متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
الفصل الأول : عراقة الشيعة في بغداد
الكتاب : الإمام الكاظم (عليه السلام) سيد بغداد    |    القسم : الكتب والمؤلفات    |    القرآء : 2462

الفصل الأول

عراقة الشيعة في بغداد

1- مسجد براثا قبل بغداد بأكثر من قرن !

   قال الحموي في معجم البلدان:1/362: «براثا: بالثاء المثلثة والقصر: محلة كانت في طرف بغداد في قبلة الكرخ وجنوبي باب محول ، وكان لها جامع مفرد تصلي فيه الشيعة ».

    وفي أمالي الطوسي/199، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: « إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما رجع من وقعة الخوارج اجتاز بالزوراء فقال للناس: إنها الزوراء فسيروا وجَنِّبوا عنها ، فإن الخسف أسرع إليها من الوتد في النخالة ، فلما أتى موضعاً من أرضها قال: ما هذه الأرض؟ قيل أرض بحرا ، فقال: أرض سباخ ، جنبوا ويَمِّنوا . فلما أتى يمنة السواد فإذا هو براهب في صومعة له فقال له: يا راهب ، أنزلُ هاهنا؟فقال له الراهب: لاتنزل هذه الأرض بجيشك. قال: ولمَ ؟ قال: لأنه لا ينزلها إلا نبي أو وصي نبي بجيشه يقاتل في سبيل الله ، هكذا نجد في كتبنا. فقال له أمير المؤمنين: فأنا وصي سيد الأنبياء (ص) وسيد الأوصياء . فقال له الراهب: فأنت إذن أصلع قريش ووصي محمد؟ قال له أمير المؤمنين: أنا ذلك .

   فنزل الراهب إليه فقال: خذ عليَّ شرائع الإسلام ، إني وجدت في الإنجيل نعتك ، وأنك تنزل أرض براثا بيت مريم وأرض عيسى (عليه السلام) !

   فقال أمير المؤمنين  (عليه السلام) : قف ولا تخبرنا بشئ ، ثم أتى موضعاً فقال: إلكزوا هذه ، فلكزه برجله (عليه السلام) فانبجست عين خرارة ، فقال: هذه عين مريم التي انبعثت لها ! ثم قال: إكشفوا هاهنا على سبعة عشر ذراعاً ، فكشف فإذا بصخرة بيضاء فقال علي (عليه السلام) : على هذه وضعت مريم عيسى من عاتقها وصلت هاهنا؟

   فنصب أمير المؤمنين (عليه السلام) الصخرة وصلى إليها ، وأقام هناك أربعة أيام يتم الصلاة ، وجعل الحرم في خيمة من الموضع على دعوة (مسافة قريبة) ثم قال:أرض براثا ، هذا بيت مريم (عليها السلام) هذا الموضع المقدس صلى فيه الأنبياء (عليهم السلام) » !

    وفي من لايحضره الفقيه:1/232: «وأما مسجد براثا ببغداد ، فصلى فيه أمير المؤمنين  (عليه السلام) لما رجع من قتال أهل النهروان ».

    وفي تهذيب الأحكام:3/264، أن الراهب قال: «إنما بنيت هذه الصومعة من أجل هذا الموضع وهو براثا ، وقرأت في الكتب المنزلة أنه لا يصلي في هذا الموضع بذا الجمع إلا نبي أو وصي نبي ، وقد جئت أن أسلم ، فأسلم فخرج معنا إلى الكوفة فقال له علي  (عليه السلام) : فمن صلى هاهنا ؟ قال : صلى عيسى بن مريم وأمه. فقال له علي  (عليه السلام) : أفأفيدك من صلى هاهنا ؟ قال: نعم قال : الخليل  (عليه السلام) ».

   وفي مناقب آل أبي طالب:2/100: «قال أمير المؤمنين : فاجلس يا حباب ، قال: وهذه دلالة أخرى ، ثم قال: فانزل يا حباب من هذه الصومعة وابن هذا الدير مسجداً ، فبنى حباب الدير مسجداً ، ولحق أمير المؤمنين (عليه السلام)  إلى الكوفة ، فلم يزل بها مقيماً حتى قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) فعاد حباب إلى مسجده ببراثا.

   وفي رواية أن الراهب قال: قرأت أنه يصلي في هذا الموضع إيليا ، وصي البارقليطا محمد نبي الأميين ، الخاتم لمن سبقه من أنبياء الله ورسله (عليهم السلام) ، في كلام كثير ، فمن أدركه فليتبع النور الذي جاء به ».

    وفي عيون المعجزات/2: « لما رجع أمير المؤمنين  (عليه السلام) من قتال أهل النهروان أخذ على النهروانات وأعمال العراق ، ولم يكن يومئذ بنيت بغداد..الخ. » .

   وفي اليقين لابن طاووس/421: «فقال له أمير المؤمنين  (عليه السلام) : وأين تأوي؟ فقال: أكون في قلاية(صومعة) لي هاهنا . فقال له أمير المؤمنين  (عليه السلام) : بعد يومك هذا لا تسكن فيها ، ولكن ابن هاهنا مسجداً وسمه باسم بانيه فبناه رجل اسمه براثا ، فسمي المسجد ببراثا باسم الباني له . ثم قال: ومن أين تشرب يا حباب ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ، من دجلة هاهنا. قال: فلم لاتحفر هاهنا عيناً أو بئراً ؟فقال له: يا أمير المؤمنين ، كلما حفرنا بئراً وجدناها مالحة غير عذبة ! فقال له أمير المؤمنين  (عليه السلام) : إحفر هاهنا بئراً فحفر فخرجت عليهم صخرة لم يستطيعوا قلعها . فقلعها أمير المؤمنين فانقلعت عن عين أحلى من الشهد وألذ من الزبد ، فقال له: يا حباب ، يكون شربك من هذه العين . أما إنه يا حباب ستبني إلى جنب مسجدك هذا مدينة وتكثر الجبابرة فيها ويعظم البلاء » .

   أقول: دل هذا الحديث وغيره على أن إبراهيم (عليه السلام) صلى في موضع براثا ، واشترى أرض كربلاء وسماها كربلاء . وعلى أن مريم (عليها السلام) عاشت سنوات من تشريدها مع ابنها عيسى (عليه السلام) في العراق ، ويفهم من روايات سيرتها (عليها السلام) أن اليهود والرومان ضايقوها فاضطرت الى الهجرة وبقيت مع ابنها في الشام ومصر والعراق نحو ثلاثين سنة، ثم أمر الله عيسى (عليه السلام) فرجع الى القدس ودعا الناس حتى حاولوا قتله فرفعه الله تعالى . 

2- مقبرة براثا 

    في كامل الزيارات/546 ، بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إن إلى جانبكم مقبرة يقال لها: براثا ، يحشر منها عشرون ومائة ألف شهيد كشهداء بدر » .

   وفي تاريخ بغداد:1/134: «وبنواحي الكرخ مقابر عدة ، منها مقبرة باب الكناس مما يلي براثا ، دفن فيها جماعة من كبراء أصحاب الحديث ».

3- كان سكان الكرخ شيعة قبل تأسيس بغداد 

   كانت الكرخ قرية عامرة قبل تأسيس بغداد وكان فيها شيعة ، ففي بصائر الدرجات/355 ، أن الإمام الصادق (عليه السلام) سأل إبراهيم الكرخي: « يا إبراهيم أين تنزل من الكرخ؟قلت: في موضع يقال له شادروان، قال فقال لي: تعرف قَطَفْتَا؟ قال: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) حين أتى أهل النهروان نزل قطفتا ، فاجتمع إليه أهل بادرويا ، فشكوا إليه ثقل خراجهم وكلموه بالنبطية ، وأن لهم جيراناً أوسع أرضاً وأقل خراجاً ، فأجابهم بالنبطية: (وغرزطا من عود يا) قال فمعناه: رب رجز صغير خير من رجز كبير». ومعنى الرجز هنا السهم من الأرض .

   وتدل النصوص على أن قطفتا وبادرويا وشادروان والكرخ ، كانت قرى كبيرة عامرة ، وعبر عن بعضها بمدينة . وترجمت المصادر الرجالية لعدد من الكرخيين في أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) غير إبراهيم المذكور ، وفيهم علماء مؤلفون .

    وفي الكافي:5 /141، و268، عن إبراهيم الكرخي قال : سألت أبا عبد الله  (عليه السلام)  عن الرجل تكون له الضيعة الكبيرة فإذا كان يوم المهرجان أو النيروز أهدوا إليه الشئ ليس هو عليهم يتقربون بذلك إليه...قلت لأبي عبد الله  (عليه السلام)  : أشارك العلج فيكون من عندي الأرض والبذر والبقر ويكون على العلج القيام والسقي والعمل في الزرع حتى يصير حنطة وشعيراً وتكون القسمة ، فيأخذ السلطان حقه ويبقى ما بقي على أن للعلج منه الثلث ولي الباقي، قال: لا بأس بذلك ».

    وذكرفي الكافي:3/529 ، خالد بن الحجاج الكرخي ، روى عن الصادق (عليه السلام) .

   وقال الحموي في معجم البلدان:4/448: « والأشعار في الكرخ كثيرة جداً ، وكانت الكرخ أولاً في وسط بغداد والمحال حولها ، فأما الآن فهي محلة وحدها مفردة في وسط الخراب وحولها محال..وأهل الكرخ كلهم شيعة إمامية ،لا يوجد فيهم سني البتة » .

4- معروف الكرخي ليس من كرخ بغداد

    قال الحموي في معجم البلدان:4/449:  «كرخ جُدَّان: بضم الجيم ، وسمعت بعضهم يفتحها والضم أشهر والدال مشددة وآخره نون . زعم بعض أهل الحديث أن كرخ باجدا وكرخ جدان واحد ، وليس بصحيح ، فأما باجدا فهو كرخ سامرا ، وأما كرخ جدان فإنه بليدة في آخر ولاية العراق يُنَاوح خانقين عن بعد ، وهو الحد بين ولاية شهرزور والعراق ، وإلى هذا الكرخ ينسب الشيخ معروف الكرخي بن الفيرزان أبو محفوظ ، وأخوه عيسى بن الفيرزان  ».

    وفي الأنساب للسمعاني:5/50 : «هذه النسبة إلى عدة مواضع اسمها الكرخ... ومنها إلى كرخ باجدا ، قرية بنواحي العراق منها معروف بن الفيرزان الكرخي أبو محفوظ ، المشتهر . وأخوه عيسى بن الفيرزان الكرخي ، حكى عن أخيه معروف... حدثني عنه أبو العلاء الحافظ بأصبهان قال: سمعت خلفاً الكرخي المجهز يقول: نحن من كرخ باجدا ، منها معروف الكرخي ، وبيته معروف يزار إلى اليوم... وكان أحد المجتهدين المشهورين بالزهد والعزوف عن الدنيا ، يغشاه الصالحون ويتبرك بلقائه العارفون . وكان يوصف بأنه مجاب الدعوة ، ويحكى عنه كرامات.. ومات في سنة مائتين» .

