مكتبة الطالب(1) ـ معرفة الله

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مكتبة الطالب ( 1 )
معرفة الله
مركز المصطفى للدراسات الإسلامية
برعاية المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني دام ظله
الطبعة الأولى 1427
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الكتاب : . . . معرفة الله
المؤلف : . . . علي الكوراني العاملي
الناشر : . . . دار الهدى - قم
الطبعة : . . . الأولى
العدد : . . . 10000 نسخة
1427 هجرية - 2006 ميلادية
ISBN : 964 - 497 - 116 - 7
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضلُ الصلاة وأتمُّ السلام
على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
وبعد ، فقد زاد الطلب على المعرفة الدينية المُيَسَّرة ، عن طريق الكُتَيِّبَات بدل الكتب المفصلة ، بسبب كثرة مشاغل الحياة ، والفضائيات ، وشبكة النت ، فصار أكثر الناس وخاصة الشباب يميلون إلى الخلاصات العلمية والكتب الصغيرة .
وقد أردنا أن تكون هذه السلسلة الثقافية مكتبة صغيرة للطالب تشمل معالم الإسلام ، وتُقدم لأبنائنا الأعزاء أهم المسائل التي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يحتاجون إليها في أمور دينهم .
ونبدأ بمعرفة الله تعالى في ثلاثة فصول : أولها ، معرفة وجوده والإيمان به عز وجل ، وأهم الأدلة على ذلك .
والثاني ، في معرفة توحيده وأسمائه الحسنى وصفاته ، تبارك وتعالى ، والعقيدة الصحيحة فيها ، ونقد الانحرافات عنها .
والفصل الثالث ، في معرفة عبادته عز وجل والتكامل بطاعته ، وبيان نوع المعرفة والعرفان الصحيح ، والطرق الخاطئة في العبادة والعرفان . والله ولي القبول والتوفيق .
مركز المصطفى للدراسات الإسلامية
علي الكَوْراني العاملي
غرة ربيع الثاني 1427
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الأول : معرفة وجود الله والإيمان به عز وجل

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الإلحاد أسوأ من الجنون

أسوأ من المجنون ، لأن الجنون مرض غير إرادي والإلحاد مرض إرادي . ولأن المجنون لا يتحكَّم في عمل عقله ، والملحد يُجبر عقله على العمل بعكس طبيعته !
ولهذا كان معنى الملحد في اللغة : ( الذي يميل عمداً عن الخط الصحيح لمساره ) ، وسمي منكر وجود الله تعالى ملحداً ، لأنه يتعمد الميل عن المسار الطبيعي لعقله وفطرته !
ذلك أن العقل والفطرة يقولان له : هذا أنت ، والأرضُ التي تقفُ عليها ، والهواء الذي تعيشُ عليه ، والطبيعةُ من حولك ، والكونُ من فوقك . . كلها متقنةٌ بإبداع وإعجاز ، وقوانين عميقة مدهشة ، فبالضرورة أن لها خالقاً مبدعاً !
يقولان له : محالٌ أن يكون الكون خلق نفسه ، لأن أشيائه جميعاً لها عمر ، ومعناه أنها في ( يوم ) ما ، لم تكن موجودة لا هي ولا شئ من موادها ، ولا زمانها ولا مكانها ، ( ثم ) حدث ( فجأة ) أن وجدت ! فالذي دفعها من العدم إلى الوجود ( كان ) قبلها !
قال الشريف المرتضى قدس سره في الفصول المختارة / 76 : ( دخل أبو الحسن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علي بن ميثم رحمه الله على الحسن بن سهل ( الوزير ) وإلى جانبه مُلْحِدٌ قد عظَّمَهُ والناس حوله ، فقال : لقد رأيت ببابك عجباً ! قال : وما هو ؟ قال : رأيت سفينة تَعْبُرُ بالناس من جانب إلى جانب بلا ملاح ، ولا ماصِر ( مسؤول حركة السفن ) ! قال فقال له صاحبه الملحد وكان بحضرته : إن هذا أصلحك الله لَمَجنون ! قال فقلت : وكيف ذاك ؟ قال : خشبٌ جمادٌ لا حيلة له ولا قوة ولا حياة فيه ولا عمل كيف يَعْبُرُ بالناس ؟ قال فقال أبو الحسن : فأيهما أعجب ؟ هذا أو هذا الماء الذي يجري على وجه الأرض يَمْنَةً ويَسْرةً بلا روح ولا حيلة ولا قوى ، وهذا النبات الذي يخرج من الأرض ، والمطر الذي ينزل من السماء ، تزعم أنت أنه لا مدبر لهذا كله وتنكر أن تكون سفينة تتحرك بلا مدبر وتعبر بالناس ! قال : فبهت الملحد ) ! وكنز الفوائد / 131 .

هل يتعمد الملحد الانحراف عن الفطرة ؟

نعم ، الملحد يتعمد معاكسة عقله وفطرته ، لأن غاية ما يمكن للإنسان أن يدعيه هو الشك في وجود خالق للكون ، فيقول إنه لا يدري هل لهذا الكون خالق أم لا ؟ أما أن ينفي وجود الخالق عز وجل ويقول ( لا يوجد إله خالق ) ! فذلك يتوقف على أن يكون محيطاً بالكون المنظور وغير المنظور ، حتى يستطيع أن ينفي !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولا يوجد إنسان محيط بالكون ولا بنفسه !
أما لماذا يتعمد الملحد إنكار وجود الله تعالى ؟
الجواب : لأنه إذا اعترف بوجود الله تعالى اعترف بأنه مخلوقٌ له وصنيعته وعبده ، فعليه طاعته والخضوع له والصلاة له ! وهو لا يريد أن يكون عبداً ، بل . . إلهاً ! فلا طريق أمامه إلا أن يرفض أدلة العقل وبراهينه ونداء الفطرة ، ويتكبر على ربه ويكابر أمام الدليل !
سأل أحدهم الإمام الصادق عليه السلام : عن أدنى الإلحاد ؟ قال : ( إن الكِبْرَ أدناه ) . ( الكافي : 2 / 309 ) ووصف عليه السلام قول إبليس : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ، بأنه : ( عتى عن أمر ربه وألحد ، فتوارث الإلحاد ذريته ) . ( تحف العقول / 406 ) .
وروي أن نمروداً لمَّا رأى النار صارت برداً وسلاماً على إبراهيم عليه السلام أحضره وسأله : من أنجاك ؟ ! قال : ربي ورب العالمين . فقال نمرود لمن حوله : لقد نفعه ربه ، فمن أراد أن يتخذ رباً فليتخذه مثل رب إبراهيم ! يقصد أنه هو وأمثاله لا يحتاجون إلى اتخاذ رب ! وبذلك حرَّف نمرود القضية من الاعتراف بحقيقة موضوعية ، وجعلها حاجة لبعض الناس لأن يتخذ رباً ، أما هو فلا يحتاج !
إن جريمة الملحد أنه قرر مسبقاً أن ينفي وجود الله تعالى ، وأن يرد الأدلة على مهما كانت قوية ! فهو بذلك يعاند العقل والفطرة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السويين ، ويرفض الاقتناع رغم وجود مبرراته الموضوعية !
وهذا هو الظلم والعلو الذي قال الله تعالى عنه : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ، فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ .

الكوْن . . لم يكن ثم كان . . فكيف بدأ ؟

من الأمور المتفق عليها أن للأرض عمراً وللنجوم عمراً ، ولكل شئ في الكون عمراً . . سواء كان لحظة أو ملايين السنين أو بلايينها ، وهو يعني أنا إذا رجعنا إلى الوراء في عمر الكون نصل إلى نقطة العدم المحض ( حيث ) لم يكن الكون ، ثم كان !
إن كل البحث في هذه النقطة : لم يكن شئ ، ثم انبثقت أول نقطة من الوجود مهما فرضناها ، فهل وُجدت بداية الكون من العدم المحض بدون خالق خلقها ؟
ما دام الكون ممكن الوجود والعدم ، فمن الذي رجَّحَ كَفَّة وجوده على عدمه ؟ إن ممكن الوجود يستحيل أن يوجد إلا بواجب وجود يدفعه من العدم إلى الوجود . وذلك هو الله سبحانه وتعالى : إِنَّمَا أَمْرُهُ إذا أَرَادَ شيئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . ( يّس : 82 )
إنك بقبولك أن للكون عمراً ، قبلتَ أن احتمال وجود الكون وعدمه كانا متساويين ، وأنه يستحيل ترجيح أحدهما بلا مرجح ، فلا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بد من الإعتقاد بوجود إلهٍ من غير نوع الكون أوجده . إن مجرد وجود ممكن الوجود ، دليل على وجود واجب الوجود عز وجل .

لماذا يهرب الملحد من البحث العلمي

جرت لنا مع عدد من الملحدين نقاشات في شبكات النت وقد أصدرنا خلاصتها في كتاب ( ثمار الأفكار ) ورأيناهم يهربون من النقاش العلمي ، لأن بضاعتهم الإنكار والمكابرة لا غير !
ومما وجهناه إليهم : 1 - سؤال للماديين : هل الحسُّ محسوس ؟ !
فقد بنوا فكرهم ودينهم على النظرية الحسية القائلة : كل شئ غير محسوس فهو غير موجود ! فهم يؤمنون بوجود الحس ويجعلونه أصل نظريتهم ، وقد غفلوا عن أن الحس من الغيب غير المحسوس !
فإن قالوا يعرف الحس بالحس فبأي الحواس ؟ بالبصر أو السمع أو الشم أو الذوق أو اللمس ؟ ! وإن قالوا يعرف بالعقل فقد اعترفوا بموجود غير محسوس يدركه العقل وبطلت نظريتهم الحسية !
وبما أنهم لم يجيبوا على هذا السؤال ، فمعناه أنهم يقرون بأن النظرية المادية مبنية على أمر غير مادي ( غيبي ) ! ويضطرون إلى موافقتنا في أن الحقائق منها ما يعرف بطريق الحس ومنها بطريق العقل ، وكلها حقائق لا فرق بينهما من هذه الجهة .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
2 - ومن نوع هذا السؤال : الأذن . . والسمع . . أيهما الموجود ؟
وهو سؤال يعجز عن جوابه من لا يؤمن بالله تعالى ! فهل تسمع بسمعك أم بأذنك ؟ وهل الموجود الأذن والسمع كلاهما . . أم الأذن فقط ؟ ! فالأذن والأعصاب تنقل الذبذبات إلى المخ ، وهي موجودات محسوسة ، ولك سمعٌ تسمع به وهو وجودٌ غير محسوس !
وفي الحقيقة أن الأذن ليست هي التي تسمع ، بل هي جهاز ينقل الذبذبات كأي طبلة وأسلاك ، والمخ ليس هو الذي يسمع ، بل هو جهاز ينقل الإشارات إلى السمع ، فهذا السمع إن كان موجوداً مادياً فأين هو وأين مكانه ؟ وإن لم يكن موجوداً فلا يمكن أن نسمع ! ولا جواب إلا أنه موجود غير مادي عرفناه بالعقل ، فهو غيبي !
فالسمع موجودٌ مستقل وليس انعكاساً مادياً لأدواته حتى يكون وجوده بوجودها ، فلو لم توجد فهو موجود ، ولو وجدت وسيلة أخرى غير الأذن ، تؤدي دورها لحصل السمع ، فالسمع غير أدواته ! وإن أصروا على أن السمع أثر للمادة ، يبقى السؤال : هو أثرٌ مادي أم غير مادي ، فإن كان مادياً فأين هو ؟ وإلا فقد سقطت النظرية الحسية !
إن الصحيح في السمع والحس أنه موجود بوجود مستقل عن الجسم ، وأنه قوةٌ من قوى الروح التي ترتبط بالبدن بنحو تتقبل رموز تفاعلاته المادية ، وتترجمها إلى مدركات !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن الذي يكلمك ليس بدن مخاطبك بل روحه ، بوسيلة آلية معينة . . والذي يفهم منه ويجيبه ليس بدنك بل روحك ، بواسطة آلية معينة ! قال الله تعالى : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً . ( الإسراء : 85 ) . وستبقى معلومات البشر عن الروح قليلة ، وستبقى روح المؤمن والملحد التي بين جنبيه لغزاً ، بها يحيا ويفكر ويتساءل ولا يعرف عنها إلا أقل القليل ! وكلما كشفوا معلومة منها انكشفت جوانب أكثر إعجازاً وإلغازاً !
إن الروح حقيقة صارخة ، تجعل الإنسان خاضعاً أمام خالقها ومقنن قوانينها ! لكن أين أصحاب العقول غير المدخولة ؟ !
إن للروح قوانينها الخاصة وزمانها ومكانها الخاصَّيْن ، وإن كانت مرتبطة بالبدن والزمان والمكان ! ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً ) .
* *
3 - وسؤالان آخران للقائل بالحقيقة النسبية : الأول : هل وجودك أنت حقيقة يقينية ثابتة أم نسبية ؟ ومهما أجاب فقد أسقط نظريته .
والثاني : سؤاله عن نظريته نفسها هل هي قاعدة مطلقة أم نسبية ؟ فإن قال مطلقة فقد نقضها ، وإن قال نسبية فقد كذبها .
إنه لا بد للإنسان أن يؤمن بوجود حقائق مطلقة ثابتة في كل الأحوال وهي التي نسميها البديهيات الأولية ( لا الثانوية ) . مثلاً : حقيقة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن الكل أكبر من الجزء ، أمرٌ ثابت على كل حال ما دام الكل كلاً والجزء جزءً ، في كل العلوم وفي كل العصور حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، ثم في الآخرة ، إلا أن يخرجا عن كونهما كلاً وجزءً .
والحقائق الرياضية البسيطة ثابتة أيضاً مثل أن ( 2 + 2 = 4 ) فما دام العدد والجمع بهذا المعنى فالنتيجة ثابتة . وحتى لو تغير معناهما فهو لا ينقض ثبات القاعدة .
وأوضح منه قاعدة : أن الشئ لا يكون موجوداً وغير موجود في آن واحد في مكان واحد في ظروف واحدة ( قاعدة استحالة التناقض ) فهي ثابتة في كل الحالات ، بديهيةٌ عند كل إنسان لأنها مخلوقة في فطرته وتنمو بنمو عقله ، فعندما تعطي طفلك شيئاً في يده ثم تأخذه منه وتسأله أين هو ؟ لا يفتش عنه في يده ! ولو قلت له : في يدك وليس فيها لم يقبل منك ، لأن عقله يعلم أن التناقض محال ! !
إن هذه المعلومات الثابتة رأس مال موهوبٌ من الله تعالى لكل إنسان ، مع قدرة على الإتجار به لكسب مجهولات جديدة ، بما يسمى عملية التفكير والاستدلال .
وبعضهم يسمي النتيجة الخاطئة حقيقة بالنسبة إلى صاحبها ! لكنه مجاز ، لأن الحقيقة الموضوعية واحدة ، لا تتبع خطأ الإنسان في الإستدلال .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الطرق العلمية لمعرفة الله تعالى

توجد ثلاث طرق لمعرفة الله تعالى والمعرفة الإنسانية عموماً :
1 - طريق الكشف الذاتي : فإن خاصة أولياء الله تعالى يعرفونه به : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَئٍ شَهِيدٌ . ( فصلت : 53 ) .
وفي دعاء أمير المؤمنين عليه السلام : ( يا من دلَّ على ذاته بذاته ) ( البحار : 84 / 339 ) . وفي دعاء الإمام الحسين عليه السلام : ( متى غبتَ حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ، ومتى بَعُدْتَ حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ؟ ! عَمِيَتْ عينٌ لا تراك عليها رقيباً ) . ( البحار : 64 / 142 ) .
وفي دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام : ( بك عرفتُك وأنت دللتني عليك ودعوتني إليك ، ولولا أنت لم أدر ما أنت ) . ( البحار : 95 / 82 ) .
2 - دليل العِلِّيَّة : فكل إنسان إذا نظر إلى نفسه وما حوله ، يدرك أن عدم وجود هذا الشئ أي شئ ليس محالاً ، بل وجوده وعدمه ممكن ، فذات الشئ لا تتضمن ضرورة وجوده أو ضرورة عدمه ، وهو يحتاج إلى سبب من يوجده ، وبما أن كل جزء من أجزاء العالم يحتاج إلى من يعطيه وجوده ، فمن الذي أعطاه الوجود ؟ !
إن قيل إنه خلق نفسه ، فيقال : إنه لا يتضمن وجود نفسه ، فكيف
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يمكن أن يكون سبباً وفاقد الشئ لا يعطيه . وإن قيل أعطاه الوجود موجودٌ آخر مثله ، يقال : هذا الآخر المماثل عاجزٌ عن إعطاء الوجود لنفسه أيضاً فكيف يعطي الوجود لغيره ؟ ! وهذا الحكم يجري على كل جزء في العالم ، فعندما نرى فضاء مضيئاً لا نور له من ذاته ، نحكم بوجود مصدر لهذا النور يكون نوره بذاته لا بغيره ، وإلا لكان أصلُ وجود فضاء منير مستحيلاً ! لأن المظلم بنفسه محال أن يضئ نفسه ، فضلاً عن أن يضئ غيره !
من هنا كان نفس وجود هذه الموجودات دليلاً على وجود مصدر لا يحتاج إلى غيره ، وهو الدليل العلمي الذي قال عنه تعالى : أم خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَئٍ أم هُمُ الْخَالِقُونَ . ( الطور : 35 ) .
وقد سأل رجل الإمام الرضا عليه السلام : ( يا ابن رسول الله ما الدليل على حدوث العالم ؟ فقال : أنت لم تكن ثم كنت ، وقد علمت أنك لم تُكوِّنْ نفسك ولا كوَّنك من هو مثلك ) . ( البحار : 3 / 36 ) .
3 - دليل النظم الكوني : فكل ما في الكون مخلوق على قواعد وأصول بعلم وحكمة ، من أصغر ذراته إلى أكبر مجراته !
ونأخذ مثالاً من النبات : فلو وجدت ورقة ملقاة في برية ، مكتوباً عليها حروف الأبجدية مرتبةً من الألف إلى الياء ، فإن ضميرك يشهد بأن كتابة هذه الحروف ناتجٌ عن فهم وإدراك . وإذا رأيت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جملةً مؤلفةً من تلك الحروف والكلمات فستؤمن بعلم الكاتب ، وتستدل بنظم الكلمات ودقتها على علمه وحكمته .
فهل أن تكوين نبتة في البرية من عناصرها الأولية ، أقل من سطر في كتاب ؟ ! فلماذا نستدل بالسطر على علم كاتبه ، ولا نستدل بالنبتة على خالقها عز وجل ؟ !
فأي علم وحكمة أعطى الماء والتراب سراً يبعث الحبة من يبسها وموتها نباتاً حياً سوياً ؟ وأعطى لجذرها قدرة تشق بها الأرض وتحصل على قوتها وغذائها في ظلمة التراب ، وهيأ في مائدة التراب الغنية أقوات النباتات والأشجار ، كل يجد فيها غذاءه ؟ !
وأي قدرة وحكمة خلقت الجذور واعيةً لعملها ، ضاربةً في أعماق التربة . والجذوع والفروع باسقةً إلى أعلى الفضاء ! يكافح كل منهما قانوناً يضاده ويمضي في مساره ، هذه في الأعماق وهذه في الآفاق ؟ !
إن التأمل في شجرة واحدة وأنظمتها ، من عروقها إلى آلاف أوراقها ، يبعث في الإنسان الدهشة والذهول أمام علم الخالق وقدرته اللامتناهية : ( أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرض وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ) . ( النمل : 60 ) . ( راجع مقدمة منهاج الصالحين للوحيد الخراساني )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

