تفاسيرهم ومؤلفاتهم حول القرآن : فقد أحصت دار القرآن الكريم في قم مؤلفات الشيعة في التفسير فقط ، فزادت على خمسة آلاف مؤلف ، ومعناه أن مساهمتهم في تفسير القرآن أكثر من غيرهم !
6 - فقه الشيعة أكثر تشدداً في احترام القرآن : فلا يجوز عندنا مس خط القرآن لغير المتطهر ، ولا القيام بأي عمل يعتبر إهانةً للقرآن ولو لم يقصد صاحبه الإهانة ، كأن يضع نسخته في مكان غير مناسب ، أو يرميها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رمياً غير لائق ، أو ينام والمصحف في مكان مواجه لقدميه ، أو يضعه في متناول طفل يسئ إلى قداسته . . إلى آخر هذه الأحكام .
7 - وقد صدرت فتاوى علماء الشيعة جواباً على تهمة الخصوم ، بأن الشيعة يعتقدون بسلامة هذا القرآن وأنه المنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله دون زيادة أو نقيصة ، وهذه نماذج من فتاوى علمائهم :
رأي الصدوق قدس سره : ( إعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله هو ما بين الدفتين ، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشرة سورة ، وعندنا أن الضحى وألم نشرح سورة واحدة ، ولإيلاف وألم تر كيف ، سورة واحدة ( في الصلاة ) ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب ) .
رأي المفيد قدس سره : ( وأما الوجه المجوز فهو أن يزاد فيه الكلمة والكلمتان والحرف والحرفان وما أشبه ذلك ، مما لا يبلغ حد الإعجاز ، ويكون ملتبساً عند أكثر الفصحاء بكلم القرآن ، غير أنه لا بد متى وقع ذلك من أن يدل الله عليه ويوضح لعباده عن الحق فيه . ولست أقطع على كون ذلك بل أميل إلى عدمه وسلامة القرآن عنه ) .
رأي الشريف المرتضى قدس سره : ( المحكي أن القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله مجموعاً مؤلفاً على ما هو عليه الآن ، فإن القرآن كان يحفظ ويدرس جميعه في ذلك الزمان . . . وأنه كان يعرض على النبي صلى الله عليه وآله ويتلى عليه ، وأن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وأبيّ بن كعب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وغيرهما ختموا القرآن على النبي صلى الله عليه وآله عدة ختمات . وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعاً مرتباً غير منثور ، ولا مبثوث ) .
رأي الشيخ الطوسي قدس سره : ( وأما الكلام في زيادته ونقصانه ، فمما لا يليق به أيضاً ، لأن الزيادة فيه مجمعٌ على بطلانها ، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه ، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا ، وهو الذي نصره المرتضى رحمه الله ، وهو الظاهر في الروايات ) .
رأي الشيخ الطبرسي قدس سره : ( فإن العناية اشتدت ، والدواعي توفرت على نقله وحراسته ، وبلغت إلى حد لم يبلغه فيما ذكرناه ، لأن القرآن معجزة النبوة ، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية ، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية ، حتى عرفوا كل شئ اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته ، فكيف يجوز أن يكون مغيراً ، أو منقوصاً ) . انتهى . ويطول الكلام لو أردنا نقل كلمات علمائنا ، وقد ألف عدد منهم كتباً مفردة في نفي التحريف ورد التهمة عن الشيعة ، فراجع التحقيق في نفي التحريف لآية الله الميلاني ، وتدوين القرآن للمؤلف , وصيانة القرآن للسيد مرتضى الرضوي . . . الخ .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني : موقف الخليفة عمر من القرآن والسنة

هذه خلاصة موجزة جداً لما يوجد في مصادرهم من غرائب في تحريف القرآن ، بأصح الأسانيد ، عن أكبر الصحابة !

موقف الخليفة عمر من القرآن :

يتفق الجميع على أن النبي صلى الله عليه وآله أمرهم في مرض وفاته أن يلتزموا بتنفيذ عهد يكتبه لهم ويضمن لهم أن يكونوا على الهدى ويسودوا العالم ، فقال عمر : ( إن النبي قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله ! فاختلف أهل البيت فاختصموا منهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله كتاباً لا تضلوا بعده أبداً ، ومنهم من يقول : القول ما قاله عمر . فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي قال لهم رسول الله : قوموا عني ) . ( عدالة الصحابة للمحامي أحمد حسين يعقوب /
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
182 ، عن بخاري كتاب المرضى باب قول المريض : قوموا عني : 7 / 9 وصحيح مسلم آخر كتاب الوصية : 5 / 75 ومسلم بشرح النووي : 11 / 95 ومسند أحمد : 4 / 356 ح 2992 ، وغيرها .
وقد بحثنا انقلاب الصحابة على نبيهم صلى الله عليه وآله في الجزء الثاني من ألف سؤال وإشكال ، وغرضنا أن نشير إلى أن موقف عمر من القرآن أنه المصدر الرسمي للإسلام فقط ، والسنة مصدر انتقائي يختار منه زعماء قريش ما يناسب ويتركون ما لا يناسب ، أو يمنعون صدوره !
كما أن المفسر الرسمي للقرآن هو عمر بصفته الزعيم المقبول من قبائل قريش ما عدا بني هاشم ، فله الحق أن يمنع النبي صلى الله عليه وآله من كتابة عهد قد يلزم المسلمين بمفسر رسمي هاشمي ! وقد طبق عمر نظريته هذه ( القرآن هو المصدر الوحيد والخليفة هو المفسر الوحيد ) بأعمال ، منها :
1 - رفض نسخة القرآن التي عند علي عليه السلام .
2 - إخضاع علي وفاطمة صلى الله عليه وآله وبني هاشم وأنصارهم ولو بالقوة ، ومنعهم من أي تأثير على الناس حتى في تعليم القرآن والسنة .
3 - تكذيب أن علياً أو أحداً من الصحابة عنده القرآن كله أو تفسيره من النبي صلى الله عليه وآله ، بل القرآن موزع عند الصحابة ، وجمعه والمصادقة عليه من حق الخليفة فقط !
4 - القرآن برأي عمر ناقص فهو أكثر من الموجود بأيدي الصحابة ، فقد ضاع أكثر من ثلثيه بعد النبي صلى الله عليه وآله وتدارك عمر الأمر فكان يجمع ما يرى أنه منه ، ويضعه عند ابنته حفصة ، وقد أدركه الأجل قبل نشره .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
5 - يوجد برأيه آيات من القرآن لم يكتبها الناس ، وقد أمر كاتبه زيد بن ثابت بكتابة بعضها وقال عن بعضها : لولا أن يقول المسلمون إن عمر زاد في كتاب الله لأمرت بوضعها فيه !
6 - قول علي وبني هاشم إن القرآن نزل على حرف واحد ، غلط ! فمعنى قول النبي ( نزل القرآن على سبعة أحرف ) أنه يجوز تغيير لفظه فيجوز قراءته بالمعنى بأي كلام عربي أو غير عربي ، بشرط أن لا تغير المغفرة منه إلى عذاب والعذاب إلى مغفرة ، فكل قراءة بهذا الشرط شرعية منزلة من عند الله تعالى !
7 - تحاشياً لإحراج الخليفة المفسر الرسمي للقرآن ، يغلق البحث في القرآن ، ويعاقب بشدة كل من يسأل عن تفسير آية !
8 - نظراً لخطورة موقع القُرَّاء وتعلق الناس بهم ، فيجب تقليل عددهم إلى أقل حد ممكن .
9 - يحكم القضاة بفهمهم للقرآن إذا لم يتعارض مع فهم الخليفة والصحابة المرضيون عنده ، ثم يحكم القاضي بظنونه ، والأفضل تأخير القضية حتى يأخذ فيها رأي الخليفة !
أما موقفه من السنة فيتكوَّن من خمس قرارات ( راجع كتاب تدوين القرآن ) :
1 - مَنَع رواية سنة النبي صلى الله عليه وآله منعاً باتاً تحت طائلة العقوبة ! وقد ضرب عمر بعض الصحابة بجرم أنه حدَّث أشخاصاً أو شخصاً فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله ! وبقي بعضهم في سجنه حتى قتل !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
2 - مَنَع تدوين سنة النبي صلى الله عليه وآله منعاً باتاً ، وهو قرار كان اتخذه مع زعماء قريش من زمن النبي صلى الله عليه وآله عندما رأوا بعض شباب قريش كعبد الله بن عمرو العاص يكتبون ما يقوله النبي صلى الله عليه وآله ! وطلب أبو بكر في خلافته من الناس أن يأتوا إليه بما كتبوه من السنة فأحرقه !
كما جمع عمر في خلافته المكتوب من السنة وأحرقه ! وأصدر مرسوماً خلافياً إلى الأمصار بإحراق المكتوب من السنة أو إتلافه ! !
3 - رفض عمر كتاب علي ( الجامعة ) الذي هو بإملاء النبي صلى الله عليه وآله وفيه ما يحتاج إليه الناس ، وقال إن النبي صلى الله عليه وآله لم يخص علياً ولا أحداً من أهل بيته بشئ من العلم ، ولم يترك علماً غير القرآن .
4 - انتقى عمر روايات من سيرة النبي صلى الله عليه وآله وأحداثها ، وعمل على تعليمها للأمة على أنها السنة والسيرة الصحيحة ، دون غيرها !
5 - رفع شعار ( سنة النبي ) التي رفضها بالأمس ، وعدَّل شعاره ( حسبنا كتاب الله ) إلى شعار : ( حسبنا كتاب الله وسنة نبيه ) أي كتاب الله كما يفهمه الخليفة ، وسنة رسوله التي يرويها أو يمضيها !
والى جنب هذه القرارات والمواقف ، له قراران كان لهما تأثير واسع :
1 - قراره بنشر الثقافة اليهودية والمسيحية .
2 - وقراره بنشر الشعر الجاهلي ، وأمره بتعلمه وكتابته .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : نقص القرآن وزيادته برأي الخليفة وخاصته !

