مكتبة الطالب(4)ـ تفسير آيات الغدير الثلاث

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 1 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مكتبة الطالب ( 4 )
تفسير آيات الغدير الثلاث
مركز المصطفى للدراسات الإسلامية
برعاية المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني دام ظله
الطبعة الأولى 1427
تفسير آيات الغدير الثلاث
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 2 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الكتاب : . . . تفسير آيات الغدير
المؤلف : . . . علي الكوراني العاملي
الطبعة : . . . . الأولى
الناشر : . . . دار الهدى - قم
العدد : . . . 10000 نسخة
الشابك : . . . 5 - 182 - 497 - 964
1427 هجرية - 2006 ميلادية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 3 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم السلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين .
وبعد ، فهذا تفسير علمي موجز لآيات الغدير الثلاث ، التي نزلت في حجة الوداع ، في بيعة الغدير ، يوم أعلن النبي صلى الله عليه وآله علياً عليه السلام ولياً على الأمة بعده ، وأمر المسلمين أن يهنئوه ويبايعوه . وهي قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) . ( المائدة : 67 ) .
وقوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً . ( المائدة : 3 ) .
وقوله تعالى : سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ . لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ) . ( المعارج : 1 - 2 ) .
أرجو أن ينفعنا الله بها ، ويوفقنا للوفاء لنبيه صلى الله عليه وآله في التمسك بالقرآن والعترة الطاهرين ، ويشملنا بشفاعتهم عليهم السلام .
علي الكوراني العاملي
في السابع والعشرين من شهر رمضان 1427
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 4 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 5 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

آية التبليغ مع سياقها

قال الله تعالى : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ . وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيم . وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ . يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ . قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَئٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ . وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) ( المائدة : 64 - 71 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 6 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

موضع الآية في القرآن

السياق القرآني حجة ، إذا ثبت تسلسل الآيات بدليل من داخل القرآن أو خارجه ، أما إذا لم توجد قرينة على الاتصال فيكون السياق مشكوكاً ، ولا يصح ربط الآية بسياقها الفعلي كما في آية التبليغ ، وسبب ذلك أن الصحابة قالوا إنهم وضعوا آيات في السور باجتهادهم فنفوا بذلك توقيفية ترتيب الآيات ! ( راجع كتاب ألف سؤال وإشكال : 1 / 303 )
وعلى القول بحجية السياق مطلقاً ، فآية التبليغ وسط آيات عن أهل الكتاب فهي تقول للنبي صلى الله عليه وآله : بلغ ولا تخف أهل الكتاب فنحن نعصمك منهم ! لكن هذا التفسير لا يمكن قبوله ، لأن الآية من سورة المائدة وقد نزلت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله بشهرين ، أي بعد أن بلغ الرسالة وانتصر ، ولم يكن عليه خوف من اليهود والنصارى !
فما هي الرسالة التي أمره الله أن يبلغها ، وجعل تبليغها مساوياً لتبليغ الرسالة كلها ، وعدم تبليغها مساوياً لإبطال تبليغه كله ؟ !
وما هي العصمة التي وعده ربه بها ، قبل أن يتوفاه بشهرين ؟ !

تفسير الشيعة لآية التبليغ

قال الشيعة إن المأمور بتبليغه في الآية أمرٌ خاصٌّ أوحاه الله إلى رسوله صلى الله عليه وآله وأمره بتبليغه ، وهو ولاية علي عليه السلام ، ولا يصح أن يكون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 7 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كل ما أوحيَ إليه صلى الله عليه وآله ، لأن الآية نزلت في أواخر أيامه صلى الله عليه وآله ، ولأن الله جعله مساوياً لكل عمل نبيه صلى الله عليه وآله في تبليغ الرسالة ، فلا يصح أن يكون معناه : إن لم تبلغ الكل فلم تبلغ الكل !
وكذا العصمة في الآية ، ليست عصمة للنبي صلى الله عليه وآله في العمل ، لأنها موجودة من أول حياته ، والآية في آخرها . بل هي عصمة له صلى الله عليه وآله من الناس أن يتهموه بأنه حابى ابن عمه فأوصى له بخلافته ، وأنه يريد تأسيس ملك لبني هاشم ، فيرتدوا لذلك عن الإسلام .
وأحاديثنا بذلك متواترة ، ففي تفسير العياشي : 1 / 331 ، عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا : ( أمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وآله أن ينصب علياًّ علماً للناس ويخبرهم بولايته ، فتخوف رسول الله أن يقولوا حابى ابن عمه وأن يطعنوا في ذلك عليه ، فأوحى الله إليه : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) .
وفي الكافي : 1 / 290 ، عن الإمام الباقر عليه السلام قال : ( فرض الله على العباد خمساً ، أخذوا أربعاً وتركوا واحدة ! قلت : أتسميهن لي جعلت فداك ؟ فقال : الصلاة ، وكان الناس لا يدرون كيف يصلون فنزل جبرئيل فقال : يا محمد أخبرهم بمواقيت صلاتهم .
ثم نزلت الزكاة فقال : يا محمد أخبرهم من زكاتهم ما أخبرتهم من صلاتهم . ثم نزل الصوم فكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان يوم عاشوراء
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 8 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بعث إلى ما حوله من القرى فصاموا ذلك اليوم ، فنزل شهر رمضان بين شعبان وشوال . ثم نزل الحج فنزل جبرئيل عليه السلام فقال : أخبرهم من حجهم ما أخبرتهم من صلاتهم وزكاتهم وصومهم .
ثم نزلت الولاية . . . وكان كمال الدين بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام فقال عند ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله : أمتي حديثو عهد بالجاهلية ، ومتى أخبرتهم بهذا في ابن عمي يقول قائل ويقول قائل ، فقلت في نفسي من غير أن ينطق به لساني فأتتني عزيمة من الله عز وجل بَتْلَة أوعدني إن لم أبلغ أن يعذبني ! فنزلت : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ . فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيد علي عليه السلام فقال : أيها الناس إنه لم يكن نبي من الأنبياء ممن كان قبلي إلا وقد عمره الله ثم دعاه فأجابه ، فأوشك أن أدعى فأجيب ، وأنا مسؤول وأنتم مسؤولون فماذا أنتم قائلون ؟ فقالوا : نشهد أنك قد بلغت ونصحت وأديت ما عليك ، فجزاك الله أفضل جزاء المرسلين . فقال : اللهم اشهد ، ثلاث مرات . ثم قال : يا معشر المسلمين هذا وليكم من بعدي ، فليبلغ الشاهد منكم الغائب ) .
وفي البحار : 94 / 300 ، أن الإمام الصادق عليه السلام قال لمواليه وشيعته : ( أتعرفون يوماً شيد الله به الإسلام وأظهر به منار الدين ، وجعله عيداً لنا ولموالينا وشيعتنا ؟ فقالوا : الله ورسوله وابن رسوله أعلم ، أيوم الفطر هو يا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 9 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
سيدنا ؟ قال : لا . قالوا : أفيوم الأضحى هو ؟ قال : لا ، وهذان يومان جليلان شريفان ، ويوم منار الدين أشرف منهما وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة ، وإنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله لما انصرف من حجة الوداع وصار بغدير خم أمر الله عز وجل جبرئيل أن يهبط على النبي صلى الله عليه وآله وقت قيام الظهر من ذلك اليوم ، وأمره أن يقوم بولاية أمير المؤمنين عليه السلام وأن ينصبه علماً للناس بعده ، وأن يستخلفه في أمته ، فهبط إليه وقال له : حبيبي محمد إن الله يقرؤك السلام ويقول لك : قم في هذا اليوم بولاية علي ليكون علماً لأمتك بعدك يرجعون إليه ويكون لهم كأنت . فقال النبي صلى الله عليه وآله : حبيبي جبرئيل إني أخاف تغير أصحابي لما قد وُتروه ، وأن يبدوا ما يضمرون فيه ، فعرج وما لبث أن هبط بأمر الله فقال له : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله ذَعِراً مرعوباً خائفاً وقدماه تُشْوَيَان من شدة الرمضاء ، وأمر بأن ينظف الموضع ويُقَمَّ ما تحت الدوح من الشوك وغيره ، ففُعل ذلك ، ثم نادى بالصلاة جامعة فاجتمع المسلمون وفيمن اجتمع أبو بكر وعمر وعثمان وسائر المهاجرين والأنصار ، ثم قام خطيباً وذكر الولاية فألزمها للناس جميعاً ، فأعلمهم أمر الله بذلك ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 10 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

كمَّمَ الله أفواه قريش في الغدير ، فعصم رسوله صلى الله عليه وآله منهم !

سمح الله تعالى لقريش بأن تشوش على نبيها صلى الله عليه وآله في حجة الوداع ، وتُفهمه بأنها ستعلن الردة إن أوصى بخلافته لعترته ! وتنفست قريش الصعداء برحيله صلى الله عليه وآله بعد حجة الوداع دون أن يطالبها بالبيعة لعلي عليه السلام !
كما سمح لها أن تقول لنبيها صلى الله عليه وآله في مرض وفاته : لا نريد وصيتك ولا عترتك ولا ضمانك لعزتنا وهدايتنا مدى الدهر ، فحسبنا كتاب الله !
لكنه عز وجل قرر أن يبلغها ولاية العترة بعد النبي صلى الله عليه وآله وأن يمنعها من إعلان الردة . هكذا أراد سبحانه !
إن آية العصمة لا تعني أن الله تعالى جعل قريشاً ريِّضةً طائعة ، فقد قال لها الصادق الأمين صلى الله عليه وآله : ( ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا الدين ) . ( أبو داود : 1 / 611 ) .
لكنه سبحانه أراد لتبليغه أن يتم ، وللأمة أن تجري عليها سنن الأمم الماضية فتمتحن بطاعة نبيها بعده ، وهذا يستوجب أن تبقى لها القدرة على معصيته ، أما القدرة على الرِّدة في حياته . . فلا .
لذلك بعث الله جبرئيل عليه السلام في طريق عودة النبي صلى الله عليه وآله من حجة الوداع يأمره أن ينفذ تبليغ رسالته الآن ، وأنه سيعصمه من قريش !
فأوقف النبي صلى الله عليه وآله المسلمين بعد مسير ثلاثة أيام في حر الظهيرة ، في صحراء ليس فيها كلأ لخيولهم وجمالهم ، ولا سوق يشترون منه علوفة وطعاماً ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 11 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إلا دوحةٌ من بضع أشجار على قليل من ماء ، ولم يصبر عليهم حتى يصلوا إلى الجحفة التي لم يبق عنها إلا ميلان أو أقل وبعث إلى من تقدم وأرجعهم ! كل ذلك ليصعد المنبر قبل الصلاة ويرفع بيد ابن عمه وصهره علي عليه السلام ويقول لهم : هذا وليكم من بعدي ، ثم من بعده ولداه الحسن والحسين ثم تسعة من ذرية الحسين عليهم السلام .
هنا تجلت آية العصمة وتجسمت للعيان ، فقد كمَّمَ الله تعالى أفواه قريش عن المعارضة وفتحها للموافقة ، فقالوا جميعاً : نشهد أنك بلغت عن ربك وأنك نعم الرسول ، سمعنا وأطعنا ! وتهافتوا مع المهنئين إلى خيمة علي عليه السلام يهنئونه ويبخبخون له ، وكبروا مع المكبرين عندما نزلت آية : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًاً . ثم أصغوا جميعاً إلى قصيدة حسان بن ثابت في وصف نداء النبي صلى الله عليه وآله وإعلانه ولاية علي عليه السلام بعده . واستمرت تهانيهم لعلي عليه السلام من بعد صلاة العصر إلى ما شاء الله ، ثم بعد صلاة المغرب والعشاء على ضوء القمر ليلة التاسع عشر من ذي الحجة ، فقد بات النبي صلى الله عليه وآله في غدير الإمامة ، وتحرك إلى المدينة بعد صلاة فجره ، وقيل بقي يومين !
نعم ، سلب الله تعالى قريشاً القدرة على تخريب مراسم النبي صلى الله عليه وآله في الغدير ، وكفَّ ألسنتها السليطةُ على الأنبياء ؟ ! فقررت أن تُمَرِّر هذا اليوم لمحمد صلى الله عليه وآله ، ليقول في بني هاشم وعليٍّ ما شاء ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 12 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

القول السني الصحيح الذي أفلت من رقابة الحكومات !

مع حرص علماء الخلافة على إبعاد الآية عن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام ، فقد أفلتت منهم أحاديث موافقة لرأي لأهل البيت عليهم السلام !
قال في الدر المنثور : 2 / 298 : ( أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال : نزلت هذه الآية : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، على رسول الله ( ص ) يوم غدير خم في علي بن أبي طالب . وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : كنا نقرأ على عهد رسول الله ( ص ) : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ - أن علياً مولى المؤمنين - وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) . انتهى .
وفي كتاب المعيار والموازنة / 213 ، عن جابر بن عبد الله وعبد الله بن العباس الصحابيين قالا : ( أمر الله محمداً ( ص ) أن ينصب علياً للناس ويخبرهم بولايته ، فتخوف رسول الله ( ص ) أن يقولوا حابى ابن عمه وأن يطعنوا في ذلك عليه ، فأوحى الله إليه : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، فقام رسول الله بولايته يوم غدير خم ) . والحافظ الحسكاني في شواهد التنزيل : 1 / 157 ، بأسانيد ، وتاريخ دمشق : 2 / 85 ، والميزان : 6 / 54 ، عن تفسير الثعلبي .
قال في الغدير : 1 / 214 : ( وما ذكرناه من المتسالم عليه عند أصحابنا الإمامية غير أنا نحتج في المقام بأحاديث أهل السنة في ذلك . . ثم ذكر رحمه الله ثلاثين مؤلفاً لعلمائهم أوردوا حديث نزول الآية في ولاية علي عليه السلام نذكر ملخصها :
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 13 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
1 - الحافظ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري أخرج بإسناده في كتاب ( الولاية ) في طرق حديث الغدير ، عن زيد بن أرقم قال : لما نزل النبي ( ص ) بغدير خم في رجوعه من حجة الوداع ، وكان في وقت الضحى وحر شديد ، أمر بالدوحات فقمَّت ونادى الصلاة جامعة فاجتمعنا فخطب خطبة بالغة ثم قال : إن الله تعالى أنزل إلي : بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ .
2 - الحافظ ابن أبي حاتم أبو محمد الحنظلي الرازي .
3 - الحافظ أبو عبد الله المحاملي ، في أماليه عن ابن عباس . . .
4 - الحافظ أبو بكر الفارسي الشيرازي ، في كتابه ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين ، بالإسناد عن ابن عباس .
5 - الحافظ ابن مردويه ، عن أبي سعيد الخدري : نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب ، وعن ابن مسعود قال : كنا نقرأ على عهد رسول الله ( ص ) : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، أن علياً مولى المؤمنين . . .
6 - أبو إسحاق الثعلبي النيسابوري ، في تفسيره الكشف والبيان . .
7 - أبو نعيم الأصبهاني ، في تأليفه : ما نزل من القرآن في علي .
8 - أبو الحسن الواحدي النيسابوري ، في أسباب النزول .
9 - أبو سعيد السجستاني ، بعدة طرق عن ابن عباس .
10 - الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ، عن ابن عباس ، وجابر .
11 - ابن عساكر الشافعي ، عن أبي سعيد الخدري . . .
12 - أبو الفتح النطنزي في الخصائص العلوية .
13 - فخر الدين الرازي الشافعي ، في تفسيره الكبير : 3 / 636 .
14 - أبو سالم النصيبي الشافعي في مطالب السؤول .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 14 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
15 - الحافظ عز الدين الرسعني الموصلي الحنبلي .
16 - أبو إسحاق الحمويني ، فرايد السمطين ، بأسانيده .
17 - السيد علي الهمداني ، في مودة القربى عن البراء بن عازب قال : ( أقبلت مع رسول الله ( ص ) في حجة الوداع ، فلما كان بغدير خم نودي الصلاة جامعة فجلس رسول الله تحت شجرة وأخذ بيد علي ، وقال : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . فقال : ألا من أنا مولاه فعلي مولاه . اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . فلقيه عمر فقال : هنيئاً لك يا علي بن أبي طالب ، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة . وفيه نزلت : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ . . الآية .
18 - بدر الدين بن العيني الحنفي ، في عمدة القاري في شرح البخاري : 8 / 584 .

الحسن البصري يكتم حديث النبي صلى الله عليه وآله

قال الرازي في تفسيره : 12 / 48 : ( روي عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وآله قال : إن الله بعثني برسالته فضقت بها ذرعاً وعرفت أن الناس يكذبوني واليهود والنصارى ، وقريش يخوفوني فلما أنزل الله هذه الآية ، زال الخوف بالكلية ) . انتهى . وقد حرَّف الرازي رواية البصري وزاد فيها ! وأصلها كما في الدر المنثور : 2 / 289 : ( عن الحسن ( البصري ) أن رسول الله ( ص ) قال : إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً ، وعرفت أن الناس مكذبي فوعدني لأبلغن أو ليعذبني فأنزل : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) . انتهى .
فأضاف الرازي ( اليهود والنصارى ) من عنده ليجعل العصمة منهم لا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 15 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من قريش ، ويُبعد الآية عن ولاية علي عليه السلام ، مع أن الخطر يومها لم يكن من اليهود والنصارى ، بل من قريش خاصة !
وكشف الإمام الباقر عليه السلام تحريف البصري للحديث ، ففي دعائم الإسلام للقاضي المغربي : 1 / 14 ، أن رجلاً قال له : ( يا ابن رسول الله إن الحسن البصري حدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : إن الله أرسلني برسالة فضاق بها صدري وخشيت أن يكذبني الناس فتواعدني إن لم أبلغها أن يعذبني ! قال له أبو جعفر عليه السلام : فهل حدثكم بالرسالة ؟ قال : لا . قال : أما والله إنه ليعلم ما هي ولكنه كتمها متعمداً ! قال الرجل : يا ابن رسول الله جعلني الله فداك وما هي ؟ فقال : إن الله تبارك وتعالى أمر المؤمنين بالصلاة في كتابه فلم يدروا ما الصلاة ولا كيف يصلون ، فأمر الله عز وجل محمداً نبيه صلى الله عليه وآله أن يبين لهم كيف يصلون ، فأخبرهم بكل ما افترض الله عليهم من الصلاة مفسراً . وأمر بالزكاة فلم يدروا ما هي ففسرها رسول الله صلى الله عليه وآله وأعلمهم بما يؤخذ من الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والزرع ، ولم يدع شيئاً مما فرض الله من الزكاة إلا فسره لأمته وبينه لهم . وفرض عليهم الصوم فلم يدروا ما الصوم ولا كيف يصومون ففسره لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وبين لهم ما يتقون في الصوم وكيف يصومون . وأمر بالحج فأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله أن يفسر لهم كيف يحجون حتى أوضح لهم ذلك في سنته . وأمر الله عز وجل بالولاية فقال : إِنَّمَا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 16 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ . ففرض الله ولاية ولاة الأمر فلم يدروا ما هي فأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله أن يفسر لهم ما الولاية مثلما فسر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحج ، فلما أتاه ذلك من الله عز وجل ضاق به رسول الله ذرعاً ، وتخوف أن يرتدوا عن دينه وأن يكذبوه ، فضاق صدره وراجع ربه فأوحى إليه : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، فصدع بأمر الله وقام بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلى الله عليه يوم غدير خم ، ونادى لذلك الصلاة جامعة وأمر أن يبلغ الشاهد الغائب . وكانت الفرائض ينزل منها شئ بعد شئ ، تنزل الفريضة ثم تنزل الفريضة الأخرى وكانت الولاية آخر الفرائض ، فأنزل الله عز وجل : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً . قال أبو جعفر : يقول الله عز وجل : لا أنزل عليكم بعد هذه الفريضة فريضة ، قد أكملت لكم هذه الفرائض ) . ونحوه شرح الأخبار : 1 / 101 ، و : 2 / 276 ، بلفظ آخر وفيه : ( جمع الناس بغدير خم فقال : أيها الناس إن الله عز وجل بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً فتواعدني إن لم أبلغها أن يعذبني ، أفلستم تعلمون أن الله عز وجل مولاي وأني مولى المسلمين ووليهم وأولى بهم من أنفسهم ؟ قالوا : بلى ، فأخذ بيد علي عليه السلام فأقامه ورفع يده بيده وقال : فمن كنت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 17 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مولاه فعلي مولاه ومن كنت وليه فهذا علي وليه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره واخذل من خذله ، وأدر الحق معه حيث دار . ثم قال أبو جعفر عليه السلام : فوجبت ولاية علي عليه السلام على كل مسلم ومسلمة ) . انتهى .

