متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
الفصل الأول :النجف في جبل عامل
الكتاب : إلى طالب العلم    |    القسم : الكتب والمؤلفات    |    القرآء : 5045


 

 

الفصل الأول:

   النجف في جبل عامل 

 

 

 $ 1-  اختار لي والدي(رحمه الله) أن أكون طالب علم

   اتخذ والدي(رحمه الله ) قراره لي بأن أكون طالب علم، بحكم تأثره بآية الله السيد عبد الحسين شرف الدين(رحمه الله) ، فقد كان يحبه ويعتقد به ، وكان السيد عالماً في قريتنا ياطر بضع سنين ، قبل ولادتي وقبل أن يسكن في صور.

  كان للمرحوم الوالد علاقة بعلماء المنطقة كالشيخ يوسف الفقيه(رحمه الله) ، من قرية حاريص القريبة ، ولنا معهم رحم لأن جدة الشيخ يوسف من آل كَوْراني ، وكان الوالد يحتفي به إذا جاء الى قريتنا ، ويزوره في حاريص وبيروت ، حيث كان رئيس محكمة التمييز الجعفرية .

   وتواصلت العلاقة بعده بأولاده الشيخ علي الفقيه(رحمه الله)  ، وكان عالم حاريص ، والشيخ محمد تقي الفقيه(رحمه الله) ، وكان في النجف الأشرف من التلاميذ البارزين للمرجع السيد الحكيم(رحمه الله)  .

  كما كان للوالد(رحمه الله) علاقة بالشيخ حسن شمس الدين(رحمه الله) عالم قرية حناويه القريبة من صور ، والشيخ عبدالله السبيتي(رحمه الله) صهر السيد شرف الدين ، وبالشيخ موسى السبيتي(رحمه الله)  ، وكان قاضياً شرعياً في بيروت ، وكلاهما من قرية كَفْرَا المجاورة لقريتنا .

  ومع علاقة الوالد(رحمه الله) بمشايخ عديدين ، كان يفضل السيد شرف الدين (رحمه الله) ، وإذا دخل فصل الصيف يذهب هو وعدد من وجهاء القرية لدعوة السيد للإصطياف في قريتنا ، ويهيؤون له المكان ويخدمونه ، فكان السيد يقضي فصل الصيف في ياطر ، الى أواخر عمره الشريف(رحمه الله)  .

  في صيف سنة1956، أخبرني الوالد بصيغة الإستشارة بأنه اختار لي أن أكون طالب علم ، وأنه يريد أن يسأل السيد(رحمه الله) عن رأيه في ذلك ؟ فأجبته بموافقتي ورغبتي ، لأني أحب الدين وأحب الوالد والسيد(رحمه الله)  .

  وعرفت الأسرة والأقارب بقرار الوالد(رحمه الله) ، فقبل بعضهم ، وسكت آخرون احتراماً له(رحمه الله) ، لكن امرأة من أقاربنا قالت لي: سمعت يا علي أن والدك يريد أن يعلمك شيخاً ، لا تقبل فإن الناس يقولون إنه يريد أن يعلمه شحاذاً ! أنت ناجح وتفهم ، وقد درست صفين في سنة ، نحن نريدك أن تكون أستاذ جامعة !

   ولم أجبها بشئ ، لكن هزتني كلمة (شحاذ)! وأخذت أتساءل هل أن عالم الدين يعيش فقيراً ؟ وحكيت لوالدي كلامها فقال: هؤلاء يا بني لايعرفون . الشيخ عالم دين وليس شحاذاً ، ولكي تكون مطمئناً سأكتب لك نصف ملكيتي حتى لا يقول أحد مثل هذا الكلام !

ثم خفض صوته (رحمه الله) وقال بلهجة المؤمن الجازم: لقد رأيت في المنام أمير المؤمنين(عليه السلام)  وأعطاني غذاء وقال أطعمه لولدك علي! فاطمأنيت ثقةً بصدق  كلامه(رحمه الله) ، وليس اعتماداً على ما كتبه لي من أراضٍ ذات قيمة .

    ذهب بي الى السيد(رحمه الله) وقال له: ما رأيكم في أن أجعل علياً وأشار اليَّ ، طالب علم؟ فقال السيد: نعم ، علي يناسب لذلك (بيطلع منو) ، لكن أين تجد له مدرساً فهو  صغير على النجف ! ولم يكن يومها في لبنان حوزة .   قال الوالد(رحمه الله) : أسعى في أن يدرسه أحد المشايخ بتوصيتكم .

  قال السيد(رحمه الله) : لا بأس ، إذهب الى  الشيخ الفلاني ، وقل له: أريد أن أدرِّس ولدي طالب علم ، فإن وافق فأسْكنه في قريتهم .

   وفي اليوم التالي أخذني الوالد الى بيت شيخ في قريتهم القريبة من صور وعرض عليه الموضوع ، فطلب مهلة ليجيبنا . وبعد أيام أخبرني الوالد أن ابن الشيخ اعتذر له بأن سن الشيخ وظروفه لاتسمح له بالتدريس المنتظم.

   فأخبر الوالد السيد(رحمه الله)  ، فوجهه الى شيخ آخر، وذهبنا الى قريته ، فقالوا ذهب الى الكرم ، فوجدناه(رحمه الله) جالساً تحت زيتونة ، فسلمنا عليه وأخبره الوالد ، فكلمني وأعجبه أني نجحت في شهادة (السِّرْتفيكا) الرسمية ، وكانت في وقتها رتبة ، مع أنها شهادة بإكمال الصف الخامس ابتدائي .

   امتحنني الشيخ بالإملاء ، ثم بالإنشاء ، وأعطاني درجة نجاح ، وقال للوالد: يا أبا داود ، ابنك يفهم ويصلح أن يكون طالب علم ، لكني لا أستطيع الإلتزام بتدريسه ، لأني أتنقل الى بيروت وأماكن أخرى .

  كان الصيف يومها في أواخره وكان السيد(رحمه الله) نزل الى صور، فأخذني الوالد معه  اليه وأخبره بجواب الشيخ ، فتأثر السيد لعدم قبول المشايخ أن يدرسوني ، وسأل والدي ماذا ستفعل ؟ فأجابه الوالد مازحاً: ياسيدنا أفكر إذا لم يدرسوه لي ، أن آخذه وأذهب الى النجف وأشتكي عليهم للمرجع!

  فكر السيد(رحمه الله) قليلاً وكتب رسالة قصيرة الى أستاذنا آية الله الشيخ إبراهيم سليمان(رحمه الله) في قرية البَيّاض، وقال لوالدي: إذهب اليه وأبلغه سلامي وأعطه الرسالة . وكان في المجلس الشيخ إسماعيل البغدادي(رحمه الله) وكان صديقاً للوالد ، فذهب معنا الى البياض ، ودخلنا بيت الشيخ عصراً فسلمه الرسالة وتكلم معه ، فقال أريد أن أستخير الله تعالى ، فتفضلوا غداً صباحاً ليكون فطوركم معنا ، وأخبركم بنتيجة الإستخارة .

  وفي الصباح وجدنا الشيخ(رحمه الله) ينتظرنا على سفرة الفطور ، فسلمنا وجلسنا فقال للوالد: إن الإستخارة جيدة ، لكن عندي شرط: أن تهئ له رفيقاً  ليكون له مباحثاً ومذاكراً ، فهل تستطيع ؟

  أجابه الوالد: يامولانا إبدأ بتدريسه ، وأعدك بأن أبحث له عن زميل حتى أجده إن شاء الله . فقبل الشيخ وشكره الوالد ، واستأذنه ليرتب لي مسكناً ولوازم ، وسأله عن الكتب التي يشتريها لي ، فكتبها له: شرح قطر الندى لابن هشام ، وألفية ابن مالك شرح ابن الناظم ، وقال: إشترِ أيضاً شرح ابن عقيل ، والدر الثمين للسيد محسن الأمين .

  رتب الوالد(رحمه الله) مكان سكني في البياض ، فقد كان له فيها صديق هو محمد الشيخ محمود سليمان(رحمه الله) ، فاختار لنا بيت الحاج حسين يوسف ليكون سكني عندهم ، لأن داره واسعة وفيها غرفة إضافية ، يمكن أن يعطونا إياها بأجرة أو مجاناً ، وذهبنا اليه فقبل(رحمه الله) ورأينا الغرفة .

   وذهبنا في ذلك اليوم الى صور وأخبرْنا السيد(رحمه الله) بموافقة الشيخ إبراهيم فسُرَّ بذلك ، وذهبنا الى السوق فاشترى الوالد لي ملابس وبعض الأواني والأثاث ، ولم نجد الكتب ، فذهبنا الى بيروت واشتريناها .

   عدنا الى قرية البياض ورتبنا أسبابنا ، وذهبنا الى الشيخ فأريناه الكتب فأقرها ، وقال لي: غداً نبدأ من هنا وأشار الى أول قطر الندى (الكلمة قول مفرد) ومن هنا ، وأشار الى أول كتاب الدر الثمين ، باب التقليد: يجب على مكلف أن يكون في عباداته ومعاملاته مقلداً أو مجتهداً أومحتاطاً. والدر الثمين رسالة فقهية للسيد الأمين(رحمه الله) بتعليقات السيد الحكيم(رحمه الله) .

   ودعني الوالد وأوصى بي أصحاب البيت ، وأوصاني ببعض الوصايا ، وعاد الى قريتنا ، التي تبعد عنا بضعة عشر كيلو متراً .

   ومما أوصاني به(رحمه الله)  أن أحترم أستاذي وأتأدب معه ، وأجلس بين يديه على ركبتي ، حتى إذا تعبت جلست متربعاً . وقال لي: إخدم الشيخ ولا تنتظر أن يأمرك أو يطلب منك ، فليس له أولاد فكن بمثابة ابنه .

  وأوصاني أن أدبر أموري بنفسي ولا ألقي بكلي على أحد ، وأن آخذ ما أحتاج اليه من دكان صديقه محمد الشيخ محمود ، وهو يحاسبه كل شهر .

  استقرَّيْتُ في جوي الجديد ، وكان عمري يومها نحو ثلاث عشرة سنة ، ولم يخطر ببالي شئ إسمه وحشة أو خوف من الغربة والوحدة ، والحمد لله!     وكان والدي على ثقة من عقلي وأني أتصرف كالكبار ، وكان أستاذي وآخرون يقولون عني ذلك .

   تجولت ذلك اليوم في قرية البياض الصغيرة ، فهي نحو خمسين بيتاً كلهم من آل سليمان ، وهي غرب قرية قانا وتبعد عنها أربعة كيلومترات ، وقربها قرية دير عامص شرقاً ، وتبعد عنها نحو2 كم .