1 - يرى عمر أن القرآن ضاع أكثره ! قال : ( القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف ، فمن قرأه صابراً محتسباً فله بكل حرف زوجة من الحور العين ) . ( الدر المنثور : 6 / 422 ، وقال : قال بعض العلماء : هذا العدد باعتبار ما كان قرآناً ونسخ رسمه ، وإلا فالموجود الآن لا يبلغ هذه العدة ) . ومجمع الزوائد : 7 / 163 ، عن الطبراني عن شيخه محمد بن عبيد ومال إلى توثيقه وانتقد استنكار الذهبي له وقال : ( ولم أجد لغيره في ذلك كلاماً ) . أقول : الرواية عن عمر موثقة ، ومحاولتهم تضعيف شيخ الطبراني لا تصح ، وكذا زعمهم أن عمر يقصد المنسوخ ، فهل يكون المنسوخ أكثر من ثلثي القرآن ! وبما أن عدد حروف القرآن ثلاث مئة ألف حرف وكسراً ، أي أقل من ثلث العدد الذي قاله عمر ، فيكون رأيه أنه ضاع أكثر من ثلثي القرآن ! ولحديثه هذا مؤيدات عديدة صحت عنه ، كقوله : ( فقد فيما فقدنا من القرآن . . أسقط فيما أسقط . قرآن كثير ذهب مع محمد . . رفع فيما رفع ) . ففي الدر المنثور : 5 / 179 ، عن مصنف عبد الرزاق : فإنها آية نزلت في كتاب الله وقرأناها ، ولكنها ذهبت في قرآن كثير ذهب مع محمد . وفي كنز العمال : 2 / 567 من مسند عمر ، قال عمر لعبد الرحمن بن عوف : ألم نجد فيما أنزل علينا أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة ؟ فإنا لم نجدها ، قال : أسقط فيما أسقط من القرآن ) . وقال في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رواية أخرى : . . . فرفع فيما رفع ! وفي : 6 / 208 : ( أو ليس كنا نقرأ من كتاب الله أن انتفاءكم من آبائكم كفر بكم . . أو ليس كنا نقرأ الولد للفراش وللعاهر الحجر ، فُقِدَ فيما فَقَدْنَا من كتاب الله ) .
2 - وقال عمر إن سورة الأحزاب ضاع منها أكثر من 200 آية ! ففي كنز العمال : 2 / 480 : عن حذيفة قال قال لي عمر بن الخطاب : ( كم تعدُّون سورة الأحزاب ؟ قلت ثنتين أو ثلاثاً وسبعين ، قال : إنْ كانت لتقارب سورة البقرة ، وإن كان فيها لآية الرجم ) . ونحوه أحمد : 5 / 132 ، والحاكم : 2 / 415 ، و : 4 / 359 وصححه . والبيهقي : 8 / 211 . وكنز العمال : 2 / 567 ، قال : إن كانت لتضاهي سورة البقرة أو هي أطول من سورة البقرة ) ! فالناقص من سورة الأحزاب برأيه أكثر من 200 آية ! !
3 - وقلَّده أبو موسى الأشعري فقال : إن سورة براءة ضاع أكثرها ! ففي مجمع الزوائد : 5 / 302 : ( نزلت سورة نحواً من براءة فرفعت فحفظت منها : إن الله ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم . . فذكر الحديث ) . والدر المنثور : 1 / 105 ، ونحوه في : 7 / 28 ، والحاكم : 2 / 330 ، عن حذيفة .
4 - وقال عمر إن آية الرجم وآية الشيخ والشيخة ، وآية لا ترغبوا عن آبائكم كانتا في القرآن . روى بخاري : 8 / 25 ، أن عمر بلغه أن شخصاً قال : ( لو قد مات عمر لقد بايعتُ فلاناً ) فغضب وقال : ( فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت ! إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذي يريدون أن يغصبوهم أمورهم ) !
ثم خطب وقال : ( ثم إنه بلغني أن قائلاً منكم يقول : والله لو مات عمر بايعت فلاناً ، فلا يغترَّنَّ امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وتمت ، ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها ، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر . من بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تَغِرَّةَ أن يقتلا . . . إن الله بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها ، فلذا رجم رسول الله ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله : والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف . ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن : لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم ، أو إن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم ) . ومعنى : تَغِرَّةَ أن يقتلا : مخافة أن يقتلا بهذا الأمر الذي أصدره عمر . ورواه : 8 / 113 ، ومسلم : 5 / 116 ، وابن ماجة : 1 / 625 و : 2 / 853 وأبو داود : 2 / 343 ، وفيه : ( وأيم الله لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله عز وجل لكتبتها ) . والترمذي : 2 / 442 ، والدر المنثور : 5 / 179 ، بعدة روايات وفيها : فإنها آية نزلت في كتاب الله وقرأناها ، ولكنها ذهبت في قرآن كثير ذهب مع محمد ) ! وفي تهذيب ابن حجر : 4 / 77 : ( لولا أن أزيد في كتاب الله ما ليس فيه لكتبت ، إنه حق ) . لكن لماذا لم يكتبها في القرآن مع أنه شهد له غيره ؟ !
5 - آية : لا ترغبوا عن آبائكم ، وتقدمت مع آية الرجم برواية بخاري : 8 / 24 ، وفصلها مجمع الزوائد : 1 / 97 : ( أن مملوكاً كان يقال له كيْسان فسمى نفسه قيساً وادعى إلى مولاه ولحق بالكوفة ، فركب أبوه إلى عمر بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الخطاب فقال : يا أمير المؤمنين ابني ولد على فراشي ، ثم رغب عني وادعى إلى مولاي ومولاه ! فقال عمر لزيد بن ثابت : أما تعلم أنا كنا نقرأ : لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم ؟ فقال زيد : بلى ، فقال عمر : انطلق فاقرن ابنك إلى بعيرك ثم انطلق فاضرب بعيرك سوطاً وابنك سوطاً حتى تأتي به أهلك ) ! وقال عن بعض رواياته : رجاله رجال الصحيح ) .
6 - آية : ولو حميتم كما حموا . . . روى الحاكم : 2 / 225 ، أن أبيّاً كان يقرأ : إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ، ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام ، فأنزل الله سكينته على رسوله . . وذكر أن ذلك بلغ عمر فناقشه ثم أقر بها وقال له : بل أقرئ الناس . وصححه على شرط الشيخين . والدر المنثور : 6 / 79 ، عن النسائي . . الخ . وركَّة آيتهم واضحة ، وكذا غلط معناها لأنها تقول إن قريشاً في غزوة الحديبية أخذتها حمية الجاهلية ، ولو حمي المسلمون مثلها لفسد المسجد الحرام ولكنهم لانوا ، بينما يقول الله تعالى : وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً . وقال في آية 24 : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ) .
7 - آية : حق جهاده في آخر الزمان ! قال في الدر المنثور : 4 / 371 : ( عن عبد الرحمن بن عوف ، قال لي عمر : ألسنا كنا نقرأ فيما نقرأ : وجاهدوا في الله حق جهاده في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله ؟ قلت : بلى فمتى هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال : إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المغيرة الوزراء ) ! وفي كنز العمال : 2 / 567 ، ( من مسند عمر : ألم نجد فيما أنزل علينا أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة ؟ فإنا لم نجدها ! قال : أسقط فيما أسقط من القرآن ) ! فهذه الرواية قولٌ من عمر بنقص القرآن !
8 - آية : الولد للفراش ! فالمعروف في مصادر الشيعة والسنة أن " الولد للفراش وللعاهر الحجر " حديث نبوي صلى الله عليه وآله كما في وسائل الشيعة : 13 / 376 ، وسنن الترمذي : 2 / 313 ، والنسائي : 6 / 180 ، وأحمد : 1 / 25 ، و : 4 / 186 ، بأربع روايات . . الخ . لكن رووا : أن عمر قال لأبيّ : أو ليس كنا نقرأ من كتاب الله : إن انتفاءكم من آبائكم كفر بكم ؟ فقال : بلى ، ثم قال : أو ليس كنا نقرأ : الولد للفراش وللعاهر الحجر ؟ فُقِد فيما فقدنا من كتاب الله ؟ قال بلى ) . ( كنز العمال : 6 / 208 ) .
9 - آية : لو كان لابن آدم واديان ! رواها بخاري : 7 / 175 ، كحديث نبوي ، ومسلم : 3 / 100 ، لكن روى بعده : ( بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم ، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها ! غير أني قد حفظت منها : لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب . وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت منها : يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة ) . ونحوه أحمد : 4 / 368 ، عن زيد بن أرقم ، ونحوه : 5 / 219 ، و : 6 / 55 ، عن عائشة ، و : 3 / 122 ، عن أنس بصيغة الشك هل هي آية أم لا ؟ ! وفي : 5 / 117 ، عن ابن عباس : جاء رجل إلى عمر يسأله فجعل ينظر إلى رأسه مرة والى رجليه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أخرى . . . وذكر أن ابن عباس قرأ آية التراب فسأله عنها عمر فاستشهد بأبي بن كعب فقال : هكذا أقرأنيها رسول الله ! قال أفأثبتها ؟ فأثبتها ! وفي مجمع الزوائد : 7 / 141 : أفأثبتها في المصحف قال : نعم ! رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ) . ومعناه أنه كتبها في القرآن ولا بد أنه قرآن عمر الذي كان يجمعه عند حفصة ، وقتل قبل أن ينشره !
10 - نقص ( وهو أب لهم ) من آية ! في الدر المنثور : 5 / 183 : ( وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وإسحق بن راهويه وابن المنذر والبيهقي عن بجالة قال : مرَّ عمر بن الخطاب بغلام وهو يقرأ في المصحف : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم ! فقال يا غلام حُكَّهَا فقال : هذا مصحف أبيّ ! فذهب إلى أبيّ فسأله فقال : إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق ) . وعبد الرزاق : 10 / 181 ، وتاريخ المدينة : 2 / 708 والبيهقي : 7 / 69 ، والذهبي في سيره : 1 / 397 ، وكنز العمال : 2 / 569 . . الخ . ومعناه أنه أقرها وبقيت في المصحف ، أي مصحف عمر الذي خبأه عند حفصة !
11 - آية : ذات الدين ووادي التراب ! روى الحاكم : 2 / 224 : ( عن أبيّ بن كعب قال : قال لي رسول الله ( ص ) : إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ . ومن نعْتها : لو أن ابن آدم سأل وادياً من مالٍ فأعطيته لسأل ثانياً ، وإن أعطيته ثانياً سأل ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب ، وإن الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيراً فلن يكفره ) . وصححه ، ومجمع الزوائد : 7 / 140 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وينبغي الشك في كل روايات الزيادة والنقصان التي نسبوها إلى أبيّ بن كعب رحمه الله لأنه ثبت أن بعضها مكذوب عليه ، وأنهم استغلوا اسمه .
12 - التسبيحات الأربع من القرآن ! روى ذلك أحمد : 5 / 11 و 20 ، عن سمرة قال النبي صلى الله عليه وآله : ( إذا حدثتكم حديثاً فلا تزيدن عليه ، وقال : أربع من أطيب الكلام وهن من القرآن لا يضرك بأيهن بدأت : سبحان الله والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر . ثم قال : لا تُسَمِّيَنَّ غلامك أفلحاً ولا نجيحاً ولا رباحاً ولا يساراً ) . والنسائي : 2 / 143 ، عن أبيّ !
13 - آية : ألا بلغوا قومنا . . ! رواها بخاري : 3 / 204 و 208 و : 4 / 35 و : 5 / 42 ، بعدة روايات أن آية : ألا بلغوا قومنا بأنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ! نزلت في شهداء بئر معونة الذين بعثهم النبي صلى الله عليه وآله إلى نجد فغدر بهم رعل وذكوان وعصية من بني لحيان ، وأن المسلمين قرؤوا هذه الآية ! ومسلم : 2 / 135 ، وأحمد : 3 / 109 و 210 و 215 و 255 و 289 ، بروايات . . وفي أكثرها أنها نسخت ، وفي بعضها أنها رفعت . وقد جعلوها آية وهي فقرة ناقصة !
14 - آية عائشة التي أكلتها السخلة ! فمن عجائب ما رووه عن عائشة كما في مسند أحمد وغيره ، قال في : 6 / 271 : ( كانت عائشة تأمر أخواتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها وإن كان كبيراً خمس رضعات ثم يدخل عليها ! وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي ( ص ) أن يُدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحداً من الناس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حتى يرضع في المهد ) . انتهى . ومعناه أنها كانت تبعث بالرجل إلى أختها أو زوجة أخيها فتترضعه ليصير محرماً على عائشة ويدخل عليها ) !
وروى بخاري : 6 / 125 ، عن عائشة : ( أن النبي دخل عليها وعندها رجل فكأنه تغير وجهه كأنه كره ذلك ! فقالت إنه أخي ، فقال : أنظرن من إخوانكن ! فإنما الرضاعة من المجاعة ) . ونحوه : 3 / 150 ، والنسائي : 6 / 101 ، وأورد عبد الرزاق في مصنفه : 7 / 458 ، نحو خمسين رواية تحت عنوان : باب رضاع الكبير ، تذكر استنكار المسلمين لذلك ، وأسماء بعض من أرضعتهم ليدخلوا عليها ، وأنها تعلمت ذلك من سهيلة بنت سهيل بن عمرو قائد المشركين التي أخبرتها أن النبي صلى الله عليه وآله أجاز لها أن تُرضع سالم الفارسي وهو رجل ليدخل عليها ، ( فقالت : يا رسول الله ! إن سالم مولى أبي حذيفة معنا في بيتنا ، وقد بلغ ما يبلغ الرجال وعلم ما يعلم الرجال ، فقال رسول الله : أرضعيه تحرمي عليه . . . ! قال ابن أبي مليكة : فمكثت سنة أو قريباً منها لا أحدث به رهبةً له ، ثم لقيت القاسم فقلت : لقد حدثتني حديثاً ما حدثته بعد ، قال : وما هو ؟ فأخبرته فقال حدِّث به عني أن عائشة أخبرتني به ) !
وكل أحاديث الرضاعة حتى حديث سهيلة عن عائشة فقط ، ففي التمهيد : 8 / 258 ، قالت : ( جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي فقالت إني لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم عليَّ كراهية . قال : فأرضعيه ! قالت وهو شيخ كبير ؟ ! فقال النبي : أولست أعلم أنه شيخ كبير فأرضعيه ! ثم أتته بعد فقالت : يا رسول الله ما رأيت في وجه أبي حذيفة شيئاً أكرهه ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسالم هذا فارسي غلام لأبي حذيفة الأموي : ( وكان يؤم المهاجرين بقباء فيهم عمر بن الخطاب قبل أن يقدم رسول الله ( ص ) المدينة ) . ( الإستيعاب : 2 / 567 ) .
فكانت عائشة تحتج لعملها بأنها سمعت ذلك من سهيلة ، لكن يظهر أن انتقاد أزواج النبي صلى الله عليه وآله والناس كان قوياً ، فقالت إن رضاع الكبير نزل فيها آيات كانت في صحيفة تحت سريرها فلما مرض النبي صلى الله عليه وآله في بيته البعيد نسبياً عن غرفتها انشغلت به ولم تقفل غرفتها جيداً فدخلت سخلة وأكلت الصحيفة ! وحتى لا يقال إن الآيات منسوخة أكدت عائشة أنها كانت من القرآن ، وكنا نقرؤها حتى توفي النبي ، ولا نسخ بعد النبي صلى الله عليه وآله !
قال مسلم في صحيحه : 4 / 167 : ( عن عائشة أنها قالت : كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يُحَرِّمْنَ ثم نسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن ! ) . والدارمي : 2 / 157 ، وروى ابن ماجة : 1 / 625 : ( عن عائشة قالت : لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً . ولقد كان في صحيفة تحت سريري ، فلما مات رسول الله وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها ) . والنسائي : 6 / 100 . ومعنى الداجن : الحيوان الأهلي الذي يربى في المنزل وكان السائد منه في المدينة الماعز ، ولذلك قلنا أكلتها السخلة ! وفي هذه الرواية دليل على أن مرض النبي ووفاته لم يكن في غرفة عائشة كما زعموا وزعمت فيما بعد ، وإلا لما دخلتها السخلة ! ومن طريف ما رووه أن عبد الله بن عمر ومالك بن أنس وغيرهم وافقوا عائشة وزادوا عليها بأن المصة الواحدة تكفي لتحريم الشخص ! ( الترمذي : 2 / 309 ، والدر المنثور : 2 / 135 ) . لكن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بعض النساء في عصرنا سألت شيخاً في برنامج من تلفزيون السعودية : هل تستطيع أن تفعل ذلك كعائشة ، فلم يرخص لها بذلك !
وشاهدنا منه أن عائشة تقول بنقص القرآن وأن السخلة الملعونة جعلت قرآن المسلمين ناقصاً إلى يوم الدين فلعنها الله من سخلة !
15 - صحِّحُوا مصاحفَكم واكتبوا : فامضوا إلى ذكر الله ، وامحوا ( وَاسْعَوْا ) ! فقد اتفقت مصادرهم على أن عمر كان يقرأ : الآية التاسعة من سورة الجمعة ( فامضوا إلى ذكر الله ) ويُصر على ذلك ويأمر بمحو ( فاسعوا ) ويقول إنها منسوخة ! لكن المسلمين لم يطيعوه والحمد لله . وسبب اجتهاده أن معنى السعي في ذهنه : الركض ، والمطلوب الذهاب إلى صلاة الجمعة وليس الركض ، فلا يصح التعبير بالسعي فهو غلط أو منسوخ فيجب تصحيحه ! قال بخاري : 6 / 63 : ( قوله : وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ، وقرأ عمر : فامضوا إلى ذكر الله ) . وفي تاريخ المدينة : 2 / 711 : ( عن خرشة بن الحر قال : رأى معي عمر بن الخطاب لوحاً مكتوباً فيه : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ ، فقال : مَن أملى عليك هذا ؟ قلت أبي بن كعب ، فقال إن أبياً كان أقرأنا للمنسوخ ، إقرأها : فامضوا إلى ذكر الله ) . وفي البيهقي : 3 / 227 : عن سالم عن أبيه قال : ما سمعت عمر بن الخطاب يقرؤها إلا : فامضوا إلى ذكر الله ) . والدر المنثور : 6 / 219 . ورووا أن عمر أقنع برأيه عبد الله بن مسعود فمحى من مصحفه : فاسعوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكتب فيه : فامضوا قال : لو قرأتها فاسعوا سعيت حتى يسقط ردائي ! وكان يقرؤها فامضوا ) ! ( مجمع الزوائد : 7 / 124 ، ووثقه ) .
وقد رد علي عليه السلام هذه القراءة وبين خطأ عمر ، ففي دعائم الإسلام : 1 / 182 : ( عن علي عليه السلام أنه سئل عن قول الله تعالى : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ ، قال : ليس السعي الإشتداد ولكن يمشون إليها مشياً ) . كما رد عليه أبو ذر رحمه الله ، ففي الدر المنثور : 6 / 219 : ( وأخرج البيهقي في سننه عن عبد الله بن الصامت قال خرجت إلى المسجد يوم الجمعة فلقيت أبا ذر فبينا أنا أمشي إذ سمعت النداء فرفعت في المشي لقول الله : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ ، فجذبني جذبة فقال : أولسنا في سعي ) ؟ ! انتهى . ولكن رواة المذاهب وفقهاءهم لم يُخَطِّئوا عمر ولعلهم يتمنون أن يتغير القرآن من أجله ، فقد أفتوا بأنه يجوز أن يقرأ الناس بقراءة عمر ! راجع : البيهقي : 3 / 227 ، والمغني : 2 / 143 ، والدر المنثور : 6 / 219 ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكنز العمال بروايات عديدة : 2 / 591 رقم : 48087 و 4809 و 4821 و 4822 وابن جزي في التسهيل : 2 / 445 .
16 - وصل التحريف إلى سورة الحمد ! فقد صحَّ عندهم أن عمر كان يقرأ : سراط من أنعمت عليهم . . غير المغضوب عليهم وغير الضالين ! ففي الدر المنثور : 1 / 15 : ( أخرج وكيع وأبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر . . . من طرق عن عمر بن الخطاب أنه كان يقرأ : سراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين . . . وكنز العمال : 2 / 593 ، والبغوي : 1 / 42 ، ومحاضرات الراغب : 2 / 199 . ومعنى ذلك أنه استذوق أن ( يصحح ) في كلام الله تعالى أو يُحَسِّن في عبارته !
17 - الله لا إله إلا هو الحي القيَّام ! قال بخاري : 6 / 72 : ( سورة إنا أرسلنا . . دياراً من دور ، ولكنه فيْعال من الدوران ، كما قرأ عمر : الحي القيام ، وهي من قمت . . ) . ودافع عن عمر في : 8 / 184 ، بقوله : ( وقال مجاهد القيوم القائم على كل شئ . وقرأ عمر القيام ، وكلاهما مدح ) . انتهى . ومعنى كلامه أنه يجوز تغيير نص القرآن ما دام بنفس المعنى كما فعل عمر ! ويوجد موارد أخرى نقلتها مصادرهم من تغيير عمر لنص القرآن !
18 - آية : عظاماً ناخرة . فالموجود في سورة النازعات : أإذا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَة . ولو أن أحداً في عصرنا قرأها ( ناخرة ) بالألف لأنه يريد أن تتناسب أواخر الآيات لقالوا له : لا يجوز لك أن تغير في كلام الله من عندك ! أما عمر فيجوز له ! قال السيوطي في الدر المنثور : 6 / 312 : ( وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن عمر بن الخطاب أنه كان يقرأ : أئذا كنا عظاماً ناخرة ، بألف ) . بعدة روايات . ومجمع الزوائد : 7 / 133 ، عن ابن عمر ، وصححه .
قد يقال : لا فرق بين نخرة بدون ألف أو بألف . لكن بناء القرآن ليس ككلام البشر ، والحرف الواحد له دوره في موضعه وفي مجموع القرآن !
19 - محاولة عمر حذف واو الأنصار ! في تاريخ المدينة : 2 / 707 : ( قرأ عمر : وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ ( و ) الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ . بدون واو ! فقال أبيُّ : وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ . فقال عمر : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ، الذين اتبعوهم بإحسان ، وقال عمر : أشهد أن الله أنزلها هكذا ، فقال أبيٌّ : أشهد أن الله أنزلها هكذا ولم يؤامر فيها الخطاب ولا ابنه ) . انتهى .
أقول : الآية في مدح المؤمنين المهاجرين والأنصار ومن جاء بعدهم واتبعهم ، فالأنصار مساوون للمهاجرين القرشيين وإن ذكروا بعدهم ، ومن اتبعهم أي اتبع الطرفين . لكن عمر يريد حذف الواو ليجعل الأنصار تابعين للقرشيين ، وأقسم أنها هكذا نزلت ! فرفض كعب تحريف الآية وقال له إن الله عندما أنزلها لم يستشر عمر ولا أباه ! وفي رواية الحاكم : 3 / 305 ، أن عمر أراد من شخص تغييرها فلم يقبل معه فذهبا إلى أبيّ وجرى بينهما نقاش حاد ، وقال له كعب : ( تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وآله . قال عمر : أنت تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ! قال : نعم أنا تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وآله . ثلاث مرات كل ذلك يقوله ، وفي الثالثة وهو غضبان : نعم والله ، لقد أنزلها الله على جبريل وأنزلها جبريل على محمد فلم يستأمر فيها الخطاب ولا ابنه ! فخرج عمر وهو رافع يديه وهو يقول : الله أكبر الله أكبر ! ) . وكنز العمال : 2 / 605 ، و : 2 / 597 ، وفيه : ( فجعل كل واحد منهما يشير إلى أنف صاحبه بإصبعه ) . وفي الدر المنثور : 3 / 269 : ( فقال عمر : فنعم ، إذن نتابع أبياً . . . قال : لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا ! فقال أبيٌّ : تصديق ذلك في أول سورة الجمعة : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) . انتهى . ومعناه أن عمر يرى أن قريشاً فوق الجميع ، ولا يجوز أن يساوى بها أحد ! والواو في الآية تجعل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأنصار معهم على قدم المساواة فيجب حذفها ! لكن عمر تراجع عن قوله وعن قسمه ! ولم يسأل عدداً من الصحابة عن الآية ! وأمر بكتابتها في القرآن كما قال أبيٌّ ولم يطلب شاهداً آخر معه عليها !
20 - محاولة أخرى تتعلق بعلي عليه السلام في آية : قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ . ( الرعد : 43 ) ، فقد عبَّر القرآن الكريم بإيتاء الكتاب ، وهو عام للأمم وخاص للأنبياء وأوصيائهم عليهم السلام . وبتوريث الكتاب وهو أيضاً عام وخاص ، وبالراسخين في العلم وهو خاص بالمعصومين عليهم السلام ، ومثله تعبير : وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ، وهو لا ينطبق إلا على علي عليه السلام ، لأن غيره لم يكن عنده ، فيكون عليٌّ عليه السلام أفضل من وزير سليمان ووصيه آصف بن برخيا ، الذي قال الله تعالى فيه : قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ . ( النمل : 40 ) .
لكن عمر حاول إبعاد الآية عن علي عليه السلام فقرأها ( وَمِنْ عِنْدِهِ ) فكسر مَنْ وكسر عِنْدَه ! وأراد بهاتين الكسرتين أن يجعل معنى الآية : قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عند الله علم الكتاب . وهذه القراءة لا معنى لها لأنها تقطع الربط بين الفقرتين !
والعجيب أنه نسب ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله ! ففي الدر المنثور : 4 / 69 : ( عن عمر أن النبي قرأ : ومَن عندَه علم الكتاب ، قال : من عند الله علم الكتاب ) . وكنز العمال : 2 / 593 ، وفي : 12 / 589 ، أنه سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وآله في مكة ! ومجمع الزوائد : 7 / 155 . والحمد لله أن أحداً لم يطعه ، ففي المصحف : وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكتاب !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