من استدلالات أهل البيت الطاهرين عليهم السلام

1 - جاء رجل من الزنادقة إلى الإمام الرضا عليه السلام فقال له : ( رحمك الله أوجدني كيف هو وأين هو ؟ فقال : ويلك إن الذي ذهبت إليه غلط ، هو أيَّنَ الأيْنَ بلا أين ، وكيَّفَ الكيفَ بلا كيف ، فلا يُعرف بكيفوفية ولا بأينونية ، ولا يُدرك بحاسة ، ولا يُقاس بشئ ! فقال الرجل : فإذاً إنه لا شئ ، إذا لم يدرك بحاسة من الحواس !
فقال أبو الحسن عليه السلام : ويلك ! لما عجزت حواسك عن إدراكه أنكرت ربوبيته ؟ ! ونحن إذ عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنا أنه ربنا بخلاف شئ من الأشياء ! قال الرجل : فأخبرني متى كان ؟ قال أبو الحسن : أخبرني متى لم يكن فأخبرك متى كان ! قال الرجل : فما الدليل عليه ؟ فقال أبو الحسن : إني لما نظرت إلى جسدي ولم يمكني فيه زيادة ولا نقصان في العرض والطول ، ودفع المكاره عنه وجر المنفعة إليه ، علمت أن لهذا البنيان بانياً فأقررت به . مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته ، وإنشاء السحاب وتصريف الرياح ومجرى الشمس والقمر والنجوم ، وغير ذلك من الآيات العجيبات المبينات ، علمتُ أن لهذا مقدراً ومنشئاً ) . ( الكافي : 1 / 78 ) .
2 - عن أحمد بن محسن الميثمي قال : كنت عند أبي منصور المتطبب فقال : أخبرني رجل من أصحابي قال : كنت أنا وابن أبي العوجاء وعبد الله بن المقفع في المسجد الحرام فقال ابن المقفع ، ترون هذا الخلق ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأومأ بيده إلى موضع الطواف ، ما منهم أحد أُوجبُ له اسم الإنسانية إلا ذلك الشيخ الجالس ، يعني أبا عبد الله جعفر بن محمد صلى الله عليه وآله . فأما الباقون فرعاع وبهائم ! فقال له ابن أبي العوجاء : وكيف أوجبتَ هذا الاسم لهذا الشيخ ، دون هؤلاء ؟ قال : لأني رأيت عنده ما لم أره عندهم ! فقال له ابن أبي العوجاء : لا بد من اختبار ما قلت فيه منه . قال فقال ابن المقفع : لا تفعل فإني أخاف أن يفسد عليك ما في يدك . فقال : ليس ذا رأيك ، ولكن تخاف أن يضعف رأيك عندي في إحلالك إياه المحل الذي وصفت ! فقال ابن المقفع : أما إذا توهمت عليَّ هذا فقم إليه ، وتحفظ ما استطعت من الزلل ، ولا تثني عنانك إلى استرسال فيسلمك إلى عقال . وسِمْهُ مالك أو عليك . قال : فقام ابن أبي العوجاء وبقيت أنا وابن المقفع جالسين ، فلما رجع إلينا ابن أبي العوجاء قال : ويلك يا ابن المقفع ما هذا ببشر ! وإن كان في الدنيا روحانيٌّ يتجسد إذا شاء ظاهراً ، ويتروَّح إذا شاء باطناً ، فهو هذا ! فقال له : وكيف ذلك ؟ قال : جلست إليه فلما لم يبق عنده غيري ابتدأني فقال : إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء ، وهو على ما يقولون ، يعني أهل الطواف ، فقد سلموا وعطبتم ، وإن يكن الأمر على ما تقولون ، وليس كما تقولون ، فقد استويتم وهم ! فقلت له : يرحمك الله وأي شئ نقول وأي شئ يقولون ؟ ما قولي وقولهم إلا واحداً ! فقال : وكيف يكون قولك وقولهم واحداً ؟ وهم يقولون : إن لهم معاداً وثواباً وعقاباً ، ويدينون بأن في السماء إلهاً ، وأنها عمران . وأنتم تزعمون أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السماء خراب ليس فيها أحد ؟ قال : فاغتنمتها منه فقلت له : ما منعه إن كان الأمر كما يقولون أن يظهر لخلقه ويدعوهم إلى عبادته حتى لا يختلف منهم اثنان ! ولم احتجب عنهم وأرسل إليهم الرسل ؟ ولو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الإيمان به ؟ فقال لي : ويلك وكيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك : نُشوءك ولم تكن ، وكبرك بعد صغرك ، وقوتك بعد ضعفك ، وضعفك بعد قوتك ، وسقمك بعد صحتك ، وصحتك بعد سقمك ، ورضاك بعد غضبك ، وغضبك بعد رضاك ، وحزنك بعد فرحك ، وفرحك بعد حزنك وحبك بعد بغضك ، وبغضك بعد حبك ، وعزمك بعد أناتك ، وأناتك بعد عزمك ، وشهوتك بعد كراهتك وكراهتك بعد شهوتك ، ورغبتك بعد رهبتك ورهبتك بعد رغبتك ، ورجاءك بعد يأسك ويأسك بعد رجائك ، وخاطرك بما لم يكن في وهمك ، وعزوب ما أنت معتقده عن ذهنك .
وما زال يُعدِّد عليَّ قدرته التي هي في نفسي التي لا أدفعها حتى ظننت أنه سيظهر فيما بيني وبينه ! ) . ( الكافي : 1 / 74 ) .
3 - قال محمد بن إسحاق : إن عبد الله الديصاني ( ملحد معروف ) سأل هشام بن الحكم فقال له : ألك رب ؟ فقال : بلى ، قال أقادرٌ هو ؟ قال : نعم قادر قاهر . قال : يقدر أن يدخل الدنيا كلها البيضة لا تكبر البيضة ولا تصغر الدنيا ؟ قال هشام : النظرة ( أي أمهلني ) فقال له : قد أنظرتك حولاً ، ثم خرج عنه فركب هشام إلى أبي عبد الله ( الإمام الصادق عليه السلام ) فاستأذن عليه فأذن له
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال له : يا ابن رسول الله أتاني عبد الله الديصاني بمسألة ليس المعول فيها إلا على الله وعليك ، فقال له أبو عبد الله عليه السلام : عن ماذا سألك ؟ فقال قال لي : كيت وكيت ، فقال أبو عبد الله عليه السلام : يا هشام كم حواسك ؟ قال خمس . قال : أيها أصغر ؟ قال الناظر ، قال : وكم قدر الناظر قال : مثل العدسة أو أقل منها . فقال له : يا هشام ! فانظر أمامك وفوقك وأخبرني بما ترى ، فقال : أرى سماء وأرضاً ودوراً وقصوراً وبراري وجبالاً وأنهاراً . فقال له أبو عبد الله عليه السلام : إن الذي قدر أن يدخل الذي تراه العدسة أو أقل منها قادر أن يدخل الدنيا كلها البيضة ، لا تصغر الدنيا ولا تكبر البيضة ! فأكب هشام عليه وقبل يديه ورأسه ورجليه وقال : حسبي يا ابن رسول الله ، وانصرف إلى منزله . وغدا عليه الديصاني فقال له : يا هشام إني جئتك مسلِّماً ولم أجئك متقاضياً للجواب ، فقال له هشام : إن كنت جئت متقاضياً فهاك الجواب ، فخرج الديصاني عنه حتى أتى باب أبي عبد الله عليه السلام فاستأذن عليه فأذن له ، فلما قعد قال له : يا جعفر بن محمد دُلَّني على معبودي ؟ فقال له أبو عبد الله : ما اسمك ؟ فخرج عنه ولم يخبره باسمه فقال له أصحابه : كيف لم تخبره باسمك ؟ قال : لو كنت قلت له : عبد الله ، كان يقول : من هذا الذي أنت له عبد ؟ فقالوا له : عد إليه وقل له يدلك على معبودك ولا يسألك عن اسمك . فرجع إليه فقال له : يا جعفر بن محمد دلني على معبودي ولا تسألني عن اسمي ؟ فقال له أبو عبد الله عليه السلام : أجلس ، وإذا غلام له صغير في كفه بيضة يلعب بها فقال له أبو عبد الله :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ناولني يا غلام البيضة فناوله إياها ، فقال له أبو عبد الله عليه السلام : يا ديصاني ، هذا حصن مكنون له جلد غليظ ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة وفضة ذائبة ، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة ، ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة ، فهي على حالها لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها ، ولا دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها ، لا يدري للذكر خلقت أم للأنثى تنفلق عن مثل ألوان الطواويس ، أترى لها مدبراً ؟ ! قال : فأطرق ملياً ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأنك إمام وحجة من الله على خلقه ، وأنا تائب مما كنت فيه ) . ( الكافي : 1 / 79 ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

تعريفات ومصطلحات

1 - ( المُلْحِد : بضم الميم وكسر الحاء ، جمعه ملاحدة وملحدون : مَن كفر بالأديان كلها : apostate , Unbeliever ) . ( معجم لغة الفقهاء / 458 ) .
( الإلحاد : من لَحَدَ : الميل عن الطريق المرسوم ، الكفر بجميع الأديان وإنكار جميع الرسالات : Atheism ( معجم لغة الفقهاء / 489 ) . ( زنديق ، ملحد ، مارق من دينه : withersake . ( المعجم القانوني : ق 2 / 749 ) .
( حرق الملحد أو الزنديق . haeretico comburendo : قانون جنائي أصدره الإنكليز ضد الإلحاد ، وفرضوا به عقوبة الموت حرقاً على كل ملحد ) . ( المعجم القانوني : ق 1 / 327 ) .
2 - معاني مادة ( لَحَدَ ) : ( لحد بلسانه إلى كذا مال ، قال تعالى : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) من لحد . وقرئ ( يَلْحَدُون ) من ألحد . وألحد فلان مال عن الحق ، والإلحاد ضربان : إلحاد إلى الشرك بالله ، وإلحاد إلى الشرك بالأسباب ، فالأول ينافي الإيمان ويبطله ، والثاني يوهن عراه ولا يبطله . ومن هذا النحو قوله : وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وقوله : وَلله الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ . والإلحاد في أسمائه على وجهين : أحدهما أن يوصف بما لا يصح وصفه به .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والثاني : أن يتأول أوصافه على ما لا يليق به . والتَحَدَ إلى كذا مال إليه ، قال تعالى : وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً . أي التجاءً أو موضع التجاء . وألحد السهم الهدف : مال في أحد جانبيه ) . ( مفردات الراغب / 448 ) .
3 - الإلحاد في المسجد الحرام : قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . ( الحج : 25 ) .
( عن معاوية بن عمار قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز و جل : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ؟ قال : كل ظلم إلحاد وضرب الخادم في غير ذنب من ذلك الإلحاد . عن أبي الصباح الكناني قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ؟ فقال : كل ظلم يظلمه الرجل نفسه بمكة من سرقة أو ظلم أحد أو شئ من الظلم فإني أراه إلحاداً . ولذلك كان يتقي أن يسكن الحرم . من عبد فيه غير الله عز وجل أو تولى فيه غير أولياء الله فهو ملحد بظلم وعلى الله تبارك وتعالى أن يذيقه من عذاب أليم ) . ( الكافي : 8 / 337 ) . قيل للإمام الصادق عليه السلام : ( إن سبعاً من سباع الطير على الكعبة ليس يمر به شئ من حمام الحرم إلا ضربه فقال : أنصبوا له واقتلوه فإنه قد ألحد ) . ( الكافي : 4 / 227 ) .
4 - الإلحاد في آيات الله : قال تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٌ . إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِى آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . ( فُصِّلَتْ : 39 - 40 ) .
5 - الفرق بين الكفر والإلحاد : أن الكفر اسم يقع على ضروب من الذنوب فمنها الشرك بالله ومنها الجحد للنبوة ، ومنها استحلال ما حرم الله وهو راجع إلى جحد النبوة . . . وأصله : التغطية .
الفرق بين الكفر والشرك : أن الكفر خصال كثيرة . . والشرك خصلة واحدة وهو إيجاد إلهية مع الله أو دون الله . . . وأصله كفر النعمة ونقيضه الشكر ونقيض الكفر بالله الإيمان ) . ( والدهَري بالفتح : الملحد . قال ثعلب : هما جميعاً منسوبان إلى الدهر وهم ربما غيروا في النِّسب ، كما قالوا سهلي بالضم للمنسوب إلى الأرض السهلة ) . ( الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري / 454 ) .
6 - أنواع الكفر في آيات القرآن : في الكافي : 2 / 389 ، عن أبي عمرو الزبيري أنه قال للإمام الصادق عليه السلام : ( أخبرني عن وجوه الكفر في كتاب الله عز وجل ؟ قال : الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه ، فمنها كفر الجحود والجحود على وجهين ، والكفر بترك ما أمر الله ، وكفر البراءة ، وكفر النعم . فأما كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية وهو قول من يقول : لا رب ولا جنة ولا نار وهو قول صنفين من الزنادقة يقال لهم الدهرية وهم الذين يقولون : وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ ! وهو دينٌ وضعوه لأنفسهم بالاستحسان على غير تثبت منهم ولا تحقيق لشئ مما يقولون ، قال الله عز وجل : إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ . ( الجاثية : 24 ) أن ذلك كما يقولون ، وقال : إِنَّ الَّذِينَ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( البقرة : 6 ) يعني بتوحيد الله تعالى . فهذا أحد وجوه الكفر .
وأما الوجه الآخر من الجحود : فهو الجحود على معرفة ، وهو أن يجحد الجاحد وهو يعلم أنه حق قد استقر عنده ، وقد قال الله عز وجل : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ! وقال الله عز وجل : وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ . ( البقرة : 89 ) فهذا تفسير وجهي الجحود .
والوجه الثالث من الكفر : كفر النعم وذلك قوله تعالى يحكي قول سليمان عليه السلام : هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ . ( النمل : 40 ) وقال : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ . ( إبراهيم : 7 ) وقال : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ . ( البقرة : 152 ) .
والوجه الرابع من الكفر : ترك ما أمر الله عز وجل به وهو قول الله عز وجل : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ . ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ . فكفَّرهم بترك ما أمر الله عز وجل به ، ونسبهم إلى الإيمان ولم يقبله منهم ولم ينفعهم عنده ، فقال : فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . ( البقرة : 84 - 85 )
والوجه الخامس من الكفر : كفر البراءة وذلك قوله عز وجل يحكي قول إبراهيم عليه السلام : كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَه . يعني تبرأنا منكم . وقال يذكر إبليس وتبرئته من أوليائه من الإنس يوم القيامة : إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ . ( إبراهيم : 22 )
وقال : إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً . ( العنكبوت : 25 ) يعني يتبرأ بعضكم من بعض ) . انتهى .
7 - المسلم والمؤمن والموالي : تفسير القمي : 1 / 30 ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( الإيمان في كتاب الله على أربعة أوجه . . . الأول ، الإيمان الذي هو إقرار باللسان وقد سماه الله تبارك وتعالى إيماناً ونادى أهله به بقوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً . وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً . وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً . ( النساء : 71 - 73 ) . قال عليه السلام : لو أن هذه الكلمة قالها أهل المشرق وأهل المغرب لكانوا بها خارجين من الإيمان ولكن قد سماهم الله مؤمنين بإقرارهم . وقوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ( النساء : 136 ) فقد سماهم الله مؤمنين بإقرارهم ثم قال لهم صدقوا .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الثاني : الإيمان الذي هو التصديق بالقلب لقوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ . لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ . ( يونس : 63 - 64 ) يعني صدقوا . وقوله : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً ، أي لا نصدقك . وقوله : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ . فمن أقام بهذه الشروط فهو مؤمن مصدق .
الثالث : الإيمان الذي هو الأداء ، فهو قوله لما حوَّل الله قبلة رسوله إلى الكعبة قال أصحاب رسول الله : يا رسول الله صلواتنا إلى بيت المقدس بطلت ! فأنزل الله تبارك وتعالى : وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ، فسمى الصلاة إيماناً .
الرابع من الإيمان ، هو التأييد الذي جعله الله في قلوب المؤمنين من روح الإيمان فقال : لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ . ومن الإيمان ما قد ذكره الله في القرآن خبيث وطيب حيث قال : مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ . ومنهم من يكون مؤمناً مصدقاً ولكنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يلبس إيمانه بظلم وهو قوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ . فمن كان مؤمناً ثم دخل في المعاصي التي نهى الله عنها فقد لبس إيمانه بظلم ) .
8 - العادل والفاسق والمذنب والتائب : ( والبينة تقوم بالشهود إذا كانوا عدولاً . والعدل من كان معروفاً بالدين والورع عن محارم الله عز وجل . ولا تقبل شهادة الفاسق ، ولا ذي الضغن والحسد ، والعدو في الدنيا والخصم فيها ، ولا تقبل شهادة المتهم ولا الظنين ) . ( المقنعة / 725 )
( روى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال : ما من عبد إلا وفى قلبه نقطة بيضاء فإن أذنب ذنباً خرج في النكتة نكتة سوداء ، فإن تاب ذهب ذلك السواد وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض ، فإذا غطي البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً ، وهو قول الله عز وجل : كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ . وقال الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ، فأخبر أن جلاء القلب يحصل بالذكر وأن المتقين هم المتذكرون . فالتقوى باب الذكر والذكر باب الكشف ، والكشف باب الفوز الأكبر ) . ( رسائل الشهيد الثاني / 105 ) .
9 - درجات الإيمان : ( سئل الإمام زين العابدين عليه السلام عن الزهد فقال : ( عشرة أشياء ، فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع ، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين ، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا . ألا وإن الزهد في آية من كتاب الله عز وجل : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) . ( الكافي : 2 / 128 ) .
10 - تأكيد أهل البيت عليهم السلام على الورع ، أي ضبط النفس والتنزه عن محارم الله تعالى وما لا يليق بالمؤمن : ( عن الإمام الباقر : إن أشد العبادة الورع ) . ( الكافي : 2 / 77 ) . وسأل رجل الإمام الصادق عليه السلام : ما الذي يُثَبِّتُ الايمان في العبد ؟ قال : الورع ، والذي يخرجه منه ؟ قال : الطمع ) ( الكافي : 2 / 320 ) .
وكانت صفة الصدق والورع والسمو عن المحرمات والقبائح معروفة في شيعة أهل البيت عليهم السلام حتى اضطروا إلى الرواية عنهم ! قال الذهبي الناصبي في ميزان الإعتدال : ( فهذا ( التشيع ) كثر في التابعين وتابعيهم ، مع الدين والورع والصدق ، فلو رُد حديث هؤلاء ( الشيعة ) لذهبت جملة من الآثار النبوية وهذا مفسدة بينة ) . ميزان الإعتدال : 1 / 5 ، وسير أعلام النبلاء : 1 / 59 ،
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثاني : توحيد الله تعالى وصفاته

