متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
مناظرات الإمام الحسن عليه السلام في المدينة ودمشق
الكتاب : جواهر التاريخ 3    |    القسم : الكتب والمؤلفات    |    القرآء : 3784

مناظرات الإمام الحسن عليه السلام في المدينة ودمشق

1- المناظرات مادة مهمة لدراسة التاريخ والسيرة

لا تعجب عندما تجد عدداً من كلمات الإمام الحسن عليه السلام في مصادر السنة أكثر منها في مصادرنا ، وأنه يناظر فيها أو يفتخر على معاوية ومروان وابن العاص وأبي الأعور السلمي وابن الزبير ، وغيرهم من أركان أمبراطورية بني أمية وألد أعداء أهل البيت النبوي عليهم السلام ! فقد كان معاوية يحب هذا النوع من المناظرات والمفاخرات ، ويحرص على عقدها في مجلسه أو في المسجد ! ومع أنه كان يقول إنها لاتخلو من أضرار لكنه كان مغرماً بها شبيهاً بهواية صراع الديكة ، حريصاً على أن تكون بحضوره وأن يكون طرفاً فيها أحياناً !

وكان المسلمون سواءً الطبقة الحاكمة وكبار شخصيات المجتمع أو عامة الناس يتناقلونها بشوق وبدون حرج من السلطة . ولهذا انتشرت أخبارها ووصلت الينا !

إنها إرادة الله تعالى أن يتبنى معاوية عملاً يخلِّد فضائحه وفضائح بني أمية ويحبط كثيراً من خططه وجهوده في نشر شتم لعلي عليه السلام وفرض لعنه على منابر المسلمين ، ونشر مناقب بني أمية المزعومة !

إن هذه المناظرات والمفاخرات مادة مهمة للدراسة ، فكثيرٌ من الحقائق التي عرفتها الأمة عن بني أمية وتحولت الى مخزون للثورة عليهم ، كانت من ثمارها !

وأعتقد أن أهم دافع للإمام الحسن عليه السلام في سفره الى الشام كان اغتنام فرصة هذه المجالس التي كان معاوية يحرص عليها في الشام أكثر من المدينة !

وقد أورد البيهقي في المحاسن والمساوئ/58 ، عدداً منها تحت عنوان: (محاسن كلام الحسن بن علي رضي الله عنه) وبدأها بمناظرة بين الإمام الحسن عليه السلام في قصر معاوية ! قال: (أتى الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان وقد سبقه ابن عباس فأمر معاوية فأنزل ، فبينا معاوية مع عمرو بن العاص ومروان ابن الحكم وزياد بن أبي سفيان يتحاورون في قديمهم وحديثهم ومجدهم ، فقال معاوية: أكثرتم الفخر ، فلو حضركم الحسن بن علي وعبد الله بن العباس لقصرا من أعنتكما ما طال !.. وأورد مناظرة ومفاخرة طويلة رتبها معاوية ، وفضحهم فيها الإمام الحسن عليه السلام ! فقبَّله ابن عباس بين عينيه وقال له: (أفديك يا ابن عم ! والله ما زال بحرك يزخر وأنت تصول حتى شفيتني من أولاد البغايا ! فقال له الإمام عليه السلام : (يا ابن العم إنما هي بغاثُ الطير ، انقضَّ عليها أجدل ).

ثم روى البيهقي تحريك معاوية لابن الزبير لمناظرة الإمام عليه السلام في اليوم التالي ، جاء في ختامها قول الإمام عليه السلام : (ثم بايعوا أمير المؤمنين فسار إلى أبيك وطلحة حين نكثا البيعة وخدعا عرس رسول الله صلى الله عليه وآله فقتل أبوك وطلحة ، وأتيَ بك أسيراً فبصبصت بذنبك وناشدته الرحم أن لايقتلك فعفا عنك ، فأنت عتاقةُ أبي وأنا سيدُك وسيدُ أبيك ! فذق وبالَ أمرك !

