الفصل الثالث:
المنهج الدراسي في الحوزة
$1- ثبات المنهج الدراسي في حوزاتنا
نلاحظ أن مناهج حوزاتنا العلمية ثابتة في مضمونها ، وإن تغيرت بعض كتبها ، فقد بدأتُ قبل أكثر من نصف قرن بدراسة مادتين لا أكثر: النحو والفقه ، لأن الأساس في منهج الحوزات دراسة اللغة العربية ، والشريعة . ودرست النحو بكتبه الثلاثة: قطر الندى ، وألفية ابن مالك ، ومغني اللبيب ، وهي ثلاث مراحل في النحو المبسط ، والتفصيلي ، والمعمق .
ودرست بعدها المنطق الصوري الأرسطي ، وهو تقويةٌ لذهن الطالب في الدقة والتعقل والإستدلال ، يحتاجه في دراسته خاصة في الفقه وأصوله .
والى جانب المنطق ، درسنا علم المعاني والبيان والبديع ، وهو علمٌ يقوي ذهن الطالب في فهم الفصاحة والبلاغة والتراكيب العربية ، ويحتاج اليه الطالب في فهم نصوص القرآن والسنة ، والمتون العربية عموماً .
أما في الفقه فنبدأ بدراسة (الرسالة العملية) وهي فتاوى لأحد المراجع ، في أبواب الفقه المختلفة ، مجردة عن الإستدلال . ليعرف الطالب ما يحتاج اليه من أحكام الشريعة،ويتعرف عموماً على أحكام العبادات والمعاملات.
ثم ندرس كتاب شرح اللمعة الدمشقية ، وهو فقه شبه استدلالي، يتعرف منه الطالب على شئ من مستندات فتاوى الفقهاء في أبواب الفقه المختلفة.
ثم ندرس مستوى ثالثاً من الفقه فيه استدلال معمق ، وأشهر كتبه: المكاسب المحرمة للشيخ الأنصاري(رحمه الله) .
ثم ندرس المرحلة العليا من الفقه: بحث الخارج ، أي خارج الكتب ، حيث يلقي المجتهد المسألة ويعرض الآراء فيها ، ويناقشها ويصل الى نتيجة ، فيتعلم الطالب كيفية الإجتهاد واستنباط الحكم الشرعي .
أما أصول الفقه فهو أهم علم في تقوية ذهن الطالب وتكوين شخصيته العلمية ، ويعلمه كيف يستدل ويستنبط الأحكام الفقهية ، لأنه بقسميه الأصول اللفظية والعملية ، بحوثٌ تخصصية معمقة في قوانين دلالة الألفاظ والعبارة العربية ، منطوقاً ومفهوماً ، ثم في موقف الفقيه في حالة عدم وجود النص ، أو تعارض النصوص.. الخ.
وندرس أصول الفقه في حوزاتنا بثلاثة مستويات أيضاً:
الأول: باستدلال مختصر ، ويمثله كتاب أصول الفقه للشيخ المظفر(رحمه الله) .
والثاني: أكثر تفصيلاً وعمقاً ، ويمثله كتاب فرائد الأصول أو الرسائل ، للشيخ الأنصاري ، وكتاب كفاية الأصول للآخوند الخراساني .
والمستوى الثالث: بحث الخارج أي خارج الكتاب ، حيث يلقي المجتهد المسألة الأصولية ويستعرض الآراء فيها ويناقشها ، فيتعلم الطالب كيفية الإستنباط والإجتهاد ، سواء في علم أصول الفقه ، أو علم الفقه نفسه .
إن كل ما تراه من عمق ونبوغ في علماء الشيعة ، يرجع الى دراستهم علم أصول الفقه ، فالذهن الذي يستطيع أن يشق طريقه في مسائله وتفريعاته الصعبة ، يستطيع أن يمشي في غيره بسهولة !
وينبغي الإشارة الى أن علم أصول الفقه يعاني ضموراً شديداً عند بقية المذاهب ، بسبب ضعف عملية الإجتهاد عندهم ، والبحوث المتعلقة بها .
أما المذهب الوهابي فلايعرف مشايخه علم أصول الفقه أبداً ، ولا يحسون بالحاجة اليه ، لأن فتاواهم لاتقوم على تأصيل وقواعد ! بل على الإنتقاء الكيفي من تفسيرهم الشخصي لآيات القرآن والحديث، وكلمات الفقهاء!