أتباع ابن تيمية يفقدون أعصابهم عند آية التبليغ

قال الألباني في صحيحته : 5 / 644 : ( كان يحرس حتى نزلت هذه الآية : وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس ، فأخرج رسول الله رأسه من القبة فقال لهم : يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله . أخرجه الترمذي : 2 / 175 ، وابن جرير : 6 / 199 ، والحاكم : 2 / 3 . . . الحديث صحيح ، فإن له شاهداً من حديث أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا نزل منزلاً نظروا أعظم شجرة فجعلوها للنبي . . . الخ . أخرجه ابن حبان في صحيحه . . .
واعلم أن الشيعة يزعمون خلافاً للأحاديث المتقدمة أن الآية المذكورة نزلت يوم غدير خم في علي رضي الله عنه ويذكرون في ذلك روايات عديدة مراسيل ومعاضيل أكثرها ، ومنها عن أبي سعيد الخدري ولا يصح عنه كما حققته في الضعيفة ( 4922 ) والروايات الأخرى أشار إليها عبد الحسين الشيعي في مراجعاته / 38 ، دون أي تحقيق في أسانيدها كما هي عادته في سرد أحاديث كتابه ، لأن غايته حشد كل ما يشهد لمذهبه سواء صح أو لم يصح على قاعدتهم ( الغاية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 18 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تبرر الوسيلة ) فكن منه ومن رواياته على حذر ! وليس هذا فقط بل هو يدلس على القراء إن لم أقل يكذب عليهم فإنه قال في المكان المشار إليه في تخريج أبي سعيد هذا المنكر بل الباطل : أخرجه غير واحد من أصحاب السنن كالإمام الواحدي ! ووجه كذبه : أن المبتدئين في هذا العلم يعلمون أن الواحدي ليس من أصحاب السنن الأربعة ، وإنما هو مفسر يروي بأسانيده ما صح وما لم يصح ، وحديث أبي سعيد هذا مما لم يصح ، فقد أخرجه من طريق فيه متروك شديد الضعف ، كما هو مبين في المكان المشار إليه من الضعيفة . وهذه من عادة الشيعة قديماً وحديثاً أنهم يستحلون الكذب على أهل السنة عملاً في كتبهم وخطبهم بعد أن صرحوا باستحلالهم للتقية كما صرح بذلك الخميني في كتابه كشف الأسرار ، وليس يخفى على أحد أن التقية أخت الكذب ! ولذلك قال أعرف الناس بهم شيخ الإسلام ابن تيمية : الشيعة أكذب الطوائف ! وأنا شخصياًّ قد لمست كذبهم لمس اليد في بعض مؤلفيهم وبخاصة عبد الحسين هذا ، والشاهد بين يديك فإنه فوق كذبته المذكورة أوهمَ القراء أن الحديث عند أهل السنة من المسلمات بسكوته عن علته وادعائه كثرة طرقه . وقد كان أصرح منه في الكذب الخميني فإنه صرح في الكتاب المذكور / 149 ، أن آية العصمة نزلت يوم غدير خم بشأن إمامة علي بن أبي طالب باعتراف أهل السنة واتفاق
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 19 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الشيعة . كذا قال عامله الله بما يستحق ) . انتهى .
نقول للألباني : دع عنك التهم والشتائم وتصنيف من هم أصدق الطوائف وأكذبها ، فنحن لا نقول إن الشيعة كلهم عدول كالصحابة فهذا من الكذب ! لكن نقول إن النواصب أولى بالكذب والزور ، لأنهم كذبوا على أنفسهم فأبغضوا الذين أمرهم الله بحبهم ، وكذبوا على أنفسهم فنصبوا أشخاصاً وشخصات جعلوا حبهم فريضة بدون سلطان !
وقد اعترفت أنت بظلم ابن تيمية لعلي عليه السلام وكذبه في إنكار حديث الغدير ( من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ) فصححت الحديث واعترفت بالحق مشكوراً ، وكتبت صفحات في ذلك في صحيحتك : 5 / 330 برقم 1750 ، ثم قلت في / 344 : ( إذا عرفت هذا فقد كان الدافع لتحرير الكلام على الحديث وبيان صحته : أنني رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قد ضعَّف الشطر الأول من الحديث ، وأما الشطر الآخر فزعم أنه كذب ! وهذا من مبالغاته الناتجة في تقديري من تسرعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها ويدقق النظر فيها . والله المستعان ) . انتهى . فقد اعترفت أيها الألباني بكذب إمامك على علي عليه السلام ، فكيف تقبل شهادته في اتهام شيعته ؟ !
ثم تعال أيها الشيخ الألباني ، لننظر هل صدقت في حكمك على حديث نزول آية : وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، في بيعة الغدير ، بأنه باطل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
منكر ، وقلت عن طرقه : ( مراسيل ومعاضيل أكثرها ) ! فلماذا قلت أكثرها ولم تأت بغير الأكثر الذي استثنيته من الإرسال والإعضال ؟ ! هل خفت أن يكون صحيحاً ويلزمك بالإيمان برسالة ربك التي أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يبلغها في ولاية علي عليه السلام ؟ ! وهل رأيت طرق الثعلبي ، وأبي نعيم ، والواحدي ، وأبي سعيد السجستاني ، والحسكاني ، وبحثت أسانيدهم فوجدت في رواتها من لم تعتمد أنت عليهم ؟ ! كلا ، بل وقعت فيما وصفت به ابن تيمية من التسرع والتعصب ، أي الكذب والتدليس ؟ !
على أي لم يَفُتْ الوقت فنرجو أن تتفضل بقراءة ما كتبته في تفسير الآية ، وترى الطرق والأسانيد التي قدمناها وتبحثها على مبانيك التي ذكرتها في كتبك ، بشرط أن لا تتناقض فتضعِّف راوياً هنا لأنه روى فضيلةً لعلي عليه السلام ، ثم توثقه عندما يروي فضيلة لخصوم علي عليه السلام !
أقول : كتبت هذا الموضوع في حياة الشيخ الألباني قبل وفاته بنحو سنتين ، وأرسلته له إلى الأردن ، مع طرق الحديث من شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني تلميذ الحاكم صاحب المستدرك : 1 / 250 - 257 ، وهي عدة طرق وفيها الصحيح على مبناه ، ولم يجبني ! ثم ذكرت ذلك ل‍ ( صديقه ) الحافظ حسن السقاف ، صاحب كتاب ( تناقضات الألباني الواضحات ) فقال إن الألباني لن يجيب ، وله معه تجارب !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

أقوال علماء الحكومات في آية التبليغ

وقع علماء الخلافة في مشكلة عويصة ، فهم مضطرون لإبعاد الآية عن ولاية علي عليه السلام ، وإلا فقدوا خلافتهم ومذاهبهم ومناصبهم ، ومآكلهم ومشاربهم ! لكن ماذا يصنعون ؟ فإن قالوا إنها أمر بتبليغ الرسالة وقد نزلت في مكة كذَّبتهم الآية لأنها نزلت في آخر سورة قرب وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، وكان تبليغه للرسالة انتهى أو كاد ! وإن قالوا إن عصمته من الناس تتعلق بحياته ، فلماذا كان يتخذ الحرس من أول بعثته إلى آخر عمره الشريف ؟ !
مع ذلك فقد تعمدوا وأبعدوها عن ولاية علي عليه السلام ، وليكن ما يكون ! فتخبطوا في تفسيرها في أقوال واضحة التهافت والبطلان !
القول الأول : أنها نزلت في أول البعثة ، وأن النبي صلى الله عليه وآله خاف أن يبلغ رسالة ربه فامتنع أو تباطأ فهدده الله تعالى وطمأنه !
وهذه تهمة مشينة للنبي صلى الله عليه وآله الذي هو أعظم الناس إيماناً وشجاعة ، وحرصاً على تبليغ رسالة ربه ، بنص القرآن ، وبشهادة سيرته .
ولأن الآية وسورتها نزلت قبل شهرين تقريباً من وفاته صلى الله عليه وآله ، ومعنى قولهم أنها نزلت قبل 23 سنة من نزول المائدة !
وقد ذكر الشافعي هذا القول بلفظ : " يقال " ( الأم : 1 / 168 ) ! لكن هذا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
" اليُقال " صار قولاً معتمداً عن علماء كبار ، لأنهم لم يجدوا وجهاً غيره يبعد الآية عن يوم الغدير وولاية علي عليه السلام ، وهم مضطرون إلى ذلك ولو بالكذب على النبي صلى الله عليه وآله ( والإتكال على الله ) !
روى السيوطي في الدر المنثور : 2 / 298 والواحدي في أسباب النزول : 1 / 139 و 438 عن ابن جريج قال : ( كان النبي ( ص ) يهاب قريشاً فأنزل الله : وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، فاستلقى ثم قال : من شاء فليخذلني . مرتين أو ثلاثاً . وعن مجاهد قال : لما نزلت : بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، قال : يا رب إنما أنا واحدٌ كيف أصنع يجتمع علي الناس ؟ ! فنزلت : وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) ! والطبري : 6 / 198 . والوسيط : 2 / 208 ، عن الأنباري : ( كان النبي يجاهر ببعض القرآن أيام كان بمكة ويخفي بعضه إشفاقاً على نفسه من شر المشركين إليه وإلى أصحابه ) وقال في الكشاف : 1 / 659 ، والوسيط : 2 / 208 : إن الآية وعدٌ بالعصمة من القتل !
وأكثر المخلطين في هذا القول ابن كثير ! فقد جعل الآية في أول البعثة وخلطها بآية : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ، وبتر حديث الدار الوارد في تفسيرها وحذف منه أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يختار خليفته ووصيه من عشيرته الأقربين ، ثم أورد حديثاً مكذوباً وفسره بأن النبي صلى الله عليه وآله كان يخاف أن يقتله القرشيون فطلب من بني هاشم شخصاً يكون خليفته في أهله ليقضي دينه ، فقبل ذلك علي عليه السلام ، ثم انتفت الحاجة إليه بنزول آية العصمة من الناس ! قال في النهاية : 3 / 53 ، والسيرة : 1 / 460 : ( قال عليٌّ : لما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نزلت هذه الآية : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ، قال لي رسول الله : إصنع لي رجل شاة بصاع من طعام وإناء لبناً وادع لي بني هاشم ، فدعوتهم وإنهم يومئذ لأربعون غير رجل . . . إلى أن قال : أيكم يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي ؟ قال فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله . . . قلت : أنا يا رسول الله ! قال : أنت . ومعنى قوله في هذا الحديث : من يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي يعني إذا مت ، وكأنه ( ص ) خشي إذا قام بإبلاغ الرسالة إلى مشركي العرب أن يقتلوه فاستوثق من يقوم بعده بما يصلح أهله ويقضي عنه ، وقد أمنه الله من ذلك في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) . انتهى .
وقد تجاهل ابن كثير أن روايته تنسب الجبن إلى النبي صلى الله عليه وآله حتى في المرحلة الأولى التي كان مأموراً فيها بدعوة عشيرته الأقربين فقط !
القول الثاني : أنها نزلت في مكة قبل الهجرة ، فاستغنى النبي صلى الله عليه وآله عن حراسة عمه أبي طالب أو عمه العباس ! وهذا القول هو المشهور في مصادرهم ، وبعض رواياته نصت على نزولها في مكة ، وبعضها لم تنص كرواية عائشة لكن البيهقي والسيوطي وغيرهما فسروها بذلك . روى في الدر المنثور : 2 / 298 ، عن ابن مردويه والضياء في المختارة ، عن ابن عباس قال : ( سئل رسول الله ( ص ) : أي آية أنزلت من السماء أشد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
عليك ؟ فقال : كنت بمنى أيام الموسم واجتمع مشركو العرب وأفناء الناس في الموسم فنزل علي جبريل فقال : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، قال : فقمت عند العقبة فناديت : يا أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالة ربي ولكم الجنة ؟ أيها الناس قولوا لا إله إلا الله وأنا رسول الله إليكم ، تنجوا ولكم الجنة . قال فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلا يرمون علي بالتراب والحجارة ويبصقون في وجهي ويقولون كذاب صابئ ، فعرض عليَّ عارض فقال : يا محمد إن كنت رسول الله فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك ، فقال النبي : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ، وانصرني عليهم أن يجيبوني إلى طاعتك ، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه . قال الأعمش : فبذلك تفتخر بنو العباس . . . وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : كان رسول الله ( ص ) إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه ، حتى نزلت : وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، فذهب ليبعث معه فقال : يا عم إن الله قد عصمني لا حاجة لي إلى من تبعث ) ! والطبراني الكبير : 11 / 205 ، والزوائد : 7 / 17 .
أما رواية عائشة فرواها الترمذي : 4 / 317 : ( قالت : كان النبي يُحرس حتى نزلت هذه الآية : وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، فأخرج رسول الله ( ص ) رأسه من القبة فقال لهم : يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله ) . والحاكم : 2 / 313
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
. وقال البيهقي في سننه : 9 / 8 : ( قال الشافعي : يعصمك من قتلهم أن يقتلوك حتى تبلغهم ما أنزل إليك ، فبلغ ما أمر به فاستهزأ به قومه فنزل : فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ ) .
وفي الدر المنثور : 2 / 291 ، و 298 : ( وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : كان العباس عم النبي فيمن يحرسه فلما نزلت : وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، ترك رسول الله الحرس . وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أبي ذر قال : كان رسول الله لا ينام إلا ونحن حوله من مخافة الغوائل حتى نزلت آية العصمة ) . وأخذ بهذا القول : السهيلي في الروض الأنف : 2 / 290 ، والقسطلاني في إرشاد الساري : 5 / 86 ، وابن العربي في شرح الترمذي : 6 جزء 11 / 174 . والعيني في عمدة القاري : 14 / 95 وابن جزي في التسهيل : 1 / 244 ، والنويري في نهاية الأرب : 16 / 196 ، والنيسابوري في الوسيط : 2 / 209 ، والدميري في حياة الحيوان : 1 / 79 . والزمخشري : 1 / 659 ، والفخر الرازي : 6 جزء 12 / 50 ، مع أنهما قالا غير ذلك كما تقدم ! وأخذ به صاحب السيرة الحلبية : 3 / 327 ، واغتنم الآية لإثبات فضيلة لأبي بكر فناقض نفسه ! قال : ( سعد بن معاذ حرسه ليلة يوم بدر ، وفي ذلك اليوم لم يحرسه إلا أبو بكر شاهراً سيفه حين نام بالعريش ) .
ويدل على بطلان هذا القول : أن الآية في سورة المائدة نزلت قبيل وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، ولا يصح ربطها بالحراسة ، وعمدة أدلتهم على ذلك رواية القبة عن عائشة ، لكنها تدل على إلغائه الحراسة في المدينة ، والترمذي لم يصححها ، وضعف سندها سعيد بن منصور : 4 / 1503 .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ورواية حراسة العباس للنبي صلى الله عليه وآله ضعفها الهيثمي . وغيرهما ليس مسنداً .
لكن مهما صحت رواياتهم فالواقع يكذبها ، لأن المجمع عليه في سيرته صلى الله عليه وآله أنه كان يطلب من قبائل العرب أن تحميه وتمنعه من القتل لكي يبلغ رسالة ربه ، وقد بايعه الأنصار بيعة العقبة على أن يحموه ويحموا أهل بيته مما يحمون منه أنفسهم وأهليهم ، فلو كانت آية العصمة نزلت في مكة وكان معناها كما زعموا ، لما احتاج إلى ذلك !
كما أن غرض هذا القول تقليل دور أبي طالب رحمه الله في نصرة النبي صلى الله عليه وآله وإثبات دور مميز للعباس في حمايته ، مع أن دوره كان عادياً كبقية بني هاشم الذين لم يسلموا ولم يهاجروا !
القول الثالث : أنها نزلت في المدينة ، فألغى النبي صلى الله عليه وآله حراسته !
ورووا فيه أحاديث ، منها حديث القبة المتقدم عن عائشة . وفي الدر المنثور : 2 / 298 : ( أخرج الطبراني وابن مردويه عن عصمة بن مالك الخطمي قال : كنا نحرس رسول الله ( ص ) بالليل حتى نزلت : وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، فترك الحرس . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال : لما نزلت : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ . . . قال رسول الله : لا تحرسوني إن ربي قد عصمني . وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن شقيق : كان يعتقبه ناس من أصحابه فلما نزلت : وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، فخرج فقال : يا أيها الناس الحقوا بملاحقكم ، فإن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله قد عصمني من الناس . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي أن رسول الله ما زال يحارسه أصحابه حتى أنزل الله : وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، فترك الحرس حين أخبره أنه سيعصمه من الناس ) . وتاريخ المدينة : 1 / 301 ، عن ابن شقيق والقرظي ، والطبري : 6 / 199 ، عن ابن شقيق . والطبقات : 1 / 113 ، والبيهقي في دلائل النبوة : 2 / 180 .
ويدل على بطلان هذا القول ، وكل الأقوال التي ربطت نزول آية التبليغ بالحراسة ، أنها نزلت في سورة المائدة بعد الوقت الذي زعموه مضافاً إلى أن حراسته صلى الله عليه وآله استمرت إلى آخر عمره الشريف كما يأتي !
القول الرابع : أنها نزلت في المدينة في السنة الثانية ، بعد أحُد !
في الدر المنثور : 2 / 291 : ( أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عطية بن سعد قال : جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله ( ص ) فقال : يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثير عددهم ، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود وأتولى الله ورسوله . فقال عبد الله بن أبي : إني رجل أخاف الدوائر ، لا أبرأ من ولاية مواليَّ . فقال رسول الله لعبد الله بن أبي : أبا حباب أرأيت الذي نفستَ به من ولاء يهود على عبادة فهو لك دونه ! قال : إذن أقبل ، فأنزل الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ . . إلى أن بلغ إلى قوله : وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) . انتهى .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقصدهم أن آية التبليغ نزلت في سياق النهي عن تولي اليهود ، فيكون موضوعها النهي عن ولايتهم ، وليس وجوب ولاية علي عليه السلام .
ويكفي لبطلان هذا القول ، أنه من كلام عطية بن سعد ولم يسنده إلى النبي صلى الله عليه وآله . وهو لا يفسر : وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، مضافاً إلى عدم صحة نزول الآيات في سورة المائدة في قصة ولاء ابن سلول لليهود ، الذي توفي قبل نزول سورة المائدة بنحو سنتين ! ( تاريخ الطبري : 2 / 381 ) .
القول الخامس : أنها نزلت أثر محاولة شخص اغتيال النبي صلى الله عليه وآله ، وتناقضت روايتهم في ذلك ، فقال بعضها إن الحادثة كانت في غزوة بني أنمار المعروفة بذات الرقاع ، وإن شخصاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وطلب منه أن يعطيه سيفه ليراه ، فأعطاه النبي صلى الله عليه وآله إياه بكل سهولة ! أو كان علقه وغفل عنه ، أو دلى رجليه في البئر وغفل عنه . . . إلخ . !
قال السيوطي في الدر المنثور : 2 / 298 : ( وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال : لما غزا رسول الله ( ص ) بني أنمار نزل ذات الرقاع بأعلى نخل ، فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه ! فقال غورث بن الحرث : لأقتلن محمداً ، فقال له أصحابه : كيف تقتله ؟ قال أقول له أعطني سيفك فإذا أعطانيه قتلته به ! فأتاه فقال : يا محمد أعطني سيفك أشِمْهُ ، فأعطاه إياه فرعدت يده ، فقال رسول الله : حال الله بينك وبين ما تريد ، فأنزل الله : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رَبِّكَ . . الآية . وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال : كان رسول الله ( ص ) إذا نزل منزلاً اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها ، فأتاه أعرابي فاخترط سيفه ثم قال : من يمنعك مني ؟ قال : الله ، فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف منه ، قال : وضرب برأسه الشجرة حتى انتثرت دماغه فأنزل الله : وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ .
وأخرج ابن حبان وابن مردويه عن أبي هريرة قال : كنا إذا صحبنا رسول الله في سفر تركنا له أعظم دوحة وأظلها فينزل تحتها . . الخ . ) .
ومما يدل على بطلان هذا القول ، أن غزوة ذات الرقاع كانت في السنة الرابعة من الهجرة ( سيرة ابن هشام : 3 / 225 ) أي قبل نزول سورة المائدة بسنوات ، وبعض روايات قصة غورث بلا تاريخ ، وبعضها غير معقول !
على أن نزولها في قصة غورث معارض برواية مصادرهم المعتمدة ، ففي سيرة ابن هشام : 3 / 227 ، أن الآية التي نزلت في قصة غورث قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ، وهذا لا يصح لأن هذه الآية من سورة المائدة أيضاً ! كما روى بخاري وغيره تشريع صلاة الخوف في غزوة الرقاع ، وتشديد الحراسة على النبي صلى الله عليه وآله حتى في الصلاة ، وهو كافٍ لرد نزول آية العصمة فيها ! قال في صحيحه : 5 / 53 : ( عن جابر قال : كنا مع النبي ( ص ) بذات الرقاع فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
للنبي ، فجاء رجل من المشركين وسيف النبي معلق بالشجرة ، فاخترطه فقال له : تخافني ؟ فقال لا . قال فمن يمنعك مني ؟ قال الله . فتهدده أصحاب النبي ( ص ) وأقيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين . . اسم الرجل غورث بن الحرث ) . ونحوه الحاكم : 3 / 29 ، على شرط الشيخين ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله صلى بعد الحادثة صلاة الخوف بحراسة مشددة ! وروى أحمد قصة غورث : 3 / 364 و 390 و : 4 / 59 ، وفيها صلاة الخوف وليس فيها نزول الآية ! ومجمع الزوائد : 9 / 8 ، بتفصيل وليس فيها نزول الآية !

