متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
الفصل التاسع : ولادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)
الكتاب : السيرة النبوية عند أهل البيت (ع) ـ ج 1    |    القسم : الكتب والمؤلفات    |    القرآء : 3008

الفصل التاسع 

ولادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)

1- علي (عليه السلام) وليد الكعبة 

  أ- شهد بعض أئمتهم أن ولادة علي (عليه السلام) في الكعبة متواترة متفق عليها ثم أنكروها !

  قال في أعيان الشيعة: 1/323، ونحوه الصحيح من السيرة: 2/159: (( ورد أنه عليه الصلاة والسلام ولد في جوف الكعبة أعزها الله ، في يوم الجمعة في الثالث عشر من شهر رجب ، وأن هذه فضيلة اختصه الله بها ، لم تكن لأحد قبله ولا بعده. وقد صرح بذلك عدد كبير من العلماء ورواة الأثر ، ونظمها الشعراء والأدباء ، وذلك مستفيض عند شيعة أهل البيت(عليهم السلام) ،كما أنه كذلك في كتب غيرهم ، حتى لقد قال الحاكم وغيره: (( تواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة )). وصرح بأنه لم يولد فيها أحد سواه عدد من العلماء والمؤرخين. ويقول السيد الحميري المتوفى سنة173:

أقرت به الكتاب قدماً بأنه

 

رسول من البطحاء هاد ومهتد ج

ولدته في حرم الإله وأمنه

 

والبيت حيث فناؤه والمسجدُ

بيضاءُ طاهرة الثياب كريمةٌ

 

طابت وطاب وليدها والمولد

في ليلة غابت نحوس نجومها

 

وبدا مع القمر المنير الأسعد

ما لفَّ في خرق القوابل مثله

 

إلا أبن آمنة النبي محمد
ج

  وأحال في هامشه على: مستدرك الحاكم: 3/483 ، وتلخيصه للذهبي، ونور الأبصار/76 ، والفصول المهمة/12، وكفاية الطالب/406 ، والمناقب لابن المغازلي/7.الخ.))
   ثم قال في الصحيح:(( ولكن نفوس شانئي علي (عليه السلام) قد نفست عليه هذه الفضيلة التي اختصه الله بها ، فحاولت تجاهل كل أقوال العلماء والمؤرخين ورواة الحديث والأثر ، والضرب بها عرض الجدار ! حيث نجدهم وبكل جرأة ولا مبالاة يثبتون ذلك لرجل آخر غير علي (عليه السلام)  ، بل ويحاولون التشكيك في ما ثبت لعلي أيضاً ، حتى لقد قال في كتاب النور: ((حكيم بن حزام ولد في جوف الكعبة ولا يعرف ذلك لغيره. وأما ما روي من أن علياً ولد فيها فضعيف عند العلماء)) !

  وقال المعتزلي: كثير من الشيعة يزعمون أنه ولد في الكعبة ، والمحدثون لا يعترفون بذلك ، ويزعمون أن المولود في الكعبة حكيم بن حزام. ثم حاول الحلبي والديار بكري الجمع والصلح بين الفريقين باحتمال ولادة كليهما فيها )).

(تاريخ الخميس: 1/279 ، والسيرة الحلبية: 1/129).

  وأول من روى ولادة حكيم في الكعبة الزبير بن بكار في كتابه جمهرة نسب قريش:1/353 ، قال:(( دخلت أم حكيم بن حزام الكعبة مع نسوة من قريش وهي حامل متم بحكيم بن حزام ، فضربها المخاض في الكعبة ، فأتيت بنطع حيت أعجلتها الولادة، فولدت حكيم بن حزام في الكعبة على النطع)). (مجلة تراثنا: 26/33).

