متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
المذهب الثالث : مذهب التجسيم
الكتاب : کتاب الوهابية والتوحيد    |    القسم : الكتب والمؤلفات    |    القرآء : 3639

المذهب الثالث : مذهب التجسيم

وهو مذهب الذين حرَّموا تأويل الصفات ، وحرَّموا تفويض معناها إلى الله تعالى ، وأوجبوا حملها على ظاهر اللغة ، أي المعنى الحسي المادي .

وقد يبدو الفرق بينهم وبين المفوضين قليلاً ، ولكنه كبير ، لأن التفويض رأيٌ بالإمتناع عن تفسير الصفات ، والحمل على الظاهر تصويت بأن المراد منها معناها الحسي !

فكلمة ( يد الله ) عند المفوضين لا تعني القدرة كما يقول المتأولون ، ولا تعني الجارحة كما يقول الحسيون ، لأن معنى كونهم مفوضة أنهم متوقفون في معناها وممتنعون كلياً عن تفسيرها .

بل إن التفويض قد يجتمع مع نفي الظاهر الحسي منها واعتباره غير مراد ، وأن المعنى المراد منها مفوض إلى الله تعالى ، كما تقدم من قول النووي .

أما الحسيون فيقولون يجب حمل الكلمة على اليد الحقيقية لا المجازية !

وقد وصلت بهم الجرأة إلى أن أنكروا وجود المجاز في القرآن والحديث ، أي في اللغة العربية ، لأن القرآن والحديث إنما جاءا بهذه اللغة واستعملا ألفاظهما حسب قواعدها .

وإذا قلت لهم : تقصدون أن الله تعالى له جوارح ، يد ورجل وعين ، إلى آخره ؟

يقولون : نعم له يد ، ولكن لا نقول كيد الإنسان ! غير أنهم يقولون ذلك في نقاشهم معك فقط ! لأنهم يعتقدون أن الله تعالى على صورة الإنسان ، فتكون جوارحه كجوارحه ، كما عرفت وستعرف من كلماتهم .

متى ظهرت مقولات التجسيم

إدعى بعض خصوم الشيعة أن هشاماً بن الحكم أول من قال بالتجسيم ، وهشام متكلم شيعي من تلاميذ الإمام جعفر الصادق عليه السلام توفي نحو سنة 200 هجرية ، كما سيأتي .

فقد زعم المؤلف الوهابي الدكتور ناصر القفاري في كتابه أصول مذهب الشيعة الإمامية : 1/529 قائلاً :

( وقد حدد شيخ الإسلام ابن تيمية أول من تولى كبر هذه الفرية من هؤلاء فقال : وأول من عرف في الإسلام أنه قال إن الله جسم هو هشام بن الحكم . منهاج السنة : 1/20 ) .

وقال القفاري في 1 /530 – 531 : ( إذن تشبيه الله سبحانه بخلقه كان في اليهود وتسرب إلى التشيع ، لأن التشيع كان مأوى لكل من أراد الكيد للإسلام وأهله ، وأول من تولى كبره هشام بن الحكم ، ثم تعدى أثره إلى آخرين عرفوا بكتب الفرق بمذاهب ضالة غالية ، ولكن شيوخ الإثني عشرية يدافعون عن هؤلاء الضلال الذين استفاض خبر فتنهم واستطار شرهم ، ويتكلفون تأويل كل بائقة منسوبة إليهم أو تكذيبها، حتى قال المجلسي: ولعل المخالفين نسبوا إليهماهذين القولين معاندة.

وأقول : أما إنكار بعض الشيعة لذلك فقد عهد منهم التكذيب بالحقائق الواضحات ، والتصديق بالأكاذيب البينات ، وأما دفاعهم عن هؤلاء الضلال فالشئ من معدنه لا يستغرب ، فهم يدافعون عن أصحابهم ، وقد تخصص طغام منهم للدفاع عن شذاذ الآفاق ومن استفاض شره وتناقل الناس أخبار مروقه وضلاله ) . انتهى .