   قال السيد الأمين في أعيان الشيعة:5/105: «وآل سليمان بيت علم وصلاح في جبل عامل من زمن بعيد إلى اليوم ، وأحفادهم اليوم يسكنون قرية البيَّاض في ساحل صور ، وكانوا قبل ذلك في مزرعة مشرف ، وعندهم مكتبة يتوارثونها عن أجدادهم تحتوي على مجموعة نفيسة من المخطوطات وبعض المطبوعات النادرة ، وقد ذهبت إلى القرية المذكورة وبقيت فيها عندهم أياماً ، وطالعت محتويات تلك المكتبة ونقلت منها في هذا الكتاب . وجدهم الذي ينسبون اليه هو الشيخ سليمان بن محمد بن أحمد بن سليمان العاملي المزرعي ، الذي وجدنا بخطه مقتل أمير المؤمنين علي(عليه السلام)  فرغ منه 25صفر سنة1033، وعليه خاتمه بتاريخ 1028. ويحتمل أن تكون نسبتهم إلى الشيخ سليمان بن محمد العاملي الجبعي ، تلميذ الشهيد الثاني الذي كان حياً سنة 951، وأن يكون الشيخ سليمان المزرعي من أحفاده ، بل يحتمل أن يكونا شخصاً واحداً ، وأن يكون أصله من جبع ثم انتقل إلى المزرعة ».

   وقد أعجبني أن البياض تقع على ربوة حولها كروم التين والعنب ، فقررت أن أستكشف برِّيتها من جهاتها ، لأني أحب صيد العصافير وقتل الحيات ، وكنت أمضيت أكثر الصيف في أودية ياطر في هذه الهواية .

  عدت الى غرفتي ظهراً ، وكنت أفكر بجدية ومهابة بيوم غد وبداية دراستي ، وأفكر في إسم كتاب قطر الندى وبلِّ الصدى لابن هشام الأنصاري ، وكتاب الدر الثمين في أهم مايجب معرفته على المسلمين ، للسيد محسن الأمين . وتصفحت الكتابين وقرأت المقدمة وأول الدرس الأول ففهمت منهما شيئاً ، وكنت أتشوق الى شرح أستاذي وتفسيره .

  حضرت في الموعد وأخذت الدرس الأول في النحو ، وفي الفقه ، وارتحت لأني فهمت الدرس ، وزال تخوفي من صعوبته .

  وعلمني الأستاذ أن أكتب درس النحو بعبارتي ، حسب شرحه وليس نقلاً من الكتاب ، وأمرني أن آتي بالدفتر له في الغد ، ليراه قبل الدرس الثاني . وأمرني أن أعيد قراءة درس الفقه مرات حتى أفهمه وأحفظ مطلبه وليس ألفاظه ، لأن فهم المطلب هو المهم ، وليس حفظ الألفاظ .

  ذهبت الى غرفتي فكتبت درس النحو ، وقرأت درس الفقه مرة ، ورأيت الوقت مبكراً ، فخرجت ومعي كتاب القطر لأقرأ في البرية من جهة قانا وكان بعض الناس يعملون في كرومهم يجمعون التين في آخر موسمه ، فاخترت مكاناً لأجلس فيه كل يوم ، فأكتب درسي وأحفظ .

  انتظمت دراستي لشهور حتى استطاع الوالد(رحمه الله) أن يقنع أحد الآباء في القرية بأن يرسل ابنه ليدرس معي ، وهو الشيخ نجيب سويدان(رحمه الله) .

  وكنت في أواخر كتاب القطر عندما التحق بي ، فأمرني أستاذي أن أشرح له كل يوم درساً مما فاته ، ففعلت .

   كان برنامجنا: درسين قبل الظهر ، ثم نكتب درس النحو ، ثم نتباحث في الدروس الماضية ، فيكون أحدنا يوماً أستاذاً يشرح ، ويُشكل عليه الآخر .

   كانت عوامل تثبيت الدرس في ذهننا أربعة:

   1- تدريس الأستاذ . 2- ثم كتابة الدرس . 3- ثم التباحث فيه  .

    3- ثم أسئلة العلماء وأساتذة العربية ، الذين يزورون أستاذنا ، أو نلتقي بهم ، فيسألوننا عن إعراب جملة أو بيت شعر . وكان هذا العامل الأخير يوازي الجميع ، لأنه يفتح للطالب فهم أنواع التراكيب العربية ، في ترتيب مفرداتها ، وحركات إعرابها ، وعود ضمائرها .

  أما مباحثات الفقه وأسئلته ، فتقوي حفظ الطالب للأحكام والتعابير الفقهية ، وتعلمه منطق الفقه الإسلامي ، وتدربه على سليقته القانونية ، وما يكون منه معقولاً ، أو نادراً ، أو شاذاً .

 أما اليوم فنرى بعض المدارس تقتصر على إعطاء الأستاذ الدرس ، ولا تلزم الطالب بكتابته ، ولا بالمباحثة مع زملائه فيه ، ولا توجد في محيط الطلبة مجالس أسئلة ومذاكرة ، والتي هي دواوين العلم ومرابع تنميته!    والأسوأ من ذلك  أن بعض المدارس تقوم بتدريس تلخيص كتب المنهج الدراسي ، وغالباً ما يكون تلخيصاً سيئاً يعتمد على فهم الملخص .

  وهذا معناه أن ذهن الطالب لايعيش مع المعلومة إلا لماماً ، بينما يعيش معها في النظام الطبيعي أربعة أضعاف الزمن وأكثر . وهذا سبب انخفاض المستوى العلمي في بعض المدارس !

 

 $2- نية الوالدين لطالب العلم

   قد يكون طلب الإنسان للعلم بتوجيه والده أو أسرته ، فيقتنع وينوي ما نووه له ، كما حدث لي . أذكر أني بعد أن أكملت مرحلة من دراستي في جبل عامل أرسلني الوالد(رحمه الله) الى النجف مع أقاربنا من آل الفقيه ، وعندما ودعني في بيروت خاطبني وأثر الدموع في عينيه: إذهب يابني وهبتك لله ، إذا وصلت الى النجف فأمسك بضريح أمير المؤمنين(عليه السلام)  وقل له: يا أمير المؤمنين ، إن والدي وهبني لكم ، فاقبلني ، واجعلني بحماك .

  لذلك كنت في السيارة بين الشام وبغداد ، أفكر في معنى أني موهوب لأهل البيت(عليهم السلام) . ولما وصلت الى النجف نفذت ما قاله لي الوالد(رحمه الله) .

  وقد سمعت من أحد المراجع أن طلب العلم توفيق غير عادي ، يحتاج الى نية عميقة من أحد والدي طالب العلم ، أو من أحد أجداده .

  وهذا لا يلغي تأثير نوايانا ، لكنه يفتح باب تأثيرها في أولادنا ، وتأثير نوايا آبائنا فينا ، وأنا نعيش في خيرهم ، وبركة نياتهم فينا ولنا .

 

 $3- كيف يفحص الطالب نيته ؟

   عندما يقرر الإنسان أن يكون طالب علم ، فهو أدرى بدوافعه لاتخاذ هذا القرار وسلوك هذا الطريق ، وهل أن نيته لله تعالى والنجاة في الآخرة ، أم لبلوغ هدف في الدنيا ، أو أنها خليطٌ من الدوافع الدنيوية والأخروية .

  فينبغي له أن يصحح نيته من أول الطريق ، ثم يراجع دوافعه باستمرار لأن دوافع العمل تتغير ، فيصحح ما يطرأ عليها من خلل ، ليبقى طلبه للعلم خالصاً لوجه الله تعالى ، في أول الطريق ، وكل مراحله .

  ويمكن له أن يفحص نيته بأن يفرض أن طلبه للعلم مثلاً سيوصله الى مقام علمي، وهدف دنيوي كالمكانة الإجتماعية والمعيشة المادية الحسنة ، لكن ليس له ثواب في الآخرة ! فهل سيواصله أم يتركه ؟

  فإن رأى نفسه أنه ليس حاضراً للقيام بعمل ، وبذل جهد لا نفع فيه لآخرته ، فهذا علامة أنه يقصد بعمله الآخرة .

   وقد تناول الشهيد الثاني(رحمه الله) هذه المسألة من زاوية موقف الأستاذ من طالب العلم الذي لم تصح نيته ، هل يدرسه أم لا؟

  قال(رحمه الله) في كتابه الفريد في بابه منية المريد/183: «الخامس: أن لايمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية ، فربما عسر على كثير من المبتدئين بالإشتغال تصحيح النية ، لضعف نفوسهم وانحطاطها عن إدراك السعادة الآجلة ، وقلة أنسهم بموجبات تصحيحها ، فالإمتناع من تعليمهم يؤدي إلى تفويت كثير من العلم ، مع أنه يرجى ببركة العلم تصحيحها إذا أنس بالعلم . وقد قال بعضهم: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله . معناه كانت عاقبته أن صار لله...لكن يجب على المعلم إذا شعر من المتعلم فساد النية أن يستدرجه بالموعظة الحسنة ، وينبهه على خطر العلم الذي لا يراد به الله ، ويتلو عليه من الأخبار الواردة في ذلك حالاً فحالاً ، حتى يقوده إلى القصد الصحيح ، فإن لم ينجع ذلك ويئس منه ، قيل يتركه حينئذ ويمنعه من التعلم ، فإن العلم لا يزيده إلا شراً ! وإلى ذلك أشار علي(عليه السلام)   بقوله: لاتعلقوا الجواهر في أعناق الخنازير ! وعن الصادق(عليه السلام)  قال: قام عيسى بن مريم(عليه السلام) خطيباً في بني إسرائيل فقال: يا بني إسرائيل ، لا تحدثوا الجهال بالحكمة فتظلموها ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم. ولقد أحسن القائل:

ومن منحَ الجُهَّال علماً أضاعهُ

 

ومن منعَ المستوجبين فقد ظلمْ

   وفصَّل آخرون فقالوا: إن كان فساد نيته من جهة الكبر والمراء ونحوهما فالأمر كذلك ، وإن كان من جهة حب الرئاسة الدنيوية فينبغي مع اليأس من إصلاحه أن لايمنعه ، لعدم ثوران المفسدة وتعديها ، ولأنه لا يكاد يخلص من هذه الرذيلة أحد في البداية ، فإذا وصل إلى أصل العلم عرف أن العلم إنما يطلبه للسعادة الأبدية بالذات ، والرئاسة لازمة له ، قَصَد أم لم يقصد ».