وبسبب واقعية هذا المنهج في حوزاتنا ، لم يتغير إلا بأن يحل كتاب مكان كتاب. وهذه خلاصة منهج وضعه أحد مراجع النجف الكبار الشيخ البشير ، دام ظله:
« المستوى الأول: الأجرومية . تبصرة المتعلمين . عقائد الإمامية .
الثاني:قطر الندى أو هداية النحو. شرائع الإسلام ج1.كتاب في الصرف.ميزان المنطق.
الثالث:شرح الألفية لابن الناظم . أو الكفاية لابن الحاجب. حاشية ملا عبد الله . شرح الشمسية. شرائع الإسلام ج2.مطالعة منطق المظفر - القسم الثالث .
الرابع: مختصر المعاني . شرح الباب الحادي عشر. شرائع الإسلام ج3 و4
الخامس: معالم الدين ويعقبه أصول المظفر أو ما يعادله مثل القوانين مطول . شرح التجريد . سلم العلوم.
السادس: شرح اللمعة الدمشقية.كفاية الأصول ج1. رسائل الشيخ الأنصاري منظومة في المعقول . الكفاية ج2. مكاسب الشيخ الأنصاري.
مرحلة البحث الخارج: يحق للطالب بعد الفراغ من الكفاية ج2 حضور بحث الخارج في الأصول ، وبعد الفراغ من المكاسب بحث الخارج في الفقه .
ولا ينتقل الطالب إلى المرحلة التالية إلا بعد الفراغ من السابقة » . انتهى.
إن السبب في ثبات المنهج الدراسي في الحوزة قروناً طويلة ، أن هدفه الإجتهاد في الكتاب والسنة ، والعلوم التي يتوقف عليها التفقه والإجتهاد محددة ، وفي أولها علوم اللغة العربية ، وعلم أصول الفقه ، وعلم التفسير ، والحديث..الخ. وهي علوم قطعت مراحل نموها وتطورها الى حد كبير ، حتى اكتمل نضجها أو كاد ، فلا بد للطالب من أن يستوعبها ويتعمق فيها بدراسة كتبها المعتمدة في الحوزة ، ومطالعة مصادرها الأخرى .
$2- الدراسة الحلقية وحرية الطالب والأستاذ
من ميزات المنهج الدراسي في حوزاتنا: الدراسة الحلقية ، ويرجع تاريخها الى تحلُّق المسلمين حول النبي’ثم حول الأئمة(عليهم السلام) والرواة .
وسرعان ما تحول المسلمون الى طلبة علم ومعلمين ، وتحولت مساجدهم الى حلقات للدراسة .
بل إن الدراسة الحلقية هي الدراسة الطبيعية عند كل الأمم، على يد الأنبياء والأوصياء(عليهم السلام) والعلماء ، والفلاسفة ، والأطباء ، وعلماء الطبيعة . فقد كانت الدراسات في العالم كله بالنظام الحلقي، حيث يتحلق التلاميذ حول أستاذهم . وقد كتب ذلك الباحثون عن أنظمة التعليم عند الأمم والحضارات القديمة ، المصرية ، والإغريقية ، والهندية ، والفارسية ، فقد كان الأستاذ هو المحور ، وحلقة درسه هي المدرسة ، وإجازته هي الشهادة. (راجع قصة الحضارة ، تأليف ول ديورانت:2/171 و329، و460، و:3/3، و214، و:5/363).
وتتشكل حلقة الدرس في حوزاتنا ، عندما يطلب بعض الطلاب من أستاذ درساً ، ويعينون مكاناً ، مسجداً أو مدرسة أو غيرهما .
ويُعْلَنُ عادة في الحوزة في أول السنة الدراسية ، عن حلقات الدروس وأوقاتها ، فيختار الطالب الأستاذ الذي يريده ، ويحضر في حلقة درسه .
فالطالب يختار المادة والأستاذ ، والأستاذ يختار الطالب فيحضر بإجازته ، أويعتذر منه فيمنعه من الحضور. بينما لايتيسر ذلك في الجامعات المعاصرة.
وينبغي التحذير من اتجاه جديد في حوزاتنا، يتخيل أصحابه أنهم يخدمون الحوزة ويطورونها الى الأحسن ، بأن يجعلوها شبيهة بكليات الجامعات العصرية ! فتراهم يمتحنون الطلبة للقبول ، ثم يعينون لهم المواد والمدرسين ، وساعات الدوام ، والإمتحانات .