ولو أن هذا الكاتب قرأ صحيح البخاري وغيره من مصادر الحديث ، لَلَمَس بيديه قبل عينيه أن مقولة التجسيم ظهرت في الناس في زمن عائشة كما تقدم ، أما أفكارها وأصلها فقد ظهر على يد كعب الأحبار وجماعته في زمن الخليفة عمر ، يعني قبل أن يولد جد هشام بن الحكم أو جد جده !

فقد روت مصادر إخواننا حديث أطيط العرش وصريره وأزيزه من ثقل الله تعالى بروايات صحيحة .

منها : ما رواه الهيثمي في مجمع الزوائد :1/83 : ( عن عمر رضي الله عنه أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : أدع الله أن يدخلني الجنة ، فعظم الرب تبارك وتعالى وقال : إن كرسيه وسع السموات والأرض ، وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله ، رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ) .

وقال عنه في مجمع الزوائد : 10/159 : ( رواه أبو يعلى في الكبير ورجاله رجال الصحيح ، غير عبد الله بن خليفة الهمذاني وهو ثقة ) .

وقال عنه في كنز العمال ص 373 : ( ع ، وابن أبي عاصم ، وابن خزيمة ، قط في الصفات ، طب في السنة ، وابن مردويه ، ص ) .

وقال عنه في :2/466 : ( ابن مردويه خط ص وج 6 ص 152 وقال : الخطيب من طريق أبي إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة الهمداني) .

وقال السيوطي في الدر المنثور :1/328 : ( وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي عاصم في السنة ، والبزار ، وأبو يعلى ، وابن جرير ، وأبو الشيخ ، والطبراني ، وابن مردويه ، والضياء المقدسي في المختارة ، عن عمر أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : أدع الله أن يدخلني الجنة فعظم الرب تبارك وتعالى وقال : إن كرسيه وسع السموات والأرض ، وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله ، ما يفضل منه أربع أصابع ) .

وقال الديلمي في فردوس الأخبار : 3/86 : ( عمر بن الخطاب : على العرش استوى ، حتى يسمع أطيط كأطيط الرحل ) .

وقال الخطيب في تاريخ بغداد : 1/295 : ( عن عبد الله بن خليفة عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : على العرش استوى ، قال : حتى يسمع أطيط كأطيط الرحل ) .

وقال في تاريخ بغداد : 4/39 : (عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله جهدت الأنفس وجاع العيال وهلكت الأموال فاستسق لنا ربك ، فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سبحان الله سبحان الله، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال له: ويحك ما تدري ما الله ؟ إن شأنه أعظم من ذلك ، إنه لا يستشفع به على أحد ، إنه لفوق سماواته على عرشه ، وإنه عليه هكذا وأشار بيده مثل القبة ، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب ) . انتهى .

وقال الديلمي في فردوس الأخبار : 1/219 : ( ابن عمر : إن الله عز وجل ملأ عرشه ، يفضل منه كما يدور العرش أربعة أصابع ، بأصابع الرحمن عز وجل ) . انتهى .

ويلاحظ أن عبد الله بن عمر جعل العرش أكبر من حجم الله تعالى بأربع أصابع بأصابع الله تعالى ، وبما أن آدم في رواياتهم الصحيحة مخلوق على صورة الله تعالى وطوله ستون ذراعاً وفي بعضها سبعون ذراعاً ، فتكون إصبع ( معبودهم ) أكثر من متر !

وروى أبو داود في سننه ص 418 : ( إن عرشه على سمواته لهكذا ، وقال بأصابعه مثل القبة عليه ، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب ، قال ابن بشار في حديثه : إن الله فوق عرشه وعرشه فوق سماواته ، وساق الحديث .

وقال عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار عن يعقوب بن عتبة ، وجبير بن محمد بن جبير ، عن أبيه ، عن جده ، والحديث بإسناد أحمد بن سعيد هو الصحيح ، وافقه عليه جماعة منهم يحيى بن معين وعلي بن المديني ، ورواه جماعة عن ابن إسحاق كما قال أحمد أيضاً وكان سماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار من نسخة واحدة فيما بلغني . وقال في هامشه : أط الرحل : صوت أي أصدر صوتاً هو كصوت الطقطقة ) .