5- من تاريخ مظالم الشيعة في بغداد

   تكاثر الشيعة في بغداد ولم تمنعهم عداوة المنصور العباسي من ذلك ، وعمرت بغداد بسرعة وسكنها علماء وشخصيات ، وكان ثقل الشيعة في الكرخ التي اتسعت وصارت محلة كبيرة من بغداد حتى اتصلت ببراثا ، وصار مسجد براثا مركزاً علمياً وعبادياً واجتماعياً للشيعة ، ومَعْلَماً من معالم بغداد .

   ولم تسلم براثا من حملات المتعصبين فكان فيها وفي الكرخ أحداث، رواها المؤرخون.

   قال السيد محمد الكثيري في كتابه: السلفية بين أهل السنة والإمامية/619، ما خلاصته: «يقول ابن كثير في حوادث سنة354: ثم تسلطت أهل السنة (الحنابلة) على الروافض فكبسوا مسجدهم براثا الذي هو عش الروافض، وقتلوا بعض من كان فيه من القومة! وفيها أحرق الكرخ ببغداد فألقي في دورهم النار فاحترقت طائفة كثيرة من الدور والأموال، من ذلك ثلاث مائة دكان وثلاثة وثلاثون مسجداً ، وسبعة عشر ألف إنسان ! وعند ابن خلدون عشرون ألف إنسان !

   أنظر لهذه الهمجية اللاإنسانية واللادينية !

  مثال آخر لإهدار الدم الشيعي المسلم: فقد ذكر ابن الأثير في حوادث سنة363: ثارت العامة من أهل السنة ينصرون سبكتكين لأنه كان يتسنن ، فخلع عليهم وجعل لهم العرفاء والقواد ، فثاروا بالشيعة ، وحاربوهم وسفكت بينهم الدماء وأحرقت الكرخ حريقاً ثانياً ، وظهرت السنة عليهم .

   ويقول ابن كثير في حوادث سنة375: فيها في عاشوراء عملت البدعة الشنعاء على عادة الروافض ، ووقعت فتنة عظيمة ببغداد بين أهل السنة (الحنابلة) والرافضة ، وكلا الفريقين قليل عقل أو عديمه بعيد عن السداد. وذلك أن جماعة من أهل السنة أركبوا امرأة وسموها عائشة ، وتسمى بعضهم بطلحة وبعضهم بالزبير وقالوا: نقاتل أصحاب علي! فقتل من الفريقين خلق كثير !

   وفي سنة389: أرادت الشيعة أن يصنعوا ما كانوا يصنعونه من الزينة يوم غدير خم ، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة ، فقاتلهم جهلة آخرون من المنتسبين إلى السنة فادعوا أنه في مثل هذا اليوم حصر النبي (ص) وأبو بكر في الغار .

   وفي هذا السياق نفسه يقول ابن كثير في حوادث سنة389: ولما كانت الشيعة يصنعون في يوم عاشوراء مأتماً يظهرون فيه الحزن على الحسين بن علي ، قابلتهم طائفة أخرى من جهلة السنة فادعوا إن في اليوم الثاني عشر من المحرم قتل مصعب بن الزبير ، فعملوا له مأتماً كما تعمل الشيعة للحسين !

  إن النصوص التاريخية التي وصفت الفتن لا تترك مجالاً لأي قارئ أو باحث ، أن يشك في أن الحنابلة كانوا هم السابقين دائماً لإثارة الفتن والتهجم على الشيعة يراقبونهم ويتتبعون جميع تصرفاتهم وعبادتهم ! فأي فعل أو قول يخالف المذهب الحشوي يعني الإبتداع والكفر، ومن ثَم الهجوم فالقتل» ! انتهى.

   ومما يؤيد كلام الكثيري أن فتنة الحنابلة المجسمة كانت مع غير الشيعة أيضاً كالطبري الفقيه المؤرخ ، فقد هاجموا داره ورجموه ، ولما مات منعوا دفنه في مقابر المسلمين ، (معجم الأدباء:9/57).كما أخرجوا ابن حبان من سجستان لأنه أنكر أن يكون الله تعالى محدوداً ! قال السبكي: من أحق بالإخراج: مَن يجعل ربه محدوداً  أو من ينزهه عن الجسمية ؟!» ( المجروحين لابن حبان ، والعقائد الإسلامية:2/265).

    وهاجموا أئمة المذاهب في المدرسة النظامية ، قال ابن كثير في النهاية(12/143): «ثم دخلت سنة سبعين وأربع مائة...وفي شوال منها وقعت فتنة بين الحنابلة وبين فقهاء النظامية ، وحمي لكل من الفريقين طائفة من العوام ، وقتل بينهم نحو من عشرين قتيلاً ، وجرح آخرون » !

    وفي النجوم الزاهرة:5/59: « سنة ثمان وأربعين وأربع مائة. أقيم الأذان في مشهد موسى بن جعفر ومساجد الكرخ ، بالصلاة خير من النوم ، على رغم أنف الشيعة! وأزيل ما كانوا يقولونه في الأذان من حي على خير العمل ».

   وفي تاريخ الذهبي:30/9: «سنة ثلاث وأربعين وأربع مائة ، فلما كان في ربيع الآخر خطب (وزير الخليفة) بجامع براثا مأوى الشيعة ، وأسقط من الأذان حي على خير العمل ، ودق الخطيب المنبر بالسيف ، وذكر في خطبته العباس ».

    هذا ، وقد وصف ابن كثير سيطرة السلاجقة على بغداد ، وفرضهم مذهبهم ، ومصادرتهم الحرية المذهبية التي كانت زمن الدولة البويهية الشيعية ! فقال في النهاية:12/86: «وفيها أُلْزِمَ الروافض بترك الأذان بحي على خير العمل، وأمروا أن ينادي مؤذنهم في أذان الصبح بعد حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين، وأزيل ما كان على أبواب مساجدهم من كتابة: محمد وعلي خير البشر ، ودخل المنشدون من باب البصرة إلى باب الكرخ ينشدون بالقصائد التي فيها مدح الصحابة ! وذلك أن نَوْءَ الرافضة اضمحل لأن بني بُويَهْ كانوا حكاماً وكانوا يقوونهم وينصرونهم ، فزالوا وبادوا وذهبت دولتهم  وجاء بعدهم قوم آخرون من الأتراك السلجوقية الذين يحبون أهل السنة ويوالونهم ويرفعون قدرهم ، والله المحمود أبداً على طول المدى . وأمر رئيس الرؤساء الوالي بقتل أبي عبد الله بن الجلاب شيخ الروافض، لما كان يتظاهر به من الرفض والغلو فيه، فقتل على باب دكانه ، وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره»! انتهى.

    وهكذا يحمدون الله على توفيقهم لظلم الناس ، وإكراهم على الأذان والعبادة على مذهبهم ، ويفتخرون بقتل أحد علماء الشيعة وصلبه على باب دكانه، واضطرار مرجع الشيعة الى الهرب من بغداد الى النجف ! وقد تأسفوا لأنهم لم يستطيعوا قتله ، لكنهم نهبوا داره ومكتبته !

   وفي مقابل هذا القمع الحنبلي لم يسجِّل الرواة أن الشيعة أجبروا أحداً على صلاتهم ومذهبهم، أو قتلوا علماء السنة عندما كانت لهم كلمة ، كما في دولة البويهيين ، ودولة الخليفة الناصر العباسي الشيعي ، ودولة السلاطين المغول الشيعة، بل احترموا علماء المذاهب وعامتهم ! وبهذا صح قول ابن الصيفي:

فحسبكمُ هذا التفاوتُ بيننا**** وكل إناءٍ بالذي فيه يَنْضَحُ .

6- من العوائل الشيعية في بغداد 

   آل يقطين: في رجال النجاشي/273: «علي بن يقطين بن موسى البغدادي ، سكنها وهو كوفي الأصل ، مولى بني أسد ، أبو الحسن ، و كان أبوه يقطين بن موسى داعية (للعباسيين) طلبه مروان (الحمار) فهرب .وولد علي بالكوفة سنة أربع وعشرين ومائة ، وكانت أمه هربت به وبأخيه عبيد إلى المدينة حتى ظهرت الدولة رجعت . مات سنة اثنتين وثمانين ومائة في أيام موسى بن جعفر (عليه السلام) ».

   وفي فهرست ابن النديم/279: «وهربت أم علي به وبأخيه عبيد بن يقطين إلى المدينة فلما ظهرت الدولة الهاشمية ظهر يقطين وعادت أم على بعلي وعبيد . فلم يزل يقطين في خدمة أبي العباس وأبي جعفر (المنصور) ومع ذلك يرى رأى آل أبي طالب ويقول بإمامتهم ، وكذلك ولده. وكان يحمل الأموال إلى جعفر بن محمد بن علي والألطاف ، ونمَّ خبره إلى المنصور والمهدي فصرف الله عنهم كيدهما . وتوفي علي بن يقطين بمدينة السلام سنة اثنتين وثمانين ومائة ، وسِنُّهُ سبع وخمسون سنة ، وصلى عليه ولي العهد محمد بن الرشيد . وتوفي أبوه بعده في سنة خمس وثمانين ومائة . ولعلي بن يقطين ، كتاب ما سئل عنه الصادق من أمور الملاحم . كتاب مناظرته للشاك بحضرة جعفر » .

   وفي ذيل تاريخ بغداد:4/202: «وكانت له وصلة بعيال جعفر بن محمد الصادق ، فأتت منزله بابنيها ، فاستدنى جعفر علياً وأقعده على حجره ومسح على رأسه . فلما ظهر بنو العباس ظهر يقطين وعادت أم علي بعلي وعبيد...ولما نقل المهدي إلى الرصافة صُيِّرَ في حجر يقطين ، فنشأ المهدي وعلي بن يقطين كأنهما أخوان ، فلما أفضت الخلافة إلى المهدي استوزر علي بن يقطين وقدمه ، وجعله على ديوان الزمام وديوان البسر والخاتم ، فلم يزل في يده حتى توفى المهدي وأفضى الأمر إلى الهادي ، فأقره على وزارته ولم يشرك معه أحداً من أمره ، إلى أن توفي الهادي وصار الأمر إلى الرشيد فأقره شهراً ، ثم صرفه بيحيى بن خالد البرمكي ».