 $4- علم الأنبياء والأوصياء(عليهم السلام) الخاص

   عقد الكليني(رحمه الله) في الكافي (1/41) باباً بعنوان: (باب بذل العلم) روى فيها روايات وفيها صحيح السند ، وأورد الشهيد الثاني(رحمه الله) في منية المريد/184، ما يشعر بوجوب بذل العالم لطالبه، قال: « السادس: بذل العلم عند وجود المستحق وعدم البخل به ، فإن الله سبحانه أخذ على العلماء من العهود والمواثيق ما أخذه على الأنبياء(عليهم السلام) لَيُبَيِّنُنَّهُ للناس ولا يكتمونه . وعن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قرأت في كتاب علي(عليه السلام) : إن الله لم يأخذ على الجهال عهداً بطلب العلم ، حتى أخذ على العلماء عهداً ببذل العلم للجهال ، لأن العلم كان قبل الجهل . وعن أبي عبد الله(عليه السلام) في هذه الآية: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً ، قال: ليكن الناس عندك في العلم سواء . وعن جابر الجعفي عن أبي جعفر(عليه السلام) : زكاة العلم أن تعلمه عباد الله ».

   والمعنى الأولي لذلك أن تدريس العلم وتعليمه واجب على العلماء والطلبة ، وسيرة سلفنا الصالح في حوزاتنا العلمية أن لايأخذ الأستاذ أجرة ، وقد بحث فقهاؤنا أخذ الأجرة على الواجبات والمستحبات .

   لكنا غرضنا هنا أن نبحث كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي نص فيه على أنه لايكاد يجد طالب العلم الذي يستحق أن يبذله له !

  قال(عليه السلام) : «ياكميل العلم دينٌ يدان به ، به يكسب الإنسان الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته . والعلم حاكمٌ والمال محكومٌ عليه .

  يا كميل هلك خزان الأموال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر . أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة . ها ، إن هاهنا لعلماً جماً ، وأشار إلى صدره ، لو أصبت له حملة ! بلى أصبت لقناً غير مأمون عليه ، مستعملاً آلة الدين للدنيا ، ومستظهراً بنعم الله على عباده ، وبحججه على أوليائه. أو منقاداً لحمَلة الحق ، لا بصيرة له في أحنائه ، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة . ألا لا ذا ، ولا ذاك !

   أو منهوماً باللذة ، سلس القياد للشهوة ، أو مغرماً بالجمع والإدخار ، ليسا من رعاة الدين في شئ ، أقرب شئ شبهاً بهما الأنعام السائمة !    كذلك يموت العلم بموت حامليه !

  اللهم بلى ، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة ، إما ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً ، لئلا تبطل حجج الله وبيناته . وكم ذا ، وأين أولئك ؟ أولئك والله الأقلُّون عدداً والأعظمون قدراً ، يحفظ الله بهم حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم ، ويزرعوها في قلوب أشباههم . هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة ، وباشروا روح اليقين ، واستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى . أولئك خلفاء الله في أرضه ، والدعاة إلى دينه . آه آه شوقاً إلى رؤيتهم! إنصرف ياكميل إذا شئت».(نهج البلاغة:4/36).

   فالإمام(عليه السلام) يتكلم عن علم خاص لم يجد له أهلاً، وإلا فقد بذل هو العلم أكثر من غيره ، فهو يقول للمسلمين إن عدم بذله هذا العلم الخاص ليس بخلاً عليهم بل لأنه لايجوز بذله إلا لأهله ، وهم الأئمة من بعده(عليهم السلام) ، وبعض الخاصة مثل ميثم التمار ، وحبيب وكميل، كلٌّ بما يستطيع أن يتحمل، ولو بذله لعامة الناس لأساؤوا استعماله ، فهو من باب قوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ .

 

 $5- فوائد مجالس الأستاذ وأحاديثه وكلماته

   كنا نقضي وقتاً كثيراً مع أستاذنا آية الله الشيخ إبراهيم سليمان(رحمه الله) ، فقد كان يحبنا ، وكان بيته مفتوحاً للزائرين ، وقد استفدت كثيراً ، من أحاديثه وتعامله مع الناس ، ومن مجالس العلماء في بيته . فكانت السنتان وكسراً التي أمضيتها عنده ، مرحلة تأسيسية في البناء الفكري والروحي ، وكانت دراستي متواصلة ، فلم نعطل إلا أيام الجمعة ويوم عاشوراء ، وأوقاتاً قصيرة أذهب فيها الى قريتنا ، كما كان أستاذنا(رحمه الله) قليل السفر .

  وقد درست في هذه المدة: شرح قطر الندى ، وألفية ابن مالك بشرح ابنه ، وقسماً من مغني اللبيب لابن هشام، وحاشية ملا عبدالله اليزدي في المنطق، وهي تعليقة على كتاب تهذيب المنطق للتفتازاني ، وقسماً من شرح الشمسية في المنطق لقطب الدين الرازي ، وهو من تلاميذ العلامة الحلي(رحمه الله) .

 والمختصر في المعاني والبيان ، وقسماً من المطول للتفتازاني ، والدر الثمين للسيد الأمين ، وقسماً من شرائع الإسلام للمحقق الحلي ، وقسماً من اللمعة الدمشقية وشرحها للشهيدين .

  والأهم من إتقان هذه المواد ، الفوائد الكثيرة من الأستاذ(رحمه الله) في العقائد والفقه والتاريخ والسيرة والأدب ، والتعرف منه على العلماء الذين درس عندهم وزاملهم وعاصرهم ، وكثير من قصصهم التربوية للطالب .

   فعندما كان يوجهنا الى الإهتمام بالمباحثة ، كان ينقل قصص المباحثة ، وينتقد الطالب الذي يكابر ويجادل ولايعترف بخطئه عندما يتبين له وجه الحق ، ويمدح الشيخ يوسف الفقيه(رحمه الله) ويقول: ما رأيت مثله! فقد كان في عمر والدنا ، لكن عندما نناقشه في مسألة ويتبين له خطؤه ، يتغير فجأة من مدافع متشدد الى شاكر مؤيد فيقول: أحسنت أحسنت ، انتبهت الى وجه الحق في المسألة ، جزاك الله خيراً .

   وكان أستاذنا(رحمه الله) يهتم بالقصص المؤثرة المفسرة للآيات والأحاديث الشريفة . وقد حفظت منه الكثير ، جزاه الله خيراً ، وقدس نفسه الزكية .

 

~          ~

 

 $6- أكملت قطر الندى فأخذني الوالد الى السيد(رحمه الله)

 

   جاء الوالد(رحمه الله) الى البياض ليزورأستاذي الشيخ(رحمه الله) ويتفقدني ، فأخبرته أني أكملت القطر وبدأت بدراسة الألفية ، ففرح بذلك وأخذني معه الى صور لزيارة السيد شرف الدين(رحمه الله) وكأنه كان أخبره أني في أواخر القطر .

   فلما دخلت وسلمت أجابني السيد(رحمه الله) باستبشار: وعليكم السلام ، أهلاً وسهلاً ، إعرب: أهلاً وسهلاً . فقبلت يده وجلست وأجبته: مفعولين لفعلين محذوفين وتقديرهما: قدمت أهلاً ومشيت سهلاً . فقال: أحسنت ، أحسنت ، الديك الفصيح من البيضة يصيح . إعربها ، إعربها !

   فقلت له: الديك مبتدأ ، فقال: أين خبره ؟ قلت: جملة يصيح .

  فاستبشر وقال: أحسنت بأبي أنت وأمي ، الآن أسألك شعراً :

  يوجد سيد جليل القدر ، يقول عن ثأر جده الحسين(عليه السلام) :

ما لي أسالمُ قوماً عندهم تِرتي

 

لا سالمتني يدُ الأيام إن سلموا

   فأخذت أعربه فكنت أصيب وأخطئ ، فإن أصبت شجعني وفدَّاني ، وإن أخطأت صحح لي كأني لم أخطئ ! 

   ثم قال لي: إذهب الى الداخل وقل للحاجَّة تعطيك سبحة وتربة للوالد ، وسبحة وتربة لك ، فذهبت ووجدت امرأة كبيرة السن ، فأعطتني ما أمر به السيد(رحمه الله) ، وأعطاني هو كتاب: الى المجمع العلمي العربي بدمشق ، وهو ردٌّ على رئيس المجمع محمد كرد علي ، ينقض فيه تجنياته على الشيعة .

  وقد فكرت كيف أمرني السيد(رحمه الله) أن أذهب الى داخل بيته ، وأنا مميز وعمري أكثر من ثلاث عشرة سنة؟ وقدرتُ فيما بعد أنه(رحمه الله) لايرى التمييز وحده موجباً لحرمة النظر ، فإن لم يكن المميز من أهل النظر بريبة فلا يحرم.

 

 

 $7- العلاقة بين طلبة الحوزة وطلبة الكليات الأدبية

 

   يشعر طلاب الفروع الأدبية في الجامعات بنوع من الزمالة مع طلبة الحوزة ، لأنهم مثلهم يدرسون قواعد اللغة وأدبياتها .

   وهم يحترموننا لأنا نتعمق في اللغة أكثر منهم ، وندرس في النحو الألفية والمغني ، أهم مرجعين في النحو . ونتعمق في الدراسة أكثر من طلبة الجامعات ، ونتباحث في المسائل النحوية في مجالسنا أكثر منهم .

   وكان بعض الناس يعرفون هذه الزمالة بيننا ، ويحبون أن يروا المناقشات أو المباراة بين طلبة الحوزة وأساتذة اللغة العربية في المدارس .

   كنت يوماً في صور أنتظر السيارة الى قانا ، وكان وقت انتهاء الدوام ظهراً وخروج الأساتذة من الثانويات ، فتقدم اليَّ أحدهم وكان يعرف أني طالب علم ، فقال: أيها الشيخ الصغير كيف تعرب:

ذراني والفلاةَ بلا دليل ٍ

 

 ووجهـيَ والهجـير بلا لثــامِ

فأجبته ، وسألني آخر فأجبته ، فاجتمع عدة منهم يسألوني ويعجبون من معرفتي بالنحو على صغر سني! وكان قربنا بائع فلافل ضخم الجثة يلقب (شحِتُّو) فقال: ليس هذا من الإنصاف ، تسألون أنتم الشيخ الصغير ، يجب أن يسألكم هو ! قال أحدهم فليسأل ، فسألتهم عن إعراب قوله:

 

صالحاً صالحاً وإن جا بجرم
ج

 

 

سالكٌ سالكاً سبيل الرشاد

   فلم يعرفوه ، لأن نطق التنوين والنون واحد ، وحقه أن يكتب: صالحن . سال كن . ومعناه صالحْ صالحاً ، ويا سالمْ كن سالكاً .

   ففرح بائع الفلافل ورفعني بيديه قائلاً: ديكي الشيخ الصغير ، هيا إسألوه وليسألكم ، والجائزة عليَّ ! فكأن المسألة عند صاحبنا مباراة ديكة !

   واستكملنا الأسئلة وودعني الأساتذة باحترام ، وأراد صاحبنا الطيب بائع الفلافل أن يعطيني جائزة ، فلافل ، فشكرته وانصرفت .