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

من أدلة توحيد الله عز وجل

الدليل الأول : أن وحدة المخلوقات تدل على وحدة الخالق عز وجل فكل شئ في الكون مصنوع بدقة وإتقان ، بقوانين موحدة من الذرة إلى المجرة ، وهذا يعني أنه من خلق إله واحد أحد ، عليم قدير حكيم ، عز وجل . ( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ) . ( الزخرف : 84 ) .
الدليل الثاني : أنه لو كان لله شريك لأظهر آياته ، قال أمير المؤمنين لولده الحسن عليه السلام : ( واعلم يا بني أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ، ولعرفت أفعاله وصفاته ولكنه إله واحد كما وصف نفسه ) .
الدليل الثالث : لو كان للكون إلهان لكان بينهما فاصلة ، فيكونان ثلاثة . . وهكذا . . ! وقد سئل الصادق عليه السلام : لم لا يجوز أن يكون صانع العالم أكثر من واحد ؟ فقال عليه السلام : ثم يلزمك إن ادعيت اثنين فرجة ما بينهما حتى يكونا اثنين ، فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما معهما ، فيلزمك ثلاثة ، وإن ادعيت ثلاثة لزمك ما قلنا في الاثنين ، حتى تكون بينهم فرجة فيكونوا خمسة ثم يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة ) إلى آخر الأدلة العديدة على توحيده سبحانه .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

استغلال الوهابية لأقسام التوحيد

قسم العلماء التوحيد إلى أقسام أو مراتب ، منها : توحيد الذات ، وأنه عز وجل وجودٌ غير مركب ، فالأحدية عين ذاته ، وكل ما سواه قابل للقسمة . كما بينه أمير الموحدين عليه السلام عندما قام إليه أعرابي يوم الجمل فقال : يا أمير المؤمنين أتقول : إن الله واحد ؟ قال : فحمل الناس عليه قالوا : يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب ؟ ! فقال أمير المؤمنين عليه السلام دعوه فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم ، ثم قال : يا أعرابي إن القول في أن الله واحد على أربعة أقسام ، فوجهان منها لا يجوزان على الله عز وجل ، ووجهان يثبتان فيه : فأما اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل : واحد يقصد به باب الأعداد فهذا ما لا يجوز ، لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد ، أما ترى أنه كفر من قال إنه ثالث ثلاثة . وقول القائل : هو واحد من الناس ، يريد به النوع من الجنس ، فهذا ما لا يجوز عليه لأنه تشبيه ، وجل ربنا عن ذلك وتعالى . وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل : هو واحد ليس له في الأشياء شبه ، كذلك ربنا . وقول القائل : إنه عز وجل أحدي المعنى ، يعني به أنه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وَهْم ، كذلك ربنا عز وجل ) ( توحيد الصدوق / 83 ) .
وتوحيد الذات والصفات : وأن صفاته الذاتية كالحياة والعلم والقدرة عين ذاته عز وجل ، لأن تعدد الذات والصفة يستلزم التركيب والتجزئة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والمركب من الأجزاء محتاج إلى الأجزاء وإلى من يركبها ، ولأن زيادة الصفات على الذات يعني أن الذات في مرتبة الذات فاقدة لصفات الكمال ، ومتضمنة لإمكان وجودها ، وهذا يجر إلى إمكان الوجود لا وجوبه . . الخ . ولذا قال أمير المؤمنين عليه السلام : ( أول عبادة الله معرفته ، وأصل معرفة الله توحيده ، ونظام توحيد الله نفي الصفات عنه ، لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق ، وشهادة كل مخلوق أن له خالقا ليس بصفة ولا موصوف ) . ( التوحيد للصدوق / 34 ) .
ومنها توحيد الألوهية ، وتوحيد الربوبية ، والتوحيد في الخالقية والتوحيد في المُلك ، والتوحيد في العبادة . . الخ .
وقد استغل ذلك ابن تيمية فأراد أن يحكم بكفر بعض المسلمين ، بحجة أنهم موحدون في الربوبية ومشركون في توحيد العبادة والألوهية ! ورد عليه الحافظ حسن السقاف في رسالته : ( التنديد بمن عدَّدَ التوحيد ) . قال في / 13 و 34 : ( ولم ينقل ذلك التفريق عن واحد منهم فضلاً عن نقله من الكتاب أو السنة ، حتى ابتدع وتكلم بذلك بعض أهل القرن الثامن الهجري ، ولا عبرة بذلك قطعاً ، فما هذا الهذيان بهذا التقسيم الذي يفتريه أولئك المبتدعة الخراصون فيرمون المسلمين بأنهم قائلون بتوحيد الربوبية دون توحيد العبادة أي الألوهية وأنه لا يكفي المسلمين توحيد الربوبية في إخراجهم من الكفر وإدخالهم في الإسلام . . . قال في كتابه منهاج السنة : 2 / 62 ، بعد أن دمج وخلط بعض أئمة الإسلام كالسهروردي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأبي حامد الرازي والآمدي وغيرهم بمن يخالفهم في آرائهم من الفلاسفة كأرسطو طاليس والفارابي وابن سينا ما نصه : ( دخلوا في بعض الباطل المبدع ، وأخرجوا من التوحيد ما هو منه كتوحيد الإلهية وإثبات حقائق أسماء الله ولم يعرفوا من التوحيد إلا توحيد الربوبية وهو الإقرار بأن الله خالق كل شئ وهذا التوحيد كان يقر به المشركون الذين قال الله عنهم : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) .
وهذه مغالطة منه وتلبيس ، وهو كلام غلط كما بينا وهل يعقل عاقل أو يقول إنسان بأن فرعون الذي كان من جملة المشركين كان يوحد ربوبية ولا يوحد ألوهية ؟ ! وهو الذي يقول : ما علمت لكم من إله غيري ! كما أنه هو القائل : أنا ربكم الأعلى ! ولو كان يقر بالربوبية لما قال : أنا ربكم الأعلى ، بل لقال : أنا إلهكم الأعلى . ولو تذكر ابن تيمية قول الله تعالى في سورة الأعراف : قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون وقول سيدنا يوسف عليه السلام : أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ، وقول سيدنا إبراهيم عليه السلام : أإفكاً آلهة دون الله تريدون . . . لاستحى أن يفوه بذلك ! ولذلك كان من الواضح عند أولي الألباب أن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية شئ واحد ولا فرق بينهما وهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر في الوجود وفي الإعتقاد ) .
* *
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الأسماء الحسنى والصفات

قال الله تعالى : اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى . ( طَهَ : 8 ) . وقال : وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . ( الأعراف : 180 ) . وقال : قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى . ( الإسراء : 110 ) والأسماء الحسنى في الآيات تشمل كل صفة حسنة فيصح أن يوصف بها الله تعالى ، بشرط أن لا يكون فيها تجسيمٌ أو تشبيه .
والمشهور من أسمائه الحسنى سبحانه تسع وتسعون ، رواها الصدوق في التوحيد / 219 ، عن النبي صلى الله عليه وآله قال : ( إن لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً ، إنه وتر يحب الوتر ، من أحصاها دخل الجنة فبلغنا أن غير واحد من أهل العلم قال : إن أولها يفتتح بلا إله إلا الله الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شي قدير ، لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى ، الله ، الواحد ، الصمد ، الأول ، الآخر ، الظاهر ، الباطن ، الخالق ، البارئ ، المصور ، الملك ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، الرحمن ، الرحيم ، اللطيف ، الخبير ، السميع ، البصير ، العلي ، العظيم ، البارئ ، المتعالي ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الجليل ، الجميل ، الحي ، القيوم ، القادر ، القاهر ، الحكيم ، القريب ، المجيب ، الغني ، الوهاب ، الودود ، الشكور ، الماجد ، الأحد ، الولي ، الرشيد ، الغفور ، الكريم ، الحليم ، التواب ، الرب المجيد ، الحميد ، الوفي ، الشهيد ، المبين ، البرهان ، الرؤوف ، المبدئ ، المعيد ، الباعث ، الوارث ، القوي ، الشديد ، الضار ، النافع ، الوافي ، الحافظ ، الرافع ، القابض ، الباسط ، المعز ، المذل الرازق ، ذو القوة ، المتين ، القائم ، الوكيل ، العادل ، الجامع ، المعطي ، المجتبي ، المحيي ، المميت ، الكافي ، الهادي ، الأبد ، الصادق ، النور ، القديم ، الحق ، الفرد ، الوتر ، الواسع ، المحصي ، المقتدر ، المقدم ، المؤخر ، المنتقم ، البديع ) . انتهى .
أقول : يبدو أن هذه الأسماء المقدسة تعبير عن أنواع فاعليات الله تعالى في الوجود ، وأن نظام الأسماء الحسنى عميق في وجود الكون وحياته ، وأن آيات القرآن المرصعة التي تُختم بالأسماء الحسنى تدل على أوجه من هذا الارتباط ، فعندما يقول مثلاً : تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ . ( الجاثية : 2 ) .
ومن هذا الأفق يمكن أن تفهم معنى أن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام هم الأسماء الحسنى أو مظاهرها ، ففي الكافي : 1 / 143 ، عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى : وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ، قال : نحن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا ) .

الإلحاد في أسماء الله تعالى وصفاته

قال الله تعالى : وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . ( الأعراف : 180 ) .
وقال الإمام زين العابدين عليه السلام : ( اللهم صل على محمد وآله ، وجنبنا الإلحاد في توحيدك ، والتقصير في تمجيدك ، والشك في دينك ، والعمى عن سبيلك ) . الصحيفة السجادية / 217 ) .
وفي توحيد الصدوق / 321 ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( وله الأسماء الحسنى التي لا يسمى بها غيره وهي التي وصفها في الكتاب فقال : فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ، جهلاً بغير علم ، فالذي يلحد في أسمائه بغير علم يشرك وهو لا يعلم ويكفر به وهو يظن أنه يحسن ، فلذلك قال : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) . ( يوسف : 106 ) فهم الذين يلحدون في أسمائه بغير علم فيضعونها غير مواضعها . يا حَنَان ، إن الله تبارك وتعالى أمر أن يُتَّخَذَ قومٌ أولياء فهم الذين أعطاهم الله الفضل وخصهم بما لم يخص به غيرهم ، فأرسل محمداً صلى الله عليه وآله فكان الدليل على الله بإذن الله عز وجل حتى مضى دليلاً هادياً ، فقام من بعده وصيه عليه السلام دليلاً هادياً على ما كان هو دل عليه من أمر ربه من ظاهر علمه ، ثم الأئمة الراشدون عليهم السلام ) . انتهى .
وبذلك يتضح أن معنى الإلحاد في أسمائه عز وجل ، الميل بها عن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
معانيها الصحيحة ، وتفسيرها بمعان خاطئة توجب الشرك والكفر من حيث لا يعلم الإنسان ! ومعناه أن علم التوحيد والصفات علم دقيق لا بد أن تتلقاه الأمة من المعصومين عليهم السلام وإلا وقعت في الضلال في معرفة ربها وألحدت في أسمائه ، وعبدت غيره جهلاً ! وهذا ما حدث عندما رفضت عترة نبيها صلى الله عليه وآله واتبعت كعب الأحبار وإسرائيلياته في التشبيه والتجسيم !

أنواع الضلال من الإلحاد في الأسماء الحسنى

إن كل الضلال في مذاهب العقيدة ، وكل المشاكل الفكرية والعقدية التي وقعت فيها الأمة ، نتجت من عدم التوازن بين ( الحمد لله ، وسبحان الله ) أي من الميل والإلحاد في أسمائه وصفاته عز وجل ، وعدم حفظ التوازن بين التسبيح والتحميد . فالتسبيح يعني تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوقين ، والتحميد يعني إثبات أنواع فاعلياته في الكون .
والذي حدث أن الجهمية ركزوا على ( التنزيه ) حتى نفوا أن يكون الله تعالى شيئاً لئلا يقعوا في التشبيه ، فوقعوا في التعطيل !
والمشبهة ركزوا على ( الإثبات ) هرباً من التعطيل فوقعوا في تشبيه الله تعالى بمخلوقاته وجسموه !
فالإغراق في النفي أو الإثبات هو المشكلة ، وحفظ التوازن بين التنزيه والتحميد هو التوحيد الذي جاء به الإسلام وبينه النبي صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام فقالوا إن الله عز وجل شئ لا كالأشياء ، ووجود لا يخضع لقوانين الزمان والمكان ، لأنه خالقهما !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في توحيد الصدوق / 107 ، عن الصادق عن آبائه عليهم السلام : ( مرَّ النبي صلى الله عليه وآله على رجل وهو رافع بصره إلى السماء يدعو ، فقال له رسول الله : غُضَّ بصرك فإنك لن تراه . ومرَّ النبي صلى الله عليه وآله على رجل رافع يديه إلى السماء وهو يدعو ، فقال رسول الله : أقصر من يديك فإنك لن تناله ) .
وفي الكافي : 1 / 93 ، عن الصادق عليه السلام قال : ( إن يهودياً يقال له سبحت جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : يا رسول الله جئت أسألك عن ربك ، فإن أنت أجبتني عما أسألك عنه وإلا رجعت ؟ قال : سل عما شئت . قال : أين ربك ؟ قال : هو في كل مكان ، وليس في شئ من المكان المحدود . قال : وكيف هو ؟ قال : وكيف أصف ربي بالكيف والكيف مخلوق والله لا يوصف بخلقه . قال : فمن أين يعلم أنك نبي الله ؟ قال : فما بقي حوله حجر ولا غير ذلك ، إلا تكلم بلسان عربي مبين : يا سبحت إنه رسول الله ! فقال سبحت : ما رأيت كاليوم أمراً أبين من هذا ! ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ) .