فقال ابن الزبير: أعذر يا أبا محمد ، فإنما حملني على محاورتك هذا ، وأحب الإغراء بيننا ! فهلا إذ جهلتُ أمسكتَ عني ، فإنكم أهل بيت سجيتكم الحلم والعفو ! فقال الحسن: يا معاوية أنظر هل أكيعُ عن محاورة أحد ! ويحك أتدري من أي شجرة أنا وإلى من أنتمي، إنتهِ قبل أن أسِمَك بميسم تتحدث به الركبان في الآفاق والبلدان !! فقال ابن الزبير: هو لذلك أهل ! فقال معاوية: أما إنه قد شفى بلابل صدري منك ورمى مقتلك فصرت كالحجل في كف البازي يتلاعب بك كيف أراد ! فلا أراك تفتخر على أحد بعدها:

سبق الجواد من المدى والمِقْيَسِ فيمَ الكلام وقد سبقت مبرز

(أي ظهر السبق من المقيس وهوخط البداية في السباق)فقال معاوية: إياي تعني ، أما والله لأنبئنك بما يعرفه قلبك ولا ينكره جلساؤك ! أنا ابن بطحاء مكة ، أنا ابن أجودها جوداً وأكرمها جدوداً وأوفاها عهوداً ، أنا ابن من ساد قريشاً ناشئاً وكهلاً .

فقال الحسن: أجل إياك أعني أفعليَّ تفتخر يا معاوية ! أنا ابن ماء السماء وعروق الثرى، وابن من ساد أهل الدنيا بالحسب الثابت والشرف الفائق والقديم السابق ، أنا ابن من رضاه رضى الرحمن وسخطه سخط الرحمن فهل لك أب كأبي وقديم كقديمي؟! فإن قلت لا ، تُغلب ! وإن قلت نعم تُكَذَّب ! فقال معاوية: أقول لا ، تصديقاً لقولك .

فقال الحسن: الحق أبلج ما تخونُ سبيلُهُ والصدق يعرفه ذووا الألباب

ثم أورد البيهقي ما تقدم من مدح معاوية للإمام الحسن عليه السلام وتحريك ابن العجلان ليمدحه ، في مقابل بعض بني أمية الطامعين في الخلافة !

ثم أورد مناظرة الإمام عليه السلام مع ابن العاص فقال: (واستأذن الحسن بن علي على معاوية وعنده عبد الله ابن جعفر وعمرو بن العاص ، فأذن له فلما أقبل قال عمرو: قد جاءكم الأفَهُّ العَيِيّْ...) ومعناه أن معاوية حركه ضد الإمام عليه السلام ليناظره ويفضح عمرواً وهكذا كان ! ثم ذكر البيهقي أن (عمرو بن العاص قال لمعاوية ذات يوم: إبعث إلى الحسن بن علي فمره أن يخطب على المنبر فلعله يُحصر ، فيكون ذلك مما نعيره به فبعث إليه معاوية فأصعد المنبر وقد جمع له الناس...). وذكر خطبة شبيهة بالتي قال معاوية فيها ياحسن إنعت لنا الرطب !

ثم قال البيهقي: (وقدم الحسن بن علي رضوان الله عليه على معاوية ، فلما دخل عليه وجد عنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة وصناديد قومه ووجوه اليمن وأهل الشام ، فلما نظر إليه معاوية أقعده على سريره ، وأقبل عليه بوجهه يريه السرور بمقدمه ، فلما نظر مروان إلى ذلك حسده ! وكان معاوية قال لهم: لا تحاوروا هذين الرجلين ، فلقد قلداكم العار وفضحاكم عند أهل الشام يعني الحسن بن علي وعبد الله بن العباس فقال مروان...). وأورد مناظرة الإمام عليه السلام مع مروان ، وكيف شمت ابن العاص بمروان وقال له:

قد يضرط العيرُ والمكواةُ تأخذه لايضرط العير والمكواةُ في النار !

ذقْ وبال أمرك يا مروان ! وأقبل عليه معاوية فقال: قد كنت نهيتك عن هذا الرجل وأنت تأبى إلا انهماكاً فيما لا يعنيك ! إربع على نفسك فليس أبوك كأبيه ولا أنت مثله) !!