   أقول: يكفي لرده شهادة الحاكم (3/483) بأن ولادة علي (عليه السلام) في الكعبة متواترةٌ عن الجميع ، ومعناه أن السلطة بعد القرون الأولى غيبت تلك النصوص وأبادتها ، ونشرت بدلها كذبة ابن بكار الزبيري الناصبي لمصلحة حكيم بن حزام الطليق ، وهو ناصبي !

 وقد ذكرنا في مقدمة الكتاب كيف أبادت السلطة أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) كأحاديث جابر بن يزيد الجعفي الذي روى سبعين ألف حديث ، وابن عقدة الذي روى أكثر ثلاث مائة ألف حديث !

   قال الشهيد نور الله التستري في إحقاق الحق/198:(( قال الناصب خفضه الله: المشهور بين الشيعة أن أمير المؤمنين ولد في الكعبة ولم يصححه علماء التواريخ بل عند أهل التواريخ أن حكيم بن حزام ولد في الكعبة ولم يولد فيه غيره... وأقول: حكمه بعدم التصحيح سقيم ، بعد ما روى المصنف ذلك عن صاحب كتاب بشاير المصطفى وهو رواه عن زيد بن قعنب ، ورواه ابن المغازلي مرفوعاً إلى علي بن الحسين (عليه السلام) على ما نقله صاحب كشف الغمة ، وكفى برواية مثلهما من أهل السنة حجة لنا عليهم... وفيه أيضاً كما صرح به الراوي الفضيلة والكرامة وأن باب الكعبة كان مقفلاً ، ولما ظهرت آثار وضع الحمل على فاطمة بنت أسد رضي الله عنها عند الطواف خارج الكعبة انفتح لها الباب بإذن الله تعالى وهتف لها هاتف بالدخول... على أن الكلام في تشرف الكعبة بولادته فيها ، لا في تشرفه بولادته في الكعبة ، فإنه (عليه السلام) هو الكعبة الحقيقية لأهل الإنتباه ، وقبلة إقبال المقبلين إلى الله ، كما روى عنه (عليه السلام) أنه قال: نحن كعبة الله ونحن قبلة الله)). انتهى. وقد ورد عن أهل البيت(عليهم السلام)أنهم كعبة الله وقبلة الله ، كما في نهج الإيمان لابن جبر/569 والبحار: 24/303، عن تأويل الآيات. والصراط المستقيم: 2/75، عن المغازلي. ومستدرك سفينة البحار: 8/404 ، عن العياشي )).

   ب- ألهم الله أمه فاطمة(عليها السلام) فلجأت الى الكعبة ، فبعث لها من ساعدها على الولادة ففي أمالي الصدوق/194، عن سعيد بن جبير ، عن الإمام الصادق عن آبائه عن يزيد بن قعنب قال:((كنت جالساً مع العباس بن عبد المطلب وفريق من عبد العزى بإزاء بيت الله الحرام ، إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين (عليه السلام)  وكانت حاملة به لتسعة أشهر وقد أخذها الطلق ، فقالت: رب إني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب ، وإني مصدقة بكلام جدي إبراهيم الخليل (عليه السلام)  وأنه بني البيت العتيق ، فبحق الذي بني هذا البيت وبحق المولود الذي في بطني لما يسرت علي ولادتي. قال يزيد بن قعنب: فرأينا البيت وقد انفتح عن ظهره ودخلت فاطمة فيه ، وغابت عن أبصارنا والتزق الحائط ، فرمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح ، فعلمنا أن ذلك أمر من أمر الله عز وجل !

  ثم خرجت بعد الرابع وبيدها أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم قالت: إني فضلت على من تقدمني من النساء ، لأن آسية بنت مزاحم عبدت الله عز وجل سراً في موضع لا يحب أن يعبد الله فيه إلا اضطراراً ، وإن مريم بنت عمران هزت النخلة اليابسة بيدها حتى أكلت منها رطباً جنياً ، وإني دخلت بيت الله الحرام فأكلت من ثمار الجنة وأرزاقها، فلما أردت أن أخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة سمه علياً فهو علي والله العلي الأعلى يقول: إني شققت اسمه من اسمي وأدبته بأدبي ووقفته على غامض علمي ، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي ، وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي ويقدسني ويمجدني ، فطوبى لمن أحبه وأطاعه ، وويل لمن أبغضه وعصاه)).