من هو الشاهد على الأمة الذي عنده علم الكتاب ؟

بعد فشل محاولة قراءة ( وَمِنْ عِنْدِهِ ) بكسر ( مِن ) يبقى السؤال من هو هذا الذي جعله الله شاهداً على الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وآله ؟ ويضاف إلى الآية آية أخرى بمعناها : أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ . ( هود : 17 ) ، فمن هو هذا الشاهد على الأمة وهو من النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
أما أتباع أهل البيت عليهم السلام فرووا أن الذي عنده علم الكتاب والشاهد على الأمة هو عليٌّ عليه السلام ، ففي تفسير علي بن إبراهيم : 1 / 367 ، بسند صحيح عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( الذي عنده علم الكتاب هو أمير المؤمنين عليه السلام . وسئل عن الذي عنده علمٌ من الكتاب أعْلَمُ أم الذي عنده علم الكتاب ؟ فقال : ما كان علم الذي عنده علم من الكتاب عند الذي عنده علم الكتاب إلا بقدر ما تأخذ البعوضة بجناحها من ماء البحر . . قال أمير المؤمنين عليه السلام : ألا إن العلم الذي هبط به آدم من السماء إلى الأرض وجميع ما فضلت به النبيون إلى خاتم النبيين في عترة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله ) . وفي نور الثقلين : 2 / 523 ، عن أمالي الصدوق عن أبي سعيد الخدري قال : ( سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن قول الله جل ثناؤه : قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ؟ قال : ذاك أخي علي بن أبي طالب ) .
وفي تفسير العياشي : 2 / 220 : عن عبد الله بن عطاء قال : ( قلت لأبي جعفر عليه السلام : هذا ابن عبد الله بن سلام يزعم أن أباه الذي يقول الله : قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ . قال : كَذِبَ . . هو علي بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبي طالب ! . . عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر عليه السلام قال : سألته عن قوله قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ، فقال : نزلت في علي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وفي الأئمة بعده ، وعليٌّ عنده علم الكتاب ) .
وكذلك تفسير الشاهد بعلي عليه السلام ، ففي بصائر الدرجات عن الأصبغ بن نباتة قال قال أمير المؤمنين عليه السلام : والله ما نزلت آية في كتاب الله في ليل أو نهار إلا وقد علمت فيمن أنزلت ، ولا مرَّ على رأسه المواسي إلا وقد أنزلت عليه آية من كتاب الله تسوقه إلى الجنة أو إلى النار ، فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ما الآية التي نزلت فيك ؟ قال له : أما سمعت الله يقول : أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ، فرسول الله صلى الله عليه وآله على بينة من ربه وأنا الشاهد التالي ) . ( أمالي المفيد / 145 ) .
وفي تفسير العياشي : 2 / 143 ، عن بريد بن معاوية العجلي عن أبي جعفر عليه السلام قال : ( الذي على بينة من ربه رسول الله صلى الله عليه وآله والذي تلاه من بعده الشاهد منه أمير المؤمنين عليه السلام ، ثم أوصياؤه واحد بعد واحد ) . انتهى .
* *
وقد وافقتنا بعض مصادر السنة على أن الذي عنده علم الكتاب هو علي عليه السلام ، قال السيوطي في الدر المنثور : 3 / 324 : ( أخرج ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبو نعيم في المعرفة ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ما من رجل من قريش إلا نزل فيه طائفة من القرآن . فقال له رجل : ما نزل فيك ؟ قال أما تقرأ سورة هود : أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ : رسول الله ( ص ) على بينة من ربه ، وأنا شاهد منه ) . ثم ذكر ثلاث روايات بنحوه .
كما رووا في آية : وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ، مكذوبات تزعم أن الشاهد على الأمة الذي يتلو النبي صلى الله عليه وآله هو عبد الله بن سلام اليهودي الذي صار ( مسلماً أموياً ) ! فالمهم لهم إبعاد الآية عن علي عليه السلام ولو بتلبيسها ليهودي ، ولو لزم أن لا يكون في الأمة الإسلامية شخص عنده علم كتابها !
قال في الدر المنثور : 4 / 69 : ( عن ابن عباس قال : قدم على رسول الله ( ص ) أسقف من اليمن فقال له رسول الله ( ص ) : هل تجدني في الإنجيل رسولاً ؟ قال لا ، فأنزل الله : قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ يقول : عبد الله بن سلام ) . انتهى . وقد فات واضع الحديث أن هذه الحادثة في المدينة والآية مكية ! وقد روى السيوطي أن سعيد بن جبير رد عليهم وكذلك الشعبي وقال : ( ما نزل في عبد الله ابن سلام شئ من القرآن ) ! وقد تخبط هنا الطبري : 7 / 10 ، والفخر الرازي : 17 / 200 ، واستوفينا الكلام في كتاب تدوين القرآن .
وتدل ترجمة عبد الله بن سلام هذا على أنه وأولاده كانوا من مرتزقة بني أمية وجلادهم الحجاج ، كما في مجمع الزوائد : 9 / 92 . وروى الذهبي في تذكرته : 1 / 27 ، ما يدل على أن ابن سلام كان بعد إسلامه متعصباً ليهوديته وأنه كذب على النبي صلى الله عليه وآله فقال إنه أمره أن يقرأ القرآن ليلة والتوراة ليلة ! فكيف يكون هذا عنده علم الكتاب والشاهد الرباني على الأمة بعد نبيها عليه السلام ! والعجيب أن الذهبي علق على ذلك بقوله : ( فهذا إن صح ففيه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الرخصة في تكرير التوراة وتدبرها ) ! وعلى فتواه ينبغي أن تُوَزَّع التوراة على المسلمين كالقرآن !
21 - كان عمر يقرأ في صلاته سورتين مزعومتين ! وهو من أعجب ما في مصادر المدعين له جمع القرآن وحفظه ! وقد رووا ذلك ولم يتهموا عمر مع أنه كان يقرؤهما في صلاته ! ولا اتهموا الذين كتبوهما في مصاحفهم من خاصته ! ويتوقف فهم قصة هاتين الأختين الشقيقتين ، على فهم أمرين :
الأول : حساسيتهم من سورتي المعوذتين لأن النبي صلى الله عليه وآله كان دائماً يعوِّذ بهما الحسن والحسين صلى الله عليه وآله فأرادوا أن يحذفوهما من القرآن لأنهما بزعمهم عُوذتان ! ويستبدلوهما بسورتي الحفد والخلع !
والثاني : غيضهم من قنوت النبي صلى الله عليه وآله لأنه كان يلعن فيه زعماء قريش ! فقاموا بعدة أعمال لرفع اللعن عنهم وتخطئة النبي صلى الله عليه وآله :
أ - وضعوا أحاديث تزعم أن النبي صلى الله عليه وآله اعترف بخطئه في لعن الذين لعنهم لأنه بشر يخطئ ويصيب ! وأنه دعا الله تعالى أن يجعل لعنته على من لعنه أو سبه أو آذاه ( صلاة وقربة ، زكاة وأجراً ، زكاة ورحمة ، كفارة له يوم القيامة ، صلاة وزكاة وقربة تقربه بها يوم القيامة ، مغفرة وعافية وكذا وكذا . . بركة ورحمة ومغفرة وصلاة ، فإنهم أهلي وأنا لهم ناصح ) على حد تعبير رواياتهم ! فقد روى ذلك بخاري : 7 / 157 ، وفيه : اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة . ومسلم : 8 / 26 ، وفيه :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر ، وإني قد اتخذت عندك عهداً لن تخلفنيه ، فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة ) . وروى مسلم سبع روايات من هذا النوع . وأحمد : 2 / 390 و 488 و 496 و : 3 / 384 و : 5 / 437 و 439 و : 6 / 45 والدارمي : 2 / 314 والبيهقي : 7 / 60 . . الخ . وكلها تصور النبي صلى الله عليه وآله جالساً على كرسي الاعتراف بأنه سَبَّابٌ لَعَّانٌ فَحَّاش مؤذٍ للناس ، يُهينهم ، ويضربهم بالسوط ! وأنه تاب ودعا لمن ظلمهم من الفراعنة والأبالسة ، بهذا الخير الطويل العريض ! !
وقد تحيَّر فقهاؤهم فيها لأن لعن النبي صلى الله عليه وآله من يلعنه لا يكون إلا بأمر الله تعالى فهو طاعة ولا يحتاج إلى توبة ، كما لا يجوز الدعاء للملعون بالخير والبركة والرحمة ! وقد نصت روايات اللعن على أن النبي صلى الله عليه وآله قال : والله ما أنا قلته ولكن الله قاله ! ( أحمد : 4 / 48 و 57 و 420 و 424 ومجمع الزوائد : 10 / 46 ، وكنز العمال : 12 / 68 ، والحاكم : 4 / 82 ) .
ثم ، لو كان اللعن بغضب بشري كما زعموا ، فهو معصية كبيرة تخرج صاحبها عن العدالة وتجعله ملعوناً ! لأن لعن المؤمن كقتله واللعنة إذا خرجت من في صاحبها نظرت فإن وجدت مسلكاً في الذي وجهت إليه ، وإلا عادت إلى الذي خرجت منه . ( كنز العمال : 3 / 614 و 616 ، وغيره ) . ولكنهم ( مضطرون ) إلى نسبة هذا الذنب إلى النبي صلى الله عليه وآله لتبرئة من يحبونهم من الملعونين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ب - وضعوا أحاديث أكثر جرأة على مقام النبي صلى الله عليه وآله تزعم أن الله بعث إليه جبرئيل فوبخه وقال له : إن الله يقول لك إني لم أبعثك سبَّاباً ! والقرشيون قومك وأهلك فلماذا تسبهم وتلعنهم ؟ ! وعلمه ( سورتي ) الخلع والحفد العُمَريتين ، فهما بزعمهم نسخة إلهية بدل قنوت اللعن !
قال البيهقي في سننه : 2 / 210 : ( عن خالد بن أبي عمران قال : بينا رسول الله ( ص ) يدعو على مضر ( قريش ) إذ جاءه جبرئيل فأومأ إليه أن اسكت فسكت ، فقال : يا محمد إن الله لم يبعثك سَبَّاباً ولا لَعَّاناً ! وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذاباً ، ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون . ثم علمه هذا القنوت : اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يكفرك . اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونرجو رحمتك ونخشى عذابك ونخاف عذابك الجد ، إن عذابك بالكافرين ملحق .
ثم قال البيهقي : هذا مرسل وقد روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صحيحاً موصولاً ) ! وقد رووا سورتي قريش عن عمر بعشرات الروايات !
ج - وضعوا أحاديث في سبب نزول قوله تعالى : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَئ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ، ( آل عمران : 128 ) تجعلها توبيخاً للنبي صلى الله عليه وآله لأنه لعن زعماء قريش ! فترى أحاديثها في مصادرهم من كل حدب وصوب ، ترفض أفكار النبي صلى الله عليه وآله وآلامه من طغاة قريش ، وتخطِّؤه في دعائه عليهم ولعنه إياهم ! قال الترمذي : 4 / 295 : عن عمر قال :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( قال رسول الله ( ص ) يوم أحد : اللهم العن أبا سفيان ، اللهم العن الحارث بن هشام ، اللهم العن صفوان بن أمية ، قال فنزلت : ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم ، فتاب عليهم فأسلموا وحسن إسلامهم ! . . . كان يدعو على أربعة نفر فأنزل الله تبارك وتعالى : ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ، فهداهم الله للإسلام !
أما بخاري فعقد في صحيحه أربعة أبواب ! روى فيها أن الله رد دعاء ولعن نبيه على المشركين والمنافقين ، ولم يسم بخاري الملعونين في أكثرها حفظاً على ( كرامتهم ) ! قال في : 5 / 35 : ( باب ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون . قال حميد وثابت عن أنس : شُجَّ النبي ( ص ) يوم أحد فقال كيف يفلح قوم شجوا نبيهم ؟ فنزلت : ليس لك من الأمر شئ . . . . عن سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله ( ص ) إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الأخيرة من الفجر يقول : اللهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، فأنزل الله عز وجل : ليس لك من الأمر شئ ، إلى قوله فإنهم ظالمون ) .
وقال بخاري / 171 : ( باب ليس لك من الأمر شئ . . . بنحوه . . رواه اسحق بن راشد عن الزهري ) . ثم أورد بخاري رواية أخرى تجعل فلاناً وفلاناً الملعونين أحياء من قبائل العرب وليسوا قادة من قريش ! قال : عن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع . . . . اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسني
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يوسف ، يجهر بذلك . وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر : اللهم العن فلاناً وفلاناً لأحياء من العرب حتى أنزل الله : ليس لك من الأمر شئ . . . الآية ) . وقال بخاري في : 8 / 155 : ( باب قول الله تعالى ليس لك من الأمر شئ . . . عن ابن عمر أنه سمع النبي ( ص ) يقول في صلاة الفجر رفع رأسه من الركوع قال اللهم ربنا ولك الحمد في الأخيرة ، ثم قال : اللهم العن فلاناً وفلاناً ، فأنزل الله عز وجل ليس لك من الأمر . . . ) . انتهى .
والمرة الوحيدة التي سمى فيها بخاري بعض الملعونين رواية عن ابن أبي سفيان : 5 / 35 ! وطبيعي أن يحذف الابن اسم أبيه !
وأورد في : 7 / 164 ، روايات يوهم تسلسلها أن الآية نزلت رداً على دعاء النبي على أبي جهل ، مع أن أبا جهل قتل في بدر والآية نزلت على أقل تقدير بعد بدر بسنة ! قال بخاري : ( باب الدعاء على المشركين . وقال ابن مسعود قال النبي ( ص ) : اللهم أعِنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف ، وقال اللهم عليك بأبي جهل . وقال ابن عمر دعا النبي ( ص ) في الصلاة : اللهم العن فلاناً وفلاناً حتى أنزل الله عز وجل : ليس لك من الأمر شئ . . . . اللهم اشدد وطأتك على مضر ، اللهم اجعلها سنين كسنيِّ يوسف ) . انتهى .
وحسب هذا الحشد من رواياتهم لمصلحة الملعونين تكون الآية نزلت مرات عديدة من أجل عدة أشخاص وفئات وفي أوقات متفاوتة ! أما إذا أضفنا إلى أسباب نزولها ما رواه غير بخاري ، فقد تبلغ عشرين مناسبة متناقضة في الزمان والمكان والأشخاص الملعونين ! راجع النسائي : 2 / 203
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأحمد : 2 / 93 و 104 و 118 و 147 و 255 ، و الدارمي : 1 / 374 ، والبيهقي : 2 / 197 ، وكنز العمال : 2 / 379 ، والدر المنثور : 2 / 70 ، ومسلم : 2 / 134 ، وفيه : أن أبا هريرة قال : والله لأقربن بكم صلاة رسول الله ( ص ) فكان أبو هريرة يقنت في الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح ، ويدعو للمؤمنين ، ويلعن الكفار ) . انتهى .
د - أفتوا بأن المنافقين من أهل الجنة ! فعندما تقرأ القرآن تجد فراعنة قريش والمنافقين وجوداً بارزاً خطيراً ضد النبي صلى الله عليه وآله ودعوته ودولته وأمته لكن عندما تقرأ مصادر السنيين تجد صورتهم تخف وتصغر وتتلاشى ! فيختفي سبب نزول الآيات والأشخاص الذين حذر الله الأمة منهم واعتبرهم مجرمين على مستوى الأمم والشعوب !
فأين غاب أبطال الكفر والنفاق ، الذين لم يسعهم حلم الله العظيم فكان النبي صلى الله عليه وآله يدعو عليهم في صلاته طوال نبوته ، وكشف بعضهم في مسجده وطردهم ، وقال لآخرين منهم في أنفسهم قولاً بليغاً ؟ !
لقد وجدت الخلافة القرشية لهم حلاً وجعلتهم جميعاً من أهل الجنة ! روى أحمد : 3 / 135 ، أن النبي صلى الله عليه وآله قال في مالك بن الدخشم الذي كان رأس المنافقين بعد ابن أبي سلول : ( أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟ فقال قائل بلى وما هو من قلبه ، فقال رسول الله ( ص ) : من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فلن تطعمه النار أو قال لن يدخل النار ) ونحوه في : 5 / 449 ! ثم تسامحوا معهم فروى أحمد : 4 / 44 ، حديثاً يكتفي بشهادة التوحيد بدون النبوة ! وتبعه بخاري فحكم للمنافق بأنه من أهل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الجنة ولو كفر بنبوة النبي صلى الله عليه وآله وروى : 2 / 56 ، و : 6 / 206 ، أن النبي صلى الله عليه وآله قال في ابن الدخشم وغيره : ( فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) ! انتهى . لكن الذي لا يؤمن بالشيخين عندهم كافر في النار !