مسألة الرؤية أصل كل الخلاف في الصفات

معنى مسألة الرؤية : هل يمكن أن نرى الله تعالى بأعيننا في الدنيا أو الآخرة ؟ وقد نفى ذلك نفياً مطلقاً أهل البيت عليهم السلام ، وكذا عائشة وجمهور الصحابة ، وبه قال الفلاسفة والمعتزلة وغيرهم ، مستدلين بقوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) . ( الشورى : 11 ) قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قَالَ لَنْ تَرَانِي . ( لأعراف : 143 ) لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . ( الأنعام : 103 ) . ومستدلين بحكم العقل بأن الذي يمكن رؤيته بالعين إنما هو الوجود المادي المحدود في المكان والزمان .
بينما قال الحنابلة وأتباع المذهب الأشعري من الحنفية والمالكية والشافعية : إن الله تعالى يرى بالعين في الدنيا أو في الآخرة ، واستدلوا بآيات يبدو منها ذلك بالنظرة الأولى كقوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ . ( القيامة : 22 - 23 ) . وبروايات رووها عن رؤية الله تعالى . ثم أولوا الآيات والأحاديث النافية لإمكان الرؤية بالعين .

ظهر ادعاء الرؤية بالعين في زمن عمر

لم يظهر شئ من أحاديث الرؤية بالعين في زمن النبي صلى الله عليه وآله ولا في زمن أبي بكر ، بل كانت عقيدة المسلمين أن الله تعالى ليس من نوع المادة التي تُرى بالعين وتُحس بالحواس ، لأنه سبحانه وجود أعلى من الأشياء المادية فلا تناله الأبصار ، بل ولا تدركه الأوهام وإنما يدرك بالعقل ويُرى بالبصيرة ، ورؤيتها أرقى وأعمق من رؤية البصر .
ثم ظهرت أفكار الرؤية والتشبيه وشاعت في عهد عمر وبعده فنهض أهل البيت عليهم السلام وبعض الصحابة لردها وتكذيبها .
وقالت عائشة إنها فوجئت كغيرها بهذه المقولات المناقضة لعقائد الإسلام ، فأعلنت أنها أحاديث مكذوبة وفِرْيَةٌ عظيمة على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله ، يجب على المسلمين ردها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
روى بخاري في صحيحه : 6 / 50 : ( عن مسروق قال : قلت لعائشة : يا أُمَّتَاه هل رأى محمد ( ص ) ربه ؟ فقالت : لقد قَفَّ شعري مما قلت ! أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب : من حدثك أن محمداً ( ص ) رأى ربه فقد كذب ، ثم قرأت : لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ، ومن حدثك أنه يعلم ما في غدٍ فقد كذب ، ثم قرأت : وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ، ومن حدثك أنه كتم فقد كذب ثم قرأت : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك الآية ، ولكنه رأى جبرئيل في صورته مرتين ) . وروى بخاري : 8 / 166 : ( عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت : من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب وهو يقول : لا تدركه الأبصار ) . ونحوه في : 2 / 83 و : 3 / 0 و : 4 / 83 . وفي مسلم : 1 / 110 : ( من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ) . ويشمل نفي عائشة الرؤية في الآخرة أيضاً كما أشار إليه الطبري ، ولذلك اضطر الذهبي إلى ارتكاب التأويل في حديث عائشة ، وآيات نفي الرؤية ، مع أنه كحشوية الحنابلة يحرم التأويل في أحاديث إثبات الرؤية وصفات الله تعالى ويعتبره ضلالاً وإلحاداً !
وروى المجلسي في بحار الأنوار : 36 / 194 : ( عن ابن عباس أنه حضر مجلس عمر بن الخطاب يوماً وعنده كعب الحبر . إذ قال عمر يا كعب أحافظٌ أنت للتوراة ؟ قال كعب : إني لأحفظ منها كثيراً . فقال رجل من جنبة المجلس : يا أمير المؤمنين سله أين كان الله جل ثناؤه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قبل أن يخلق عرشه ، ومِمَّ خلق الماء الذي جعل عليه عرشه ؟ فقال عمر : يا كعب هل عندك من هذا علم ؟ فقال كعب : نعم يا أمير المؤمنين ، نجد في الأصل الحكيم أن الله تبارك وتعالى كان قديماً قبل خلق العرش وكان على صخرة بيت المقدس في الهواء ، فلما أراد أن يخلق عرشه تفل تفلة كانت منها البحار الغامرة واللجج الدائرة ، فهناك خلق عرشه من بعض الصخرة التي كانت تحته ، وآخر ما بقي منها لمسجد قدسه ! قال ابن عباس : وكان علي بن أبي طالب عليه السلام حاضراً فَعَظَّمَ عَلِيٌّ ربه ، وقام على قدميه ونفض ثيابه ! فأقسم عليه عمر لمَاَ عاد إلى مجلسه ، ففعله . قال عمر : غص عليها يا غواص ، ما تقول يا أبا الحسن ، فما علمتك إلا مفرجاً للغم .
فالتفت علي عليه السلام إلى كعب فقال : غلط أصحابك وحرفوا كتب الله وفتحوا الفرية عليه ! يا كعب ويحك ! إن الصخرة التي زعمت لا تحوي جلاله ولا تسع عظمته ، والهواء الذي ذكرت لا يحوز أقطاره ولو كانت الصخرة والهواء قديمين معه لكان لهما قدمته ، وعزّ الله وجل أن يقال له مكانٌ يُومَى إليه ، والله ليس كما يقول الملحدون ولا كما يظن الجاهلون ، ولكن كان ولا مكان ، بحيث لا تبلغه الأذهان ، وقولي ( كان ) عجزٌ عن كونه ، وهو مما عَلَّمَ من البيان يقول الله عز وجل ( خَلَقَ الإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ) فقولي له ( كان )
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما علمني من البيان لأنطق بحججه وعظمته ، وكان ولم يزل ربنا مقتدراً على ما يشاء محيطاً بكل الأشياء ، ثم كَوَّنَ ما أراد بلا فكرة حادثة له أصاب ، ولا شبهة دخلت عليه فيما أراد ، وإنه عز وجل خلق نوراً ابتدعه من غير شئ ، ثم خلق منه ظلمة ، وكان قديراً أن يخلق الظلمة لا من شئ كما خلق النور من غير شئ ، ثم خلق من الظلمة نوراً وخلق من النور ياقوتة غلظها كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين ، ثم زجر الياقوتة فماعت لهيبته فصارت ماءً مرتعداً ولا يزال مرتعداً إلى يوم القيامة ، ثم خلق عرشه من نوره وجعله على الماء ، وللعرش عشرة آلاف لسان يسبح الله كل لسان منها بعشرة آلاف لغة ليس فيها لغة تشبه الأخرى ، وكان العرش على الماء من دونه حجب الضباب ، وذلك قوله : وكان عرشه على الماء ليبلوكم . يا كعب ويحك ، إن من كانت البحار تفلته على قولك ، كان أعظم من أن تحويه صخرة بيت المقدس أو يحويه الهواء الذي أشرت إليه أنه حل فيه ! فضحك عمر بن الخطاب وقال : هذا هو الأمر ، وهكذا يكون العلم لا كعلمك يا كعب . لا عشت إلى زمان لا أرى فيه أبا حسن ) .
وفي نهج البلاغة : 2 / 99 : ( سأله ذعلب اليماني فقال : هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : أفأعبد ما لا أرى ! فقال : وكيف تراه ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فقال : لا تراه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان ، قريبٌ من الأشياء غير ملامس ، بعيدٌ منها غير مباين ، متكلمٌ لا بروية ، مريدٌ لا بهمَّة ، صانعٌ لا بجارحة ، لطيفٌ لا يوصف بالخفاء ، كبيرٌ لا يوصف بالجفاء ، بصيرٌ لا يوصف بالحاسة ، رحيمٌ لا يوصف بالرقة . تعنو الوجوه لعظمته ، وتجب القلوب من مخافته ) . انتهى . فالقول برؤية الله بالعين جاء من تأثر المسلمين باليهود والنصارى والمجوس ، وقد وقف أهل البيت عليهم السلام وجمهور الصحابة ضده ونفوا نسبته إلى الإسلام ، لأنه يستلزم التجسيم .
ومن الأدلة البسيطة على ذلك أن ما تراه العين لا بد أن يكون موجوداً داخل المكان والزمان ، والله تعالى وجود متعال على الزمان والمكان ، لأنه خلقهما وبدأ شريطهما من الصفر والعدم ، فلا يصح أن نفترضه محدوداً بهما خاضعاً لقوانينهما ! لقد تعودت أذهاننا أن تعمل داخل الزمان والمكان حتى ليصعب عليها أن تتصور موجوداً خارج قوانينهما ، وحتى أننا نتصور خارج الفضاء والكون بأنه فضاء ! وهذه هي طبيعة الإنسان قبل أن يكبر ويطلع ، وقد ورد أن النملة تتصور أن لربها قرنين كقرنيها ! لكن عقل الإنسان يدرك أن الوجود لا يجب أن يكون محصوراً بالمكان والزمان ، ويرتقي في إدراكه ما هو أعلى من الزمان والمكان ويؤمن به وإن عرف أنه غير قابل للرؤية بالعين .
وهذا الارتقاء الذهني هو المطلوب منا في فهم وجود الله تعالى ، لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن نجره إلى محيط وجودنا ومألوف أذهاننا ، كما فعل اليهود عندما شبهوه بخلقه وادعوا تجسده في عزير وغيره ! وكما فعل النصارى فشبهوه بخلقه وادعوا تجسده بالمسيح وغيره !
وقد تبعهم حشوية الحنابلة وأشرسهم أتباع ابن تيمية في عصرنا فادعوا أنهم وحدهم الموحدون أصحاب العقيدة الصحيحة ، وأهل السنة والجماعة ! وأن بقية المسلمين الذين يخالفون رأيهم أهل البدع والضلالة ، وأكثرهم كفار مشركون !
لكنك عندما تنظر إلى عقيدتهم يأخذك العجب لبعدها عن التوحيد الذي جاء به الإسلام ! فهم يشبهون الله تعالى بخلقه ويجسمون ذاته المقدسة ! ويجعلونه على صورة البشر وطوله ستون ذراعاً ، ويزعمون أنه موجود في مكان خاص من الكون ، وينزل إلى الأرض ، ويفرح ويضحك ويغضب ! الخ . فمعبودهم جسمٌ من نوع الطبيعة المخلوقة ، خاضع لقوانين الزمان والمكان اللذين خلقهما ! وإذا قلت لهم : إن الله تعالى منزه عن أن يحويه مكان أو زمان لأنه قبلهما ، وهو في نفس الوقت في كل مكان وزمان مهيمنٌ عليهما وعلى كل الموجودات ، لا يقبلون ذلك ويتهمونك بأنك ( جَهَمي ) تنفي صفات الله تعالى ووجوده !

الوهابية هم نفس حَشْوية الحنابلة

قال الدميري في حياة الحيوان : 2 / 71 : ( نفت عائشة دلالة سورة النجم على رؤية النبي ( ص ) لربه وجواز الرؤية مطلقاً . . . وهو سبحانه أجل وأعظم من
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أن يوصف بالجهات أو يحد بالصفات أو تحصيه الأوقات ، أو تحويه الأماكن والأقطار . ولما كان جل وعلا كذلك استحال أن توصف ذاته بأنها مختصة بجهة أو منتقلة من مكان إلى مكان أو حَالَّةً في مكان . روي أن موسى عليه السلام لما كلمه الله تعالى سمع الكلام من سائر الجهات . . . وإذا ثبت هذا لم يجز أن يوصف تعالى بأنه يحل موضعاً أو ينزل مكاناً ولا يوصف كلامه بحرف ولا صوت خلافاً للحنابلة الحشوية ) .

تجاهل الوهابية مذهب الصحابة النافين للرؤية

قال الألباني في فتاويه / 143 : ( إن عقيدة رؤية الله لم ترد في السنة فقط حتى تشككوا فيها ، إن هذه العقيدة أيضاً قد جاءت في القرآن الكريم المتواتر روايته عن رسول الله . . . إن قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ . هي وجوه المؤمنين قطعاً إلى ربها ناظرة . المعتزلة والشيعة جاءوا بفلسفة ففسروا وجوه إلى ربها ناظرة ، أي إلى نعيم ربها ناظرة . . . وهذه الفلسفة معولٌ هدَّامٌ للسنة الصحيحة ) . انتهى .
ج
فهل فات الألباني وأمثاله ، أنه لا يجوز الأخذ ببعض القرآن دون بعض بل يجب رد المتشابه إلى المحكم ، والمحكم هنا : الآيات التي تنفي نفياً قاطعاً صريحاً إمكانية رؤيته تعالى ، كقوله تعالى : لا تدركه الأبصار ، وقوله : ليس كمثله شئ . . الخ .
وهل فاتهم أن آية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ، التي يدعون أنها تعني النظر إلى ذات الله تعالى في الجنة تتحدث عن المحشر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قبل دخول الجنة بدليل قوله تعالى : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ . تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ( القيامة : 24 - 25 ) فوجوه المؤمنين مستشرفة إلى ربها تنتظر رحمته وعطاءه ، ووجوه الكفار مكفهرة خائفة من عقابه ، فليس في الآيات ما يدل على النظر بالعين إلى الله تعالى في الجنة ولا قبلها !
ثم انظر إلى تهويلهم حيث جعلوا عدم الأخذ بأحاديث الرؤية هدماً للسنة ! وقد هدموا أحاديث عائشة وهي عندهم في أعلى درجات الصحة !

