متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
منهج الدراسة في الحوزات العلمية الشيعية
الكتاب : الانتصار ـ المجلد الثالث    |    القسم : الكتب والمؤلفات    |    القرآء : 7511

منهج الدراسة في الحوزات العلمية الشيعية

قال ( العاملي ) :

لا بد من هذه الكلمة الموجزة عن المعاهد والحواضر العلمية الدينية عند الشيعة ، التي غلب عليها اسم : ( الحوزات العلمية ) ، لأن هذا الموضوع الذي طرحوه في شبكات النت يرتبط بمحاولات لتحديث مناهج الدراسة فيها ، وجعلها مثل كليات الجامعات العصرية .

يعرف الجميع أن الحوزات العلمية الشيعية تمتاز عن مثيلاتها بأمرين جوهريين:

 استقلالها المالي والسياسي .  ومنهج الدراسة فيها .

فماليتها من الأخماس والزكوات والتبرعات ، التي يدفعها الشيعة في العالم إلى مرجع التقليد الذي يعتقدون بأنه الأعلم بالفقه ، والأتقى في العلماء المعاصرين .

وقد عملت الدول قديماً وحديثاً على تغيير عقيدة الشيعة في ذلك ، وتحويل مركز استلام الحقوق الشرعية إلى وزارات أو هيئات ، فلم تنجح ! لأن الحكم الشرعي الثابت أن المكلف يعطي الحقوق الشرعية التي في ذمته إلى مرجع تقليده الذي يثق به .

أما مناهج الدراسة في الحوزات العلمية ، فهي تختلف عن مناهج الجامعات والكليات ..

لأنها تقوم على نظام الإجازات الإسلامي ، الذي يحفظ إلى حد كبير حرية اختيار الأستاذ والتلاميذ ، ويعتمد على الإجازات العلمية ( الشهادات ) من مرجع التقليد وكبار العلماء مثل : إجازة الإجتهاد ، وإجازة الرواية ..

كما يعتمد على الإجازات الوظيفية ، مثل إجازة القضاء ، وإجازة الوكالة عن المرجع ، وإجازة التبليغ ، وإمامة الجماعة .. إلخ .

والوضع السائد في الحوزات أن الطالب بعد أن يقبل في إحدى مدارس الحوزة ، يدرس كتب المنهج المقررة التي تبدأ بالنحو والصرف ثم البلاغة ، والمنطق ، والفقه ، وأصول الفقه .

وتسمى هاتان المرحلتان مرحلة المقدمات ، ومرحلة سطوح الكتب ، وتستغرقان نحو تسع سنوات ..

ثم يواصل الطالب بعدها مرحلة البحوث العالية في الفقه والأصول ، حتى يصل إلى درجة الإجتهاد .

وبعضهم يكتفي بدراسة السطوح ، ويتجه إلى الخطابة ، أو التفسير ، أو الحديث ، أو إلى فروع أخرى من فروع المعرفة والعمل . وبعضهم يدرس الكلام والفلسفة .. إلخ .

وقد تمسك المراجع في عصرنا وقبله بهذا المنهج ، لأنه الطريقة الحلقية الأصيلة ، التي تتصل في امتدادها التاريخي الضارب إلى حلقات الدرس في مسجد النبي صلى الله عليه وآله ، وحلقات الأئمة الطاهرين عليهم السلام ، وتلاميذهم .. وسلسلة السلف الصالح من علمائنا .

ولأنها تضمن حرية الطالب والأستاذ ، وتؤصل في الطلبة التعمق في فهم النصوص الشرعية .. إلخ .

وفي المقابل طرح عديدون من داخل الحوزات العلمية وخارجها ، مشاريع في المنهج الدراسي والإدارة لتحديث الحوزة وتطويرها ، وكانت كلها تواجه بالتحفظ أو الرفض من المراجع وكبار العلماء .. وأسباب ذلك عندهم :

أولاً : خوفهم من مصادرة الدولة للحوزة ، وتحويلها إلى كليات عادية تابعة للدولة كما حدث لحوزة الأزهر في مصر ، والزيتونة في تونس ، والقرويين في المغرب ، حيث تم تحويلها إلى كليات باسم أصول الدين والشريعة .. إلخ .

ثانياً : خوفهم من استبدال العمق العلمي الحوزوي ، إلى سطحية المعاهد والكليات المنتشرة في العالم الإسلامي .

ثالثاً : خوفهم من تسييس الحوزة وسيطرة الدولة عليها ، أي دولة ، حتى لو كانت دولة شيعية .

رابعاً : يعتبر الفقهاء أن مهمة الحوزات وهدفها الأساسي هو ضمان وجود مبلِّغين للدين من خطباء وعلماء مناطق ، ووجود مجتهدين على مستويات عالية يقومون بدور التدريس والتوجيه ويكون من بينهم مرجع التقليد أو مراجع التقليد حسب قناعة عموم الشيعة .