   وكنت كلما ذهبت الى صور ورآني ، يترك عمله في دكانه ويأتيني مرحِّباً ، ويطلب مني أن أقف عنده حتى يأتي أساتذة اللغة العربية ، فلا أقبل ، فيلتفت يميناً وشمالاً ، لعله يرى أحداً منهم فيدعوه الى مباراتي !

 

  $8- استكشفت أودية البياض وربواتها

   كنت وزميلي الشيخ نجيب(رحمه الله) مختلفين في السليقة ، فأنا أحب الحركة في برِّية البياض للصيد أو التنزه والإستطلاع ، وهو لا يحبها .

   وكان يخاف من الحيات والكلاب والظُّلْمة ، وكنت لا أخاف منها ، بل  أطارد الحية حتى لو كانت كبيرة حتى أقتلها أو تهرب .

   أما الكلب فقد سمعت يوماً أنه يطارد الإنسان الذي يهرب منه ، ويخاف من الإنسان الذي يهاجمه ، فيهرب منه ، فقلت لأجرب أن أهاجمه ، فجربت فهرب مني ، فصرت أهاجمه وأمسك بذيله وأدور به بسرعة عدة دورات ، ثم أتركه دفعة واحدة ، فيهرب خائفاً وهو يعوي !

   كان زميلي يطمئن إذا خرج معي الى البرية ، حتى لو رأينا حية أو هاجمنا كلب ! لكنه لايحب الخروج إلا إذا كنا مجموعة وذهبنا لنجلس في مكان قريب ومعنا سماور الشاي . وبما أنه لم يكن لي رفيق في القرية غيره ، فصرت أذهب الى البرية وحدي !

   كنت في الصيف والربيع أذهب بعد إكمال دروسي ، ومعي بندقية لصيد العصافير ، فاستكشفت أراضي البياض من جهاتها الأربع ، وحفظت أكثر أوديتها من جهة قانا ، فقد كانت عامرة بالكُرُوم (البساتين) والعصافير .

   وكان استكشاف أودية البياض سهلاً عليَّ ، لأني تعودت على جبال ياطر وأوديتها وهي أضعافها في العمق والوعورة ، وأشجار الغابات .

   فقريتنا تعتبر من الجبل وترتفع عن سطح البحر نحو800 متراً ، بينما تعتبر البياض من الساحل ، ولاترتفع عن سطح البحر نصف ذلك .

  كما تتميز قريتنا بأن مساحة بريتها والأودية التابعة لها أكثر من غيرها من قرى جبل عامل ، فهي تمتد جنوباً الى حدود فلسطين ، ومن الجنوب الغربي الى ساحل صور . وأوديتها عميقة ، وأقربها الى القرية وادي الدُّب ، ثم وادي النِّطَارة ، وأطولها وادي العيون الغنية بالمياه ، وتستمر حتى تصل الى ساحل البحر بين الناقورة وصور . وأكثر أوديتها خضراء .  

   أما البياض ففيها وادٍ واحد عميق من جهتها الجنوبية الشرقية ، هو وادي عاشور ، وبقية أوديتها عادية ، وجبالها أقرب الى الربوات . 

   وفي الربيع اكتشفت مكاناً صالحاً للسكن قرب قرية البياض ، كَرْماً في زاويته من جهة الطريق غرفة ، تُخيِّم على سطحها شجرة لَوْزٍ وارفة .

   حاولت أن أقنع زميلي بالسكن هناك ، وقلت له: نسكن في الشتاء في الغرفة ، ونصنع في الصيف خيمة على سطحها . فقال إني أخاف في الليل ، فقلت له نَمْ أنت في الغرفة وأنا على سطحها ، وطمأنته بأن عندي كلب حراسة ، هو كلب ماشية محمد الشيخ محمود ، فلم يقبل .

   وقصة هذا الكلب أنه كان أبيض ضخماً مميزاً ، فكنت أطعمه باستمرار ، وربما أخذت له بعض زوائد اللحم من القصاب الوحيد في القرية ، وهو صاحب دكان البلدة ، وصاحب قطيع الماعز ، ومالك الكلب .

   كان محمد محمود (رحمه الله) شخصية مميزة في هدوئه وأخلاقه ومحبته ، وكان أهل القرية يتحدثون عن قصص قوته البدنية ، وكان يعرف أن كلبه اتخذني صديقاً ، ويتعجب من سرعة مجيئه اليَّ إذا سمع صوتي ، ولو من بعيد !

  قررت أن أسكن وحدي ، واستجزت أصحاب الكَرْم فأجازوا ، وكان أهل القرية يحبونني ويثقون بي ، فنقلت أسبابي ، وعلَّمت الكلب أن ينام عند الغرفة ، فكان إذا رجع مع القطيع عند الغروب يأتي لأعشيه وينام ، فإذا سمعتُ أجراس فحول القطيع بعد شروق الشمس ، قدمتُ اليه الطعام ، وأشرت اليه بأن يذهب الى قطيعه ، فيذهب ويعود مساء !

   كان أستاذنا(رحمه الله) يعرف مجريات حياتنا ، ولا يعترض على سكني في طرف البلدة ، ولا على ذهابي الى البرية أياماً في الأسبوع ، بل يبدي إعجابه وثقته بي ، ويمدح شجاعتي ، ويشجع زميلي أن يكون مثلي ، وكان مطمئناً الى أني أعطي الأولوية لدروسي ، ولا أغيب عندما يجب الحضور في بيته .

 

 $9- التطبيق الطفولي للفقه الذي نتعلمه

   تعلمت أحكام الوضوء ، وكنت ألاحظ الخلل في وضوء البعض فأتعجب لكن لا أجرؤ على تنبيهه الى ذلك ، لأني سمعت من أستاذي قصة الحسن والحسين‘كيف علما شخصاً الوضوء بأن طلبا منه أن يكون حكماً بينهما أيهما وضوؤه أصح ؟ فلما توضآ أمامه انتبه الى قصدهما وقال: جعلت فداكما وضوؤكما صحيح ووضوئي فيه خلل، وقد أردتما أن تنبهاني فشكراً.

   لكن غلبني الفضول يوم رجعت من البرية ومررت على مقبرة القرية ، فوجدت شيخاً في نحو السبعين يجلس على باب خيمة منصوبة على قبر ، وكان ابنه داخل الخيمة يقرأ القرآن . كانا من قرية عيثيث مستأجرَيْن لقراءة القرآن على روح الميت ثلاثة أيام متواصلة ، فهما يتناوبان القراءة  ليلاً ونهاراً ، يستريح أحدهما ويقرأ الآخر ، فجلست الى الشيخ وكان يأنس بي ويقول لي: سمِّعْنِي ماذا تعلمت من الشيخ ، فرأيت أن شواربه طويلة كلحيته ، فقلت له: سمعت من الشيخ أن النبي’قال: حُفُّوا الشوارب واعفوا اللحى ، وأراك أطلت شواربك !

   قال: نعم الحق معك يا علي . فقلت له: إذا أردت قصرتهما لك ، فعندي مقص صغير . قال: نعم ، قصرهما بارك الله فيك .

   فأخذت المقص وقصصت شواربه حتى جعلتها جماء ، فرآه أحدهم بعد ذلك وقد تغير منظره ، فسأله: لماذا فعلت بنفسك هكذا؟ فقال: هذا الشيخ الصغير علي ، قرأ علَّي الحديث وقص شواربي !

  وأخبر الشخص أستاذنا ، ولما دخلت عليه قال: تعال ياشيخ علي خبرنا كيف قصصت شوارب الشيخ فلان! فحكيت له ، فضحك وأعجبه فعلي!

 

 

 $10- دجاجة الشريفة خالة أهل البياض

   كانت هذه السيدة جارتنا ، وهي في الثمانينات من عمرها ، قصيرة القامة عابدة ، وكانت مَحْرَماً على أكثر أهل القرية ، لأنهم كانوا عقدوا زواجها وهي طفلة على جدهم الأكبر ، فهم ينادونها خالتي الشريفة !

  وكانت محتاطة في طهارة مأكلها ومشربها، فهي تحضِّر طعامها بيدها، وإذا أصر عليها أحدٌ بضيافة أو هدية تأكل من طعامهم ، ثم تطهر فمها .

  كان عندها دجاجات تُهدي من بيضها ، وتخصني بسهمٍ حتى بعد أن سكنت بعيداً عنها ، وفي صباح أحد أيام الشتاء كنت آتياً من سكني خارج القرية الى بيت أستاذي ، فوجدت الشريفة في الطريق مشدوهةً ، ولما رأتني صاحت: يا شيخ علي أنظر ! أخذها أخذها ، ها ، ذاك هو ، نزل من هنا !  ونظرت فرأيت الثعلب يحمل دجاجة ويركض منحدراً  باتجاه مرج الصفراء آخر وادي عاشور ، فركضت خلفه وضربت عليه أحجاراً فسبقني وغاب بين الصخور ، فصحت بكلب حراستي مراراً وإذا به جاء فأشرت له باتجاه الثعلب وركضت فركض معي ، وكأنه شم رائحته أو رآه فسبقني وتوغل بين الصخور الكبيرة ، وبعد دقائق عاد وفي فمه الدجاجة مجروحة في جناحيها فأخذتها منه ، وصعدت بها الى الشريفة ، ففرحت!

   قال لي أحدهم لقد رأيت الكلب في الجهة الثانية من وادي عاشور ، منقضاً من ذلك الجبل كالسهم، فتعجبت حتى عرفت أنك ناديته فجاءك !

 

 $11- دير عامص والحاج سعيد الآغا

 

   كنت معنياً بمعرفة الناس والقرى ، وقد  استفدت كثيراً من فترة العصر في بيت أستاذنا(رحمه الله)  ، وكان يجلس ويعمل في تأليف ، ويستقبل زائريه الذين يأتون من القرية وخارجها للأنس وشرب الشاي ، أو لمعرفة مسألة شرعية  أو لطلب المساعدة في حل مشكلة .

   كما كنت أذهب مع أستاذي الى بعض هذه القرى ، في مناسباتهم .  وأقرب القرى الى البياض دير عامص وتكاد تتصل بها ، وأصلها عاموس ، وهو من أنبياء التوراة وفيها سفر عاموس .

  كما أن عاموص قرية قرب بيت لحم (معجم البلدان:4/72) . وأسماء قرى جبل عامل من أصل سرياني ، أو عبراني ، أو عربي ، أو روماني . والبياض والبياضة إسم عربي للأرض التي يغلب عليها البياض .

   كان كثيرون من أهل دير عامص يزورون الشيخ(رحمه الله) ويرونني عنده ، أدرس أو أقدم لهم الشاي ، أو أستمع الى أحاديثهم . وبذلك تعرفت على عدد منهم . ومنهم المرحوم السيد حسين بزون ، وهو من وجهاء قريته ، وأصل هذه العائلة من العراق ، وهم سادة معروفون .