هاجموا أمهم عائشة وأساؤوا معها الأدب

قال ابن خزيمة في كتاب التوحيد / 225 : ( هذه لفظة أحسب عائشة تكلمت بها في وقت غضب ، ولو كانت لفظة أحسن منها يكون فيها درك لبغيتها كان أجمل بها ، ليس يحسن في اللفظ أن يقول قائل أو قائلة : قد أعظم ابن عباس الفرية وأبو ذر وأنس بن مالك وجماعات من الناس الفرية على ربهم ! ولكن قد يتكلم المرء عند الغضب باللفظة التي يكون غيرها أحسن وأجمل منها . أكثر ما في هذا أن عائشة رضي الله عنها وأبا ذر وابن عباس وأنس بن مالك قد اختلفوا هل رأى النبي ( ص ) ربه فقالت عائشة : لم ير النبي ( ص ) ربه وقال أبو ذر وابن عباس قد رأى النبي ربه ( ؟ ! ) فتفهموا يا ذوي الحجا هذه النكتة تعلموا أن ابن عباس وأبا ذر وأنس بن مالك ومن وافقهم لم يعظموا الفرية على الله ، لا ولا خالفوا حرفاً من كتاب الله في هذه المسألة . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نقول كما قال معمر بن راشد لما ذكر اختلاف عائشة وابن عباس في هذه المسألة : ما عائشة عندنا أعلم من ابن عباس نقول : عائشة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله عالمة فقيهة ، كذلك ابن عباس رضي الله عنهما ابن عم النبي ( ص ) قد دعا النبي ( ص ) له أن يرزق الحكمة والعلم وهذا المعنى من الدعاء ، وهو المسمى ترجمان القرآن ، وقد كان الفاروق يسأله عن بعض معاني القرآن فيقبل منه وإن خالفه غيره ممن هو أكبر سناًّ منه وأقدم صحبة للنبي ( ص ) وإذا اختلفا فمحال أن يقال قد أعظم ابن عباس الفرية على الله ، لأنه قد أثبت شيئاً نفته عائشة . . . فكيف يجوز أن يقال أعظم الفرية على الله من أثبت شيئاً لم يبينه كتاب ولا سنة ، فتفهموا هذا لا تغالطوا . . . ) إلخ .
هذا كلام ابن خزيمة أستاذ أصحاب الصحاح وإمام الأئمة ، وقد أطال الكلام وعمل المستحيل ليثبت خطأ عائشة في نفي رؤية النبي صلى الله عليه وآله لربه بعينه ! وبلغ من حملته على عائشة أن محقق كتابه الشيخ محمد خليل هراس المدرس بكلية أصول الدين بالأزهر لم يتحمل منه ذلك ، وكتب في رده تعليقات نذكر منها ما يلي :
- إن عذر عائشة أنها كانت تستعظم ذلك وتستنكره ولهذا قالت لمسروق ( لقد قفَّ شعري مما قلت ) ! وليس من حق المؤلف أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يعلم أمه الأدب فهي أدرى بما تقول منه ! إن عائشة لم تعين في كلامها أحداً ولكن قالت : من زعم بصيغة العموم .
- لم يثبت عن ابن عباس أنه قال رآه بعينه ، ولكن قال بقلبه وبفؤاده . كيف وجمهور الصحابة معها في إنكار الرؤية بالعين كابن مسعود وغيره . . . عجباً لإمام الأئمة كيف خانه علمه فتوهم أن المنفي هو إدراك الأبصار له إذا اجتمعت ، فإذا انفرد واحد منها أمكن أن يراه ! فهل إذا قال قائل : لا آكل الرمان ، يكون معنى هذا أنه لا يأكل الحبات منه ولكن يأكل الحبة ! يرحم الله ابن خزيمة فلقد كبا ! ولكل جواد كبوة .
ونضيف إلى ما ذكره الهرَّاس : أنا لم نجد حديثاً في مصادرهم عن الرؤية بالعين إلا سؤال أبي ذر وعائشة للنبي صلى الله عليه وآله وقد أجاب بنفيها ! فقولهم رأى ربه بعينه من اجتهادهم ! والتعارض في الحقيقة بين حديث أبي ذر وعائشة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نفى الرؤية وبين اجتهادهم مقابل النص النافي لرؤية العين !
كما أن روايتهم عن ابن عباس متعارضة ومضطربة ، فلا بد لهم من القول بسقوطها والرجوع إلى الأصل الذي هو عدم ثبوت ذلك عنه ، وقد نقل ابن خزيمة نفسه قبل هجومه على عائشة أحاديث عن ابن عباس ينفي فيها الرؤية بالعين ! قال في ص 200 : ( وقد اختلف عن ابن عباس في تأويله قوله : ولقد رآه نزلة أخرى ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فروى بعضهم عنه أنه رآه بفؤاده ، حدثنا القاسم بن محمد بن عباد المهلبي قال ثنا عبد الله بن داود الخريبي عن الأعمش عن زياد بن حصين عن أبي العالية ، عن ابن عباس في قوله : ولقد رآه نزلة أخرى ، قال : رآه بفؤاده . حدثنا عمي إسماعيل ، قال ثنا عبد الرزاق قال أخبرنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله : ما كذب الفؤاد ما رأى ، قال رآه بقلبه ) . انتهى .
ومن العجيب أن ابن خزيمة تغاضى في أول كلامه عن حديث عائشة الصريح عن النبي صلى الله عليه وآله وأصر على اعتباره قولاً واجتهاداً من عندها ! ثم عاد واعترف بأنه حديث لكنه فرض أن قول ابن عباس حديث مقابل حديث عائشة ، وحكم بأن رواية ابن عباس متأخرة عن رواية عائشة ! فمن أين حكم أن قول ابن عباس رواية ، ومن أين عرف أنها متأخرة ، ثم لو سلمنا أنها متأخرة فرواية عائشة نفي مطلق يُكذِب روايات الإثبات ، ورواية ابن عباس إثبات جزئي فكيف تقدم عليها ؟ !
ثم انظر إلى زعم ابن خزيمة أن الروايات المتعارضة تعارض نفي وإثبات ، تقدم فيها رواية إثبات الشئ على رواية نفيه ؟ ! فهل يلتزم بأن الرواية التي تثبت أن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النبي صلى الله عليه وآله أوصى بالخلافة لعلي عليه السلام مقدمة على رواية نفي الوصية ، التي بنوا عليها دينهم ؟ !
وقد أنصف الشيخ محمد عبده رحمه الله في تفسير المنار : 9 / 148 ، عندما قال : ( فعلم مما تقدم أن ما روي عن ابن عباس من الإثبات هو الذي يصح فيه ما قيل خطاً في نفي عائشة إنه استنباط منه ، لم يكن عنده حديث مرفوع فيه ، وإنه على ما صح عنه من تقييده الرؤية القلبية معارض مرجوح بما صح من تفسير النبي ( ص ) لآيتي سورة النجم وهو أنهما في رؤيته ( ص ) لجبريل بصورته التي خلقه الله عليها . على أن رواية عكرمة عنه لا يبعد أن تكون مما سمعه من كعب الأحبار الذي قال فيه معاوية ( الراوي ) إن كنا لنبلو عليه الكذب كما في صحيح البخاري . ورواية ابن إسحاق لا يعتد بها في هذا المقام فإنه مدلس وهو ثقة في المغازي لا في الحديث . فالإثبات المطلق عنه مرجوح روايةً كما هو مرجوح درايةً ) . انتهى .
أقول : حتى لو كان كلام عائشة اجتهاداً منها فهو اجتهاد مع دليله كما قال الشيخ محمد عبده في المنار : 9 / 139 : ( فعائشة وهي من أفصح قريش تستدل بنفي الإدراك على نفي الرؤية مع ما علم من الفرق بينهما ، وتستدل على نفيها أيضاً بقوله تعالى : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ، وقد حملوا هذا وذاك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
على نفي الرؤية في هذه الحياة الدنيا ، ولكن إدراك الأبصار للرب سبحانه محال في الآخرة كالدنيا ) . انتهى .
وقد بين الإمام الرضا عليه السلام ما رآه النبي صلى الله عليه وآله في معراجه فقال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لما أسري بي إلى السماء بلغ بي جبرئيل مكاناً لم يطأه جبرئيل قط فكشف لي فأراني الله عز وجل من نور عظمته ما أحب ) . ( بحار الأنوار : 4 / 38 ) .

من الرؤية بالعين إلى عبادة الشاب الأمرد !

واصل تلاميذ كعب الأحبار في زمن عمر وبعده ، نشر أفكار التجسيم وكذبوا على النبي صلى الله عليه وآله في حديث أنه رأى ربه على صورة شاب أمرد ! وأن الله خلق آدم على صورته ، وأن لله يداً حقيقية وساقاً ، يضعها في جهنم فتمتلئ ! وكان من أبرز من نشرها من سموه ( الإمام ) أبو الزناد وهو موظف حكومي ليس من العلماء ولا رواة الحديث .
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء : 8 / 103 : ( قال ابن القاسم : سألت مالكاً عمن حدث بالحديث الذي قالوا : إن الله خلق آدم على صورته ، والحديث الذي جاء : إن الله يكشف عن ساقه وأنه يدخل يده في جهنم حتى يخرج من أراد ، فأنكر مالك ذلك إنكاراً شديداً ونهى أن يحدث بها أحد ! فقيل له إن ناساً من أهل العلم يتحدثون به فقال : من هو ؟ قيل ابن عجلان عن أبي الزناد ، قال : لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء ولم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يكن عالماً وذكر أبا الزناد فقال : لم يزل عاملاً لهؤلاء حتى مات ) . انتهى .
ومعنى كلامه أن الراوي الأصلي لهذا الحديث أبو الزناد وهو متهم ، لأنه كان عاملاً عند بني أمية فهو موظف عندهم ينشر أحاديث التجسيم لكعب الأحبار وغيره من اليهود التي تبنت السلطة نشرها ! وهو نص يكفي الباحث ليعرف أن الدولة الأموية قد تبنت تجسيم اليهود من القرن الأول ودسته في أحاديث النبي صلى الله عليه وآله ووظفت رواة ينشرونه في المسلمين !
وما زال الوهابيون مصرين على ثقافة كعب الأحبار كما ترى في فتاوي ابن باز : 4 / 368 / فتوى رقم 2331 ، قال : ( خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً . . . وهو حديث صحيح ، ولا غرابة في متنه فإن له معنيان : الأول : أن الله لم يخلق آدم صغيراً قصيراً كالأطفال من ذريته ثم نما وطال حتى بلغ ستين ذراعاً ، بل جعله يوم خلقه طويلاً على صورة نفسه النهائية طوله ستون ذراعاً . والثاني : أن الضمير في قوله ( على صورته ) يعود على الله بدليل ما جاء في رواية أخرى صحيحة ( على صورة الرحمن ) . انتهى .
وقد كنا نقول لعلماء الوهابية كيف تدعون أنكم ترفعون لواء التوحيد وأنتم مشبهة مجسمة تعبدون شاباً أمرد ! فتثور ثائرتهم ، حتى ناقشهم الحافظ حسن السقاف في قناة المستقلة ، وأفحمهم بأن إمامهم ابن تيمية صحح حديث الشاب الأمرد وبنى عليه عقيدته وأعلن عبادته ! وفيما يلي خلاصة موضوع نشره أحد الإخوة في شبكة هجر ، وثق فيه هذه عبادتهم لصنم أمرد : ( صورة من / 241 ، المجلد الثالث من كتاب ( التأسيس
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في الرد على أساس التقديس ) مخطوط لابن تيمية ، وقد حصلنا عليها من مقدمة السيد ( حسن السقاف ) وفقه الله لكتاب ( القول الأسدّ ) للسيد عبد العزيز الغماري رحمه الله / 6 ، وهذا كامل الصفحة : قال ابن تيمية : ( من رواية ابن أبي داود أنه سُئل ابن عباس : هل رأى محمد ربّه ؟ قال : نعم . قال : وكيف رآه ؟ ! قال : في صورة شاب دونه ستر من لؤلؤ ، كان قدماه في خضرة . فقلت لابن عباس : أليس في قوله تعالى : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ؟ قال : لا أمّ لك ! ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلّى بنوره لا يدركه شئ . وهذا يدل على أنه رآه وأخبر أنه رآه في صورة شاب دونه ستر وقدماه في خضرة ، وأن هذه الرؤية هي المعارضة بالآية والمُجاب عنها بما تقدّم ، فيقتضي أنها رؤية عين ! كما في الحديث الصحيح المرفوع عن قتادة ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله ( ص ) : رأيتُ ربي في صورة أمرد ، له وفرة ، جعد ، قطط في روضة خضراء ) ! انتهى . وهذا المخطوط نقل منه أحد السلفيين ممن لا يتهم على ابن تيمية وهو منصور بن عبد العزيز السماري المدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، في تحقيقه وتعليقه على كتاب ( نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد ) كما في هذا الرابط :
http : / / www . hajr . us / forum / showpost . ph . . . 66 & postcount = 5
وفيه ما يلي : الكتاب : نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد للإمام عثمان بن سعيد الدارمي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المتوفى سنة ( 280 ) حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه منصور بن عبد العزيز السماري مكتبة أضواء السلفلصاحبها علي الحربي الطبعة الأولى 1419 ه‍ - 1999 م في صفحة 438 : المتن : ( وروى المعارض عن شاذان عن حماد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ( ص ) قال : دخلت على ربي في جنة عدن شاب جعد في ثوبين أخضرين ! قال السماري في الصفحات / 438 - 447 : ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض تأسيس الجهمية ( 3 / ل 216 / ب - ل 217 / ب ) عن الخلال عن المروذي أنه قال عقب روايته للحديث السابق : قلت لأبي عبد الله : فشاذان كيف هو ؟ قال : ثقة وجعل يثبته وقال : في هذا يشنع علينا ! قلت : أفليس العلماء تلقته بالقبول ؟ قال : بلى . وقال ابن تيمية أيضاً في ( 3 / ل 241 أ ) : كما في الحديث الصحيح المرفوع عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله ( ص ) : رأيت ربي في صورة أمرد ، له وفرة ، جعد ، قطط ، في روضة خضراء . وقال ابن كثير في تفسيره : 6 / 448 : إسناده على شرط الصحيح :
http : / / www . alnilin . com / vb / showthread . . . 8 & page = 5 & pp = 20
المخطوطة في جامعة الرياض / عمادة شؤون المكتبات رقمها : ( 2590 ) والموجودة في المسجد النبوي مصورة عنها وموثقة من قبل المكتبة المذكورة برقم تصوير : 551 / أ ه‍ بتاريخ 20 / 3 / 1399 ) .
http : / / yahosein . sytes . net / vb / showthread . php ? t = 15104
أقول : معنى شاب أمرد : غلام لم تنبت لحيته . وله وَفْرة : أي شعر طويل إلى شحمة الأذن ، ( الوفرة : الشعر إلى شحمة الأذن ، ثم الجُمَّة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم اللُّمة ، وهي التي ألمَّت بالمنكبين ) . ( صحاح الجوهري : 2 / 847 ، ( كتاب العين : 8 / 280 ، وغريب الحديث للحربي : 1 / 321 ) .
والمضحك في شكل معبودهم الغلام : أنه له وفرة ويصل شعره إلى شحمة أذنه ، وفي نفس الوقت جَعْدٌ قَطَط ! وفي لسان العرب : 7 / 380 : ( القطط : شعر الزنجي . يقال : رجل قطط وشعر قطط وامرأة قطط . . . وجعدٌ قططٌ ، أي شديد الجعودة ) . وفي صحاح الجوهري : 3 / 1154 : ( جعد قطط أي شديدة الجعودة ) . وفي مقاييس اللغة : 5 / 13 : ( الشعر القطط وهو الذي ينزوي خلاف السبط كأنه قط قطاً ) . وفي نهاية ابن الأثير : 4 / 81 : ( في حديث الملاعنة : إن جاءت به جعداً قططاً فهو لفلان . القطط : الشديد الجعودة ) .
فإذا كانت له وفرةٌ وشعر طويل ، فلا يكون شعره مجعداً قَطَطاَ قصيراً كشعر الزنجي . وإن كان جعداً قططاً فلا يكون له وفرة !
فلا بد أن يكون قصدهم أن هذا الغلام الصنم في شعره معجزة ، فهو مُجَعَّد خشن قصير ، ومع ذلك يصل إلى شحمة أذنيه ! لكن معناه أن شعره كمكانس البلدية المتخذة من شوك صحراوي !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

الفصل الثالث : المعرفة والعرفان والتصوف

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

معرفة الله تعالى أكبر قيمة في الحياة

القضية الأكبر في الإسلام ، أو قضية الإسلام من أعظم زواياها : أن الله تعالى رب العالمين وخالق الأكوان والإنسان ، قد تجلى لرجل من أبناء إبراهيم من ذرية إسماعيل صلى الله عليه وآله وأرسل له سيد ملائكته عليه السلام وأنزل عليه رسالة ، فأظهر معجزاته ، لكن قبائل قريش اتحدوا ضده وكذبوه ، وآمن به بعض عشيرته الأقربين وبعض الناس ، وآمنت به مدينة يثرب فهاجر إليها ، وحاربته قريش فانتصر عليها وعلى العرب وكوَّن أمةً ومداً حضارياً في مدة قياسية .
هذه الحقيقة أثارت في نفوس الشعوب التي دخلت في الإسلام قضية الله تعالى وعبادته ، وولَّدت الاتجاه إلى طلب رضا الله تعالى والنجاة من عذابه والخلود في جنات النعيم ، فصارت القضية الأولى المعاشة للناس يومها ، وتعامل معها بجدية أصحاب النفوس الصافية من مثقفي تلك الشعب وعوامها . فانفتح باب الإجتهاد على مصراعيه في كيفية معرفة الله تعالى وعبادته ، ونشأ التصوف وصار موجة شعبية تعددت فيها الاجتهادات وتأثرت بثقافات الأديان والوثنيات !
وعقيدتنا نحن أتباع أهل البيت عليهم السلام أن الله تعالى لا يجوز في حكمته أن يترك الأمر للناس ليجتهدوا في معرفته وعبادته ، وأن القرآن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لا يكفي لذلك لأنه حَمَّال وجوه ، والسنة لا تكفي لأن رواتها مختلفون ومفسروها أكثر اختلافاً ، بل لا بد من تعيين أئمة معصومين بعد النبي صلى الله عليه وآله ليكونوا قدوات للناس ، يشرحون لهم معرفة الله تعالى في النظرية ، ويجسدونها التطبيق !
فلم يترك عز وجل أمر معرفته وعبادته مجملاً عائماً ، ولا أوكله إلى اجتهاد الناس وظنونهم ، بل أمر نبيه صلى الله عليه وآله فأخبر الأمة أن الله جعل لها قدوات بعده اثني عشر ربانياً من عترته عليهم السلام وأمرها باتِّباعهم .
لكن قريشاً سارعت إلى أخذ خلافة النبي صلى الله عليه وآله وعزلت عترته ، وحجبتهم عن الناس ، فلم تعرف الشعوب الجديدة أن إمامة العترة النبوية عليهم السلام جزءٌ لا يتجزأ من الإسلام ، وأن الله تعالى جعل معرفته وعبادته عن طريقهم حتى لا يختلف الناس ويقعوا في الضلال .
إن القليل من الناس من شعوب البلاد المفتوحة استطاع أن يعرف عقيدة الإمامة ، من بعض الصحابة الذين كانوا يبلغونها على تخوف ، لأنها تعني تخوين النظام واتهام قسم من الصحابة بغصب الخلافة !
وفي غياب خط أهل البيت عليهم السلام كثرت اجتهادات الناس في معرفة الله تعالى وعبادته ، خاصة من مثقفي البلاد الذين يعتبرون أنهم أكثر حضارة ومدنية من العرب ، وأنهم إن فهموا لغتهم فهم أقدر منهم على فهم نصوص الدين الذي نزل عليهم ، وفهم أغراضه وأهدافه !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ولذلك برز وُعَّاظٌ وعُبَّادٌ وقراءٌ ومُنَظِّرُون لمعرفة الله وعبادته كلهم من الشعوب غير العربية ، وكان مستواهم الذهني متفوقاً على غيرهم فاتبعهم العرب أتباع الخلافة ، وجعلوهم مشايخ طرق صوفية !