ملاحظات على تفسيرهم للآية

1 - مع أن أصحاب الصحاح والسنن المعتمدة عندهم حريصون على رد مذهب أهل البيت عليهم السلام ، ويعرفون أنهم يستدلون بآية التبليغ على مذهبهم ، لكنهم لم يرووا أي رواية صحيحة في رد مذهبنا ! مع أن بخاري عقد للآية في صحيحه بابين : في : 5 / 88 ، والثاني في : 8 / 9 ، وتعرض للآية في : 6 / 50 ، و : 8 / 210 ، وكذا مسلم : 1 / 110 . وبذلك بقيت روايات الشيعة وما وافقها من روايات السنة بلا معارض من صحاحهم !
2 - شملت رواياتهم في نزول الآية كل مدة بعثة النبي صلى الله عليه وآله وهجرته ما عدا حجة الوداع ! فاستثناؤهم تلك الفترة وحدها ، يوجب الشك في تعمدهم الهروب من سبب نزول الآية !
3 - سبب نزول الآية في مصادرنا واحدٌ ، بتاريخ واحد ن على نحو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الجزم واليقين ، وفي مصادرهم أسبابٌ متعددة ، بتواريخ متناقضة ، وهم منها في شكٍّ وحيرة .
4 - رووا في سبب نزول الآية ما يوافق مذهب أهل البيت عليهم السلام ، والسبب المجمع على روايته أقوى وأحق بالاتباع من المختلف فيه .
5 - طعنوا برسول الله صلى الله عليه وآله وكذبوا عليه في تفسير الآية ! فقد رأيت أحاديثهم المكذوبة ونسبته إليه صلى الله عليه وآله أفعالاً لم يفعلها ! مضافاً إلى طعنهم في شخصيته صلى الله عليه وآله وأنه خاف فلم يبلغ رسالة ربه حتى طمأنه وضمن له أنه لا يقتل ! بل يدل كلامهم على أن النبي صلى الله عليه وآله لم يثق بوعد ربه ، فاتخذ الحرس طوال حياته ! وتمادى ابن حجر في الطعن بالنبي صلى الله عليه وآله فقد قال القرطبي إن صلى الله عليه وآله كان وحده في قصة غورث بدون حراسة فتكون الآية نزلت قبلها ! فأجابه ابن حجر : بل نزلت يومذاك فألغى الحرس ، أما قبلها فكان يضعف إيمانه فيتخذ الحرس ، ويقوى إيمانه فيلغيه ! وفي قصة غورث كان إيمانه قوياً فكان بلا حراسة !
قال في فتح الباري : 6 / 71 : ( قال القرطبي : هذا يدل على أنه ( ص ) كان في هذا الوقت لا يحرسه أحدٌ من الناس ، بخلاف ما كان عليه في أول الأمر فإنه كان يحرس حتى نزل قوله تعالى : وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ . قلت . . . عن أبي هريرة قال : كنا إذا نزلنا طلبنا للنبي صلى الله عليه وآله أعظم شجرة وأظلها ، فنزل تحت شجرة فجاء رجل فأخذ سيفه فقال : يا محمد من يمنعك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مني ؟ قال : الله ، فأنزل الله : وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، وهذا إسناد حسن ، فيحتمل إن كان محفوظاً أن يقال : كان مخيراً في اتخاذ الحرس فتركه مرةً لقوة يقينه ، فلما وقعت هذه القصة ونزلت هذه الآية ترك ذلك ) ! انتهى .
فاعجب لابن حجر كيف أغمض عينيه عن أن غزوة الرقاع سنة أربع ونزول الآية في سورة المائدة سنة عشر ، وراويها أبو هريرة جاء إلى المدينة سنة سبع ، ويزعم أنه كان في غزوة الرقاع ونزلت الآية فيها ! فكيف يكون إسناده حسناً !
إن كل هذا التعسف لأن ابن حجر يريد ربط الآية بالحراسة لإبعادها عن بيعة الغدير ! لكنه أشار على خوف من علماء السلطة إلى أنه يشك في أصل الموضوع بقوله : ( إن كان محفوظاً ) ، ومعناه أنه يشك في أصل تفسيرهم للعصمة بالحفظ من القتل !
هذا ، وقد روى الكليني رحمه الله : 8 / 127 ، عن الإمام الصادق عليه السلام قصة غورث وفيها معجزة نبوية وليس فيها نزول آية التبليغ ، قال : ( نزل رسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة ذات الرقاع تحت شجرة على شفير واد ، فأقبل سيل فحال بينه وبين أصحابه ، فرآه رجل من المشركين والمسلمون قيام على شفير الوادي ينتظرون متى ينقطع السيل ، فقال رجل من المشركين لقومه : أنا أقتل محمداً ، فجاء وشد على رسول الله صلى الله عليه وآله بالسيف ثم قال : من ينجيك مني يا محمد ؟ فقال : ربي وربك فنسفه جبرئيل عن فرسه فسقط على ظهره فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وأخذ السيف وجلس على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
صدره وقال : من ينجيك مني يا غورث ؟ فقال : جودك وكرمك يا محمد ! فتركه ، فقام وهو يقول : والله لأنت خير مني وأكرم ) . انتهى .
6 - لا علاقة للعصمة في الآية بالقتل والحراسة ! فلا شك أن الله تعالى كان يحرس نبيه صلى الله عليه وآله بألطافه الخاصة ، كما رأيت في قصة غورث ، وفي مواجهة قريش واليهود وعملهم المستميت لقتله منذ بعثته وحتى وفاته صلى الله عليه وآله ، لكنه مع ذلك كان مأموراً باستعمال الأسباب الطبيعية ، فطلب الحماية من الناس ، واتخذ الحراسة في مكة والمدينة إلى آخر عمره الشريف ، ولم يُلغ الحراسة كما زعموا .
والعصمة في الآية هي العصمة من ارتداد الناس إن هو أعلن ولاية علي والعترة عليهم السلام ، وأن ينكروا نبوته ويقولوا إنه يريد تأسيس ملك لبني هاشم كملك كسرى وقيصر ! وكل ما قاله علماء الخلافة لإثبات أن العصمة في الآية عصمة من القتل وأن النبي صلى الله عليه وآله ترك الحراسة بعدها ، كذبٌ محض ، لإبعاد الآية عن ولاية علي عليه السلام ! فهم يعلمون أن النبي صلى الله عليه وآله كان يطلب من قبائل العرب أن تحميه من القتل الذي يراد به حتى يبلغ رسالة ربه ، وأن حراسته كانت في مكة ، ثم في المدينة ، واستمرت إلى آخر حياته صلى الله عليه وآله ! قال اليعقوبي في تاريخه : 2 / 36 : ( وكان رسول الله يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم ، ويكلم شريف كل قوم ، لا يسألهم إلا أن يؤووه ويمنعوه ويقول : لا أكره أحداً منكم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إنما أريد أن تمنعوني مما يراد بي من القتل حتى أبلغ رسالات ربي ، فلم يقبله أحد ، وكانوا يقولون : قوم الرجل أعلم به ) !
وفي سيرة ابن هشام : 2 / 23 : ( يقف على منازل القبائل من العرب فيقول . . وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به ) . والطبري : 2 / 83 ، وابن كثير : 2 / 155 واستمر على ذلك إلى آخر عهده في مكة ، وطلب البيعة من الأنصار على حمايته وحماية أهل بيته مما يحمون أنفسهم وأهليهم .
قال ابن هشام : 2 / 38 : ( فتكلم رسول الله ( ص ) فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغَّب في الإسلام ثم قال : أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ) . والطبري : 2 / 92 ، وأحمد : 3 / 461 وأسد الغابة : 1 / 174 ، وابن كثير : 2 / 198 . . الخ .
وقد عقد المحدثون فصولاً لحراسته صلى الله عليه وآله وأسماء حراسه وقصصهم .
قال صاحب عيون الأثر : 2 / 402 : ( وحرسه يوم بدر حين نام في العريش : سعد بن معاذ ويوم أحد : محمد بن مسلمة ، ويوم الخندق : الزبير بن العوام . وحرسه ليلة بنى بصفية : أبو أيوب الأنصاري بخيبر . . . وحرسه بوادي القرى : بلال وسعد بن أبي وقاص وذكوان بن عبد قيس . وكان على حرسه ( مسؤولاً ) عباد بن بشر ) . وروى بخاري في فتح مكة : 5 / 91 : ( خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله . . . فرآهم ناس من حرس رسول الله فأدركوهم فأخذوهم ) . وروى أحمد : 2 / 222 ، حديثاً موثقاً أن أصحابه صلى الله عليه وآله كانوا يحرسونه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في غزوة تبوك ، أي في أواخر عمره الشريف !
ويضاف إلى ذلك أسطوانة الحرس التي ما زالت في المسجد النبوي بهذا الاسم ، منذ عام الوفود في السنة التاسعة . ( ابن هشام : 4 / 214 ) !
فهل ينكرها المخالفون ليبعدوا الآية عن ولاية علي عليه السلام ؟ ! وهل تثنيهم الأدلة عن ذلك لأنهم أشربوا الإعراض عن علي عليه السلام ؟ !
7 - خلاصة معنى الآية : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ : ناداه باسمه المناسب لمهمته ، يقول له إنما أنت رسولٌ مبلغ ، ولست مسؤولاً عن النتيجة .
بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ : وأمرك به جبرئيل في علي عليه السلام ، وحاولت تبليغه في حجة الوداع فشوش عليك المنافقون . ولم يقل بلغ ما سوف ينزل إليك لأنه أنزله ، ولم يبينه له لأنه بينه والنبي صلى الله عليه وآله يعرفه وكان يتحين الفرصة المناسبة أو التمهيد المناسب ، فأمره الله أن يبلغه الآن . فالماضي ( أُنزل ) هنا حقيقي على أصله ، ولا قرينة تصرفه إلى المستقبل .
ولا يصح أن يكون تم تبليغه وإلا لما صح قوله : وإنْ لَمْ تَفْعَلْ ، ولا أن يكون كل الرسالة لأنه يكون بلا معنى كقولك : يا فلان بلغ رسائلي كلها ، فإنك إن لم تفعل لم تبلغ رسائلي !
أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ : لأنه أمر من شؤون الربوبية والإدارة .
وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ : لأن ما آمرك بتبليغه مكملٌ لرسالتك وضامنٌ لكل تبليغك ، فولاية عترتك من بعدك ليست أمراً شخصياً كما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 36 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يظنها المنافقون ، بل جزءٌ لا يتجزأ من هذه الرسالة الخاتمة الموحدة ، وإذا انتفى الجزء انتفى الكل ، وبدونها تبقى الرسالة ناقصة والناقص لا اعتبار به ، ورسالتك كالصرح حَجَرُهُ الأخير هو أساسه كحجره الأول .
وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ : من أن يطعن القرشيون في نبوتك بسبب هذا التبليغ الثقيل عليهم ، ويتهموك بأنك حابيت أسرتك واستخلفت عترتك ، فسوف نمنعهم من أن يرفضوا نبوتك ، وسيظهرون لك الطاعة ويبايعون علياً وتمر المسألة بسلام ، إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ ، فأتم الحجة لربك ، ثم لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ، إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ .
فخوف النبي صلى الله عليه وآله إنما كان على الإسلام من أن ترتد عنه قريش وليس على نفسه ، وعصمته التي ضمنها الله تعالى هي حفظ نبوته عند قريش وليست عصمةً من القتل أو الجرح أو الأذى ، لذلك لم تتغير حراسته صلى الله عليه وآله بعدها ، ولا المخاطر والأذايا التي كان يواجهها بل زادت .
وقال الفخر الرازي : 12 / 50 : ( واعلم أن المراد من الناس هاهنا الكفار بدليل قوله تعالى : وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ . . . لا يمكنُّهم مما يريدون ) .
ثم ذكر الرازي رواية عائشة في إلغاء النبي صلى الله عليه وآله الحراسة ! وكلامه لا يصح ، لأن عائشة تقصد تاريخاً قبل سورة المائدة ، ولأن لفظ الناس مطلق ولا قرينة على حصره بالكفار ، وخطر المنافقين عند نزول الآية على النبي صلى الله عليه وآله كان أشد من خطر غيرهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 37 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ : الذين يظلمون عترتك من بعدك ، ويبدلون نعمة الله كفراً ، ويظلمون بذلك الأمة ويقودونها إلى الصراع على الحكم ويسببون انهيارها ، إلى أن يبعث الله المهدي من ولدك ! فالذين يطعنون في النبي صلى الله عليه وآله ويتهمونه بأنه ينطق عن الهوى ويحابي عترته ، هم كما قال عمار بن ياسر رحمه الله : ( ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر ، فلما وجدوا عليه أتباعاً أظهروه ) ! ( مجمع الزوائد : 1 / 113 ) فلا يستحقون أن يهديهم الله ! لذلك ضمن إسكاتهم حتى يبلغ رسوله رسالته ويتم الحجة عليهم ! وقد وفى الله لرسوله صلى الله عليه وآله بما وعد ، فأعلن النبي صلى الله عليه وآله يوم الغدير خلافة علي والعترة عليهم السلام بصراحة ، وأمرهم أن يهنؤوه بتولية الله عليهم ، ففعلوا على كره ، ولم يطعن أحد منهم في نبوته صلى الله عليه وآله ! لكنهم عند وفاته صلى الله عليه وآله أقصوا علياً والعترة ، وفعلوا ما فعلوا !
والنتيجة : أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يطلب الحماية من الناس لتبليغ رسالته ، على سنته عز وجل في أنبيائه عليهم السلام ، فحصل عليها من الأنصار ، وكان يحمي نفسه بالحراسة . وقد نصره الله وهزم أعداءه المشركين واليهود ، وشملت دولته الجزيرة العربية إلى أكراف الشام واليمن والبحرين وساحل الخليج . وصار جيشه يهدد الروم في الشام فلسطين ، وها هو صلى الله عليه وآله في السنة العاشرة يودع المسلمين ويتلقى آية تأمره بالتبليغ وتطمئنه بالعصمة من الناس ! فما عدا مما بدا ، حتى نزل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 38 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأمر بالتبليغ في آخر التبليغ ! وصار النبي صلى الله عليه وآله الآن وهو قائد الدولة القوية بحاجة إلى حماية وعصمة من الناس ؟ ! إنها ليست الحماية المادية ، فقد وفرها الله له بالأسباب الطبيعية وألطافه على أحسن وجه .
لكن تبليغه صلى الله عليه وآله لرسالة ربه في عترته عليهم السلام يحتاج إلى حماية من قريش لأنها عنيفة في حب السلطة وشرسة من أجلها ! فمصدر الخطر على ترتيب النبي صلى الله عليه وآله لخلافته كان محصوراً في قريش وحدها لا غير ! فلا قبائل العرب ولا اليهود ولا النصارى ، يستطيعون التدخل في هذا الأمر الداخلي وإعطاء الرأي فيه ، فضلاً عن عرقلة تبليغه أو تنفيذه !
وكأن النبي صلى الله عليه وآله كان آيساً من إمكانية تنفيذ الموضوع ، فهو يعرف طبيعة قريش وتعقيدها النفسي وإغراقها في المادية والمراوغة ، كقبائل اليهود الماديين المعقدين ، الذين عانى منهم موسى والأنبياء عليهم السلام ! لذلك أمره الله أن يتم عليهم الحجة ، وطمأنه بعصمته من ارتدادهم .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 39 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

آية إكمال الدين مع سياقها

قال الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْىَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الآثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ . حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقُ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لآثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسم اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) . ( المائدة : 1 - 4 ) .