ثم روى البيهقي حواراً بين الإمام عليه السلام وعمرو بن العاص في مكة وفي مجلس معاوية ! ثم أورد عدداً من مناظرات الإمام الحسين عليه السلام وابن عباس رحمه الله .

كما روى الجاحظ في المحاسن والأضداد/80 ، أكثر ما رواه البيهقي .

وفي نزهة الناظر للحلواني/75: (قال الشعبي: كان معاوية كالجمل الطِّب ، قال يوماً والحسن عليه السلام عنده: أنا ابن بطحاء مكة ، أنا ابن بحرها جوداً ، وأكرمها جدوداً ، وأنضرها عوداً . فقال الحسن: أفعليَّ تفتخر؟ أنا ابن أعراق الثرى أنا ابن سيد أهل الدنيا ، أنا ابن من رضاه رضا الرحمن وسخطه سخط الرحمن ، هل لك يا معاوية من قديم تباهى به أو أب تفاخرني به ، قل لا أو نعم أي ذلك شئت ، فإن قلت: نعم أبيت وإن قلت: لا عرفت . قال معاوية فإني أقول: لا . تصديقاً لك. فقال الحسن عليه السلام متمثلاً:

الحق أبلج ما يضل سبيله .والحق يعرفه ذووا الألباب).

أقول: معنى قول الإمام عليه السلام : (أنا ابن أعراق الثرى): أنا ابن إبراهيم عليه السلام وذريته وكان الأئمة من أهل البيت النبوي عليهم السلام يقولونه عند الشدة أو الإضطرار الى الفخر وهو هنا طعن في نسب معاوية وبني أمية الى إسماعيل عليه السلام .

ومعنى قول الشعبي معاوية كالجمل الطِّب: أنه يتكلم وينظر رد الفعل ، فيستمر في موضوعه أو يتراجع عنه حسب الجو ! قال ابن قتيبة في غريب الحديث:2/138 (في حديث معاوية أن الشعبي وصفه فقال: كان كالجمل الطب ، يأمر بالأمر فإن سكت عنه أقدم ، وإن رُدَّ عنه تأخر).(والنهاية لابن الأثير:3/110، والفائق:2/355 ، وغيرها) .

2- ندم معاوية على طلبه من الإمام عليه السلام أن يخطب !

روى في مناقب آل أبي طالب:3/178، خطبة للإمام الحسن عليه السلام تشبه أن تكون في الشام ، قال: (المنهال بن عمرو: إن معاوية سأل الحسن أن يصعد المنبر وينتسب ، فصعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فسأبين له نفسي بلدي مكة ومنى، وأنا ابن المروة والصفا وأنا ابن النبي المصطفى ، وأنا ابن من علا الجبال الرواسي ، وأنا ابن من كسا محاسن وجهه الحياء ، أنا ابن فاطمة سيدة النساء ، أنا ابن قليلات العيوب نقيات الجيوب . وأذن المؤذن فقال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله ، فقال لمعاوية: محمدٌ صلى الله عليه وآله أبي أم أبوك؟ فإن قلت ليس بأبي فقد كفرت وإن قلت نعم فقد أقررت ! ثم قال: أصبحت قريش تفتخر على العرب بأن محمداً منها ، وأصبحت العجم تعرف حق العرب بأن محمداً منها ، يطلبون حقنا ولا يردون الينا حقنا ) . ونحوها في تحف العقول لابن شعبة الحراني/232 ، وذكر أن معاوية قاطعه فقال له: ( أظن نفسك يا حسن تنازعك إلى الخلافة؟ فقال: ويلك يا معاوية إنما الخليفة من سار بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وعمل بطاعة الله ! ولعمري إنا لأعلام الهدى ومنار التقى ، ولكنك يا معاوية ممن أبار السنن وأحيا البدع ، واتخذ عباد الله خولاً ودين الله لعباً ، فكأن قد أُخْمِلَ ما أنت فيه ، فعشت يسيراً وبقيت عليك تبعاته ) ! ونحوها بتفاوت في الإحتجاج:1/418 وفي آخرها غضب معاوية على ابن العاص لأنه دفعه الى طلب الخطابة من الإمام عليه السلام : (فقال معاوية لعمرو: والله ما أردت إلا شيني حين أمرتني بما أمرتني ، والله ما كان يرى أهل الشام أن أحداً مثلي في حسب ولا غيره حتى قال الحسن عليه السلام ما قال ! قال عمرو: هذا شئ لا يستطاع دفنه ولا تغييره لشهرته في الناس واتضاحه ، فسكت معاوية) .