   ومنهم الحاج أحمد البنا ، وهو معمار: كان يذهب في شبابه الى فلسطين ويعمل في البناء هناك ، وله قصة سمعتها من أستاذي ، ثم سألته عنها .

   ومنهم أولاد الحاج خليل دبوق ، وهم أخوال زميلي الشيخ نجيب(رحمه الله)  .

   وكنت أذهب الى دير عامص ، إما وحدي أتصيد في جوارها حتى أصل الى كتف وادي عاشور العميقة الوعرة ، وأحياناً أذهب مع أستاذنا في مناسبة دينية ، أو مع زميلي الشيخ نجيب الى بيت خاله .

   ومن طرائف أهل هذه القرية أن أحدهم قال لأستاذنا: يامولانا ماذا أعمل! أنا دائماً أغضب وأسبُّ زوجتي ، وهذا حرام لكني لم أستطع تركه !  فقال له الشيخ(رحمه الله) : أنا أعلمك طريقة: إذا غضبت فاصرخ عليها على عادتك ، لكن بدل أن تقول (الله يلعن أباك) قل (اللهم يرحم أباك) ! وقل لها ما تريد واصرخ عليها كما تشاء ، لكن غَيِّر اللعنة الى رحمة ، وما شابه!

   وبعد مدة عاد الرجل وسلم على الشيخ وهو يبتسم ، وقال: الله يرحم والديك ياشيخنا ، ضَبَطَتْ المسألة ، أي نجحت . وذكر أن زوجته أخذت تضحك من صراخه بالترحم والدعاء لها ولأبيها وأمها !

   ومن طرائفهم المرحوم الحاج سعيد الآغا ، وكان مشهوراً في المنطقة بأنه يمسك الضبع ويركبه ، وبأنه يستطيع أن ينام وهو يمشي !

   وذات يوم أخذني أستاذي معه ليزور الحاج سعيد الآغا ، وقد عضه الضبع في رجله ، فوجدناه في فراشه وكان ضخم البدن أجش الصوت ، يحق للضبع أن يخاف منه ! فحدثنا كيف أمسك الضبع وكيف عضه ، قال:

   أصطاد الضبع بأن أختبئ في الغابة وأبكي كالطفل فيأتي الضبع ، وأكون حضَّرت له فخاً بحبل ، وبيدي عصا غليظة ، والمهم أن أمسك بأذنيه حتى أسيطر عليه بسهولة ، ثم أربط فمه بالحبل ، وآتي به الى القرية ، وقد أركب عليه فيكاد يحملني إن كان كبيراً، أو أمشي وأنا راكب عليه إن كان صغيراً! وأبقيه عندي حتى آخذه الى سوق يوم السبت في جُوَيَّا فأبيعه !

   وهذا الضبع جئت به وربطته هنا في محوطة الماشية ، وفي اليوم الثاني جاؤوا يصيحون بأن الضبع أفلت من رباطه ، فصعدت الى حائط الصِّيرة (المحوطة) وأنزلت السُّلَّم من داخلها وأخذت بيدي عصا معول ، وما أن نزلت الى أسفل السلم حتى هاجمني الملعون ، فضربته بالعصا على رأسه فأمسكها بأسنانه وتلها من يدي حتى كسرها ، وعضني في أصابع رجلي ، فناولوني عصا ثانية فضربته وسيطرت عليه ، وربطته ربطاً محكماً !

  سأله الشيخ: كيف صار جرحك الآن ، وماذا عملت له ؟ فأخرج قدمه الضخمة فإذا فيها آثار عضة الضبع في أصول أصابعها ، قال: أنا داويتها ولا أحتاج الى طبيب ، قلت لهم أعطوني زيت زيتون مغلياً ، فصببته على عضة الضبع وربطت قدمي ، تألمت في وقتها كثيراً ، ثم أخذت أتحسن !

  وذات يوم زرت بيت الحاج سعيد(رحمه الله) ، وكان ابنه أبو عباس يحب الأدب ويقرأ لي ما أعجبه من الشعر ، وكانت والدته حسنة الأخلاق تحتفي بي إذا زرتهم ، وتطلب أن أبقى الى وقت الغداء أو العشاء ، فلا أقبل .

  سألت الحاج سعيد: سمعت من الشيخ يا حاج أنك تمشي وأنت نائم؟ فقال: نعم ، أنام حتى لو كنت ماشياً في وادي عاشور! وهي واد عميقة وطريقها صعب! فسألته: وإذا وصلت الى مفرق ، فهل تعرف الطريق وأنت نائم ؟ قال: إذا وصلت الى مفرق أستيقظ ، فأحدد مسيري ثم أنام !

   وبعد سنوات حاولت أن أقلده وأنا أسير في طريق كربلاء ، فلم أنجح !

   كنا نمشي من النجف الى زيارة الحسين(عليه السلام) بجانب الشارع فحكيت قصة الحاج سعيد الآغا لزميليَّ السيد علاء الدين الحكيم والسيد مرتضى الحكيم رحمهما الله ، وقلت لهما أنا أنام في أي وقت ، وأريد أن أجرب اليوم النوم ماشياً ، فراقباني حتى لا أميل الى الشارع ، فتدهسني سيارة !

   وآخر ما أذكره قبل أن أنام أن رجلاي كانتا تتحركان هبوطاً وصعوداً ! ونمت حتى أيقظني زميلاي وقالا: أيقظناك لأنا خفنا أن تميل الى الشارع ، فقد خَفَّت سرعتك ولم تمش في خط مستقيم، بل كنت تميل يميناً أو شمالاً !

 

  ومن طرائف أهل دير عامص: أن رجلاً منهم زار الشيخ(رحمه الله) وكان أخبرنا عنه أنه يأكل الربا ، وكنت سمعت من الشيخ أنك لو أخذت تراباً من تحت قدمي آكل الربا ووضعته على بيت النمل يهرب النمل ! وكان في حديقة الشيخ الصغيرة بيت نمل عجزنا عن معالجته بالأدوية وبالنفظ ، فقررت أن آخذ له تراباً من تحت قدم ذلك الرجل ! فوضعت له كرسياً على التراب وحفظت مكان قدميه ، ولما ذهب أخذت من موضعهما تراباً ، فسألني الشيخ: ما ذا تريد به؟ قلت له: أريد أن أضعه على بيت النمل، فتبسم ، ووضعته عليه ! وفي اليوم التالي لم نجد أثراً للنمل!  فقد غادر ، وكأنه اشمأز من رائحة آكل الربا !

 

 $12- دير انطار والحاج عبد الله حجيج

   ومن طرائف قرية دير أنطار، أن الحاج محمود حجيج(رحمه الله) كان عنده كتاب فيه طريقة حساب العمر، وكان يخبر الشخص متى يموت ويصدق قوله! وقد حدثنا أستاذنا(رحمه الله) أن الحاج خليل دبوق جد زميلي الشيخ نجيب في دير عامص ، كان صديق الحاج محمود المذكور ، وذات يوم ركب الحاج محمود فرسه صباحاً وكان في قريته دير انطار ، فسألته زوجته الى أين؟ فقال: الى تشييع الحاج خليل دبوق في دير عامص ، فسألوه هل مات؟قال: اليوم يموت! وكان الوقت صباحاً والمسافة بين قريته ودير عامص ساعات  وكان الحاج خليل في ذلك الصباح صاحياً سالماً ، فصلى الظهر وسجد ، فتوفي وهو ساجد(رحمه الله) !ووصل الحاج محمود  بعيد وفاته فشارك في تشييعه!

   وكان أستاذنا يعتقد بصحة حساباته ، وقد توفي(رحمه الله) وورَّث كتابه الى ولده الحاج عبد الله ! وقد كتب أستاذنا في كتاب ترجمة حياته /78 ، عن الحاج عبدالله ، قال: «وقد ورث هذا العلم عن والده كما  روى لي بنفسه . وقد أخبر عن وفاة كثيرين وعن آجالهم ، وصدقت نبوءته ».

   ثم ذكر أستاذنا عدداً من نبوءاته التي صدقت ، وقال: « وفي إحدى الزيارات طلبت اليه أن يخبرني عن عمري ، فإن كان أجلي قريباً فلا تخبرني وإن كان بعيداً فأعلمني به ، فنظر اليَّ نظرة فاحصة ثم سألني عن برجي ، ثم سألني عن إسم الوالدة ، وبعد إجراء حساباته قال: عمرك مثل عمري طويل ، لكن أمامك قطوعاً إذا بلغ عمرك سبعة وخمسين عاماً، فإن سلمت منه تعش هذا العمر»! (حياة الشيخ إبراهيم سليمان بقلمه/78 ، دار الأضواء 1427).

   وسمعت من أستاذي(رحمه الله) قصة مشابهة عن شيخ من قرية عيثيث ، نسيت إسمه ، قال إنه كان مدعواً لعقد قران في قرية وادي جيلو ، وكان من عادتهم أن يصلوا الظهر ثم يذهبوا الى بيت والد العريس، فيتغدوا ثم يجروا مراسم العقد ، ويزفوا العروسين .

   فكان ذلك الشيخ يتغدى ، فعطس أحدهم عطسة من نوع ما ، فوجل الشيخ ، وقال لمرافقه: إنْهِ طعامك وقم بنا نذهب ، هذا العرس يتحول الى عزاء ، ونهض ! فتعجب الناس وحاولوا معه فقال لهم: ليعقد العقد غيري لا بد أن أذهب ! وركب حماره وذهب ، فما لبث العريس أن مات بالسكتة بعد نحو ساعة ، فجعلوا عرسه مأتمه !

 

 $13- مزرعة مشرف والشيخ حسين سليمان

   تعرفت على قرية مزرعة مشرف ، التي تقع مقابل البياض، ويفصل بينهما وادي عاشور ، وهي واد عميقة حادة ، لا يمكن النزول اليها مباشرة من جهة البياض ، ولا الصعود منها مباشرة الى مزرعة مشرف ، بل لابد من الدوران من جهة مرج الصفراء ، الذي يقال إنه باسم الصفراء زوجة موسى(عليه السلام) ، وإن الحرب بينها وبين وصيه يوشع بن نون(عليه السلام) كانت فيه ، وقد وردت الرواية في حربهما ، لكن لا دليل على أنها في مرج الصفراء هذا.