ويجعلون دراسة الطالب للمرحلة الأولى أربع سنوات مثلاً ، ويقسمون موادها على وحدات دراسية ، كالجامعة العصرية الغربية .
يتصورون أنهم بهذا يخدمون الحوزة وطالب العلم ، ولكنهم يصادرون حرية الطالب والأستاذ ، ويساوون بين الطالب الذكي والغبي ، والمُجِدّ والكسول ، ويحولون الإنتاج الطبيعي في التعليم الى إنتاج صناعي !
فالوضع الصحيح للحوزة أن يجتاز الطالب امتحان القبول ، ثم يعطى الحرية ليختار الأستاذ والمادة ، ولا يلزم إلا بما يشجعه على استيعاب الدرس كالمباحثة ، وكتابة بعض الدروس ، والتدريس ، ومجالس المذاكرة ، وامتحان آخر السنة ، الذي يشمل المواد التي قد يختارها الطالب.
$3- نظام المباحثة بين الطلبة
من مزايا الدراسة في حوزاتنا: المباحثة . فالطالب لا يكتفي بسماع الدرس من الأستاذ ، بل يتباحث فيه مع زملائه. وقد يكون البحث بين اثنين أو أكثر ، فيتولى الشرح كل يوم أحدهم ويستمع له الآخرون ويشكلون عليه.
ومن فوائدها: أنها تركز المادة في ذهن الطالب ، خاصة إذا كان البحث قريباً من زمان أخذ الدرس . وأنها تدرب الطالب على التدريس ، فكل طالب يكون معيداً . ومن فوائدها ، أنها تنمي قدرة الطالب على الدفاع عن معلومته ، في مجالس المذاكرة ، وفي كتاباته ، وفي عمله التبليغي .
$4- كتابة الطالب لدروسه
يُلزم بعض الأساتذة تلاميذهم بكتابة الدرس ، ويرى كتابته قبل الدرس الثاني ، كما كان يفعل أستاذنا(رحمه الله) ، ويصححها ، أو يذكر ملاحظاته عليها.
والدروس التي تُكتب هي التي يحتاج الطالب الى جهد لتركيزها في ذهنه ، فيكتب ما فهمه من الدرس بتعبيره هو ، بدون التقيد بعبارة الكتاب .
ويطلب عادة كتابة درس النحو ، والمنطق ، والأصول ، والفقه الإستدلالي دون الفقه المجرد .
ولكتابة الدرس فوائد كثيرة ، منها ترسيخه في الذهن ، لأن الطالب يحتاج عادة الى قراءة الدرس بدقة ليكتب ما فهمه منه ، ويحرص على كتابته بعد درس الأستاذ بفاصلة قصيره ، ليتذكر شرحه ، ويكتب ما فهمه منه .
ومن فوائد كتابة الدرس ، تمرين الطالب على كتابة الموضوعات ، فهو يتعلم ما ينفعه في كتابة المقالة ، وقد يتعلم ما ينفعه في التأليف .
$5- لماذا لاتأخذ الجامعات العصرية بنظام الإجازات ؟
من ميزات منهج حوزاتنا: نظام الإجازات في شهاداتها ، وهو أصح من نظام الشهادات المتبع في الجامعات العاصرة .
أعتقد أنا لو أرَيْنَا الجامعات الغربية محاسن نظامنا الحوزوي ، لأعجبوا به ، وطبقوه على عدد من جامعاتهم .
وقد قرأت أن بعض الجامعات الأمريكية بدأت بتطبيق نظام الإجازات ، فالأستاذ يقبل في الهندسة مثلاً ثلاثين طالباً ، ويعمل معهم نظرياً وعملياً ، كمجموعة في حوزة هندسية ، ثم يجيز من ينجح منهم .
إن الجامعات العالمية المعاصرة تشكو من انخفاض المستوى العلمي في كل فروعها ، سواء فروع العلوم الإنسانية ، أو العلوم الطبيعية .
وتحاول بعض الجامعات معالجة هذه المشكلة بتكوين مجموعات علمية ، كل مجموعة منها بإشراف أستاذ متضلع ، أو تؤسس مراكز علمية تخصصية بإدارة أستاذ معروف مشهود له .
وهذا يعني أنهم توصلوا عملياً الى مايشبه نظام الإجازة في حوزاتنا !