بينما تطرح هذه المشاريع إضافة علوم أخرى للحوزة والتقليل من التركيز على الفقه وأصول الفقه .. الأمر الذي يشعر معه الفقهاء أنه انحراف بالحوزة عن هدفها الأساسي ، وصرف لطلبتها عن التعمق الضروري في الفقه وأصوله .

خامساً : أنهم يرون أن مواد المناهج الدراسية المقترحة مواد ضعيفة ، لا تصل إلى مستوى المواد المقررة في الحوزة ، سواء في أدبيات اللغة العربية ، أو في المنطق والبلاغة ، أو في الفقه والأصول ..

وهذه المواد من شأنها أن تربي طلاباً سطحيين ، لا يمكن أن تكون لهم أهلية الإجتهاد ، ولا الكفاءات العلمية الأخرى .

فالمتن الدرسي الحوزوي له مواصفات خاصة في عبارته ومطلبه العلمي ، لا يمكن للكراسات المعدَّة ، والكتب المقترحة أن تسد مسدَّه .

في هذا الجو طرحت بعد الثورة الإسلامية في إيران عدة مشاريع لتطوير الحوزات العلمية الشيعية ، ولم تلق قبولاً من العلماء ، للأسباب المتقدمة كلاًّ أو بعضاً .. وكان من المبررات التي طرحها أصحاب مشاريع التحديث :

أن الحوزة العلمية يجب أن تساير العصر ، وتلبي حاجات الثورة والدولة والنهضة الإسلامية العالمية ، وذلك بأن تدرس علوماً أخرى مثل علم النفس والإجتماع والتاريخ والسياسة .. بدل التركيز الشديد على الفقه والأصول ..

وأن الحوزة يجب أن تركز على تدريس القرآن بفنونه وعلومه ، ولا تقتصر على تعمق الفقهاء والمفسرين في آياته .. إلى آخر ما ذكره أصحاب المشاريع التحديثية .

ومن أبرز هذه المشاريع وأكثرها جدية ، المشروع الذي طرحه آية الله خامنئي .. فلاقى بروداً من المراجع ، ولم يمكن تطبيقه إلا على الطلبة غير الإيرانيين ، مع اعتراضات منهم على المناهج ، ومطالبات مستمرة أن يتركوا لهم حرية الدراسة في الحوزة .. كما طبق الجانب الإداري منه بشكل جزئي على الطلبة الإيرانيين ..

وقد رافق هذا الطرح انتقادات مبالغ فيها لمناهج الحوزة ، نشرت منها الصحف الإيرانية عدة مقالات ، وقام الدكتور جعفر باقري المتحمس للمشروع بنشرها في كتاب ، أملاً أن يكون عوناً لإقناع الحوزة بتطبيق مشروع آية الله خامنئي ، الذي تحفظ عليه المراجع ، للأسباب المتقدمة .

وقد نسب الباقري في كتابه كلاماً شديداً إلى آية الله خامنئي ضد منهج الحوزة ، لا نعرف مدى دقة ترجمته عن الفارسية ، فرفعه بعض السلفيين النواصب قميص عثمان ، باعتبار أنه إقرار من الشيعة بعدم اهتمامهم بالقرآن الكريم وعلومه !!!

مع أن القضية المطروحة بين السيد الخامنئي ومراجع الحوزة أمر آخر كلياًّ !

وكتاب الدكتور الباقري ليس كتاباً علمياً بل كتاب إعلامي .. استعمل المبالغة مع الأسف وذم المنهج العلمي ومواد الدراسة في الحوزة العلمية لإثبات ضرورة المشروع الذي يدعو إليه !!

كالذي يقول إن برنامج هذه المدرسة خراب وطلبتها فاشلون ، فسلموها لي لكي أطبق فيها برنامجاً يحييها !!

مع أن المؤلف والجميع يعرفون أن الحوزة العلمية الشيعية مفخرةٌ المسلمين ، في صمودها وحرصها على استقلالها عبر القرون .. وفي عمقها العلمي وتخريجها للنوابغ الأفذاذ .

وهذا يلفتنا إلى أن من أول واجبات الذين يريدون إصلاح الحوزة : أن ينصفوها ، وينطلقوا من إيجابياتها العظيمة ، لا أن يفرطوا في ذمها !!

تم تطوير هذا الموقع من أجل تسهيل الإستفادة من مؤلفات ومحاضرات وتسجيلات سماحة الشيخ علي الكوراني العاملي ، ويمكن الإستفادة منها ونشرها مع عدم التغيير المخلّ بالمعنى ، مع ذكر المصدر .. وأما طباعة الكتب والأقراص وغيرها فتحتاج إلى إجازة خاصة .