   قال في أعيان الشيعة:10/125، عن مزرعة مشرف: « الشيخ مشرف الوائلي العاملي من آل علي الصغير ، توفي في صيدا سنة1112في صفر ، واليه تنسب مزرعة مشرف التي فوق وادي عاشور بساحل صور، وداره فيها باقية للآن ، وبنى فيها مسجداً كبيرا إلى جهة الغرب هو الآن خراب . حدثني بعض آل سليمان وهم بيت علم قديم ، أن أحد أجداده من العلماء الصلحاء كان في المزرعة أيام الشيخ مشرف ، فلما بنى المسجد المذكور لم يصلِّ فيه ذلك العالم لأن بانيه ظالم ! وبنى مسجداً بيده يساعده بعض فقراء القرية ، وهو المسجد المشرف على وادي عاشور ويرى من الوادي ».

   أقول: تعرَّض جد آل سليمان(رحمه الله) الى مضايقات الزعيم مشرف ، فهاجر مغاضباً الى البياض ، وأسس هذه القرية .

   ومن طرائف مزرعة مشرف ما سمعته من أستاذي ، أن وجيهها والد الحاج عقيل وزني ، أرسل الى الشيخ حسين سليمان(رحمه الله) وهو عم أستاذنا ، يطلب منه الحضور لأنه مريض مرض الموت ويريد أن يوصي ، فزاره الشيخ حسين(رحمه الله) فقال له: أدع الله لي أن يمد في عمري حتى يرجع ابني من أمريكا وأراه قبل موتي . وكان الشيخ يصلي في الليل ، فرأى المريض سقف بيته انفتح وفيه شخص واقف يسأل آخر فوقه: هل أنزل ؟ قال له: لا ، إن الشيخ حسين لا يقبل ، وقد جاء الأمر بتمديد عمره خمس سنوات !

   فكبَّر المريض وأخبرهم بما رأى ، وشفي ، وعاش خمس سنوات بالضبط  وجاء ولده بما جمعه من ثروة ، وقرت به عينه !

 

 $14- قانا الجليل المجاورة للبياض

   وتعرفت على قرية قانا ، ويبدو أنها قانا الجليل المذكورة في الإنجيل ، قال في قاموس الكتاب المقدس/709: « قانا الجليل: وقانا إسم عبري معناه مكان القصب ، وهي مدينة شهيرة صنع المسيح أعجوبته الأولى فيها وهي تحويل الماء إلى خمر (يو2: 1) وبعد ذلك صنع عجيبة ثانية فيها وهي شفاء ابن خادم الملك (يو4: 46) وكانت وطن نثنائيل ( يو21: 2) وكل ما نعرفه من الإنجيل عن موقعها هو أنها في الجليل بمكان عال بالنسبة إلى كفر ناحوم ، إذ يقول يوحنا في إنجيله (يو2:12) وبعد هذا انحدر إلى كفر ناحوم وخادم الملك الآتي من كفر ناحوم إلى قانا حيث كان يسوع طلب منه أن ينزل ليشفي ابنه (يو4:46و47) ويرجح أنها خربة قانا شمالي الناصرة بثمانية أميال . وهناك عيون ماء ومستنقعات وكثيرة القصب . يوسيبيوس وجيروم يؤيدان هذا الرأي بقولهما إن قانا الجليل تقع بالقرب من صيداء . ويقول بعضهم إنها كفركنا ، التي تقع شمال شرقي الناصرة بأربعة أميال ».

   وفي قاموس الكتاب المقدس/710: «قانة: اسم عبري معناه موضع القصب وهو اسم مدينة في أشير(يش 19: 28) غير قانا الجليل المار ذكرها ، والمرجح أنها هي القرية الكبيرة المسماة اليوم باسم قانا الواقعة على بعد نحو6 أميال إلى الجنوب الشرقي من صور ». ونلاحظ أن هذا المرجع الكنسي يجعل قانا التي زارها المسيح(عليه السلام) قرب الناصرة ، لكن الشهرة والعمل في لبنان على أنها التي قرب صور . ونحن نقبل الشهرة لكن لا نقبل رواية أن المسيح (عليه السلام) ساعد الناس على شرب لخمر وحوَّل الماء الى خمر ، لأن الخمر محرم في دينه وفي كافة الأديان ، وقد نصت على ذلك التوراة والإنجيل .

  وفي قانا سوق الأحد ، يقصدونها من القرى للتسوق . وفي بنت جبيل سوق الخميس . وفي النبطية سوق الإثنين . وفي جُوَيَّا سوق السبت . وهكذا قسموا الأسواق في جبل عامل على قرى الجبل والساحل .

  وكنت أذهب الى قانا في طريقي الى قريتنا ياطر، وتعتبر مع البياض ساحلاً وقريتنا جبلاً، وكنت أذهب الى قانا أحياناً مع أستاذنا لزيارة صديقه الوجيه الحاج حسن فتوني. وآل فتوني أصلهم من النبطية ، ومنهم الشريف أبو الحسن الفتوني(رحمه الله) جد صاحب الجواهر(رحمه الله) لأمه ، فآل الفتوني أخوال آل الجواهري ، وله كتاب ضياء العالمين في العقائد، يجري إعداده للطباعة.

 

 وفي قانا آل الصائغ ، وجهاء وعلماء ، وقد عرفت منهم الشيخ بدر الدين الصائغ ، وقد توفي السنة الماضية(رحمه الله) وجاوز المئة سنة ، ولعله آخر تلامذة الميرزا النايني(رحمه الله) . وعرفت ابنه الشيخ جعفر الصائغ(رحمه الله) ، وكانت له فراسات عجيبة يخبر فيها عن أحداث فتقع كما أخبر ! وله ابن فلكي معروف هو المهندس محمد علي الصائغ ، نابغ في الفلك والحساب .

   وفي قانا حي مسيحي فيه كنيسة ، تقع على قرن البلد من جهة البياض ويتعايش أهلها مع الشيعة في المنطقة ، وتربطهم بهم علاقات حسنة .

 ولا يتسع المجال لذكر بقية القرى في محيط البياض . وهي أبعد عنها نسبياً.

 

 $15- تعرفت على شخصيات عديدة في البياض

   أول من تعرفنا عليه من العلماء الشيخ سليمان سليمان(رحمه الله) ، وهو ابن عم أستاذنا ، وكان هادئاً خلوقاً ، يحبني أنا وزميلي الشيخ نجيب(رحمه الله)  ، وقد يسألنا في مسألة نحوية أو فقهية ، ويدعونا أحياناً الى منزله . وقد تزوج زميلي الشيخ نجيب من كريمته .

   كما تعرفت على المرحوم الأستاذ كامل سليمان(رحمه الله) أخ أستاذنا ، وهو شاعر وصاحب كتاب يوم الخلاص ، وكان مدير ثانوية في صور ، لطيف المعشر ذكي ، وكان ينشدنا قصائد طريفة . سألني ذات يوم: هل تستطيع أن تذهب ماشياً الى قانا (4كم) ولا تضع قدميك إلا على حجر؟قلت: لا. قال: أنا فعلتها ولم تمس قدماي التراب ، بل كنت أقفز من حجر الى حجر !

   وتعرفت أكثر على أقاربنا مشايخ حاريص ، وكبيرهم الشيخ علي الفقيه  وكان وجيهاً معروفاً في جبل عامل(رحمه الله)  ، يقصده الناس للحاجات وحل المشكلات ، وكان اجتماعياً من الدرجة الأولى ، مرتب الشكل والحديث .

  وكان يرسل أبناءه كلهم الى حوزة النجف ويقول: من أراد منهم أن يبقى ويكون عالماً فبها ونعمت ، وإلا يتعلم ما يحفظ به دينه .

   وبقي في النجف ثلاثة من أولاده وصاروا علماء وهم الشيخ يوسف والشيخ عبد الرحمن ، وأكبرهم أستاذنا الشيخ مفيد حفظه الله ، وقد أسس حوزة علمية في حاريص ، وسيأتي ذكره في الحديث عن النجف .

   ومنهم الشيخ عبد الإله الفقيه(رحمه الله) ، وهو زميلي في مرحلة في النجف ،    أما كبير آل الفقيه في النجف ، فهو آية الله الشيخ محمد تقي الفقيه(رحمه الله) .

   كما تعرفت على علماء وشخصيات ، في ذهابي مع أستاذنا(رحمه الله) الى عدد من قرى المنطقة قانا ، وحناويه ، وعيثيث ، وجويا ، ومزرعة مشرف ، ودير انطار ، ودير عامص ، وحاريص ، وتبنين ، وصديقين ، وزبقين  .

 

 

 

 $16- قصة الشيخ رضا فرحات مع الشيخ البهائي

   وممن تعرفت عليه من العلماء الشيخ رضا فرحات(رحمه الله) ، وهو من قرية عرب صاليم ، وهو مؤسس مسجد برج حمود في بيروت ، وهي محلة مختلطة من الشيعة والأرمن والمسيحيين .

   ونقل عنه أستاذنا أنه أيام كان في النجف وجد عملاً كتبه الشيخ البهائي لمن أراد أن يراه بعد موته ويسأله سؤالاً واحداً ! فعمل الشيخ رضا العمل فصام الأيام المحددة ، والتزم بالسور والأوراد الخاصة ، وكان في آخرها أن يذهب الى وادي السلام ويجلس وحده الى الزوال ، فيمر عليه الشيخ البهائي(رحمه الله) فيسأله سؤالاً واحداً ، فيجيبه عليه وهو ماشٍ !

  وعرف الطلبة عمل الشيخ رضا ، ومزح معه بعضهم بأنه سيذهب في اليوم المحدد ليرى الشيخ البهائي ، فغضب وحرَّج عليهم أن يخربوا عمله .

  وفي اليوم المحدد ذهب الشيخ رضا الى مقبرة وادي السلام وجلس فيها حتى الظهر ، فرأى الشيخ محمد جواد مغنية(رحمه الله) يمرُّ أمامه هناك فقال له: لقد حرمت عليكم أن يأتي منكم أحد ويخرب عملي ، فلم يجبه ومرَّ ذاهباً .    وعاد الشيخ رضا غاضباً ، ورأى الشيخ محمد جواد مغنية(رحمه الله) فوبخه لماذا جئت وخربت عملي؟! فحلف له أني لم تطأ قدمي وادي السلام اليوم!

   قال أستاذنا الشيخ(رحمه الله) : كان الذي مرَّ أمامه الشيخ البهائي(رحمه الله) وهو يشبه الشيخ محمد جواد مغنية ، وتخيل الشيخ رضا أنه هو ولم يسأله مع الأسف .

 

  ونقل أستاذنا عدداً من قصص الشيخ البهائي(رحمه الله) ، منها أنه زار قرية رأس العين وهي قرب صور معروفة بنبعها الكبير ، فشكى له أهلها نقيق الضفادع وأنه يزعجهم ليلاً ، فأخذ ورقة وكتب عليها شيئاً ، وقال: إرموها في النبع ، فرموها ، فسكتت الضفادع الى يومنا هذا !