وفي الخرائج والجرائح:1/236: ( فقال: أفسدتَ أهل الشام . فقال عمرو: إليك عني إن أهل الشام لم يحبوك محبة دين ، إنما أحبوك للدنيا يتناولونها منك ، والسيف والمال بيدك ، فما يغني عن الحسن كلامه ) . انتهى.

3- أكثر المناظرات في الإسلام ضجيجاً وتحدياً وصراحة !

وكانت في المدينة المنورة ، وروتها بعض المصادر بتفصيل كالإحتجاج:1/401 عن ثلاثة مصادر: الشعبي ، وأبي مخنف ، ويزيد بن أبي حبيب المصري . ورواها في شرح النهج:6/285 ، عن الزبير بن بكار في كتاب المفاخرات ، ولا يتسع المجال لإيرادها ، فنكتفي بمقدمتها من رواية الزبير بن بكار ، قال:

( اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص والوليد بن عقبة بن أبي معيط وعتبة بن أبي سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة ، وقد كان بلغهم عن الحسن بن علي قوارص وبلغه عنهم مثل ذلك فقالوا: يا أمير المؤمنين إن الحسن قد أحيا أباه وذكره ، وقال فصُدِّق وأمر فأُطيع وخفقت له النعال ، وإن ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه ، ولا يزال يبلغنا عنه ما يسوءنا .

قال معاوية ، فما تريدون؟ قالوا: إبعث عليه فليحضر لنسبَّه ونسبَّ أباه ، ونعيِّرَه ونوبِّخه ونخبره أن أباه قتل عثمان ونقرره بذلك ، ولا يستطيع أن يغير علينا شيئاً من ذلك ! قال معاوية: إني لا أرى ذلك ولا أفعله ، قالوا: عزمنا عليك يا أمير المؤمنين لتفعلن ، فقال: ويحكم لا تفعلوا ! فوالله ما رأيته قط جالساً عندي إلا خفت مقامه وعيبه لي ! قالوا: إبعث إليه على كل حال . قال: إن بعثت إليه لأنصفنه منكم . فقال عمرو بن العاص: أتخشى أن يأتي باطله على حقنا ، أو يُربي قوله على قولنا ؟ قال معاوية: أما إني إن بعثت إليه لآمرنه أن يتكلم بلسانه كله ، قالوا: مره بذلك ! قال: أما إذ عصيتموني وبعثتم إليه وأبيتم إلا ذلك فلا تمرضوا له في القول ، واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب ولا يلصق بهم العار ولكن اقذفوه بحجره ، تقولون له: إن أباك قتل عثمان ، وكره خلافة الخلفاء من قبله .

فبعث إليه معاوية فجاءه رسوله فقال: إن أمير المؤمنين يدعوك . قال: من عنده؟ فسماهم له ، فقال الحسن: ما لهم ! خرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ . ثم قال: يا جارية إبغيني ثيابي . اللهم إني أعوذُ بك من شرورهم وأدرأ بك في نحورهم وأستعينُ بك عليهم فاكفنيهم كيف شئت وأنى شئت ، بحول منك وقوة يا أرحم الراحمين ! ثم قام فلما دخل على معاوية أعظمه وأكرمه وأجلسه إلى جانبه وقد ارتاد القوم وخطروا خِطْرَانَ الفحول بغياً في أنفسهم وعلواً ، ثم قال: يا أبا محمد إن هؤلاء بعثوا إليك وعصوني !