   وقال العلامة في الخلاصة/174: «علي بن يقطين بن موسى البغدادي ، سكن بغداد وهو كوفي الأصل ، روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) حديثاً واحداً ، وروى عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) فأكثر ، وكان ثقة جليل القدر ، له منزلة عظيمة عند أبي الحسن (عليه السلام) ، عظيم المكان في هذه الطائفة . قال أبو عمرو الكشي: علي بن يقطين مولى بني أسد وكان يبيع الأبزار وهي التوابل ، ومات في زمن أبي الحسن موسى وأبو الحسن (عليه السلام) محبوس سنة ثمانين ومائة...عن داود الرقي قال: دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) يوم النحر فقال مبتدئاً: ما عرض في قلبي أحد وأنا في الموقف إلا علي بن يقطين ، فإنه ما زال معي وما فارقني حتى أفضت »!

   وقال السيد الخوئي في المعجم: 13/242، ملخصاً: « علي بن يقطين (رحمه الله)  ثقة جليل القدر ، له منزلة عظيمة عند أبي الحسن موسى (عليه السلام) عظيم المكانة في الطائفة...

   ولعلي بن يقطين رضي الله عنه كتب منها : كتاب ما سأل عنه الصادق (عليه السلام) من الملاحم ، وكتاب مناظرة الشاك بحضرته (عليه السلام) ، وله مسائل عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام)  أخبرنا بكتبه ومسائله ، الشيخ المفيد (رحمه الله) والحسين بن عبيد الله...

وعده ابن شهرآشوب من خواص أصحاب الكاظم (عليه السلام) .

   سمعت مشايخ أهل بيتي يحكون أن علياً وعبيداً ابني يقطين ، أدخلا على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: قربوا مني صاحب الذؤابتين وكان علياً ، فقرب إليه فضمه إليه ودعا له بالخير .

   لما قدم أبو إبراهيم موسى بن جعفر (عليه السلام) العراق ، قال له علي بن يقطين: أما ترى حالي وما أنا فيه؟ فقال: يا علي إن لله تعالى أولياء مع أولياء الظلمة ليدفع بهم عن أوليائه وأنت منهم يا علي !

   قال أبو الحسن (عليه السلام)  لعلي بن يقطين: إضمن لي خصلة أضمن لك ثلاثاً ، فقال علي: جعلت فداك ، وما الخصلة التي أضمنها لك وما الثلاث اللواتي تضمنهن لي ؟ قال: فقال أبو الحسن (عليه السلام) : الثلاث اللواتي أضمنهن لك أن لا يصيبك حر الحديد أبداً بقتل ، ولا فاقة ، ولا سقف سجن ، قال: فقال علي: وما الخصلة التي أضمنها لك؟ قال : فقال: يا علي ، وأما الخصلة التي تضمن لي أن لا يأتيك ولي أبداً إلا أكرمته ، قال: فضمن له علي الخصلة وضمن له أبو الحسن الثلاث .

   وقال أبو الحسن (عليه السلام) : إن لله مع كل طاغية وزيراً من أوليائه يدفع به عنهم ».

   آل نوبخت: كان المنصور عاملاً لابن المهلب على خراج بليدة في الأهواز كما ذكر الذهبي ، فكسر الخراج أي سرقه ، فحبسه ابن المهلب ! وتعرَّف في السجن على نوبخت المنجم جد آل نوبخت البغداديين.(تاريخ بغداد:10/53).

   وفي تاريخ بغداد:10/56 ، وتاريخ دمشق:32/53، وسير الذهبي:7/88 ، أن نوبخت أخبر المنصور بأنه سيحكم بلاد المسلمين ، فاستبشر المنصور بذلك وكتب له: «بسم الله الرحمن الرحيم ، يا نوبخت إذا فتح الله على المسلمين وكفاهم مؤونة الظالمين ورد الحق إلى أهله ، لم نغفل ما يجب من حق خدمتك إيانا . وكتب أبو جعفر . قال نوبخت: فلما ولي الخلافة صرت إليه فأخرجت الكتاب ، فقال: أنا له ذاكر ولك متوقع ، فالحمد لله الذي صدق وعده وحقق الظن.

   وجعله المنصور منجمه الخاص بمرتبة وزرائه ، وأقطعه محلة النوبختية ببغداد ، وهي منطقة سوق الشورجة . وكان منهم وزراء وعلماء وأطباء ومنجمون ومترجمون الى العربية : «وفي القرنين الثالث والرابع كان لكثير من النوبختية الشيعة نفوذ كبير في الدولة العباسية، منهم: الحسين بن علي بن العباس ، الذي كان يتولى الكتابة للأمير أبي بكر محمد بن رائق ، وكان في مرتبة الوزراء ببغداد ، مدبر الأمور حاكماً على الدولة . وقال الذهبي في علي بن عباس النوبختي: رئيس ولي وكالة المقتدر توفي324.  (مجلة تراثنا:55/211).

    وفي هامش الذريعة:1/69: « آل نوبخت بيت جليل من متكلمي الإمامية، جدهم نوبخت كان من الفرس ومن أفاضل المنجمين صاحب المنصور الدوانيقي ، وقام مقامه ولده الذي غير المنصور اسمه وسماه بأبي سهل ، وكان الفضل بن أبي سهل هذا صاحب التصانيف وخازن كتب دار الحكمة للرشيد ، وقام مقامه ولده إسحاق بن الفضل ، وله ولدان إبراهيم بن إسحاق صاحب الياقوت وعلي بن إسحاق الذي ذكر في رجال الشيخ أنه من أصحاب الرضاوالجواد وبقي إلى عصر الهادي (عليهم السلام)  .

   وأما إسماعيل بن علي صاحب إبطال القياس ، فقد صنف في فنون العلوم أكثر من ثلثين كتاباً ذكرها ابن النديم . وقال النجاشي إنه شيخ المتكلمين من أصحابنا لقي العسكري (عليه السلام) وروى عنه وحضر وفاته سنة260،  وهو خال الحسن بن موسى النوبختي صاحب الفرق والمطبوع غير مرة ، وتخرج عليه جماعات كأبي الجيش المظفر بن محمد البلخي وأبي الحسن الناشي والحمدوني والسوسنجردي وغيرهم .وهو الذي أظهر كذب الحسين بن منصور الحلاج ومحمد بن علي الشلمغاني ».

   وقد نبغ من آل نوبخت علماء كبار وأولياء ، وكان منهم ولي الله أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي (قدس سره) السفير الثالث للإمام المهدي صلوات الله عليه ، وستأتي ترجمته. (راجع في بني نوبخت: فهرست ابن النديم/225و333، والشيعة وفنون الإسلام/68 ، وتهذيب المقال:2/195، وأعيان الشيعة:2/93).

   آل فرات ، وهم من العوائل المعروفة البارزة في بغداد  وكان منهم رئيس وزراء وكذا الباقطانيون ، وكذا آل بسطام الجعفيين ويقال لهم بنو سبرة ، وكذا آل حمدان التغلبيين أمراء الموصل وحلب ، وكان بعضهم في بغداد ، ثم آل مقلة  ، ومنهم الخطاط المشهور علي بن مقلة ، الذي طور الخط العربي .

   وفي نشوار المحاضرة/1066، دافع الوزير ابن الفرات عن إعطائه مناصب كبيرة للشيعة بأنهم أكفأ من غيرهم ، قال: «يتمعضني الناس بتعطيلي مشايخ الكتاب وتفريقي الأعمال على آل بسطام وآل نوبخت ، والله لولا أنه لا يحسن تعطيل نفر من العمال وقد قلدتهم ، لما استعملت في الدنيا إلا آل نوبخت دون غيرهم . قال أبو الحسين: وإنما كان يتعصب لآل بسطام لرياسة أبي العباس عليه وللمذهب ، ويتعصب لآل نوبخت للمذهب ».

7- المراسم الدينية عند الشيعة في بغداد

   تكاثر الوجود الشيعي في بغداد مع سرعة عمرانها ، فسكن فيها كثير من شيعة الكوفة والمدينة وبلاد الشام وإيران ، ولم يمض قرن من الزمان حتى صاروا مع الشيعة السابقين جمهوراً واسعاً ، وبرزت منهم شخصيات علمية وسياسية .

   وكانت أهم مواسمهم الدينية زيارة الإمام موسى الكاظم والجواد (عليها السلام) في بغداد وزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء . وكانوا يقيمون مراسم عاشوراء في محلاتهم فيعطلون أسواقهم ويرفعون أعلام السواد ، ويعقدون مجالس التعزية ، ينشدون فيها الشعر ويقرؤون فيها سيرة الحسين (عليه السلام) ومقتله .

   وكان ذلك يثير المتعصبين فيعملون لمنع إقامة المآتم والزيارة، ويحركون الحكومة ضدهم لتمنعهم ، فكانت تمنع إقامة مراسم عاشوراء في بعض السنوات فتحدث مصادمات بين الشرطة والشيعة . وكانت أحياناً لا تستجيب للحنابلة فيتصدون هم لمنعها بالقوة ، فتحدث مصادمات بينهم وبين الشيعة !

    وكان مجسمة الحنابلة يكايدون الشيعة ، فيعلنون الفرح في محلاتهم ببغداد يوم عاشوراء ! تقليداً لبني أمية الذين جعلوه عيداً واحتفلوا فيه ، وأفتوا باستحباب توزيع الحلوى والتوسعة على العيال، وأفتوا بصيامه شكراً لله على انتصار يزيد على الحسين (عليه السلام) ووضعوا أحاديث باستحباب الفرح يوم عاشوراء !

   قال العجلوني في كشف الخفاء:2/234: «من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم ترمد عيناه، رواه الحاكم والبيهقي في شعبه والديلمي عن ابن عباس ، رفعه. وقال الحاكم: منكر ، وقال في المقاصد: بل موضوع. وقال في اللآلئ بعد أن رواه عن ابن عباس من طريق الحاكم: حديث منكر ! والإكتحال لايصح فيه أثر فهو بدعة، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، وقال الحاكم أيضاً: الإكتحال يوم عاشوراء لم يرو عن النبي(ص) فيه أثر، وهو بدعة ابتدعها قتلة الحسين رضي الله عنه وقبحهم. نعم رواه في الجامع الصغير بلفظ:من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبداً..وقال ابن رجب في لطائف المعارف: كل ما روى في فضل الإكتحال والإختضاب والإغتسال فيه موضوع لم يصح ».

    ونص أحد فقهاء السنة على أن الفرح بعاشوراء بدعةٌ من يزيد وابن زياد !

   قال البكري الدمياطي في إعانة الطالبين:2/301: «قال العلامة الأجهوري: أما حديث الكحل فقال الحاكم إنه منكر، وقال ابن حجر إنه موضوع، بل قال بعض الحنفية إن الإكتحال يوم عاشوراء لما صار علامةً لبغض آل البيت وجب تركه. قال: وقال العلامة صاحب جمع التعاليق: يكره الكحل يوم عاشوراء ، لأن يزيداً وابن زياد اكتحلا بدم الحسين هذا اليوم ، وقيل بالإثمد ، لتقر عينهما بفعله » !