إن أهم هدف للمؤسسة العلمية: تربية الكادر العلمي أو الكفاءة العلمية فإذا وُجِدَتْ في علم من العلوم ، فقد وجدت الحوزة العلمية في ذلك العلم فهي حجر الأساس لأي نهوض علمي ، في الحوزات أو الجامعات .
وقد كانت الأمة الإسلامية تعرف قيمة هؤلاء العلماء الأكفاء ، فكان العالم في الفقه أو الحديث أو الطب هو الحوزة أينما حل وارتحل ، يقصده الطلاب، ويمدهم الحاكم والممولون ويدرسون عنده ويتخرجون على يده .
ولا شك أن نظام الدراسة الطبيعي في الحوزة ، أكثر قدرةً على تربية الكادر العلمي من نظام الدراسة في الجامعات الغربية .
ويكفي أن نعرف أن طالب الحوزة يفكر في المادة العلمية أربع مرات أكثر من طالب الجامعة ! فهو يسمعه من الأستاذ ، ثم يكتبه ، ثم يتباحث فيه مع زملائه ، ثم يُدَرِّسُه ، وربما يذاكره في المجالس ، فيكون مرة خامسة .
والقضية الأساس في العلم والتجزئة والتحليل إنما هي: المدة التي يحتضن فيها ذهنك المسألة ويعيشها ، ثم كيف يتناولها ويتعامل معها .
$6- أيهما أفضل كثرة المواد أم قلتها ؟
يعترض بعضهم على المنهج الدراسي في الحوزة بقلة مواده ، فبعد استكمال أدبيات اللغة العربية ، والمنطق ، يكاد ينحصر المنهج في الفقه والأصول ، فترى البحوث العالية (بحوث الخارج) تتركز على الفقه وأصوله ، وقد توجد بحوث في التفسير والحديث والعقائد.. لكنها قليلة.
يقول المعترضون: أين علوم القرآن وقراءاته وتفسيره ، وعلوم الحديث ، من الدراية ، ورجال الحديث ، والنقد والتجريح ؟
أين علوم العقيدة ، أصولها وفروعها ، والبحوث المقارنة بين الإسلام وغيره ، وتعليم الطالب رد الشبهات التي تثار على الإسلام وعقائده ؟
أين علم السيرة ، وعلوم تاريخ الإسلام ، وعلوم الأدب والشعر ؟ وأين اللغات التي يحتاجها العالم للتبليغ ، أو للرجوع الى المصادر المكتوبة فيها ؟
وأين تعليم الطالب أوضاع عصرنا من فكر وسياسة.. وأين.. وأين ؟!
ويخضع بعض واضعي المناهج لهذه التساؤلات ، فيقولون: نعم إن هذه العلوم لازمة لطالب العلم ، فيدخلون في برنامجهم أقصى ما يستطيعون من موادها ، ثم يرون أنها صارت أكثر من الوقت ، فيقللون من حصصها !
ثم يرون أن الوقت لا يكفي للكتب الوافية فيها ، فيختارون كتباً خفيفة أو يتركون الأمر لاختيار الأستاذ حسب فهمه وسليقته ، أو يكلفون أستاذاً ليضع في المادة كراساً ينتخبه ويسمونها خلاصات أو لباباً وما هي بلباب!
ثم يفتخر واضعوا هذا النوع من البرامج بأنهم يُدَرِّسون طلابهم عشرة علوم ، لكن الواقع أن يُشممونهم رائحة هذه العلوم ، كمن يَشُمُّ رائحة شواء من بعيد ! وكثيراً ما يكون شواؤهم محروقاً !
ثم يزيدون على الطالب ساعات الحضور لإكمال المواد ، فيغصُّ فيها الطالب . وقد عبَّر أحد الطلبة عن هذا المنهج بأن الإدارة تعاملهم كأنهم بطٌّ مصري ! قال: رأيت بعض النساء في مصر تحشو الحبوب في فم البطة بالقوة لكي تسمن ، وهؤلاء يحشون المواد في رؤوسنا بالقوة لنصير علماء !
وقال طالب آخر: ملؤوا البرنامج بالمواد ، وهيؤوا من كل مادة قطعة ، وألزمونا بست ساعات من الدوام ، وقد يضيفون ساعتين بعد الظهر ، وجعلوا الإمتحان تلو الإمتحان ، فلا وقت لنا للمطالعة ، ولا للمباحثة ! فكيف نستوعب المواد ونحن نركض ركضاً ، وأعصابنا متوترة ؟!