فقال الحسن: سبحان الله ، الدارُ دارُك والإذن فيها إليك ! والله إن كنت أجبتهم إلى ما أرادوا وما في أنفسهم إني لأستحي لك من الفحش ! وإن كانوا غلبوك على رأيك إني لأستحي لك من الضعف ! فأيهما تقرر وأيهما تنكر؟

أمَا إني لو علمت بمكانهم جئت معي بمثلهم من بني عبد المطلب ، وما لي أن أكون مستوحشاً منك ولا منهم: إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ . قال معاوية: يا هذا إني كرهت أن أدعوك ، ولكن هؤلاء حملوني على ذلك مع كراهتي له ، وإن لك منهم النصف ومني ، وإنما دعوناك لنقررك أن عثمان قتل مظلوماً وأن أباك قتله ! فاستمع منهم ثم أجبهم ، ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم أن تتكلم بكل لسانك !

فتكلم عمرو بن العاص، فحمد الله وصلى على رسوله ثم ذكر علياً عليه السلام فلم يترك شيئاً يعيبه به إلا قاله ، وقال: إنه شتم أبا بكر وكره خلافته وامتنع من بيعته ، ثم بايعه مكرهاً ، وشرك في دم عمر وقتل عثمان ظلماً ، وادعى من الخلافة ما ليس له . ثم ذكر الفتنة يعيره بها وأضاف إليه مساوئ وقال: إنكم يا بني عبد المطلب لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء ، واستحلالكم ما حرم الله من الدماء ، وحرصكم على الملك ، وإتيانكم ما لا يحل !

ثم إنك يا حسن ، تحدث نفسك أن الخلافة صائرة إليك ، وليس عندك عقل ذلك ولا لبُّه ، كيف ترى الله سبحانه سلبك عقلك ، وتركك أحمق قريش ، يُسخر منك ويُهزأ بك ، وذلك لسوء عمل أبيك . وإنما دعوناك لنسبَّك وأباك ، فأما أبوك فقد تفرد الله به وكفانا أمره ، وأما أنت فإنك في أيدينا نختار فيك الخصال ، ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله ولا عيبٌ من الناس !

فهل تستطيع أن ترد علينا وتكذبنا؟ فإن كنت ترى أنا كذبنا في شئ فاردده علينا فيما قلنا ، وإلا فاعلم أنك وأباك ظالمان .

ثم تكلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط فقال: يا بني هاشم إنكم كنتم أخوال عثمان فنعم الولد كان لكم فعرف حقكم ، وكنتم أصهاره فنعم الصهر كان لكم يكرمكم ، فكنتم أول من حسده ، فقتله أبوك ظلماً لا عذر له ولا حجة...

ثم تكلم عتبة بن أبي سفيان فقال: يا حسن كان أبوك شر قريش لقريش ، أسفكها لدمائها وأقطعها لأرحامها ، طويل السيف واللسان ، يقتل الحي ويعيب الميت ، وإنك ممن قتل عثمان ونحن قاتلوك به ، وأما رجاؤك الخلافة فلست في زندها قادحاً ولا في ميزانها راجحاً ، وإنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان ، وإن في الحق أن نقتلك وأخاك به ، فأما أبوك فقد كفانا الله أمره وأقاد منه !

وأما أنت فوالله ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم ولا عدوان .

ثم تكلم المغيرة بن شعبة ، فشتم علياً وقال: والله ما أعيبه في قضية يخون ، ولا في حكم يميل ، ولكنه قتل عثمان . ثم سكتوا . فتكلم الحسن بن علي عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله صلى الله عليه وآله ثم قال: أما بعد يا معاوية فما هؤلاء شتموني ولكنك شتمتني ، فُحْشاً ألِفْتَهُ وسوءَ رأيٍ عُرفت به وخلقاً سيئاً ثبتَّ عليه ، وبغياً علينا عداوةً منك لمحمد وأهله ! ولكن إسمع يا معاوية واسمعوا، فلأقولن فيك وفيهم ما هو دون ما فيكم ! أنشدكم الله أيها الرهط أتعلمون أن الذي شتمتموه منذ اليوم صلى القبلتين كليهما وأنت يا معاوية بهما كافر تراها ضلالة ، وتعبد اللات والعزى غواية ؟!

وأنشدكم الله هل تعلمون أنه بايع البيعتين كليهما بيعة الفتح وبيعة الرضوان ، وأنت يا معاوية بإحداهما كافر ، وبالأخرى ناكث !