وقال ابن الأثير في النهاية :1/54 : ( الأطيط : صوت الأقتاب ، وأطيط الإبل : أصواتها وحنينها ، أي أنه ليعجز عن حمله وعظمته ، إذ كان معلوماً أن أطيط الرحل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه وعجزه عن احتماله ) .

وفيما ذكرناه من حديث طقطقة العرش كفاية ، وقد روتها مصادر كثيرة مثل : فردوس الأخبار للديلمي : 1/220 ، ومجمع الزوائد :10/398 ، وكنز العمال : 1/224 و : 2/73 و :10/ 363 و367 و :14/469 .

ومن الواضح لمن له أدنى اطلاع أن مقولات التجسيم وأحاديثه ظهرت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن أصلها من يهود المدينة وكعب الأحبار ، ثم ظهرت من بعض الصحابة بصورة أحاديث نبوية ، ثم تعصب لها بعض إخواننا حتى جعلوها مذهباً .

وقد اختصت بروايتها وتصحيحها مصادر إخواننا السنة، ولم ترو مصادرنا منها شيئا ، بل روت رد أهل البيت عليهم السلام لها واستنكارهم إياها !

فهل يعرف الدكتور القفاري من أين دخل التجسيم في الإسلام ؟ !

وقد اقترب الشيخ محمد زاهد الكوثري وهو باحث من علماء الأزهر من الحقيقة عند ما اعترف بأن جذور التشبيه والتجسيم إنما هي من رواة إخواننا السنة ، ولكنه حمل مسؤليتها لمجسمي التابعين ومن بعدهم ، ولم يجرأ على نسبة رواياتها إلى الصحابة.. قال في مقدمته لكتاب الأسماء والصفات للبيهقي:

( للمحدثين ورواة الأخبار منزلة عليا عند جمهرة أهل العلم ، لكن بينهم من تعدى طوره وألف فيما لا يحسنه ، فأصبح مجلبة العار لطائفته بالغ الضرر لمن يسايره ويتقلد رأيه !

ومن هؤلاء غالب من ألف منهم في صفات الله سبحانه ، فدونك مرويات حماد بن سلمة في الصفات تجدها تحتوي على كثير من الأخبار التالفة يتناقلها الرواة طبقة عن طبقة ، مع أنه قد تزوج نحو مائة امرأة من غير أن يولد له ولد منهن ، وقد فعل هذا التزواج والتنكاح في الرجل فعله بحيث أصبح في غير حديث ثابت البناني لا يميز بين مروياته الأصلية وبين ما دسه في كتبه أمثال ربيبه ابن أبي العوجاء وربيبه الآخر زيد المدعو بابن حماد ، بعد أن كان جليل القدر بين الرواة قوياً في اللغة ، فضل بمروياته الباطلة كثير من بسطاء الرواة .

ويجد المطالع الكريم نماذج شتى من أخباره الواهية في باب التوحيد من كتب الموضوعات المبسوطة ، وفي كتب الرجال ، وإن حاول أناس الدفاع عنه بدون جدوى ، وشرع الله أحق بالدفاع من الدفاع عن شخص ، ولا سيما عند تراكب التهم القاطعة لكل عذر .

وفعلت مرويات نعيم بن حماد أيضاً مثل ذلك بل تحمسه البالغ أدى به إلى التجسيم كما وقع مثل ذلك لشيخ شيخه مقاتل بن سليمان .

ويجد آثار الضرر الوبيل في مروياتهما في كتب الرواة الذين كانوا يتقلدونها من غير معرفة منهم لما هنالك ، فدونك كتاب الإستقامة لخشيش بن أصرم ، والكتب التي تسمى السنة لعبد الله وللخلال ، ولأبي الشيخ ، وللعسال، ولأبي بكر بن عاصم، وللطبراني، والجامع، والسنة والجماعة لحرب بن إسماعيل السيرجاني ، والتوحيد لابن خزيمة ، ولابن مندة ، والصفات للحكم بن معبد الخزاعي ، والنقض لعثمان بن سعيد الدارمي ، والشريعة للآجري ، والإبانة لأبي نصر السجزي ، ولابن بطة ، ونقض التأويلات لأبي يعلي القاضي ، وذم الكلام والفاروق لصاحب منازل السائرين . .

