متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
الفصل الخامس : مكانة آباء النبي (صلى الله عليه وآله) عند العرب
الكتاب : السيرة النبوية عند أهل البيت (ع) ـ ج 1    |    القسم : الكتب والمؤلفات    |    القرآء : 3064

الفصل الخامس

مكانة آباء النبي (صلى الله عليه وآله) عند العرب

1- تفوُّق هاشم جد النبي (صلى الله عليه وآله) على قريش 

   فقد أسس (رحمه الله) رحلتي الشتاء والصيف . قال أبو نصر البخاري في سرّ السلسلة العلوية/3: ((أول من رفع الله تعالى من قريش قبل النبوة أربعة: هاشم والمطلب ، وعبد شمس ونوفل ، خرج هاشم في ألف من قريش إلى الشام فأخذ من قيصر ملك الروم عهداً لقريش ليتجروا في بلاده... وخرج المطلب إلى اليمن فأخذ من ملوك اليمن عهداً لهم ، وركب نوفل البحر فأخذ لهم من النجاشي عهداً )).

  ((وكان هاشم يُدعى القمر ، ويسمى زادُ الركب )). (عمدة الطالب/25).

   ((وكان يقال لهاشم والمطلب: البدران لجمالهما )). (كامل ابن الأثير: 2/17).

   وفي الطبقات:1/78: ((كان هاشم رجلاً شريفاً ، وهو الذي أخذ الحلف لقريش من قيصر لأن تختلف آمنة . وأما من على الطريق فآلفهم على أن تحمل قريش بضائعهم ولا كراء على أهل الطريق ، فكتب له قيصر كتاباً...وخرج هاشم في أصحابه إلى الشام حتى بلغ غزة فاشتكى ، فأقاموا عليه حتى مات ، فدفنوه بغزة ورجعوا بتركته إلى ولده)) .

   ((وكان هاشم أول من سنَّ الرحلتين ، فكان يرحل في الشتاء إلى اليمن ، والى الحبشة فيكرمه النجاشي ، ويرحل في الصيف إلى الشام ، وبها مات ، وربما وصل إلى أنقرة فيدخل على قيصر فيكرمه . ومن خصال بني هاشم ما عبر عنها علي بن أبي طالب: خصصنا بخمس: فصاحة، وصباحة ، وسماحة ، ونجدة ، وحظوة)). (معجم قبائل العرب لعمر كحالة:3/1207، وذكر مصادره: ابن خلدون:2/328 ، والطبري:5/23 و:9/48 ). 

   ومعنى تأسيسه رحلتي الشتاء والصيف ، أنه عقد معاهدات مع قيصر وكسرى والقبائل التي تمر فيها قوافلهم بين مكة واليمن ، وبين مكة والشام وفلسطين ومصر ، بعدم التعرض لها وحمايتها !

   وقد مَنَّ الله على قريش بفعل هاشم فقال: لإيلافِ قُرَيْشٍ . إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ .

   لكن قريشاً لاتشكر نعم ربها ، ولذلك كان النبي (صلى الله عليه وآله) يقرأ السورة فيقول:(( ويل أمكم قريش رحلة الشتاء والصيف ! في موضع: لإيلاف قريش)). (تاريخ دمشق: 23/228، والزوائد:7/143، وكبير الطبراني: 24/178، وأحمد: 6/460 ). 

  وقد أسس هاشم إطعام الحجيج:((وإنما سمي هاشماً لهشمه الثريد للحاج ، وكانت إليه الوفادة والرفادة ، وفيه يقول مطرود بن كعب الخزاعي:

عمرو العلى هَشَم الثريد لقومه   ورجالُ مكةَ مُسْنِتُونَ عجافُ )).

   (( أصاب الناس سنة جدب شديد ، فخرج هاشم إلى الشام ، وقيل بلغه ذلك وهو بغزة من الشام ، فاشترى دقيقاً وكعكاً ، وقدم به مكة في الموسم فهشم الخبز والكعك ونحر الجزر ، وجعله ثريداً وأطعم الناس حتى أشبعهم ، فسمى بذلك هاشماً، وكان يقال له أبو البطحاء وسيد البطحاء)).(تاريخ الطبري: 2/8 ، واليعقوبي: 1/245). 

   وفي العدد القوية/140:((كان لهاشم خمسة بنين: عبد المطلب وأسد ونضلة وصيفي وأبو صيفي . وسمي هاشماً لهشمه الثريد للناس في زمن

المسغبة ، وكنيته أبو نضلة ، واسمه عمرو العلى .قال ابن الزبعري:

 

كانت قريشٌ بيضةً فتفلَّقَتْ

 

فالمخُُّ خالصُها لعبد مُناف

 

الرايشون وليس يوجد رايشٌ

 

والقائلونَ هلمَّ للأضياف

والخالطونَ فقيرهم بغنيهم

 

حتى يكون فقيرهم كالكافي

عمرو العلى هشمَ الثريد لقومه

 

ورجالُ مكة مسنتون عجافِ

2- أمية وهاشم كقابيل هابيل 

   نصَّت أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)على أن الله تعالى أمر آدم (عليه السلام) أن يوصي لابنه الأصغر هابيل ، فحسده قابيل ، فتباهلا بالقربان ، فزاد حسد قابيل لهابيل وقتله !

   ففي تفسير العياشي:1/312: (( عن سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : جعلت فداك إنهم يزعمون أن قابيل إنما قتل هابيل لأنهما تغايرا على أختهما؟ فقال له: يا سليمان تقول هذا ! أما تستحيي أن تروى هذا على نبي الله آدم ؟! فقلت: جعلت فداك ففيمَ قتل قابيل هابيل ؟ فقال: في الوصية . ثم قال لي: يا سليمان إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى آدم أن يدفع الوصية واسم الله الأعظم إلى هابيل وكان قابيل أكبر منه ، فبلغ ذلك قابيل فغضب فقال: أنا أولى بالكرامة والوصية ! فأمرهما أن يقربا قرباناً بوحي من الله إليه ففعلا ، فقبل الله قربان هابيل فحسده قابيل فقتله .

   فقلت: جعلت فداك فممن تناسل ولد آدم هل كانت أنثى غير حواء ، وهل كان ذكر غير آدم؟ فقال: يا سليمان إن الله تبارك وتعالى رزق آدم من حواء قابيل وكان بكر ولده ومن بعده هابيل ، فلما أدرك قابيل ما يدرك الرجال أظهر الله له جنية وأوحى إلى آدم أن يزوجها قابيل ففعل ذلك آدم ، ورضي بها قابيل وقنع ، فلما أدرك هابيل ما يدرك الرجال أظهر الله له حوراء وأوحى الله إلى آدم أن يزوجها من هابيل ففعل ذلك ، فقتل هابيل والحوراء حامل فولدت الحوراء غلاماً فسماه آدم هبة الله ، فأوحى الله إلى آدم أن ادفع إليه الوصية واسم الله الأعظم . وولدت حواء غلاماً فسماه آدم شيث بن آدم ، فلما أدرك ما يدرك الرجال أهبط الله له حوراء وأوحى إلى آدم أن يزوجها من شيث ابن آدم ، ففعل فولدت الحوراء جارية فسماها آدم حورة ، فلما أدركت الجارية زوج آدم حورة بنت شيث من هبة الله بن هابيل ، فنسل آدم منهما . فمات هبة الله بن هابيل فأوحى الله إلى آدم أن ادفع الوصية واسم الله الأعظم وما أظهرتك عليه من علم النبوة وما علمتك من الأسماء إلى شيث بن آدم . فهذا حديثهم يا سليمان)). انتهى. 

   واتفق المؤرخون على نُبل هاشم (رحمه الله) وتميزه ، وأن أباه عبد مناف أوصى له بمفتاح البيت ومواريث إسماعيل (عليه السلام) :(( وكان مناف وصى إلى هاشم ، ودفع إليه مفتاح البيت ، وسقاية الحاج وقوس إسماعيل)). (العدد القوية/140).  

   وقال الطبري:2/13: (( ووليَ هاشم بعد أبيه عبد مناف السقاية والرفادة )).

   ورووا كلهم أن أخاه أمية حسده وعاداه ودعاه الى المنافرة ! ومعنى المنافرة أن يحتكم المتنافران الى كاهن أو حكيم يقبلان بحكمه !  

   قال الطبري: 2/13 ، بعد أن ذكر مدح الشعراء لهاشم: (( فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وكان ذا مال ، فتكلف أن يصنع صنيع هاشم فعجز عنه ، فشمت به ناس من قريش فغضب ونال من هاشم ودعاه إلى المنافرة ! فكره هاشم ذلك لسنه وقدره ، ولم تدعه قريش وأحفظوه ، قال فإني أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحرها ببطن مكة ، والجلاء عن مكة عشر سنين . فرضي بذلك أمية وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي ، فنفَّر هاشماً عليه (حكم لهاشم أنه أفضل) فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضره ، وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين ، فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية )). 

  وفي السيرة الحلبية:1/7: (( فعاد هاشم إلى مكة ونحر الإبل وأطعم الناس ، وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين ، فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية وتوارث ذلك بنوهما)). والطبقات:1/75 ، وعامة مصادر التاريخ والسيرة. 

   وقد ورَّث أمية حسده وعداوته الى أبنائه ! قال الطبري:2/13: (( تنافر عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أمية إلى النجاشي الحبشي)). 

   واشتهر حسد بني أمية لهاشم حتى قال الناس إنهما ولدا توأماً ورِجْلُ هاشم ملتصقة بجبهة أمية ! قال الطبري:2/13: (( وقيل إن عبد شمس وهاشماً توأمان وإن أحدهما ولد قبل صاحبه وإصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه ، فنحيت عنها فسال من ذلك دم ، فتطير من ذلك فقيل تكون بينهما دماء )).