   فكان حنابلة بغداد المتعصبون ومعهم بعض المسؤولين العباسيين يقلدون بني أمية في الفرح يوم عاشوراء !

   ثم رأى أتباع بني أمية أن عملهم شماتة مفضوحة بآل النبي (ص) فاخترعوا صوم يوم عاشوراء شكراً لله على نجاة بني إسرائيل ليغطوا به على عيد يزيد! ودونوه في صحيح بخاري ومسلم: «كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيداً ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم! فقال رسول الله(ص): فصوموه أنتم» (مسلم:3/150 ، ونحوه بخاري:2/251).

   والى الآن ما زلنا نرى في السعودية صوم الشكر ومظاهر الفرح بإقامة الأعراس في يوم عاشوراء ! وكل ذلك إرثٌ من بني أمية ومجسمة حنابلة بغداد !

 

   وقد سجل المؤرخون حدوث اضطرابات سنوية في بغداد بسبب اعتداء  الحنابلة أو السلطة على الشيعة لمنعهم من إقامة مراسم عاشوراء ، أو منعهم من زيارة الإمامين الكاظم والجواد (عليها السلام) في بغداد ، والحسين (عليه السلام) في كربلاء .

   قال الذهبي في تاريخه:26/17: « أحداث سنة أربع وخمسين وثلاث مائة: فيها عمل يوم عاشوراء ببغداد مأتم الحسين كالعام الماضي » .

   وقال في حوادث سنة355: « أقيم المأتم يوم عاشوراء ببغداد على العادة ».

   وقال في حوادث 382: « فمنع أهل الكرخ وباب الطاق من النوح يوم عاشوراء ومن تعليق المسوح (شعارات السواد ) ، كان كذلك يعمل من نحو ثلاثين سنة ».

   « في عاشوراء أغلق أهل الكرخ أسواقهم ، وعلقوا عليها المسوح وناحوا ، وذلك لأن السلطان انحدر عنهم فوقع القتال بينهم وبين السنة ثم أنزل المسوح  وقتل جماعة». (تاريخ الذهبي:29/5).

   «تقدم إلى أهل الكرخ أن لا يعملوا مأتماً يوم عاشوراء فأخلفوا ، وجرى بين أهل السنة والشيعة مازاد على الحد من القتل والجراحات ».( تاريخ الذهبي:30 /5).

   «وفي يوم عاشوراء أغلق أهل الكرخ الدكاكين وعلقوا المسوح ، وأقاموا المأتم على الحسين ، وجددوا ما بطل من مدة . فقامت عليهم السنة ، وخرج مرسوم الخليفة بإبطال ذلك ، وحبس جماعة مدة أيام ».( تاريخ الذهبي:30/291).

   وقال في الكامل في حوادث سنة358: «وفيها عمل أهل باب البصرة يوم السادس والعشرين من ذي الحجة زينة عظيمة وفرحاً كثيراً ، وكذلك عملوا ثامن عشر المحرم مثل ما يعمل الشيعة في عاشوراء ، وسبب ذلك أن الشيعة بالكرخ كانوا ينصبون القباب وتعلق الثياب للزينة اليوم الثامن عشر من ذي الحجة ، وهو يوم الغدير ، وكانوا يعملون يوم عاشوراء من المأتم والنوح وإظهار الحزن ما هو مشهور ، فعمل أهل باب البصرة في مقابل ذلك بعد يوم الغدير بثمانية أيام مثلهم، وقالوا هو يوم دخل النبي(ص) وأبو بكر الغار ، وعملوا بعدة عاشورا بثمانية أيام مثل ما يعملون يوم عاشوراء، وقالوا هو يوم قتل مصعب بن الزبير ».

   وفي تاريخ الذهبي:39/5: «ظهر في أيام عاشوراء من الرفض ببغداد أمر عظيم حتى سبوا الصحابة ، وكانوا في الكرخ إذا رأوا مكحلاً ضربوه ».

   ولم يذكر الذهبي أن المكحلين والمخضبين كانوا من مجسمة الحنابلة يأتون الى أحياء الشيعة  للتحدي، فقد روى الصفدي في الوافي (11/300) قول أبي الحسين الجزار:

«ويعود عاشوراء يذكرني**** رزء الحسين فليت لم يعدِ

فليتَ عيناً فيه قد كُحلتْ****بمسَرَّةٍ لم تَخْلُ من رمدِ

ويداً به لشماتةٍ خُضِبَتْ ****مقطوعةً من زندها بيدي»

    ثم أخذت السلطة تستدعي علماء سنيين معتدلين للخطابة في بغداد ، ليجمعوا الشيعة والسنة على حب أهل البيت (عليهم السلام) والترضي على أبي بكر وعمر، وقد سجل المؤرخون خبر مجالس ابن الجوزي الكبيرة، الذي كان يروي فيها مناقب أهل البيت (عليهم السلام) ويترضى عن الشيخين وعن الإمام الحسين (عليه السلام) ويلعن يزيد ومن شاركه في قتل الحسين (عليه السلام) ، وقد ألف كتاباً في جواز لعن يزيد.

   قال ابن الجوزي عن سنة568: « جلست يوم عاشوراء بجامع المنصور ، فحضر من الجمع ما حزر بمائة ألف » (تاريخ الذهبي:39/43) . وقال: «تقدم إليَّ بالجلوس تحت المنظرة ، فتكلمت في ثالث المحرم والخليفة حاضر ، وكان يوماً مشهوداً . ثم تقدم إليَّ بالجلوس يوم عاشوراء فكان الزحام شديداً زائداً على الحد ، وحضر أمير المؤمنين » . (تاريخ الذهبي:40/5) .

   ولم تعجب هذه المجالس الذهبي فقال في تاريخه (41/368) عن أحمد بن إسماعيل بن يوسف القزويني ، إمام الشافعية: « قال ابن النجار: كان رئيس أصحاب الشافعي وكان إماماً في المذهب والخلاف والأصول والتفسير والوعظ... وكان يجلس بالنظامية وبجامع القصر ويحضر مجلسه أمم.. ولما ظهر التشيع في زمان ابن الصاحب التمس العامة منه يوم عاشوراء على المنبر أن يلعن يزيد فامتنع ، ووثبوا عليه بالقتل مرات فلم يُرَعْ ولا زلَّ له لسان ولا قدم وخلص سليماً.وفي أيام مجد الدين بن الصاحب صارت بغداد كالكرخ وجماعة من الحنابلة تشيعوا ، حتى أن ابن الجوزي صار يسجع ويلغز إلا رضي الدين القزويني فإنه تصلب في دينه وتشدد»    

    يقصد الذهبي أن ابن الجوزي مال الى الشيعة ، ولايصح قوله ، بل كان ابن الجوزي يعتقد بجواز لعن يزيد ، وألف كتاباً في ذلك .

    وفي النهاية لابن كثير:12/33: «وفيها (سنة420) ورد كتاب من محمود بن سبكتكين أنه أحلَّ بطائفة من أهل الري من الباطنية والروافض قتلاً ذريعاً وصلباً شنيعاً ، وأنه انتهب أموال رئيسهم رستم بن علي الديلمي ، فحصل منها ما يقارب ألف ألف دينار.. وفي هذا اليوم جمع القضاة والعلماء في دار الخلافة ، وقرئ عليهم كتاب جمعه القادر بالله ، فيه مواعظ وتفاصيل مذاهب أهل البصرة ، وفيه الرد على أهل البدع ، وتفسيق من قال بخلق القرآن...

   وفي يوم الإثنين غرة ذي القعدة جمعوا أيضاً كلهم ، وقرئ عليهم كتاب آخر طويل يتضمن بيان السنة والرد على أهل البدع... وذكر فضائل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ، ولم يفرغوا منه إلا بعد العتمة ، وأخذت خطوطهم بموافقة ما سمعوه . وعزل خطباء الشيعة وولى خطباء السنة ، ولله الحمد والمنة على ذلك وغيره . وجرت فتنة بمسجد براثا وضربوا الخطيب السني بالآجر ، حتى كسروا أنفه وخلعوا كتفه ، فانتصر لهم الخليفة وأهان الشيعة وأذلهم » !

     وقال ابن خلدون(4/477): «كانت مدينة بغداد قد احتفلت في كثرة العمران بما لم تنته إليه مدينة في العالم منذ مبدأ الخليقة فيما علمناه ... وربما حدثت الفتن من أهل المذاهب ومن أهل السنة والشيعة ، من الخلاف في الإمامة ومذاهبها ، وبين الحنابلة والشافعية وغيرهم ، من تصريح الحنابلة بالتشبيه في الذات والصفات ونسبتهم ذلك إلى الإمام أحمد وحاشاه منه ، فيقع الجدال والنكير ، ثم يفضي إلى الفتنة بين العوام ، وتكرر ذلك منذ حُجِر الخلفاء .

   ولم يقدر بنو بُويَهْ ولا السلجوقية على حسم ذلك منها، لسكنى أولئك(البويهيين) بفارس وهؤلاء (السلاجقة)بأصبهان ، وبعدهم عن بغداد ، وإنما تكون ببغداد شحنة( حامية عسكرية) تحسم ما خف من العلل ، ما لم ينته إلى عموم الفتنة ». 

8- منعت السلطة زيارة مشهد الكاظمين والحسين (عليهم السلام)

   شملت تعديات السلطة ومجسمة الحنابلة زوار الإمامين الكاظمين والإمام الحسين (عليهما السلام) ، ففي الكافي (1/525): «خرج نهي عن زيارة مقابر قريش والحاير ، فلما كان بعد أشهر دعا الوزير الباقطائي فقال له: إلق بني الفرات والبرسيين وقل لهم: لا يزوروا مقابر قريش فقد أمر الخليفة أن يتفقد كل من زار فيقبض عليه » .

   ولم يكتف الخليفة بمنع الشيعة من زيارة قبر الحسين (عليه السلام) بل أراد هدمه!

   ففي أمالي الشيخ الطوسي/328: «بلغ المتوكل جعفر بن المعتصم (المتوكل) أن أهل السواد يجتمعون بأرض نينوى لزيارة قبر الحسين (عليه السلام) فيصير إلى قبره منهم خلق كثير ، فأنفذ قائداً من قواده وضم إليه كتفاً من الجند كثيراً ليشعب قبر الحسين ويمنع الناس من زيارته والإجتماع إلى قبره (عليه السلام)  . فخرج القائد إلى الطف وعمل بما أمر ، وذلك في سنة سبع وثلاثين ومائتين ، فثار أهل السواد به واجتمعوا عليه وقالوا: لو قتلنا عن آخرنا لما أمسك من بقي منا عن زيارته ، ورأوا من الدلائل ما حملهم على ما صنعوا ، فكتب بالأمر إلى الحضرة فورد كتاب المتوكل إلى القائد بالكف عنهم والمسير إلى الكوفة مظهراً أن مسيره إليها في مصالح أهلها والإنكفاء إلى المصر! فمضى الأمر على ذلك حتى كانت سنة سبع وأربعين ، فبلغ المتوكل أيضاً مصير الناس من أهل السواد والكوفة إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين وأنه قد كثر جمعهم كذلك وصار لهم سوق كبير ، فأنفذ قائداً في جمع كثير من الجند ، وأمر منادياً ينادي ببراءة الذمة ممن زار قبر الحسين ، ونبش القبر وحرث أرضه وانقطع الناس عن الزيارة ، وعمل على تتبع آل أبي طالب والشيعة رضي الله عنهم ، فقتل ولم يتم له ما قَدَّر ».

