متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
معنى العصمة في القرآن واللغة والحديث
الكتاب : العقائد الاسلامية : المجلد الخامس    |    القسم : الكتب والمؤلفات    |    القرآء : 9334

الفصل الثاني عشر

العصمة وقاعدة اللطف

معنى العصمة في القرآن واللغة والحديث

وردت العصمة في القرآن بمعنى المنع من عذاب الله في الدنيا: ( قَالَ سَآوِى إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الْمَاءِ قَالَ لاعَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلا مَنْ رَحِمَ) (هود:43).

والمنع من عذابه في الآخرة: قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً. (الأحزاب:17). وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ (يونس:27). والأعم منهما: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ. (غافر:33).

وفي الإمتناع عن الحرام: وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ. (يوسف:32).

أما قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ. (المائدة:67) ، فقد بينا في كتاب (آيات الغدير) أن العصمة فيها ليست بمعنى عصمة الأنبياء المصطلحة ، فهي عصمة من الناس وليست عصمة عن المعاصي ، وقد نزلت في آخر سورة قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله بنحو ثمانين يوماً ، و كان صلى الله عليه وآله قبلها معصوماً عن المعاصي .

فلا بد أن يكون المقصود فيها عصمته صلى الله عليه وآله من أن يطعن الناس بنبوته أو يرتدوا عن الإسلام ، إن بلغ ما أنزل اليه في علي عليه السلام .

وقال الراغب في مفرداته: (العَصْمُ: الإمساك ، والإعتصام: الإستمساك...والعصام ما يعصم به أي يشد. وعصمة الأنبياء عليهم السلام حفظه إياهم أولاً بما خصهم به من صفاء الجوهر ، ثم بما أولاهم من الفضائل الجسمية والنفسية ، ثم بالنصرة وبتثبيت أقدامهم ، ثم بإنزال السكينة عليهم ، وبحفظ قلوبهم وبالتوفيق ، قال تعالى: وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ .

قال الخليل في كتاب العين: العصمة أن يعصمك الله من الشر ، أي يدفع عنك. واعتصمت بالله أي امتنعت به من الشر ، واستعصمت أي أبيت ، وأعصمت أي لجأت إلى شئ اعتصمت به... وأعصمت فلاناً: هيأت له ما يعتصم به. والغريق يعتصم بما تناله يده ، أي: يلجأ إليه... والعصمة: المنع. يقال عصمه الطعام ، أي منعه من الجوع. والعصمة: الحفظ. يقال: عصمته فانعصم. واعتصمت بالله ، إذا امتنعت بلطفه من المعصية ). انتهى

وفي الفروق اللغوية ص464: الفرق بين اللطف والتوفيق: أن اللطف هو فعل تسهل به الطاعة على العبد ، ولا يكون لطفاً إلا مع قصد فاعله وقوع ما هو لطف فيه من الخير خاصة ، فأما إذا كان ما يفعل عنده قبيحاً وكان الفاعل له قد أراد ذلك ، فهو انتقاد وليس بلطف.

والتوفيق فعل ما تتفق معه الطاعة ، وإذا لم تتفق معه الطاعة لم يسم توفيقاً ولهذا قالوا إنه لايحسن الفعل...

واللطف قد يتقدم الفعل بأوقات يسيرة يكون له معها تأثير في نفس الملطوف له ، ولا يجوز أن يتقدمه بأوقات كثيرة حتى لايكون له معها في نفسه تأثير ، فكل توفيق لطف وليس كل لطف توفيقاً....

والعصمة هي اللطيفة التي يمتنع بها عن المعصية إختياراً، والصفة بمعصوم إذا أطلقت فهي صفة مدح وكذلك الموفق ، فإذا أجري على التقييد فلا مدح فيه ، ولا يجوز أن يوصف غير الله بأنه يعصم.

ويقال عصمه من كذا ووفقه لكذا ولطف له في كذا ، فكل واحد من هذه الأفعال يعدَّى بحرف ، وهاهنا يوجب أيضاً أن يكون بينهما فروق من غير هذا الوجه الذي ذكرناه ، وشرح هذا يطول فتركته كراهة الإكثار. وأصولهما في اللغة واشتقاقاتهما أيضاً توجب فروقا من وجوه أخر فاعلم ذلك ).