  وفي مناقب علي (عليه السلام) لابن المغازلي/25، عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) قال: ((كنت جالساً مع أبي ونحن زائران قبرَ جدنا (عليه السلام) وهناك نسوان كثيرة ، إذ أقبلت امرأة منهنّ فقلت لها: من أنت يرحمك الله ؟ قالت: أنا زيدة بنت قريبة بن العجلان من بني ساعدة ، فقلت لها: فهل عندك شئ تُحدّثينا ؟ فقالت: إي والله حدّثتني أُمّي أُمّ عمارة بنت عُبادة بن نَضلَة بن مالك بن العَجلان الساعدي ، أنها كانت ذات يوم في نساء من العرب إذ أقبل أبو طالب كئيباً حزيناً فقلت له: ما شأنك يا أبا طالب؟ قال: إنّ فاطمة بنت أسد في شدّة المخاض ، ثمّ وضع يديه على وجهه ، فبينا هو كذلك إذ أقبل محمد (صلى الله عليه وآله) فقال له: ما شأنك يا عمِّ ؟ فقال: إن فاطمة بنت أسد تشتكي المَخاضَ ، فأخذ بيده وجاء وهي معه فجاء بها إلى الكعبة فأجلسها في الكعبة ثم قال أجلسي على اسم الله ! قال فَطُلِقَت طَلقةً فولدت غلاماً مسروراً نظيفاً منُظّفاً لم أر كَحُسنِ وجهه فسماه أبو طالب علياً وحَمله النبي (صلى الله عليه وآله) حتّى أدّاه إلى منزلها ! قال علي بن الحسين  (عليه السلام) : فوالله ما سمعتُ بشئ قطُّ إلاّ وهذا أحسنُ منه)). وحلية الأبرار: 2/25، والطرائف/8 ، والعمدة/16، والدر النظيم/225.

  وفي مناقب آل أبي طالب: 3/59:((عليٌّ أول هاشمي ولد من هاشميين ، وأول من ولد في الكعبة ، وأول من آمن ، وأول من صلى ، وأول من بايع ، وأول من جاهد وأول من تعلم من النبي (صلى الله عليه وآله)  ، وأول من صنف ، وأول من ركب البغلة في الإسلام بعد النبي (صلى الله عليه وآله) .. وعلي (عليه السلام) آخر الأوصياء ، وآخر من آخى النبي ، وآخر من فارقه عند موته ، وآخر من وسده في قبره وخرج)).

  وفي عمدة الطالب/58:(( حيدرة من أسماء الأسد ، وقد ذكر ذلك في شعره يوم خيبر فقال (عليه السلام) : أنا الذي سمتني أمي حيدرة )).

2- ولد علي (عليه السلام) قبل البعثة ببضع عشرة سنة 

  المشهور أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان عمره لمَّا بعث النبي (صلى الله عليه وآله) عشر سنوات أو اثنتا عشرة سنة ، قال في الكافي:1/452:((ولد أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد عام الفيل بثلاثين سنة وقتل (عليه السلام) في شهر رمضان لتسع بقين منه ليلة الأحد سنة أربعين من الهجرة ، وهو ابن ثلاث وستين سنة، بقي بعد قبض النبي (صلى الله عليه وآله) ثلاثين سنة)). ونحوه الجواهر: 20/89 .

  وقال العلامة في تذكرة الفقهاء:6/196:(( يوم الثالث عشر منه ولد مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في الكعبة قبل النبوة باثنتي عشرة سنة )).