أما مسلم فروى : 1 / 122 ، قصة أسطورية لكيفية نجاة المنافقين يوم القيامة ودخولهم الجنة يوم ( يتجسد ) الله سبحانه وتعالى و ( يضحك ) للمؤمنين والمنافقين ويمشي أمامهم ! جاء فيها : ( فيجعلون بفناء الجنة ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء حتى ينبتوا نبات الشئ في السيل ويذهب حراقه ثم يسأل حتى تجعل له الدنيا وعشرة أمثالها معها ) . انتهى .
وكل هذا الكرم والجنة والنعيم لمنافقي المدينة ليس من أجلهم بل من أجل مشركي قريش ومنافقيها ! فقد روى الذهبي قاعدة عمر في نجاة القرشيين جميعاً يوم القيامة ! قال : ( سمعت رسول الله ( ص ) يقول : سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له ) ( ميزان الإعتدال : 3 / 355 ) والنبي صلى الله عليه وآله يقصد آل محمد صلى الله عليه وآله وعمر يقصد قريشاً . راجع الموضوع في : الدر المنثور : 5 / 251 ، ومجمع الزوائد : 1 / 108 ، والترمذي : 5 / 298 ، والحاكم : 3 / 129 ) .
ه‍ - أعطوا مناصب هامة في الدولة الإسلامية للمنافقين ! وقد فتح هذا الباب عمر مع أنه روى عن النبي صلى الله عليه وآله : ( من استعمل فاجراً وهو يعلم أنه فاجر فهو مثله ) . ( كنز العمال : 5 / 761 ) . لكنه برر عمله بقوله : ( نستعين بقوة المنافق ، وإثمه عليه ) . ( كنز العمال : 4 / 614 ، و : 5 / 771 ) وبذلك كثر المنافقون وتجاهروا بنفاقهم حتى روى بخاري : 8 / 100 ، أن حذيفة بن اليمان صاحب سر النبي صلى الله عليه وآله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صاح محذراً من خطرهم فقال : ( إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي ( ص ) ، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون ) ! انتهى .
و - قررت الخلافة حذف القنوت من الصلاة ، لأن فيه لعن قريش ! وإن كان ولا بد فالقنوت بسورتي الحفد والخلع ، وحصره في صلاة الفجر وبالخليفة ! وتشعر وأنت تقرأ أحاديثهم في قنوت النبي صلى الله عليه وآله أنهم لا يحبونه ! حتى أفتوا بأنه كان خطأً من النبي صلى الله عليه وآله لمدة شهر ، فنهاه الله عنه فهو الآن حرام وبدعة ! قال النسائي : 2 / 203 : ( عن أنس أن رسول الله قنت شهراً ، قال شعبة : لعن رجالاً ، وقال هشام : يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه . بعد الركوع هذا قول هشام . وقال شعبة عن قتادة عن أنس : أن النبي ( ص ) قنت شهراً يلعن رعلاً وذكوان ولحيان . . . باب لعن المنافقين في القنوت . . . عن سالم عن أبيه أنه سمع النبي حين رفع رأسه من صلاة الصبح من الركعة الآخرة قال : اللهم العن فلاناً وفلاناً يدعو على أناس من المنافقين فأنزل الله عز وجل ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون . . ترك القنوت . . . عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال : صليت خلف رسول الله فلم يقنت ! وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت ، وصليت خلف عمر فلم يقنت ، وصليت خلف عثمان فلم يقنت ، وصليت خلف علي فلم يقنت ، ثم قال : يا بني إنها بدعة ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورغم حملتهم على قنوت النبي صلى الله عليه وآله فقد وصلت بعض رواياته وشهدت بأنه صلى الله عليه وآله كان إلى آخر عمره يدعو في صلاته على الكفار والمنافقين ! وأن بقايا هذه السنة كانت موجودة إلى عهد بني أمية !
روى بخاري : 1 / 193 : ( عن أبي هريرة قال : لأقربن صلاة النبي ( ص ) فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخرى من صلاة الظهر وصلاة العشاء وصلاة الصبح بعدما يقول سمع الله لمن حمده فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار ) ومسلم : 2 / 135 ، والنسائي : 2 / 202 ، وأبو داود : 1 / 324 ، وأحمد : 2 / 255 و 337 و 470 ، والبيهقي : 2 / 198 و 206 ، والدر المنثور : 1 / 307 ، وقال أخرجه الدارقطني .
وروى أحمد : 1 / 211 : ( قال رسول الله ( ص ) : الصلاة مثنى مثنى ، تَشَهُّدٌ في كل ركعتين ، وتضرعٌ وتخشعٌ وتمسكنٌ ، ثم تُقَنِّع يديك ، يقول ترفعهما إلى ربك مستقبلاً ببطونهما وجهك ، تقول يا رب يا رب ، فمن لم يقل ذلك فقال فيه قولاً شديداً ) . ورواه في : 4 / 167 ، وفيه : فمن لم يفعل ذلك فهي خداج أي ناقصة . والترمذي : 1 / 238 . وفي سنن البيهقي : 2 / 198 : ( عن البراء بن عازب أن النبي ( ص ) كان لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها ) ! ووثقه مجمع الزوائد : 2 / 138 ، ووثق معه عن عائشة قالت قال رسول الله ( ص ) : إنما أقنت لتدعوا ربكم وتسألوه حوائجكم . . . وعن أنس أن رسول الله ( ص ) قنت حتى مات وأبو بكر حتى مات ، وعمر حتى مات ) . وفي الموطأ : 1 / 115 : ( ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان . ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ز - وإذا قنتوا فالمفضل عندهم أن يقرؤوا سورتي الحفد والخلع عملاً بسنة عمر ! قال النووي في المجموع : 3 / 498 : ( ولو قنت بالمنقول عن عمر كان حسناً وهو الدعاء الذي ذكره المصنف رواه البيهقي وغيره ، قال البيهقي : هو صحيح عن عمر ، واختلف الرواة في لفظه والرواية التي أشار البيهقي إلى اختيارها رواية عطاء عن عبيد الله بن عمر قنت بعد الركوع فقال : اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم وانصرهم على عدوك وعدوهم . اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك . اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم وأنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين . بسم الله الرحمن الرحيم . اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك . بسم الله الرحمن الرحيم . اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونخشى عذابك ونرجوا رحمتك إن عذابك الجد بالكفار ملحق . هذا لفظ رواية البيهقي ) . انتهى . لاحظ أن عمر حصر الدعاء بالكفار ولم يذكر المنافقين . وروى الشافعي في كتاب الأم : 7 / 148 ، حديث : يا محمد إن الله لم يبعثك سباباً ولا لعاناً ، وسورتي الخلع والحفد ، وأفتى باستحباب القنوت بهما ! وكذا مالك في المدونة الكبرى : 1 / 103 .
ثم استبدل فقهاؤهم قنوت عمر بقنوت الإمام الحسن عليه السلام الذي روته عنه عائشة ! وقد أحبوه لأنه ليس فيه ركاكة السورتين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المزعومتين ، وليس فيه لعن المنافقين ! قال النووي في المجموع : 3 / 493 : ( والسنة أن يقول : اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت ، إنك تقضي ولا يقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، تباركت وتعاليت . لما روى الحسن بن علي رضي الله عنه قال : علمني رسول الله صلى الله عليه وآله هؤلاء الكلمات في الوتر ) .
أما مذهب أهل البيت فقد أثبت سنة القنوت النبوية في كل صلاة . قال المحقق الحلي في المعتبر : 2 / 238 : ( اتفق الأصحاب على استحباب القنوت في كل صلاة فرضاً كانت أو نفلاً مرةً ، وهو مذهب علمائنا كافة ، وقال الشافعي : يستحب في الصبح خاصة بعد الركوع ، ولو نسيه سجد للسهو لأنه سنة كالتشهد الأول ، وفي سائر الصلاة إن نزلت نازلة قولاً واحداً ، وإن لم تنزل فعلى قولين . وبقوله قال أكثر الصحابة ، ومن الفقهاء مالك قال : وفي الوتر في النصف الأخير من رمضان لا غير .
وقال أبو حنيفة : ليس القنوت بمسنون بل هو مكروه إلا في الوتر خاصة فإنه مسنون . وقال أحمد : إن قنت في الصبح فلا بأس ، وقال : يقنت أمراء الجيوش . لنا : أن القنوت دعاء فيكون مأموراً به لقوله تعالى : أدعوني أستجب لكم ، وقوله : وقوموا لله قانتين ، ولأن الدعاء أفضل العبادات فلا يكون منافياً للصلاة ، وما رواه أحمد بن حنبل عن الفضل بن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : الصلاة مثنى مثنى إلى آخر ما تقدم . . . ومن طريق أهل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
البيت عليهم السلام روايات ، منها رواية زرارة عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال : القنوت في كل صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع . وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أيضاً قال : القنوت في كل ركعتين في التطوع والفريضة . وروى صفوان الجمال قال : صليت مع أبي عبد الله أياماً فكان يقنت في كل صلاة يجهر فيها ولا يجهر فيها ) . انتهى .
ح - أضافوا سورتي الخلع والحفد إلى القرآن ! فقد حذف بعضهم المعوذتين من مصحفه وأضاف بعضهم سورتي الحفد والخلع المزعومتين والظاهر أن عمر وضعهما في المصحف الذي كان ينوي نشره ولم يمهله الأجل ، ولم تعطه حفصة لعثمان حتى صادره من بيتها بعد دفنها وأحرقه ، لئلا يقال إنه يختلف عن مصحف عثمان ! ولا يتسع المجال لذكر كل رواياتهم : فمنها ما في الدر المنثور : 6 / 420 : ( ذكر ما ورد في سورة الخلع وسورة الحفد : أخرج ابن الضريس عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه قال : صليت خلف عمر بن الخطاب فلما فرغ من السورة الثانية قال : اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير كله ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك . اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق . وفي مصحف ابن عباس قراءه أبيٍّ وأبي موسى . . . قال أنس والله إن أنزلتا إلا من السماء ! وأخرج محمد بن نصر عن عبد الرحمن بن أبزى قال : قنت عمر بالسورتين . . . جاءه جبرئيل فأومأ إليه أن أسكت فسكت فقال : يا محمد إن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله لم يبعثك سباباً ولا لعاناً . . . . ثم علمه هذا القنوت . . . وزعم عبيد أنه بلغه أنهما سورتان من القرآن من مصحف ابن مسعود . وأخرج محمد بن نصر عن ابن إسحق قال قرأت في مصحف أبي بن كعب بالكتاب الأول العتيق . . . وذكر السورتين المزعومتين . . . وزعم أبو عبد الرحمن أن ابن مسعود كان يقرؤهم إياها ويزعم أن رسول الله ( ص ) كان يقرئهم إياها ! . . . قرأ في بعض مصاحف أبي بن كعب هاتين السورتين . . . وأخرج محمد بن نصر عن الحسن ( البصري ) قال : نبدأ في القنوت بالسورتين ثم ندعو على الكفار ، ثم ندعو للمؤمنين والمؤمنات ) . وروى في كنز العمال : 8 / 74 و 75 و 78 وغيرها كثيراً من روايات ( سورتي ) الخلع والحفد !
وفي تاريخ المدينة : 3 / 1009 ، أن أبيَّ بن كعب ( كتبهن في مصحفه خمسهن : أم الكتاب والمعوذتين والسورتين ، وتركهن ابن مسعود كلهن ، وكتب ابن عفان فاتحة الكتاب والمعوذتين ، وترك السورتين ) .
وقال السيوطي في الإتقان : 1 / 227 : ( وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي إسحاق قال : أمنا أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بخراسان فقرأ بهاتين السورتين : إنا نستعينك ، ونستغفرك ) ! انتهى . ومعناه قرأهما على أنهما قرآن ! ورواه مجمع الزوائد : 7 / 157 ، وصححه . ( أمية بن عبد الله فإن عبد الملك استعمله على خراسان ) . ( أسد الغابة : 1 / 116 . وترجم له بخاري في تاريخه الكبير : 2 / 7 ، والرازي في الجرح والتعديل : 2 / 301 ، وتهذيب الكمال : 3 / 334 ، وغيرهم . وهو من ندماء عبد الملك ولاه خراسان . فتكون قراءته السورتين المفتريتين في الصلاة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بعد أكثر من نصف قرن من وفاة عمر ! ومعناه أن السلطة الأموية كتبتهما في المصحف بدل المعوذتين ! لكن قوة القرآن الذاتية نفتهما عنه كما تنفي النار خّبَثَ الذهب ، وكفى الله المسلمين شرهما وشر من اخترعهما !
ط - حذفوا سورتي المعوذتين من القرآن ! وذنبهما ارتباطهما بالحسن والحسين صلى الله عليه وآله ! فقد روى أحمد : 5 / 130 ، ( عن زر قال قلت لأبيٍّ : إن أخاك يحكُّهما من المصحف ، فلم ينكر ! قيل لسفيان : ابن مسعود ؟ قال نعم وليسا في مصحف ابن مسعود ! كان يرى رسول الله يعوذ بهما الحسن والحسين ولم يسمعه يقرؤهما في شئ من صلاته فظن أنهما عُوذتان وأصرَّ على ظنه ، وتحقق الباقون كونهما من القرآن فأودعوهما إياه ) !
وروى بخاري : 4 / 119 ، تعويذ النبي للحسنين صلى الله عليه وآله بدعاء غير المعوذتين ، قال : ( كان النبي يعوذ الحسن والحسين ويقول إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق : أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامَّة ) . ونحوه ابن ماجة : 2 / 1165 ، وأبو داود : 2 / 421 ، والترمذي : 3 / 267 ، والحاكم : 3 / 167 و : 4 / 416 ، وأحمد : 1 / 236 و 270 . . . الخ . ومجمع الزوائد : 5 / 113 ، بعدة روايات ، وإحداها عن عبد الله بن مسعود فيها تفصيل جميل قال : كنا جلوساً مع رسول الله إذ مرَّ به الحسين والحسن وهما صبيان فقال : هاتوا ابْنَيَّ أعوِّذهما مما عوَّذ به إبراهيم ابنيه إسماعيل وإسحاق ، قال : أعيذكما بكلمات الله التامَّة من كل عين لامَّة ومن كل شيطان وهامَّة . وكنز العمال : 2 / 261 و : 10 / 108 ، عن عمر : أن النبي كان يعوذ حسناً وحسيناً يقول : أعيذكما بكلمات الله التامة . . . وروى بخاري ذلك بعدة روايات عن عائشة بتفاوت في الدعاء ، لكنها لم تسمِّ فيهما الحسنين ! ونحوه أحمد : 6 / 44 و 45 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلخ . ونحوه ابن ماجة : 2 / 1161 ، ولم يذكر الحسن والحسين ، والترمذي : 3 / 267 ، أن النبي كان يتعوذ من الجان وعين الإنسان ، حتى نزلت المعوذتان ، فلما نزلت أخذ بهما وترك ما سواهما ) . انتهى . وبهذا تعرف أن النبي صلى الله عليه وآله كان يهتم اهتماماً خاصاً بولديه الحسن والحسين صلى الله عليه وآله ويعوِّذهما بكلمات الله تعالى لدفع الحسد والشر عنهما ، وكان يفعل ذلك أمام الناس عمداً لتركيز مكانتهما في الأمة وبيان أنهما ذريته وامتداده كإسحاق وإسماعيل لإبراهيم عليهم السلام ! ولهذا ارتبطت السورتان في ذهن الناس بالحسنين صلى الله عليه وآله وسرى إليهما الحب منهما أو الحسد والبغض ! ويشك الإنسان في صحة ما رووه من أن أبيَّ بن كعب وعبد الله بن مسعود حذفا المعوذتين من قرآنيهما ! كالذي رواه أحمد : 5 / 130 : ( كان عبد الله يحكُّ المعوذتين من مصحفه ويقول إنهما ليستا من كتاب الله تبارك وتعالى ) ! ومجمع الزوائد : 7 / 149 ، وابن شبة : 3 / 1011 . فالذين حملوا لهما العداء هم جماعة الحكومة أصحاب سورتي الحفد والخلع ، فلا يبعد أن يكونوا نسبوا ذلك إلى ابن مسعود وأبي بن كعب ليقبله منهم الناس ! قال ابن حجر في لسان الميزان : 3 / 81 : ( واختلف على أبي بن كعب في إثبات المعوذتين ) . وفي كنز العمال : 1 / 601 ، عن ابن مسعود في فضل المعوذتين ، قال : ( استكثروا من السورتين يبلغكم الله بهما في الآخرة المعوذتين ، ينوِّران القبر ويطردان الشيطان ويزيدان في الحسنات ) . انتهى .
لذلك كذب الفخر الرازي والباقلاني وابن حزم وغيرهم نسبة ذلك إليه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الرابع : إلى الآن لم يعترفوا بالمعوذتين ولا بالبسملة !