وأنشدكم الله هل تعلمون أنه أول الناس إيماناً ، وأنك يا معاوية وأباك من المؤلفة قلوبهم ، تُسرِّون الكفر وتظهرون الإسلام وتُستمالون بالأموال !

وأنشدكم الله ألستم تعلمون أنه كان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر وأن راية المشركين كانت مع معاوية ومع أبيه ، ثم لقيكم يوم أحد ويوم الأحزاب ومعه راية رسول الله صلى الله عليه وآله ومعك ومع أبيك راية الشرك ، وفي كل ذلك يفتح الله له ويفلج حجته ، وينصر دعوته ، ويصدق حديثه ، ورسول الله صلى الله عليه وآله في تلك المواطن كلها عنه راض ، وعليك وعلى أبيك ساخط !

وأنشدك الله يا معاوية أتذكرُ يوماً جاء أبوك على جمل أحمر وأنت تسوقه وأخوك عتبة هذا يقوده ، فرآكم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: اللهم العن الراكب والقائد والسائق ! أتنسى يا معاوية الشعر الذي كتبته إلى أبيك لما همَّ أن يُسلم تنهاه عن ذلك: يا صخرُ لاتُسْلِمَنْ يوماً فتفضحنا بعدَ الذين ببدر أصبحوا فرقا...

الى آخر هذه المناظرة القاصعة القاصمة ، التي تألق فيها المنطق النبوي ، وهدرَ فيها الخطاب العلوي ، بما يشفي صدور المؤمنين ، وتضمنت حقائق ساطعة عن النبي وعترته الطاهرة صلى الله عليه وآله ، وكشفت حقائق فاضحة عن بني أمية وابن العاص والمغيرة وأضرابهم ! وفي أعيان الشيعة:1/574 أن ابن الجوزي رواها مختصرة . ورووا في مصادرهم فقرات منها ، لكنهم يخفون أنها من تلك المناظرة التاريخية !

4- مناظرات ابن عباس مع معاوية

روت المصادر مناظرات متعددة لابن عباس رحمه الله مع معاوية ، في المدينة ومكة والشام ، نكتفي منها بما رواه الحاكم في المستدرك:3/467 ، في حج معاوية سنة44 قال: (معروف بن خربوذ المكي قال: بينا عبد الله بن عباس جالس في المسجد ونحن بين يديه إذ أقبل معاوية فجلس إليه ، فأعرض عنه ابن عباس فقال له معاوية: مالي أراك معرضاً ، ألست تعلم أني أحق بهذا الأمر من ابن عمك؟ قال: لمً ! لأنه كان مسلماً وكنت كافراً ، قال: لا ، ولكني ابن عم عثمان ! قال: فابن عمي خير من ابن عمك . قال: إن عثمان قتل مظلوماً ! قال: وعندهما ابن عمر فقال ابن عباس: فإن هذا والله أحق بالأمر منك ، فقال معاوية: إن عمر قتله كافر وعثمان قتله مسلم ! فقال ابن عباس: ذاك والله أدحض لحجتك) ! انتهى.

وقد بتر الحاكم الرواية . ففي أوائل العسكري/17: فذاك أدحض لحجتك أن المسلمين عتبوا على ابن عمك فقتلوه ! في كلام هذا معناه ! ومثله في تاريخ الخلفاء للسيوطي/158 . وفي شرح الأخبار:2/66: (فضحك ابن عباس ، وقال: ذاك والله أدحض لحجتك إذ كان المسلمون قتلوه . فسكت معاوية ولم يجر جواباً . ثم أقبل على سعد بن أبي وقاص...).(ونحوه في كتاب سليم/315).

تم تطوير هذا الموقع من أجل تسهيل الإستفادة من مؤلفات ومحاضرات وتسجيلات سماحة الشيخ علي الكوراني العاملي ، ويمكن الإستفادة منها ونشرها مع عدم التغيير المخلّ بالمعنى ، مع ذكر المصدر .. وأما طباعة الكتب والأقراص وغيرها فتحتاج إلى إجازة خاصة .