قد تقول: على هذا يبقى السؤال:كيف نلبي حاجة الطالب من هذه المواد؟
والجواب: أنه لاحلَّ إلا بأن نُقَوِّي قدرة الطالب الذهنية والفكرية والعقلية ليتمكن هو من تحصيل ما يحتاج اليه من هذه العلوم ، ولن نجد ما يقوي قدراته مثل علم الفقه ، وأصول الفقه ، بعد أن يُتقن اللغة العربية .
فأيُّ طالب يستوعب بحوث علم أصول الفقه ، ويستطيع أن يشرحها ويدافع عن نظرياتها ، يستطيع بجهده الشخصي أن يكون عالماً ، في أي فرع من العلوم المذكورة .
إن تركيز منهج الحوزة على علم أصول الفقه ، يعني حرص علمائنا على أن يبذل الطالب جهداً ليملك مفتاحاً الى العلوم المذكورة وغيرها . وهذا أصح من محاولة حشوها في رأسه ، أو تشميمه رائحتها !
وقد تقول: فمتى وكيف يحصل الطالب على ما يحتاج اليه من هذه العلوم ؟ والجواب: أنها علوم تخصصية أو شبه تخصصية ، بعضها يحصل عليه الطالب بعد تضلعه في علم الأصول ، بجهده الشخصي بدون أستاذ . وبعضها يحتاج الى أستاذ ، والعديد منها لها أساتذة في الحوزة ، وهم من قديم يُخَرِّجُون طلبتهم فيها ، بأساليبهم المتعددة .
والنتيجة: أن تقليل المواد لطالب العلم حاجةٌ منطقية ، ليستوعبها ويعايشها ويتعمق فيها ، وأن التركيز على أدبيات اللغة العربية والمنطق والفقه وأصوله صحيحٌ أيضاً ، ليملك الطالب القدرة على التخصصات اللازمة .
لقد نسي محبوا البرامج المحشودة ، أن النمو العلمي لا يتحقق بكبس المواد في الذهن ، وأن القليل القارّ خير من الكثير الفار ، وأن مهمتهم ليست أن يخرِّجوا طلاباً ملمين بعدة علوم ، شكلاً بدون مضمون ، بل تخريج متخصصين في علم يعطيهم القدرة على التخصص في علوم أخرى !
ورحم الله الشيخ البهائي القائل: غلبتُ كل ذي فنون ، وغلبني كل ذي فن !
$7- محاولات تحديث المتون الدراسية
في الحوزة متون مقررة للتدريس، في النحو ، والمنطق ، والحديث ، والفقه والأصول ، يتعصب لها بعض الأساتذة والطلبة لإعجابهم بها وألفتهم لها ، وينتقدها البعض ، ويطالبون باستبدالها بكتب أكثر عصرية .
ولا يمانع المراجع والعلماء في تبني متون درسية جديدة ، إذا كانت أفضل من الكتب الفعلية ، ولكن إشكالهم على الكتب المقترحة بأنها لاتتوفر فيها الشروط ، فالمتن الدرسي له مواصفات في عبارته ومطلبه ، فيجب أن يكون مطلبه علمياً قوياً ، وعبارته فصيحة بليغة لاخلل فيها ، ولا تطويل .
وقد ألف بعضهم كتباً لهذا الغرض ، ومن أولهم الشيخ محمد رضا المظفر (رحمه الله) فقد ألف كتاب المنطق ، وأصول الفقه .
وألف السيد الصدر(رحمه الله) كتاب دروس في علم أصول الفقه ، جعله بثلاث حلقات ، لثلاثة مستويات .
وارتضى بعضهم كتاب النحو الواضح للشيخ علي الجارم ، وهو أزهري كان كبير المفتشين في وزارة المعارف المصرية ، توفي سنة 1949م. وشاركه في التأليف مصطفى أمين وهو كاتب وصحفي مصري ، توفي سنة1997م.
وقد تبنت بعض مدارس الحوزة تدريس هذه الكتب ، بدل الكتب التقليدية ، ونجح بعضها ، وبعضها لم ينجح .
والحاصل: أنه ما زالت كتب المقدمات في اللغة هي السائدة من زمن طويل ، كالأجرومية للصنهاجي المشهور بابن آجروم ، وشرح قطر الندى ومغني الببيب ، وكلاهما لابن هشام الأنصاري ، وألفية ابن مالك .