 

 $17- كتاب الأوزان والمقادير لأستاذنا(رحمه الله)

   كنت أرى أستاذنا يعمل في تأليف كتاب وأمامه ميزان صغير كموازين الصاغة ، يزنُ فيه حبات حنطة أو حبات شعير بقطع معدنية صغيرة ، فسألته فقال: أعمل في الموازين الشرعية ، وأحولها الى الأوزان السائدة . وقد أكمل كتابه: الأوزان والمقادير الشرعية وطبعه بعد سفرنا الى النجف .  كذلك كان يعمل في كتابه:رواة الشيعة وجمهرة الأسانيد ، وبلغ27مجلداً .

  وقد أورد(رحمه الله) في كتاب: حياته بقلمه/68، دار الأضواء 1427، عدداً من مؤلفاته، وعامتها مخطوط ، أذكر منها ما أقدر أنه مميز ، ينبغي طباعته:

   1- أعيان آل سليمان .  2- بلدان جبل عامل . 3- علماء جبل عامل 10 مجلدات .  4- أمراء جبل عامل .  5- وقائع جبل عامل .  6- غرر الأدعية 11 مجلداً .

 

 $18- موقف أستاذنا مع القسيس إبراهيم

   التبشير المسيحي مفتوح في لبنان ، وكذا التبشير الإسلامي ، لكنهم يعملون ولا نعمل ، ويذهب مبشروهم الى القرى ويستعملون أسلوب الأخلاق والبشاشة ، وقد يتأثر بهم شخص هنا ، وشخص هناك .

  وكان يأتي الى البياض قسيس إسمه إبراهيم ، فيتحدث مع من يراه في الطريق أو البيت الذي يدعونه اليه ، ويوزع الإنجيل وبعض الكراريس .

   فشكى أهل القرية للشيخ بأن هذا القسيس قد يؤثر على بعض الأولاد ، فقال لهم إذا جاء الى البلد فادعوه الى بيتنا لأتحدث معه .

   وجاؤوا به يوم الأحد ، فرحب به أستاذنا ، وقدم له الشاي ، وقال له: بلغني أنك تدعونا الى عبادة يسوع عيسى المسيح(عليه السلام) ؟قال: نعم ، إن يسوع جاء بالخلاص لجميع البشر .

   قال له: لا بأس ، هل تعرف نسب يسوع الذي تدعونا الى عبادته ، فهو ابن مريم(عليها السلام) ، ثم ابن مَن؟ قال: إن نسب يسوع موجود في الإنجيل .

   قال: نعم رأيته ، فأخرج لنا إنجيل متي واقرأ لنا نسب المسيح(عليه السلام) .   فأخرجه وقرأ ، فقال له أستاذنا: إحسب عدد آباء مريم(عليها السلام) ، فعدهم ، وقال ثمانية وعشرون . وهم في الواقع ست وعشرون .

   قال له: لا بأس، أخرج إنجيل لوقا واقرأ نسبه، فأخرج إنجيل لوقا وقرأه  فقال أستاذنا:عُدَّ أجداده كم ترى عددهم؟فعدهم وقال: واحد وأربعون. فقال له: أيها القسيس ، إنك تدعونا الى عبادة شخص لاتعرف نسبه!  فأرجو أن تبحث وتحقق نسب ربكم أولاً ، ثم تأتي الى البياض وتدعونا الى عبادته ! فخجل القسيس ، وذهب ولم يعد الى القرية !

   قال الشيخ البلاغي(رحمه الله) في كتابه: الهدى إلى دين المصطفى:1/173، و246: « إن الأناجيل التي يدعون تواتر سندها إلى رسل موحى إليهم ، قد اختلفت اختلافاً كثيراً يوضح أنها ليست من عند الله ، ويكفي ذلك اختلافها الفاحش في نسب المسيح(عليه السلام) » .

   وقال المرحوم سعيد أيوب في ابتلاءات الأمم/117: «ولقد تضارب إنجيل متي مع إنجيل لوقا في نسب المسيح إلى داوود ، فبينما يذكر متي أن من داوود إلى المسيح 26جيلاً ، يذكر لوقا إنه 41 جيلاً ! وبينما يذكر متي أن يوسف النجار ابن يعقوب يذكر لوقا إنه ابن هالي ! وبينما يذكر متي أن المسيح من ولد سليمان بن داوود ، يذكر لوقا إنه من ولد ناثان بن داوود ! وبينما يذكر متي أن شلتائيل ابن يكنيا ، يذكر لوقا إنه ابن نيري ! وبينما يذكر متي أن ابن زور بابل يدعى أبيهود ، يذكر لوقا إنه يدعى ريسا » !

 

 $19- من آراء أستاذنا السياسية 

   كان أستاذنا(رحمه الله) يسمع الأخبار ، لكنه يخفض صوت الراديو حتى تنتهي الموسيقى قبل النشرة . وكان كعامة الناس يهتم بأخبار العدوان الغربي على قناة السويس ، ويفرح بانتصار الجيش المصري عليهم ، لكنه كان لايحب جمال عبد الناصر، لأن سياسته في البلاد العربية لاتخدم الشيعة بل تضرهم. ففي العراق والأردن واليمن يتبنى عبد الناصر الثورة على الملكية وهم على أي حال من بني هاشم ، وفي لبنان يتبنى زعماء السنة ويهمل زعماء الشيعة .

  كانت العروبة تعني لأستاذنا حكم الخط السني المعادي للشيعة ، والميزان عنده مصلحة الشيعة ، كما يفهمها ويقدرها(رحمه الله) .

   وفي السياسة اللبنانية كان ينتقد زعماء الشيعة لأنهم لايخدمون طائفتهم ، ويضرب مثلاً لذلك تبليط طريق البياض، ويقول: كلما راجعنا أحمد بك الأسعد يقول: مشايخ البياض علمائهم بيضاء وقلوبهم بيضاء ، ويعدنا ولا يفي! وقد غير ولاءه التقليدي لبيت الأسعد الى بيت الخليل ، لعلهم يخدمون ! لكن بيت الخليل لم ينجحوا في الإنتخابات ، لأنهم محسوبون على رئيس الجمهورية كميل شمعون ، وهو متطرف ضد سياسة عبد الناصر ، بينما وقف أحمد الأسعد مع المعارضة ، وما سمي بالثورة على شمعون !   

   هكذا كان الجو السياسي في لبنان صراعاً بين خط عبد الناصر ومعه جمهور السنة ، وقسم من جمهور الشيعة ، وبين الخط الآخر ، ومعه جمهور المسيحيين وبعض المسلمين .

   وكان أكثر العلماء نفوذاً آية الله السيد شرف الدين(رحمه الله) ، فله احترام في أوساط الشيعة ، لكن غاية ما يمكنه فعله أن يخاطب الدولة أو الزعماء مطالباً ببعض الخدمات ، فلا يستجاب له ، أو يستجاب له جزئياً وشكلياً !

   وأما زعماء الشيعة السياسيون ، فلم يكونوا أصحاب قدرة على الفعل المستقل، بل يعيشون على الهامش في ظل النفوذ السني أو المسيحي .  

  ولذا كان تأثير الشيعة في الحياة السياسية في لبنان شكلياً ، وكانت مناطقهم تغرق في الفقر والحاجة والبطالة ، وانعدام الخدمات !

   وقد سبب هذا الواقع الصعب ، زيادة في هجرة الشيعة الى المهاجر المختلفة طلباً لعيش أفضل، كما سبب نمو الأحزاب اليسارية ، بشعاراتها التي تنتقد الواقع العربي وتعد الناس بمستقبل أفضل ، ولم يستطع العلماء والمتدينون من منعها حتى في بيوتهم !

  فقد رأيت أن المدرسة  الجعفرية في صور التي بناها السيد شرف الدين (رحمه الله) بتبرعات مغتربي الشيعة ، وبجهود مديدة ، حوَّلها أساتذتها الى مركز لحزب البعث ، وكان هتاف طلابها:

جينا يا مصر جيناكِ

 

جينا تنناضل وياكِ

نحن الصوت اللي لبَّاكِ

 

البعث العربي الإشتراكي

   وكان أستاذنا(رحمه الله) يراهم مغرورين تابعين لميشيل عفلق النصراني الغربي.

 

   كنت أعتقد بأكثر أفكاره أستاذنا(رحمه الله) ، وأطمح الى عمل أساسي أنجح من وسائلنا القروية ، لنشر التوعية في الناس ، وتحقيق النهضة في المجتمع .

   لم أكن مقتنعاً بمشروع عبد الناصر ، لأني أراه شعارات أكثر منه عملاً ، ثم هو مشروع سني لا ينصف الشيعة ، وإن كان القوميون يتقربون الى الشيعة بأن عبد الناصر منفتح على الشيعة وزوجته شيعية من أصل إيراني. ولا مقتنعاً بوضع الشيعة في لبنان ، لأني أراهم مضطهدين غير منصفين ، وزعامتهم السياسية على هامش الزعامة السنية والمسيحية ، وأكثر علمائهم على هامش زعامتهم ، وكنت أتعجب من الأفق القروي لأكثرهم !

  كانت سنوات الخمسينات والستينات في العالم العربي عهد زعامة جمال عبد الناصر، وقد بلغت أوجها عندما أعلن تأميم قناة السويس ، وأنهى العقود المصرية مع الفرنسيين والإنكليز في استثمارها ، فوقع العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي على قناة السويس لاحتلالها ، فقاومهم عبد الناصر عسكرياً وشعبياً ، وانتصر عليهم .

  وقد استمرت الموجة الناصرية حتى انهزم عبد الناصر أمام إسرائيل في حرب حزيران 1967، فقويت الأحزاب اليسارية المناهضة له .

 

 $20-  مضار تعدد اهتمامات طالب العلم ومنافعها

   لو سألني أحدٌ يومها عن برنامجي لقلت له: إني أعطي لدروسي الوقت الكافي للدرس والمباحثة والمطالعة والحفظ ، وأحفظ أكثر ألفية ابن مالك ، ويشهدون لي في اللغة والنحو مع صغر سني، وقد نظمت الشعر ولم أبلغ الخامسة عشرة. أما اهتمامي بالخروج الى البرية ، أو بزيارة بعض القرى مع أستاذي أو وحدي ، فلم يؤثر على دروسي بل قد يكون نفعني فيها .

  لكني بعد أن كبرت سألت نفسي عن فائدة تلك الإهتمامات المتعددة التي كنت أصرف فيها من وقتي وذهني؟ ثم عن تأثيرها على تقدمي العلمي؟

  أرى اليوم ضرورة توجيه الطالب من صغره ، وأنه ينبغي له ولأستاذه أن يفهم اهتماماته الطبيعية المفيدة فيشجعه عليها ، كما ينبغي أن يزرع في ذهنه اهتمامات أخرى ، ويفتح له أبوابها .