   وروى ابن عساكر:9/220، قصة المعمر اليماني مع معاوية في وصف أمية وهاشم: ((قال معاوية: إني لأحب أن ألقى رجلاً قد أتت عليه سن وقد رأى الناس ، يخبرنا عما رأى ، فقال بعض جلسائه: ذلك رجل بحضرموت ! فأرسل إليه فأتيَ به فقال له... فأخبرني هل رأيت هاشماً ؟ قال: نعم رأيته رجلاً طوالاً حسن الوجه ، بين عينيه غرة بركة. قال: فهل رأيت أمية؟ قال: نعم رأيته رجلاً قصيراً أعمى يقال إن في وجهه لشراً أو شؤماً ! قال: فهل رأيت محمداً ؟ قال: من محمد ؟ قال: رسول الله ، قال: ويحك ألا فخَّمته كما فخمه الله فقلت: رسول الله (صلى الله عليه وآله)  ؟! قال: فأخبرني ما كانت صناعتك؟ قال: كنت رجلاً تاجراً. قال: فما بلغت تجارتك ؟ قال: كنت لا أشتري عيباً ولا أرد ربحاً ! قال له: سلني ، قال: أسألك أن تدخلني الجنة)) ! ورواه أبو حاتم في كتاب المعمرين/34. 

   وقالوا كان هاشم شاباً ابن خمس وعشرين فمرض ومات في غزة ، قال الحموي في معجم البلدان: 4/202، و: 3/40: ((مات هاشم بغزة وعمره خمس وعشرون سنة وذلك الثبت)).   أقول: لعله كان الخمسينات كماتشير رواية منافرته مع أمية ، ولأنهم ذكروا أنه أنشأ علاقات مع ملوك عصره ، وكانت له سفرات كثيرة الى الحبشة والشام واليمن وكان يصل الى أنقرة فيكرمه قيصر . ويحتمل أن يكون سقي السم ، لأنه أول رجل من أولاد إسماعيل (عليه السلام) كانت له زعامة مطلقة في العرب واحترام من ملوك عصره . وقد كان لأمية علاقات باليهود في بلاد الشام ، فقد يكون أمية دبَّر سُمَّه بعد أن نافره وحكم العراف عليه بالنفي . 

   قال ابن قتيبة في المعارف/319: ((كان أمية بن عبد شمس خرج إلى الشام فأقام بها عشر سنين ، فوقع على أمة للخم يهودية من أهل صفورية يقال لها ترنا ، وكان لها زوج من أهل صفورية يهودي ، فولدت له ذكوان ، فادعاه أمية واستلحقه وكناه أبا عمرو ، ثم قدم به مكة ، فلذلك قال النبي (ص) لعقبة يوم أمر بقتله: إنما أنت يهودي من أهل صفورية )). ولا مجال لتفصيل ذلك .

   وفي الصحيح من السيرة:5/103:(( فقال عقبة: يا محمد ناشدتك بالله والرحم ! فقال له (صلى الله عليه وآله) : وهل أنت إلا علج من أهل صفورية... ما أنت إلا علج أو يهودي من أهل صفورية ، لأنت في الميلاد أكبر من أبيك الذي تدعى له)).  

   وفي المنمق/97:((خرج أمية إلى الشام فأقام به عشر سنين ، ومن ثم يقال إن أمية استلحق أبا عمرو ابنه وهو ذكوان وهو رجل من أهل صفورية فخلف أبو عمرو على امرأة أبيه بعده فأولدها أبان وهو أبو معيط ! ويقال استحلق ذكوان أيضاً أبان)). راجع: الطبقات: 1/75 ، والمنمق/97، والطبري: 1/371و2/13، وكامل ابن الأثير: 2/16، والنزاع والتخاصم بين بني أمية وهاشم للمقريزي/49 ، وإمتاع الأسماع: 10/6، وسبل الهدى: 1/271، والسيرة الحلبية: 1/7 ، والمنتظم: 2/212 ، وأعلام النبوة/251 ، ونهاية الإرب/3253، وأنساب الأشراف/39، ومعجم ما استعجم: 3/837 ، والعدد القوية/140 ، وشيخ المضيرة أبو هريرة/159 .

3- عبد المطلب بن هاشم والكعبة

    أ. تعاظمت مكانة الكعبة فبنى نصارى نجران كنيسة ، ودعوا العرب للحج اليها ، ففي معجم البلدان: 5/268: ((كعبة نجران هذه يقال بِيعَة بناها بنو عبد الملك بن الديان الحارثي على بناء الكعبة وعظموها مضاهاة للكعبة ، وسموها كعبة نجران ، وكان فيها أساقفة مقيمون ، وهم الذين جاؤوا إلى النبي (ص) ودعاهم إلى المباهلة)).

   ((كان لآل عبد المدان بن الديان سادة بني الحارث بن كعب ، وكان بناؤه مربعاً مستوي الأضلاع والأقطار ، مرتفعاً من الأرض ، يُصعد إليه بدرجة على مثال بناء الكعبة ، فكانوا يحجونه هم وطوائف من العرب ممن يحل الأشهر الحرم ولا يحجون الكعبة ، وتحجه خثعم قاطبة. وكان أهل ثلاثة بيوتات يتبارون في البِيَع وزيها: آل المنذر بالحيرة ، وغسان بالشام ، وبنو الحارث بن كعب بنجران ، ويعتمدون ببنائها المواضع الكثيرة الشجر والرياض والمياه ، وكانوا يجعلون في حيطانها وسقوفها الفسافس والذهب ، وكان على ذلك بنو الحارث إلى أن أتى الله بالإسلام ، فجاء النبيَّ(ص) منهم العاقب والسيد وغيرهما للمباهلة ، فاستعفوا منها)). (معجم ما استعجم:2/603). وبنو عبد الديان كانوا يهوداً فتنصروا . 

   ب. وبنى حاكم اليمن كعبة بصنعاء ، وقصد بجيشه الكعبة ليهدمها ! قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ. وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ. تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ. فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَاكُولٍ ! 

  قال في معجم البلدان:3/427 ، و494:(( وبنى أبرهة بصنعاء (القَلِيس) وأخذ الناسَ بالحج إليه وبناه بناء عجيباً... مدينة لم يَرَ الناس أحسن منها ، ونقشها بالذهب والفضة والزجاج والفسيفساء ، وألوان الأصباغ ، وصنوف الجواهر ، وجعل فيها خشباً له رؤوس كرؤوس الناس ، ولكَّكَهَا بأنواع الأصباغ ، وجعل لخارج القبة بُرنساً ، فإذا كان يوم عيدها كشف البرنس عنها فيتلألأ رخامها مع ألوان أصباغها حتى تكاد تلمع البصر... محمد بن زياد الصنعاني قال: رأيت مكتوباً على باب القليس وهي الكنيسة التي بناها أبرهة على باب صنعاء بالمسند: بنيتُ هذا لك من مالك ليذكر فيه إسمك ، وأنا عبدك .كذا بخط السكري: بفتح القاف وكسر اللام.  

   قال عبد الرحمن بن محمد: سميت القليس لارتفاع بنيانها وعلوها ، ومنه القلانس لأنها في أعلى الرؤوس.. وكان أبرهة قد استذل أهل اليمن في بنيان هذه الكنيسة وجشمهم فيها أنواعاً من السخر ، وكان ينقل إليها آلات البناء كالرخام المجزع والحجارة المنقوشة بالذهب من قصر بلقيس صاحبة سليمان (عليه السلام)  ، وكان من موضع هذه الكنيسة على فراسخ وكان فيه بقايا من آثار ملكهم ، فاستعان بذلك على ما أراده من بناء هذه الكنيسة وبهجتها وبهائها ، ونصب فيها صلباناً من الذهب والفضة ، ومنابر من العاج والآبنوس . وكان أراد أن يرفع في بنيانها حتى يشرف منها على عدن... فبقيت من ذلك العهد بما فيها من العدد والآلات من الذهب والفضة ذات القيمة الوافرة والقناطير من المال ، لا يستطيع أحد أن يأخذ منه شيئاً ، إلى زمان أبي العباس السفاح ، فذكر له أمرها فبعث إليها خاله الربيع بن زياد الحارثي عامله على اليمن ، وأصحبه رجالاً من أهل الحزم والجلَد ، حتى استخرج ما كان فيها من الآلات والأموال ، وخربها حتى عفى رسمها وانقطع خبرها ، وكان الذي يصيب من يريدها من الجن منسوباً إلى كعيت وامرأته ، صنمان كانا بتلك الكنيسة بنيت عليهما ! فلما كُسر كعيت وامرأته أصيب الذي كسرهما بجذام فافتتن بذلك رعاع اليمن وقالوا: أصابه كعيت !

   ولما استتم أبرهة بنيان القليس كتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك ، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب..)). انتهى. 

   أقول: ذكر الرواة هنا أن رجلاً من العرب دخل الى كعبة أبرهة وأحدث فيها ، فغضب أبرهة وحلف أن يهدمَ الكعبة في مكة ، وخرج بجيشه ليهدم الكعبة .

   ولا أستبعد أن تكون القصة ملفقة من أبرهة لتبرير غزوه للكعبة ، ولو صحت فليست هي السبب ، لأن هدفه كان إجبار العرب على حج كعبته ولو بهدم الكعبة. راجع عن كعبة صنعاء: تاريخ الطبري: 1/550 ، وتفسيره: 30/386 ، وابن خلدون: 2 ق1/61.