التصوف وحبُّ أهل البيت عليهم السلام

كان من الطبيعي أن يبحث شيوخ التصوف عن شخصيات عارفة لله عابدة ليتخذوها قدوة وأن يجدوا أهل البيت عليهم السلام في طليعتها .
ولذلك تجد أكثر أصحاب الطرق الصوفية نسبوا طرقهم إلى أويس القرني رحمه الله ثم إلى أمير المؤمنين وأبنائه المعصومين عليهم السلام ، وزعموا أنهم أخذوا منهم أفكارهم في معرفة الله تعالى وعبادته !
ولهذا دخل التشيع بمعنى حب أهل البيت عليهم السلام إلى ثقافة الصوفية عموماً ، ودخلت مدائح علي عليه السلام في أناشيدهم وأذكارهم وأورادهم .
وساعد على ذلك أن كبار شيوخهم رأوا كرامات ومعجزات مدهشة لأهل البيت عليهم السلام ، كما روى ثابت البناني قال : ( كنت حاجاً وجماعة عباد البصرة مثل أيوب السجستاني وصالح المري وعتبة الغلام وحبيب الفارسي ومالك بن دينار ، فلما أن دخلنا مكة رأينا الماء ضيقاً ، وقد اشتد بالناس العطش لقلة الغيث ، ففزع إلينا أهل مكة والحجاج يسألوننا أن نستسقي لهم ، فأتينا الكعبة وطفنا بها ثم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سألنا الله خاضعين متضرعين بها ، فمُنعنا الإجابة .
فبينما نحن كذلك إذْ نحن بفتى قد أقبل وقد أكربته أحزانه وأقلقته أشجانه ، فطاف بالكعبة أشواطاً ثم أقبل علينا فقال : يا مالك بن دينار ويا ثابت البناني ويا صالح المري ويا عتبة الغلام ويا حبيب الفارسي ويا سعد ويا عمر ويا صالح الأعمى ويا رابعة ويا سعدانة ويا جعفر بن سليمان ، فقلنا : لبيك وسعديك يا فتى . فقال : أما فيكم أحد يُحبه الرحمن ؟ فقلنا : يا فتى علينا الدعاء وعليه الإجابة ، فقال : أبعدوا عن الكعبة ، فلو كان فيكم أحد يحبه الرحمن لأجابه !
ثم أتى الكعبة فخر ساجداً ، فسمعته يقول في سجوده : سيدي بحبك لي إلا سقيتهم الغيث ! قال : فما استتم الكلام حتى أتاهم الغيث كأفواه القرب ! فقلت : يا فتى من أين علمت أنه يحبك ؟ قال : لو لم يحبني لم يستزرني ، فلما استزارني علمت أنه يحبني ، فسألته بحبه لي فأجابني . ثم ولى عنا وأنشأ يقول :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] من عرف الرب فلم تُغْنِهِ * معرفةُ الرب فذاك الشقِي
ما ضر ذو الطاعة ما ناله * في طاعة الله وماذا لقِي
ما يصنع العبدُ بغير التقى * والعز كل العز للمتقِي
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] فقلت يا أهل مكة من هذا الفتى ؟ قالوا : علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ) . ( الإحتجاج : 2 / 48 ، والصحيفة السجادية : 2 / 108 ، ومستدرك الوسائل : 6 / 209 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي مناقب آل أبي طالب : 3 / 419 : ( قال شقيق البلخي : وجدت رجلاً عند فِيد ( في طريق الحج ) يملأ الإناء من الرمل ويشربه ! فتعجبت من ذلك واستسقيته فسقاني ، فوجدته سويقاً وسكراً . . القصة . . ) .
ورواها ابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول / 448 : ( قال هشام بن حاتم الأصم ، قال لي أبو حاتم ، قال لي شقيق البلخي : خرجت حاجاً في سنة تسع وأربعين ومائة ، فنزلت القادسية فبينا أنا أنظر إلى الناس في زينتهم وكثرتهم ، فنظرت إلى فتى حسن الوجه شديد السمرة ضعيف فوق ثيابه ثوب من صوف ، مشتمل بشملة في رجليه نعلان وقد جلس منفرداً فقلت في نفسي : هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كلاً على الناس في طريقهم ، والله لأمضين إليه ولأوبخنه ! فدنوت منه فلما رآني مقبلاً قال : اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ، ثم تركني ومضى ! فقلت في نفسي : إن هذا الأمر عظيم قد تكلم بما في نفسي ونطق باسمي وما هذا إلا عبدٌ صالح لألحقنه ولأسألنه أن يحالَّني فأسرعت في أثره فلم ألحقه وغاب عن عيني . فلما نزلنا واقصة إذْ به يصلي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجري فقلت : هذا صاحبي أمضي إليه واستحله ، فصبرت حتى جلس وأقبلت نحوه ، فلما رآني مقبلاً قال لي : يا شقيق أتل : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى . ثم تركني ومضى فقلت :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إن هذا الفتى لمن الأبدال ! لقد تكلم على سري مرتين . فلما نزلنا زُبَالة إذا بالفتى قائمٌ على البئر وبيده رَكْوَةٌ يريد أن يستقي ماء فسقطت الركوة من يده في البئر ، وأنا أنظر إليه فرأيته قد رمق السماء وسمعته يقول :
أنت ربي إذا ظمئتُ إلى الماء وقُوَّتي إذا أردتُ الطعاما
اللهم سيدي مالي سواها فلا تحرمنيها ، قال شقيق : فوالله لقد رأيت البئر وقد ارتفع ماؤها فمد يده فأخذ الركوة وملأها ماء فتوضأ وصلى أربع ركعات ، ثم مال إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحركه ويشرب . فأقبلت إليه وسلمت عليه فرد عليَّ السلام فقلت : أطعمني من فضل ما أنعم الله به عليك . فقال : يا شقيق لم تزل نعمه علينا ظاهرة وباطنة ، فأحسن ظنك بربك . ثم ناولني الركوة فشربت منها فإذا هو سويق وسكر ! فوالله ما شربت قط ألذَّ منه ولا أطيب ريحاً ، فشبعت ورويت وأقمت أياماً لا أشتهي طعاماً ولا شراباً ، ثم لم أره حتى دخلنا مكة فرأيته ليلة إلى جنب قُبَّة الشراب في نصف الليل قائماً يصلي بخضوع وأنين وبكاء ، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل ، فلما رأى الفجر جلس في مصلاه يسبح ثم قام فصلى الغداة ، وطاف بالبيت أسبوعاً وخرج ، فتبعته وإذا له غاشية وموالٍ ، وهو على خلاف ما رأيته في الطريق ، ودار به
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الناس من حوله يسلمون عليه ! فقلت لبعض من يقرب منه : من هذا الفتى ؟ فقال : هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . فقلت : قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلا لمثل هذا السيد ! ولقد نظم بعض المتقدمين واقعة شقيق معه في أبيات طويلة ، اقتصرت على ذكر بعضها فقال :
- - - - - - - - - - [ ابتداى شعر ] سلْ شقيقَ البلخيّ عنه وما شا * هد منه وما الذي كان أبصرْ
قال لما حججت عاينتُ شخصاً * شاحب اللون ناحلَ الجسم أسمرْ
سائراً وحده وليس له زادٌ * فما زلت دائماً أتفكر
وتوهمتُ أنه يسأل الناس * ولم أدر أنه الحجُّ الأكبر
ثم عاينتهُ ونحنُ نزولٌ * دون فيدٍ على الكثيب الأحمر
يضع الرمل في الإناء ويشربْهُ * فناديته وعقلي محير
إسقني شربةً فناولني منه * فعاينته سَويقاً وسُكر
فسألت الحجيج من يكُ هذا * قيلَ هذا الإمامُ موسى بن جعفر
- - - - - - - - - - [ انتهاى شعر ] فهذه الكرامات العالية الأقدار الخارقة العوائد هي على التحقق جلية المناقب وزينة المزايا وغرر الصفات ، ولا يؤتاها إلا من فاضت عليه العناية الربانية أنوار التأييد ، ومرت له أخلاف التوفيق ، وأزلفته من مقام التقديس والتطهير وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

أهل البيت عليهم السلام دعوا إلى معرفة الله تعالى

قال أمير المؤمنين عليه السلام : ( أولُ الدين معرفته ، وكمالُ معرفته التصديق به ، وكمالُ التصديق به توحيدُه ، وكمالُ توحيده الإخلاصُ له ، وكمالُ الإخلاص له نفيُ الصفات عنه ، لشهادة كلِّ صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة ) . ( نهج البلاغة : 1 / 14 ) .
الكافي : 8 / 247 : ( عن جميل بن دراج ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : لو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله عز وجل ما مدوا أعينهم إلى ما متع الله به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها ، وكانت دنياهم أقلَّ عندهم مما يطوونه بأرجلهم ، ولنَعِمُوا بمعرفة الله عز وجل وتلذذوا بها تلذذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله .
إن معرفة الله عز وجل أنْسٌ من كل وحشة ، وصاحبٌ من كل وحدة ، ونورٌ من كل ظلمة ، وقوةُ من كل ضعف ، وشفاءٌ من كل سقم . ثم قال عليه السلام : وقد كان قبلكم قوم يُقتلون ويحرقون وينشرون بالمناشير وتضيق عليهم الأرض برحبها ، فما يردهم عما هم عليه شئ مما هم فيه ، من غير تِرَةٍ وُتروا من فعل ذلك بهم ولا أذى ، بل ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ، فاسألوا ربكم درجاتهم ، واصبروا على نوائب دهركم ، تدركوا سعيهم ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفي علل الشرائع : 1 / 9 : ( عن سلمة بن عطاء عن أبي عبد الله عليه السلام قال : خرج الحسين بن علي « عليه السلام » على أصحابه فقال : أيها الناس إن الله جل ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه فإذا عرفوه عبدوه ، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه ) .
وفي علل الشرائع : 1 / 13 : ( عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ، قال : خلقهم ليأمرهم بالعبادة ، قال : وسألته عن قول الله عز وجل : وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ؟ قال : ليفعلوا ما يستوجبون به رحمته فيرحمهم ) . ( أي خلقهم ليتكاملوا بعطائه حسب جهدهم ) .

شكوى الشيخ الأنصاري قدس سره من مُدَّعي العرفان

بحث علماؤنا رضوان الله عليهم الحد الأدنى الواجب على المسلم من المعرفة ، واتفقوا على أنه قليل مُيَسَّر ، وأنه يكفي للمسلم معرفة الله تعالى بقدر معنى سورة التوحيد ، وكذلك معرفة النبي والأئمة صلوات الله عليهم ، وبقية العقائد التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله من العدل والمعاد والآخرة والجنة والنار . ففي الكافي : 1 / 91 : ( عن عبد العزيز بن المهتدي قال : سألت الرضا عليه السلام عن التوحيد فقال : كل من قرأ قل هو الله أحد ، وآمن بها ، فقد عرف التوحيد ، قلت : كيف يقرؤها ؟ قال : كما يقرؤها الناس ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فالصعوبة إذن ليست في المعرفة النظرية ، بل في العمل والتطبيق !
وقد ناقش شيخ الطائفة الأنصاري قدس سره ما ذكره العلامة الحلي قدس سره ويفهم منه أنه يجب على المسلم أكثر من ذلك ، وبثَّ الشيخ الأنصاري بمناسبته شكواه من مدعي العرفان والعلم ، الذين يغُشُّون الناس باسم معرفة الله تعالى ومعرفة النبي وآله صلى الله عليه وآله ، وهم جهلاء لا يعرفون الفاعل والمفعول ولا البديهي من الكسبي !
قال قدس سره في الرسائل : 1 / 275 : ( وقد ذكر العلامة في الباب الحادي عشر فيما يجب معرفته على كل مكلف ، من تفاصيل التوحيد والنبوة والإمامة والمعاد ، أموراً لا دليل على وجوبها كذلك ، مدعياً أن الجاهل بها عن نظر واستدلال خارج عن ربقة الإيمان مستحق للعذاب الدائم ، وهو في غاية الإشكال . نعم يمكن أن يقال : إن مقتضى عموم وجوب المعرفة مثل قوله تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ، أي ليعرفون . وقوله صلى الله عليه وآله : وما أعلم بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس ، بناء على أن الأفضلية من الواجب ، خصوصاً مثل الصلاة ، تستلزم الوجوب . وكذا عمومات وجوب التفقه في الدين الشامل للمعارف بقرينة استشهاد الإمام عليه السلام بها لوجوب النفر لمعرفة الإمام بعد موت الإمام السابق عليه السلام وعمومات طلب العلم ، هو وجوب معرفة الله جل ذكره ومعرفة النبي صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام ومعرفة ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله على كل قادر يتمكن من تحصيل العلم ، فيجب الفحص حتى يحصل اليأس ، فإن حصل العلم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بشئ من هذه التفاصيل اعتقد وتدين به ، وإلا توقف ولم يتدين بالظن لو حصل له .
ومن هنا قد يقال : إن الاشتغال بالعلم المتكفل لمعرفة الله ومعرفة أوليائه صلوات الله عليهم أهم من الاشتغال بعلم المسائل العلمية ، بل هو المتعين ، لأن العمل يصح عن تقليد ، فلا يكون الاشتغال بعلمه إلا كفائياً بخلاف المعرفة .
هذا ، ولكن الإنصاف ممن جانب الاعتساف يقتضي الإذعان بعدم التمكن من ذلك إلا للأوحدي من الناس ، لأن المعرفة المذكورة لا تحصل إلا بعد تحصيل قوة استنباط المطالب من الأخبار وقوة نظرية أخرى ، لئلا يأخذ بالأخبار المخالفة للبراهين العقلية ، ومثل هذا الشخص مجتهد في الفروع قطعاً فيحرم عليه التقليد .
ودعوى جوازه له للضرورة ليس بأولى من دعوى جواز ترك الاشتغال بالمعرفة التي لا تحصل غالباً بالأعمال المبتنية على التقليد .
هذا إذا لم يتعين عليه الإفتاء والمرافعة لأجل قلة المجتهدين . وأما في مثل زماننا فالأمر واضح . فلا تغتر حينئذ بمن قصر استعداده أو همته عن تحصيل مقدمات استنباط المطالب الاعتقادية الأصولية والعلمية عن الأدلة العقلية والنقلية ، فيتركها مبغضاً لها لأن الناس أعداء ما جهلوا ، ويشتغل بمعرفة صفات الرب جل ذكره وأوصاف حججه صلوات الله عليهم ، بنظرٍ في الأخبار لا يعرف به من ألفاظها الفاعل من المفعول ، فضلاً عن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
معرفة الخاص من العام . وبنظرٍ في المطالب العقلية لا يعرف به البديهيات منها ، ويشتغل في خلال ذلك بالتشنيع على حملة الشريعة العملية واستهزائهم بقصور الفهم وسوء النية ، فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ .
هذا كله حال وجوب المعرفة مستقلاً ، وأما اعتبار ذلك في الإسلام أو الإيمان فلا دليل عليه ، بل يدل على خلافه الأخبار الكثيرة المفسرة لمعنى الإسلام والإيمان . ففي رواية محمد بن سالم عن أبي جعفر عليه السلام المروية في الكافي : إن الله عز وجل بعث محمداً صلى الله عليه وآله وهو بمكة عشر سنين ، ولم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، إلا أدخله الله الجنة بإقراره وهو إيمان التصديق ، فإن الظاهر أن حقيقة الإيمان التي يخرج الإنسان بها عن حد الكفر الموجب للخلود في النار لم تتغير بعد انتشار الشريعة . نعم ظهر في الشريعة أمور صارت ضرورية الثبوت من النبي صلى الله عليه وآله فيعتبر في الإسلام عدم إنكارها . لكن هذا لا يوجب التغيير ، فإن المقصود أنه لم يعتبر في الإيمان أزيد من التوحيد والتصديق بالنبي صلى الله عليه وآله وبكونه رسولاً صادقاً فيما يبلغ . وليس المراد معرفة تفاصيل ذلك ، وإلا لم يكن من آمن بمكة من أهل الجنة أو كان حقيقة الإيمان بعد انتشار الشريعة غيرها في صدر الإسلام . وفي رواية سليم بن قيس عن أمير المؤمنين عليه السلام : إن أدنى ما يكون به العبد مؤمناً أن يعرفه الله تبارك وتعالى إياه فيقر له بالطاعة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ويعرفه نبيه فيقر له بالطاعة ويعرفه إمامه وحجته في أرضه وشاهده على خلقه فيقر له بالطاعة . فقلت له : يا أمير المؤمنين وإن جهل جميع الأشياء إلا ما وصفت قال : نعم . وهي صريحة في المدعى ) . انتهى .
أقول : وبهذه الشكوى البليغة من مرجع الطائفة الكبير الشيخ الأنصاري قدس سره ننبه شبابنا وبناتنا إلى خطأ تصورهم وخطأ من يُصور لهم أنه يجب عليهم معرفة الله تعالى بأكثر مما يفتي به مراجع تقليدهم ! وخطأ تصورهم أن ذلك لا بد أن يكون بواسطة أستاذ يوجههم ويربيهم تربية الشيخ لمريديه ، والآمر لمأموريه !
وفي عصرنا زادت أبواب الضلال بخروج أشخاص يَدَّعُون الارتباط بالإمام المهدي أرواحنا فداه ، وبعضهم يدعي أنه أمره أن يكون سفيره أو ينصب نفسه مرجع تقليد وقائد ثورة ! وبعضهم ادعى أنه ابنه ووصيه وسفيره إلى العالمين . . الخ . وقد وجدوا لهم بعض الأتباع بسبب موجة التدين القوية في الأمة ، وجهل الناس بدينهم !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