هل نزلت الآية في وسط أحكام اللحوم ؟ !

أول ما يفاجؤك غرابة مكان الآية ! فقد رووا أنها نزلت في حجة الوداع آية مستقلة لا جزء آية ، وها هي في القرآن جزء من آية اللحوم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 40 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وكأنها حشرت حشراً فيها ، بحيث لو رفعتها لما نقص من معنى الآية شئ ، بل اتصل السياق !
ثم كيف نفسر هذا التناقض حيث قال سبحانه : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، أي تمَّت الأحكام ، ثم يقول بعدها : فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ . . ثم يواصل تنزيل أحكام اللحوم ، والصيد ، وطعام أهل الكتاب ، وأحكام الزواج والنساء ! فكيف أكمل دينه ، ولم يكمله ؟ !
قال في الدر المنثور : 2 / 257 و 59 : ( عن ابن عباس . . فلما كان واقفاً بعرفات نزل عليه جبريل وهو رافع يده والمسلمون يدعون الله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، يقول حلالكم وحرامكم فلم ينزل بعد هذا حلالٌ ولا حرامٌ . . عن السدي في قوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، قال : هذا نزل يوم عرفة فلم ينزل بعدها حرامٌ ولا حلالٌ ) . فهل السياق بأمر النبي صلى الله عليه وآله ؟ أم أن الآية وضعت هنا في وسط آية ، باجتهاد بعض الصحابة ؟ !
باختصار : حيث لا توجد قرينة داخلية أو خارجية على اتصال السياق هنا ، فلا يمكن ربط الآية بما قبلها أو بعدها .

الأقوال الثلاثة في تفسير آية إكمال الدين

1 - قول أهل البيت عليهم السلام : أنها نزلت يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة ، في رجوع النبي صلى الله عليه وآله من حجة الوداع ، عندما أمره الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 41 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تعالى أن يوقف المسلمين في غدير خم ويبلغهم ولاية علي عليه السلام ، فأوقفهم وبلغهم ما أمره به ربه . وهذه نماذج من أحاديثهم عليهم السلام :
ما تقدم من الكافي : 1 / 289 ، عن الإمام الباقر عليه السلام قال : ( وكانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى ، وكانت الولاية آخر الفرائض ، فأنزل الله عز وجل : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ، قال أبو جعفر عليه السلام : يقول الله عز وجل : لا أنزل عليكم بعد هذه فريضة ، قد أكملت لكم الفرائض ) . وفي الكافي : 1 / 198 : ( عن عبد العزيز بن مسلم قال : كنا مع الرضا عليه السلام بمرو ، فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مقدمنا ، فأداروا أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها ، فدخلت على سيدي عليه السلام فأعلمته خوض الناس فيه ، فتبسم عليه السلام ثم قال : يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن آرائهم ، إن الله عز وجل لم يقبض نبيه صلى الله عليه وآله حتى أكمل له الدين ، وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شئ ، بين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام ، وجميع ما يحتاج إليه الناس كملاً فقال عز وجل : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَئٍ ، وأنزل في حجة الوداع وهي آخر عمره صلى الله عليه وآله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا ، وأمر الإمامة من تمام الدين ، ولم يمض صلى الله عليه وآله حتى بين لأمته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد سبيل الحق ، وأقام لهم علياً عليه السلام عَلَماً وإماماً ، وما ترك شيئاً تحتاج إليه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 42 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأمة إلا بينه ، فمن زعم أن الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله ، ومن رد كتاب الله فهو كافر به !
هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة ، فيجوز فيها اختيارهم ؟ ! إن الإمامة أجل قدراً وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم أو يقيموا إماماً باختيارهم . . . إن الإمامة خصَّ الله عز وجل بها إبراهيم الخليل عليه السلام بعد النبوة والخلة مرتبةً ثالثة وفضيلة شرفه بها وأشاد بها ذكره فقال : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ، فقال الخليل عليه السلام سروراً بها : ومن ذريتي ؟ قال الله تبارك وتعالى : لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ، فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة ، وصارت في الصفوة عليهم السلام . . ) .
2 - قول السنيين الموافق لأهل البيت عليهم السلام : وقد رووا حديث الغدير بعشرات الروايات وفيها صحاح من الدرجة الأولى ، جمعها بعض علمائهم كالطبري المؤرخ في كتابه ( الولاية ) فبلغت طرقها ونصوصها مجلدين ، وابن عقدة وابن عساكر وغيرهم . وتنص على أن النبي صلى الله عليه وآله دعا علياً وأصعده معه على المنبر ورفع يده حتى بان بياض إبطيهما وبلَّغَ الأمة ما أمره الله تعالى فيه ، وأمر المسلمين أن يهنؤوه ويبايعوه ، وقال له عمر بخ بخ لك يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ! . . . إلخ . ونص بعضها على أن آية إكمال الدين نزلت يومها بعد خطبة النبي صلى الله عليه وآله . لكن أن أكثر علمائهم لم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 43 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يقبلوا أحاديث نزولها يوم الغدير ، مع أنهم صححوا أحاديث الغدير ، والسبب أنهم أخذوا بقول عمر ومعاوية ، أنها نزلت يوم عرفة ! فحديث الغدير عندهم محل إجماع ونزول آية إكمال الدين فيه محل خلاف .
أما علماؤنا فجمع عدد منهم أحاديث الغدير وآياته ، ومن أشهرهم : النقوي الهندي في عبقات الأنوار ، والسيد المرعشي في شرح إحقاق الحق ، والسيد الميلاني في نفحات الأزهار ، والشيخ الأميني في كتابه الغدير ، وقد أورد عدداً من روايات السنيين في نزول الآية يوم الغدير وهذه خلاصة ما ذكره رحمه الله : ( ومن الآيات النازلة يوم الغدير في أمير المؤمنين عليه السلام قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا . ثم أورد عدداً من المصادر التي روتها ، منها :
1 - الحافظ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتاب ( الولاية ) بإسناده عن زيد بن أرقم نزول الآية الكريمة يوم غدير خم في أمير المؤمنين عليه السلام . . .
2 - الحافظ ابن مردويه الأصفهاني ، من طريق أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري . . . ثم رواه عن أبي هريرة .
3 - الحافظ أبو نعيم الأصبهاني ، في كتابه ( ما نزل من القرآن في علي ) . . . عن أبي سعيد الخدري : أن النبي ( ص ) دعا الناس إلى علي في غدير خم ، وأمر بما تحت الشجرة من الشوك فقمَّ ، وذلك يوم الخميس فدعا علياً فأخذ بضبعيه فرفعهما ، حتى نظر الناس إلى بياض إبطي رسول الله ، ثم لم يتفرقوا حتى نزلت هذه الآية : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . الآية . إلخ .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 44 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
4 - الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في تاريخه : 8 / 290 ، عن أبي هريرة عن النبي ( ص ) : من كنت مولاه فعلي مولاه ، فقال عمر بن الخطاب : بخٍ بخٍ يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم ، فأنزل الله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . الآية .
5 - الحافظ أبو سعيد السجستاني ، في كتاب الولاية ، عن أبي سعيد الخدري . . .
6 - أبو الحسن ابن المغازلي الشافعي ، في مناقبه عن أبي هريرة . . .
7 - الحافظ الحاكم الحسكاني ، عن أبي سعيد الخدري : إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما نزلت هذه الآية : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، قال : الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب برسالتي وولاية علي بن أبي طالب من بعدي .
8 - الحافظ ابن عساكر الشافعي الدمشقي ، بطريق ابن مردويه ، عن أبي سعيد وأبي هريرة . ( الدر المنثور : 2 / 259 ) .
9 - أخطب الخطباء الخوارزمي ، في المناقب / 80 . . . عن أبي سعيد الخدري أنه قال : إن النبي صلى الله عليه وآله يوم دعا الناس إلى غدير خم أمر بما كان تحت الشجرة من الشوك فقمَّ ، وذلك يوم الخميس ثم دعا الناس إلى علي ، فأخذ بضبعه فرفعها حتى نظر الناس إلى إبطيه ، حتى نزلت هذه الآية : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . الآية . . . وروى في المناقب / 94 .
10 - أبو الفتح النطنزي روى في كتابه الخصايص العلوية ، عن أبي سعيد الخدري وجابر الأنصاري . . .
11 - أبو حامد سعد الدين الصالحاني ، عن مجاهد قال : نزلت هذه الآية : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ بغدير خم ، فقال رسول الله : الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي . رواه الصالحاني .
12 - شيخ الإسلام الحمويني الحنفي ، روى في فرايد السمطين في الباب الثاني عشر ، قال . . ) . ( الغدير : 1 / 230 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 45 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

3 - قول عمر ومعاوية أنها نزلت يوم عرفة

وهو القول المشهور عند السنيين ، رواه بخاري في صحيحه : 1 / 16 : أن رجلاً من اليهود قال لعمر : ( يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً ! قال : أيَّةُ آية ؟ قال : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًاً . قال عمر : قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ( ص ) وهو قائم بعرفة ، يوم جمعة ) . ونحوه في : 5 / 127 ، وفيه : ( وهو واقف في عرفة . . . قالت اليهود لعمر : إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيداً ! فقال عمر : إني لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت ، وأين رسول الله ( ص ) حين أنزلت ، يوم عرفة وأنا والله بعرفة . قال سفيان : وأشك كان يوم الجمعة ، أم لا ) . وفي بعضها أن اليهودي كعب الأحبار .
وقلدت مصادر السنيين الرسمية رواية بخاري هذه ، وتعصب لها علماؤهم ، ولم يَصْغَوْا لرد النسائي وسفيان الثوري وغيرهما أن يكون يوم عرفة في حجة الوداع يوم جمعة ! ولا لرواياتهم الصحيحة المتقدمة المؤيدة لرأي أهل البيت عليهم السلام ! فيكفي عندهم أن يقول عمر إنها لم تنزل يوم الغدير ، بل في عرفات قبل الغدير بتسعة أيام ، فهو مقدم على كل اعتبار !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 46 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
قال السيوطي في الإتقان : 1 / 75 ، في الآيات التي نزلت في السفر : ( منها : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . في الصحيح عن عمر أنها نزلت عشية عرفة يوم الجمعة عام حجة الوداع ، وله طرقٌ كثيرة لكن أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري : أنها نزلت يوم غدير خم . وأخرج مثله من حديث أبي هريرة ، وفيه أنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة مرجعه من حجة الوداع . وكلاهما لا يصح ) . ونحوه الدر المنثور : 2 / 259 .
أما لماذا لا يصح فلأنه عمر قال غيره ! وهذا هو الموقف العام لمذاهب الخلافة ، فهم يقولون بصحة حديث الغدير ، لكن الآية نزلت قبله ولم تنزل فيه ، حتى لو خالفه الحساب والتاريخ والجغرافيا !
ومن المتعصبين لرأي عمر في الآية : ابن كثير ، وخلاصة كلامه في تفسيره : 2 / 14 : ( عن السدي : نزلت هذه الآية يوم عرفة ، ولم ينزل بعدها حلالٌ ولا حرامٌ . وقال ابن جرير وغير واحد : مات رسول الله ( ص ) بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يوماً ، رواهما ابن جرير ) .
ثم ذكر ابن كثير رواية مسلم وأحمد والنسائي والترمذي المتقدمة وقال : ( قال سفيان : وأشك كان يوم الجمعة أم لا . وشك سفيان رحمه الله إن كان في الرواية فهو تورُّعٌ حيث شك هل أخبره شيخه بذلك أم لا ، وإن كان شكاً في كون الوقوف في حجة الوداع كان يوم جمعة فهذا ما أخاله يصدر عن الثوري فإن هذا أمر معلومٌ مقطوعٌ به لم يختلف فيه أحدٌ من أصحاب
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 47 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
المغازي والسير ولا من الفقهاء ، وقد وردت في ذلك أحاديث متواترة لا يشك في صحتها والله أعلم . وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمر . وقال ابن جرير . . عن قبيصة يعني ابن أبي ذئب قال : قال كعب : لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيداً يجتمعون فيه ! فقال عمر : أيُّ آيةٍ يا كعب ؟ فقال : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، فقال عمر : قد علمت اليوم الذي أنزلت والمكان الذي أنزلت فيه نزلت في يوم الجمعة ويوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيدٌ . . . وقال ابن جرير . . حدثنا عمرو بن قيس السكوني أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينتزع بهذه الآية : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، حتى ختمها فقال : نزلت في يوم عرفة ، في يوم جمعة . . وقال ابن جرير : وقد قيل ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس ! ثم روى من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، يقول ليس بيوم معلوم عند الناس . قال : وقد قيل إنها نزلت على رسول الله ( ص ) في مسيره إلى حجة الوداع ) . ثم قال ابن كثير : ( قلت : وقد روى ابن مردويه من طريق أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري أنها نزلت على رسول الله ( ص ) يوم غدير خم حين قال لعلي : من كنت مولاه فعلي مولاه . ثم رواه عن أبي هريرة ، وفيه أنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة يعني مرجعه ( ص ) من حجة الوداع . ولا يصح لا هذا ولا هذا بل الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية أنها أنزلت يوم عرفة وكان يوم جمعة كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وأول ملوك
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 48 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الإسلام معاوية بن أبي سفيان ، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ، وسمرة بن جندب ، وأرسله الشعبي ، وقتادة بن دعامة ، وشهر بن حوشب ، وغير واحد من الأئمة والعلماء ، واختاره ابن جرير ) . انتهى .
وتلاحظ أن ابن كثير لا يريد الاعتراف بوجود تشكيكٍ في أن يوم عرفة كان يوم جمعة لأن ذلك يخالف قول عمر ، ولذلك التفَّ على نفي سفيان الثوري معتذراً بأنه تقوى واحتياط من الثوري ! ولم يذكر ما رواه النسائي ، والطبري في تفسيره : 4 / 111 ، قال : ( ثنا داود قال قلت لعامر : إن اليهود تقول : كيف لم تحفظ العرب هذا اليوم الذي أكمل الله لها دينها فيه ؟ فقال عامر : أوَما حفظته ؟ قلت له : فأي يوم ؟ قال : يوم عرفة أنزل الله في يوم عرفة ! وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية أعني قوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، يوم الاثنين وقالوا : أنزلت سورة المائدة بالمدينة . ذكر من قال ذلك . . . عن ابن عباس . . . وأنزلت سورة المائدة يوم الاثنين : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . ) .

آية إكمال الدين نزلت يوم الغدير وليس في عرفات !