    وفي الكافي: 4/216، عن هشام بن سالم عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (( لما أقبل صاحب الحبشة بالفيل يريد هدم الكعبة مروا بإبل لعبد المطلب فاستاقوها فتوجه عبد المطلب إلى صاحبهم يسأله رد إبله عليه فاستأذن عليه فأذن له وقيل له: إن هذا شريف قريش أو عظيم قريش ، وهو رجل له عقل ومروة ، فأكرمه وأدناه ثم قال لترجمانه: سله ما حاجتك؟ فقال له: إن أصحابك مروا بإبل لي فاستاقوها فأحببت أن تردها عليَّ ، قال: فتعجب من سؤاله إياه رد الإبل وقال: هذا الذي زعمتم أنه عظيم قريش وذكرتم عقله يدع أن يسألني أن أنصرف عن بيته الذي يعبده ! أما لو سألني أن أنصرف عن هده لانصرفت له عنه ! فأخبره الترجمان بمقالة الملك فقال له عبد المطلب: إن لذلك البيت رباً يمنعه وإنما سألتك رد إبلي لحاجتي إليها  فأمر بردها عليه. ومضى عبد المطلب حتى لقي الفيل على طرف الحرم ، فقال له: محمود ! فحرك رأسه فقال له: أتدري لما جئ بك ؟ فقال برأسه: لا ، فقال: جاؤوا بك لتهدم بيت ربك أفتفعل؟ فقال برأسه: لا. قال: فانصرف عنه عبد المطلب. وجاؤوا بالفيل ليدخل الحرم ، فلما انتهى إلى طرف الحرم امتنع من الدخول فضربوه فامتنع ، فأداروا به نواحي الحرم كلها ، كل ذلك يمتنع عليهم فلم يدخل ! وبعث الله عليهم الطير كالخطاطيف في مناقيرها حجر كالعدسة أو نحوها ، فكانت تحاذي برأس الرجل ثم ترسلها على رأسه فتخرج من دبره ، حتى لم يبق منه أحد إلا رجل هرب ! فجعل يحدث الناس بما رأى إذا طلع عليه طائر منها فرفع رأسه فقال: هذا الطير منها وجاء الطير حتى حاذى برأسه ثم ألقاها عليه فخرجت من دبره فمات )) . 

   ((وخرجوا هاربين يطلبون الشعاب ، ومنهم من طلب الجبال ، ومنهم من ركب البحر ، قال: فعند ذلك قالوا لعبد المطلب: ما يمنعك أن تهرب مع الناس ؟ قال: أستحيي من الله أن أهرب عن بيته وحرمه ، فوالله لا برحت من مكاني ولا نأيت عن بيت ربي حتى يحكم الله بما يشاء.. قال: فلما نظر عبد المطلب إلى الكعبة خالية قال: (( اللهم أنت أنيس المستوحشين ولا وحشة معك ، فالبيت بيتك والحرم حرمك والدار دارك ، ونحن جيرانك تمنع عنه ما تشاء )).(البحار: 15/66).

    وفي الطبقات: 1/92، والطبري: 1/557: (( فأمر برد إبله عليه ، فلما قبضها قلدها النعال وأشعرها وجعلها هدياً وبثها في الحرم لكي يصاب منها شئ فيغضب رب الحرم ! وأوفى عبد المطلب على حراء ومعه عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ومطعم بن عدي وأبو مسعود الثقفي ، فقال عبد المطلب:

لاهُمَّ إن المرءَ يمنعُ

 

 رحله فامنع حلالك

 

لا يغلبنَّ صليبهم

 

 ومحالهم عدواً محالك

  ونزل عبد المطلب من حراء فأقبل عليه رجلان من الحبشة فقبلا رأسه وقالا له: أنت كنت أعلم )) .

  وفي كنز الفوائد/81 ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال:((لما ظهرت الحبشة باليمن وجَّه يكسوم ملك الحبشة بقائدين من قواده ، يقال لأحدهما أبرهة والآخر أرباط ، في عشرة من الفيلة كل فيل في عشرة آلاف ، لهدم بيت الله الحرام ، فلما صاروا ببعض الطريق وقع بأسهم بينهم واختلفوا ، فقتل أبرهة أرباط واستولى على الحبش ، فلما قارب مكة طرد أصحابه عيراً لعبد المطلب بن هاشم فصار عبد المطلب إلى أبرهة ، وكان ترجمان أبرهة والمستولي عليه ابن داية لعبد المطلب ، فقال الترجمان لأبرهة: هذا سيد العرب وديانها فأجلََّه وأعظمه ، ثم قال لكاتبه: سله ما حاجته؟ فسأله فقال: إن أصحاب الملك طردوا لي نعماً ! فأمر بردها ثم أقبل على الترجمان فقال: قل له عجباً لقوم سودوك ورأسوك عليهم حيث تسألني في عير لك ، وقد جئت لأهدم شرفك ومجدك ، ولو سألتني الرجوع عنه لفعلت ! فقال: أيها الملك إن هذه العير لي وأنا ربها فسألتك إطلاقها ، وإن لهذه البَنِيَّة رباً يدفع عنها ! قال: فإني غاد لهدمها ، حتى أنظر ماذا يفعل !

  فلما انصرف عبد المطلب حلَّ أبرهة بجيشه ، فإذا هاتف يهتف في السحر الأكبر: يا أهل مكة أتاكم أهل عكة ، بجحفل جرار ، يملأ الأندار ،

ملء الجفار  فعليهم لعنة الجبار ! فأنشأ عبد المطلب يقول:

أيها الداعي لقد أسمعتني

 

كلَّمَا قُلْتَ وما بي من صَمَمْ

إن للبيت لرباً مانعاً

 

من يُرده بأثامٍ يصطلم

رامهُ تُبَّعُ في أجناده

 

حميرٌ والحيُّ من آل إرم

هلكت بالبغي فيه جرهمٌ

 

بعد طَسْمٍ وجَديسٍ وجُثَمْ

وكذاك الأمر فيمن كاده

 

ليس أمر الله بالأمر الأَمَم

نحن آلُ الله فيما قد خلا

 

لم يزل ذاك على عهد ابْرَهَمْ

لم يزل لله فينا حجةٌ

 

يدفع الله بها عنها النقم

نعرف الله وفينا شيمة

 

صلة الرحم ونوفي بالذمم

ولنا في كل دور كرة

 

نعرف الدين وطوراً في العجم

فإذا ما بلغ الدور إلى

 

منتهى الوقت أتى طيْرُ القدم

بكتاب فصلت آياته

 

فيه تبيان أحاديث الأمم

  فلما أصبح عبد المطلب جمع بنيه وأرسل الحرث ابنه الأكبر إلى أعلى جبل أبي قبيس فقال: أنظر يا بني ماذا يأتيك من قبل البحر ؟ فرجع فلم ير شيئاً ، فأرسل واحداً بعد آخر من ولده ، فلم يأته أحد منهم عن البحر بخبر ، فدعا ولده عبد الله وإنه لغلام حين أيفع وعليه ذؤابه تضرب إلى عجزه فقال له: إذهب فداك أبي وأمي فاعلُ أبا قبيس وانظر ماذا ترى يجئ من البحر؟ فنزل مسرعاً فقال: يا سيد النادي رأيت سحاباً من قبل البحر مقبلاً ، يُسْفِلُ تارة ويرتفع أخرى ! إن قلت غيماً قلته ، وإن قلت جهاماً خلته ، يرتفع تارة وينحدر أخرى !

  فنادى عبد المطلب: يا معشر قريش ، أدخلوا منازلكم فقد أتاكم الله بالنصر من عنده ، فأقبلت الطير الأبابيل في منقار كل طير حجر وفي رجليه حجران ، فكان الطائر الواحد يقتل ثلاثة من أصحاب أبرهة ! كان يلقي الحجر في قمة رأس الرجل فيخرج من دبره ! وقد قص الله تبارك وتعالى نبأهم فقال سبحانه:(( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ...)). السجيل الحجر الصلب ، والعصف ورق الزرع .

  وفي البحار:62/233:(( وأصيب أبرهة حتى تساقط أنملة أنملة ، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر ! حتى انصدع صدره عن قلبه ، وانفلت وزيره وطائرٌ يحلق فوقه حتى بلغ النجاشي ، فقص عليه القصة ، فلما انتهى وقع عليه الحجر فخرَّ ميتاً بإذن الله بين يديه)) ! 

4- نَذَر عبد المطلب (رحمه الله) أحد أبنائه قرباناً للكعبة ! 

  كان عرب الحجاز وعرب العراق يقدسون صنم العزى أكثر من غيره ، ويقدمون له القرابين في مكان قرب منى:(( وكان للعزى منحر ينحرون فيه هداياهم ، يقال له الغبغب... والراقصات إلى منى بالغبغب)). (معجم البلدان: 4/185).

((ونادى المشركون بشعارهم: يا للعزى يا لهبل ، وأوجعوا في المسلمين قتلاً ذريعاً وولَّى من ولَّى منهم يومئذ ، وثبت رسول الله (صلى الله عليه وآله) )). (الطبقات: 2/42).

  وكانت حروبٌ بين دولة المناذرة التابعة للفرس والغساسنة التابعة للروم ، وكان المنذر بن ماء السماء وثنياً ، فأسر ابن ملك الغساسنة الحارث بن شمر في حربه معه ، فذبحه فرباناً للعزى! (تاريخ الأدب العربي للطتور ضيف/41 ، ط. دار المعارف المصرية). 

  في هذا الجو كان نذر عبد المطلب (رحمه الله) لربه تعالى إذا رزقه بعشرة أبناء أن يذبح أحدهم قرباناً له هدياً لكعبته ، فكان عمله دعوة لعبدة الأصنام وللنصارى أن يعبدوا رب بيت إبراهيم ، ويقدموا قرابينهم له وليس الى أصنامهم !

  أما الإشكالات التي نراها في عمله ، فسببها جهلنا بالمستند الشرعي له في نذره وطريقة وفائه به ، غير أن ما ثبت عن شخصيته (عليه السلام) وإيمانه العميق وإلهام الله تعالى إياه حفر زمزم ، وظهور المعجزة له لما أرادت قريش أخذها منه ، وإخباره بآية أصحاب الفيل، يدل على أنه لم ينذر ولا تحلل من نذره إلا بحجة من ربه تعالى. 

  وفي دعائم الإسلام: 2/522 ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه تجب القرعة فيما أشكل وذكر القرعة في قصة يونس في السفينة ، وقصة زكريا في كفالته لمريم (عليه السلام) : وقصة عبد المطلب:((نذر ذبح من يولد له فولد له عبد الله أبو رسول الله (صلى الله عليه وآله)  فألقى الله عليه محبته فألقى عليه السهام وعلى إبل ينحرها يتقرب بها مكانه ، فلم تزل السهام تقع عليه وهو يزيد حتى بلغت مائة ، فوقع السهم على الإبل فأعاد السهام مراراً وهي تقع على الإبل ، فقال: الآن علمت أن ربي قد رضي ونحرها )).

5- كانت قريش تسمي عبد المطلب: إبراهيم الثاني 

  أ. وذلك بعد هزيمة أصحاب الفيل ، وما ظهر لهم من آيات عبد المطلب وكراماته قال المؤرخ اليعقوبي: 1/10: (( فكانت قريش تقول: عبد المطلب إبراهيم الثاني)).