العرفان حق لكن صاحبنا ليس هو المطلوب

حدثني يوماً أستاذي في النجف عن العرفان والعارفين ، وأن بعضهم أهل كرامات ومكاشفة ، وسمى لي منهم أشخاصاً بعضهم من أهل العلم وبعضهم من الكسبة ، وأخبرني أنه يحضر أسبوعياً عند أحدهم ، وأني أستطيع الحضور ، فشكرته .
وفي الموعد في بيت أحدهم حضر الأستاذ فرأيت أستاذي والحاضرين احترموه وهابوه ، وتأدبوا بين يديه وأصغوا بكلهم إليه .
كان درسه أو حديثه في شرح آية الكرسي ، وقد اعتمد على التصوير والتذكير أكثر من المطلب العلمي ، فاستفدنا وتأثرنا والحمد لله . وتضمن درسه التالي وما بعده توجيهات مفيدة ، كقوله : كل مشكلات الإنسان من الوهم والخيال ، والوهم هو الخوف غير الشرعي ، والخيال هو الأمل غير الشرعي . وقوله : أنظر أمامك في الصلاة عند محل سجودك ، وأرْخِ عينيك ولا تحدق ، مع ما استفدناه منه رحمه الله من أفكار عن مراقبة النفس ومجاهدتها إن طمحت إلى الحرام أو المكروه ، وإجبارها إن استعصت على فعل الخير وقيام الليل . . . الخ . وكانت فترة نافعة بما فيها تكاليف الأستاذ في مراقبة النفس ، وكان أنفعها برامج العبادة اليومية ، والاعتكاف في مسجد الكوفة ثلاثة أيام ، وزيارة الإمام الحسين عليه السلام سيراً على الأقدام .
ومضت الأيام لأكتشف في هذا الأستاذ ما لا أحب ، رأيته يأكل دائماً
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بنَهَمٍ ، ويتخير أنواع الأطعمة ، ويتحدث عنها بلهفة وإسهاب ، ورأيته يأكل المال أكلاً لمّا ، وبعض ما يأخذه برأيي حرام ، ثم رأيته لا يتحمل إشكالاً حتى لو كان علمياً ، وأشكل شخص عليه فكرهه كرهاً غليظاً ، ولم يغفر له ( ذنبه ) بل لم يكن يترك فرصة إلا وانتقده وطعن عليه ، بما فيه وما ليس فيه ! وآخر ما وصلت إليه من التأمل في حالة هذا الأستاذ : أن طريق العرفان ومراقبة النفس حق ، لكن صاحبنا ليس هو المطلوب !
غير أنك ستعتبر صاحبنا قديساً بالنسبة إلى بعض من يدعي العرفان ! عندما تجد فيهم قاتل النفس المحترمة بالمعنى الحقيقي للقتل ! وتجد فيهم الكذاب المزيف ، وصاحب الدكان ، وناصب الفخ لصيد بسطاء العوام !
فالعرفان عند هؤلاء البؤساء ليس أكثر من تعلم لقلقة اللسان ، فهو طريقٌ لتحقيق الذات ، ونيل الشهرة ، وكسب السحت من المال !
وهؤلاء ليسوا أبناء اليوم ، فهم ظاهرة قديمة من مطلع الإسلام ، وقبل الإسلام في المسيحية واليهودية ! ولو ألَّفْتَ فيهم كتاباً لملأته بطرائف قصصهم وغرائبها ، لكنه يضر أكثر مما ينفع ، لأن بعض قرائه سيفرط في الحكم ويكفر بكل العرفان والعارفين ، مع أن فيهم أخياراً أبراراً أهل حق وصدق ، وفيهم أولياء الله ، لو أقسم أحدهم على الله لأبرَّ قسمه !
وأبلغ ما قرأت في تحليل شخصياتهم ما علمنا إياه الإمام زين العابدين عليه السلام فقال : ( إذا رأيتم الرجل قد حَسَّنَ سَمْتَه وهَدْيَه ، وتَمَاوَتَ في منطقه ، وتَخَاضَعَ في حركاته ، فَرُوَيْداَ لا يَغُرَّنَّكم ، فما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام منها لضعف نيته ومهانته وجُبن قلبه ، فنصب الدين فخّاً لها ، فهو لا يزال يَخْتِلُ الناس بظاهره ، فإن تمكن من حرام اقتحمه .
وإذا وجدتموه يَعِفُّ عن المال الحرام ، فرويداً لا يغرنكم ، فإن شهوات الخلق مختلفة ، فما أكثر من يَنْبُو عن المال الحرام وإن كثر ، ويحمل نفسه على شَوْهاء قبيحة فيأتي منها مُحَرَّماً .
فإذا وجدتموه يَعِفُّ عن ذلك فرويداً لا يَغُرَّنَّكُم ، حتى تنظروا ما عَقَدَهُ عقله ، فما أكثر من ترك ذلك أجمع ، ثم لا يرجع إلى عقل متين ، فيكون ما يفسده بجهله أكثر مما يصلحه بعقله .
فإذا وجدتم عقله متيناً ، فرويداً لا يغركم ، حتى تنظروا أمع هواه يكون على عقله ، أو يكون مع عقله على هواه ، وكيف محبته للرئاسات الباطلة وزهده فيها ؟ فإنَّ في الناس من خسر الدنيا والآخرة بترك الدنيا للدنيا ! ويرى أن لذة الرئاسة الباطلة أفضل من لذة الأموال والنعم المباحة المحللة ، فيترك ذلك أجمع طلباً للرئاسة حتى إذا قيل له اتَّقِ الله أخذته العزَّةُ بالإثم ، فحسبه جهنم ولبئس المهاد ! فهو يخبط خبط عشواء ، يقوده أول باطل إلى أبعد غايات الخسارة ، ويمدُّه ربه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في طغيانه ! فهو يُحِلُّ ما حَرَّم الله ويُحَرِّم ما أحل الله ، لا يبالي بما فات من دينه إذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سلمت له رئاسته التي قد يتقي من أجلها ! فأولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم عذاباً مهيناً .
ولكن الرجل كلَّ الرجل نعمَ الرجل ، هو الذي جعل هواه تبعاً لأمر الله ، وقواه مبذولةً في رضا الله ، يرى الذلَّ مع الحق أقرب إلى عز الأبد من العز في الباطل ، ويعلم أن قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه إلى دوام النعيم في دار لا تَبيد ولا تَنْفَد ، وأن كثير ما يلحقه من سرائها إن اتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له ولا زوال . فذلكم الرجل نعم الرجل ، فبه فتمسكوا وبسنته فاقتدوا ، وإلى ربكم به فتوسلوا ، فإنه لا تُرَدُّ له دعوة ولا تَخِيبُ له طَلِبَة ) . ( الإحتجاج : 1 / 54 ) .
وفي الكافي : 1 / 49 ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( طلبة العلم ثلاثة فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم : صنفٌ يطلبه للجهل والمراء ، وصنف يطلبه للاستطالة والختل ، وصنف يطلبه للفقه والعقل . فصاحب الجهل والمراء مُوذٍ مُمَارٍ متعرضٌ للمقال في أندية الرجال ، بتذاكر العلم وصفة الحلم ، قد تسربل بالخشوع وتخلى من الورع ! فدق الله من هذا خيشومه وقطع منه حيزومه !
وصاحب الإستطالة والختل ذو خب وملق ، يستطيل على مثله من أشباهه ، ويتواضع للأغنياء من دونه ، فهو لحلوائهم هاضم ، ولدينه حاطم فأعمى الله على هذا خبره ، وقطع من آثار العلماء أثره !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وصاحب الفقه والعقل ، ذو كآبة وحزن وسهر ، قد تحنك في بُرْنُسه وقام الليل في حَندسه ، يعمل ويخشى ، وجلاً داعياً مشفقاً ، مقبلاً على شانه ، عارفاً بأهل زمانه ، مستوحشاً من أوثق إخوانه ، فشدَّ الله من هذا أركانه ، وأعطاه يوم القيامة أمانه ) .

خطر الدعوة إلى معرفة الله بمعرفة النفس

كان التصوف في الأمة وما زال تياراً قوياً وجذاباً ، وبسبب بُعده عن أهل البيت عليهم السلام كان الخطأ فيه أكثر من الصواب ، والكذابون أكثر من الصادقين ، ولقلقة اللسان أكثر من عقد الجنان .
أما دليله العلمي فأشهره منهج معرفة الله تعالى عن طريق معرفة النفس وقد نظَّرَ له المتأثرون بالفلسفة اليونانية وكتبوا فيه واستدلوا لها بآيات وأحاديث ، وهو الطريقة الأكثر رواجاً في قم والنجف وغيرهما .
ومن أعلامه السيد الطباطبائي صاحب تفسير الميزان رحمه الله وهذه فقرات من كلامه المطول في تفسيره : 6 / 169 : ( في الغرر والدرر للآمدي عن علي عليه السلام قال : من عرف نفسه عرف ربه . أقول ورواه الفريقان عن النبي صلى الله عليه وآله أيضاً وهو حديث مشهور ، وقد ذكر بعض العلماء أنه من تعليق المحال ومفاده استحالة معرفة النفس لاستحالة الإحاطة العلمية بالله سبحانه . ورُدَّ أولاً ، بقوله صلى الله عليه وآله في رواية أخرى : أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه . وثانياً ، بأن الحديث في معنى عكس النقيض لقوله تعالى : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ . وفيه عنه عليه السلام : قال الكيِّس من عرف نفسه وأخلص أعماله . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وفيه عنه عليه السلام قال : المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين . أقول : الظاهر أن المراد بالمعرفتين المعرفة بالآيات الأنفسية والمعرفة بالآيات الآفاقية ، قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الأفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَئٍ شَهِيدٌ . ( حم السجدة : 53 ) وقال تعالى : وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِى أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ . ( الذاريات : 21 ) . وكون السير الأنفسي أنفع من السير الآفاقي لعله لكون المعرفة النفسانية لا تنفك عادةً من إصلاح أوصافها وأعمالها بخلاف المعرفة الآفاقية . . . . وهذا موقف علمي يهدي الإنسان إلى تكاليف ووظائف بالنسبة إلى ربه وبالنسبة إلى أبناء نوعه في الحياة الدنيا والحياة الآخرة ، وهي التي نسميها بالدين . . .
فتلخص مما ذكرنا أن النظر في الآيات الأنفسية والآفاقية ومعرفة الله سبحانه ، بها يهتدي الإنسان إلى التمسك بالدين الحق والشريعة الإلهية . . . .
وفي الدرر والغرر عن علي عليه السلام قال : العارف من عرف نفسه فأعتقها ونزهها عن كل ما يبعدها . أقول : أي أعتقها عن إسارة الهوى وَرِقِّية الشهوات . وفيه ، عنه عليه السلام قال : أعظم الجهل جهل الإنسان أمر نفسه . . .
وأما سائر الفرق المذهبية ، من الهنود كالجوكية أصحاب الأنفاس والأوهام ، وكأصحاب الروحانيات ، وأصحاب الحكمة ، وغيرهم ، فلكل طائفة منهم رياضات شاقة عملية لا تخلو عن العزلة وتحريم اللذائذ الشهوانية على النفس . . . وأما البوذية فبناء مذهبهم على تهذيب النفس ومخالفة هواها وتحريم لذائذها عليها ، للحصول على حقيقة المعرفة . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأما الصابئون ، ونعني بهم أصحاب الروحانيات ، فهم وإن أنكروا أمر النبوة ، غير أن لهم في طريق الوصول إلى كمال المعرفة النفسانية طرقاً لا تختلف كثيراً عن طرق البراهمة والبوذيين . . .
وهؤلاء وإن اختلفوا فيما بين أنفسهم بعض الاختلاف في العقائد العامة الراجعة إلى الخلق والايجاد ، لكنهم متفقوا الرأي في وجوب ترويض النفس للحصول على كمال المعرفة وسعادة النشأة .
وأما المانوية من الثنوية ، فاستقرار مذهبهم على كون النفس من عالم النور العلوي وهبوطها إلى هذه الشبكات المادية المظلمة المسماة بالأبدان ، وأن سعادتها وكمالها التخلص من دار الظلمة إلى ساحة النور ، إما اختياراً بالترويض النفساني ، وإما اضطراراً بالموت الطبيعي المعروف .
وأما أهل الكتاب ونعني بهم اليهود والنصارى والمجوس ، فكتبهم المقدسة وهي العهد العتيق والعهد الجديد وأوستا ، مشحونة بالدعوة إلى إصلاح النفس وتهذيبها ومخالفة هواها . . . وأما الفرق المختلفة من أصحاب الإرتياضات والأعمال النفسية ، كأصحاب السحر والسيمياء ، وأصحاب الطلسمات وتسخير الأرواح والجن ، وروحانيات الحروف والكواكب وغيرها ، وأصحاب الإحضار وتسخير النفوس ، فلكل منهم ارتياضات نفسية خاصة تنتج نوعاً من السلطة على أمر النفس . . . .
وجملة الأمر على ما يتحصل من جميع ما مرَّ : أن الوجهة الأخيرة لجميع أرباب الأديان والمذاهب والأعمال هو تهذيب النفس بترك هواها ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والاشتغال بتطهيرها من شوب الأخلاق والأحوال غير المناسبة للمطلوب . .
فالأعمال والمجاهدات والإرتياضات الدينية ترجع جميعاً إلى نوع من الاشتغال بأمر النفس . . . فظهر بهذا البيان أن الأديان والمذاهب على اختلاف سننها وطرقها تروم الاشتغال بأمر النفس في الجملة ، سواء علم بذلك المنتحلون بها أم لم يعلموا . . .
إياك أن يشتبه عليك الأمر فتستنتج من الأبحاث السابقة أن الدين هو العرفان والتصوف ، أعني معرفة النفس كما توهمه بعض الباحثين من الماديين . . . . والتأمل العميق في جميع الأديان والنحل يعطي أنها مشتملة نوع اشتمال على هذا الروح الحي حتى الوثنية والثنوية ، وإنما وقع الاختلاف في تطبيق السنة الدينية على هذا الأصل والإصابة والخطأ فيه . . .
واعلم أن عرفان النفس بغيةٌ عملية لا يحصل تمام المعرفة بها إلا من طريق السلوك العملي دون النظري . . . ) . انتهى .