تجد فيها ما ينبذه الشرع والعقل في آن واحد ولا سيما النقض لعثمان بن سعيدالدارمي السجزي المجسم فإنه أول من اجترأ من المجسمة بالقول إن الله لو شاء لاستقر على ظهربعوضة فاستقلت به بقدرته ، فكيف على عرش عظيم!!

وتابعه الشيخ الحراني ( ابن تيمية ) في ذلك كما تجد نص كلامه في غوث العباد المطبوع سنة 1351 بمطبعة الحلبي . وكم لهذا السجزي من طامات مثل إثبات الحركة له تعالى وغير ذلك !

وكم من كتب من هذا القبيل فيها من الأخبار الباطلة والآراء السافلة ما الله به عليم ، فاتسع الخرق بذلك على الراقع وعظم الخطب إلى أن قام علماء أمناء برأب الصدع نظراً ورواية وكان من هؤلاء العلماء الخطابي، وأبو الحسن الطبري ، وابن فورك ، والحليمي ، وأبو إسحاق الاسفرايني ، والأستاذ عبد القاهر البغدادي ، وغيرهم من السادة القادة الذين لا يحصون عدداً ). انتهى .

وهكذا يعترف المنصفون من علماء إخواننا السنة بأن ما في صحاحهم من أحاديث الرؤية والتشبيه والتجسيم ترجع كلها أو جلها إلى حماد بن سلمة ونعيم بن حماد ومقاتل بن سليمان ووهب بن منبه وأستاذهم جميعاً كعب الأحبار !

ولكنهم لا يجرأون على الصعود إلى الصحابة الذين تبنوا كعباً وأفكار كعب ونشروها بين المسلمين بل وألبسوها ثوباً إسلامياً ! !

متى تحولت عقيدة كعب في تجسيم الله تعالى إلى مذهب

قال الشهرستاني في الملل والنحل :1/ 93 طبع الحلبي القاهرة 1968 :

( إعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية : من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة ، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل ، بل يسوقون الكلام سوقاً واحداً وكذلك يثبتون صفات خبرية مثل اليدين والوجه ولا يؤولون ذلك ، إلا أنهم يقولون هذه الصفات قد وردت في الشرع فنسميها صفات خبرية . ولما كانت المعتزلة ينفون الصفات والسلف يثبتون ، سمي السلف صفاتية ، والمعتزلة معطلة ، فبالغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات ، واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها وما ورد به الخبر ، فاقترفوا فيه فرقتين ، فمنهم من أوله على وجه يحتمل اللفظ ذلك ، ومنهم من توقف في التأويل وقال عرفنا بمقتضى العقل أن الله تعالى ليس كمثله شئ ، فلا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شئ منها وقطعنا بذلك ، إلا أنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه ، مثل قوله تعالى : الرحمن على العرش استوى ، ومثل قوله : خلقت بيدي ، ومثل قوله : وجاء ربك ، إلى غير ذلك ، ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها بل التكليف ورد بالإعتقاد بأن لا شريك له وليس كمثله شئ وذلك قد أثبتناه يقيناً .

ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف فقالوا : لا بد من إجرائها على ظاهرها ، والقول بتفسيرها كما وردت ، من غير تعرض للتأويل ولا توقف في الظاهر ، فوقعوا في التشبيه الصرف ، وذلك على خلاف ما اعتقده السلف ، ولقد كان التشبيه صرفاً خالصاً في اليهود لا في كلهم ، بل في القرائين منهم إذ وجدوا في التوراة ألفاظا تدل على ذلك ) . انتهى .

هذا النص من الشهرستاني ( 469 - 548 ) يدل على أن المجسمة أخذوا شكل مذهب ولكنه كان محدوداً وطارئاً على علماء إخواننا السنة ، وأنهم ظهروا متأخراً وتجاوزوا ما رسمه القدماء من تحريم تفسير آيات الصفات وأحاديثها ، ففسروها بظاهر اللغة ووقعوا في التجسيم !