  وفي الكافي: 1/447 ، قال الإمام الصادق (عليه السلام) : ((يبعث عبد المطلب أمة وحده ، عليه بهاء الملوك وسيماء الأنبياء(عليهم السلام) ، وذلك أنه أول من قال بالبداء )).

  ومعناه أنه على درجة عالية من الإيمان هي التسليم المطلق لله تعالى فيما يفعله حتى لو كان على خلاف توقعنا . فقد أنبأ الله عبد المطلب أنه سيدفع جيش أبرهة عن البيت ، فأخبر أهل مكة وأبرهة بذلك ، وفي نفس الوقت دعا ربه أن يدفع عن بيته ، ثم خاطبه قائلاً: إن كنت تاركهم وقبلتنا  فأمرٌ ما بدا لك )).

  أي: اللهم إني مسلِّمٌ لأمرك ومؤمن بك حتى لو لم تفعل ما أحبه وأخبرتني به ! 

  ب. ورَّث عبد المطلب بهاءه وسيماءه الى أولاده ! قال اليعقوبي: 2/11:(( وكان لكل واحد من ولد عبد المطلب شرف وذكر وفضل وقدر ومجد . وحج عامر بن مالك ملاعب الأسنة البيت فقال: رجال كأنهم جمالٌ جون (دُهْم) فقال: بهؤلاء تمنع مكة ! وحج أكثم بن صيفي في ناس من بني تميم فرآهم يخترقون البطحاء كأنهم أبرجة الفضة يلحفون الأرض بحبراتهم (جببهم الطويلة)! فقال: يابني تميم إذا أحب الله أن ينشئ دولة نبت لها مثل هؤلاء . هؤلاء غرس الله لا غرس الرجال)).

  وفي المنمق/34: (( لم يكن في العرب عدة بني عبد المطلب ، أشرف منهم ولا أجسم ، ليس منهم رجل إلا أشم العرنين ، يشرب أنفه قبل شفتيه ، ويأكل الجذع ويشرب الفرق)). (يأكل الخروف الصغير ويشرب سطل المخيض ).

   ج. تفرد مذهب أهل البيت(عليهم السلام)بأن آباء النبي (صلى الله عليه وآله) كلهم مؤمنون ، قال أبو حيان الأندلسي:(( ذهبت الرافضة إلى أن آباء النبي (صلى الله عليه وآله) كانوا مؤمنين)).

  أما غير الإمامية فذهب أكثرهم إلى أن آباء النبي (صلى الله عليه وآله) كانوا كفاراً ، وذهب بعضهم إلى إيمانهم ، وممن صرح بإيمانهم: المسعودي ، واليعقوبي ، وهو ظاهر كلام الماوردي ، والرازي في كتابه أسرار التنزيل ، والسنوسي ، والتلمساني محشي الشفاء ، والسيوطي ، وألف رسائل لإثبات ذلك . (الصحيح من السيرة:2/186).

  فالصحيح أن آباءه (صلى الله عليه وآله) وأخيار أسرته كانوا مؤمنين على دين إبراهيم (عليه السلام) وأن الله كلف فرع إسماعيل (عليه السلام) بالحنيفية ولم يكلفهم باليهودية ولا المسيحية ، فانحرفت قريش عن ملة إبراهيم (عليه السلام) وثبت عليها آباء النبي (صلى الله عليه وآله) وخيار أسرته .

  والأدلة عليه عديدة ، منها ما رواه الأصبغ بن نباتة (رحمه الله) قال:(( سمعت أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول: والله ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنماً قط ! قيل له: فما كانوا يعبدون؟ قال: كانوا يصلون إلى البيت على دين إبراهيم (عليه السلام)  متمسكين به)). (كمال الدين/174).  

  وفي فتح الباري: 7/125: (( وقد روى أبو جعفر بن حبيب في تاريخه المحبر من حديث ابن عباس قال: كان عدنان ومعد وربيعة ومضر وخزيمة وأسد ، على ملة إبراهيم فلا تذكروهم إلا بخير)). 

  وفي كمال الدين/171، قال:(( وكان عبد المطلب وأبو طالب من أعرف العلماء وأعلمهم بشأن النبي (صلى الله عليه وآله)  ، وكانا يكتمان ذلك عن الجهال ، وأهل الكفر والضلال)). 

  وفي الكافي: 1/444 ، من خطبة للإمام الصادق (عليه السلام) : (( فلم يمنع ربنا لحلمه وأناته وعطفه ما كان من عظيم جرمهم وقبيح أفعالهم ، أن انتجب لهم أحب أنبيائه إليه وأكرمهم عليه محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) ، في حومة العز مولده ، وفي دومة الكرم محتده ، غير مشوب حسبه ، ولا ممزوج نسبه ، ولا مجهول عند أهل العلم صفته ، بشرت به الأنبياء في كتبها ، ونطقت به العلماء بنعتها ، وتأملته الحكماء بوصفها ، مهذب لا يدانى ، هاشمي لا يوازى ، أبطحي لايسامى ، شيمته الحياء ، وطبيعته السخاء ، مجبول على أوقار النبوة وأخلاقها ، مطبوع على أوصاف الرسالة وأحلامها ، إلى أن انتهت به أسباب مقادير الله إلى أوقاتها ، وجرى بأمر الله القضاء فيه إلى نهايتها ، أداه محتوم قضاء الله إلى غايتها ، تبشر به كل أمة من بعدها ، ويدفعه كل أب إلى أب من ظهر إلى ظهر ، لم يخلطه في عنصره سفاح ، ولم ينجسه في ولادته نكاح ، من لدن آدم إلى أبيه عبد الله ، في خير فرقة ، وأكرم سبط ، وأمنع رهط ، وأكلأ حمل ، وأودع حِجْر...الخ.)).

  د. وقد دافع الأئمة(عليهم السلام)عن عبد المطلب ، وركزوا مكانته في المسلمين ، ففي الكافي: 4/544 ، قال داود الرقي (رحمه الله) :(( دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) ولي على رجل مال قد خفت تَوَاهُ (ذهابه) فشكوت إليه ذلك ، فقال لي: إذا صرت بمكة فطف عن عبد المطلب طوافاً وصل ركعتين عنه، وطف عن أبي طالب طوافاً وصل عنه ركعتين ، وطف عن عبد الله طوافاً وصل عنه ركعتين ، وطف عن آمنة طوافاً وصل عنها ركعتين ، وطف عن فاطمة بنت أسد طوافاً وصل عنها ركعتين ، ثم ادع أن يرد عليك مالك. قال ففعلت ذلك ، ثم خرجت من باب الصفا وإذا غريمي واقف يقول: يا داود حبستني ! تعال أقبض مالك )). 

6- وهب الله ماء زمزم لعبد المطلب 

  ((كان في الكعبة غزالان من ذهب وخمسة أسياف ، فلما غلبت خزاعة جرهم على الحرم ، ألقت جرهم الأسياف والغزالين في بئر زمزم ، وألقوا فيها الحجارة وطموها وعَمَّوْا أثرها ، فلما غلب قصي على خزاعة لم يعرفوا موضع زمزم ، وعميَ عليهم موضعها ، فلما غلب عبد المطلب ، وكان يفرش له في فناء الكعبة ولم يكن يفرش لأحد هناك غيره ، فبينما هو نائم في ظل الكعبة فرأى في منامه أتاه آت فقال له: إحفر بَرَّة ، قال: وما برة ؟ ثم أتاه في اليوم الثاني فقال: إحفر طيبة ، ثم أتاه في اليوم الثالث فقال: إحفر المصونة ، قال: وما المصونة ؟ ثم أتاه في اليوم الرابع فقال: إحفر زمزم لا تنزح ولا تذم ، سَقْيُ الحجيج الأعظم ، عند الغراب الأعصم ، عند قرية النمل.

  وكان عند زمزم حجر يخرج منه النمل فيقع عليه الغراب الأعصم في كل يوم يلتقط النمل ، فلما رأى عبد المطلب هذا عرف موضع زمزم ، فقال لقريش: إني أمرت في أربع ليال في حفر زمزم ، وهي مأثرتنا وعزنا فهلموا نحفرها ، فلم يجيبوه إلى ذلك ، فأقبل يحفرها هو بنفسه ، وكان له ابن واحد وهو الحارث وكان يعينه على الحفر ، فلما صعب ذلك عليه تقدم إلى باب الكعبة ثم رفع يديه و دعا الله عز وجل ونذر له إن رزقه عشر بنين أن ينحر أحبهم إليه ، تقرباً إلى الله عز وجل ، فلما حفر وبلغ الطويَّ طويَّ إسماعيل وعلم أنه قد وقع على الماء ، كبَّر وكبرت قريش وقالوا: يا أبا الحارث هذه مأثرتنا ولنا فيها نصيب ، قال لهم: لم تعينوني على حفرها هي لي ولولدي إلى آخر الأبد )). (الكافي: 4/219 ، ونحوه سيرة ابن إسحاق: 1/3 عن علي (عليه السلام) ، وكذا سيرة ابن هشام: 1/92 ). 

  وفي الكافي: 4/220 ، عن الإمام الكاظم (عليه السلام) قال:(( لما احتفر عبد المطلب زمزم وانتهى إلى قعرها ، خرجت عليه من إحدى جوانب البئر رائحة منتنة أفظعته ، فأبى أن ينثني ، وخرج ابنه الحارث عنه ، ثم حفر حتى أمعن فوجد في قعرها عيناً تخرج عليه برائحة المسك ، ثم احتفر فلم يحفر إلا ذراعاً حتى تجلاه النوم فرأى رجلاً طويل الباع حسن الشعر جميل الوجه جيد الثوب طيب الرائحة ، وهو يقول: أحفر تغنم ، وجُدَّ تسلم ، ولا تدخرها للمقسم ، الأسياف لغيرك والبئر لك ، أنت أعظم العرب قدراً ، ومنك يخرج نبيها ووليها ، والأسباط النجباء الحكماء العلماء البصراء ، والسيوف لهم وليسوا اليوم منك ولا لك ، ولكن في القرن الثاني منك . بهم ينير الله الأرض ويخرج الشياطين من أقطارها ، ويذلها في عزها، ويهلكها بعد قوتها ، ويذل الأوثان ويقتل عُبَّادها...فخرج عبد المطلب وقد استخرج الماء..)). 

