متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
الفصل الرابع:بنو عبد القيس كلهم شيعة
الكتاب : سلسلة القبائل العربية في العراق (3)    |    القسم : الكتب والمؤلفات    |    القرآء : 2582

الفصل الرابع:

بنو عبد القيس كلهم شيعة

   عرفت عبد القيس بتشيُّعها من قديم ، قال ابن قتيبة في المعارف في ترجمته صحار العبدي:« وكان عثمانياً وكانت عبد القيس تتشيَّع فخالفها» (المعارف: 339) ومثله الثقفي في الغارات2 /785 .

  وعندما خرج طلحة والزبير بعائشة لحرب الجمل ، كتب طلحة والزبير الى المنذر بن الجارود العبدي: « أما بعد فقد كان أبوك رئيساً في الجاهلية وسيداً في الإسلام ، وإنك من أبيك بمنزلة اللاحق من السابق ، يقال كاد أو لحق ، وقد قتل عثمان من أنت خير منه، وقد غضب له من هو خير منك، والسلام».

   فكتب المنذر العبدي إليهم: « أما بعد فإنه لم يلحقني بأهل الخير إلا أن أكون خيراً من أهل الشر ، وإنما أوجب حق عثمان اليوم حقه بالأمس ، وقد كان بينكم فخذلتموه ! فمتى بدا لكم هذا الرأي ، واستنبطتم هذا العلم »! (موسوعة التاريخ الإسلامي لليوسفي: 4 : 505)

   وكتبت عائشة الى زيد بن صوحان أحد سادات عبد القيس في الكوفة: «من عائشة أم المؤمنين ، حبيبة رسول الله الى إبنها الخالص زيد بن صوحان ، أما بعد: إذا أتاك كتابي هذا فاقدم فانصرنا ، فإن لم تفعل فخذِّل الناس عن عليِّ ». (الكامل في التاريخ: 2 : 32)

   فأجابها: «بسم الله الرحمن الرحيم ، من صعصعة بن صوحان صاحب رسول الله (ص) الى أم المؤمنين عائشة: أما بعد ، فقد أتاني كتابك أيتها الأم ، تأمريني فيه بما أمرك الله تعالى به من لزوم البيت وترك الجهاد ، لقوله تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا . وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ . وتفعلين أنت بما أمرني به الله من الجهاد، وهذا عجيب! لأني لو قيل لي: من أعقل الناس لما عدوتك ، فاتقي الله أيتها الأم ، وارجعي الى بيتك الذي أمرك رسول الله (ص) بلزومه ، فإني في إثر كتابي هذا خارج الى علي للبيعة التي في عنقي ، والسلام على من اتبع الهدى ». (العقد النضيد: محمد حسن القمي: 136)

  وكتبت عائشة وطلحة والزبير الى عثمان بن حنيف والي البصرة  دعوه فيها الى الدخول في طاعتهم ، فاستشار الأحنف بن قيس التميمي السعدي ، وحكيم بن جبلة العبدي ، فأشارا عليه أن يخرج إليهم قبل أن يدخلوا البصرة ويفسدوا أهلها ، لكن عثمان تمهل في ذلك منتظر أمراً من الإمام أمير المؤمنين ، فقال له حكيم بن جبلة العبدي: « فأذن لي أنا أن أسير بالناس إليهم ، فإن دخلوا في طاعة أمير المؤمنين ، وإلا نابذناهم في القتال . فقال عثمان: لو كان رأيي ذلك لسرت إليهم بنفسي. فقال حكيم: أما والله إن دخلوا عليك هذا المصر ، لينقلبن قلوب كثير من الناس إليهم ، وليزيلنَّك عن مجلسك هذا » (موسوعة التاريخ الإسلامي: 4 : 522)

   ثم جمع عثمان بن حنيف الناس وخطبهم بخطبة ذكَّر فيها بحق أمير المؤمنين (ع) بالخلافة دون غيره ، وأخبر الناس بنكث طلحة والزبير بيعتهما له ، ثم طلب من الناس المشورة ، فقام حكيم بن جبلة العبدي فقال له: « إن دخلا علينا قاتلناهما وإن وقفا تلقيناهما، والله لا أبالي أن أقاتلهما وحدي ، وإن كنت أحب الحياة ، ولكن ما أخشى في طريق الحق وحشة ولا غيرة ولا غشَّاً ، ولا سوء منقلب الى البعث ، وإنها لدعوة قتيلها شهيد وحيُّها فائز والتعجيل الى الله خير من التأخير في الدنيا ! ثم خاطب عثمان: وهذه ربيعة معك ، ثم التفت الى قومه فقال لهم: يا معشر عبد القيس ، إن عثمان بن حنيف دمه مضمون ، وأمانته مؤداة ، وأيم الله لو لم يكن أميراً علينا لمنعناه لمكانته من رسول الله فكيف وله الولاية والجوار ، فاشخصوا بأبصاركم وجاهدوا عدوكم ، فإما أن تموتوا كراماً أو تعيشوا أحراراً » (المصدر السابق:4 :535)