إحذفوا سورتي المعوذتين لأنهما ليستا من القرآن !

روت مصادرهم أحاديث تثبت قرآنيتهما ، وأحاديث تشكك فيها ، والتشكيك في القرآنية يعني نفيها ، لأنها لا تثبت للمشكوك !
وعمدة الروايات المثبتة عن عقبة بن عامر الجهني ، وقد رواها البيهقي : 2 / 394 ، بشكل مهزوز فقال : ( كنت أقود برسول الله ناقته فقال لي : يا عقبة ألا أعلمك خير سورتين قرئتا ؟ قلت : بلى يا رسول الله . فأقرأني قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ، فلم يرني أعجب بهما فصلى بالناس الغداة فقرأ بهما ، فقال لي : يا عقبة كيف رأيت ؟ . . . فلم يرني سررت بهما جداً . . ) . ورواه مسلم : 2 / 200 ، وفيه : أنزل أو أنزلت علي آيات لم ير مثلهن قط ، المعوذتين . والترمذي : 5 / 122 و : 4 / 244 ، وفي مجمع الزوائد : 7 / 148 ، عدة روايات في إثبات أن المعوذتين من القرآن . وبمعناه الشافعي في الأم : 7 / 199 . قال في فتح الباري : 8 / 571 : ( قال النووي في شرح المهذب : أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن ، وأن من جحد منهما شيئاً كفر ، وما نقل عن ابن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مسعود باطل ليس بصحيح ، ففيه نظر ، وقد سبقه لنحو ذلك أبو محمد بن حزم فقال في أوائل المحلى : ما نقل عن بن مسعود من إنكار قرآنية المعوذتين فهو كذب باطل ، وكذا قال الفخر الرازي في أوائل تفسيره : الأغلب على الظن أن هذا النقل عن ابن مسعود كذب باطل . والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل ، بل الرواية صحيحة والتأويل محتمل والإجماع الذي نقله إن أراد شموله لكل عصر فهو مخدوش ، وإن أراد استقراره فهو مقبول ) . انتهى .
لكن لا تقبل منهم ذلك ! لأنهم رووا مقابله أحاديث تنفي قرآنيتهما بأسانيد في أعلى درجات الصحة ! روى أحمد : 5 / 129 : ( عن زر بن حبيش قال قلت لأبيّ بن كعب : إن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه ! فقال أشهد أن رسول الله أخبرني أن جبريل قال له : قل أعوذ برب الفلق فقلتها ، فقال قل أعوذ برب الناس فقلتها فنحن نقول ما قال النبي ) . ومجمع الزوائد : 7 / 149 ، وصححه ، والبيهقي : 2 / 394 ( عن أبي بن كعب قال : سألت رسول الله عن المعوذتين فقال قيل لي فقلت . فنحن نقول كما قال رسول الله ) ! انتهى . ومعناه أن النبي صلى الله عليه وآله لم يصرح بأن المعوذتين من القرآن بل قال : قال لي جبرئيل : قل أعوذ . . فقلت ! ولم ينص جبرئيل على أنهما من القرآن ، فقد تكونان عَوْذَتين ليُعَوِّذَ بهما الحسنين عليهما السلام ! ومعناه نفي قرآنيتهما لأنها القرآنية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا تثبت بالشك والظن ! وهذا الحديث النافي هو الذي تبناه بخاري ، وفقهاؤهم جميعاً ! فقد روى بخاري رواية عقبة في تاريخه : 3 / 353 ، ثم تراجع عنها في صحيحه ! فلم يرو إلا روايات أبيٍّ المشككة ! مع أنه عقد عنوانين للمعوذتين لكنه اقتصر على روايات التشكيك ! وقد ألف تاريخه قبل صحيحه ، كما في تذكرة الحفاظ : 2 / 555 ! قال في صحيحه : 6 / 96 : ( سورة قل أعوذ برب الفلق . . عن زر بن حبيش قال : سألت أبي بن كعب عن المعوذتين فقال : سألت رسول الله فقال : قيل لي فقلت . فنحن نقول كما قال رسول الله . . . سورة قل أعوذ برب الناس . . وحدثنا عاصم عن زر قال : سألت أبي بن كعب : قلت أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا . فقال أبي : سألت رسول الله فقال لي : قيل لي فقلت ! قال : فنحن نقول كما قال رسول الله ) ! انتهى . روى ذلك بخاري وهو يعرف الاختلاف في المعوذتين ووجود من ينفي قرآنيتهما ، وأن أستاذه ابن خزيمة رد عليهم ، وقد درس بخاري عنده صحيحه الذي قال فيه : 1 / 266 : ( باب قراءة المعوذتين في الصلاة ضد قول من زعم أن المعوذتين ليستا من القرآن ) . وأورد الرواية التي تركها بخاري ! ومع ذلك لم يرو بخاري إلا رواية التشكيك !
ومما يزيد الإشكال على بخاري أنه صرح في مواضع من صحيحه عند ذكر بعض آياتهما بقوله : قال تعالى ، أي شهد بقرآنيتهما !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال في كتاب القدر : ( وقوله تعالى : قل أعوذ برب الفلق . وفي كتاب الطب : باب السحر . . . وقوله تعالى : ومن شر حاسد إذا حسد . وفي كتاب التوحيد : باب قول الله تعالى : ملك الناس ) . انتهى . فإن كان يعتقد قرآنيتهما ويخالف من ينفيهما ، فلماذا اقتصر على رواية نفيهما ، وترك أحاديث صحيحة على شرطه تثبت قرآنيتهما ؟ !
والجواب أن بخاري ينفي قرآنيتهما ، ويستعمل التقية من المسلمين في القول بقرآنيتهما كغيره من علمائهم ، فهم يقولون واقعاً بوقوع التحريف في القرآن بالزيادة ! وقد تقدم قول ابن خزيمة : 1 / 266 : ( باب قراءة المعوذتين في الصلاة ضد قول من زعم أن المعوذتين ليستا من القرآن ) . ونحوه في البحر الرائق : 2 / 68 . فمن هؤلاء ، هل هم الشيعة ؟ ! وما هي السنن التي تقول بزيادة المعوذتين إلا روايات بخاري وأمثالها ؟ !
ويأخذك العجب أكثر عندما ترى كافة فقهاء المذاهب اتبعوا بخاري ونفوا قرآنية المعوذتين ؟ ! عكس ما ادعي النووي وابن حجر ، فقد أفتوا بجواز ضم سورة إليهما ! ومعناه الشك في قرآنيتها ، كما لم يحكموا بكفر من أنكر قرآنيتها وسخر منهما !
قال ابن نجيم في البحر الرائق : 5 / 205 : ( ويَكْفُرُ إذا أنكر آية من القرآن أو سخر بآية منه ، إلا المعوذتين ففي إنكارهما اختلاف ، والصحيح كفره وقيل لا ، وقيل إن كان عامياً يكفر ، وإن كان عالماً : لا ) ! فمن هم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
هؤلاء الذين قالوا ( لا يكفر من سخر بآياتهما ) ونفى قرآنيتهما ؟ ! وهل استدلوا على زيادتهما بأن عمر لم يثبتهما في قرآنه ؟ !
وختاماً ، من نافلة القول أن أهل بيت النبي عليهم السلام وشيعتهم يؤمنون بالمعوذتين وأنهما سورتان من القرآن ، ولا يعرفون سورتي الحفد والخلع المزعومتين ! قال المحقق البحراني في الحدائق الناضرة : 8 / 230 : ( أجمع علماؤنا وأكثر العامة على أن المعوذتين من القرآن العزيز ، وأنه يجوز القراءة بهما في الصلاة المفروضة ، وروى منصور بن حازم قال : أمرني أبو عبد الله ( الإمام الصادق عليه السلام ) أن أقرأ المعوذتين في المكتوبة . وعن صفوان الجمال في الصحيح ) .

كان الطلقاء يرتعدون من البسملة فأقنعوا عمر بتركها

كانت البسملة سلاحاً من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله لطرد شياطين قريش فعندما كانوا يجتمعون على باب جاره ليسبوه أو يؤذوه ، كان يرفع صوته بالبسملة فيولون فراراً ! ففي الكافي : 8 / 266 ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( كتموا بسم الله الرحمن الرحيم ، فنعم والله الأسماء كتموها ، كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا دخل إلى منزله واجتمعت عليه قريش يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويرفع بها صوته فتولي قريش فراراً ! فأنزل الله عز وجل في ذلك : وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً ) . انتهى . ( الإسراء : 46 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكان الذين يؤذون النبي صلى الله عليه وآله ترتعد فرائصهم ويرون كأن جبال مكة تميد بهم ، ويولون فراراً ! وفي السنة الثامنة للهجرة فاجأهم النبي صلى الله عليه وآله بعشرة آلاف مقاتل ، وأجبرهم على خلع سلاحهم والتسليم ، فأسلموا مكرهين فعفا عنهم وسماهم الطلقاء ! ولما تكاثروا في المدينة بقي خوفهم من البسملة فكانوا لا يحبون سماعها ، وبعد النبي صلى الله عليه وآله استطاعوا أن يقنعوا أبا بكر وعمر بتركها فتركاها ، ثم واصلوا انتقامهم منها حتى نفوا أنها آية من القرآن نهائياً ! قال السرخسي في المبسوط : 1 / 15 ، ( والسلف اتفقوا على أن سورة الكوثر ثلاث آيات ، وهي ثلاث آيات بدون التسمية . ولأن أدنى درجات اختلاف الأخبار والعلماء إيراث الشبهة ، والقرآن لا يثبت مع الشبهة فإن طريقه طريق اليقين ) . انتهى .
وقال ابن قدامة الحنبلي في المغني : 1 / 522 : ( وروي عن أحمد أنها ليست من الفاتحة ولا آية من غيرها ولا يجب قراءتها في الصلاة ، وهي المنصورة عند أصحابه ! وقول أبي حنيفة ومالك والأوزاعي وعبد الله بن معبد الرماني ) . انتهى .
وردَّ عليهم أهل البيت عليهم السلام فقالوا إن البسملة أعظم آية في القرآن ! ففي تفسير العياشي : 1 / 21 ، عن الإمام الصادق عليه السلام : ( ما لهم قاتلهم الله عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله فزعموا أنها بدعة إذا أظهروها ) !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الخامس : أسطورة نزول القرآن على سبعة أحرف

قال أهل البيت عليهم السلام : القرآن واحد نزل من عند واحد :

في الكافي : 2 / 630 ، عن الإمام الباقر عليه السلام قال : ( إن القرآن واحدٌ نزل من عند واحد ، ولكن الاختلاف يجئ من قبل الرواة . . . عن الفضيل بن يسار قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إن الناس يقولون إن القرآن نزل على سبعة أحرف ، فقال : كذبوا أعداء الله ، ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد ! ) . انتهى .

بدعة عمر بأن القرآن نزل على سبعة أحرف :

إذا كنت سُنِّيّاً وكنت من أعلم العلماء فلن تستطيع أن تقنع أطفالك بنظرية عمر ، بأن القرآن نزل على سبعة حروف ! بل سوف تتحير من أول الأمر هل تقول لهم إن الله تعالى أنزل القرآن بسبعة نصوص ؟ يعني أنزل سبعة قرائين ؟ أو أنزله بسبع طبعات منقحة ؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وماذا تُجيب إذا سألك ولدك الناشئ فقال : يا أبتي نحن نعرف أن الملك أو رئيس الجمهورية يصدر المرسوم بنسخة واحدة ونصٍّ واحد ! وأنت تقول إن جبرئيل كان يضبط نص القرآن على النبي كل سنة مرة ، فهل تقصد أنه نزل على النبي من الأول سبع نسخ ، وكان جبرئيل يضبط عليه سبعة نسخ ؟ ! ولماذا السبع نسخ ، ألا تكفي نسخة واحدة ؟ وما هو الفرق بين هذه النسخ ؟ !
تقول لابنك : لا يا ولدي ، القرآن نسخة واحدة ، ومعنى السبعة حروف أن الله تعالى استعمل فيه سبعة أنواع من لغات العرب .
فيقول لك : ولكن هذا لا يقال له نزل على سبعة حروف ، بل يقال إنه نصٌّ واحد ، وألفاظه مختارة من كلمات سبع قبائل !
ثم تقول له . . ويقول لك . . حتى تعجز أمام ابنك ! وتقول له : أسكت فهذه المقولة حديث نبوي رواه عنه الفاروق عمر ، فيجب عليك أن تقبلها حتى ولو لم تفهمها ولم يفهمها أبوك وعلماؤك !
وقد يسكت ابنك لكن يبقى السؤال في نفسه : هل يمكن أن يتكلم النبي صلى الله عليه وآله بغير المعقول ؟ ألا يمكن أن يكون عمر مشتبهاً أو مخطئاً ؟ !
لقد تحير كبار علماء السنة ومفسروهم وما زالوا متحيرين إلى اليوم والى غد في أحرف عمر السبعة ! فلا هم يستطيعون أن يردوها لأنها بتصورهم حديث نبوي رواه عمر ! ولا يستطيعون أن يقتنعوا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بها ! وسيظلون متحيرين إلى آخر الدهر لأنهم يبحثون عن معنى معقول لمقولة ليس لها معنى معقول !
من كبار العلماء المتحيرين الإمام ابن جزي المشهود له في التفسير وعلوم القرآن ، فقد نقل في تاريخ القرآن / 87 قوله : ( ولا زلت أستشكل هذا الحديث ( نزول القرآن على سبعة أحرف ) وأفكر فيه وأمعن النظر ، من نحو نيف وثلاثين سنة ، حتى فتح الله عليَّ بما يمكن أن يكون صواباً إن شاء الله تعالى ، وذلك أني تتبعت القراءات صحيحها وضعيفها وشاذها ، فإذا هي يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه ) ! انتهى .
فقد توصل هذا المسكين بعد تفكير أكثر من ثلاثين سنة غير مطمئن إلى ما توصل إليه ! إلى أن نسخة القرآن نزلت من عند الله تعالى مفصلةً على حسب قراءات سوف يولد أصحابها ! وسوف يكون اختلافهم في سبعة وجوه لا أكثر ! فكيف تَعَقَّلَ هذا العالم أن نسخة القرآن نزل بها جبرئيل عليه السلام مفتوحة لاجتهادات القراء الذين سوف يأتون ! ثم اعتبر ذلك فتحاً علمياً ؟ ! بالله عليك هل تتعقل أن مؤلفاً يؤلف كتاباً بسبعة نصوص ستظهر على يد أشخاص بعد نشره !
قال السيوطي في الإتقان : 1 / 176 : ( قال ابن حبان : فهذه خمسة وثلاثون قولا لأهل العلم واللغة في معنى إنزال القرآن على سبعة أحرف ، وهي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أقاويل يشبه بعضها بعضاً وكلها محتملة ويحتمل غيرها ) . انتهى . وقد صدق فجميع هذه الأقاويل احتمالات إستنسابية غير مقنعة !
ثم نقل قول المرسي : ( هذه الوجوه أكثرها متداخلة ، ولا أدري مستندها ولا عمن نقلت ، ولا أدري لم خص كل واحد منهم هذه الأحرف السبعة بما ذكر ، مع أن كلها موجودة في القرآن فلا أدري معنى التخصيص ! وفيها أشياء لا أفهم معناها على الحقيقة ، وأكثرها يعارضه حديث عمر مع حتى لا يكون في أيدي الناس نسختان للقرآن ! ففي الكافي : 2 / 633 : ( عن سالم بن سلمة قال : قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام وأنا أستمع حروفاً من القرآن ليس على ماهشام بن حكيم الذي في الصحيح فإنهما لم يختلفا في تفسيره ولا أحكامه ، إنما اختلفا في قراءة حروفه . وقد ظن كثير من العوام أن المراد بها القراءات السبع ، وهو جهل قبيح ) .
إن أقوال كبار علمائهم هذه دليل كاف على أن مقولة عمر غير قابلة للتعقل ، فلا يجوز نسبتها إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله ؟ !
أما السبب الذي جعل عمر يبتدعها ويورط فيها من بعده ، فهو أن النبي صلى الله عليه وآله كان في حياته يُصَحِّحُ نصَّ القرآن لمن يقرؤه ، فكان مصدر نص القرآن واحداً مضبوطاً ، أما بعد وفاته صلى الله عليه وآله وأحداث السقيفة وبيعة أبي بكر ، فقد جاءهم عليٌّ بنسخة القرآن بخط يده حسب أمر النبي صلى الله عليه وآله فرفضوا اعتمادها ، لأنهم خافوا أن يكون فيها تفسير لمصلحة علي والعترة عليهم السلام ! فأخذها علي عليه السلام وقال : لهم لن تروها بعد اليوم ، إني مأمور بحفظها وأن أقرأ النسخة التي تعتمدونها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يقرؤها الناس ، فقال أبو عبد الله : كف عن هذه القراءة ، إقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم فإذا قام القائم قرأ كتاب الله عز وجل على حده وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام ! وقال : أخرجه علي إلى الناس حين فرغ منه وكتبه فقال لهم : هذا كتاب الله عز وجل كما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله وقد جمعته من اللوحين فقالوا : هو ذا عندنا مصحفٌ جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه ! فقال : أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبداً ، إنما كان عليَّ أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه ) ! انتهى . ومن ذلك اليوم ولدت أرضية التفاوت في النص القرآني ، فالناس يقرؤون ولا يستطيع عمر أن يصحح لهم كما كان الرسول صلى الله عليه وآله يفعل ، فيقول لهم كله صحيح !
وزاد التفاوت بينهم ، ثم تحول إلى اختلاف بين القراء في هذه الكلمة وتلك ، وهذه الآية وتلك ، فهذا يقرأ في صلاته أو يعلم المسلمين بنحو وذاك بنحو آخر ! وكلٌّ يؤكد صحة قراءته وخطأ ما خالفها ، ووقع الخلاف فكان لا بد أن تتدخل الدولة لحل المشكلة ، وأن يختار عمر نسخة من القرآن ويعتمدها ، من علي عليه السلام أو من غيره كما فعل عثمان ، ولكنه لم يفعل بل اختار حل المشكلة بتوسيع نص
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
القرآن ! وأخذ حديثاً للنبي صلى الله عليه وآله في معاني القرآن وأنه نزل على سبعة أحرف أي أقسام من المعنى ، فجعلها لألفاظ القرآن وقال إن ألفاظه نزلت على سبعة وأفتى بصحة كل القراءات المختلف عليها ! روى النسائي : 2 / 150 : ( عن ابن مخرمة أن عمر بن الخطاب قال : سمعت هشام بن حكيم بن حزام ( من الطلقاء ) يقرأ سورة الفرقان فقرأ فيها حروفاً لم يكن نبي الله أقرأنيها قلت من أقرأك هذه السورة ؟ ! قال رسول الله قلت كذبت ! ما هكذا أقرأك رسول الله ! فأخذت بيده أقوده إلى رسول الله وقلت : يا رسول الله إنك أقرأتني سورة الفرقان وإني سمعت هذا يقرأ فيها حروفاً لم تكن أقرأتنيها ! فقال رسول الله : إقرأ يا هشام فقرأ كما كان يقرأ ، فقال رسول الله : هكذا أنزلت ! ثم قال إقرأ يا عمر فقرأت فقال : هكذا أنزلت ! ثم قال رسول الله : إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ) ! وبخاري : 6 / 100 و : 6 / 110 و : 3 / 90 و : 8 / 215 ، ومسلم : 2 / 201 بروايتين ، وأبو داود : 1 / 331 ، والترمذي : 4 / 263 ، والبيهقي : 2 / 383 ، وأحمد : 1 / 24 و 39 و 45 و 264 ) .
وكلام عمر صريح في أن النبي صلى الله عليه وآله قال : نزلت من عند الله هكذا وهكذا ! أي بلفظين مختلفين بل بسبعة ألفاظ ! وقد تصور عمر أنه بذلك حلَّ مشكلة التفاوت في القراءة بزعمه التفاوت في أصل النص القرآني ! ولكنه سكَّن المشكلة آنياً ثم حيَّر أتباعه أربعة عشر قرناً في تصور معنى معقول لنظريته المزعومة عن رسول الله صلى الله عليه وآله !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