  أقول: ظهر ماء زمزم لهاجر وإسماعيل بمعجزة ، وكان نبعاً صغيراً ، ثم كثر العرب الواردون عليه ، فشكى إسماعيل لأبيه قلة الماء ، فأمر الله إبراهيم أن يحفر بئراً فحفره ونزل جبرئيل (عليه السلام) وأمره أن يسمي ويضرب في زوايا البئر الأربعة فضرب إبراهيم فانفجرت أربع عيون ، فقال جبرئيل: (( إشرب يا إبراهيم وادع لولدك فيها بالبركة ، وخرج إبراهيم وجبرئيل جميعاً من البئر فقال له: أفض عليك يا إبراهيم وطف حول البيت ، فهذه سقيا سقاها الله ولد إسماعيل )). (الكافي: 4/204).

  فزمزم سقيا لبني إسماعيل (عليه السلام)  ، ومنهم تصل بركتها الى الناس .

  وبعد قرون غاض ماء زمزم ، حتى أعاده الله تعالى على يد وليه عبد المطلب ، الذي كان أخيار قريش يسمونه: إبراهيم الثاني . 

  وحسد زعماء قريش عبد المطلب ، وأرادوا أن يأخذوا منه زمزم ! وأخذوه ليحتكموا الى كاهنة في مشارف الشام ، فأظهر الله له آية ، ونبع الماء من تحت خف ناقته ، فسلموا له لكن موقتاً !

  وقد روى ذلك عامة المؤرخين ، قال السيوطي في الدر المنثور: 3/220: ((وأخرج الأزرقي والبيهقي في الدلائل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال عبد المطلب إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال إحفر طيبة... فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئر إسماعيل ، وان لنا فيها حقاً فأشركنا معك فيها ، فقال: ما أنا بفاعل إن هذا الأمر خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم. قالوا: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نحاكمك. قال: فجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم. قالوا: كاهنة من سعد هذيل. قال: نعم وكانت بأشراف الشام فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني عبد مناف ، وركب من كل ركب من قريش نفر ، والأرض إذ ذاك مفاوز ، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض المفاوز بين الحجاز والشام فنيَ ماء عبد المطلب وأصحابه ، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة ، فاستسقوا ممن معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم ، وقالوا: إنا في مفازة نخشى فيها على أنفسنا مثل ما أصابكم ، فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه قال: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك فمرنا بما شئت . قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم لنفسه لما بكم الآن من القوة ، وكلما مات رجل دفنه أصحابه في حفرته ثم واروه ، حتى يكون آخركم رجلاً ، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعاً ! قالوا: سمعنا ما أردت فقام كل رجل منهم يحفر حفرته ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشاً ، ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا لعجز ، ما نبتغي لأنفسنا حيلة ! عسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ، إرحلوا فارتحلوا حتى فرغوا ومن معهم من قريش ينظرون إليهم وما هم فاعلون ، فقام عبد المطلب إلى راحلته فركبها ، فلما انبعثت انفجرت من تحت خفها عين من ماء عذب ! فكبَّر عبد المطلب وكبَّر أصحابه ، ثم نزل فشرب وشربوا واستقوا حتى ملؤوا أسقيتهم ، ثم دعا القبائل التي معه من قريش فقال: هلم الماء قد سقانا الله تعالى فاشربوا واستقوا ! فقالت: القبائل التي نازعته: قد والله قضى الله لك يا عبد المطلب علينا ! والله لا نخاصمك في زمزم فارجع إلى سقايتك راشداً ! فرجع ورجعوا معه ، ولم يمضوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبين زمزم)).

   ونحوه عامة المصادر كالطبقات: 1/83 ، واليعقوبي: 1/248، والنهاية: 2/303 ، وابن إسحاق: 1/5 ، وابن هشام: 1/94، وابن كثير: 1/169، والحلبية: 1/55 ، وابن الأثير: 2/13، ومعجم البلدان: 3/149. 

  ثم تفاقم حسد زعماء قريش لعبد المطلب (رحمه الله) فأعلنوا عليه الحرب !

  فبعد آية طير الأبابيل وهزيمة جيش أبرهة ، سطع إسم الكعبة وإسم عبد المطلب في بلاد العرب ووصل الى خارجها ! وتوافد العرب الى الحج أكثر من السابق ، معتزين بحجهم الى الكعبة ، ومتبركين بوارث إبراهيم ولي الله عبد المطلب ، وتولى سقايتهم من زمزم التي وهبها له الله ، وضيافتهم بثريد أبيه هاشم المشهور . وصار سيد العرب بلا منازع ، فزاد الحسد في صدور زعماء قريش !

  وعزز من مكانة عبد المطلب (رحمه الله) أن أبرهة ملك اليمن مات بعد رجوعه خاسئاً تولى ابنه مسروق ، وبعد سنتين من حكمه نجح سيف بن ذي يزن باستقدام كتيبة من جيش كسرى وجمع أنصاره وقاتل مسروق بن أبرهة ، فقتله بهرز قائد جيش الفرس ، ودخل صنعاء فاتحاً ، وتَوَّج سيف بن ذي يزن ملكاً على اليمن .

  روى الصدوق (رحمه الله) في كمال الدين/176، عن ابن عباس:(( لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة وذلك بعد مولد النبي (صلى الله عليه وآله) بسنتين ، أتاه وفد العرب وأشرافها وشعراؤها بالتهنئة ، تمدحه وتذكر ما كان من بلائه وطلبه بثار قومه ، فأتاه وفد من قريش ومعهم عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس وعبد الله بن جدعان وأسد بن خويلد بن عبد العزى ووهب بن عبد مناف ، في أناس من وجوه قريش فقدموا عليه صنعاء)). في حديث طويل ذكر فيه احترام ابن ذي يزن لعبد المطلب احتراماً خاصاً ، وأنه أخبره بقرب عصر النبي (صلى الله عليه وآله) وتمنى لو يدركه لينصره ، فقال له:(( إذا ولد بتهامة ، غلام بين كتفيه شامة ، كانت له الإمامة ، ولكم به الدعامة إلى يوم القيامة .

  فقال له عبد المطلب: أبيت اللعن ، لقد أبتُ بخبر ما آب بمثله وافد ، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته (جزيته) عن مسارِّه إياي ما ازداد به سروراً ، فقال ابن ذي يزن: هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد فيه ، إسمه محمد ، يموت أبوه وأمه ويكلفه جده وعمه ، وقد ولد سراراً والله باعثه جهاراً ، وجاعل له منا أنصاراً ليعز بهم أولياؤه ويذل بهم أعداءه... فهل أحسست شيئاً مما ذكرته ؟

  فقال: كان لي ابن وكنت به معجباً وعليه رفيقاً ، فزوجته بكريمة من كرائم قومي إسمها آمنة بنت وهب ، فجاءت بغلام سميته محمداً ، مات أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه ، فقال ابن ذي يزن: إن الذي قلت لك كما قلت لك ، فاحتفظ بابنك واحذر عليه اليهود فإنهم له أعداء ، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلاً)). والمنمق/426. راجع: الأخبار الطوال/63 ، واليعقوبي: 1/165و: 2/9 ، والطبقات: 5/533.

7- أسس حلف الفضول لمنع قريش من الإعتداء على الحجاج 

  كل ما تقرؤه من عداء قريش للنبي وآله (صلى الله عليه وآله)  ، فأصله قبل الإسلام ! قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :(( الناس معادن ، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)). (بخاري: 4/122) .

  ورويناه عن الإمام الصادق (عليه السلام) بلفظ أدق: ((الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ، فمن كان له في الجاهلية أصل فله في الإسلام أصل)). (الكافي:8/177).

  فعندما تحسن وضع قريش الإقتصادي ، بفضل رحلتي الشتاء والصيف ، وتعاظم موسم الحج بعد آية أصحاب الفيل ، ازدحمت مكة في الموسم ، وكثرت قصص تعديات القرشيين على الحجاج والتجار الوافدين الى مكة !

  ورأى عبد المطلب أنه يحتاج الى تحالف قبلي ، ليأخذ على يد الظالم في الحرم ويمنع قبيلته أن تنصره ، فأسس حلف الفضول .

  وأصل هذا الحلف لأخوال أبناء إسماعيل (عليه السلام) ، ففي أنساب الأشراف/13، أنه ((كان في جرهم رجال يردون المظالم يقال لهم فضيل وفضال ومفضل وفضل ، فتحالفوا على ذلك )). فجدده عبد المطلب مع خزاعة ، وتعاطف معه غيرها .

  قال اليعقوبي:1/248: (( ولما رأت قريش أن عبد المطلب قد حاز الفخر ، طلبت أن يحالف بعضها بعضاً ليعزُّوا ، وكان أول من طلب ذلك بنو عبد الدار لما رأت حال عبد المطلب ، فمشت بنو عبد الدار إلى بني سهم فقالوا: إمنعونا من بني عبد مناف... فتطيَّب بنو عبد مناف وأسد وزهرة وبنو تيم وبنو الحارث بن فهر ، فسموا حلف المطيبين . فلما سمعت بذلك بنو سهم ذبحوا بقرةً وقالوا: من أدخل يده في دمها ولعق منه فهو منا ! فأدخلت أيديها بنو سهم وبنو عبد الدار وبنو جمح وبنو عدي وبنو مخزوم ، فسموا اللعقة )).

  أقول: لاحظ عداوة عبد الدار وسهم لبني هاشم ! قال ابن بكار: ((كان بنو سهم وبنو جمح أهل بغي وعدوان ، فأكثروا من ذلك )). (شرح النهج:15/224).