  وقصد أصحاب الجمل بجمعهم دار الإمارة بالمربد ، فمنعهم أصحاب عثمان بن حنيف وعلى رأسهم حكيم بن جبلة وقومه من عبد القيس وتضاربوا معهم بالسيوف حتى أخرجوهم الى السبخة ، فبات القوم هناك. (المصدر السابق:4 :538)

   ولما كان الصبح عبأ أصحاب الجمل أتباعهم للحرب ، وخرج عثمان بن حنيف بمن معه من أهل البصرة ، فاقتتلوا يومئذ قتالاً شديداً ، فأصيب خمس مئة من شيوخ عبد القيس ممن كانوا معه سوى من أصيب من سائر الناس ، وفشى القتل والجراحات في أصحاب الجمل أيضاً ، فتوقفوا عن الحرب ، ثم اتفقوا على عقد الصلح فيما بينهم ، وقد نصَّت وثيقة الصلح على أن لايتعرض أصحاب الجمل لأحد من الناس ، على أن يدخلوا البصرة ويخالطوا أهلها الى أن يأتي أمير المؤمنين (ع) .

   لكنهم ما لبثوا أن نكثوا ، فدخل طلحة والزبير على عثمان بن حنيف عند صلاة الفجر في المسجد ، وأخذوه وضربوه ضرباً مبرحاً ونتفوا شعر رأسه ولحيته ، وأخذوه ومن معه من خزان بيت المال(1) وكانوا سبعين رجلاً الى عائشة فأمرت بضرب أعناقهم إلا عثمان خافت قومه في المدينة ، فأطلقوا سراحه (المصدر السابق:4 :542)

معركة الجمل الأصغر

   ولما بلغ حكيم بن جبلة العبدي ما صنع القوم بعثمان بن حنيف ،وقتلهم للشرط وحراس بيت المال (السبابجة) ، نادى في قومه عبد القيس: يا قوم إنفروا الى هؤلاء الضالين الظالمين ، الذين سفكوا الدم الحرام وقتلوا العباد الصالحين ، واستحلوا ما حرَّم الله ! فأجابه سبع مئة منهم فأتوا المسجد ، فقال لهم حكيم: أما ترون ما صنع بأخي عثمان بن حنيف ، لست بأخيه إن لم أنصره ! ثم رفع يديه الى السماء ودعا: اللهم إن طلحة والزبير لم يريدا بما عملا القربة منك ، وما أرادا إلا الدنيا ، اللهم فاقتلهما بمن قتلا ، ولا تعطهما ما أمِّلا !

  ثم أخذ رمحه وركب فرسه وتبعه أصحابه ، وقيل أنهم كانوا ثلاث مئة وخرج إليهم وخرج القوم أيضاً فحملوا عائشة على جمل فسمي يوم الجمل الأصغر، وتجالد الفريقان بالسيوف فشد رجل من الأزد من عسكر عائشة على حكيم فضرب رجله فقطعها ، ووقع الأزدي عن فرسه فرماه حكيم بساقه المقطوعة فصرعه ، ثم حبا إليه فقتله خنقاً ، ثم قضى حكيم نحبه ، وقتل معه إخوة ثلاثة له ، وقتل جميع من كان معه وأغلبهم من عبد القيس وقليل منهم من بكر بن وائل (شرح نهج البلاغة: 13 : 148) . 

   وبعد مقتل حكيم بن جبلة العبدي وأصحابه رضي الله عنهم سقطت البصرة بيد أصحاب الجمل، وخطب طلحة قائلاً:

   أيها الناس إن رسول الله  (ص) توفي وهو عنا راضٍ ٍ، وكنا مع أبي بكر حتى مات وهو عنا راض ، ثم كان عمر بن الخطاب فسمعناه وأطعناه حتى قبض وهو عنا راض ، فأمرنا بالتشاور في أمر الخلافة من بعده ، واختار ستة نفر رضيهم للأمر ، فاستقام أمرنا على رجل من الستة وليناه واجتمع أمرنا عليه وهو عثمان ، وكان أهلاً لذلك فبايعناه وسمعناه واطعناه ، وأحدث أحداثاً لم تكن على عهد أبي بكر وعمر، فكرهها الناس منه ولم يكن لنا بدٌّ مما صنعناه ، ثم أخذ هذا الرجل الأمر من دوننا ومن غير مشورتنا وتغلب عليه يعني عليا (ع) ، ونحن وهو فيه شرع سواء فاُتي بنا إليه واللج (2) على أعناقنا فبايعناه كرهاً .