   وفي أمالي الطوسي/327: «قال: حدثني أبو برزة الفضل بن محمد بن عبد الحميد قال: دخلت على إبراهيم الديزج وكنت جاره ، أعوده في مرضه الذي مات فيه فوجدته بحال سوء ، وإذا هو كالمدهوش وعنده الطبيب ، فسألته عن حاله وكانت بيني وبينه خلطة وأنس يوجب الثقة بي والإنبساط إليَّ ، فكاتمني حاله وأشار لي إلى الطبيب ، فشعر الطبيب بإشارته ولم يعرف من حاله ما يصف له من الدواء ما يستعمله ، فقام فخرج وخلا الموضع ، فسألته عن حاله فقال: أخبرك والله وأستغفر الله: إن المتوكل أمرني بالخروج إلى نينوى إلى قبر الحسين، فأمرنا أن نكربه ونطمس أثر القبر ، فوافيت الناحية مساء معنا الفعلة والروزكاريون ، (العمال الميامون) معهم المساحي والمرور ، فتقدمت إلى غلماني وأصحابي أن يأخذوا الفعلة بخراب القبر وحرث أرضه ، فطرحت نفسي لما نالني من تعب السفر ونمت ، فذهب بي النوم فإذا ضوضاء شديدة وأصوات عالية وجعل الغلمان ينبهونني ، فقمت وأنا ذعر فقلت للغلمان: ما شأنكم؟ قالوا: أعجب شأن . قلت: وما ذاك ؟ قالوا: إن بموضع القبر قوماً قد حالوا بيننا وبين القبر ، وهم يرموننا مع ذلك بالنشاب ، فقمت معهم لأتبين الأمر فوجدته كما وصفوا !

   وكان ذلك في أول الليل من ليالي البيض فقلت: إرموهم ، فرموا فعادت سهامنا إلينا فما سقط سهمٌ منها إلا في صاحبه الذي رمى به فقتله ! فاستوحشت لذلك وجزعت وأخذتني الحمى والقشعريرة ورحلت عن القبر لوقتي ! ووطنت نفسي على أن يقتلني المتوكل لما لم أبلغ في القبر جميع ما تقدم إلي به !

   قال أبو برزة: فقلت له: قد كفيت ما تحذر من المتوكل ، قد قتل بارحة الأولى وأعان عليه في قتله المنتصر، فقال لي: قد سمعت بذلك وقد نالني في جسمي ما لا أرجو معه البقاء! قال أبو برزة:كان هذا في أول النهار فما أمسى الديزج حتى مات .

   قال ابن خشيش: قال أبو الفضل: إن المنتصر سمع أباه يشتم فاطمة (عليها السلام)  فسأل رجلاً من الناس عن ذلك فقال له: قد وجب عليه القتل إلا أنه من قتل أباه لم يطل له عمر . قال: ما أبالي إذا أطعت الله بقتله أن لا يطول لي عمر ، فقتله وعاش بعده سبعة أشهر »!

9- أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في بغداد

   تشرفت بغداد بثلاثة من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) هم: الإمام الصادق والكاظم والجواد ، فقد أحضر المنصور الإمام الصادق (عليه السلام) الى بغداد أكثر من مرة ، وأراد أن يقتله ، مع أنه يعرف حق المعرفة أنه إمام رباني ، ويشهد بذلك !

   قال العلامة الحلي (قدس سره) في منهاج الكرامة/56: « وكان عبد الله بن الحسن جمع أكابر العلويين للبيعة لولده ، فقال له الصادق (عليه السلام) :إن هذا الأمر لايتم! فاغتاظ من ذلك فقال (عليه السلام) :إنه لصاحب القباء الأصفر، وأشار بذلك إلى المنصور ! فلما سمع المنصور بذلك فرح لعلمه بوقوع ما يُخبر به، وعلم أن الأمر يصل إليه . ولما هرب المنصور(من جيش ابراهيم بن عبد الله بن الحسن) كان يقول: أين قول صادقهم» !

   وقد أحضر المنصور الإمام الصادق (عليه السلام) في حج سنة142 الى مقره في الربذة ، وسنة147 عندما زار المدينة ، وقبلها وبعدها الى الأنبار والحيرة وبغداد .

   وفي مهج الدعوات/198: «دعاء مولانا الصادق (عليه السلام) ...لما استدعاه المنصور مرة سادسة ، وهي ثاني مرة إلى بغداد » .

   وكان في كل مرة ينوي قتله فيحدث له مانع بمعجزة وكرامة للإمام (عليه السلام) ، حتى تمكن من دس السم له بعد اثنتي عشرة سنة من حكمه !

  وفي هذه السنوات الإثنتي عشرة مع الأربع سنوات في عهد السفاح استطاع الإمام (عليه السلام) أن يبث العلوم ويُخرٍّج العلماء ، ويعمق الإيمان في الخاصة والعامة.

   وقد وصفالإمام الصادق  (عليه السلام) قرار المنصور بإبادة العلويين بعد انتصاره على الحسنيين! فقال كما في مقاتل الطالبيين/233: « لما قُتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بباخمرى ، حُسٍرْنا عن المدينة ولم يُترك فيها منا محتلم ، حتى قدمنا الكوفة ، فمكثنا فيها شهراً نتوقع فيها القتل ! ثم خرج إلينا الربيع الحاجب فقال: أين هؤلاء العلوية؟ أدخلوا على أمير المؤمنين رجلين منكم من ذوي الحجى . قال: فدخلنا إليه أنا والحسن بن زيد ، فلما صرت بين يديه قال لي: أنت الذي تعلم الغيب؟ قلت: لايعلم الغيب إلا الله . قال: أنت الذي يجبى إليك هذا الخراج؟ قلت: إليك يجبى يا أمير المؤمنين الخراج . قال: أتدرون لم دعوتكم؟ قلت: لا . قال: أردت أن أهدم رباعكم وأروع قلوبكم وأعقر نخلكم ، وأترككم بالسراة لا يقربكم أحد من أهل الحجاز وأهل العراق فإنهم لكم مفسدة »!

   وتراجع المنصور يومها عن قتله ، وقال أحد أصحابه:«فدخلت يوماً على أبي جعفر الدوانيقي وإذا هو يفرك يديه ويتنفس تنفساً بارداً ، فقلت: يا أمير المؤمنين ماهذه الفكرة؟ فقال: يا محمد إني قتلت من ذرية فاطمة بنت رسول الله ألفاً أو يزيدون، وقد تركت سيدهم ! فقلت له: ومَن ذلك يا أمير المؤمنين؟فقال: ذلك جعفر بن محمد»! (دلائل الإمامة/ 298، ومهج الدعوات/18، وعيون المعجزات/80)

   وفي إحدى المرات أحضر المنصور الإمام (عليه السلام) الى بغداد في جو إيجابي عندما كان يرتب الخلافة لابنه المهدي! قال محمد بن إبراهيم الإمام العباسي: «أرسل المنصور بُكراً واستعجلني الرسول وظننت أن ذلك لأمر حادث ، فركبت إذ سمعت وقع الحافر فقلت للغلام: أنظر من هذا فقال: هذا أخوك عبد الوهاب فرفقت في  السير فلحقني فسلمت عليه وسلم علي فقال:أتاك رسول هذا ؟ قلت: نعم ، فهل أتاك ؟ قال: نعم، قلت: فيمَ ذاك ترى؟ قال: تجده اشتهى خلاً وزيتاً يريد الغداء ، فأحب أن نأكل معه! قلت: ما أرى ذلك وما أظن هذا إلا لأمر ! قال: فانتهينا إليه فدخلنا فإذا الربيع واقف عند الستر وإذا المهدي ولي العهد في الدهليز جالس وإذا عبد الصمد بن علي ، وداود بن علي ، وإسماعيل بن علي ، وسليمان بن علي وجعفر بن محمد بن علي بن حسين، وعبد الله بن حسن بن حسن ، والعباس بن محمد . قال الربيع: إجلسوا مع بني عمكم ، قال فجلسنا فدخل الربيع وخرج فقال للمهدي: أدخل أصلحك الله ، ثم دخل فقال: أدخلوا جميعاً فدخلنا وسلمنا وأخذنا مجالسنا ، فقال للربيع: هات دوياً وما يكتبون فيه ، فوضع بين يدي كل واحد منا دواة وورقاً ، ثم التفت إلى عبد الصمد بن علي فقال: يا عم حدث ولدك وإخوتك وبني أخيك حديث البر والصلة، فقال عبد الصمد: حدثني أبي عن جدي عبد الله بن العباس عن النبي (ص) أنه قال: إن البر والصلة ليطيلان الأعمار ويعمران الديار ويكثران الأموال ولو كان القوم فجاراً....ثم التفت المنصور إلى جعفر بن محمد فقال: يا أبا عبد الله حدث إخوتك وبني عمك بحديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) . قال: قال النبي (ص) : ما من ملك يصل رحمه وذوي قرابته ويعدل على رعيته ، إلا شد الله له ملكه وأجزل له ثوابه وأكرم ما به وخفف حسابه» (تاريخ دمشق:36/242، والمنتظم:9/106).فكان إحضار المنصور لشخصيات بني العباس وبني علي (عليه السلام)  ليروي لهم أحاديث صلة الرحم ويجمعهم حول ولي عهده الذي سماه بالمهدي !

10- الإمام الجواد في بغداد (عليه السلام)  

   في مناقب آل أبي طالب:3/490: «لما بويع المعتصم(ابن هارون)جعل يتفقد أحواله فكتب إلى عبد الملك الزيات أن ينفذ إليه التقي (عليه السلام) وأم الفضل ، فأنفذ ابن الزيات علي بن يقطين إليه ، فتجهز وخرج إلى بغداد فأكرمه وعظمه ، وأنفذ أشناس بالتحف إليه والى أم الفضل ، ثم أنفذ إليه شراب حماض الأترج تحت ختمه على يدي أشناس وقال: إن أمير المؤمنين ذاقه قبل أحمد بن أبي دؤاد وسعد بن الخصيب ، وجماعة من المعروفين ، ويأمرك أن تشرب منها بماء الثلج...» .