  وفي المقابل كانت خزاعة ركناً في حلف عبد المطلب ، قال في المنمق/87: ((وكتبوا كتاباً كتبه لهم أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة ، وكان بنو زهرة يكرمون عبد المطلب لصهره ، فكان الكتاب: هذا ما تحالف عليه عبد المطلب ورجالات بني عمرو من خزاعة ومن معهم من أسلم ومالك ، تحالفوا على التناصر والمؤاساة حلفاً جامعاً غير مفرق ، الأشياخ على الأشياخ والأصاغر على الأكابر، والشاهد على الغائب ، تعاهدوا وتعاقدوا ما شرقت الشمس على ثبير وما حن بفلاة بعير... عقده عبد المطلب بن هاشم ورجال بني عمرو فصاروا يداً دون بني النضر ، فعلى عبد المطلب النصرة لهم على كل طالب وتر في بر أو بحر أو سهل أو وعر ، وعلى بني عمرو النصرة لعبد المطلب وولده على جميع العرب في الشرق أو الغرب أو الحزن أو السهب ، وجعلوا الله على ذلك كفيلاً ، وكفى بالله حميلاً. ثم علقوا الكتاب في الكعبة ، فقال عبد المطلب:

سأوصي زبيراً إن توافت منيتي

 

بإمساك ما بيني وبين بني عمرو

وأن يحفظ الحلف الذي سن شيخه

 

ولا يلحدن فيه بظلم ولاغدر

هم حفظوا الإلَّ القديم وحالفوا

 

أباك فكانوا دون قومك من فهر

  وفي تصديق ذلك قول عمرو بن سالم للنبي(ص) حين أغارت عليهم بنو بكر فقتلوا من قتلوا من خزاعة: لا هُمَّ إني ناشدٌ محمدا  حلف أبينا وأبيه الأتلدا ))

  وقد جدَّد الزبير بن عبد الطلب حلف الفضول وحضره النبي (صلى الله عليه وآله)  ، وروت ذلك عامة المصادر كمحمد بن حبيب في كتابه المنمق/186، عن حكيم بن حزام قال: ((كان حلف الفضول منصرف قريش من الفجار وبينه وبين الفيل عشرون سنه ، ورسول الله صلى الله عليه يومئذ ابن عشرين سنة ، قالوا: وكان الفجار في شوال وكان الحلف في ذي القعدة ، وكان هذا الحلف أشرف حلف جرى ، وكان أول من تكلم فيه ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب بن هاشم ، وذلك أن الرجل من العرب أو غيرها من العجم ممن كان يقدم بالتجارة ربما ظلم بمكة ، وكان الذي جرَّ ذلك أن رجلاً من بني زبيد قدم بسلعة فباعها من العاص بن وائل السهمي فظلمه ثمنها ، فناشده الزبيدي في حقه فلم يعطه ، فأتى الزبيدي الأحلاف: عبد الدار ومخزوماً وجمح وسهماً وعدياً ، فأبوا أن يعينوه وزبروه وزجروه !

  فلما رأى الزبيدي الشر وافى على أبي قبيس قبل طلوع الشمس ، وقريش في أنديتهم حول الكعبة وصاح:

يا آل فهر لمظلوم بضاعته

 

ببطن مكة نائي الدار والنفر

ومحرم أشعث لم يقض عمرته

 

يا للرجال وبين الحجر والحجر

إن الحرام لمن تمَّتْ كرامته

 

ولا حرام لثوب الفاجر الغدر

  قال فمشى في ذلك الزبير بن عبد المطلب وقال: ما لهذا مَتْرك ، فاجتمعت بنو هاشم وزهرة وتيم في دار عبد الله بن جدعان ، فصنع لهم طعاماً فتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام قياماً يتماسحون صعداً وتعاقدوا وتعاهدوا بالله قائلين لنكونن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه ما بل بحر صوفة ، وفي التأسي في المعاش . فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول ، وقال الزبير بن عبد المطلب فيه شعراً:

حلفت لنعقدن حلفاً عليهم

 

وإن كنا جميعا أهل دار

نسميه الفضول إذا عقدنا

 

يعز به الغريب لذي الجوار

ويعلم من حوالي البيت أنا

 

أباة الضيم نمنع كل عار...))

  (( ذكر قاسم بن ثابت في غريب الحديث أن رجلاً من خثعم قدم مكة حاجاً أو معتمراً ، ومعه ابنة له يقال لها القَتُول ، من أوضأ نساء العالمين ، فاغتصبها منه نبيه بن الحجاج وغيبها عنه ، فقال الخثعمي: من يعديني على هذا الرجل ؟ فقيل له عليك بحلف الفضول ، فوقف عند الكعبة ونادى: يالِ حلف الفضول ! فإذا هم يعنقون إليه من كل جانب ، وقد انتضوا أسيافهم يقولون: جاءك الغوث فما لك ؟! فقال: إن نبيهاً ظلمني في بنتي وانتزعها مني قسراً. فساروا معه حتى وقفوا على باب داره فخرج إليهم فقالوا له: أخرج الجارية ويحك ، فقد علمت من نحن وما تعاقدنا عليه ! فقال: أفعل ولكن متعوني بها الليلة ! فقالوا: قبحك الله ، ولا شخب لقحة ، فأخرجها إليهم...)).  

  ((وكان الزبير بن عبد المطلب شجاعاً أبياً ، وجميلاً بهياً ، وكان خطيباً شاعراً ، وسيداً جواداً.. وبنو هاشم هم الذين ردوا على الزبيدي ثمن بضاعته ، وكانت عند العاص بن وائل ، وأخذوا للبارقي ثمن سلعته من أبي بن خلف الجمحي... وهم الذين انتزعوا من نبيه بن الحجاج قتول الحسناء)). ( شرح النهج: 15/203 و205). 

  وقال اليعقوبي:2/17:((حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلف الفضول وقد جاوز العشرين ، وقال بعد ما بعثه الله: حضرت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما يسرني به حمر النعم ، ولو دعيت إليه اليوم لأجبت. وكان سبب حلف الفضول أن قريشاً تحالفت أحلافاً كثيرة على الحمية والمنعة ، فتحالف المطيبون وهم بنو عبد مناف وبنو أسد وبنو زهرة وبنو تيم وبنو الحارث بن فهر ، على أن لا يسلموا الكعبة ما أقام حراء وثبير وما بلَّ بحرٌ صوفة. وصنعت عاتكة بنت عبد المطلب طيباً فغمسوا أيديهم فيه... فتذممت قريش فقاموا فتحالفوا ألا يظلم غريب ولا غيره ، وأن يؤخذ للمظلوم من الظالم )). وابن هشام:1/85 ، والمنمق/187.

   وبذلك أمضى النبي (صلى الله عليه وآله) بوحي ربه هذا الحلف وأثبتته مصادر الحديث والفقه ، ودعا به الإمام الحسين (عليه السلام) عندما منعوا دفن أخيه الإمام الحسن (عليه السلام) قرب جده  (صلى الله عليه وآله)  ثم عندما أراد معاوية أن يصادر أمواله. (أنساب الأشراف/13, والمنمق/53).  

8- النبي (صلى الله عليه وآله) وارث عبد المطلب 

  أ. أولاد عبد المطلب أحد عشر ، وخيرهم عبدالله وأبو طالب والزبير وحمزة ، وذرية عبد الله وأبي طالب خير البشر ، وشذ من أبناء عبد المطلب أبو لهب الى النار . في الخصال/452 ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) ، عن جابر قال:((سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ولد عبد المطلب فقال: عشرة ، والعباس )).  

  وقال الصدوق (رحمه الله) : (( وهم عبد الله ، وأبو طالب ، والزبير ، وحمزة ، والحارث وهو أسنهم ، والغيداق ، والمقوم ، وحجل ، وعبد العزى وهو أبو لهب ، وضرار ، والعباس )). 

  وفي تاريخ اليعقوبي: 2/11: ((وكان لعبد المطلب من الولد الذكور عشرة ، ومن الإناث أربع: عبد لله أبو رسول الله ، وأبو طالب وهو عبد مناف ، والزبير وهو أبو الطاهر ، وعبد الكعبة وهو المقوم ، وأمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم وهي أم أم حكيم البيضاء . وعاتكة وبرة وأروى وأميمة بنات عبد المطلب ، والحارث وهو أكبر ولد عبد المطلب وبه كان يكنى ، وقثم ، وأمهما صفية بنت جندب بن حجير بن زباب بن حبيب بن سوأة بن عامر بن صعصعة. وحمزة وهو أبو يعلى أسد الله وأسد رسول الله ، وأمه هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة وهي أم صفية بنت عبد المطلب. والعباس ، وضرار ، أمهما نتيلة بنت جناب بن كليب بن النمر بن قاسط. وأبو لهب وهو عبد العزى ، وأمه لبنى بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر الخزاعي. والغيداق وهو جحل وإنما سمى الغيداق لأنه كان أجود قريش وأطعمهم للطعام ، وأمه ممنعة بنت عمرو بن مالك بن نوفل الخزاعي. فهؤلاء أعمام رسول الله وعماته )). 

  ب. كان النبي (صلى الله عليه وآله) يجهر بأن الله تعالى اختار من العالم بني عبد المطلب: قال (صلى الله عليه وآله) : (( قسم الله تبارك وتعالى أهل الأرض قسمين فجعلني في خيرهما ، ثم قسم النصف الآخر على ثلاثة فكنت خير الثلاثة ، ثم اختار العرب من الناس ، ثم اختار قريشاً من العرب ، ثم اختار بني هاشم من قريش ، ثم اختار بني عبد المطلب من بني هاشم، ثم اختارني من بني عبد المطلب)).(الخصال/36، وغيره). 

  ج. وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يفتخر بنبوته وبجده عبد المطلب (عليه السلام)  ! فعندما انهزم المسلمون في حنين ثبت النبي (صلى الله عليه وآله) ومعه بنو هاشم:(( كان القوم قد كمنوا في شعاب الوادي ومضايقه فما راعنا إلا كتائب الرجال ، فانهزم بنو سليم وكانوا على المقدمة وانهزم من وراءهم وبقي علي ومعه الراية ، فقال مالك بن عوف: أروني محمداً ، فأروه إياه فحمل عليه فلقيه أيمن بن عبيدة وهو ابن أم أيمن فالتقيا فقتله مالك... فقام النبي (صلى الله عليه وآله)  في ركاب سرجه حتى أشرف عليهم وقال: الآن حمى الوطيس: أنا النبي لا كذب  أنا ابن عبد المطلب)). وفي صحيح بخاري: 4/28: ((نزل فجعل يقول: أنا النبي لاكذب  أنا ابن عبد المطلب. قال فما رؤي من الناس يومئذ أشد منه )).