قبلوا رواية عمر غير المعقولة وردوا الصحيح المعقول :

فقد ردوا أحاديث أهل البيت عليهم السلام في وحدة نص القرآن ، والأحاديث الصحيحة عندهم التي توافقها ، وتمسكوا ببدعة عمر غير المعقولة ! روى الحاكم : 1 / 553 و : 2 / 289 : ( عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله قال : نزل الكتاب الأول من باب واحد على حرف واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف : زاجراً وآمراً وحلالاً وحراماً ومحكماً ومتشابهاً وأمثالاً ، فأحِلُّوا حلاله وحرموا حرامه ، وافعلوا ما أمرتم به ، وانتهوا عما نُهيتم عنه ، واعتبروا بأمثاله ، واعملوا بمحكمه ، وآمنوا بمتشابهه ، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا ) . والدر المنثور : 2 / 6 ، عن الحاكم وصححه والسجزي في الإبانة ، والطبراني وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر ، ونحوه شعب الإيمان عن أبي هريرة ، والإتقان / 170 ونحوه مجمع الزوائد : 7 / 152 ، عن البزار وأبي يعلى والطبراني ، ووثقه .
وروى المجلسي في بحار الأنوار : 90 / 3 ، عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث : ( إن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن على سبعة أقسام كل منها شاف كاف ، وهي أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل ومثل وقصص . وفي القرآن ناسخ ومنسوخ ، ومحكم ومتشابه ، وخاص وعام ، ومقدم ومؤخر ، وعزائم ورخص ، وحلال وحرام ، وفرائض وأحكام ومنقطع معطوف ، ومنقطع غير معطوف ، وحرف مكان حرف ، ومنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما لفظه خاص ، ومنه ما لفظه عام محتمل العموم ، ومنه ما لفظه واحد ومعناه جمع ، ومنه ما لفظه جمع ومعناه واحد ، ومنه ما لفظه ماض ومعناه مستقبل ، ومنه ما لفظه على الخبر ومعناه حكاية عن قوم أخر ، ومنه ما هو باق محرف عن جهته ، ومنه ما هو على خلاف تنزيله ، ومنه ما تأويله في تنزيله ، ومنه ما تأويله قبل تنزيله ، ومنه ما تأويله بعد تنزيله ، ومنه آيات بعضها في سورة وتمامها في سورة أخرى ، ومنه آيات نصفها منسوخ ونصفها متروك على حاله ، ومنه آيات مختلفة اللفظ متفقة المعنى ، ومنه آيات متفقه اللفظ مختلفة المعنى ، ومنه آيات فيها رخصة وإطلاق بعد العزيمة . . الخ . ) , انتهى . لاحظ أنه عليه السلام استعمل لفظة أقسام بدل حروف حتى لا يحرف كلامه .
ومما يدل على بطلان أسطورة السبعة أحرف أيضاً :
أن صاحب المقولة لم يطبقها ! فلم يسمح عمر لأحد بذلك ، وكان يتدخل في القراءات ويحاسب عليها ، ويرفض منها ويقبل ، ويأمر بمحو هذا وإثبات ذاك ! وكم وقعت مشاكل بينه وبين أبي بن كعب وغيره من القراء ، بسبب أنه قرأ آية بلفظ لم يعجب عمر ! فقد كانت هذه التوسعة المزعومة خاصة به دون غيره !
ثانياً : أن عثمان نقضها وألزم المسلمين بأن يقرؤوا القرآن بالحرف الذي كتب عليه مصحفه ! فأين صارت السبعة أحرف التي قلتم إن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حديثها صحيح متواتر ؟ ! صار معناها أن القرآن نزل من عند الله تعالى على سبعة أحرف ، ثم صار في زمن عثمان على حرف واحد ! فيكون حديث عمر مُفَصَّلاً لمشكلة اضطراب القراءة في زمنه فقط ! فهل رأيتم حديثاً نبوياً لا دور له إلى يوم القيامة إلا أداء وظيفة خاصة ، وهي تسكين مشكلة اختلاف القراءات آنياً ؟ !
ثالثاً : بسبب بدعة عمر أفتى فقهاؤهم بجواز تحريف القرآن :
أثمرت بدعة عمر في فقه المذاهب السنية فأفتى فقهاؤهم بجواز التغيير في نص القرآن ، وفي نص التشهد في الصلاة لأنه أخف من نص القرآن ! قال الشافعي في اختلاف الحديث / 489 ، وكتاب الأم : 1 / 142 : ( وقد اختلف بعض أصحاب النبي ( ص ) في بعض لفظ القرآن عند رسول الله ولم يختلفوا في معناه فأقرهم وقال : هكذا أنزل إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه . فما سوى القرآن من الذكر أولى أن يتسع ، هذا فيه إذا لم يختلف المعنى ) !
وقال البيهقي : 2 / 145 : ( قال الشافعي : فإذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف ، معرفة منه بأن الحفظ قد نَزُرَ ليجعل لهم قراءته وإن اختلف لفظهم فيه ، كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يُخِلَّ معناه ) ! والمغني : 1 / 575 ، والمحلى : 3 / 253 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وسترى أن نظرية التسامح في نص القرآن لم تقف عند حد التفاوت في بعض الحروف والكلمات في الآيات ، بل أخذت نموها السرطاني حتى وصلت إلى نظرية تعويم نص القرآن وجواز قراءته بالمعنى بدون التقيد بألفاظه ! هذا ، وقد أوردنا إشكالات أخرى في تدوين والقرآن وألف سؤال في المسألة 74 .

عمر يفتي بنسف النص القرآني

ماذا يقول علماء المذاهب في الفتوى التالية : ( لا يجب على المسلمين أن يتقيدوا في قراءة القرآن بنصه ! لا في صلاتهم ولا في غيرها ، بل يجوز أن يقرؤوه بالمعنى حسب تصورهم بأي ألفاظ شاؤوا ! والشرط الوحيد أن لا يَقْلِبُوا المعنى رأساً على عقب فتصير آية الرحمة آية عذاب وآية العذاب آية رحمة ! فإذا قرؤوا بهذا الشرط فقراءاتهم صحيحة شرعاً ! وكلها قرآن أنزله الله تعالى ! فهو الذي أجاز قراءة كتابه بأي لفظ بهذا الشرط ؟ !
لا بد أنهم سيصبُّون غضبهم على هذه الفتوى وصاحبها أياً كان ، وقد يقولون إنه رافضي كافر بالقرآن ! لكن إذا كان صاحبها عمر الذي سموه الفاروق فسيختلف الحال ! ويتحمسون لتفسير نظريته ، ويكثرون من ذكر الوجوه والاحتمالات ، ويفكر بعضهم نيفاً وثلاثين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سنة حتى يفتح الله عليه بوجه جديد معقول ! بينما يسكت آخرون طالبين من الله الستر والسلامة للخليفة ! !
روى أحمد في مسنده : 4 / 30 : ( قرأ رجل عند عمر فَغَيَّر عليه فقال : قرأت على رسول الله ( ص ) فلم يغيِّر عليَّ ! قال فاجتمعنا عند النبي قال فقرأ الرجل على النبي ( ص ) فقال له : قد أحسنت ! قال فكأن عمر وَجَدَ من ذلك فقال النبي : يا عمر إن القرآن كله صواب ، ما لم يجعل عذابٌ مغفرةً أو مغفرةٌ عذاباً ) . ونحوه في : 5 / 41 ، و 51 ، و 124 ، وفيه : ( إن قلت غفوراً رحيماً أو قلت سميعاً عليماً أو عليماً سميعاً فالله كذلك ، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب ) !
وقال في مجمع الزوائد : 7 / 150 ، عن رواية أحمد الأولى : ( رواه أحمد ورجاله ثقات ) ثم وثق حديث : ( كل شاف كاف ما لم يختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب نحو قولك تعال وأقبل وهلم واذهب وأسرع واعجل ) ! ونحوه بخاري في تاريخه : 1 / 382 ، وفي أسد الغابة : 5 / 156 : أبو جارية الأنصاري ، روى عن النبي ( ص ) أنه قال : القرآن كله صواب ، وقال السيوطي في الإتقان : 1 / 168 ، عن أبي هريرة ( من حديث عمر : أن القرآن كله صواب ، ما لم تجعل مغفرة عذاباً أو عذاباً مغفرة . أسانيدها جياد ) !
وفي كنز العمال : 1 / 618 : ( أَنْفِرِ الشيطان أنفر الشيطان أنفر الشيطان . يا عمر القرآن كله صواب ما لم يجعل المغفرة عذاباً والعذاب مغفرة ) . و / 619 ، و : 2 / 52 و / 603 . . الخ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تعني هذه الروايات الصحيحة عندهم : أولاً : أن نص القرآن مفتوح لقراءة من يريد بالألفاظ التي يريد ، بشرط واحد خفيف جداً ، هو أن لا تقلب المعنى من رحمة ومغفرة إلى عذاب ، وبالعكس !
وتعني ثانياً : أن عمر يقول : إذا رأيت أحداً يقرأ القرآن غلطاً فلا تغيِّر عليه ! فلقد غيَّرت يوماً على شخص قراءته فلم يقبل فاحتكمنا للنبي فصحح قراءته فتأذيتُ ، وفي رواية : ما شككت في نبوة محمد منذ الجاهلية مثل ذلك اليوم ! فقال لي : لا تشك فنص القرآن هكذا أنزله الله تعالى مفتوحاً لكل قراءة بالمعنى !
وتعني ثالثاً : أن بدعة تعويم نص القرآن هي النتيجة الطبيعية لبدعة السبعة أحرف ، بل هي نفسها ، فالأحرف السبعة ( أميبا ) التعويم ! فلو طبق المسلمون بدعة الأحرف السبعة لهدمت لبنات القرآن واحدة واحدة ، أما هذه فتؤدي إلى هدم صرح القرآن سورة سورة !
وتعني رابعاً : أن عمر روى مقولة الأحرف السبعة ، لكن لم يسمح بها للناس ولا لقراء القرآن ، ولم يستفد منها أحد إلا هو نفسه !
وتعني خامساً : أن عمر أعطى للناس حقاً لم يعطه الله لرسوله صلى الله عليه وآله ! فقد علَّم النبي صلى الله عليه وآله صحابياً دعاء فغيَّر كلمة نبيك برسولك ، فنهاه ولم يرخص له ! قال بخاري : 1 / 67 : ( عن البراء بن عازب قال قال لي النبي : إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
اضطجع على شقك الأيمن ثم قل : اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت ، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة ، واجعلهن آخر ما تتكلم به قال فرددتها على النبي فلما بلغت اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت قلت : ورسولك ، قال : لا ونبيك الذي أرسلت ) .
وكذلك لم يرخص الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله أن يغير حرفاً في القرآن فقال تعالى : قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ ، ( يونس : 15 ) . فاعجب لعمر يعطي لنفسه الحق في أن يرخص للناس بما لم يرخص به النبي صلى الله عليه وآله ، ولا الله تعالى !
* *
وأخيراً ، فإن الناظر في سياسة عمر تجاه القرآن يجد فيها غرائب تبعث على التساؤل عن هدفه ، فلا يجد الجواب حتى عند ابن جزي الذي فكر في الأحرف السبعة بضعاً وثلاثين سنة ! فقد تعمد عمر تغييب النص القرآني الواحد في عهد أبي بكر وعهده ، وشكل لجنة لجمعه وأعطى رئاستها لشاب صغير السن يقال إنه يهودي هو زيد بن ثابت ، وأبعد منها كل الذين شهد هو بأن النبي صلى الله عليه وآله أمر المسلمين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن يأخذوا القرآن منهم ! وأعلن أنه ضاع من القرآن أكثره ، وأن ( لجنته ) تبذل جهوداً كبيرة لجمعه من الناس والمكتوبات . . الخ .
لكن القرآن الذي تجمعه اللجنة العتيدة لم يَرَهُ المسلمون ، بل خبأه لهم عند أمهم حفصة ولم يُطلع عليه أحداً وكان يواصل جمعه وتنقيحه ، حتى أحرقه مروان يوم وفاة حفصة ، والحمد لله !
فالحمد لله الذي جعل الأعمال والنظريات المنافية لحفظ كتابه حبراً على ورق ، وهواءً في شبك ! وساعد الأمة على تجاوز تلك الظروف الخطيرة على نص القرآن ، والتي استمرت بضع عشرة سنة وسببت اختلاف الأمة في نصه ، حتى نهض الغيارى على الإسلام ، وكتبوا نسخته على نسخة علي عليه السلام كما ستعرف ، فتجلَّت فاعلية قوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ . ( الحجر : 9 )
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السادس : من أكاذيب الحكومة . . جمعُ فلان وفلان للقرآن