  واشتهرت في مصادر السنيين رواية ابن عفيف الكندي وابن مسعود ، كما في مسند أحمد ومجمع الزوائد:9/222 ، قال ابن مسعود:(( أول شئ علمت من أمر رسول الله (ص) قدمت مكة في عمومة لي ، فأرشدنا على العباس بن عبد المطلب ، فانتهينا إليه وهو جالس في زمزم فجلسنا إليه فبينا نحن عنده ، أقبل رجل من باب الصفا أبيض تعلوه حمرة له وفرة جعدة إلى أطراف أذنيه ، أشم أقنى الأنف براق الثنايا أدعج العينين كث اللحية دقيق المسربة ، شثن الكفين والقدمين ، عليه ثوبان أبيضان ، كأنه القمر ليلة البدر، يمشي عن يمينه غلام أمرد حسن الوجه مراهق أو محتلم ، تقفوهم امرأة قد سترت محاسنها ، حتى قصد نحو الحجر فاستلمه ، ثم استلمه الغلام ، واستلمت المرأة ، ثم طاف بالبيت سبعاً ، والغلام والمرأة يطوفون معه ، ثم استلم الركن ورفع يديه وكبر ، وقام الغلام عن يمينه ورفع يديه وكبر ، وقامت المرأة خلفهما ورفعت يديها وكبرت ، وأطال القنوت ، ثم ركع فأطال الركوع ، ثم رفع رأسه من الركوع فقنت وهو قائم ، ثم سجد وسجد الغلام والمرأة معه يصنعان مثل ما يصنع يتبعانه .

  قال: فرأينا شيئاً لم نكن نعرفه بمكة فأنكرنا ، فأقبلنا على العباس فقلنا: يا أبا الفضل إن هذا الدين لم نكن نعرفه فيكم ، أشئ حدث؟ قال: أجل والله ، أما تعرفون هذا ؟ قلنا: لا ، قال: هذا ابن أخي محمد بن عبد الله والغلام علي بن أبي طالب ، والمرأة خديجة بنت خويلد. أما والله ما على ظهر الأرض أحد يعبد الله على هذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة )). والطبراني الكبير:10/183 ، وشرح النهج:13/225 ، وشواهد التنزيل:2/302، وتاريخ دمشق:3/265 ، وسير الذهبي:1/463 ، وما نزل من القرآن في علي لابن مردويه/49 ، والحاكم: 3/183، والإستيعاب: 3/1096، والفصول المختارة/273.

  وفي رواية ابن عفيف (أحمد:1/209) أنه رآهم في موسم الحج في منى خرجوا من خيمة وصلَّوْا. وفي رواية قال العباس:((وهو يزعم أنه ستفتح عليه كنوز كسرى وقيصر)). (الإستيعاب: 3/1242).

3- أخذ النبي (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) وهو طفلٌ فرباه ليكون له عضداً 

  في مناقب آل أبي طالب:2/29:(( ذكر أبو القاسم في أخبار أبي رافع من ثلاثة طرق ، أن النبي (صلى الله عليه وآله) حين تزوج خديجة قال لعمه أبي طالب: إني أحب أن تدفع إليَّ بعض ولدك يعينني على أمري ويكفيني ، وأشكر لك بلاك عندي. فقال أبو طالب: خذ أيهم شئت ، فأخذ علياً (عليه السلام) )). وهذا الحديث يوجب الشك في روايتهم بأن أبا طالب (رحمه الله)  كان فقيراً لا يملك قوت أولاده ، فأشفق عليه النبي (صلى الله عليه وآله) وأخوه العباس ، فأخذا بعض أولاده ليخففوا عائلته ! فأخذ محمد (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام)  ، وأخذ العباس جعفراً !