وفي مجمع البحرين:1/241: (روي أن إبليس لعنه الله تمثل ليحيى عليه السلام فقال له: أنصحك. قال: لا أريد ذلك ولكن أخبرني عن بني آدم. قال: هم عندنا على ثلاثة أصناف: صنف منهم وهم أشد الأصناف عندنا نقبل على أحد منهم نفتنه عن دينه ونتمكن منه ثم يفزع إلى الإستغفار والتوبة فلا نحن نيأس منه ولا نحن ندرك حاجتنا فنحن معه في عناء. وأما الصنف الآخر منهم فهم في أيدينا كالكرة في أيدي صبيانكم نتلقفهم كيف شئنا ، قد كفونا مؤنة أنفسهم !

وأما الصنف الثالث فهم معصومون لا نقدر منهم على شئ ).

وفي مجمع البحرين:3/393: (وفي الحديث: ما اعتصم عبدٌ من عبادي بأحد من خلقي إلا قطعت أسباب السماوات من يديه وأسخت الأرض من تحته. قال بعض الشارحين: هاتان الفقرتان كناية عن الخيبة والخسران. وفيه: أعوذ بك من الذنوب التي تهتك العصم ، وهي كما روي عن الصادق عليه السلام : شرب الخمر، واللعب بالقمار ، وفعل ما يضحك الناس من المزاح واللهو ، وذكر عيوب الناس ، ومجالسة أهل الريب.

والمعصوم: الممتنع من جميع محارم الله ، كما جاءت به الرواية.

وعن علي بن الحسين عليه السلام الإمام منا لايكون إلا معصوماً ، وليست العصمة في ظاهر الخلقة فتعرف ، قيل: فما معنى المعصوم ؟ قال: المعتصم بحبل الله ، وحبل الله هو القرآن ، لا يفترقان إلى يوم القيامة ، والإمام يهدي إلى القرآن والقرآن يهدي إلى الإمام ، وذلك قوله تعالى .( أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ). وفي الدعاء إن عصمة أمري كذا ، أي وقايتي وحافظي من الشقاء المخلد. واعتصمت بالله: امتنعت به. وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وآله :أربع من كن فيه كان في نور الله الأعظم وعد ، منها: من كان عصمة أمره شهادة أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله " أي ما يعصم من المهلك يوم القيامة. والمعنى: من كانت الشهادتان ويعني بهما الإيمان ، عصمة ووقاية له من المعاصي تحجزه وتمنعه من اقتراف سخط الله وسخط رسوله. ومنه قول أبي طالب: ثمال اليتامى عصمة للأرامل ، أي حفظ لهم ووقاية يمنعهم من الضياع والحاجة ).

وفي نهج البلاغة:2/49:(وعليكم بكتاب الله ، فإنه الحبل المتين والنور المبين ، والشفاء النافع ، والري الناقع والعصمة للمتمسك والنجاة للمتعلق ، لايعوج فيقام ، ولا يزيغ فيستعتب ، ولا تخلقه كثرة الرد ، وولوج السمع ) .

وفي نهج البلاغة:2/23: (وإنما ينبغي لأهل العصمة والمصنوع إليهم في السلامة أن يرحموا أهل الذنوب والمعصية ، ويكون الشكر هو الغالب عليهم والحاجز لهم عنهم ، فكيف بالعائب الذي عاب أخاً وعيره ببلواه... ).

وفي الصحيفة السجادية ص90: (اللهم صل على محمد وآله ، وقني من المعاصي ، واستعملني بالطاعة ، وارزقني حسن الانابة ، وطهرني بالتوبة ، وأيدني بالعصمة ، واستصلحني بالعافية ، وأذقني حلاوة المغفرة ). انتهى .

وقد تقدم قول الإمام الصادق عليه السلام في تعريف المعصوم: (المعصوم هو الممتنع بالله من جميع محارم الله ، وقال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِىَ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). (معاني الأخبار: ص132) .

وفي الصراط المستقيم:1/116: قالوا: معصوم إسم مفعول ، فيكون مجبوراً على ترك العصيان في كل آن ولافخر في ذلك على إنسان. قلنا: العصمة الملجئة من الله إنما هي من الغلط والنسيان وأما العصمة التي لايقع منها عصيان فهي لطف يفعله الله ، لايوجب الإجبار ، بل يجامع الإختيار ، والإنسان يعلم أنه يترك ذنوباً بحسب اختياره فالمعصوم يترك الجميع كذلك ).

تم تطوير هذا الموقع من أجل تسهيل الإستفادة من مؤلفات ومحاضرات وتسجيلات سماحة الشيخ علي الكوراني العاملي ، ويمكن الإستفادة منها ونشرها مع عدم التغيير المخلّ بالمعنى ، مع ذكر المصدر .. وأما طباعة الكتب والأقراص وغيرها فتحتاج إلى إجازة خاصة .