زعمت روايات الخلافة أن القرآن لم يكن مجموعاً في ( مصحف ) في عهد النبي صلى الله عليه وآله وأنه كان موزعاً سُوَراً وآيات عند هذا وذاك على ( العسب والرقاق واللخاف وصدور الرجال ) ، كما في رواية بخاري : 8 / 119 .
غير أن المتتبع لمصادر الحديث والتاريخ يجزم بأنه لم يكن يوجد شئ اسمه مشكلة جمع القرآن ! فقد كان مجموعاً ونُسَخُهُ موجودة في بيت النبي صلى الله عليه وآله ومسجده وعند كثيرين ، كما كان محفوظاً في صدور عدد من الصحابة من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وغيرهم !
وقبل ذلك كله أن علياً عليه السلام أكمل كتابة النسخة النهائية التي أمره النبي صلى الله عليه وآله بإعدادها وعلَّمه كيف يكتبها ، وجاء بها إلى الدولة فلم يقبلوها ، لأنهم خافوا أن يكون فيها تفسير ليس في مصلحتهم !
فالمشكلة كانت أن الدولة ( والدولة هنا تعني عمر فقط ) خافت من اعتماد نسخة مكتوبة ، سواء نسخة علي عليه السلام أو النسخة التي أراد جمعها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حُفَّاظ الأنصار فنهاهم عمر وقال إنه سيكتب نسخة ، فقام بتشكيل لجنة منه ومن كاتبه زيد ، وكان يضع ما يكتبه أمانة عند حفصة ، وطال عمله ولم يقدم إلى المسلمين النسخة الموعودة ! فبقيت الدولة الإسلامية بلا نسخة رسمية للقرآن طول عهد أبي بكر وعمر وشطراً من خلافة عثمان ! وكان عمر يجيب على اختلاف الناس في نص القرآن بتصحيح قراءاتهم جميعاً بحجة أنه نزل على سبعة أحرف ، حتى تفاقمت المشكلة وانفجرت في عهد عثمان ، فجاء حذيفة من أرمينية شاكياً ، مطالباً عثمان بتوحيد نسخة القرآن وأيده علي عليه السلام فاقتنع عثمان ونهض معه حذيفة بالأمر ، وكتبوا نسخة القرآن الفعلية في سنة 25 هجرية !
والأدلة على أن القرآن كان مجموعاً من عهد النبي صلى الله عليه وآله كثيرة ، أوردناها في كتاب تدوين القرآن ، نذكر منها :
أولاً ، أن الكتابة كانت ميسرة في عهد النبي صلى الله عليه وآله بل وقبله ، خاصة في المدن ، وليس كما زعم الباقلاني وغيره من أن الكتابة لم تكن ميسرة في عهد النبي صلى الله عليه وآله والخليفتين أبي بكر وعمر ، ثم تيسرت في عهد عثمان ! كلا ، فالنبي صلى الله عليه وآله أول من دَوَّنَ الدواوين ( ونسبوه إلى عمر ) وكان عنده صلى الله عليه وآله ديوان فيه أسماء كل المسلمين ، وديوان فيه أسماء المجاهدين ! قال بخاري : 4 / 33 : ( قال النبي ( ص ) : أكتبوا لي من تلفظ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بالإسلام من الناس ، فكتبنا له ألفاً وخمسمائة رجل . . . جاء رجل إلى النبي ( ص ) فقال يا رسول الله إني كُتبْتُ في غزوة كذا وكذا ، وامرأتي حاجَّة قال : إرجع فحُجَّ مع امرأتك ) .
وكان البدوي يطلب كتابة خطبة النبي صلى الله عليه وآله فيكتبونها له : ( فجاء رجل من أهل اليمن فقال أكتب لي يا رسول الله ، فقال : أكتبوا لأبي فلان ) . ( صحيح بخاري : 1 / 36 و : 3 / 95 ) .
وكان الرجل يأتي بالورق إلى النبي صلى الله عليه وآله فيأمر الصحابة فينسخوا له القرآن : ( ابن عباس قال : كانت المصاحف لاتباع ، كان الرجل يأتي بورقه عند النبي صلى الله عليه وآله فيقوم الرجل فيحتسب فيكتب ، ثم يقوم آخر فيكتب ، حتى يفرغ من المصحف ) . ( سنن البيهقي : 6 / 16 ) .
وفي مصادرنا : ( عن رَوْح بن عبد الرحيم ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سألته عن شراء المصاحف وبيعها ؟ فقال : إنما كان يوضع الورق عند المنبر وكان ما بين المنبر والحائط قدر ما تمرُّ الشاة أو رجلٌ منحرف قال : فكان الرجل يأتي ويكتب من ذلك . ثم إنهم اشتروا بعد ذلك . قلت : فما ترى في ذلك ؟ قال لي : أشتري أحب إليَّ من أن أبيعه ، قلت : فما ترى أن أعطي على كتابته أجراً ؟ قال : لا بأس ، ولكن هكذا كانوا يصنعون ) . ( الكافي : 5 / 121 ، والتهذيب : 6 / 366 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويؤيده ما رواه مسلم أنه كان يوجد مكان في مسجد النبي صلى الله عليه وآله يسمى ( مكان المصحف ) ، قال : 2 / 59 : ( ابن الأكوع أنه كان يتحرى موضع مكان المصحف يسبح فيه ، وذكر أن رسول الله ( ص ) كان يتحرى ذلك المكان ، وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة ) .
ورواه بخاري : 1 / 127 ، لكن جعل المكان عند الأسطوانة ولم يذكر مكان المصحف ، وفي ابن ماجة : 1 / 459 : ( كان يأتي إلى سبحة الضحى فيعمد إلى الأسطوانة دون المصحف ) .
وقال ابن قدامة في المغني : 4 / 277 : ( والصحابة أباحوا شراء المصاحف وكرهوا بيعها ، وإن أعطى صاحب العمل هدية أو أكرمه من غير إجارة جاز ، وبه قال الشافعي لما روي عن أنس عن النبي ( ص ) أنه قال : إذا كان إكراماً فلا بأس ) . انتهى . ومعناه أن كتابة القرآن كانت رائجةً في زمن النبي صلى الله عليه وآله حتى أن بعضهم اتخذها تجارة !
وروى الحاكم : 2 / 611 : ( عن زيد بن ثابت قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله نؤلف القرآن من الرقاع . هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وفيه دليل واضح أن القرآن إنما جمع في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ) . انتهى . وهي شهادةٌ من الحاكم على أن عمر لم يجمع القرآن أبداً ، وأن أبا بكر جمع القرآن المجموع ! وأن عثمان كتب القرآن المجموع ! وسيأتي أنه كتبه عن نسخة علي عليه السلام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكيف يريد منا مداحو الحكومات أن نُغمض عيوننا عن هذا الواقع ، ونقبل زعمهم أن نسخة القرآن كانت تواجه خطر الضياع الكامل ، لأنها كانت مكتوبة بشكل بدائي ساذج على العظام وصفائح الحجارة وسعف النخل . . وأن الدولة شمرت عزيمتها ونهضت لإنقاذ كتاب الله من الاندثار ، وشكلت لجنة تاريخية ، بذلت جهوداً مضنية لجمعه ، حتى أنها استعطت آياته على باب المسجد !
لكن المهم عندهم أن يمدحوا الصحابة وجهودهم لخدمة الدين والقرآن ، ولو بتوهين الدين والقرآن والرسول صلى الله عليه وآله ، مع الأسف !

مخالفة عمر لوصية النبي صلى الله عليه وآله بشأن القرآن

صح عند الشيعة والسنة أن النبي صلى الله عليه وآله أوصى أمته بأن تتمسك بعده بالقرآن والعترة عليهم السلام ، في حديث الثقلين الصحيح المتواتر عند الجميع الذي أكده النبي صلى الله عليه وآله مراراً ، ومن نصوصه ما رواه أحمد : 3 / 17 : ( عن أبي سعيد الخدري عن النبي ( ص ) قال : إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني تاركٌ فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فانظروا بم تخلفوني فيهما ) . انتهى . وهي برأينا حاكمةٌ على كل وصية ، ومعناها أن على الأمة أن تطيعهم وتأخذ القرآن والدين منهم .
أما لو صرفنا النظر عن هذه الوصية كما فعلت السلطة ، فقد كان واجبها أن تأخذ القرآن من أحد أربعة صحَّ عندهم أن النبي صلى الله عليه وآله أمر بأخذ القرآن منهم : أبيُّ بن كعب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وسالم الفارسي . ففي بخاري : 6 / 102 ، و : 4 / 228 : ( خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ وأبيّ بن كعب ) . ومسلم : 7 / 148 و 149 ، ومجمع الزوائد : 9 / 311 و : 9 / 52 : ( من أربعة : من ابن أم عبد ومعاذ وأبيّ وسالم ، ولقد هممت أن أبعثهم في الأمم كما بعث عيسى بن مريم الحواريين في بني إسرائيل ) . انتهى .
فبأي الوصيتين أخذ عمر ؟ الجواب : ولا بواحدة منهما ، بل دخل في صراع مع الأربعة شبيه بصراعه مع العترة ! ( راجع تدوين القرآن ) .
ولو صرفنا النظر عن كل هذا ، فلماذا منع حفاظ الأنصار أن ينسخوه في نسخة واحدة ؟ ! ولماذا لم يعتمد نسخة أي شخص يثق به ، أو يكتب هو نسخة وينشرها ؟ ! والجواب : أنه كان عنده حسابات خاصة أوجبت أن تبقى الدولة طيلة عهد أبي بكر وطيلة عهده بلا نسخة قرآن رسمية ! كما أبقاها بلا نسخة مدونة من الحديث النبوي ، بل منع حتى رواية الحديث !
قال عمر بن شبة في تاريخ المدينة : 2 / 705 : ( جاءت الأنصار إلى عمر فقالوا : نجمع القرآن في مصحف واحد ، فقال : إنكم أقوام في ألسنتكم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لحن ، وإني أكره أن تحدثوا في القرآن لحناً ، فأبى عليهم . . . قال عمر : لا يملينا في مصاحفنا إلا فتيان قريش وثقيف ) !
كان عمر يريد إبقاء نص القرآن مفتوحاً لاجتهاداته ولا يحصره في نسخة واحدة ، حتى يهئ النسخة العتيدة ! ولكن الأجَل لم يُمهله .

تحريم عمر البحث العلمي وحتى السؤال عن القرآن !

في الدر المنثور : 6 / 317 ، أن رجلاً سأل عمر عن : وَفَاكِهَةً وَأَبّا ، فلما رآهم يقولون أقبل عليهم بالدرة ! وفي رواية : فقال هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأبَ ؟ ثم قال : نهينا عن التكلف ! وفي الحاكم : 2 / 290 : ( دَعُونا من هذا ، آمنا به كلٌّ من عند ربنا . . . وفي / 514 ثم نفض عصا كانت في يده فقال : هذا لعمر الله التكلف ) . وصححهما على شرط الشيخين . والأبُّ الحشيش !
لكن هذا سهلٌ يسيرٌ عند محنة صبيغ التميمي البصري ، الذي سأل عمر عن معنى قوله تعالى : وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً ! فنزلت عليه لعنة عمر ! فضربه على رأسه بحَزْمةٍ من عراجين النخل الرطبة حتى سال الدم على رأسه وظهره ووصل إلى عقبيه ، ثم أرسله إلى السجن وأمر بإعادته إليه بعد أن تبرأ جراحه ! فعاود ضربه بنفس الطريقة ! ثم أمر أن يُلبس تَبَّاناً ( مثل الكيس ) ويحمل على جمل إلى البصرة ويطاف به في قبيلته والقبائل الأخرى ويشهَّر به وينادى عليه : إن صبيغاً ابتغى العلم فأخطأه ، وتكلف ما كفي وما خفي ! وأن يُحرم رزقه وعطاءه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من بيت المال ، ولا يجالسه ولا يبايعه أحد ، وإن مرض فلا يعوده أحد ، وإن مات فلا يشهد جنازته أحد ! وقد بحثنا في تدوين القرآن .
والعجيب أن فقهاء المذاهب إلى يومنا يدافعون عن عمر ويُفتون بصحة تحريمه السؤال عن تفسير آيات القرآن ! ولو طبقوا ذلك لوجب عليهم أن يفتوا بجمع كتب التفسير وإحراقها ، وإقامة الحد على المفسرين وطلبة العلوم القرآنية ، وجلدهم حتى تسيل دماؤهم على رؤوسهم وظهورهم وأعقابهم ، ثم إلباسهم تبابين وإركابهم في شاحنات وتطويفهم في مدنهم وقراهم ، وتحذير الناس من شرهم . . إلى آخر أحكام الخليفة !
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل السابع : حقيقة جمع القرآن في عهد أبي بكر وعمر وعثمان

كان زيد بن ثابت صغير السن عند وفاة النبي صلى الله عليه وآله فجعله عمر كاتبه ، والمعروف أنه أنصاري لكن عبد الله بن مسعود اعترض على جعله كاتب القرآن وقال إنه يهودي ! ففي تاريخ المدينة : 3 / 1006 : ( لقد قرأت على رسول الله ( ص ) سبعين سورة فقال لي لقد أحسنت ، وإن الذي يسألوني أن أقرأ على قراءته في صلب رجل كافر . . . مالي ولزيد ولقراءة زيد ، لقد أخذت من في رسول الله ( ص ) سبعين سورة ، وإن زيد بن ثابت ليهودي له ذؤابتان ) . وحذف النسائي : 8 / 134 ، وأحمد : 1 / 389 ، من الرواية كلمة يهودي ، وقالا : ( وإن زيداً مع الغلمان له ذؤابتان ) . وفي رواية الحاكم : 2 / 228 : ( أقرأني رسول الله صلى الله عليه وآله سبعين سورة أحكمتها قبل أن يسلم زيد بن ثابت ) . ويبدو أن أباه يهودي وأمه أنصارية ، لأنا بحثنا فلم نجد له نسباً معقولاً في الأنصار !
والمهم أن زيداً هذا ، زعم أن أبا بكر ثم عمر ثم عثمان كلفوه بجمع القرآن ، فتقبل المسؤولية على مضض ونهض بها ، وجمعه أربع مرات في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ربع قرن ! قال بخاري في صحيحه : 5 / 210 ، نقلاً عن زيد : ( أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر فقال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بالناس ، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه ، وإني لأرى أن تجمع القرآن . قال أبو بكر قلت لعمر كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ( ص ) ؟ فقال عمر هو والله خير ، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر . قال زيد بن ثابت : وعمر عنده جالس لا يتكلم ، فقال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك ( في رواية أحمد : 5 / 188 : غلام شاب ) كنتَ تكتب الوحي لرسول الله ( ص ) ، فتَتَبَّع القرآن فاجمعه . فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن . . فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال ، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ . . ) . انتهى . وبالغ زيد في وصف الصعوبات التي واجهها والجهود التي بذلها في جمع القرآن ، حتى أنه جلس هو وعمر على باب المسجد يستعطيان آيات القرآن من المسلمين ! ففي كنز العمال : 2 / 573 : ( لما استحرَّ القتل بالقراء فَرِقَ أبو بكر على القرآن أن يضيع ، فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت : أقعدا على باب المسجد ، فمن جاءكما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بشاهدين على شئ من كتاب الله فاكتباه . . . أجلسا على باب المسجد فلا يأتينكما أحد بشئ من القرآن تنكرانه يشهد عليه رجلان إلا أثبتماه ) . انتهى .
وقد علل الزهري هذا العمل بأن كثيراً من القرآن قتل حفاظه يوم اليمامة ( ولم يوجد مع أحد بعدهم ) ! لذا قرر الخليفة أن يعلنوا للمسلمين : رحم الله من كان من عنده آية ، فليأت بها لنكتبها في المصحف !
( عن ابن شهاب قال : بلغنا أنه كان أنزل قرآن كثير فقتل علماؤه يوم اليمامة الذين كانوا قد وعوه ، ولم يعلم بعدهم ، ولم يكتب ! فلما جمع أبو بكر وعمر وعثمان القرآن ولم يوجد مع أحد بعدهم وذلك فيما بلغنا حملهم على أن تتبعوا القرآن فجمعوه في الصحف في خلافة أبي بكر ) . ( كنز العمال : 2 / 584 عن المصاحف لابن أبي داود ) .
ثم قلد المؤلفون بخاري فرووا روايته هذه وأمثالها من بطولات زيد ، وبلاهة المسلمين ، وغياب أهل البيت عليهم السلام وحُفَّاظ القرآن !
أما عن نتيجة هذه الجهود الجبارة والسنوات الطويلة ، وعن السبب في أن المسلمين لم يروا نسخة القرآن الموعودة ؟ فقال زيد : ( فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ، ثم عند عمر حياته ، ثم عند حفصة بنت عمر ) . ( صحيح بخاري : 5 / 211 و : 6 / 98 ، و : 8 / 119 ) .
نعم ، هذه هي أكذوبة جمع أبي بكر وعمر للقرآن ! وهذه نتيجتها بعد سنين طويلة : صحيفة مخبأة عند حفصة ، رفضت أن تعطيها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لعثمان ليكتب عنها القرآن ، فصادرها مروان بعد أن رجع من دفن حفصة ، وأحرقها حتى لا يقال إن فيها فرقاً عن مصحف عثمان !
لكن تعالَ وانظر إلى كلام علمائهم المقلدين لأسماء الرجال بدون تفكير . . قال الدكتور صبحي الصالح في ( مباحث في علوم القرآن ) ص 77 : ( وقد تمَّ لأبي بكر جمع القرآن كله خلال سنة واحدة تقريباً ، لأن أمره زيداً بجمعه كان بعد واقعة اليمامة ، وقد حصل الجمع بين هذه الواقعة ووفاة أبي بكر . وحين نتذكر كيف جمع هذا القرآن من الرقاع والعسب واللخاف والأقتاب والجلود في هذه المدة القصيرة ، لا يسعنا إلا أن نكبر عزيمة الصحابة الذين بذلوا أنفسهم لله ، ولا يسعنا إلا أن نقول مع علي بن أبي طالب : رحم الله أبا بكر هو أول من جمع كتاب الله بين اللوحين ( البرهان : 1 / 239 ، المصاحف لابن أبي داوود / 5 ) أما عمر فقد سجل له التاريخ أنه صاحب الفكرة ، كما سجل لزيد أنه وضعها موضع التنفيذ . . وقد أثارت ( دائرة المعارف الإسلامية ) شبهة حول هذا الموضوع فتساءلت : ألم يكن عثمان أجدر أن تودع هذه الصحف عنده ( أنظر Encyclopedia Islam II , P 1130 ) ونجيب : بل حفصة أولى بذلك وأجدر لأن عمر أوصى بأن تكون الصحف مودعة لديها ، وهي زوجة رسول الله أم المؤمنين ) . انتهى .
لاحظ أنهم يحتاجون في مدح أبي بكر لأن يكذبوا عن لسان علي عليه السلام ثم يذكرون أقل شبهات المستشرقين ويجيبون عنها بسطحية وانتهى الأمر ! وهنيئاً لأبي بكر الصديق بفضيلة السبق في جمع القرآن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولعمر الفاروق بأنه صاحب الفكرة ، ولزيد صاحب البطولات والتضحيات حتى أنه ضاعت منه آيات مرات فقبض عليها والحمد لله ! ومبارك لكم أيها المسلمون ، فقد صبرتم خمس عشرة سنة ، وهذا هو القرآن قد جُمع ، لكنه مخبأ لكم عند أمكم حفصة !
أما الواقع ، فهو ما رواه السيوطي في الإتقان : 1 / 194 : ( أخرج ابن أشته في المصاحف بسند صحيح عن محمد بن سيرين قال : مات أبو بكر ولم يجمع القرآن ، وقتل عمر ولم يجمع القرآن ) . وابن سعد : 3 / 211 ، و 294 . وقد حاولوا جعل المعنى أنهما لم يحفظا القرآن كما في أنساب الأشراف / 2529 و 2685 : قال روْح يعني أنه لم يحفظه ) . لكن المتبادر من نفي ابن سيرين وغيره أنهما لم يجمعاه في مصحف ، لأن عدم حفظهما له معروف !

أحرف عمر السبعة تنفجر في عهد عثمان !