ولذلك شبههم بالقرائين اليهود الذين كان التشبيه فيهم خالصاً على حد قوله ، وهو يشير بذلك أن التجسيم في هؤلاء المسلمين كان مخلوطاً غير خالص ، وذلك لخوفهم من المسلمين !

وشهادة الشهرستاني هذه تتوافق مع شهادة ابن خلدون التالية وغيره ممن أرخ لنشوء هذا المذهب ، أو هذا الدين الذي آمن بمادية الله تعالى ! !

قال ابن خلدون في مقدمته ص 462 :

( وذلك أن القرآن ورد فيه وصف المعبود بالتنزيه المطلق الظاهر الدلالة من غير تأويل في آي كثيرة ، وهي سلوب كلها وصريحة في بابها فوجب الإيمان بها ، ووقع في كلام الشارع صلوات الله عليه وكلام الصحابة والتابعين تفسيرها على ظاهرها ، ثم وردت في القرآن آيٌ أخرى قليلة توهم التشبيه ، وقضوا بأن الآيات من كلام الله فآمنوا بها ولم يتعرضوا لمعناها ببحث ولا تأويل ، وهذا معنى قول الكثير منهم إقرؤوها كما جاءت ، أي آمنوا بأنها من عند الله ولا تتعرضوا لتأويلها ولا تفسيرها لجواز أن تكون ابتلاء ، فيجب الوقف والإذعان لها ، وشذ لعصرهم مبتدعة اتبعوا ما تشابه من الآيات وتوغلوا في التشبيه ، ففريق أشبهوا في الذات باعتقاد اليد والقدم والوجه عملاً بظواهر وردت بذلك فوقعوا في التجسيم الصريح ومخالفة آي التنزيه المطلق التي هي أكثر موارد وأوضح دلالة، لأن معقولية الجسم تقتضي النقص والإفتقار ، وتغليب آيات السلوب في التنزيه المطلق التي هي أكثر موارد وأوضح دلالة أولى من التعلق بظواهر هذه التي لنا عنها غنية .

وجمع فريق بين الدليلين بتأويلهم ، ثم يفرون من شناعة ذلك بقولهم : جسم لا كالأجسام ، وليس ذلك بدافع عنهم ، لأنه قول متناقض وجمع بين نفي وإثبات إن كان بالمعقولية الواحدة من الجسم ، وإن خالفوا بينهما ونفوا المعقولية المتعارفة فقد وافقونا في التنزيه ولم يبق إلا جعلهم لفظ الجسم إسماً من أسمائه ، ويتوقف مثله على الإذن . وفريق منهم ذهبوا إلى التشبيه في الصفات كإثبات الجهة والاستواء والنزول والصوت والحرف وأمثال ذلك ، وآل قولهم إلى التجسيم فنزعوا مثل الأولين إلى قولهم صوت لا كالأصوات ، جهة لا كالجهات ، نزول لا كالنزول ، يعنون من الأجسام ، واندفع ذلك بما اندفع به الأول ولم يبق في هذه الظواهر إلا اعتقادات السلف ومذاهبهم والإيمان بها كما هي، لئلا يكر النفي على معانيها بنفيها ، مع أنها صحيحة ثابتة من القرآن ) . انتهى .

وهكذا ترى أن مشكلة التجسيم في أصولها الفكرية ثم في شكلها المذهبي هي بنت يهودية سنية ، لا نسب لها عند أحد من الشيعة ، إلا ما اتهموا به هشام بن الحكم بدون دليل !

تم تطوير هذا الموقع من أجل تسهيل الإستفادة من مؤلفات ومحاضرات وتسجيلات سماحة الشيخ علي الكوراني العاملي ، ويمكن الإستفادة منها ونشرها مع عدم التغيير المخلّ بالمعنى ، مع ذكر المصدر .. وأما طباعة الكتب والأقراص وغيرها فتحتاج إلى إجازة خاصة .