   لست نادماً على تلك الإهتمامات في ذلك السن ، لكن أتمنى لو اتجهت من يومها الى المطالعة في السيرة والتفسير .. وحفظ القرآن ونهج البلاغة...

   وكم أشعر لأستاذي(رحمه الله) بالفضل والجميل ، لأنه لم يمنعني من اهتماماتي الطبيعية ، بل كان يبدي إعجابه ويشجعني مع زميلي على التحرك واللعب! أذكر أنه أمرني ذات يوم أن أشتري كرة فاشتريتها ، فقال تعالوا أنت والشيخ نجيب والأولاد والعبوا هنا ، وكان يجلس على البيدر ، فلعبنا أمامه مع بعض الصبيان ، وكان فرحاً بذلك ! قال(رحمه الله) : في هذا السن يجب أن تلعبوا ، ومن لم يلعب في صغره يخشى أن يلعب في كبره !

   كان يقدر صغر سننا يومها ، ويحرص على أن نتلقى الدروس براحة ورغبة ، وأحمد الله تعالى أني قضيت عنده سنتين وكسراً  ، واستفدت منه ما يدرسه غيري في خمس سنوات  ، فجزاه الله عني خير الجزاء . 

 

 $21- الأجواء الأدبية في البياض وياطر

   الى سنوات خلت ، كان تأثير العلماء في ثقافة الناس في جبل عامل أكثر من تأثير كل المدارس ، ووسائل الإعلام !

  فقد كان الناس يستفيدون من مجالس العلماء العامة والخاصة ، ومن مجالس التعزية التي يعقدونها في أسابيع موتاهم ، وفي المناسبات الدينية .

   وكان عدد من أهل القرية ينجذبون الى المطالعة، فيشترون الكتب التاريخية والأدبية ، ويقرؤونها ويتداولون أحاديثها، ونبغ بعضهم فصار خطيباً أو أديباً ، ومنهم من يشارك في الخطابة أو بقصائده في المناسبات .

  من باب المثال كنت تجد الناس حتى العوام في قريتنا ياطر ، يتذوقون الأدب والشعر ، وكان فيهم ثلاثة شعراء عصاميون ، هم الأستاذ توفيق كوراني ، والأستاذ عبد الله قعيق ، والحاج شبلي الذيب .

   والأولان لهما قصائد جيدة ومشاركات في المناسبات . وكان الحاج شبلي  أمياً لا يقرأ ولايكتب ، لكنه لغوي ينقد المفردات والعبارة العربية ، وشاعر ينظم القصائد الحسنة !

  وقد استفدت من الذوق الأدبي لأستاذنا(رحمه الله) وكان شاعراً ، ومن أخيه الأستاذ كامل سليمان(رحمه الله)  ، فتعلمت وزن الشعر وبعض نقده ، ونظمت وأنا في الرابعة عشرة أبياتاً وقصائد ، منها في تهنئة أستاذنا بزواجه ، فقد طلبت زوجته الطلاق لأنهما لم يرزقا أولاداً ، فطلقها وتزوج ، فرزقه الله ابنتين . وقد فقدت القصيدة لكن أستاذنا(رحمه الله) نشر منها أبياتاً ، هي:

 أعلنت في يوم الزفاف سروري

 

وازداد أنسي واستبان حبوري

لما تبوأ بيتكم علوية

 

 من بيت قدس رائع مشهور

إن شئت يوماً مدحها قل إنها

 

بنت الرسول الطاهر المنصور

طوبى لمولى قد سما متعالياً

 

جمُّ المفاخر ؟؟سابق التعبير

سمحُ الخلائق قد حوى بخصاله

 

من كل وصفٍ فائحٍ بعبير

(كتاب حياة الشيخ إبراهيم سليمان /28،  دار الأضواء 1427).

    ونظمت الشعر بعد ذلك ، وشاركت بقصائد في بعض الإحتفالات في النجف والبصرة ، لكني لم أواصل اهتمامي بالشعر فبقي شعري في الدرجة الخامسة مثلاً. واهتممت بكتابة النثر الأدبي ، وكتبت مقطوعة بعنوان: سبحة كربلاء ، وبعض مقطوعات في كتاب: ملائكة الغيب قادمون .

  كان الإهتمام الأدبي سائداً في جبل عامل وقريتنا ياطر ، ومن أمثلته أن الحاج توفيق كَوْراني دعانا يوماً الى بيته لشرب الشاي ، ولما جلسنا  أنا وزميلي الشيخ نجيب ، والشيخ عبد الإله الفقيه ، قال توفيق: نحن ننتظر سماحة الشيخ يقصد الشيخ علي الفقيه ، فقد وعدنا أن يشرفنا . فقلت له: ونحن ننتظر ماذا؟ قال: تنتظرون الشاي ، فذهب ثم عاد وهو يقول:

 

 أسفي ويأس الخير من أحبابي

 

 

لم يذكروني في هوى وتصاب

لم يطرقوا بيتي لقاء مودة

 

إلا لكرع الشاي من أكواب

   فأجبته:

 لم نطرق البيت الكريم لجرعة

 

من شايكم تشفي غليل الصابي

لكنما الشاي المحلى خلقكم

 

 

 ليتمم الأفراح للأحباب

ومن شعر الحاج توفيق:

 

 أبكأس شاي خلت أنك حاتم

 

 

والشاي قيمة كاسه فلسان

وتظن أني أكتفي في واحد

 

وأنا الذي لايكتفي بثمان

 أنسيت يا عبد الرحيم موائدي

 

وقعودك الماحي دجاج خواني

   ومن شعر عبدالله أسد الله قعيق:

 

بكى قلمي فطارحه قصيدي

 

 

دموع الحزن في ذكرى الفقيد

بني وطني أفيقوا من سباتٍ

 

حذارِ من دموع المستفيد

يقاتل بعضنا بعضاً على مَ

 

وإسرائيل من خلف الحدود

   ومن شعري:

مـا أرانـي إلا قـريبَ الرحـيلِ

 

شيِّعونـي لحفـرتي بالعـويلِ

 أنـا يـا ربِّ مُـذعـنٌ بالخطايا

 

ومقـرُّ إقـرارَ عبـدٍ ذلــيلِ

غـير أنـي مؤمِّـلٌ منـكَ عفـواً

 

 فَتَلَطَّـفْ برحمتي وقَبـولـي

إنَّ لـي إليـكَ حَـْبـلَ وِدَادٍ

 

برسول الهـدى وآل الرسـولِ

كنـتُ فيهـمْ مُـتَيَّماً مستهاماً

 

 لم أُطـعْ فيهِمُ كلامَ العـذولِ

صَفْـوُ حُبَِـي لهمْ وصَفْوُ دموعي

 

 ونشيدي في بكرتـي وأصـيلي

 أيهـا الســادةُ الكـرامُ وحاشا

 

 أن تـروْني أُقـادُ قَـوْدَ الذليل

أنا لمْ أنْسَ حبَّكـمْ في حياتـي

 

 هل جزاءُ الجميلِ غيرُ الجميل

كـنتُ خِـلاً لحِبِّكـم ، وعـذاباً

 

مستطيراً على العَـدُوِّ الجهـول
ج

كـم سهــامٍ لناصبـي خـبيث

 

راشَـها نحـوكـم بقلـب غَلول

فتلقيـت نَصْلَــها بأكُـــفِّي

 

ورميتُ النصولَ فوقَ النصول

ونجــومٍ قطفتـها مـن علاكم

 

أين منها الشموس ذات الأفول

زيَّنَـتْ مَحْفَلي وأغْلَـتْ كتـابي

 

وأضاءتْ عقـولَ أهـلِ العقولِ

رَدَّدَتْـهَا المـخـدَّراتُ نـشيداً

 

عبقـرياً في مـدح آل الرسـول

وتلاهـا الداعونَ في روضة النـور

 

ففاحَتْ أشْـذَاؤُها في الحقول

إنمـا الكـونُ بلقــعٌ أنعشتــهُ

 

منكمُ نفحـةُ العطــاء الجزيل

أنا يا سادتـي ربيب حُـجُـورٍ

 

 زاكيـاتٍ بحبكـم ، وأصـول

مُعْـرقٌ في ولائكـم من جـذوري

 

فـي رُبى عامـلٍ بأرضِ الجليلِ

فخـرُنـا أنـنـا مَـوالـي عـلـيٍّ

 

إسمـه عنـدنـا شفـاءُ العليل

أرضعتنيه حُـرَّةٌ مـــعْ حليبـي

 

فجرى في دمي وحَـلَّ غليلي.

 

    والإهتمام الأدبي لازمٌ لطالب العلم ، لكن بهدف أن يتكوَّن له ذوق أدبي وقدرة على النقد فقط ، ثم لا ينبغي له أن يصرف وقته في الشعر والأدب ، لأن اهتمامه بطلب علوم الحوزة من فقه وأصول وغيره ، أهم وأنفع .

  وقد أعطانا الشيخ الأنصاري(رحمه الله) درساً عملياً عندما: « عرض عليه السيد محمد بن علي بن السيد أبو الحسن العاملي النجفي كتابه: يتيمة الدهر ، وهو على طراز يتيمة الدهر للثعالبي ، وبظنه أن الشيخ سيجيزه عليه ويحبوه ، فكتب عليه هذا البيت ، ولم يسمع منه مدة عمره غيره !

 

 فيا مُضَيعَ عُمْرٍ في كتابته

 

 

فلا أضيع عمري في قراءته ».

(ماضي النجف وحاضرها:2/47).

 

  وما يبدو لك من قسوة في كلام الشيخ الأنصاري(رحمه الله) ، يزول إذا عرفت أن مخاطبه طلبة العلوم الدينية الذين يفترض فيهم أن يتخصصوا في علوم الدين ، فإن اتجه أحدهم الى الأدب والشعر أدمن عليه ، وألهاه عن تخصصه وواجبه الأصلي! ونلاحظ أن بعضهم انصرف عن الحوزة الى الأدب فبقي عادياً كل عمره يراوح مكانه ، فلا هو تفقه ، ولا هو نبغ في الشعر ! 

 

   أما الطالب الذي عنده نبوغٌ شعري ، كالجواهري(رحمه الله) الذي كان طالب حوزة ، وظهر نبوغه الشعري ، فينبغي له أن يوجه اهتمامه لخدمة دينه بهذه الموهبة التي أنعم الله بها عليه ، لأنها لا تقل عن موهبة الفقاهة .

 

تم تطوير هذا الموقع من أجل تسهيل الإستفادة من مؤلفات ومحاضرات وتسجيلات سماحة الشيخ علي الكوراني العاملي ، ويمكن الإستفادة منها ونشرها مع عدم التغيير المخلّ بالمعنى ، مع ذكر المصدر .. وأما طباعة الكتب والأقراص وغيرها فتحتاج إلى إجازة خاصة .