أبقى عمر الدولة الإسلامية بدون قرآن رسمي خمس عشرة سنة ، في عهد أبي بكر وعهده وشطرٌ من عهد عثمان ! فلم يتبنَّ نسخة علي عليه السلام ولا مصاحف الأربعة الذين شهدوا أن النبي صلى الله عليه وآله أمر بأخذ القرآن منهم ، ومَنَعَ حفاظ الأنصار وغيرهم من تدوين القرآن ، ووعد المسلمين بأنه سيقوم هو بتدوين القرآن ويعمم نسخته . ولم يفعل ، بل كان يأمر زيد بن ثابت بكتابة ما يراه قرآناً ويخبؤه عند حفصة !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي نفس الوقت أعطى الشرعية لكل القراءات فتمسك كل مقرئ بقراءته وانقسم الناس أحزاباً يتعصبون للقراء والقراءات ، حتى كفَّر بعضهم بعضاً بسببها ، ولم يبق إلا أن يقتتلوا بالسلاح !
هنا كان لا بد لعلي عليه السلام أن يتدخل ، فحرَّك الناس في الحجاز والعراق ليضغطوا على عثمان لتوحيد نسخة القرآن ، وكان من أهم عوامل الضغط حذيفة الذي كان يقود فتح أرمينيا ، فجاء خصيصاً إلى المدينة وضغط على عثمان لإيقاف الاختلاف بين جيش الفتح ، فاستجاب عثمان وشكل لجنة برئاسة سعيد بن العاص ، وتابع حذيفة عملها ، فأخذ نسخة محمد بن أبيّ بن كعب وأعطاها لسعيد ، وذهب إلى البصرة وصادر بنفوذه نسخة أبي موسى الأشعري المحرفة وأعطاها لسعيد ، وتابع سعيه مع حفصة وعبد الله بن مسعود فلم يسلما نسختيهما ، وتابع حذيفة عمله مع رئيس اللجنة سعيد حتى تمت كتابة القرآن الفعلي على نسخة علي عليه السلام ، وكتبوا منه عدة نسخ وأرسلوها إلى الأمصار ، ومعها رسالة من عثمان تبشر المسلمين بأنه كتب القرآن عن قرآن ( كتب عن فم رسول الله ( ص ) حين أوحاه الله إلى جبريل ، وأوحاه جبريل إلى محمد وأنزله عليه ) !
ولم يقل عثمان إنه قرآن علي عليه السلام ، بل نسبه إلى عائشة !

مكانة حذيفة المميزة ودوره في توحيد نسخة القرآن

قال الذهبي في سيره : 2 / 361 : ( حذيفة بن اليمان ، من نجباء أصحاب محمد ، وهو صاحب السر . . . كان يقول : ما أدرك هذا الأمر أحد من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الصحابة إلا قد اشترى بعض دينه ببعض ! قالوا : وأنت ؟ قال : وأنا والله ) ! وكان خبيراً بالمنافقين خاصة الذين أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وآله ليلة العقبة في عودته من تبوك ! قال أحمد : 5 / 390 : ( كان بين حذيفة وبين رجل من أهل العقبة ما يكون بين الناس فقال : أنشدك الله كم كان أصحاب العقبة ؟ فقال له القوم : أخبره إذ سألك ، قال : إن كنا نخبر أنهم أربعة عشر . وقال أبو نعيم فقال الرجل كنا نخبر أنهم أربعة عشر قال : فإن كنت منهم وقال أبو نعيم فيهم ، فقد كان القوم خمسة عشر . وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله ( ص ) في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) !
وكما كان من حواريي النبي صلى الله عليه وآله وموضع سره ( بخاري : 4 / 215 و : 7 / 139 ) صار بعده من خاصة شيعة علي ( كنز العمال : 13 / 532 ) وكان لا يقوم بعمل مهم إلا بأمره ، وهذا يعني أن علياً عليه السلام كان وراء حركة توحيد نسخة القرآن ! وقد صرح بذلك عبد الله بن الزبير وذم علياً عليه السلام لأنه كان يحثُّ عمر على توحيد نسخة القرآن ثم واصل حثه لعثمان حتى وحَّد القرآن ! ( فكان عمر قد هم أن يجمع المصاحف فيجعلها على قراءة واحدة ، فطعن طعنته التي مات فيها ، فلما كان في خلافة عثمان قام ذلك الرجل فذكر له فجمع عثمان المصاحف ) . ( تاريخ المدينة : 3 / 990 ) .
روى أحمد : 1 / 445 : ( عن فلفلة الجعفي قال : فزعتُ فيمن فزع إلى عبد الله في المصاحف ، فدخلنا عليه فقال رجل من القوم : إنا لم نأتك زائرين ولكن جئناك حين راعنا هذا الخبر ) !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( عن أبي قلابة قال : لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل ، والمعلم يعلم قراءة الرجل ، فجعل الغلمان يتلقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين ، حتى كفَر بعضهم بقراءة بعض ، فبلغ ذلك عثمان ، فقام خطيباً فقال : أنتم عندي تختلفون وتلحنون ، فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافاً وأشد لحناً ! فاجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إماماً ) . ( كنز العمال : 2 : 582 ) .
وفي تاريخ المدينة : 3 / 991 : ( عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق وأفزع باختلافهم في القراءة ، فقال حذيفة لعثمان : يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصارى ، فأرسل عثمان أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ( لم ترسلها ) فأمر عثمان زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف . وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما أنزل بلسانهم ففعلوا ذلك ، حتى إذا نسخ المصحف رد عثمان الصحف إلى حفصة ، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقال عمر بن شبة في تاريخ المدينة أيضاً : 3 / 991 : ( عن ابن شهاب قال حدثني أنس بن مالك أنه اجتمع لغزوة أرمينية وأذربيجان أهل الشام وأهل العراق ، فتذاكروا القرآن فاختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة ، فركب حذيفة بن اليمان إلى عثمان لما رأى من اختلافهم في القرآن ، فقال : إن الناس قد اختلفوا في القرآن حتى والله إني لأخشى أن يصيبهم ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف ! ففزع لذلك عثمان فزعاً شديداً . . . أن حذيفة بن اليمان قدم من غزوة غزاها بفرج أرمينية فحضرها أهل العراق وأهل الشام ، فإذا أهل العراق يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود ويأتون بما لم يسمع أهل الشام ، ويقرأ أهل الشام بقراءة أبي بن كعب ويأتون بما لم يسمع أهل العراق ، فيكفرهم أهل العراق . . . أن ناساً كانوا بالعراق يسأل أحدهم عن الآية فإذا قرأها قال فإني أكفر بهذه ! ففشا ذلك في الناس واختلفوا في القراءة ، فكلم عثمان بن عفان في ذلك فأمر بجمع المصاحف فأحرقها ، وكتب مصاحف ثم بثها في الأجناد ) . انتهى .
( عن محمد بن أبيّ بن كعب أن ناساً من أهل العراق قدموا عليه فقالوا إنا تحملنا إليك من العراق فأخرج لنا مصحف أبيٍّ ، فقال محمد قد قبضه عثمان قالوا : سبحان الله أخرجه ، قال : قد قبضه عثمان ) . ( كنز العمال : 2 / 585 ) .
وقال في تاريخ المدينة : 3 / 998 : ( استأذن رجل على ابن مسعود فقال الآذن : إن القوم والأشعري ( أي جالسين معه ) وإذا حذيفة يقول لهم : أما إنكما إن شئتما أقمتما هذا الكتاب على حرف واحد ، فإني قد خشيت أن يتهون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الناس فيه تهون أهل الكتاب ، أما أنت يا أبو موسى فيطيعك أهل اليمن ، وأما أنت يا ابن مسعود فيطيعك الناس . قال ابن مسعود : لو أني أعلم أن أحداً من الناس أحفظ مني لشددت رحلي براحلتي حتى أنيخ عليه ، قال : فكان الناس يرون أن حذيفة رضي الله عنه ممن عمل فيه حتى أتى على حرف واحد . . أتيت دار أبي موسى الأشعري فإذا حذيفة بن اليمان وعبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري فوق إجار ( دكة ) فقلت : هؤلاء والله الذين أريد ، فأخذت أرتقي لهم فإذا غلام على الدرجة فمنعني أن أرتقي إليهم فنازعته حتى التفت إليَّ بعضهم فأتيتهم حتى جلست إليهم ، فإذا عندهم مصحف أرسل به عثمان فأمرهم أن يقيموا مصاحفهم عليه ، فقال أبو موسى : ما وجدتم في مصحفي هذا من زيادة فلا تنقصوها ، وما وجدتم من نقصان فاكتبوه فيه ! فقال حذيفة رضي الله عنه : فكيف بما صنعنا ، والله ما أحد من أهل هذا البلد يرغب عن قراءة هذا الشيخ يعني ابن مسعود ، ولا أحد من أهل اليمن يرغب عن قراءة هذا الآخر يعني أبا موسى . وكان حذيفة هو الذي أشار على عثمان أن يجمع المصاحف على مصحف أحد ) . انتهى .

أعضاء لجنة تدوين المصحف الإمام

رووا أن أعضاء لجنة التدوين الذين عينهم عثمان أربعة : سعيد بن العاص ، مملي ، وزيد بن ثابت ، كاتب ، وعبد الله بن الزبير ، عضواً وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام ، عضواً . ففي صحيح بخاري : 4 / 156 :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( أن عثمان دعا زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان : للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا ذلك ) .
وفي : 6 / 97 : ( فأمر عثمان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف وقال لهم إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن فأكتبوها بلسان قريش ، فإن القرآن أنزل بلسانهم ففعلوا ) . انتهى .
وذكرت الروايات أعضاء آخرين ، فقال ابن شبة في تاريخ المدينة : 3 / 993 : ( فحدثني كثير بن أفلح أنه كان فيمن يكتب لهم ، فكانوا كلما اختلفوا في شئ أخروه . قلت لم أخروه ؟ قال لا أدري . قال محمد : فظننت أنا فيه ظناً ولا تجعلوه أنتم يقيناً ، ظننت أنهم كانوا إذا اختلفوا في الشئ أخروه حتى ينظروا آخرهم عهداً بالعرضة الأخيرة فكتبوه على قوله . . . قال محمد فأرجو أن تكون قراءتنا هذه آخرتها عهداً بالعرضة الأخيرة ) .
وفي تهذيب الكمال : 2 / 272 : ( عن محمد بن سيرين : أن عثمان بن عفان جمع اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار ، فيهم ( محمد بن ) أبي بن كعب ، وزيد بن ثابت في جمع القرآن ) . انتهى . وجاء في رسالة عثمان إلى الأمصار أسماء ثلاثة كُتَّاب وإشارة إلى آخرين ، فالصحيح أن الأعضاء الكتاب والنساخين كانوا كثيرين أيضاً ، وكان رئيس اللجنة سعيد بن العاص
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأبرز الكتاب زيد بن ثابت ، وكان حذيفة الساعي بين أصحاب النسخ واللجنة ، وهو الذي أتاهم بالنسخة التي أعجب بها عثمان ووصفها في رسالته إلى الأمصار وهي نسخة علي عليه السلام ونسبها عثمان إلى عائشة . ورسالة عثمان هذه إلى الأمصار من أقوى الأدلة على أن نسخة القرآن الفعلية هي نسخة علي عليه السلام . قال في تاريخ المدينة : 3 / 997 : ( أن عثمان بن عفان كتب إلى الأمصار : أما بعد فإن نفراً من أهل الأمصار اجتمعوا عندي فتدارسوا القرآن ، فاختلفوا اختلافاً شديداً ، فقال بعضهم قرأت على حرف أبي الدرداء ، وقال بعضهم قرأت على حرف عبد الله بن مسعود ، وقال بعضهم قرأت على حرف عبد الله بن قيس ، فلما سمعت اختلافهم في القرآن والعهد برسول الله ( ص ) حديثٌ ، ورأيت أمراً منكراً فأشفقت على هذه الأمة من اختلافهم في القرآن ، وخشيت أن يختلفوا في دينهم بعد ذهاب من بقي من أصحاب رسول الله ( ص ) الذين قرأوا القرآن على عهده وسمعوه من فيه ، كما اختلفت النصارى في الإنجيل بعد ذهاب عيسى بن مريم ! وأحببت أن نتدارك من ذلك فأرسلت إلى عائشة أم المؤمنين أن ترسل إليَّ بالأدم الذي فيه القرآن الذي كتب عن فم رسول الله ( ص ) حين أوحاه الله إلى جبريل وأوحاه جبريل إلى محمد وأنزله عليه وإذا القرآن غضٌّ ، فأمرت زيد بن ثابت أن يقوم على ذلك ، ولم أفرغ لذلك من أجل أمور الناس والقضاء بين الناس ، وكان زيد بن ثابت أحفظنا للقرآن ، ثم دعوت نفراً من كتَّاب أهل المدينة وذوي عقولهم ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
منهم نافع بن طريف ، وعبد الله بن الوليد الخزاعي ، وعبد الرحمن بن أبي لبابة ، فأمرتهم أن ينسخوا من ذلك الأدم أربعة مصاحف وأن يتحفظوا ) .
ولا تصح نسبة النسخة المكتوبة بإملاء النبي صلى الله عليه وآله إلى عائشة ، كما يأتي .

قرآننا الفعلي كُتِبَ من نسخة علي عليه السلام

عرفتَ مكذوبات أتباع الخلافة في نسبة جمع القرآن لأبي بكر وعمر ، وأن حصيلة عملهما كانت صحفاً مخبأة عند حفصة ! فأصرَّ عثمان على مصادرتها وإحراقها ، وامتنعت حفصة أن تسلمها حتى ماتت ، ولعلها كانت تطعن في نسخة عثمان التي أرسلها إلى الأمصار ! وقد رووا بسند صحيح عندهم عن الزهري : ( أخبرني سالم بن عبد الله أن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها الصحف التي كتب فيها القرآن ، فتأبى حفصة أن تعطيه إياها ، فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيمة ( باليمين المؤكد ) إلى عبد الله بن عمر ليرسل إليه بتلك الصحف ، فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر ، فأمر بها مروان فشققت ، وقال مروان إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالصحف ، فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذا المصحف مرتاب ، أو يقول إنه قد كان فيها شئ لم يكتب ) . ( كنز العمال : 2 / 573 ، عن كتاب المصاحف لابن داود . ونحوه تاريخ المدينة : 3 / 1003 ، بعدة روايات وفي بعضها : فساعة رجعوا من جنازة حفصة أرسل بها ابن عمر فشققها ومزقها مخافة أن يكون في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شئ من ذلك خلاف لما نسخ عثمان ، ورواه مجمع الزوائد عن الطبراني وقال رجاله رجال الصحيح ) . وعلى فرض أنها سلَّمَتْهَا إلى اللجنة فلم ينسخوا القرآن عنها ، لأن القراءات الثابتة عن عمر لا توجد في نسختنا والحمد لله !
كما لا يصح قولهم إن عثمان كتب المصحف الأم عن مصحف عائشة ، فلو صح ذلك لكان فيه آية الرضاع وغيرها مما كانت عائشة تصرُّ على أنه من القرآن ! ولو كان عند عائشة نسخة القرآن ( الذي كتب عن فم رسول الله ( ص ) حين أوحاه الله إلى جبريل ) ، كما ذكرت رسالة عثمان ( تاريخ المدينة : 3 / 997 ) لكان تكذيباً لأبي بكر وعمر ، ولقيل : ما عدا مما بدا حتى صار القرآن مدوناً في مصحف كامل من عهد النبي صلى الله عليه وآله عند عائشة ؟ ! وأين المشكلة العظيمة التي زعموها ووقوفهم على باب المسجد لتجميع الآيات ! ومنقبة جمع القرآن لأبي بكر وعمر ، وعشرات الروايات والنظريات ؟ !
إن أقوى دليل على أن قرآننا نسخة علي عليه السلام أن الأوصاف التي رووها بأسانيد صحيحة لمصحف عبد الله بن مسعود ، وأبيّ بن كعب وأبي موسى الأشعري ، ومصحف عمر أو صحف حفصة ، ومصحف زيد بن ثابت ، لا توجد في قرآننا . وكل الأوصاف التي ذكروها لقرآن علي عليه السلام وقراءاته توجد فيه ! وأن جميع القراء السبعة يرجعون إلى قراءته عليه السلام . والحمد لله رب العالمين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 95 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

نسختان للقرآن عند علي عليه السلام

وهما النسخة التي بأيدينا والنسخة التي كتبها بأمر النبي صلى الله عليه وآله وعرضها عليهم فلم يقبلوها ، فجمعها وقال لهم : ( أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبداً ، إنما كان عليَّ أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه ) ! ( الكافي : 2 / 633 ) .
والفرق بين النسختين إنما هو في الترتيب ، وهو مؤثر في فهم القرآن وتفسيره . وقد ورد عن أهل البيت عليهم السلام أن نسخة أمير المؤمنين عليه السلام عندهم وأن الإمام المهدي عجل الله تعالي فرجه الشريف يظهرها للناس . وقد وصفت هذه النسخة روايات السنيين فقال ابن جزِّي في التسهيل : 1 / 6 : ( وكان القرآن على عهد رسول الله ( ص ) متفرقاً في الصحف وفي صدور الرجال ، فلما توفي رسول الله ( ص ) قعد علي بن أبي طالب رضي الله عنه في بيته فجمعه على ترتيب نزوله . ولو وجد مصحفه لكان فيه علم كبير ، ولكنه لم يوجد ) . انتهى .
ولا يتسع المجال للإفاضة ، فراجع ابن سعد : 2 / ق 2 / 101 ، والاستيعاب : 3 / 974 ، وأنساب الأشراف : 1 / 587 ، ومناقب آل أبي طالب : 1 / 319 ، وكنز العمال : 2 / 588 .
وبذلك تفهم معنى أحد أبعاد قول الصادق الأمين صلى الله عليه وآله : ( عليٌّ مع القرآن والقرآنُ مع عَلِيّ ، لَنْ يَتَفَرَّقا حَتَّى يَردَا عَلَيَّ الحَوْض ) .
( الحاكم : 3 / 124 ، وصححه هو ، وكذلك الذهبي ، الذي لا يصحح حديثاً في علي عليه السلام إلا مضطراً ! أنظر الحق المبين / 133 ) .