  وقد أفاض رواة السلطة في ذلك وأخذته منهم مصادرنا لأن ظاهره المدح ! وأصله ما نقله ابن هشام في سيرته: 1/162، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد بن جبر المتوفى سنة103، قال: ((كان من نعم الله على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما صنع الله له وأراده به من الخير ، أن قريشاً أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب في عيال كثير ، فقال رسول الله (ص) لعمه العباس وكان من أيسر بني هاشم: يا أبا الفضل إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة ، فانطلق بنا إليه نخفف عنه من عياله آخذ من بنيه رجلاً وتأخذ أنت رجلاً فنكفلهما عنه . فقال العباس: نعم ، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى تنكشف عن الناس ما هم فيه ، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ماشئتما . فأخذ رسول الله علياً فضمه إليه ، وأخذ العباس جعفراً فضمه إليه فلم يزل علي مع رسول الله (ص) حتى بعثه الله نبياً فاتبعه وصدقه ، وأخذ العباس جعفراً ، ولم يزل جعفر مع العباس حتى أسلم واستغنى عنه)). وتاريخ الطبري: 2/57 ، والحاكم: 3/576 ، ومجمع الزوائد: 8/153، والإستيعاب: 1/37 ، وتفسير الثعلبي: 5/84 ، ومجالس ثعلب/15 ، وتاريخ دمشق: 26/283. وشرح النهج: 13/198. ومن مصادرنا: علل الشرائع: 1/169، وكشف الغمة: 1/77 ، وروضة الواعظين/86 ، ومناقب آل أبي طالب: 2/27 ، والعمدة/63، وذخائر العقبى/58 ، وعمدة الطالب/59 ، وبحار الأنوار: 35/24..الخ.

  فالرواية إذن قولٌ لمجاهد بن جبر ، مولى بني مخزوم وصاحب ابن عباس ، وعنه أخذها الجميع ، وظاهرها مدح علي (عليه السلام) بأن الله تعالى يسَّر له أن يربيه النبي (صلى الله عليه وآله)  فكان فقر أبيه الشديد نعمةً عليه ! حتى رووا عنه (عليه السلام) خبراً مرسلاً يقول:(( أبي ساد فقيراً وما ساد فقير قبله)). (اليعقوبي:2/14).

  لكن هل كان أبو طالب فقيراً أصلاً ، وقد كان يطعم الحجيج ويسقيهم ؟! وهو ابن عبد المطلب ووارث رئاسته لقريش والعرب ؟!

  وقد روى مادحوا العباس أن أبا طالب اقترض منه عشرة آلاف درهم وأنفقها على الحجيج ، وفي السنة الثانية اقترض أربعة عشر ألفاً (تاريخ دمشق: 26/283) ولا بد أنه كان ينفق على الرفادة والطعام أضعاف قيمة مصارف نقل الماء وأحواضه .

  فالذي ينفق هذا الإنفاق هل يعجز عن نفقة بيته السنوية التي لا تزيد عن ثلاث مئة درهم ؟! وما لنا لم نسمع شيئاً عن طالب عند الحمزة ، وجعفر عند العباس كما زعموا؟! ولا سمعنا متى كانت هذه الأزمة الشديدة على قريش التي تفرد بذكرها ابن مجاهد مولى مخزوم وتلميذ ابن عباس.. الى آخر الأسئلة !

 لذا نرى أن غرضهم إثبات فقر أبي طالب (رحمه الله) وغنى العباس وإنفاقه عليه وعلى أولاده ، ليجعلوا نشأة علي (عليه السلام) عند النبي (صلى الله عليه وآله) مجرد مصادفة ! ويقولوا إن أبا طالب عجز عن نفقات الرفادة والسقاية التي أوصى له بها أبوه عبد المطلب وخصه بها من بين إخوته فاشتراها منه العباس ! راجع: تاريخ دمشق: 26/283 ، والمستطرف: 1/289 ، وأخبار مكة: 2/106، ومجالس ثعلب/15 المتوفى سنة290حسب تذكرة الحفاظ: 2/659.