نشكر الله أن المحدثين رووا كثيراً عن الوداع الرسولي المهيب ، الذي تم بإعلانٍ ربانيٍّ مسبق ، وإعدادٍ نبوي واسع ، وإن كانوا ضيعوا في أحاديثه هوية الأئمة الاثني عشر ، وكثيراً مما يتعلق بالعترة عليهم السلام .
وقد سجلوا حركة النبي صلى الله عليه وآله من المدينة ، والأماكن التي مر بها أو توقف فيها ، ومتى دخل مكة وأدى المناسك ، ثم حركة رجوعه صلى الله عليه وآله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 49 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حتى دخل إلى المدينة , وعاش فيها نحو شهرين هي بقية عمره الشريف صلى الله عليه وآله . وكله يؤكد قول أهل البيت عليهم السلام ، ونجمل ذلك في نقاط :
أولاً : إن التعارض بين ما دلَّ على سبب نزول الآية ، ليس بين حديثين أحدهما أصح سنداً وأكثر طرقاً ، كما صور أو تصور ابن كثير والسيوطي والطبري وغيرهم ، بل تعارضٌ بين حديث نبوي رواه أهل البيت عليهم السلام وعدد من الصحابة ، وبين قولٍ لعمر ومعاوية رواه عنه بخاري وغيره ولم يسندوه إلى النبي صلى الله عليه وآله !
ولو تنزلنا وقلنا إن أحاديث أهل البيت أقوال لهم عليهم السلام يكون التعارض بين قول صحابي وقول أئمة أهل البيت عليهم السلام ، ولا شك في أن قولهم مقدم بحكم وصية النبي صلى الله عليه وآله بهم وأنهم عِدْلُ القرآن وأحد الثقلين ، بالحديث الصحيح المتواتر ، كالذي رواه أحمد : 3 / 14 : ( عن أبي سعيد قال رسول الله ( ص ) : إني تاركٌ فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ) . ورواه أيضاً في : 3 / 17 و 26 و 59 ، و 4 / 366 ، و 371 ، والدارمي : 2 / 431 ، ومسلم 7 / 122 ، والحاكم على شرط الشيخين ، و : 3 / 109 و 148 ، وغيرهم .
ثانياً : إن جواب عمر لليهودي غير مقنعٍ لليهودي ولا للمسلم !
لأنه إن قصد أن نزولها صادف يوم جمعة ويوم عرفة ! فيقول له اليهودي : إن كان ربكم لا يعلم أنه يوم عيد فيا ويلكم من عبادته ! وإن يعلم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 50 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فكيف أنزل عيد إكمال الدين على عيد أو اثنين ، وهو يعلم أنهما سيأكلانه ؟ ! فلماذا خرَّب عليكم ربكم هذا العيد ؟ !
وإن قصد عمر أن عيد إكمال الدين أدغم وصار مشتركاً في يوم واحد مع عيد عرفة والجمعة ، فأين هو إلا عند الشيعة ؟ !
وأسوأ من ذلك أن يكون قصده أنه تعالى تعمد تذويب عيد إكمال الدين ، أو نسي فأنزله في يوم عيد ، فتدارك المسلمون الأمر بالدمج والإدغام أو التنصيف ! فمن الذي اتخذ قرار الإدغام ؟ ومن يحق له أن يدغم عيداً إلهياً في عيد آخر ، أو يطعم عيداً ربانياً لعيد آخر ؟ !
وما بال الأمة الإسلامية لم يكن عندها خبر بحادثة اصطدام الأعياد في عرفات حتى جاء هذا اليهودي في خلافة عمر ونبههم ، فأخبره عمر بأنه يوافقه على كل ما يقوله ، وأخبر المسلمين بقصة تصادم الأعياد في عرفات ، وأن الحكم الشرعي فيه الإدغام لمصلحة العيد السابق ، أو إطعام العيد اللاحق للسابق !
وهل هذه الأحكام للأعياد أحكامٌ إسلامية ربانية ، أم عمرية اعتباطية شبيهاً بقانون تصادم الأعياد الوطنية والدينية ، أو تصادم السيارات ؟ !
لقد اعترف عمر بالمشكلة التي طرحها اليهودي ، لكنه لم يحلها !
ثم رتب عليها أحكاماً من عنده لم يقل إنه سمعها من النبي صلى الله عليه وآله !
وأصل مشكلته أنه اعترف بأن يوم نزول الآية يوم عظيمٌ ومهمٌّ في
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 51 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
دين الإسلام ، لأنه يوم أكمل الله فيه تنزيل الإسلام وأتمَّ فيه النعمة على أمته ، وأنه يستحق أن يكون عيداً شرعياً للأمة تحتفل فيه وتجتمع فيه كبقية أعيادها الشرعية الثلاث : الفطر والأضحى والجمعة ، بل ادعى أنه عيد فعلاً ! ووافق كعباً على أنه لو كان عند أمة أخرى لأعلنته عيداً ربانياً شرعياً . وعليه يجب أن يكون عيد إكمال الدين شرعياً في فقه السنيين ، يضاف إلى عيدي الفطر والأضحى وعيد الجمعة ، فأين هو ؟ !
ثالثاً : إن قول عمر في الآية مردود لأنه متناقض ! فقد فهم هذا اليهودي من الآية أن الله أكمل تنزيل الإسلام وختمه يوم نزول الآية وقبل عمر منه هذا التفسير ، ومعناه أن نزولها بعد نزول جميع الفرائض والأحكام ، فصح عنده ما قاله أهل البيت عليهم السلام وما قاله السدي وابن عباس وغيرهما من أنه لم تنزل بعدها فريضةٌ ولا حكم .
ثم قال عمر وبسند صحيح : لكن نزل بعدها آيات الكلالة وأحكام الإرث وغيرها ، كما يأتي في بحث آخر ما نزل من القرآن ، فوجب أن يقول لليهودي : ليست الآية آخر ما نزل ليكون يومها عيداً !
ومن ناحية ثانية ، فتح عمر على نفسه وأتباعه فقهاء المذاهب المطالبة بعيد الآية ! الذي لا عين له ولا أثر ولا اسم ولا رسم عندهم !
ومن ناحية ثالثة ، نقض عمر إجماع المسلمين على أن الأعياد الإسلامية توقيفية ، ولا يجوز لأحد أن يشرع عيداً من نفسه ؟ !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 52 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فحجة الشيعة في جعل يوم الغدير عيداً أنهم رووا عن النبي صلى الله عليه وآله أن يوم الآية عيدٌ شرعي ، وأن جبرئيل أخبره بأن الأنبياء عليهم السلام كانوا يأمرون أممهم أن تتخذ يوم نصب الوصي عيداً . فما هي حجة عمر في تأييد كلام اليهودي وموافقته على أن ذلك اليوم يستحق أن يكون عيداً شرعياً للأمة ! ثم أخذ يعتذر له بمصادفة نزولها في يوم عيد . . الخ . !
فإن كان حَكَمَ بذلك من عند نفسه فهو تشريع وبدعة ! وإن كان سمعه من النبي صلى الله عليه وآله فلماذا لم يروه ولا رواه غيره ، إلا الشيعة ؟ !
والواقع أن عمر تورط في ( آية علي بن أبي طالب ) من نواح عديدة ولم يخرج من ورطتها ، ولا أتباعه ، إلى يومنا هذا !
رابعاً : الرواية عن عمر متعارضة ، وهذا يوجب سقوطها ، فقد رووا عنه بسند صحيح أن يوم عرفة كان يوم خميس ! ( قال يهودي لعمر : لو علينا نزلت هذه الآية لاتخذناه عيداً : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ! قال عمر : قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه والليلة التي أنزلت ، ليلة الجمعة ونحن مع رسول الله بعرفات ) ! رواه النسائي : 5 / 251 ، وروى في : 8 / 114 ، أنها نزلت في عرفات يوم جمعة !
خامساً : جزم سفيان الثوري جازماً أن يوم عرفة في حجة الوداع لم يكن يوم جمعة ! قال بخاري في روايته : ( قال سفيان وأشك كان يوم الجمعة أم لا ) . وإنما قال ( وأشك ) مداراة لجماعة عمر الذين رتبوا كل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 53 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أحداث حجة الوداع وأحداث التاريخ الإسلامي على أن يوم عرفات كان يوم جمعة ! وستأتي رواية النسائي في ذلك وتوافقها روايات نصت على أن الآية نزلت يوم الاثنين ، ففي دلائل البيهقي : 7 / 233 : ( عن ابن عباس قال : ولد نبيكم صلى الله عليه وآله يوم الاثنين ، ونبئ يوم الاثنين ، وخرج من مكة يوم الاثنين ، وفتح مكة يوم الاثنين ، ونزلت سورة المائدة يوم الاثنين : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، وتوفي يوم الاثنين ) .
قال في الزوائد : 1 / 196 : ( رواه أحمد والطبراني في الكبير وزاد فيه : وفتح بدراً يوم الاثنين ، ونزلت سورة المائدة يوم الاثنين : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف ، وبقية رجاله ثقات من أهل الصحيح ) .
وعلة الحديث عندهم مخالفته لعمر ، وليس ابن لهيعة الذي وثقه عدد منهم ، وللحديث طرقٌ بدون ابن لهيعة ، وقد صرح بذلك السيوطي وابن كثير ! قال في سيرته : 1 / 198 : ( تفرد به أحمد ورواه عمرو بن بكير عن ابن لهيعة ، وزاد : نزلت سورة المائدة يوم الاثنين : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، وهكذا رواه بعضهم عن موسى بن داود به ، وزاد أيضاً : وكانت وقعة بدر يوم الاثنين . وممن قال هذا يزيد بن حبيب ، وهذا منكرٌ جداً ! قال ابن عساكر : والمحفوظ أن بدراً ونزول : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، يوم الجمعة ، وصدق ابن عساكر ) . ومعنى ( منكر ) أنه مخالف لعمر ، ومعنى ( المحفوظ ) أي الرسمي الذي يُدَرِّسونه لرواتهم !
وأخيراً ، إن إشكالنا عليهم بأحاديث نزول الآية يوم الاثنين ، إلزامٌ لهم بما صححوه ، وإلا فالمعتمد عندنا أنها نزلت يوم الخميس الثامن عشر من ذي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 54 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحجة وأن وفاته صلى الله عليه وآله كانت في الثامن والعشرين من صفر ، فتكون الفاصلة بينهما نحو سبعين يوماً . وعندنا أن بعثته صلى الله عليه وآله كانت يوم الاثنين وصلى عليٌّ عليه السلام معه يوم الثلاثاء ، ووفاته صلى الله عليه وآله يوم الاثنين ، وقد تكون سورة المائدة نزلت يوم الاثنين أي أكثرها ، ثم بقيتها ومنها آيتا التبليغ وإكمال الدين .
سادساً : أن عيد المسلمين يوم الأضحى وليس عرفة ، لكن عمر جعله يوم عرفة ، وهو بميزان الوهابية بدعة ! فعلى رواية النسائي أن الآية نزلت ليلة عرفة ، لا يبقى عيد حتى يصطدم به العيد النازل ، ولا يحتاج الأمر إلى إدغام الأعياد أو تنصيفها ، كما ادعى عمر !
سابعاً : لو كان يوم عرفة يوم جمعة كما صححوا عن عمر ، لصلى النبي صلى الله عليه وآله بالمسلمين صلاة الجمعة ، بينما لم يروِ أحدٌ أنه صلاها في عرفات ، وأجمعوا على أنه صلى الظهر والعصر كالنسائي وغيره ! وقد وضع في سننه : 1 / 290 ، عنواناً باسم ( الجمع بين الظهر والعصر بعرفة ) روى فيه عن جابر بن عبد الله قال : ( سار رسول الله ( ص ) حتى أتى عرفة . . . ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً ) ! وفي رواية أبي داود : 1 / 429 : ( فجمع بين الظهر والعصر ) . .
فلو كان عرفة يوم جمعة ولم يصلها النبي صلى الله عليه وآله لذكر ذلك ألوف المسلمين الذين حضروا حجة الوداع !
ثامناً : تورط علماء الجرح والتعديل السنيون في حديث أبي هريرة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 55 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الذي رواه الخطيب والحسكاني وابن عساكر وابن المغازلي وابن كثير والخوارزمي بأسانيد عن أبي هريرة ، في أن آية إكمال الدين نزلت يوم غدير خم بعد خطبة النبي صلى الله عليه وآله ووصيته الأمة بالقرآن والعترة ، وبعد أن رفع يد علي عليه السلام وأعلنه خليفة من بعده ! فقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله أمرهم أن يصوموا ذلك اليوم شكراً لله تعالى ، قال : ( من صام يوم ثماني عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً ، وهو يوم غدير خم لما أخذ النبي ( ص ) بيد علي بن أبي طالب فقال : ألست ولي المؤمنين ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال : من كنت مولاه فعلي مولاه . فقال عمر بن الخطاب بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم ! فأنزل الله عز وجل : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا ) . ( تاريخ دمشق : 42 / 233 ، وغيره ) .
وسبب تحيرهم أنهم لا يمكنهم الطعن في سند الحديث ، لأن رجاله موثقون من رجال الصحاح ! ولا يمكنهم قبوله لأن عمر أنكر أن تكون الآية نزلت في يوم الغدير وقال نزلت قبله بأيام ! بينما أبو هريرة ينسف كل ذلك وينسف السقيفة ويقول : نزلت ولاية علي من الله تعالى وبلغها النبي صلى الله عليه وآله فنزلت آية إكمال الدين ، وهنأه عمر وبخبخ له !
وعادة المتعصبين لعمر عندما يقعون في مأزق أن يفقدوا توازنهم ويردوا الحديث النبوي المخالف لقول عمر حتى ( دفعاً بالصدر ) وهو
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 56 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
مصطلح لمن رد حديثاً بلا حجة تشبيهاً له بمن يدفع أحداً في صدره ! ويصفون الحديث بأنه منكر أو مكذوب لأنه يخالف قول عمر ، كما فعل الذهبي وابن كثير ! قال السيد حامد النقوي في خلاصة عبقات الأنوار : 7 / 246 : ( رويّ حديث صوم يوم الغدير بطريق صحيح رجاله كلهم ثقات ، فقد أخرج الحافظ الخطيب ، عن عبد الله بن علي بن محمد بن بشران ، عن علي بن عمر الدار قطني ، عن أبي نصر حبشون الخلال ، عن علي بن سعيد الرملي ، عن ضمرة بن ربيعة ، عن عبد الله بن شوذب ، عن مطر الوراق عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال : من صام يوم ثمان عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً ، وهو يوم غدير خم . . الخ . ) . وعدَّد الأميني رحمه الله في الغدير : 1 / 236 ، ستة عشر من علماء السنة رووا الحديث ، وقال : ( رواية أبي هريرة صحيحة الإسناد عند أساتذة الفن ، منصوص على رجالها بالتوثيق . . . وحديث أبي سعيد له طرق كثيرة كما مر في كلام الحمويني في فرائده ، على أن الرواية لم تختص بأبي سعيد وأبي هريرة فقد عرفت أنها رواها جابر بن عبد الله ، والمفسر التابعي مجاهد المكي ، والإمامان الباقر والصادق صلوات الله عليهما ، وأسند إليهم العلماء مخبتين إليها . . . وقد سمعت عن السيوطي نفسه في دره المنثور رواية الخطيب وابن عساكر وعرفت أن هناك جمعاً آخرين أخرجوها بأسانيدهم مثل الحاكم النيسابوري ، والحافظ البيهقي ، والحافظ ابن أبي شيبة ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 57 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والحافظ الدارقطني ، والحافظ الديلمي ، والحافظ الحداد وغيرهم ، كل ذلك من دون غمز فيها من أي منهم ) . انتهى . فكلام ابن كثير وشيخه الذهبي غير صحيح ، أما العجلوني ( كشف الخفاء : 2 / 258 ) فكان أكثر إنصافاً منهما فنقل تكذيب الذهبي للحديث بدليل واه ولم يؤيده ولا ذكر أسانيده الصحيحة !
أما من طرقنا فروته مصادرنا المعتبرة ، كأمالي الصدوق / 50 ، والكافي : 4 / 148 ، ونحوه الفقيه : 2 / 90 ، وتهذيب الأحكام : 4 / 305 ، وثواب الأعمال / 74 .
تاسعاً : قالت بعض رواياتهم إن النبي صلى الله عليه وآله عاش بعد نزول الآية إحدى وثمانين ليلةً ، وهذا ينفي أن يكون يوم عرفة يوم جمعة ! فوفاة النبي صلى الله عليه وآله عندهم في الثاني عشر من ربيع الأول ، فيكون من 9 ذي الحجة إلى 12 ربيع الأول أكثر من تسعين يوماً ! فإما أن يوافقونا على رواية وفاته قبل ذلك وأنها في 28 صفر ، أو يوافقونا على نزول الآية يوم الغدير 18 ذي الحجة ! قال في الدر المنثور : 2 / 259 : ( عن ابن جريج قال : مكث النبي ( ص ) بعد ما نزلت هذه الآية إحدى وثمانين ليلة ، قوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) . ونحوه البيهقي في شعب الإيمان : 2 / 257 . وفي تلخيص الحبير بهامش مجموع النووي : 7 / 3 : عن ابن جريح أنه ( ص ) لم يبق بعد نزول قوله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم ، إلا إحدى وثمانين ليلة . والطبراني في الكبير برقم 12984 ، وتفسير الطبري : 4 / 106 ، عن ابن جريح قال : مكث النبي صلى الله عليه وآله بعد ما نزلت هذه الآية إحدى وثمانين ليلة . وراجع الغدير : 1 / 230 .
عاشراً : القول بأن يوم عرفة كان يوم جمعة ، تنفيه الروايات التي سجلت حركة النبي صلى الله عليه وآله من المدينة وأنها كانت الخميس لأربعٍ بقين
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 58 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
من ذي القعدة . وهو المشهور عن أهل البيت عليهم السلام وهو منسجم مع تاريخ نزول الآية في يوم الغدير الثامن عشر من ذي الحجة . فسفر النبي صلى الله عليه وآله كان يوم الخميس السابع والعشرين من ذي القعدة ، لأربع بقين من ذي القعدة هي : الخميس والجمعة والسبت والأحد . . فيكون أول ذي الحجة الاثنين ، ووصول النبي صلى الله عليه وآله إلى مكة عصر الخميس سلخ الرابع من ذي الحجة كما نصت رواية الكافي : 4 / 245 ، ويوم عرفة الثلاثاء ، والغدير الخميس الثامن عشر من ذي الحجة . ففي الوسائل : 9 / 318 : ( خرج رسول الله صلى الله عليه وآله لأربعٍ بقين من ذي القعدة ، ودخل مكة لأربعٍ مضين من ذي الحجة ، دخل من أعلى مكة من عقبة المدنيين ، وخرج من أسفلها ) .
وفي الكافي : 4 / 245 : ( عن أبي عبد الله عليه السلام قال : حج رسول الله صلى الله عليه وآله عشرين حجة . . . إن رسول الله أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج ثم أنزل الله عز وجل عليه : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ، فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم بأن رسول الله صلى الله عليه وآله يحج في عامه هذا ، فعلم به من حضر المدينة وأهل العوالي والأعراب . . . فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في أربع بقين من ذي القعدة فلما انتهى إلى ذي الحليفة زالت الشمس فاغتسل . . . حتى انتهى إلى مكة في سلخ أربع من ذي الحجة فطاف بالبيت سبعة أشواط ) . وفي المسترشد / 119 : ( عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 59 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الناس إلى علي عليه السلام بغدير خم وأمر بما كان تحت الشجرة من الشوك فَقُمَّ ، وذلك يوم الخميس ، ثم دعا الناس وأخذ بضبعيه ورفعه حتى نظر الناس إلى بياض إبطيه ، ثم لم يتفرقوا حتى نزلت هذه الآية : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ، ورضى الرب برسالتي وبالولاية لعلي من بعدي ) . انتهى .
ويؤيد قول أهل البيت عليهم السلام رواية عيون الأثر : 2 / 341 ، أن سفر النبي صلى الله عليه وآله كان الخميس ، وما روته مصادر الفريقين من أنه صلى الله عليه وآله كان لا يبدأ سفره إلا يوم خميس ، أو قلما يبدؤه في غيره . ( بخاري : 4 / 6 ، وأبو داود : 1 / 586 ) .
ويؤيده روايتهم عن جابر أن حركته صلى الله عليه وآله كانت لأربعٍ بقين من ذي القعدة كما في سيرة ابن كثير . وأن بخاري وأكثر الصحاح رووا أن سفره صلى الله عليه وآله كان لخمسٍ بقين من ذي القعدة بدون تحديد يوم . راجع صحيح بخاري : 2 / 146 و 184 و 187 و 4 / 7 وفيه : وقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة ، والنسائي : 1 / 154 و 208 و 5 / 121 ، ومسلم : 4 / 32 ، وابن ماجة : 2 / 993 ، والبيهقي : 5 / 33 ، وغيرها .
ويؤيده أن مدة سيره صلى الله عليه وآله من المدينة إلى مكة لا تزيد على ثمانية أيامٍ وذلك بملاحظة الطريق الذي سلكه ، وهو في حدود 400 كيلومتراً وملاحظة سرعة السير حتى أن بعض الناس شكوا له تعب أرجلهم فعلمهم النبي صلى الله عليه وآله أن يشدوها ! وأن أحداً لم يرو توقفه في طريق مكة
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 60 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أبداً . وبذلك تسقط رواية خروجه من المدينة لستٍّ بقين من ذي الحجة ، كما في عمدة القاري ، وإرشاد الساري ، وهامش الحلبية : 3 / 257 لأنها تستلزم أن تكون مدة السير إلى مكة عشرة أيام !
وبهذا يتضح تكلف المخالفين حيث اعتمدوا رواية ( خمس بقين من ذي القعدة ) وحاولوا تطبيقها على يوم السبت ليجعلوا أول ذي الحجة الخميس ، ويجعلوا يوم عرفة يوم الجمعة تصديقاً لقول عمر ! بل كانوا ملكيين أكثر من الملك لأنه روي عنه أنه الخميس . لاحظ ابن سعد في الطبقات : 2 / 124 ، والواقدي في المغازي : 2 / 1089 ، وتاريخ الطبري : 3 / 148 ، وتاريخ الذهبي : 2 / 701 ، وهامش السيرة الحلبية : 3 / 3 ، وغيرهم . وقد حاول ابن كثير الدفاع عن هذا القول الحكومي ، وارتكب التكلف والمصادرة ، راجع سيرته : 4 / 217 .
والنتيجة : أن القول بنزول آية إكمال الدين في يوم عرفة ، ترد عليه إشكالاتٌ عديدةٌ ، في منطقه وتاريخه وتوقيته ، وكلها تستوجب تركه وعدم الأخذ به ، فيكون رأي أهل البيت عليهم السلام ومن وافقهم في سبب نزولها بدون معارض معتد به ، لأن المعارض الذي لا يستطيع النهوض كعدمه ، والمتن الكسيح لا ينهضه السند الصحيح !

عيد الغدير عيدٌ سنيٌّ أيضاً

ختاماً : إن المجمع عليه عند المسلمين أن يوم نزول الآية عيدٌ إلهيٌّ عظيم ( عيد إكمال الدين وإتمام النعمة ) . بل ورد عن أهل البيت عليهم السلام أنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 61 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
أعظم الأعياد الإسلامية على الإطلاق ، ودليله المنطقي أن العيد الأسبوعي للمسلمين مرتبط بصلاة الجمعة ، وعيد الفطر بعبادة الصوم ، وعيد الأضحى بعبادة الحج . أما هذا العيد فهو مرتبطٌ بإتمام الله تعالى نعمة الإسلام كله على الأمة ، وقد تحقق في رأي السنيين بتنزيل أحكام الدين وإكمالها بدون تعيين رباني لقيادة الأمة . وتحقق برأينا بإكمال تنزيل الأحكام وحل مشكلة القيادة وإرساء نظام الإمامة في عترة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله إلى يوم القيامة . فالكل المسلمين متفقون على أنه عيدٌ شرعي ، فلماذا تخسر الأمة أعظم أعيادها ، ولا يكون له ذكر في مناسبته ولا مراسم تناسب شرعيته وقداسته ؟ ! ولماذا لا يحييه أتباع المذاهب السنية بالشكل الذي ينسجم مع عقيدتهم وفقه مذاهبهم ؟ !