وفي المعاني والبيان: مختصر المعاني للتفتازاني . وقد تُدرس قبله أو بدله بعض الكتب الجديدة ، وأكثرها تأليف علماء مصريين .
وفي المنطق: يدرس كثيرون كتاب المنطق للمظفر ، ويدرسون معه أو بدله حاشية ملا عبد الله اليزدي على تهذيب المنطق لسعد الدين التفتازاني (ت 792 ). وشرح الرسالة الشمسية: لقطب الدين الرازي (ت:766هـ).
وفي الفقه ما زالت الكتب السائدة في المنهج بدون منافس: كتاب شرح اللمعة الدمشقية للشهيدين ، وكتاب شرائع الإسلام للمحقق الحلي ، وكتاب المكاسب للشيخ الأنصاري(رحمه الله) .
أما في أصول الفقه ، فمازال كتاب الكفاية للمحقق الخراساني ، وكتاب فرائد الأصول المعروف باسم الرسائل للشيخ الأنصاري ، هما السائدان ويدرس بعضهم كتاب السيد الصدر(رحمه الله) ، المعروف بالحلقات .
والنتيجة: أن الكتاب الدراسي في الحوزة يخضع الى حد كبير لقانون الإنتخاب الطبيعي، ويجب أن يبقى خاضعاً لهذا القانون ، وأن يترك اختيار الكتاب الى الطالب والأستاذ ، ولا يفرض عليهما كما تفعل بعض المدارس.
فالكتب المقررة في منهج الحوزة ليست قرآناً منزلاً ، لكن لا يجوز الإستعجال في استبدالها ، فإن العاقل لايترك كتاباً أثبت جدارته وربى أجيالاً من العلماء ، الى كتاب بديل لم يثبت نجاحه !
إن تحديث مناهج الحوزة واستبدال الكتب المقررة ، مبدأٌ مُهِمٌّ يتناسب مع طبيعة مذهبنا في فتح باب الإجتهاد وعدم جواز إغلاقه .
لكن لا بد أن يوضع لبابه المفتوح شروط ، كما أن للإجتهاد شروطاً . ومنها أن يثبت الكتاب نجاحه عملياً بدرجة أفضل من الكتاب المستبدل . فيجرب تدريسه على عدد محدود من الطلبة ، ويطلب من الأستاذ والتلاميذ تسجيل نقاط قوته وضعفه . لتدرس من قبل العلماء..الخ.
كما يجب أن نعرف قيمة المتون المميزة ، التي ربَّت أجيالاً من الطلبة والعلماء ، ككتب ابن هشام الأنصاري في العربية ، وكتاب شرائع الإسلام وشرح اللمعة في الفقه ، وكفاية الأصول والرسائل والمكاسب...
وأختم بما سمعته من الشيخ المنتظري من أن بعض العلماء طلبوا من المرجع الكبير السيد البروجردي(رحمه الله) أن يؤلف كتاباً في الفقه بدل الشرائع ، ليكون عليه مدار البحث في الحوزات ، فسكت ولم يجب ، ثم أعادوا عليه في مجلس آخر ، فقال للمتكلم: ماذا تقول؟! أنتم لاتعرفون قيمة كتاب الشرائع! أنا لا أستطيع أن أكتب سطراً بمستوى كتاب الشرائع!
وصدق المثل القائل: لايعرف الفضل إلا ذووه !
$8- لماذا عارض أكثر العلماء تأسيس كلية الفقه؟
تُعرف المعاهد والمدارس والحواضر العلمية الدينية عند الشيعة باسم: الحوزات العلمية ، بمعنى المجموعة العلمية ، لأنها من حاز حَيْزاً وحوزة ، وفي الحديث النبوي:حَوْزة الإسلام ، أي بيضته وأصله . وتأتي الحوزة بمعنى الناحية والدائرة والذمة والذمار.(لسان العرب:5/342، و الصحاح:3/876).
وتمتاز الحوزات العلمية الشيعية عن مثيلاتها من المؤسسات الدينية الإسلامية ، وعن الجامعات العصرية ، بأمور:
الأول: استقلالها السياسي والمالي . لأن ماليتها من الأخماس والزكوات والتبرعات ، التي يدفعها جمهور الشيعة في العالم إلى مرجع التقليد ، الذي يعتقدون أنه الأفقه من بين العلماء المعاصرين .