   وفي الإرشاد:2/298: «لما أخرج أبو جعفر (عليه السلام) من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأولة من خرجتيه ، قلت له عند خروجه: جعلت فداك ، إني أخاف عليك من هذا الوجه ، فإلى من الأمر بعدك ؟ قال: فكرَّ بوجهه إلي ضاحكاً وقال: ليس حيث ظننت في هذه السنة . فلما استدعي به إلى المعتصم صرت إليه فقلت له: جعلت فداك أنت خارج ، فإلى من هذا الأمر من بعدك؟ فبكى حتى اخضلت لحيته ثم التفت إلي فقال: عند هذه يخاف عليَّ ، الأمر من بعدي إلى ابني علي ».

   وفي الإرشاد:2/289: «أشخصه المعتصم في أول سنة عشرين ومائتين إلى بغداد ، فأقام بها حتى توفي في آخر ذي القعدة من هذه السنة ، فدفن في ظهر قبر جده أبي الحسن موسى (عليه السلام) ».

   وفي المناقب:3/487: «قال ابن بابويه: سَمَّ المعتصم محمد بن علي. وأولاده: علي الإمام ، وموسى وحكيمة وخديجة وأم كلثوم.. وقد كان زوجه المأمون ابنته ولم يكن له منها ولد . وسبب وروده بغداد إشخاص المعتصم له من المدينة ، فورد بغداد لليلتين من المحرم سنة عشرين ومائتين وأقام بها حتى توفي في هذه السنة».

11- رسالة الإمام الهادي (عليه السلام) الى شيعته في بغداد 

   في رجال الطوسي:2/800 ، عن أحمد بن محمد بن عيسى قال: «نسختُ الكتاب مع ابن راشد إلى جماعة الموالي الذين هم ببغداد المقيمين بها ، والمدائن ، والسواد ، وما يليها:أحمد الله إليكم على ما أنا عليه من عافيته وحسن عادته ، وأصلي على نبيه وآله أفضل صلواته، وأكمل رحمته ورأفته ، وإني أقمت أبا علي بن راشد مقام علي بن الحسين بن عبد ربه ومن كان قبله من وكلائي ، وصار في منزلته عندي ، ووليته ما كان يتولاه غيره من وكلائي قبلكم ليقبض حقي ، وارتضيته لكم وقدمته على غيره في ذلك ، وهو أهله وموضعه، فصيروا رحمكم الله إلى الدفع إليه ذلك والي ، وأن لا تجعلوا له على أنفسكم علة ، فعليكم بالخروج عن ذلك والتسرع إلى طاعة الله وتحليل أموالكم ، والحقن لدمائكم ، وتعاونوا على البر والتقوى واتقوا الله لعلكم ترحمون.. نحن وأنتم في وديعة الله وحفظه . وكتبته بخطي والحمد لله كثيراً .  

   وفي كتاب آخر: وأنا آمرك يا أيوب بن نوح أن تقطع الإكثار بينك وبين أبي علي وأن يلزم كل واحد منكما ما وُكل به وأمر بالقيام فيه بأمر ناحيته ، فإنكم إذا انتهيتم إلى كل ما أمرتم به استغنيتم بذلك عن معاودتي . وآمرك يا أبا علي بمثل ما أمرتك يا أيوب ، أن لا تقبل من أحد من أهل بغداد والمدائن شيئاً يحملونه ، ولا تلي لهم استيذاناً عليَّ ، ومُرْ من أتاك بشئ من غير أهل ناحيتك أن يُصَيِّره إلى الموكل بناحيته . وآمرك يا أبا علي في ذلك بمثل ما أمرت به أيوب ، وليقبل كل واحد منكما قبل ما أمرته به » .

   ورواه في غيبة الطوسي/351 ، وفيه: « وروى محمد بن يعقوب رفعه إلى محمد بن فرج قال:كتبت إليه أسأله عن أبي علي بن راشد ، وعن عيسى بن جعفر بن عاصم ، وعن ابن بند، وكتب إلي: ذكرت ابن راشد (رحمه الله) فإنه عاش سعيداً ومات شهيداً ، ودعا لابن بند والعاصمي، وابن بند ضرب بعمود وقتل، وابن عاصم ضرب بالسياط على الجسر ثلاث مائة سوط ورميَ به في الدجلة ! فهؤلاء جماعة المحمودين ، وتركنا ذكر استقصائهم لأنهم معروفون مذكورون في الكتب».

   أقول: تدل هذه الرسالة على وجود الشيعة من يومها وانتشارهم في بغداد وضواحيها  وعلى أن نظام الوكلاء الذي اعتمده الأئمة (عليهم السلام) كان دقيقاً وفعالاً وحديثاً . وتشير الى ظروف المراقبة للإمام (عليه السلام) ووكلائه ، وبطش السلطة بخواص الشيعة والناشطين منهم .

12- السفراء الأربعة البغداديون 

   عاش السفراء الأربعة رضوان الله عليهم في بغداد ودفنوا فيها ، فقد انتقل عثمان بن سعيد العمري بعد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) اليها، وفي تلك الفترة ضعف مركز سامراء  وانتقل منها الخلفاء الى بغداد ! ولم يبق منها إلا مشهد الإمام الهادي والعسكري (عليهما السلام) .(معجم البلدان:3/176).

   ويدل حديث أحمد بن الدينوري (دلائل الإمامة/304) على أن محمد بن عثمان العمري (رحمه الله) كان في بغداد بعد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) سنة 260هجرية .

   بل نصَّ حديث وفد قم الذين وصلوا الى سامراء أيام وفاة الإمام العسكري  (عليه السلام)  (كمال الدين/478): «وأمرنا القائم (عليه السلام) أن لا نحمل إلى سر من رأى بعدها شيئاً من المال ، فإنه ينصب لنا ببغداد رجلاً يحمل إليه الأموال ، وتخرج من عنده التوقيعات.. وكنا بعد ذلك نحمل الأموال إلى بغداد إلى النواب المنصوبين بها ويخرج من عندهم التوقيعات ».

 

   وقال الصدوق في كمال الدين/442: «ورآه من الوكلاء ببغداد:العمري ، وابنه ، وحاجز ، والبلالي ، والعطار ، ومن الكوفة: العاصمي . ومن الأهواز: محمد بن إبراهيم بن مهزيار . ومن أهل قم: أحمد بن إسحاق. ومن أهل همدان: محمد بن صالح . ومن أهل الري: السامي، والأسدي يعني نفسه . ومن آذربيجان: القاسم بن العلا . ومن نيسابور: محمد بن شاذان النعيمي . ومن غير الوكلاء من أهل بغداد: أبو القاسم بن أبي حابس ، وذكر جماعة كثيرين ».

السفير الأول: عثمان بن سعيد العَمْري (قدس سره)

   عثمان بن سعيد العمري السمَّان الأسدي . كان من شبابه (رحمه الله) بواب الإمام الهادي (عليه السلام) ووكيله ، ثم كان وكيل الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) .

   وقد وثقه كلاهما صلوات الله عليهما ، ففي غيبة الطوسي/215، عن محمد بن إسماعيل وعلي بن عبد الله ، الحسنيين قالا: «دخلنا على أبي محمد الحسن  (عليه السلام) بسر من رأى وبين يديه جماعة من أوليائه وشيعته حتى دخل عليه بدر خادمه فقال: يا مولاي بالباب قوم شعث غبر ، فقال لهم: هؤلاء نفر من شيعتنا باليمن..في حديث طويل يسوقانه ، إلى أن قال الحسن (عليه السلام)  لبدر: فامض فائتنا بعثمان بن سعيد العمري، فما لبثنا إلا يسيراً حتى دخل عثمان فقال له سيدنا أبو محمد (عليه السلام) : إمض يا عثمان ، فإنك الوكيل والثقة المأمون على مال الله ، واقبض من هؤلاء النفر اليمنيين ما حملوه من المال. ثم ساق الحديث إلى أن قالا: ثم قلنا بأجمعنا: يا سيدنا والله إن عثمان لمن خيار شيعتك ، ولقد زدتنا علماً بموضعه من خدمتك ، وأنه وكيلك وثقتك على مال الله تعالى. قال: نعم ، واشهدوا عليَّ أن عثمان بن سعيد العمري وكيلي ، وأن ابنه محمداً وكيل ابني مهديكم ». وإثبات الهداة:3/511.

   وفي الطرائف/183: «وكان له (عليه السلام) وكلاء ظاهرون في غيبته ، معروفون بأسمائهم وأنسابهم وأوطانهم، يخبرون عنه بالمعجزات والكرامات ، وجواب أمور المشكلات، بكثير مما ينقله عن آبائه عن رسول الله (ص) عن الله تعالى من الغائبات منهم عثمان بن سعيد العمري المدفون بقطقطان من الجانب الغربي ببغداد  ».

   وتوفي عثمان بن سعيد (قدس سره) في بغداد ، وقبره فيها قرب الميدان ، وهو مزار للشيعة ، ولذلك قام الوهابيون بالإعتداء عليه ، وفجروا قربه عبوات في هذه الأيام ، أواخر شهر رمضان سنة1430: 

10392http://www.alcauther.com/html/modules.php?name=News&file=article&sid= 

   «نفذ التكفيريون وأعوانهم البعثيون تفجيرين بعبوتين ناسفتين ، استهدفتا المرقد الشريف لعثمان بن سعيد العمري سفير الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه) ، وأكد مصدر أمني مطلع لشبكة نهرين نت أن الإرهابيين زرعوا عبوتين ناسفتين ، واحدة في المرقد الشريف  والأخرى في مرآب قريب من المكان . وأضاف المصدر بأن حصيلة هذين التفجيرين كان استشهاد 3 مواطنين وجرح ثمانية آخرين . والجدير بالذكر أن المرقد الشريف للسفير عثمان بن سعيد العمري يقع بالقرب من ساحة الميدان في العاصمة بغداد ، وأن هذا التفجير يأتي ضمن سلسلة تفجيرات تستهدف المراقد المقدسة من جديد ».

السفير الثاني: محمد بن عثمان بن سعيد العَمْري (قدس سره)

   روى الطوسي في الغيبة/368: «سمعت جعفر بن أحمد بن متيل القمي يقول: كان محمد بن عثمان أبو جعفر العمري رضي الله عنه ، له من يتصرف له ببغداد نحو من عشرة أنفس ، وأبو القاسم بن روح رضي الله عنه فيهم ، وكلهم كانوا أخص به من أبي القاسم بن روح ، حتى أنه كان إذا احتاج إلى حاجة أو إلى سبب ينجزه على يد غيره لمَّا لم يكن له تلك الخصوصية . فلما كان وقت مضيِّ أبي جعفر رضي الله عنه وقع الإختيار عليه ، وكانت الوصية إليه ».