أسباب النزول تكشف تحريفات السلطة

باستطاعتك أن تكشف رواة السلطة من أحاديث أسباب النزول أكثر من غيرها ، لأن الجانب الرياضي فيها أوضح ! فعندما تجد خمسة أسباب في نزول آية ، متنافية في المكان والزمان والحادثة ، لا يمكن أن تقبلها وتقول كلها صحيحة ورواتها صحابة عدول وكلهم نجوم بأيهم اقتدينا اهتدينا ! بل لا بد أن يكون السبب واحداً ، والباقي غير صحيح ، أو كلها غير صحيحة ! لذا أدعو الباحثين في تفسير القرآن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 62 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وعلومه إلى العمل في هذا الحقل ليقدموا إلى الأمة والأجيال نتائج جديدة في فهم القرآن والسيرة ، بل في فهم العقائد والفقه والإسلام .
ولهذا أكد أمير المؤمنين عليه السلام على أهمية معرفة أسباب النزول ، لأنها تميز الحق من الباطل وتضع حداً للمحرفين المبطلين ! قال عليه السلام : ( كنت إذا سألت رسول الله صلى الله عليه وآله أجابني ، وإن فنيت مسائلي ابتدأني فما نزلت عليه آية في ليل ولا نهار ولا سماء ولا أرض ولا دنياً ولا آخرة ولا جنة ولا نار ولا سهل ولا جبل ولا ضياء ولا ظلمة ، إلا أقرأنيها وأملاها عليَّ وكتبتها بيدي ، وعلمني تأويلها وتفسيرها ومحكمها ومتشابهها وخاصها وعامها ، وكيف نزلت وأين نزلت وفين أنزلت ، إلى يوم القيمة ، ودعا الله لي أن يعطيني فهماً وحفظاً ، فما نسيت آية من كتاب الله ولا على من أنزلت ) . ( بصائر الدرجات / 218 ) .

ومن أوضح الأمثلة لأسباب النزول ، مسألة آخر ما نزل من القرآن !

فقد تتفهم أن يختلف المسلمون في أول ما نزل من القرآن ، لأنهم لم يكونوا مسلمين يومها ، ثم لم يكتبوا عن النبي صلى الله عليه وآله ما عدا علي عليه السلام ! ثم منعتهم السلطة من كتابة سنة النبي صلى الله عليه وآله بعد وفاته ، فأوقعت الأجيال في مشكلات لا آخر لها !
لكن العجيب اختلافهم في آخر ما نزل من القرآن ، وقد كانوا دولةً وأمةً ملتفَّةً حول نبيها ، وقد أعلن لهم أنه راحل عنهم عن قريب ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 63 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وحج معهم حجة الوداع ، ومرض قبل وفاته أسبوعين ، وودعوه وودعهم ! فلماذا اختلفوا في آخر ما نزل عليه ؟
الجواب : إنها الأغراض السياسية التي دخلت في كل شئ !

آخر ما نزل من القرآن : سورة المائدة وآيات الغدير

اتفق أهل البيت عليهم السلام على أن آخر ما نزل من القرآن سورة المائدة فروى العياشي في تفسيره : 1 / 288 ، عن علي عليه السلام قال : ( كان القرآن ينسخ بعضه بعضاً ، وإنما كان يؤخذ من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بآخره ، فكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة فنسخت ما قبلها ولم ينسخها شئ . لقد نزلت عليه وهو على بغلته الشهباء وثقل عليه الوحي حتى وقفت وتدلى بطنها ، حتى رأيت سُرَّتها تكاد تمسُّ الأرض ، وأغميَ على رسول الله صلى الله عليه وآله حتى وضع يده على ذؤابة شيبة بن وهب الجمحي ، ثم رفع ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقرأ علينا سورة المائدة فعمل رسول الله صلى الله عليه وآله وعملنا ) . وقصده عليه السلام أن المسح على القدمين في الوضوء هو الواجب وليس غسلهما ، لأنه نزل في سورة المائدة .
وفي الكافي : 1 / 289 ، بسند صحيح عن الإمام الباقر عليه السلام قال : ( أمر الله عز وجل رسوله بولاية علي وأنزل عليه : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ . وفرض ولاية أولي الأمر فلم يدروا ما هي ؟ فأمر الله محمداً صلى الله عليه وآله أن يفسر لهم الولاية كما فسر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحج ، فلما أتاه ذلك من الله ضاق بذلك صدر رسول
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 64 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الله صلى الله عليه وآله وتخوف أن يرتدوا عن دينهم وأن يكذبوه ، فضاق صدره وراجع ربه عز وجل فأوحى الله عز وجل إليه : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، فصدع بأمر الله تعالى ذكره فقام بولاية علي عليه السلام يوم غدير خم فنادى الصلاة جامعة وأمر الناس أن يبلغ الشاهد الغائب . قال عمر بن أذنية : قالوا جميعاً غير أبي الجارود وقال أبو جعفر عليه السلام : وكانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى وكانت الولاية آخر الفرائض فأنزل الله عز وجل : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي . قال أبو جعفر عليه السلام : يقول الله عز وجل : لا أنزل عليكم بعد هذه فريضة ، قد أكملت لكم الفرائض ) . وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 43 : ( وقد قيل إن آخر ما نزل عليه : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً . وهي الرواية الصحيحة ، الثابتة الصريحة ) .

رأي السنيين الموافق لرأي أهل البيت عليهم السلام في سورة المائدة

رووا عن عائشة بسند صحيح ما يوافق رأي أهل البيت عليهم السلام ، قالت : ( إن سورة المائدة آخر سورة نزلت ، فما وجدتم فيها حلالاً فحللوه ، وما وجدتم فيها حراماً فحرموه ) . ( أحمد : 6 / 188 ، وسنن البيهقي : 7 / 172 ، وطبقات الحنابلة : 1 / 427 . والحاكم : 2 / 311 ، على شرط الشيخين ، والمحلى : 9 / 407 ، وفي الغدير : 1 / 228 : ونقل ابن كثير من طريق أحمد والحاكم والنسائي . ومجمع الزوائد : 1 / 256 عن ابن عباس : فإنها أحكمت كل شئ ، وكانت آخر سورة نزلت من القرآن ) . فالمتسالم عند أهل البيت عليهم السلام أن آخر ما نزل من القرآن المائدة وتؤيده رواياتٍ صحيحة في مصادر السنة . بل إن آية
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 65 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . تكفي وحدها دليلاً على أنها آخر ما نزل من القرآن ، لأنها تقول إن نزول الأحكام قد تم ، وتنفي نزول أي حكم بعدها ، مضافاً إلى ما تقدم من النص على ذلك .

ودخلت السياسة على الخط فظهرت الهرطقة !

سئل الخليفة عمر ذات يوم عن بعض أحكام الربا فلم يعرفها فقال : متأسف ، فآية الربا آخر آية نزلت ، وتوفي النبي ( ص ) ولم يبينها لنا ! ومن يومها صار ختام ما نزل من القرآن مردداً بين المائدة وآيات الربا ! وصارت المائدة ( من ) آخر ما نزل ، وليس آخر ما نزل !
ففي الدر المنثور : 2 / 252 ، أن النبي صلى الله عليه وآله قال : ( المائدة ( من ) آخر القرآن تنزيلاً فأحلوا حلالها وحرموا حرامها ) .
فهل عرفت أن ( من ) موظفة من الحكومة لتصديق قول الخليفة ؟ ولكن آية الربا التي قال عمر إنها آخر ما نزل ! موجودة في أربع سور : في الآيتين 275 و 276 من سورة البقرة والآية 161 من سورة النساء ، والآية 39 من سورة الروم ، والآية 130 من سورة آل عمران . . وبعض هذه السور مكي وبعضها مدني ! فأي آية منها قصد الخليفة ؟ !
هنا تبرع الموظفون فقالوا إنه يقصد الآية 278 من سورة البقرة ! فصار مذهبهم أن آخر آية نزلت من القرآن وضعت في سورة البقرة التي نزلت في أول الهجرة ! وصار تحريم الربا تشريعاً إضافياً ، لأنه نزل بعد آية إكمال الدين ! وكأنهم لا يرون بأساً بهذا التهافت في نزول القرآن ، لأنهم يدافعون
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 66 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بذلك عن عمر الذي يعتقدون أنه خليفة النبي صلى الله عليه وآله !
قال أحمد : 1 / 36 : ( قال عمر : إن آخر ما نزل من القرآن آية الربا وإن رسول الله قبض ولم يفسرها ، فدعوا الربا والريبة ) . وكنز العمال : 4 / 186 ، عن تسع مصادر .
وقال السرخسي في المبسوط : 2 / 51 و 12 / 114 : ( فقد قال عمر رضي الله عنه : إن آية الربا آخر ما نزل وقبض رسول الله قبل أن يبين لنا شأنها ) ! فكلام عمر يجب أن يكون صحيحاً ، حتى لو استوجب تكذيب القرآن في إكمال الدين ، واستوجب تقصير النبي صلى الله عليه وآله في بيان الوحي ! وقال في الإتقان : 1 / 101 : ( وأخرج البخاري عن ابن عباس قال : آخر آية نزلت آية الربا . وروى البيهقي عن عمر مثله . . وعند أحمد وابن ماجة عن عمر : من آخر ما نزل آية الربا ) . انتهى . ولكن إضافتهم ( من ) في حديث لا تحل المشكلة ، لأن غيره ليس فيه ( من ) !

مصيبة الكلالة عند عمر أكبر من مصيبة الربا

وذات يوم ، لم يعرف الخليفة عمر معنى الكلالة واستعصى عليه فهمها وداخ فيها ! فقال إنها آخر آية نزلت وتوفي النبي صلى الله عليه وآله ولم يبينها له ، أو بينها له بياناً ناقصاً ! روى بخاري : 5 / 115 : ( عن البراء قال : آخر سورة نزلت كاملة براءة ، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ . . ونحوه : 5 / 185 . وفي الإتقان : 1 / 101 : ( فروى الشيخان عن البراء بن عازب قال : آخر آية نزلت : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ، وآخر سورة نزلت براءة ) . ونحوه أحمد : 4 / 298 . ومن يومها دخلت آية الكلالة على الخط ! وصار ختام ما نزل مردداً بين آيات الربا والكلالة ، والمائدة وإكمال الدين !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 67 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
وقد راجعت ما تيسر لي من مصادرهم في الربا والكلالة ، فهالتني مشكلة الخليفة معهما وخاصةً الكلالة ، حتى أنه جعلها قضية هامة على مستوى قضايا الأمة الكبرى ، وكان يطرحها على المنبر حتى آخر أيامه ويوصي المسلمين بحلها ! وهو أمر غريب يدل على شعوره العميق بالحرج أمام المسلمين لعدم تمكنه من استيعابها !
ففي صحيح بخاري : 6 / 242 : ( عن ابن عمر قال : خطب عمر على منبر رسول الله فقال : إنه قد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء : العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل . والخمر ما خامر العقل . وثلاث وددت أن رسول الله ( ص ) لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهداً : الجد ، والكلالة ، وأبواب من أبواب الربا ) . ومسلم في : 2 / 81 ، بتفصيل ، ونحوه في : 5 / 61 و 8 / 245 ، ورواه ابن ماجة في : 2 / 910 وفي الدر المنثور : 2 / 249 : وأخرج عبد الرزاق ، والبخاري ، ومسلم ، وابن جرير ، وابن المنذر ، عن عمر . . الخ . ويدل هذا الصحيح المؤكد على أن عمر لم يسأل النبي صلى الله عليه وآله عن الكلالة ، وصرح به الحاكم وصححه : 2 / 303 ، أن عمر قال : ( لأن أكون سألت رسول الله عن ثلاثٍ أحب إلي من حمر النعم : عن الخليفة بعده ، وعن قوم قالوا نقرُّ بالزكاة في أموالنا ولا نؤديها إليك أيحل قتالهم ، وعن الكلالة ) .
لكن صحيح مسلم المؤكد أيضاً روى قول عمر إنه سأل النبي صلى الله عليه وآله عنها مراراً ! قال مسلم في : 5 / 61 : ( أن عمر بن الخطاب خطب يوم جمعة فذكر نبي الله وذكر أبا بكر ثم قال : إني لا أدع بعدي شيئاً أهم عندي من الكلالة ! ما راجعت رسول الله ( ص ) في شئ ما راجعته في الكلالة ، وما أغلظ لي في شئ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 68 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
ما أغلظ لي فيه ، حتى طعن بإصبعه في صدري وقال : يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء ؟ ! وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن ) . انتهى . فقد سأل النبي صلى الله عليه وآله عنها مراراً فوضحها له لكنه كرر سؤاله حتى غضب عليه النبي صلى الله عليه وآله لعدم فهمه لشرحه ! ويدل الصحيحان التاليان على أن النبي صلى الله عليه وآله أخبره أنه لن يفهم الكلالة طول عمره أو دعا عليه بذلك ! ففي الدر المنثور : 2 / 250 : ( وأخرج العدني والبزار في مسنديهما ، وأبو الشيخ في الفرائض ، بسند صحيح عن حذيفة قال : نزلت آية الكلالة على النبي في مسيرٍ له فوقف النبي ( ص ) فإذا هو بحذيفة فلقَّاها إياه ، فنظر حذيفة فإذا عمر فلقَّاها إياه ، فلما كان في خلافة عمر نظر عمر في الكلالة فدعا حذيفة فسأله عنها فقال حذيفة : لقد لقَّانيها رسول الله فلقَّيتك كما لقَّاني ، والله لا أزيدك على ذلك شيئاً أبداً ) . وفي كنز العمال : 11 / 80 أن عمر سأل رسول الله : كيف يورث الكلالة ؟ قال : أو ليس قد بين الله ذلك ثم قرأ : وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ، فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ . فكأن عمر لم يفهم فأنزل الله : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَئٍ عَلِيمٌ ، فكأن عمر لم يفهم فقال لحفصة : إذا رأيت من رسول الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 69 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
طيب نفس فاسأليه عنها ! فقال : أبوك ذكر لك هذا ؟ ما أرى أباك يعلمها أبداً ! فكان يقول : ما أراني أعلمها أبداً ، وقد قال رسول الله ( ص ) ما قال ! وذكر صحة الحديث . بل روى في الدر المنثور : 2 / 249 : أن النبي صلى الله عليه وآله قد كتبها لعمر في كتف ، أي جلد معد للكتابة ! قال : ( وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن مردويه عن طاوس ، أن عمر أمر حفصة أن تسأل النبي عن الكلالة فسألته فأملاها عليها في كتف وقال : من أمرك بهذا أعمر ، ما أراه يقيمها أوما تكفيه آية الصيف ؟ ! قال سفيان : وآية الصيف التي في النساء : وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ . . فلما سألوا رسول الله نزلت الآية التي في خاتمة النساء ) . كما رووا أن عمر ألف في الكلالة كتاباً ، ثم مزقه !
فتأمل هذه التناقضات الصحيحة السند في حديث عمر والكلالة ! والمسائل الثلاث التي قال بخاري لم يبينها النبي صلى الله عليه وآله للأمة ولا سأل عمر عنها النبي صلى الله عليه وآله ، كيف رووا أن النبي صلى الله عليه وآله كتبها لعمر !
إن دلالات هاتين القصتين متعددة وخطيرة ، تستحق أن يكتب الباحث فيها عشرات الصفحات ! ونكتفي منها : بأن صحاح الخلافة فيها متناقضاتٌ لا يمكن لعاقل أن يقبلها ، بل لا بد أن يرد بعضها أو جميعها ! وكيف يمكن أن تقبل أن عمر لم يسأل النبي صلى الله عليه وآله عن آية لأنها آخر آية نزلت ، ثم سأله عنها فكتبها له ، ثم سأله عنها مراراً فشرحها له فلم يفهمها ،
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 70 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حتى غمزه بإصبعه في صدره وغضب منه ! وأن تقبل أن الكلالة آخر آية نزلت ، وآيات الربا ، وأنهما نزلتا بعد إكمال الدين وانتهاء تنزيل أحكامه ! فهل معنى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ : عفواً ، لم أكمل أحكام الإرث والربا . . الخ . !
ونكتفي منها : بأن سلطة عمر على السنيين بلغت حداً تجعل ادعاءه غير المعقول معقولاً ! وتجعل وظيفة علمائه تكييف الإسلام وأحداث نزول آيات القرآن حسب ما قاله حتى لو تناقضت أقواله واتهمت النبي صلى الله عليه وآله بالتقصير في التبليغ ، أو اتهمت الله تعالى بالتناقض في قرآنه وأفعاله !
يريدونك أن تجادل عن شخص غير معصوم ، فتبرئه من الخطأ والتناقض ، ولو رميت به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله ! وإلا فأنت رافضي عدوٌّ للإسلام ورسوله صلى الله عليه وآله وصحابته ، مهدور الدم والمال والعرض !

تخبطهم في آخر ما نزل لإبعاد الآية عن ولاية علي عليه السلام

يظهر أن السيوطي استحى لجماعته من كثرة الأقوال في آخر ما نزل من القرآن ، فأجملها إجمالاً ولم يعددها أولاً وثانياً ، كما عدد الأقوال الأربعة في أول ما نزل ! ونحن نعدها باختصار !
1 - أن آخر آية هي آية الربا ، وهي الآية 278 من سورة البقرة .
2 - أنه آية الكلالة : الورثة من الأقرباء غير المباشرين . آية 176 - النساء .
3 - أنه آية ( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ) آية 281 - البقرة .
4 - أنه آية ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم . . . ) لآية 128 - التوبة .
5 - أنه آية ( وما أرسلنا من قبلك من رسول . . . ) لآية 25 - الأنبياء .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 71 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
6 - أنه آية ( فمن كان يرجو لقاء ربه . . . ) الكهف - 110 .
7 - أنه آية ( ومن يقتل مؤمنا متعمداً . . . ) النساء - 93 .
8 - أن آخر سورة نزلت هي سورة التوبة .
9 - أن آخر سورة نزلت هي سورة النصر .
هذا ما جاء فقط في إتقان السيوطي : 1 / 101 ، وقد تبلغ رواياتهم ضعف هذا ! وأحاديثها عندهم صحيحة ، والمطلوب المركزي لهم إبعاد الأمر عن سورة المائدة وآية إكمال الدين ، وإبعاد السورة والآية عن ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام ، ثم لا مانع إن لزم الأمر أن يتنازلوا عن قول عمر ، لكن لمصلحة قول آخر يبعد الأمر عن ولاية علي عليه السلام ! ولذا دخل معاوية على الخط ، ونفى على المنبر أن تكون آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، آخر ما نزل !
ففي الطبراني الكبير : 19 / 392 ، ووثقه مجمع الزوائد : 7 / 14 ، عن عمرو بن قيس أنه ( سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر نزع بهذه الآية : اليوم أكملت لكم دينكم . . قال : نزلت يوم عرفة في يوم جمعة ، ثم تلا هذه الآية : فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) ! والشاميين : 3 / 396 ، وتفسير الطبري : 16 / 51 ، والدر المنثور : 4 / 257 ، والإتقان : 1 / 85 .
ولذا نسب بخاري إلى ابن عباس في صحيحه : 5 / 182 ، قال : ( سمعت سعيد بن جبير قال : آية اختلف فيها أهل الكوفة فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها فقال : نزلت هذه الآية : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ . . هي آخر ما نزل وما نسخها شئ ) . آية 93 : النساء ، ونحوه : 6 / 15 ، والدر المنثور : 2 / 196 ، عن البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وابن جرير والطبراني ، وأحمد ، وسعيد بن منصور ، وابن ماجة ، وابن المنذر ، وابن أبي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 72 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
حاتم . . . الخ . فهل يمكن لمسلم أن يقبل أن تحريم قتل المؤمن تشريع إضافي في الإسلام ، نزل بعد إكمال الدين ! ونسب الطبراني في الكبير : 12 / 19 ، إلى ابن عباس : ( آخر آية أنزلت : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ) . 281 من سورة البقرة !
ونسب الحاكم : 2 / 338 ، إلى أبيّ بن كعب وصححه على شرط الشيخين : ( آخر ما نزل من القرآن : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) . وهي في سورة التوبة : 128 ، ورواه في الدر المنثور : 3 / 295 ، عن بن أبي شيبة ، وابن راهويه ، وابن منيع ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي ، وابن الضريس ، وابن الأنباري ، وابن مردويه ، عن ابن كعب وفيه : إن أحدث القرآن عهداً بالله وفي لفظ بالسماء هاتان الآيتان . . . الخ .