___________________________

1 ـ السبابجة ، قوم هنود كانوا يسكنون البحرين والبصرة ، فلما جاء الإسلام صاروا مسلمين وعرفوا بالورع والتقوى فجعلهم عثمان بن حنيف خزاناً لبيت المال.

2 ـ وهو سيف الأشتر النخعي ، فهو يزعم بأنه بايع تحت تهديد السلاح .

   والذي نطلبه الآن منه أن يدفع الى ورثة عثمان قاتليه ويخلع عنه هذا الأمر ويعتزله ، ليتشاور المسلمون فيمن يكون لهم إماماً ، كسنة عمر بن الخطاب في الشورى ، فإذا استقام رأينا ورأي أهل الإسلام على رجل بايعناه !

   ولم يتم طلحة كلامه بعد ، حتى قام رجل من خيار عبد القيس فنادى في الجمع: أيها الناس أنصتوا أتكلم لكم . وعلم عبدالله بن الزبير أنه من عبد القيس ، فأراد أن يسكته فقال له: ويلك ما لك وللكلام ! فقال الرجل العبدي: ما لي وللكلام ؟ أنا والله للكلام ثم حمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه ، ثم وجه خطابه لطلحة والزبير: يا معشر المهاجرين: كنتم أول الناس إسلاماً ، بعث الله نبيه محمداً (ص) بينكم فدعاكم فأسلمتم فكنتم فيه القادة ونحن لكم تبع ، ثم توفي رسول الله (ص)  فبايعتم رجلاً منكم لم تستأذنونا في ذلك فسلمنا لكم ، ثم توفي ذلك الرجل واستخلف عمر بن الخطاب ، فوالله ما استشارنا في ذلك ، ولكن رضيتم فرضينا وسلمنا ، ثم إن عمر جعلها شورى في ستة نفر ، فاخترتم واحداً منهم فسلمنا لكم واتبعناكم ، ثم إن الرجل أحدث أحداثاً أنكرتموها فحصرتموه وخلعتموه وقتلتموه وما استشرتمونا في ذلك .

   ثم بايعتم علي بن أبي طالب (ع) وما استشرتمونا في بيعته فرضينا وسلمنا وكنا لكم تبعاً .

   فوالله ما ندري بماذا نقمتم عليه: هل استأثر بمال؟ أو حكم بغير ما أنزل الله ؟ أو أحدث حدثاً منكراً ؟ فحدثونا به نحن معكم! فوالله ما نراكم إلا قد ظللتم بخلافكم له !

   فناداه ابن الزبير: ما أنت وذاك ، فهمَّ قوم من أتباع ابن الزبير أن يثبوا على الرجل العبدي ، فمنعهم قومه .

  وقام سيد آخر من سادات عبد القيس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ، إنه قد كان أول هذا الأمر وقوامه المهاجرون والأنصار بالمدينة ، ولم يكن لأحد من أهل الأمصار أن ينقضوا ما أبرموا ولا يبرموا ما أنقضوا ، فكانوا إذا رأوا رأياً كتبوا به الى الأمصار فسمعوا لهم وأطاعوا .

   وإن عائشة وطلحة والزبير كانوا أشدَّ الناس على عثمان حتى قتل ! وبايع الناس علياً وبايعه في جملتهم طلحة والزبير، وجاءنا نبأهما ببيعته فبايعناه ، فلا والله ما نخلع خليفتنا ولا ننقض بيعتنا ! فأمر طلحة والزبير أتباعهم بإلقاء القبض عليه ونتف رأسه ولحيته ، كعثمان بن حنيف! (موسوعة التاريخ الإسلامي: 4 : 554)

   ووصل خبر مقتل حكيم بن جبلة الى أميرالمؤمنين (ع) وهو في ذي قار ، فقرأ قوله تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ ، ثم قام على غرائر الأحمال فقال: إنه أتاني خبر فضيع ونبأ جليل أن طلحة والزبير وردا البصرة فوثبا على عاملي فضرباه ضرباً مبرحاً ، وتُرك لا يُدرى أهو حيٌّ أم ميِّت ! وقتلا العبد الصالح حكيم بن جبلة في عدة من رجال مسلمين صالحين ، لقوا الله موفين ببيعتهم ماضين على حقهم ، وقتلا السبابجة خزان بيت المال للمسلمين ، قتلوا منهم طائفة صبراً وأخرى غدراً !