  وفي الكافي: 8/112، أن علياً (عليه السلام) ارتجز في إحدى معاركه:

أنا ابن ذي الحوضين عبد المطلب

 

وهاشم المطعم في العام السغب

أوفي بميعادي وأحمي عن حسب

 

  د. بعث الله نبيه (صلى الله عليه وآله) لبني عبد المطلب ثم للناس ، فجمعهم أول بعثته وقال لهم: (( يا بني عبد المطلب إن الله بعثني إلى الخلق كافة ، وبعثني إليكم خاصة ، فقال عزوجل: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ. أنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان تملكون بهما العرب والعجم ، وتنقاد لكم بهما الأمم ، وتدخلون بهما الجنة وتنجون بهما من النار: شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني عليه وعلى القيام به يكن أخي ووصي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي)) . ( الإرشاد:1/49 ، ومسند الشاميين:2/66، وغيرهما). 

   هـ. وعندما طلب أسرى خيبر من النبي (صلى الله عليه وآله) أن يطلقهم ، قال لهم:(( أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لله ولكم . وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله ولرسوله ، فردت الأنصار ما كان في أيديها من الذراري والأموال )). (أمالي الصدوق/591 ).

   و. من صفات بني عبد المطلب أنهم لايفرون أبداً ! وبهم قامت معارك الإسلام ! فقد كانوا أبطال بدر ، وفي أحد وخيبر فرَّ الجميع وثبتوا ، وفي حنين:(( انهزموا بأجمعهم فلم يبق منهم مع النبي (صلى الله عليه وآله) إلا عشرة أنفس ، تسعة من بني هاشم خاصة وعاشرهم أيمن بن أم أيمن ، فقتل أيمن (رحمه الله) وثبت تسعة النفر الهاشميون حتى ثاب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كان انهزم ، فرجعوا أولاً فأولاً )). (الإرشاد: 1/140). 

  ز. وقال الإمام الباقر (عليه السلام) : (( كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصنع بمن مات من بني هاشم خاصة شيئاً لا يصنعه بأحد من المسلمين ! كان إذا صلى على الهاشمي ونضح قبره بالماء وضع كفه على القبر حتى ترى أصابعه في الطين ، فكان الغريب يقدم أو المسافر من أهل المدينة فيرى القبر الجديد عليه أثر كف رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيقول: من مات من آل محمد (صلى الله عليه وآله) )). (الكافي:3/200، والتهذيب:1/460).

   ح. وعد النبي (صلى الله عليه وآله) بني عبد المطلب بشفاعة خاصة قبل شفاعته لأحد من الناس: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :((يا بني عبد المطلب إن الصدقة لا تحل لي ولا لكم ، ولكني قد وعدت الشفاعة (قال أبو عبد الله (عليه السلام) : إشهدوا لقد وعدها) فما ظنكم يا بني عبد المطلب إذا أخذت بحلقة باب الجنة أتروني مؤثراً عليكم غيركم)). (التهذيب: 4/58).

   ط. واتفق الجميع أن الله أكرم بني هاشم فشرَّع لهم ميزانية خاصة هي الخمس ، ومع ذلك حرموهم منه ! قال ابن قدامة في المغني:2/519: (( لا نعلم خلافاً في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة ، وقد قال النبي(ص): إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس . أخرجه مسلم . وعن أبي هريرة قال: أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة فقال النبي(ص): كخ كخ ، ليطرحها ! وقال: أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة ! متفق عليه )).

   وفي الكافي:1/540 ، عن الإمام الكاظم (عليه السلام) قال:(( وإنما جعل الله هذا الخمس خاصة لهم ، دون مساكين الناس وأبناء سبيلهم ، عوضاً لهم من صدقات الناس ، تنزيهاً من الله لقرابتهم برسول الله (صلى الله عليه وآله)  ، وكرامةً من الله لهم عن أوساخ الناس ، فجعل لهم خاصة من عنده ما يغنيهم به عن أن يصيرهم في موضع الذل والمسكنة . ولا بأس بصدقات بعضهم على بعض .

  وهؤلاء الذين جعل الله لهم الخمس هم قرابة النبي (صلى الله عليه وآله) الذين ذكرهم الله فقال: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ، وهم بنو عبد المطلب الذكر منهم والأنثى ، ليس فيهم من أهل بيوتات قريش ، ولا من العرب أحد ، ولا فيهم ولا منهم في هذا الخمس من مواليهم )) .

   ي. وحذرهم في فتح مكة أن يغتروا بنسبهم وأن النبي (صلى الله عليه وآله) منهم ، فعن الإمام الباقر (عليه السلام)  قال: (( قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الصفا فقال: يا بني هاشم ، يا بني عبد المطلب إني رسول الله إليكم وإني شفيق عليكم ، وإن لي عملي ولكل رجل منكم عمله ، لا تقولوا إن محمداً منا وسندخل مدخله ، فلا والله ما أوليائي منكم ولا من غيركم يا بني عبد المطلب إلا المتقون . ألا فلا أعرفكم يوم القيامة تأتون تحملون الدنيا على ظهوركم ويأتون الناس يحملون الآخرة ، ألا إني قد أعذرت إليكم فيما بيني وبينكم ، وفيما بيني وبين الله عز وجل فيكم )). (الكافي: 8/182).

   ك. وأتم النبي (صلى الله عليه وآله) عليهم الحجة في مرض وفاته وأوصاهم أن يطيعوا علياً (عليه السلام)  ، فعن الإمام زين العابدين في حديث وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) قال: ((قال علي (عليه السلام) : فلقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن رأسه ليثقل ضعفاً وهو يقول يسمع أقصى أهل البيت وأدناهم:

إن أخي ووصيي ووزيري وخليفتي في أهلي علي بن أبي طالب ، يقضي ديني وينجز موعدي . يا بني هاشم ، يا بني عبد المطلب ، لا تبغضوا علياً ، ولا تخالفوا أمره فتضلوا ، ولا تحسدوه وترغبوا عنه ، فتكفروا )). (أمالي الطوسي/600).

   ل. وكان حقد اليهود وقريش على كل بني عبد المطلب فتواثقوا على قتلهم جميعاً قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في جواب حاخام يهودي:((وأما الخامسة يا أخا اليهود ، فإن قريشاً والعرب تجمعت وعقدت بينها عقداً وميثاقاً لا ترجع من وجهها حتى تقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتقتلنا معه معاشر بني عبد المطلب ، ثم أقبلت بحدها وحديدها حتى أناخت علينا بالمدينة ، واثقة بأنفسها فيما توجهت له )). (الخصال/368).

   م. وصححوا حديث النبي (صلى الله عليه وآله) بأن أبناء عبد المطلب(عليهم السلام)هم سادة أهل الجنة ، رواه ابن ماجة: 2/1368، عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (( نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنة: أنا وحمزة وعلي وجعفر والحسن والحسين والمهدي)). والحاكم: 3/211، وصححه على شرط مسلم، وتاريخ بغداد: 9/434 وفيه: نحن سبعة بنو عبد المطلب سادات أهل الجنة ، أنا وعلي أخي وعمي حمزة وجعفر والحسن والحسين والمهدي)). وتلخيص المتشابه: 1/197 ، والفردوس: 1/53 ، والبيان للشافعي/488 ، وغيرها.

   وفي كتاب سُلَيْم بن قيس (رحمه الله) /245، قال: ((كانت قريش إذا جلست في مجالسها ، فرأت رجلاً من أهل البيت قطعت حديثها ، فبينما هي جالسة إذ قال رجل منهم ما مثل محمد في أهل البيت إلا كمثل نخلة نبتت في كناسة !

  فبلغ ذلك رسول الله  (صلى الله عليه وآله) فغضب ثم خرج فأتى المنبر فجلس عليه حتى اجتمع الناس ، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال... وأورد خطبة طويلة في فضله وفضل أهل بيته(عليهم السلام)جاء فيها:(( ألا ونحن بنو عبد المطلب سادة أهل الجنة ، أنا وعلي وجعفر وحمزة والحسن والحسين وفاطمة والمهدي )). ونحوه أمالي الصدوق/384 ، وغيبة الطوسي/113، والعمدة/52 و430 ، والطرائف: 1/176.

   وفي دلائل الإمامة/256، عن الأصبغ بن نباتة ، قال: ((كنا مع علي بالبصرة وهو على بغلة رسول الله ، وقد اجتمع هو وأصحاب محمد فقال: ألا أخبركم بأفضل خلق الله عند الله يوم يجمع الرسل؟ قلنا: بلى يا أمير المؤمنين ، قال: أفضل الرسل محمد وإن أفضل الخلق بعدهم الأوصياء ، وأفضل الأوصياء أنا ، وأفضل الناس بعد الرسل والأوصياء الأسباط، وإن خير الأسباط سبطا نبيكم ، يعني الحسن والحسين وإن أفضل الخلق بعد الأسباط الشهداء ، وإن أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب قال ذلك النبي ، وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين ، مخضبان ، بكرامة خص الله عز وجل بها نبيكم ، والمهدي منا في آخر الزمان ، لم يكن في أمة من الأمم مهدى ينتظر غيره )). وعنه إثبات الهداة: 3/574.  أقول: كفى بهذا الحديث الشريف حجة ودليلاً على مكانة هؤلاء العظماء من أبناء عبد المطلب(عليهم السلام)، فهويفضح كل ما رووه من أفضلية زيد وعمرو ! 

9- سبب إصرار (الخلفاء) على التنقيص من شخصية آباء النبي (صلى الله عليه وآله)  

  فقد رووا أن الله تعالى اختار بني هاشم وميزهم على قريش ، ومع ذلك ادعو كفر آباء النبي (صلى الله عليه وآله) وكفر ناصره وحاميه أبي طالب ، وفضلوا أنفسهم عليهم وعلى عترة النبي (صلى الله عليه وآله)  ! فوقعوا في التناقض وأصرُّوا عليه ! 