   وقال العلامة في خلاصة الأقوال/250و432: «محمد بن عثمان بن سعيد العمري، بفتح العين ، الأسدي ، يكنى أبا جعفر ، وأبوه يكنى أبا عمرو ، جميعاً وكيلان في خدمة صاحب الزمان (عليه السلام) ، ولهما منزلة جليلة عند هذه الطائفة ، وكان محمد قد حفر لنفسه قبراً وسواه بالساج ، فسئل عن ذلك فقال: للناس أسباب . ثم سئل بعد ذلك فقال: قد أمرت أن أجمع أمري ، فمات بعد شهرين من ذلك ، في جمادي الأولى سنة خمس وثلاث مائة ، وقيل سنة أربع وثلاث مائة ، وكان يتولى هذا الأمر نحواً من خمسين سنة . فلما حضرت أبا جعفر محمد بن عثمان الوفاة واشتدت حاله ، حضر عنده جماعة من وجوه الشيعة ، منهم أبو علي بن همام ، وأبو عبد الله محمد الكاتب، وأبو عبد الله الباقطاني ، وأبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي ، وأبو عبد الله بن الوجناء ، وغيرهم من الوجوه الأكابر ، فقالوا له: إن حدث أمر فمن يكون مكانك؟ فقال لهم: هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي ، والسفير بينكم وبين صاحب الأمر ، والوكيل والثقة الأمين ، فارجعوا في أموركم إليه ، وعولوا في مهماتكم عليه ، فبذلك أمرت وقد بلَّغت .  ثم أوصى أبو القاسم بن روح إلى أبي الحسن علي بن محمد السمري ، فلما حضرته الوفاة سئل أن يوصي فقال: لله أمر هو بالغه. ومات (رحمه الله) سنة تسع وعشرين وثلاث مائة » .

   وكانت وفاة محمد بن عثمان  (قدس سره) أواخر جمادى الأولى سنة305، وقبره ببغداد في محلتهم المعروفة باسم الخلاني ، وهو مشهد كبير من معالم بغداد ، يقصده الناس للزيارة والصلاة في مسجده .(تهذيب المقال:2/401، ومقدمة علل الشرائع ).

السفير الثالث: أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي (قدس سره)  

   في غيبة الطوسي/226، عن « محمد بن همام: إن أبا جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه ، جمعنا قبل موته وكنا وجوه الشيعة وشيوخها ، فقال لنا: إن حدث عليَّ حدث الموت فالأمر إلى أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي ، فقد أمرتُ أن أجعله في موضعي بعدي ، فارجعوا إليه وعَوِّلوا في أموركم عليه».

   وقال الشيخ الطوسي في الغيبة/391: «قال ابن نوح: وسمعت جماعة من أصحابنا بمصر يذكرون أن أبا سهل النوبختي سئل فقيل له: كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟ فقال: هم أعلم وما اختاروه ، ولكن أنا رجل ألقى الخصوم وأناظرهم ، ولو علمت بمكانه كما علم أبو القاسم وضغطتني الحجة لعلي كنت أدل على مكانه ، وأبو القاسم فلو كانت الحجة تحت ذيله وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه ! أو كما قال ».

   وقال جعفر بن متيل (رحمه الله) كما في كمال الدين/503:«لما حضرت أبا جعفر محمد بن عثمان العمري السمان رضي الله عنه الوفاة ، كنت جالساً عند رأسه أسائله وأحدثه وأبو القاسم الحسين بن روح عند رجليه ، فالتفت إليَّ ثم قال لي: قد أمرت أن أوصى إلى أبي القاسم الحسين بن روح ، قال: فقمت من عند رأسه وأخذت بيد أبي القاسم وأجلسته في مكاني ، وتحولت عند رجليه ».

   وفي كمال الدين/519: «قال الحسين بن علي بن محمد المعروف بأبي علي البغدادي:ورأيت تلك السنة بمدينة السلام امرأة فسألتني عن وكيل مولانا من هو؟ فأخبرها بعض القميين أنه أبو القاسم الحسين بن روح وأشار إليها، فدخلت عليه وأنا عنده فقالت له: أيها الشيخ أي شئ معي؟ فقال ما معك فألقيه في الدجلة ، ثم ائتني حتى أخبرك ! قال فذهبت المرأة وحملت ما كان معها فألقته في الدجلة ، ثم رجعت ودخلت إلى أبي القاسم الروحي قدس الله روحه فقال أبو القاسم لمملوكة له: أخرجي إليَّ الحُق ، فأخرجت إليه حُقَّةً فقال للمرأة: هذه الحُقة التي كانت معك ورميت بها في الدجلة ، أخبرك بما فيها أو تخبريني؟ فقالت له: بل أخبرني أنت! فقال: في هذه الحقة زوج سوار ذهب ، وحلقة كبيرة فيها جوهرة ، وحلقتان صغيرتان فيهما جوهر ، وخاتمان أحدهما فيروزج والآخر عقيق ! فكان الأمر كما ذكر لم يغادر منه شيئاً ! ثم فتح الحقة فعرض عليَّ ما فيها فنظرت المرأة إليه ، فقالت: هذا الذي حملته بعينه ورميت به في الدجلة ، فغُشِيَ عليَّ وعلى المرأة ، فرحاً بما شاهدناه من صدق الدلالة » !

   وروى الطوسي في الغيبة/394 ، عن الصفواني قال:« أوصى الشيخ أبو القاسم رضي الله عنه إلى أبي الحسن علي بن محمد السمري رضي الله عنه ، فقام بما كان إلى أبي القاسم، فلما حضرته الوفاة حضرت الشيعة عنده وسألته عن الموكل بعده ، ولمن يقوم مقامه فلم يُظهر شيئاً من ذلك ، وذكر أنه لم يؤمر بأن يوصي إلى أحد بعده في هذا الشأن » .

~          ~

السفير الرابع: أبو الحسن علي بن محمد السمري (قدس سره)

   قال العلامة الحلي في خلاصة الأقوال/250، و432: «وأوصى أبو القاسم ابن روح إلى أبي الحسن علي بن محمد السمري ، فلما حضرت السمري الوفاة سئل أن يوصي فقال: لله أمر هو بالغه . والغيبة الثانية هي التي وقعت بعد مضي السمري.. ومات (رحمه الله) سنة تسع وعشرين وثلاث مائة ».

   وفي كمال الدين:2/516 ، عن الحسن بن أحمد المكتب قال: «كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمد السمري قدس الله روحه ، فحضرته قبل وفاته بأيام، فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم. يا علي بن محمد السمري ، أعظم الله أجر إخوانك فيك فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام ، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك ، فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور إلا بعد إذن الله عز وجل وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً .وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة ، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده ، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه فقيل له: من وصيك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه! ومضى رضي الله عنه ، فهذا آخر كلام سمع منه» وغيبة الطوسي/242، وإعلام الورى/417 ، والإحتجاج:2/478 ، والخرائج:3/1128 ، وغيرها.

   أقول:المنفي هو المشاهدة مع ادعاء السفارة ، بقرينة قوله (عليه السلام) :«وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة» أما المشاهدة بدون ادعاء سِمَة فهي ممكنة وقد وقعت كثيراً.

13- قبور السفراء الأربعة والمؤلفات فيهم

   دوَّن علماؤنا سيرة السفراء الأربعة وأحاديثهم رضوان الله عليهم ، وألفوا فيهم الكتب الخاصة ، فقد ذكر في الذريعة الى تصانيف الشيعة (1/353) كتاين قديمين للسيرافي والجوهري ، قال: «أخبار الوكلاء الأربعة:وهم عثمان بن سعيد ، ومحمد بن عثمان ، والحسين بن روح ، وعلي بن محمد السمري ، النواب المخصصون في الغيبة الصغرى والسفراء والأبواب فيها الحجة المهدي (عليه السلام) ، لأبي العباس أحمد بن علي بن العباس بن نوح السيرافي ، نزيل البصرة ، من مشايخ النجاشي ، توفي حدود النيف والعشرة بعد الأربع ماية كما يظهر من فهرس الشيخ، حيث إنه قال فيه إنه مات عن قرب وكان شروع الشيخ في الفهرس بأمر الشيخ المفيد ، لكنه فرغ منه بعد وفاته ، حيث ذكر فيه حكاية يوم وفاة المفيد في سنة413، فيكون وفاة السيرافي أيضاً في هذه الحدود .

   أخبار الوكلاء الأربعة المذكورين ، لأبي عبد الله الجوهري ، أحمد بن محمد بن عياش ، صاحب مقتضب الأثر المتوفى سنة401 ، ذكره النجاشي » .

~          ~ 

   وقبورالسفراء الأربعة كلهم في بغداد رضوان الله عليهم ، فقد انتقل اليها السفير الأول عثمان بن سعيد بعد سنة أو سنتين من وفاة الإمام العسكري (عليه السلام)  كما دلت رواية أحمد بن محمد الدينوري . وقد وصف الشيخ الطوسي (رحمه الله) قبره وزيارته له فقال في الغيبة/358: « قال أبو نصر هبة الله بن محمد: وقبر عثمان بن سعيد بالجانب الغربي من مدينة السلام في شارع الميدان في أول الموضع المعروف في الدرب ، المعروف بدرب جبلة في مسجد الدرب يمنة الداخل إليه، والقبر في نفس قبلة المسجد. قال محمد بن الحسن مصنف هذا الكتاب: رأيت قبره في الموضع الذي ذكره ، وكان بني في وجهه حائط وبه محراب المسجد ، وإلى جنبه باب يدخل إلى موضع القبر في بيت ضيق مظلم ، فكنا ندخل إليه ونزوره مشاهرةً ، وكذلك من وقت دخولي إلى بغداد وهي سنة ثمان وأربعمائة إلى سنة نيف وثلاثين وأربعمائة . ثم نقض ذلك الحائط الرئيس أبو منصور محمد بن الفرج وأبرز القبر إلى برَّا وعمل عليه صندوقاً ، وهو تحت سقف يدخل إليه من أراده ويزوره ، ويتبرك جيران المحلة بزيارته ويقولون هو رجل صالح ، وربما قالوا هو ابن داية الحسين (عليه السلام)  ! ولايعرفون حقيقة الحال فيه ، وهو إلى يومنا هذا وذلك سنة سبع وأربعين وأربعمائة، على ما هو عليه» .

   أما السفير الثاني محمد بن عثمان (رحمه الله) فتوفي سنة305 ، وأن الإمام (عليه السلام) أخبره عن وفاته قبل شهرين ، فاستعد وحفر قبراً وكان يقرأ فيه القرآن ، وكتب على لوحة آيات القرآن ، وأسماء الأئمة (عليهم السلام) ليدفنها معه .