نقد هذه الدعوة

ما ذكره قدس سره من الطريقين لمعرفة الله تعالى : النظر في الآفاق والنظر في الأنفس ، مطلبٌ شائع بين العرفانيين والمتصوفة ، والظاهر أنهم أخذوه من قوله تعالى : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الأفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ . والبحث فيه متشعب ، نكتفي منه بملاحظات :
1 - مما يدل على أن معرفة الله تعالى لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق الأئمة المعصومين عليهم السلام : أن الله تعالى عندما أرسل
نبيه صلى الله عليه وآله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وأنزل عليه كتابه ، فقد حدد طريق معرفته وعبادته بما أنزله على رسوله صلى الله عليه وآله . وعندما بلغ النبي صلى الله عليه وآله أمته فقال : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ، وأنهما لا يفترقان إلى يوم القيامة ، فقد حدد طريق معرفة الله تعالى وعبادته بهما . فالقرآن هو الأصل وأئمة العترة عليهم السلام هم الشرح . والقرآن هو الدستور وهم المفسرون الشرعيون له القُوَّام على تطبيقه . وبذلك انتهى الأمر ولم يبق مجال للفذلكة والفلسفة !
ودليل آخر على أن أهل البيت عليهم السلام بهم يُعْرفُ الله تعالى وبهم يُعبد : أن معرفته وعبادته تحتاج إلى علم وتجسد عملي ، ولن تجد العلم الصحيح بالله إلا عندهم ، ولا التجسيد الصحيح لمعرفته تعالى وعبادته إلا فيهم . وقد رأيت أن الذين تركوهم افتقروا من العلم فالتجؤوا إلى الحاخام كعب الأحبار ، فشبهوا الله تعالى وجسدوه ، ولم يقفوا في انحدارهم حتى جعلوا ربهم شاباً أمرد وعبدوه ! فأي فكر هذا ، وأي معرفة لخالق الكون ، وأي عبادة لرب العالمين ؟ ! !
2 - بحثَ فقهاؤنا الحد الأدنى الواجب من معرفة الله تعالى ، ولم يذكر أحد منهم أن من طرقه التأمل في النفس ! بل نصَّت الأحاديث الصحيحة على أن المعرفة من صنع الله تعالى ، ففي الكافي : 1 / 163 : ( عن محمد بن حكيم قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : المعرفة من صُنْع من هي ؟ قال : من صُنع الله ليس للعباد فيها صنع ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
3 - سند حديث : " من عرف نفسه فقد عرف ربه " غير تام ، وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وآله ، وعن أمير المؤمنين عليه السلام ، وأقوى ما يستدل به لتصحيحه أن بعض علماء الحديث تلقاه بالقبول .
وعلى فرض صحته فهو يدل على أن الإنسان كلما عرف نفسه بالإمكان والنقصان ، عرف ربه بالوجوب والكمال ، فهو يدعو إلى تركيز النظر على محدودية النفس ومحاسبتها ومكافحة العجب والغرور ، ولا يدل على أن معرفة النفس طريق معرفة الله تعالى .
بينما يريدون له أن يكون منهجاً للمعرفة ، وأن الإنسان يصل به إلى مقامات ودرجات كدرجات الأولياء والأنبياء صلوات الله عليهم ! لأن الإنسان كما يدعون موضع تجلي الله تعالى وخليفته في أرضه . . الخ . وهم بذلك ينفخون في ذاتيته ويوهمونه أنه ولي كبير لله تعالى ، أو إلهٌ صغير ! وهذا نقيض معنى الحديث !
4 - لو سلمنا أن مقولة معرفة الله تعالى عن طريق معرفة النفس ، صحيحة وقطعية ، لكن الكلام فيما يحدث عندما ندعو إليها الناس !
إن الذي حدث وسيحدث أنك تقدم لعوام الناس ومتعلميهم باسم الدين ، دعوةً مبهمةً إلى معرفة الله تعالى عن طريق معرفة أنفسهم والتأمل فيها ، وسرعان ما يجدوا فيها مشروعاً لتحقيق الذات وتضخيمها وادعاء صاحبها أنه بالاستغراق في نفسه سيملك طاقات
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عظيمة ، ويبلغ مقامات خيالية ! كما ترى في نماذجهم مع الأسف !
جاءني مجموعة شباب وكهول قالوا إنهم من ( أهل السلوك والعرفان ) ومن عاشقي الإمام المهدي عليه السلام الذين يأملون بالفوز بلقائه روحي فداه ، وأن يكونوا من أصحابه الخاصين ! فسألتهم عن دراستهم فأخذ يجيبني شيخهم بأنه درَّسهم عدداً من كتب العرفان لفلان وفلان ، ومطالب من كتب ابن عربي ! وتعمدت أن أسمع منهم فسمعت كلام عوام متحفزين لتحقيق ذواتهم بهذا الحزب الجديد الذي دلهم عليه شيخهم ! وقدَّرت أنهم أقرب إلى المقاتلين والحرامية منهم إلى المتدينين ! لكن ( شيخهم ) لم يسمح لي أن أواصل الاستماع إليهم ، فطرح مطلبه مني أن أعطيهم برنامجاً لمعرفة الإمام المهدي عليه السلام بالنورانية ، حيث أكملوا معرفته بالولاية وبالطريقة الفلانية والفلانية ، ووصلوا إلى معرفة الإمام عليه السلام بالنورانية ، فهم يريدون أن يروه صلوات الله عليه بالتجلي النوراني !
فأجبتهم : لا بأس ، لكن أول البرنامج أن تمضي عليكم ستة أشهر لا تتركوا فيها واجباً ولا ترتكبوا فيها حراماً في عمل ولا قول ، وأن تتورعوا عن كل ما لا يليق بالأخيار ! وشرحت لهم خطأ أن يكون هدف الإنسان من العرفان مشاهدة منامات وعلامات وآيات عن المقام الذي وصل إليه ، أو اللقاء بأولياء الله العظماء كالإمام المهدي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أرواحنا فداه ، فإن صاحب هذه النية يعمل للدنيا وليس لله تعالى !
طبعاً لم يرتاحوا مني ! ولا أقول إنهم ضحايا دعوة العرفان عن طريق معرفة النفس ، بل ضحايا أنفسهم الأمارة ، وقد وجدوا في هذه الدعوة خصوبة لهواهم فتلبسوها !
عندما أقول لرجل أو امرأة : إنك تستطيع أن تكون من أهل السلوك والعرفان ، ولا يكلفك ذلك إلا أن تعرف نفسك وتتأمل فيها فتُفَجِّر بذلك طاقاتها العظيمة ! فعليَّ أن أدرك إلى أين دفعت هذا الشخص !
إن حب الذات أقوى غرائز الإنسان ، واعتقاده بحصول العرفان ومقاماته بدون تحديد الوسائل والأهداف ، يجعله أمام خطر عبادة الذات وتعظيمها ، فيتخيل أنه وصل إلى الله تعالى وصار صاحب أسرار إلهية ! ويزين له الشيطان عالماً من نسج خياله ، ويدفعه إلى الإدعاءات الباطلة ، أعاذنا الله وجميع المؤمنين .
أمَا كان الأحرى بدل ذلك أن توجهه إلى العمل ، وترك المحرمات وأداء الواجبات ، وأن يدقق في مكسبه ومأكله ومشربه هل هو حلالٌ زكيّ أم خبيثٌ رديّ ؟ وفي سلوكه مع من هم تحت يده ، هل هو لهم أبٌ رفيق ، أو أخٌ شفيق ، أم عليهم كالسبع الضاري ؟ !
وفي عقائده بربه عز وجل ونبيه صلى الله عليه وآله وما أنزل الله عليه ، وأئمته عليهم السلام وسيرتهم ومناقبهم . وإيمانه بآخرته ويقينه بها ، ومعايشته لعوالم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عقيدته وأجوائها ؟ ! ونظرته إلى لناس ورحمته لهم عامة ، وحبه لمن كان له في رسول الله وآله صلى الله عليه وآله نصيب . وعمله لخدمتهم . . الخ .
ومن جهة أخرى ، تنطوي دعوة الناس لمعرفة الله عن طريق التأمل بالنفس ، على خطر أن تصير أداةً لتعذيب الذات وسوء ظن الإنسان بنفسه والناس ، ثم تتحول حالة تعذيب الذات عند صاحبها أداة لقمع الآخرين وتعذيبهم باسم العرفان وتزكية النفس ! وبإمكانك أن تجد في مدعي الاشتغال بالعرفان وتزكية النفس نماذج من القساة الذين يشتمون الناس في مواعظهم ، وكأنهم يثأرون منهم !
وفي كلتا الحالتين حالة تعظيم النفس وحالة تعذيبها ، يتضمن هذا السلوك خطورة أن ينسى أصحابه أولوية تطبيق أحكام الشريعة ! وينسى التعرف على طريقة أهل البيت عليهم السلام في معرفة الله تعالى .
5 - من الأدلة الواضحة على أن دعوتهم عائمة مبهمة ، أنها تتسع للضد والنقيض في الأساليب والأهداف والقدوات ! فبعض دعوات معرفة الله عن طريق معرفة النفس تتبنى العزلة والرهبنة ، وبعضها يتبنى إصلاح النفس والمجتمع والعمل لتسلم السلطة ، وبعضها يدعو إلى التقيد بأحكام الشريعة حسب هذا المذهب أو ذاك ، وبعضها يدعو إلى تقليد الأستاذ شيخ الطريقة أو أستاذ الأخلاق ، ويدعي له أنه متعمق في العرفان متصلٌ بالله تعالى فيُلهم العقائد والأحكام ولا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يحتاج إلى شريعة ! وبعضهم لا يحتاج إلى نبوة !
وبعض الدعوات تجعل قدوتها بعض الصحابة أو الأولياء الذين لم يجعلهم الله ولا رسوله صلى الله عليه وآله قدوة ! وبعضهم يجعل قدوته عرفاء ومتصوفة غير مسلمين . . إلى آخر أنواعهم .
ولهذا ، لو قلنا لإنسان اعرف الله تعالى عن طريق معرفة نفسك ، فمن حقه أن يسألنا : كيف ؟ بجهادها وتعذيبها ؟ أو بتعظيمها ونفخها ؟
أما عندما نقول له : إقتدِ بأستاذك حتى تصل إلى الله تعالى ثم تصير أنت أستاذاً ! فنحن ندعوه إلى معرفة الله تعالى بطاعة شخص والتحزب له ، وما أيسر أن يدخل الشيطان في هذا الحزب !
5 - لا شك أن النظر في ملكوت السماوات والأرض ، أي فيما يمكن للإنسان فهمه من خلقهما وقوانيهما ويأخذ العبرة منه ، أمرٌ محبوب شرعاً ، يؤثر زيادة الإيمان بالله تعالى ومعرفته . قال تعالى : أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَئٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ . ( الأعراف : 185 ) ، لكن لم أجد سنداً للحديث الذي ذكره رحمه الله : " المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين " ، وأستبعد أن يكون حديثاً أصلاً !
ثم إن نفس الإنسان جزءٌ من الملكوت والآفاق لا قسيمها ولا مقابلها ، فلماذا لا يكون مقابل معرفة الله بالنفس معرفة الله بالله تعالى ، أو معرفته
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بأنبيائه وأوليائه ، وآياته الأخرى ، فلا وجه لحصر المقابلة بالتأمل بالآفاق .
وإذا شملت المعرفة بالسير الآفاقي معرفة الله بالله تعالى وبأوليائه عليهم السلام ، فلا يصح تفضيل معرفته عن طريق النفس عليها ؟ !
6 - ما دامت معرفة النفس طريقاً إلى عبادة الله ، وما دامت عبادته عز وجل غاية الخلق وطريق التكامل الوحيد ، ولا تحصل إلا بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام . فالدعوة إلى تطبيق الشريعة مقدم رتبةً على التأمل في النفس ، وكذلك الاقتداء بالنبي وآله صلى الله عليه وآله ، فلا بد في الدعوة إلى العرفان من دعوة المسلم إلى إطاعة الأحكام الشرعية حسب فتوى مرجع تقليده ، وأن يتخذ من النبي وآله صلى الله عليه وعليهم قدوة وأئمة في المسلك والسلوك . ولذا أجاب أحد الفقهاء الكبار شخصاً سأله : ما هو العرفان وكيف يكون الإنسان عارفاً ؟ فقال : هذه الأحكام الشرعية التي تطبقها يومياً فتصلي وتصوم وتقوم بالواجبات وبعض المستحبات ، وتترك المحرمات ، هي العرفان ، وأنت بسلوكك هذا تمارس المعرفة .
هذا ، وقد بينا عقيدة أهل البيت عليهم السلام في الله تعالى مقارنة بعقائد الآخرين البائسة ، في كتاب الوهابية والتوحيد ، وكتاب ألف سؤال وإشكال على المخالفين لأهل البيت الطاهرين عليهم السلام وكتاب الإنتصار .
وبحثنا بعض مسائل الموضوع في المجلد الأول من العقائد الإسلامية ،
وناقشنا بعض أتباع هذا الاتجاه في شبكات النت :
العقائد الإسلامية ج : 1 http : / / www . alameli . org / Library / Aqaed 1 / index . asp
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
موضوع : من المشكل أن ندعو الناس الى معرفة الله عن طريق معرفة النفس :
http : / / www . hajr . us / forum / showthread . php ? s = 22233404 fb 16 e 0 b 10533 de 604 bc 444 f 4 & t = 402779407
معنى قول أمير المؤمنين عليه السلام : من عرف نفسه فقد عرف ربه :
http : / / www . hajr . us / forum / showthread . php ? s = 22233404 fb 16 e 0 b 10533 de 604 bc 444 f 4 & t = 402780094 & highlight = % DD % DE % CF + % E 4 % DD % D 3 % E 5 % DA % D 1 % DD
ولكني وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك
قال أمير المؤمنين عليه السلام في مناجاته : إلهي ما عبدتك خوفاً من عقابك ، ولا رغبةً في ثوابك ، ولكني وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك ) .
وقد روته مصادرنا وشرحه علماؤنا ، قال ابن ميثم البحراني رحمه الله في شرح مائة كلمة لأمير المؤمنين عليه السلام / 219 : ( قد حَذَفَ كلَّ ما سوى الحق تعالى عن درجة الاعتبار ولم يلحظ معه غيره ، وذلك هو الوصول التام ) . ونسبه السيد الخوئي قدس سره بنحو الجزم ، فقال في البيان / 477 : ( قال أمير المؤمنين وسيد الموحدين صلوات الله عليه : ما عبدتك خوفاً من نارك . . الخ . ) . فلا عبرة بمن نسبه إلى رابعة العدوية ، المتأخرة عن عصر علي عليه السلام قرناً ونصفاً ، حيث توفيت سنة 180 . ( سير الذهبي : 8 / 243 )
وقد أخطأ بعضهم في فهم معنى حديث أمير المؤمنين عليه السلام ، فتصور أنه عليه السلام ينفي أن يكون عنده خوفٌ من عذاب الله تعالى ، أو طمعٌ في جنته ، مع أنه لا ينفي ذلك ، بل يقول إنه يوجد معهما دافع أقوى منهما في شخصيته عليه السلام هو أن الله سبحانه أهل للعبادة ، وأن هذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الدافع أقوى المحركات في نفسه . وتوضيحه : أن الذي يريد الصلاة مثلاً ، يوجد عنده عادةً أحد ثلاثة دوافع لها : دافعُ الخوف من عذاب الله ، والطمع في ثوابه ، أو دافعُ الرياء . ويوجد عند أفراد نادرين دافعٌ رابع ، هو أنه يحب ربه ويراه أهلاً لأن يصلي له . والحرام هو الصلاة رياء للناس ، والمقبول أن يصلي لله تعالى ، بأي دافع يرجع إليه ، كامتثال أمره أو طلب رزقه أو جنته أو حباً له . . الخ .
وعندما يتحرك الإنسان للعمل بأحد هذه الدوافع فليس معناه عدم وجود الدوافع الأخرى ، بل معناه أن أحدها كان فعالاً ، والباقي موجود مساعد أو غير فعال .
قال الشهيد الثاني قدس سره في روض الجنان / 27 : ( ويجب في الوضوء النية وهي لغة مطلق العزم والإرادة . . . وغاية الجميع التقرب إلى الله تعالى ، بمعنى موافقة إرادته أو طلب الرفعة عنده تعالى ، بواسطة نيل الثواب تشبيهاً بالقرب المكاني ، وكلتاهما محصلة للإمتثال مخرجة عن العهدة ، وإن كان بين المنزلتين بعد المشرقين . وفي حكم الثانية الخوف من العقاب . وإلى الأولى أشار أمير المؤمنين علي عليه السلام بقوله : ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك ) .
والنتيجة : أن عمله عليه السلام بدافع حب الله تعالى واستحقاقه للعبادة ، عملٌ بدافع فوق خوف العذاب وطمع الثواب ، ولا ينفي وجود الخوف والرجاء في نفسه بأعلى درجاتهما ، وإن لم يتحرك بهما .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

نقد بعض المثقفين نية التقرب إلى الله تعالى

ما الذي لا يعجب المثقفين المتغربين من اشتراط الإسلام في عمل الإنسان نية التقرب إلى الله تعالى ، ويقبل أن يكون التقرب طمعاً في جنته ، وخوفاً من عقابه ؟
يقولون : إن الموعودات الإسلامية في القرآن والسنة ، تجعل عمل الخير تجارياً ، خوفاً من السوط وعذاب النار ، أو طمعاً في الجنة وقصورها وحورها . بينما العقل يقول : إعمل الخير لأنه خير ، لأنه يرضي ذاتك ويحقق إنسانيتك ، فهذا مستوى أعلى من تجارة المتدينين السوقية ! وهو كلام ظاهره حسن ، لكنه في التحليل خاطئ لأنه طوبائي غير عملي ، فهو يجعل الدافع للعمل تحقيق الذات الدنيوية ، والدنيا لا تتسع لتحقيق ذوات الناس ورغباتهم وطموحاتهم فيقع بينها التعارض والتضارب لا محالة ، لأنه كثيراً ما يكون تحقيق الذات بالإضرار بالآخرين ومنعهم من تحقيق ذواتهم .
وها نحن نرى أن تحقيق الذات بالإضرار بالآخرين حالة سائدة في مجتمعات العالم ومنها المجتمعات الغربية ! وبسببها يكثر في الناس الشر ويقل الخير .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إنه لا حلَّ لهذا التضارب إلا بتطوير مفهوم حب الذات ، وتوسيع حقل تحقيقها ليشمل الآخرة ، وهذا ما يفعله الدين فيجعل عمل الخير والإيثار تحقيقاً للذات في الآخرة الخالدة .
إن نية القربة التي تتسع لخوف العقاب والطمع بالجزاء ، دعوةٌ إلى تحقيق الذات في الآخرة ، وهو أمرٌ مقدس خال من صراعات الدنيا .
إن غريزة حب الذات في الإنسان أقوى الغرائز ، ولا يمكن إزالتها ولا حل إلا تطويرها ووضع قانون التعويض والجزاء في مستقبل الإنسان في حياته الثانية ، وبدون ذلك لا يمكن تحريكه لعمل الخير ولا منعه من عمل الشر .
قد يقال : إن فطرة الإنسان وعقله تكفيان لدفعه إلى الخير ومنعه من الشر .
والجواب : أنه لا يمكن المراهنة على ذلك وإقامة مجتمع عليه ، خاصة وأن نوازع الشر بقدر نوازع الخير : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . وما دام الدافع الذاتي غير مضمون فلا بد من دافع مضمون يعود على صاحبه بالنفع من عمل الخير للآخرين وكف شره عنهم ، وهذا هو قانون الجزاء الإسلامي بالثواب والعقاب .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ثم ، إن منتقدي الحالة التجارية في عمل الخير ، يدَّعون أنهم يعيشون مشاعر السمو الإنساني ، ويقولون إنا إنسانيون نعمل الخير بدافع تحقيق ذاتنا وإنسانيتنا ، ولا نريد عليه جزاءً ولا شكوراً ، لا من الناس ولا من الله تعالى !
فهل هم كذلك واقعاً ، أم هي لقلقة لسان ، كمدعي العرفان ؟
ولو سلمنا وجود هذا الدافع ( الإنساني ) فيهم ، فهل يُضمن بقاؤه في كل الحالات ؟ ولو سلمنا بقاءه ، فهل المجتمع الذي يراد دفعه إلى الخير كله مثلهم ؟ ! ثم ، أليس تحقيق ذاتهم الإنسانية وإرضاءها جزاءً معنوياً ، يشبه الجزاء الديني ؟
إن الإسلام دينٌ عملي واقعي ، فكما أنه لا يترك الدعوة لعمل الخير للدوافع المثالية غير المضمونة ! كذلك لا يتخوف من تعبير التجارة والربح والخسارة ، فكل حياة الإنسان وأعماله مبنيةٌ على حساب الربح لوجوده والخسارة !
لذلك جاء نداء الله تعالى لعباده المؤمنين ، بواقعية ووضوح :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين . ( سورة الصف : 10 - 13 )
ويقول عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ . لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ . ( سورة فاطر : 29 - 30 ) .
تم ، والحمد لله رب العالمين .