  فقد عقد الهيتمي في مجمع الزوائد: 8/215، باباً في كرامة أصل النبي (صلى الله عليه وآله) روى فيه عن ابن عباس ووثقه في قوله تعالى: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ، قال: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ: قال: (( من صلب نبي إلى نبي حتى صرت نبياً)). انتهى.

  فدل ذلك على أن كل آبائه (صلى الله عليه وآله) مؤمنون مصلون لربهم عز وجل ، بل دل على أنهم أنبياء ولو لأنفسهم ! وروى ووثقه أيضاً: (( عن عبد الله بن عمر قال: إنا لقعود بفناء رسول الله(ص)إذ مرت امرأة فقال رجل من القوم هذه ابنة محمد ، فقال رجل من القوم: إن مثل محمد في بني هاشم مثل الريحانة في وسط النتن !

  فانطلقت المرأة فأخبرت النبي (ص) فجاء النبي يعرف في وجهه الغضب ، ثم قام على القوم فقال: ما بال أقوال تبلغني عن أقوام ! إن الله عز وجل.. خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم ، واختار من بني آدم العرب ، واختار من العرب مضر ، واختار من مضر قريشاً ، واختار من قريش بني هاشم ، واختارني من بني هاشم ، فأنا من خيار إلى خيار، فمن أحب العرب فلحبي أحبهم ، ومن أبغض العرب فلبغضي أبغضهم )). 

  وحديثاً آخر وصححه:((أتى ناس من الأنصار النبي فقالوا إنا نسمع من قومك حتى يقول القائل منهم: إنما مثل محمد نخلة نبتت في الكبا. (المزبلة) ! فقال رسول الله (ص): أيها الناس من أنا ؟ قالوا أنت رسول الله ، قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، قال: فما سمعناه ينتمي قبلها . ألا أن الله عز وجل خلق خلقه ثم فرقهم فرقتين فجعلني في خير الفريقين ، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة ثم جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً ، فأنا خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً)).انتهى. 

  كما رووا أحاديث امتياز أسرة النبي (صلى الله عليه وآله) على قريش وغيرها ، كالذي رواه الدر المنثور: 3/294 ، والحاكم في: 4/73 ، ومصادرنا ، كالخصال/36: (( قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : قسم الله تبارك وتعالى أهل الأرض قسمين فجعلني في خيرهما ، ثم قسم النصف الآخر على ثلاثة فكنت خير الثلاثة ، ثم اختار العرب من الناس ، ثم اختار قريشاً من العرب ، ثم اختار بني هاشم من قريش ، ثم اختار بني عبد المطلب من بني هاشم ثم اختارني من بني عبد المطلب )) . 

  وقد بحثنا عداوة قريش لأسرة النبي (صلى الله عليه وآله) في العقائد الإسلامية:3/275، ورد النبي (صلى الله عليه وآله)  عليهم رداً عنيفاً ، حتى أنه أعلن لأول مرة أن بعض صحابته أولاد زنا !

  لكنهم مع كل ذلك يُصرون على التنقيص من آباء النبي (صلى الله عليه وآله) وأسرته لسببين:  

  الأول: لأنهم إذا اعترفوا بإيمان عبد المطلب ومناقبه ، ثبتت له ولذريته وراثة إبراهيم (عليه السلام)  ، كما قال الله تعالى: ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، ولم يبق محل لأبي بكر وعمر وبني أمية ، بل تكون السقيفة انقلاباً قرشياً على هذا الفرع الذي اختاره الله تعالى ! لذا قالوا إن آباء النبي (صلى الله عليه وآله) كلهم كفار في النار وإن عمه أبا طالب في النار ، وإنه نصره ولم يؤمن به ! وزعموا أن النبي (صلى الله عليه وآله) شفع له فلم تنفعه شفاعته ، بل أخرجه من قعر جهنم الى ضحضاح من نار يغلي منه دماغه ! 

  لكن الواقع الذي تجهر به سيرة أبي طالب وعبد المطلب وآباء النبي (صلى الله عليه وآله) أنهم من كبار المؤمنين ، وأنهم الخط الوارث لإبراهيم (عليه السلام) وأنهم لم يعبدوا الأصنام ، بل كانوا يفتخرون بأنهم على ملة أبيهم إبراهيم وإسماعيل (صلى الله عليه وآله)  ، وقد ميزهم الله تعالى حتى في شكلهم فورَّثهم جمال إبراهيم وبهاءه ! فعندما رأى أبرهة عبد المطلب:(( فجعل ينظر في وجهه ، فراقه حسنه وجماله وهيئته فقال له: هل كان في آبائك مثل هذا النور الذي أراه لك والجمال؟ قال: نعم أيها الملك ، كل آبائي كان لهم هذا الجمال والنور والبهاء)).

  وفي أمالي الطوسي/682،أن:(( سرير أبرهة لما دخل عليه عبد المطلب ، انحنى ومال)) !

  ((هو أول من خضب بالسواد من العرب وكان أبيض مديد القامة)). ( الأعلام: 4/154).

  ومع كل ما رووه في عبد المطلب (رحمه الله) ، أغمضوا عيونهم عن معجزاته وكرامته في حفر زمزم ، وإخباره عن آية أصحاب الفيل ، وإخباره بنبوة حفيده (صلى الله عليه وآله)  ، وافتخار النبي (صلى الله عليه وآله) يوم حنين بنبوته وجده عبد المطلب ! (بخاري: 4/28) . بل زعموا أن رجلاً سأله (صلى الله عليه وآله) عن أبيه أين هو؟ فأجابه: (( إن أبي وأباك في النار )) ! (مسلم: 1/132). وحاشا أباه (صلى الله عليه وآله) من النار ، وحاشا رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هذا الكلام وهذه القسوة ! 

  والسبب الثاني: هو التغطية على آبائهم الذين حسدوا هاشماً وعبد المطلب ونصبوا لهما العداء ، ثم حسدوا النبي (صلى الله عليه وآله) ونصبوا له العداء وحاربوه ، واستعانوا عليه باليهود وقبائل العرب ، فانهزموا واضطروا أن يستسلموا له ويخلعوا سلاحهم !

  فابتكر هؤلاء الأبناء حلاً يساوي بين آباء النبي (صلى الله عليه وآله) وآبائهم بأنهم جميعاً كفار ، ولا أحد أفضل من أحد ، ولا أحد أولى بوراثة سلطان النبي (صلى الله عليه وآله) من أحد !

  ولهذا تجد الطامعين في سلطان النبي (صلى الله عليه وآله) أكثرهم حماسة للتنقيص من آبائه وأسرته والطعن فيهم ! يقولون لك: يحرم أن تذكر مناقب آباء النبي (صلى الله عليه وآله) ولا مثالب آبائنا لأنهم مثلهم كفار ! وهم صادقون في حق آبائهم لأنهم نكرات وقبائل مغمورة وتاريخهم غير مشرف ، وأكثرهم ملعون على لسان النبي (صلى الله عليه وآله)  . 

10- كان عبد المطلب شاعراً ، وكذا ابنه أبو طالب (صلى الله عليه وآله)  

  وقد تقدمت أبياته في غزو أبرهة للكعبة ، وكلها إيمان ويقين بالنصر ، وفيها نبوءة بنبوة حفيده (صلى الله عليه وآله) وبدولة العدل الإلهي على يد ولده المهدي (عليه السلام) ! قال:

نحن آلُ الله فيما قد خلا

 

لم يزل ذاك على عهد ابْرَهَمْ

لم يزل لله فينا حجةٌ

 

يدفع الله بها عنها النقم

نعرف الله وفينا شيمة

 

صلة الرحم ونوفي بالذمم

ولنا في كل دور كرة

 

نعرف الدين وطوراً في العجم

فإذا ما بلغ الدور إلى

 

منتهى الوقت أتى طيْرُ القدم

بكتاب فصلت آياته

 

فيه تبيان أحاديث الأمم

  وطير القدم مثلٌ ضربه عبد المطلب (رحمه الله) لأصحاب ولده الإمام المهدي (عليه السلام)  الذين يجمعهم الله له في ليلة من أقاصي العالم ليكونوا وزراءه في دولته. فقد روى علي بن يقطين عن الإمام الكاظم (عليه السلام) قال: (( من أعز أخاه في الله وأهان أعداءه في الله ، وتولى ما استطاع نصيحته ، أولئك يتقلبون في رحمة الله ، ومثلهم مثل طير يأتي بأرض الحبشة في كل صيفة يقال له "القدم" فيبيض ويفرخ بها ، فإذا كان وقت الشتاء صاح بفراخه فاجتمعوا إليه وخرجوا معه من أرض الحبشة ، فإذا قام قائمنا اجتمع أولياؤنا من كل أوب ! ثم تمثل بقول عبد المطلب:

فإذا ما بلغ الدور إلى

 

منتهى الوقت أتى طيْرُ القدم

بكتاب فصلت آياته

 

فيه تبيان أحاديث الأمم

 (مستدرك الوسائل: 13/137 ، وجامع أحاديث الشيعة: 17/297 ).

   وفي أمالي الصدوق/243:(( قال الريان بن الصلت: أنشدني الرضا (عليه

السلام) لعبد المطلب:

يعيب الناس كلهم زماناً

 

وما لزماننا عيب سوانا


نعيب زماننا والعيب فينا

 

ولو نطق الزمان بنا هجانا

وأن الذئب يترك لحم ذئب

 

ويأكل بعضنا بعضاً عيانا

لبسنا للخداع مسوك طيب

 

وويلٌ للغريب إذا أتانا))

وعيون أخبار الرضا:2/190.

 ~   ~

 

تم تطوير هذا الموقع من أجل تسهيل الإستفادة من مؤلفات ومحاضرات وتسجيلات سماحة الشيخ علي الكوراني العاملي ، ويمكن الإستفادة منها ونشرها مع عدم التغيير المخلّ بالمعنى ، مع ذكر المصدر .. وأما طباعة الكتب والأقراص وغيرها فتحتاج إلى إجازة خاصة .