  أما الراوي الثاني لهذه الرواية فهو ابن سلام ، قال:(( لما أمعر أبو طالب قالت له بنو هاشم: دعنا فليأخذ كل رجل منا رجلاً من ولدك. قال: إصنعوا ما أحببتم إذا خليتم لي عقيلاً ، فأخذ النبي علياً... فكان أبو طالب يُدان لسقاية الحاج حتى أعوزه ذلك ، فقال لأخيه العباس بن عبد المطلب وكان أكثر بني هاشم مالاً في الجاهلية: يا أخي قد رأيت ما دخل عليَّ وقد حضر الموسم ولا بد لهذه السقاية من أن تقام للحاج ، فأسلفني عشرة آلاف درهم فأسلفه العباس إياها ، فأقام أبو طالب تلك السنة بها وبما احتال (بما هيأه من مال غيرها) فلما كانت السنة الثانية وأفِد (أي قرب- لسان العرب: 3/74) الموسم ، قال لأخيه العباس: يا أخي إن الموسم قد حضر ولا بد للسقاية من أن تقام ، فأسلفني أربعة عشر ألف درهم ، فقال: إني قد أسلفتك عام أول عشرة آلاف درهم ، ورجوتُ ألا يأتي عليك هذا الموسم حتى تؤديها ، فعجزت عنها ، وأنت تطلب العام أكثر منها وترجو زعمت ألا يأتي عليك الموسم حتى تؤديها ، فأنت عنها أعجز اليوم ! هاهنا أمرٌ لك فيه فرج: أدفع إليك هذه الأربعة العشر ألف ، فإن جاء موسم قابل ولم توف حقي الأول وهذا ، فولاية السقاية إليَّ ، فأقوم بها وأكفكيك هذه المؤنة إذْ عجزت عنها ! فأنعم له أبو طالب بذلك ، فقال: ليحضر هذا الأمر بنو فاطمة ولا أريد سائر بني هاشم ، ففعل أبو طالب وأعاره العباس الأربعة عشر الألف بمحضر منهم ورضاً ، فلما كان الموسم العام المقبل لم يكن بد من إقامة السقاية فقال العباس لأبي طالب: قد أفد الحج وليس لدفع حقي إلي وجه ، وأنت لا تقدر أن تقيم السقاية فدعني وولايتها أكفكها وأبريك من حقي ففعل ، فكان العباس بن عبد المطلب يليها وأبو طالب حيٌّ ، ثم تم لهم ذلك إلى اليوم )) .

  أقول: صاحب هذا الكلام محمد بن سلام الجمحي من أتباع المتوكل توفي231 ، ولم يسنده الى أحد حتى الى مجاهد تلميذ ابن عباس ! فالرواية موظفة لإثبات أن العباسيين اشتروا السقاية من أبي طالب الذي أوصى له بها عبد المطلب !

  والذي حدث أنه لما توفي أبو طالب وهاجر النبي (صلى الله عليه وآله) وحمزة وجعفر وعلي ، بقي العباس في مكة فتصدى للسقاية ، ولما فتح النبي (صلى الله عليه وآله) مكة سكت عن السقاية ! بل رووا أنه (صلى الله عليه وآله) كره أن يشرب من سقاية العباس ، لأنه كان يضع عنباً أو زبيباً:((عطش النبي(ص)حول الكعبة فاستسقى ، فأتي بنبيذ من السقاية فشمَّه فَقَطَِّب ! فقال عليَّ بذَنوبٍ من زمزم فصب عليه ثم شرب)). (فتح الباري:10/34 ، والنسائي).

  ولما افتخر العباس على علي وحمزة بالسقاية ، نزل قوله تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لايَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ)) . (الكافي:8/203 ) .

تم تطوير هذا الموقع من أجل تسهيل الإستفادة من مؤلفات ومحاضرات وتسجيلات سماحة الشيخ علي الكوراني العاملي ، ويمكن الإستفادة منها ونشرها مع عدم التغيير المخلّ بالمعنى ، مع ذكر المصدر .. وأما طباعة الكتب والأقراص وغيرها فتحتاج إلى إجازة خاصة .