تحايلهم على معنى إكمال الدين من أجل عمر !

قال في الإتقان : 1 / 102 : ( من المشكل على ما تقدم قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، فإنها نزلت بعرفة في حجة الوداع ، وظاهرها إكمال جميع الفرائض والأحكام قبلها . وقد صرح بذلك جماعة منهم السدي فقال : لم ينزل بعدها حلالٌ ولا حرامٌ ، مع أنه ورد في آية الربا والدين والكلالة أنها نزلت بعدها ! وقد استشكل ذلك ابن جرير وقال : الأولى أن يتأول على أنه أكمل لهم الدين بإفرادهم بالبلد الحرام ، وإجلاء المشركين عنه حتى حجه المسلمون ، لا يخالطهم المشركون ) ! انتهى .
أقول : معنى كلام ابن جرير الطبري : أنه يعترف بأن الآية تنص على إكمال الدين فمعناه أنه لم ينزل بعدها أحكام ، لكن بما أن عمر قال إن آيات نزلت
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 73 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بعدها في أحكام الربا والإرث ، وسياقها الذي وضعت فيه في القرآن يأتي فيه بعدها مجموعة أحكام للحوم والطعام والزواج . . الخ . فالحل عند الطبري أن نلغي معنى إكمال الدين في الآية ونجعله إكماله بتحرير مكة ! حتى تسلم لنا أحاديث عمر عن الكلالة والربا وغيرها ! وهذا يعني وجوب تطويع آيات القرآن لكلام عمر ولو استلزم تفريغها من معناها ! لكن ماذا يصنعون بإقرار عمر لليهودي بأن يوم إكمال الدين عيد إكمال تنزيل الأحكام .
والصحيح ، ما نص عليه عامة فقهائهم وهو أن آية إكمال الدين إعلان عن إكمال تنزيل الشريعة : ( فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام ) ، وأرسلوا ذلك إرسال المسلمات ، كعمدة القاري : 18 / 199 ، وتفسير مقاتل : 1 / 280 ، وتفسير الطبري نفسه : 6 / 106 ، عن إمامه السدي ، وتفسير ابن كثير : 2 / 14 ، والإتقان : 1 / 86 ، وغيرهم .
أما عندنا فقد فسير الإمام الباقر عليه السلام الآية بسند صحيح ، قال عليه السلام : ( لا أنزل عليكم بعد هذه الفريضة فريضة . قد أكملت لكم هذه الفرائض ) .
والفريضة عندنا تعني : كل تكليف شرعي ، ففي الكافي : 2 / 644 ، عن الصادق عليه السلام قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله : السلام تطوع والرد فريضة ) . وفي : 2 / 33 ، عن الباقر عليه السلام قال : ( قيل لأمير المؤمنين عليه السلام : من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله كان مؤمناً ؟ قال : فأين فرائض الله ؟ . . . كان علي عليه السلام يقول : لو كان الايمان كلاماً لم ينزل فيه صوم ولا صلاة ولا حلال ولا حرام ) . انتهى . فهذا الإجماع بيننا وبينهم ، دليل كاف لرد كل رواية أو مقولة ، تدعي نزول شئ من الأحكام بعد آية إكمال الدين .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 74 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

معنى الإكمال يؤكد موقع علي عليه السلام ومنظومة الإمامة

حاول اللغويون التمييز بين الإكمال والإتمام ، وأعمقهم في ذلك الراغب في مفرداته ، والعسكري في الفروق اللغوية ، وأخطأ بعضهم فعدهما مترادفين مع أن القرآن ليس فيه مترادف بالكامل !
والظاهر أن مادة ( كمل ) تستعمل للمركب الذي لا يحصل الغرض منه ولا يكمل إلا بكل أجزائه فإن نقص منها شئ كان وجوده ناقصاً أو مثلوماً ! ولذا قال علي عليه السلام سيد الفصحاء بعد النبي صلى الله عليه وآله في عهده للأشتر رحمه الله : ( فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك ، ووفِّ ما تقربت به إلى الله من ذلك ، كاملاً غير مثلوم ولا منقوص بالغاً من بدنك ما بلغ ) . ( نهج البلاغة : 3 / 103 ) .
فإكمال الدين رفع نقصه بتكميل أجزائه ، أو رفع ثلمه ، لأن الإسلام مركب من الدين وآلية تطبيقه التي هي الإمامة ، وعدم تبليغ الجزء المكمل للمركب يساوي عدم تبليغ شئ منه ، وبذلك يتضح أن الإمامة جزء لا يتجزأ من الإسلام ، فلا وجود له وجوداً حقيقياً بدونها .
أما النعمة فليست مركباً واحداً بل هي وجود متفاوت ودرجات وأجزاء ، فهي موجودة قبل تبليغ النبي صلى الله عليه وآله للإمامة ، لكنها لا تكون تامة إلا بها ! فمعنى : وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ، أتممتها بتكميل الإسلام ومنظومة الإمام فيه ، فإكمال مركب الدين بالإمامة ، وبها تتم النعمة على المسلمين ، إن هم أطاعوا الإمام الذي نصبه ربهم لهم .
ويدل على ذلك آية جمعت الإكمال والإتمام ، هي قوله تعالى : وَالْوَالِدَاتُ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 75 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ) . ( البقرة - 233 ) .
فالكمال للحولين لأنهما اسم لمركب ينتفي بانتفاء جزء منه ، فلو نقصت يوماً لم تتحقق الرضاعة لحولين . والتمام للرضاعة لأنها اسم للأعم فإن نقصت عن حولين فهي رضاعة ، وإن كانت غير تامة .
هذا ، وللراغب الأصفهاني هنا لفتة جيدة ، هي أن إكمال الدين يعني ثبات صيغته النهائية وعدم حدوث النسخ فيه ، فالنسخ كان مفتوحاً في القرآن والسنة حتى نزلت الإمامة فانتهى وكمل الدين بصيغته الخالدة وتمت به النعمة . قال في مفرداته / 440 : ( وقوله : وتمت كلمة ربك ، إشارة إلى نحو قوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، الآية . . ونبه بذلك أنه لا تنسخ الشريعة بعد هذا ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 76 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

تفسير آية : سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ

العذاب الذي طلبته قريش

قال الله تعالى : سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ، لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِع . ( المعارج : 1 - 2 ) .
تبدو هاتان الآيتان سؤالاً عن عذاب موعود سيقع حتماً ، لا أكثر ، ويمكن لأحد أن يقول إنه عذاب الآخرة الموعود ، فليس بالضرورة أن يكون عذاباً في الدنيا . لكن الآيات والأحاديث تدلك على أن هذا العذاب في الدنيا ، وقد وقع منه مفردات ، وبقيت مفردات !
وفي آيات العذاب الدنيوي تجد طلباً عجيباً من مشركي قريش ، لم تطلبه أي أمة من نبيها عبر التاريخ ! قال الله تعالى : وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَلِينَ . وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ . وَمَا لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . ( الأنفال : 31 - 34 ) .
لقد حطَّمَ القرشيون الرقم القياسي في العناد اليهودي البدوي ! فلم يقولوا : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ، بل قالوا ما
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 77 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
لم يقله أحد قبلهم ولا بعدهم : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ! ومعناه أنا لا نريد نبوة ابن بني هاشم ، حقاً كانت أو باطلاً ، فإن كانت حقاً من عندك ، فأهلكنا فذلك خير لنا ! وصدق الله تعالى حيث أخبر أن أكثرهم لن يؤمنوا ، فقال : لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . ( يس : 6 - 8 ) .
وقد وعد الله هؤلاء الأكثر وإن أظهروا الإيمان بعذاب الدخان فقال : ( فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ . يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ . رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ . أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ . ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ . إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ . يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ) ( الدخان : 10 - 15 ) .
أما مصادر السلطة فقد زعمت أن العذاب بهذا الدخان تحقق عندما دعا النبي صلى الله عليه وآله على قريش فأصابهم القحط والجوع فكان أحدهم يرى أمامه كالدخان من الجوع ! قال بخاري : 2 / 15 : ( إن النبي ( ص ) لما رأى من الناس إدباراً قال : اللهم سبعاً كسبع يوسف فأخذتهم سنة حصت كل شئ حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف ، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى الدخان من الجوع ، فأتاه أبو سفيان فقال : يا محمد إنك تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم ، وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم ، قال الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 78 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تعالى : فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين إلى قوله عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى ، فالبطشة يوم بدر ، وقد مضت الدخان والبطشة واللزام وآية الروم ) . و : 2 / 19 ، و : 5 / 217 ، و : 6 / 41 .
وفي صحيح مسلم : 8 / 130 : ( عن مسروق قال : كنا عند عبد الله جلوساً وهو مضطجع بيننا ، فأتاه رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن إن قاصاً عند أبواب كندة يقص ويزعم أن آية الدخان تجئ فتأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام ! فقال عبد الله وجلس وهو غضبان : يا أيها الناس اتقوا الله ، من علم منكم شيئاً فليقل بما يعلم ، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم . . ) . ثم أورد حديث بخاري وقال : ( فالبطشة يوم بدر وقد مضت آية الدخان والبطشة واللزام وآية الروم ) . انتهى .
أقول : ترى علماء السلطة يصرون على إبعاد العذاب الدنيوي والأخروي عن هذه الأمة وخاصة عن قريش حتى عن فراعنتها وأئمة الكفر منها كأبي جهل ( بخاري : 5 / 199 ) ! وقصدهم بالبطشة قوله تعالى : ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ . إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ . يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ . ( الدخان : 14 - 16 ) ، وباللزام آخر سورة الفرقان : قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ) . فهم يفسرون البطشة الكبرى واللزام والعذاب ببدر ، ! ويقولون إن أنواع العذاب الموعود قد مضت !
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 79 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بل تراهم افتروا على النبي صلى الله عليه وآله بأنه دعا على قومه فوبخه الله تعالى ! فاقرأ مالا تصدقه عيناك في تفسير قوله تعالى : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَئٌ ، وكيف صوروا النبي صلى الله عليه وآله ضيق الصدر مبغضاً لقريش عدوانياً عليها ! فينزل الوحي مدافعاً عن هذه القبائل المقدسة !
قال في الميزان : 18 / 137 : ( واختلف في المراد بهذا العذاب المذكور في الآية ، فقيل : المراد به المجاعة التي ابتلى بها أهل مكة . . وقيل إن الدخان المذكور في الآية من أشراط الساعة وهو لم يأت بعد . . . والقولان كما ترى ) . ونحوه مجمع البيان : 9 / 105 .
أقول : التأمل في آيات العذاب يوجب القول بوجود عذاب دنيوي أيضاً وعد الله به بعض الناس ، منه ما تحقق ومنه ما يكون على يد المهدي عليه السلام ومنه ما يكون قبله ، أو بعده في الرجعة ، أو قرب القيامة .
ومن أدلته الواضحة قوله تعالى : ( وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ . وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) . ( هود : 7 - 8 ) . فهو ينص على عذاب موعود مؤخر إلى ( الأمة المعدودة ) الذين يبعثهم الله لعذاب الظالمين ، وقد ورد أنهم أصحاب الإمام المهدي عليه السلام . وكذا قوله تعالى لنبيه عيسى عليه السلام : ( إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 80 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . . . فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ . ( آل عمران : 55 - 56 ) . ولا يتسع المجال لبحث الموضوع ، وغرضنا منه العذاب الموعود في قوله تعالى : سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ، وقد وردت أحاديث في أنه يتعلق بقريش ، وأنه وقع بعضه يوم بدر ، وبعضه على أثر يوم الغدير . وبعضه يكون عند ظهور الإمام المهدي عليه السلام كما قال الإمام الصادق عليه السلام : ( تأويلها فيما يأتي ، عذابٌ يقع في الثوية يعني ناراً حتى تنتهي إلى الكناسة ) . ( غيبة النعماني / 272 ) .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 81 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

أحجار من السماء للمعترضين باسم قريش !

تحركت قافلة النبوة من غدير خمٍ نحو المدينة ، وسكن قلب النبي صلى الله عليه وآله واطمأن لأنه بلغ رسالة ربه ، لكن قلوب قريش كانت تغلي من الغيظ ، ثم رأت نفسها أفاقت بعد سكرة ، فأخذت بالنشاط !
هنا استعمل الله تعالى أسلوباً آخر لعصمة نبيه صلى الله عليه وآله من قريش ، هو كشف مؤامرتها لقتله بعد الجحفة في عقبة هرشى ، وكانت نسخة عن مؤامرتها في عقبة تبوك .
كما استعمل الله أسلوب العذاب السماوي الذي لا تفهم قريش غيره تماماً كاليهود مع أنبيائهم عليهم السلام ! وقد روت مصادر السنة والشيعة عدة أسماء لأشخاص اعترضوا على إعلان النبي صلى الله عليه وآله ولاية علي عليه السلام في غدير خم وهم : جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري ، والحارث بن النعمان الفهري ، وعمرو بن عتبة المخزومي ، والنضر بن الحارث الفهري ، والحارث بن عمرو الفهري ، والنعمان بن الحارث اليهودي ، والنعمان بن المنذر الفهري ، وعمرو بن الحارث الفهري ، ورجل من بني تيم ، ورجل أعرابي . . ورجل أعرابي من أهل نجد من ولد جعفر بن كلاب بن ربيعة . وكلهم قرشيون إلا الربيعي واليهودي ! وليس فيهم أنصاري لأنهم لم يعترض منهم أحد على ما أعطى الله
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 82 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
تعالى لعترة نبيه صلى الله عليه وآله ، وإن خذلوهم بعد وفاته !
وخلاصة الحادثة : أن أحد القرشيين الكبار ، أو أكثر من شخص ، اعترض على النبي صلى الله عليه وآله واتهمه بأن إعلانه علياً عليه السلام ولياً على الأمة ، كان عملاً من عنده وليس بأمر ربه عز وجل ! ولم يقتنع القرشي بتأكيد النبي صلى الله عليه وآله له أنه ما فعل ذلك إلا بأمر ربه عز وجل ! وخرج من عند النبي صلى الله عليه وآله غاضباً مغاضباً ، وهو يدعو الله بدعاء قريش أن يمطر الله عليه حجارة من السماء إن كان هذا الأمر حقاً من عنده ، فرماه الله بحجرٍ من السماء فأهلكه ! أو أنزل عليه ناراً من السماء فأحرقته ! وهذه الحادثة تعني أن الله استعمل التخويف مع قريش أيضاً ، ليعصم رسوله صلى الله عليه وآله من تكاليف حركة الردة التي قد تُقْدِم عليها ، ويتعزز عند زعمائها الاتجاه القائل بفشل المواجهة الحسية مع النبي صلى الله عليه وآله ، وضرورة الصبر حتى يتوفاه الله تعالى !
وأقدم من روى هذا الحديث أبو عبيد الهروي في كتابه : غريب القرآن ، قال ابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب : 2 / 240 : أبو عبيد ، والثعلبي ، والنقاش ، وسفيان بن عينيه ، والرازي ، والقزويني ، والنيسابوري ، والطبرسي ، والطوسي في تفاسيرهم ، أنه لما بَلَّغَ رسول الله ( ص ) بغدير خم ما بَلَّغ وشاع ذلك في البلاد ، أتى الحارث بن النعمان الفهري وفي رواية أبي عبيد : جابر بن النضر بن الحارث بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 83 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كلدة العبدري فقال : يا محمد ! أمرتنا عن الله بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وبالصلاة والصوم والحج والزكاة فقبلنا منك ، ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضبع ابن عمك ففضلته علينا وقلت : من كنت مولاه فعلي مولاه ! فهذا شئ منك أم من الله ؟ ! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : والذي لا إله إلا هو إن هذا من الله . فولى جابر يريد راحلته وهو يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ! فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله ، وأنزل الله تعالى : سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع . . الآية ) . انتهى . وقد أحصى علماؤنا ، كصاحب العبقات ، وصاحب الغدير وصاحب إحقاق الحق ، وصاحب نفحات الأزهار ، وغيرهم عدداً من أئمة السنيين الذين أوردوا هذا الحديث في مصنفاتهم ، فزادت على الثلاثين . . نذكر منهم اثني عشر :
1 - الحافظ أبو عبيد الهروي ، في تفسيره ( غريب القرآن ) .
2 - أبو بكر النقاش الموصلي البغدادي ، في تفسيره .
3 - أبو إسحاق الثعلبي ، في تفسيره ( الكشف والبيان ) .
4 - الحاكم أبو القاسم الحسكاني في كتاب ( أداء حق الموالاة ) .
5 - أبو بكر يحيى القرطبي ، في تفسيره .
6 - أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته .
7 - شيخ الإسلام الحمويني ، روى في فرائد السمطين في الباب الثالث عشر
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 84 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
بسنده إلى الثعلبي عن سفيان بن عيينة سئل عن قوله عز وجل : سأل سائل بعذاب واقع ، فيمن نزلت فقال . . .
8 - أبو السعود العمادي ، في تفسيره : 8 / 292 ، وقال : قيل هو الحرث بن النعمان الفهري ، وذلك أنه لما بلغه قول رسول الله عليه السلام في علي رضي الله عنه : من كنت مولاه فعلي مولاه ، قال . . .
9 - شمس الدين الشربيني القاهري الشافعي ، قال : في تفسيره السراج المنير : 4 / 364 : اختلف في هذا الداعي فقال ابن عباس : هو النضر بن الحرث ، وقيل : هو الحرث بن النعمان . . .
10 - الشيخ برهان الدين علي الحلبي الشافعي ، رواه في السيرة الحلبية : 3 / 302 ، قال : لما شاع قوله ( ص ) : من كنت مولاه فعلي مولاه في ساير الأمصار وطار في جميع الأقطار ، بلغ الحرث بن النعمان الفهري . . .
11 - شمس الدين الحفني الشافعي ، في شرح الجامع الصغير : 2 / 387 .
12 - أبو عبد الله الزرقاني المالكي ، في شرح المواهب اللدنية / 13 .