   وأما الحسين بن روح (رحمه الله) فتوفي سنة326 ففي غيبة الطوسي/386: «عن بنت أبي جعفر العمري أن قبر أبي القاسم الحسين بن روح في النوبختية في الدرب الذي كانت فيه دار علي بن أحمد النوبختي النافذ إلى التل وإلى الدرب الآخر وإلى قنطرة الشوك  قال: وقال لي أبو نصر: مات أبو القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه في شعبان سنة ست وعشرين وثلاث مائة ، وقد رويت عنه أخباراً كثيرة ».

   وأما وفاة علي بن محمد السمري فكانت سنة329، في النصف من شعبان، وقد وصف الطوسي (رحمه الله)  قبره فقال في الغيبة/396:«عن أبي نصر هبة الله بن محمد الكاتب أن قبر أبي الحسن السمري رضي الله عنه في الشارع المعروف بشارع الخلنجي ، من ربع باب المحول ، قريب من شاطئ نهر أبي عتاب . وذكر أنه مات في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة».راجع: أعيان الشيعة:6/21، وتهذيب المقال:2/400 .

   وقال السيد محمد صادق بحر العلوم في مقدمة علل الشرائع/5، ملخصاً:

   «أ- أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله) ... قبره بالجانب الغربي من بغداد مما يلي سوق الميدان ، معروف يزار ويتبرك به الشيعة .  

   بـ- أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله) ،وهو المعروف بالخلاني توفي سنة305، آخر جمادى الأولى ، وقبره في الجانب الشرقي من بغداد عند والدته في شارع باب الكوفة في الموضع الذي كانت دوره ومنازله .

   جـ- أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي (رحمه الله) توفي سنة326 ، وقبره ببغداد في الجانب الشرقي في سوق العطارين يزار ويتبرك به وهو معروف باسم قبر الحسين بن روح .

   د- أبو الحسين علي بن محمد السمري (رحمه الله) ، توفي سنة329، وقبره في الجانب الغربي مما يلي سوق الهرج والسراجين، وهو معروف يزار ويتبرك به » .

~          ~

14- مذاهب الغلو التي كانت في بغداد

   وأشهرها مذهب الحلاج ، والشلمغاني ، ومذهب بشار الشعيري الذي عرف أتباعه بالكرخية المخمسة . وقد ترجم علماؤنا لعدد من المغالين وحذروا منهم.

   ومذهب المخمسة مأخوذ من مذهب الحلول المجوسي ، قالوا: « إن سلمان الفارسي والمقداد وعماراً وأبا ذر وعمر بن أمية الضمري ، هم الموكلون بمصالح العالم ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ». (خلاصة الأقوال للعلامة/364) .

   ولعل أول من أشاع ذلك في بغداد أحمد بن هلال الكرخي، الملعون على لسان الإمام المهدي (عليه السلام) ، فسُمِّيَ أتباعه الكرخية والكرخيين.

   قال الطوسي في الغيبة/414: «وكان الكرخيون مخمسة ، لا يشك في ذلك أحدٌ من الشيعة، وقد كان أبو دلف يقول ذلك ويعترف به.. وجنون أبي دلف وحكايات فساد مذهبه أكثر من أن تحصى ، فلا نطول بذكرها الكتاب ها هنا».

   وقال العلامة الحلي (قدس سره) في خلاصة الأقوال/364، عن علي بن أحمد الكوفي : «كان إمامياً مستقيم الطريقة وصنف كتباً كثيرةسديدة، ثم خلط وأظهر مذهب المخمسة وصنف كتاباً في الغلو والتخليط. وقال ابن الغضائري:كذاب غال صاحب بدعة ومقالة» .

   وترجم في معجم البلدان:4/447 ، لكرخيٍّ آخر على نفس المذهب ، لكنه من كرخة الأهواز ، لا كرخة بغداد ، قال:« أبو جعفر الكرخي المعروف بالجرو ، وهذا الرجل مشهور بالجلالة فيهم قديماً وكان مقيماً بالبصرة ، قال: وشاهدته أنا وهو شيخ كبير وقد اختلت حاله ، فصار يلي الأعمال الصغار من قبل عمال البصرة... استفاض عنهم أنهم كانوا مخمسة يعتقدون أن علياً وفاطمة والحسن والحسين ومحمداً (ص) خمسة أشباح أنوار قديمة ، لم تزل ولا تزال ، إلى غير ذلك من أقوال هذه النحلة ، وهي مقالة مشهورة  ».

   وأصل مذهب المُخَمِّسة من بشار الشعيري ، ومذهبه تطوير لمذهب (العلياوية) الذي ظهر في زمن الإمام الصادق (عليه السلام) !

   فقد روى الطوسي (رحمه الله) في رجاله:2/701: «عن مرازم قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) : تعرف مبشر، بشر بتوهم الإسم قال: الشعيري ، فقلت: بشار؟ قال بشار ! قلت: نعم جار لي! فقال (عليه السلام) : إن اليهود قالوا ووحدوا الله ، وإن النصارى قالوا ووحدوا الله ، وإن بشاراً قال قولاً عظيماً ! إذا قدمت الكوفة فأته وقل له: يقول لك جعفر: يا كافر يا فاسق يا مشرك أنا برئ منك ! قال مرازم: فلما قدمت الكوفة فوضعت متاعي وجئت إليه فدعوت الجارية ، فقلت قولي لأبي إسماعيل هذا مرازم ، فخرج إليَّ فقلت له: يقول لك جعفر بن محمد: يا كافر يا فاسق يا مشرك أنا برئ منك! فقال لي: وقد ذكرني سيدي ! قال قلت: نعم ذكرك بهذا الذي قلت لك ! فقال: جزاك الله خيراً وفعل بك ، وأقبل يدعو لي !

   ومقالة بشار هي مقالة العلياوية يقولون إن علياً (عليه السلام) هرب وظهر بالعلوية الهاشمية ، وأظهر أنه عبده ورسوله بالمحمدية، فوافق أصحاب أبي الخطاب في أربعة أشخاص علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وأن معنى الأشخاص الثلاثة فاطمة والحسن والحسين تلبيس، والحقيقة شخص علي لأنه أول هذه الأشخاص في الأمة، وأنكروا شخص محمد (ص) وزعموا أن محمداً عبد علي !

   وأقاموا محمداً (ص) مقام ما أقامت المخمسة سلمان ! وجعلوه رسولاً لمحمد (ص)  فوافقوهم في الإباحات والتعطيل والتناسخ »!

   وفي رجال الطوسي:2/775: «لما مات أوصى إلى ابنه سميع بن محمد فهو الإمام ! ومن أوصى إليه سميع فهو إمام مفترض الطاعة على الأمة ، إلى وقت خروج موسى بن جعفر (عليه السلام) ! وزعموا أن الفرض عليهم من الله تعالى إقامة الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان ، وأنكروا الزكاة والحج وسائر الفرائض ، وقالوا بإباحة المحارم والفروج والغلمان ، واعتلوا في ذلك بقول الله تعالى: أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ! وقالوا بالتناسخ....

وزعمت هذه الفرقة والمخمسة والعلياوية وأصحاب أبي الخطاب أن كل من انتسب إلى أنه من آل محمد فهو مبطل في نسبه مفتر على الله كاذب ، وأنهم الذي قال الله تعالى فيهم إنهم يهود ونصارى في قوله:وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ...إذ كان محمد عندهم وعلي هو رب لا يلد ولا يولد ولا يستولد ! تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً .

   وكان سبب قتل محمد بن بشير لعنه الله ، لأنه كان معه شعبذة ومخاريق...وكان عنده صورة قد عملها وأقامها شخصاً كأنه صورة أبي الحسن(الإمام الكاظم (عليه السلام) ) في ثياب حرير ، وقد طلاها بالأدوية وعالجها بحيل عملها فيها، حتى صارت شبيهاً بصورة إنسان وكان يطويها فإذا أراد الشعبذة نفخ فيها فأقامها ! وكان يقول لأصحابه ان أبا الحسن (عليه السلام) عندي فإن أحببتم أن تروه وتعلموا أني نبي فهلموا أعرضه عليكم ، فكان يدخلهم البيت والصورة مطوية معه فيقول لهم: هل ترون في البيت مقيماً أو ترون فيه غيري وغيركم؟فيقولون: لا ، ليس في البيت أحد ، فيقول: أخرجوا فيخرجون من البيت فيصير هو وراء الستر ويسبل الستر بينه وبينهم ثم يقدم تلك الصورة ، ثم يرفع الستر بينه وبينهم ، فينظرون إلى صورة قائمة وشخص كأنه شخص أبي الحسن لا ينكرون منه شيئاً ويقف هو منه بالقرب فيريهم من طريق الشعبذة أنه يكلمه ويناجيه ويدنو منه كأنه يسارُّه ، ثم يغمزهم أن يتنحوا فيتنحون ، ويسبل الستر بينه وبينهم فلا يرون شيئاً !

   وكانت معه أشياء عجيبة من صنوف الشعبذة ما لم يروا مثلها، فهلكوا بها  فكانت هذه حاله مدة ، حتى رفع خبره إلى بعض الخلفاء أحسبه هارون أو غيره ممن كان بعده من الخلفاء وأنه زنديق ، فأخذه وأراد ضرب عنقه فقال: يا أمير المؤمنين استبقني فإني أتخذ لك أشياء يرغب الملوك فيها فأطلقه !فكان أول ما اتخذ له الدوالي، فإنه عمد إلى الدوالي فسواها وعلقها وجعل الزيبق بين تلك الألواح ، فكانت الدوالي تمتلئ من الماء وتميل الألواح وينقلب الزيبق من تلك الألواح فيتبع الدوالي لهذا، فكانت تعمل من غير مستعمل لها وتصب الماء في البستان فأعجبه ذلك، مع أشياء عملها يضاهي الله بها في خلقه الجنة . فقوده (جعله قائداً) وجعل له مرتبة .

   ثم إنه يوماً من الأيام انكسر بعض تلك الألواح فخرج منها الزيبق ، فتعطلت فاستراب أمره وظهر عليه التعطيل والإباحات! وقد كان أبو عبد الله وأبو الحسن (عليهما السلام) يدعوان الله عليه ويسألانه أن يذيقه حر الحديدفأذاقه الله حر الحديد ».

   وقد انخدع بهذه المذاهب والبدع بعض العوام . لكنها انتهت والحمد لله .       



 


 

تم تطوير هذا الموقع من أجل تسهيل الإستفادة من مؤلفات ومحاضرات وتسجيلات سماحة الشيخ علي الكوراني العاملي ، ويمكن الإستفادة منها ونشرها مع عدم التغيير المخلّ بالمعنى ، مع ذكر المصدر .. وأما طباعة الكتب والأقراص وغيرها فتحتاج إلى إجازة خاصة .