وقد حاولت الدول قديماً وحديثاً تغيير عقيدة الشيعة ، وتحويل استلام الحقوق الشرعية إلى وزارات أو هيئات ، فلم تنجح ، لأن الحكم الشرعي أن يعطي المكلف الحقوق التي في ذمته إلى مرجع تقليده الذي يثق به .
الأمر الثاني من ميزات حوزاتنا: منهجها الدراسي كما تقدم ، وهو يحفظ إلى حد كبير حرية اختيار الأستاذ والتلاميذ ، بعكس الجامعات العصرية .
وقد تمسك المراجع بهذا المنهج ، لأنه أكثر واقعية ، ولأنه الطريقة الحلقية الأصيلة ، المتصلة بحلقات دروس النبي’والأئمة الطاهرين(عليهم السلام) وتلاميذهم ، والسلف الصالح من علمائنا .
الثالث: تتميز الحوزة بنظام الإجازات الإسلامي ، وهو أفضل من نظام الشهادات في الجامعات العصرية ، لأنه يقوم على معايشة علمية أكثر للأستاذ مع تلاميذه ، ومعايشة الطلاب للمواد بنظام المباحثة وغيره .
ويشمل نظام الإجازة العلمية من كبار العلماء أنواع الإجازات ، كإجازة الإجتهاد ، وإجازة الرواية ، والإجازة الوظيفية ، كإجازة القضاء ، وإجازة الوكالة عن المرجع ، وإجازة التبليغ ، وإمامة الجماعة والجمعة ..إلخ.
وقد طرح بعضهم مشاريع لتحديث الحوزة وتطويرها ، في المنهج الدراسي والإدارة ، وواجهها المراجع وكبار العلماء بالتحفظ أو الرفض ، ومن ذلك مشروع كلية الفقه ، الذي تبناه بعض العلماء المحترمين ، وعملوا له حتى تم تأسيس كلية الفقه في النجف ، وافتتحت سنة 1959ميلادية .
وكان من المبررات التي طرحها أصحاب مشاريع التحديث: أن الحوزة العلمية يجب أن تساير العصر وتلبي حاجاته ، وتدرس علوماً أخرى كعلم النفس والإجتماع والتاريخ والسياسة ، مع الفقه والأصول .
وكان المرجع السيد الحكيم(رحمه الله) وغيره من المراجع لا يحبذون ذلك خوفاً من تحويل الحوزة الى كليات ! وكان معهم الطلبة التقليديون ، بل كنا ننظر الى من يناصرمشروع كلية الفقه بأنه متأثر بالأفكار العصرية ، ولذك رفضنا التسجيل فيها ، بل نهينا الكثيرين عن ذلك .
وسبب معارضة هؤلاء المراجع لتحويل الحوزة الى جامعات وكليات:
أولاً: خوفهم من مصادرة الدولة للحوزة وتحويلها إلى جامعة عادية تابعة للدولة ، كما حدث لحوزة الأزهر في مصر ، والزيتونة في تونس ، والقرويين، التي صارت كليات ، باسم أصول الدين ، والشريعة.. إلخ.
ثانياً: خوفهم من استبدال التعمق العلمي الحوزوي ، بسطحية المعاهد والكليات المنتشرة في العالم الإسلامي .
ثالثاً: خوفهم من تسييس الحوزة ، وسيطرة الدولة عليها ، أي دولة ، حتى لو كانت دولة شيعية .
رابعاً: يعتبر الفقهاء أن أصل مهمة الحوزات ضمان وجود مبلِّغين للدين من خطباء وعلماء . ووجود مجتهدين على مستويات عالية ، يكون منهم مرجع التقليد الذي يقتنع بأعلميته عموم الشيعة .
بينما تطرح هذه المشاريع إضافة علوم أخرى للحوزة ، والتقليل من التركيز على الفقه وأصوله ، الأمر الذي يشعرون معه أنه انحراف بالحوزة عن هدفها ، وصرف الطلبة عن التعمق الضروري في الفقه وأصوله .
خامساً: لأنهم يرون أن مواد المناهج المقترحة ضعيفة ، لاتصل إلى مستوى المواد المقررة في الحوزة ، سواء في أدبيات اللغة والمنطق والبلاغة ، والفقه وأصوله . وأن من شأنها أن تربي طلاباً سطحيين ، ليس لهم أهلية الإجتهاد ولا الكفاءات العلمية الأخرى .
~ ~