طرق وأسانيد حديث حجر الغدير

طرق المصادر السنية : الطريق الأول : حديث أبي عبيد الهروي : في كتابه : غريب القرآن ، وسنده عند أهل الجرح والتعديل سند مقبول .
الثاني : حديث الثعلبي عن سفيان بن عيينة : وله أسانيد كثيرة ، وأكثر الذين ذكرهم صاحب الغدير رحمه الله أسانيدهم عن الثعلبي أو من كتابه ، كما عدد السيد المرعشي رحمه الله جملة منهم في إحقاق الحق : 6 / 358 ، ونص الحديث : ( عن سفيان بن عيينة رحمه الله سئل عن قوله تعالى : سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع ، فيمن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 85 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
نزلت ؟ فقال للسائل : لقد سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك ، حدثني أبي عن جعفر بن محمد عن آبائه رضي الله عنهم أن رسول الله ( ص ) لما كان بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا فأخذ بيد علي رضي الله عنه وقال من كنت مولاه فعلي مولاه فشاع ذلك فطار في البلاد ، وبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري ، فأتى رسول الله ( ص ) على ناقة له فأناخ راحلته ونزل عنها ، وقال : يا محمد أمرتنا عن الله عز وجل أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلنا منك ، وأمرتنا أن نصلي خمساً فقبلنا منك ، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا منك ، وأمرتنا أن نصوم رمضان وأمرتنا بالحج فقبلنا ، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا فقلت : من كنت مولاه فعلي مولاه . . . الخ . وشواهد التنزيل : 2 / 381 ، بسندين إلى ابن عيينة ، برقم ( 1030 و 1031 ) .
الثالث والرابع والخامس للقاضي الحسكاني في شواهد التنزيل : 2 / 382 ، رقم 1032 ، عن جابر الجعفي . و : 2 / 383 رقم 1033 ، عن حذيفة , و : 2 / 385 رقم 1034 ، عن أبي هريرة .
طرق وأسانيد مصادرنا إلى سفيان بن عيينة
1 . سند فرات بن إبراهيم الكوفي إلى سفيان بن عيينة / 505 ، برقم ( 3 ) .
2 . سند محمد بن العباس إلى سفيان في تأويل الآيات : 2 / 722 .
3 . سند الشريف المرتضى إلى سفيان في مدينة المعاجز : 1 / 407 .
4 . سند منتجب الدين الرازي إلى سفيان في الأربعين حديثاً / 82 .
5 . سند الطبرسي إلى سفيان بن عيينة ، كما في تفسير الميزان : 6 / 58 .
طرق وأسانيد مصادرنا من غير طريق سفيان بن عيينة
1 - أسانيد الكليني : 1 / 422 ، و : 8 / 57 ، عن أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 86 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
2 . أسانيد فرات الكوفي / 503 ، عن أبي هريرة وابن عباس وسعد بن وقاص .
3 . سندا محمد بن العباس في تأويل الآيات : 2 / 722 ، عن أبي بصير . . .
4 . سند جامع الأخبار ، كما في بحار الأنوار : 33 / 165 .
5 . سند مدينة المعاجز للبحراني : 2 / 267 ، عن السيد حيدر بن علي الآملي .
6 . رواية المناقب لابن شهرآشوب ، عن عدد من المصادر ، وقد تقدمت .
7 . رواية علي بن إبراهيم في تفسيره : 2 / 385 ، بسنده عن أبي الحسن عليه السلام .
وهناك أسانيد أخرى ، يصعب استقصاؤها فراجع : شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي ، وكنز الحقائق للكراجكي ، والفضائل لشاذان بن جبرئيل ، وتفسير القمي والمناقب لابن شهرآشوب ، وغاية المرام للبحراني ، وغيرها .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 87 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
والنتيجة الأولى التي يصل المتأمل أن أصل الحديث مستوفٍ لشروط الصحة ، فمهما كان الباحث بطئ التصديق ، وأجاز لنفسه اتهام الشيعة بأنهم وضعوها في مصادرهم ، فلا يمكنه أن يفسر وجودها في مصادر السنة ورواية عدد من أئمتهم لها ، وتبني بعضهم لها .
نعم قد يعترض متعصبٌ بأن هؤلاء الأئمة السنيين رووه عن أئمة أهل البيت عليهم السلام . وجوابه أولاً ، أن طرق الحديث فيها عن حذيفة ، وأبي هريرة ، وابن وقاص وغيره . وأن مقام أهل البيت عليهم السلام عند السنة لا يقل عن مقام كبار أئمتهم ، خاصة الإمامين الباقر والصادق ‘ اللذين يروي عنهما عدد من كبار أئمتهم كأبي عبيد والسفيانين والزهري ومالك وأحمد ، وغيرهم .
والنتيجة الثانية أن الحادثة التي روتها هذه الأحاديث لا يمكن أن تكون واحدة بل متعددة ، بسبب تعدد الأسماء ، والتصحيف يصح في بعضها لا في جميعها ، وبسبب نوع العقوبة ، والأمكنة ، والأزمنة ، والقرائن المذكورة في روايات الحديث . فرواية أبي عبيد والثعلبي وغيرها تقول إن الاعتراض والحادثة وقع في المدينة أو قربها ، وإن العذاب كان بحجرٍ من سجيل ، ورواية أبي هريرة وغيرها تقول كان في نفس غدير خم بعد خطبة النبي صلى الله عليه وآله ، وإن العقوبة كانت بنارٍ نزلت من السماء ، وبعضها يقول إنها كانت بصاعقة .

نموذج من تفسير علماء الخلافة لآية : سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع

قال الشوكاني في فتح القدير : 5 / 352 : ( وهذا السائل هو النضر بن الحارث حين قال : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . وهو ممن قتل يوم بدر صبراً . وقيل : هو أبو جهل . وقيل : هو الحارث بن النعمان الفهري . والأول أولى لما سيأتي ) . انتهى . وقصده بما يأتي ما ذكره / 356 ، من رواياتهم التي تثبت أن السورة مكية وأن صاحب العذاب الواقع هو النضر ، وليس ابنه جابراً ، ولا الحارث الفهري قال : ( وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : سأل سائل ، قال : هو النضر بن الحارث قال : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 88 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
السَّمَاءِ ) . انتهى . ومع أن الشوكاني ذكر القولين لكنه ذكر رواية أحدهما دون الآخر ، وهذا تحيز ! بل ينبغي أن يذكر رواية القولين وسبب ترجيحه لأحدهما كما فعل الشربيني القاهري في تفسير المعروف فقال كما نقل عنه صاحب عبقات الأنوار : 7 / 398 : ( اختلف في هذا الداعي فقال ابن عباس : هو النضر بن الحارث . وقيل هو الحارث بن النعمان ، وذلك أنه لما بلغه قول النبي صلى الله عليه وآله من كنت مولاه فعلي مولاه ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته في الأبطح ثم قال : يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه منك . . . إلخ . ) . انتهى . وقال القرطبي في تفسيره : 18 / 278 : ( وهو النضر بن الحارث حيث قال : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ، فنزل سؤاله وقتل يوم بدر صبراً هو وعقبة بن أبي معيط ، لم يقتل صبراً غيرهما ، قاله ابن عباس ومجاهد . وقيل : إن السائل هنا هو الحارث بن النعمان الفهري ، وذلك أنه لما بلغه قول النبي ( ص ) في علي رضي الله عنه : من كنت مولاه فعلي مولاه ، ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح . . بنحو رواية أبي عبيد . ثم قال : وقيل : إن السائل هنا أبو جهل وهو القائل لذلك ، قاله الربيع . وقيل إنه قول جماعةٍ من كفار قريش . وقيل : هو نوح عليه السلام سأل العذاب على الكافرين . وقيل : هو رسول الله ( ص ) أي دعا بالعقاب ، وطلب أن يوقعه الله بالكفار وهو واقع بهم لا محالة ، وامتد الكلام إلى قوله تعالى : فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً ، أي لا تستعجل فإنه قريب ) . انتهى .
أقول : رجح المفسرون السنيون كما رأيت تفسير الآية بنزول العذاب على
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 89 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
النضر بن الحارث العبدري بقتله في بدر ، لكن اعترافهم برواية العذاب عقوبة للمعترض على ولاية علي عليه السلام في الغدير ، يدل على وجود إعلان نبوي رسمي بحق علي عليه السلام ووجود اعتراضٍ قرشي عليه !
أما الفخر الرازي فاختار في تفسيره : 30 / 122 ، أن العذاب المذكور في مطلع السورة هو العذاب الأخروي ، وأن الدنيوي مخصوص بالنضر بن الحارث ، قال : ( لأن العذاب نازل للكافرين في الآخرة لا يدفعه عنهم أحد ، وقد وقع بالنضر لأنه قتل يوم بدر ) ، ثم وصف هذا الرأي بأنه سديد . . وهو بذلك يتابع المفسرين السنيين الذين قالوا بانتهاء العذاب الدنيوي الموعود ، مع أن السورة لا تشير إلى انتهاء أي نوع منه .
ويرد على تفسيرهم عدة إشكالات : أولها : أن القول الذي رجحوه قول صحابي أو تابعي وهما ابن عباس ومجاهد ، وليس حديثاً نبوياً ، بينما تفسيرها بعذاب المعترض على ولاية علي عليه السلام حديث نبوي صحيح السند .
وثانيها : أن سؤال النضر بالعذاب الواقع كان قبل بدر ، وعذابه في بدر ، لكن آية مطر الحجارة نزلت في الأنفال بعد بدر وبعد قتل النضر ، فكيف يكون جواب قوله في سورة مكية ، وقوله في سورة مدنية بعد هلاكه ؟ !
وثالثها : أن العذاب بحجر من السماء أكثر تناسباً وانطباقاً على قوله تعالى : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ، من قولهم أن العذاب كان بالقتل .
ورابعها : أنه لا تعارض بين التفسيرين ، فيكون العذاب وقع على النضر بن
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 90 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحارث في بدر ، ثم وقع على ولده جابر بن النضر ، كما في رواية أبي عبيد ، ثم وقع ويقع على آخرين من مستحقيه ! بل هو المتعين الذي يقتضيه إطلاق النص ، فقد تحدوا النبي صلى الله عليه وآله وتساءلوا عن العذاب الموعود وطلبوه ، فأجابهم الله تعالى بأنه واقعٌ بالكفار لا محالة في الدنيا وفي الآخرة ، وقد وقع على قريش في بدر والخندق ، كما عذبهم بالجوع والقحط ، وفتح مكة . ومنه عذاب المعترضين منهم على النبي صلى الله عليه وآله لإعلانه ولاية عترته عليهم السلام ! بل يبقى العذاب الواقع مفتوحاً إلى آخر الدنيا !

محاولات النواصب رد تفسير آية العذاب !

لم أعثر على أحد من النواصب المبغضين لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ، رد هذا الحديث وكذبه قبل ابن تيمية ، فقد هاجمه بعنف وتخبط في رده ! وتبعه على ذلك محمد رشيد رضا في تفسير المنار ، وهو ناصبي مقلد لابن تيمية وتلميذه ابن القيم في كثير من أفكارهما ، وقد أدخلها في تفسيره ، واستفاد لنشرها من اسم أستاذه الشيخ محمد عبده رحمه الله فخلط أفكاره بأفكار أستاذه ! ويلمس القارئ الفرق بين الجزءين الأولين من تفسير المنار اللذين كتبهما في حياة الشيخ محمد عبده وما سجله من دروسه ، ففيهما من عقلانية الشيخ محمد عبده رحمه الله واعتقاده بولاية أهل البيت عليهم السلام ، وبين الأجزاء التي كتبها رشيد رضا بعد وفاة أستاذه أو أعاد طباعتها ووضع فيها أفكاره الناصبة لأهل البيت عليهم السلام . وقد نقل
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 91 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
رشيد رضا في المنار : 6 / 464 ، الحديث من تفسير الثعلبي ، ثم قال : ( وهذه الرواية موضوعة ، وسورة المعارج هذه مكية ، وما حكاه الله من قول بعض كفار قريش : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ . . كان تذكيراً بقول قالوه قبل الهجرة ، وهذا التذكير في سورة الأنفال وقد نزلت بعد غزوة بدر قبل نزول المائدة ببضع سنين ، وظاهر الرواية أن الحارث بن النعمان هذا كان مسلماً فارتد ، ولم يعرف في الصحابة ، والأبطح بمكة والنبي صلى الله عليه وآله لم يرجع من غدير خم إلى مكة ، بل نزل فيه منصرفه من حجة الوداع إلى المدينة ) . انتهى . ولم يزد رشيد رضا على ما ذكره ابن تيمية ! وعمدة إشكالهما :
1 - أن مكان الأبطح في مكة والنبي صلى الله عليه وآله لم يرجع بعد الغدير إلى مكة . وجوابه : أن الأبطح كل مسيل ماء فيه حصى ( العين : 3 / 173 ) ، وأبطح المدينة مشهور ، لكن ابن تيمية لا يعرفه أو تعمد الكذب ! وقد رده صاحب الغدير رحمه الله : 1 / 239 ، بما رواه بخاري : 1 / 181 ( أن رسول الله ( ص ) أناخ بالبطحاء بذي الحليفة فصلى بها ) . وذو الحليفة بالمدينة لا في مكة .
2 - وإشكاله الثاني أن سورة المعارج مكية نزلت قبل المائدة ، والحديث يقول إن آيتها نزلت وسط آيات سورة المائدة !
وجوابه : أن سورة المعارج مختلف فيها ، ويبدو أن فيها آيات مدنية ولو سلمنا أنها كلها مكية فتكون آية ( سأل سائل ) نزلت مرة ثانية ، لأنه
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 92 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
جاء تأويلها عندما طلب المعترض نزول العذاب عليه ونزل . وتوجد آيات عديدة نزلت أكثر من مرة وكان نزولها الثاني لتحقق تأويلها أو لتأكيدها ، وقد نصت رواية بحار : 37 / 167 ، على أن جبرئيل هبط بعد هلاك المعترض على النبي صلى الله عليه وآله وهو يقول : ( إقرأ يا محمد : سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ، لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِع ) . وهذا نص في أن جبرئيل عليه السلام نزل بتطبيق الآية أو تأويلها ، بل يظهر من أحاديثنا أن ما حل بالعبدري والفهري ما هو إلا جزءٌ صغيرٌ من ( العذاب الواقع ) الموعود ، وأن أكثره سينزل في المستقبل تمهيداً لظهور المهدي عليه السلام أو نصرةً له . . وقد روى المحدثون والمفسرون أن آية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ، نزلت في سورة الضحى عندما أبطأ جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله ( الطبراني الكبير : 2 / 173 ) ، ونزلت عندما عيَّر المشركون المسلمين بالفقر ( لباب النقول / 213 ) ، ونزلت عندما عُرض على رسول الله صلى الله عليه وآله ما هو مفتوح على أمته من بعده ( الطبراني الكبير : 10 / 277 ) ، ونزلت عندما رأى النبي صلى الله عليه وآله على فاطمة عليها السلام كساء من وبر الإبل وهي تطحن فبكى وقال : يا فاطمة اصبري على مرارة الدنيا لنعيم الآخرة غداً ، فنزلت : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى . ( كنز العمال : 12 / 422 ) . فلا الأبطح عرفوه ، ولا تكرار النزول فهموه ، وتشبثوا بالباطل لينكروا ولاية علي عليه السلام التي صدع بها رسول الله صلى الله عليه وآله .
هذا ، وقد رد علماؤنا كلام الناصبي ابن تيمية في منهاجه : 4 / 13 ، بنقد
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 93 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
علمي مفصل كما ترى في الغدير : 1 / 239 ، وعبقات الأنوار : مجلد 7 و 8 .

بنو عبد الدار " أبطال " العذاب الواقع

اختلفت الروايات في اسم الشخص الذي نزل عليه حجر السجيل ، ولكن ذلك لا يضر في صحة الحديث ، خاصة أن المرجح تعدد الحادثة في غدير خم وفي المدينة ، وطبيعي أن يخفي القرشيون اسم الذي اتهم النبي صلى الله عليه وآله فنزل عليه العذاب ، لأن اسمه صار سوأةً على أقاربه وعشيرته ! وأقوى الروايات في اسمه : جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري ، بدليل أن الحافظ أبا عبيد الهروي المتوفى سنة 223 ، ضبطه في كتابه بهذا الاسم ، والعلماء يحترمون خبرة أبي عبيد بالحديث ، وجابر بن النضر شخصيةٌ قرشية معروفة ، فوالده زعيم بني عبد الدار حامل لواء قريش الذي قتل يوم بدر ، فهو بنظره صاحب ثأر مع النبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام الذي قتل أباه !
كما أنه في الكفر كأبيه الذي كان من أشد فراعنة قريش على النبي صلى الله عليه وآله ! وقد ردد جابر كلمة أبيه : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ !
قال ابن هشام في سيرته : 1 / 195 : ( وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش ، وممن كان يؤذي رسول الله ( ص ) وينصب له العدواة ، وكان قدم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 94 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم واسفنديار ، فكان إذا جلس رسول الله ( ص ) مجلساً فذكر فيه بالله ، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله ، خلفه في مجلسه إذا قام ، ثم قال : أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثاً منه ، فهلم إلي فأنا أحدثكم أحسن من حديثه ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسبنديار ، ثم يقول : بماذا محمد أحسن حديثاً مني ؟ ! قال ابن هشام : وهو الذي قال فيما بلغني : سأنزل مثل ما أنزل الله . قال ابن إسحاق : وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول فيما بلغني : نزل فيه ثمان آيات من القرآن ، قول الله عز وجل : إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين . وكل ما ذكر فيه الأساطير من القرآن ) . وقال السيوطي في الدر المنثور : 3 / 181 : ( وأخرج ابن جرير عن عطاء قال : نزلت في النضر : وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيم . . وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ . . وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ . . وسَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع ! قال عطاء : لقد نزل فيه بضع عشرة آية من كتاب الله ) . ونحوه في : 5 / 297 ، عن عبد بن حميد .
وأرسلته قريش إلى اليهود ليعينوهم على النبي صلى الله عليه وآله ( بعثوه وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة وقالوا لهما : سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم علم ليس عندنا من علم
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 95 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
الأنبياء . . . فقالت لهما أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وإن لم يفعل فالرجل متقول فَرَوْا فيه رأيكم . سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم فإنه قد كان لهم حديث عجيب ؟ وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبأه ؟ وسلوه عن الروح ما هي ) . ( ابن هشام : 1 / 195 ) .
وهو كاتب الصحيفة الملعونة الأولى ضد بني هاشم . ( ابن هشام : 1 / 234 ) .
وختاماً ، نلاحظ أن كثيراً من الرواة خلطوا بين جابر بن النضر الذي نزل عليه العذاب بحجر من السماء ، وبين أبيه النضر الذي قتل قبله بعشر سنين في بدر ! وذلك لتشابه شخصيتهما وعدائهما لله ولرسوله ، ولا يبعد أن يكون الرواة أرادوا إخفاء الابن المقتول لاعتراضه على ولاية علي عليه السلام ، وفأدغموه في أبيه ، وجعلوا أخبارهما واحدة !