   فبكى الناس بكاءاً شديداً ، وأتاه الخبر بما لقيت ربيعة وخروج عبد القيس منهم ونزولهم على الطريق ينتظرونه ليلحقوا به ، فقال (ع) : عبد القيس خير ربيعة ، وفي كل ربيعة خير  ، ثم قال :

يا لهف نفساه على ربيعهْ**** ربيعةُ السامعة المطيعهْ

قد سبقتني فيهم  الوقيعهْ ****  دعا عليٌّ دعوة سميعهْ

                                      حلُّوا بها المنزلة الرفيعهْ (المصدر السابق:4 :548)

   وقال المسعودي في مروج الذهب:1/321 إنه (ع) كان يكثر من قول هذه الأبيات

وقدَّر بعض المؤرخين عدد العبديين الذين إلتحقوا بالإمام  (ع) بأربعة آلاف رجل (الغارات:2 :785) ، وقيل ألفي رجل. (أنساب الأشراف: 262)

وبعث (ع)  برسائل الى طلحة والزبير وعائشة عاتباً وناصحاً ومحذراً من سفك دماء المسلمين ، فلم ينفعهم النصح وأصرُّوا على غيِّهم !   واصطف الجيشان وجعل الإمام (ع) ربيعة البصرة والكوفة ومنهم عبد القيس في الميمنة ، وجعل عليهم علباء بن الهيثم السدوسي وقيل عبدالله بن جعفر ، ومضر البصرة والكوفة في الميسرة وعليهم ولده الحسن السبط (ع) ، وثبت هو بالبقية في القلب ، وكان على الخيل عمار بن ياسر ، وعلى الرجالة ربيبه محمد بن أبي بكر(تاريخ خليفة بن خياط: 134) ولم يرغب (ع) أن يبدأ القوم بالقتال برغم ما اقترفوه ، فأرسل عبدالله بن عباس الى القادة الثلاثة: طلحة والزبير وعائشة ، يناشدهم حقن دماء المسلمين لكنهم أصروا على القتال، وانسحب الزبير من المعركة ، وقَتَل مروان طلحة قبل بدئها ، وبقيت عائشة وحدها فقادت المعركة سبعة أيام ، وفي اليوم السابع انهزمت شر هزيمة !

وممن قتل مبارزة من العبديين من أصحاب أمير المؤمنين (ع) في ذلك اليوم زيد بن صوحان رضي الله عنه.

عبد القيس في معركة صفين

   كان عبد الله بن عباس والي البصرة فقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين (ع) ثم قال: أيها الناس ، إستعدوا للمسير الى إمامكم وانفروا في سبيل الله خفافاً وثقالاً ، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ، فإنكم قاتلون المحلين القاسطين، الذين لا يقرؤون القرآن ، ولا يعرفون حكم الكتاب ، ولا يدينون دين الحق   مع أمير المؤمنين وابن عم رسول الله (ص) ، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، والصادع بالحق والقيم بالهدى..

    فقام إليه الأحنف بن قيس سيد تميم فقال: والله لنجيبنك ولنخرجن معك على العسر واليسر والرضى والكره ، نحتسب في ذلك الخير.. وقام خالد بن معمر السدوسي سيد بكر بن وائل فقال: سمعنا وأطعنا ، فمتى استنفرتنا فنفرنا ، ومتى دعوتنا أجبنا . وقام إليه عمرو بن مرجوم العبدي سيد عبد القيس فقال: وفَّق الله أمير المؤمنين وجمع له أمر المسلمين ، ولعن المحلين القاسطين الذين لايقرؤون القرآن !

   نحن والله عليهم حنقون ، ولهم في الله مفارقون ، فمتى أردتنا صحبك خيلنا ورجلنا » (موسوعة التاريخ الإسلامي: 5 : 73)

وفي صفين جعل الإمام (ع) ميسرة جيشه كلها من ربيعة بكل بطونها بمن فيهم عبد القيس ، وعيَّن عبد الله بن عباس قائداً عليهم ، كما جعل منهم قادة لفئآت أصغر ، فكان صعصعة بن صوحان العبدي على ربيعة الكوفة ، والحارث بن مرَّة العبدي على رجالة الميسرة ، وعمرو بن حنظلة على عبد القيس البصرة  والحصين بن المنذر على قبائل بكر بن وائل البصرة ، وخالد بن معمرعلى ذهل البصرة. (المصدر السابق:5 :128)  وفي اليوم الخامس كان الدور لعبد الله بن عباس ومعه الميسرة من قبائل ربيعة وعبد القيس، فلما رآهم معاوية قال: من هؤلاء في الميسرة؟ قالوا ربيعة ، فلم يجد معاوية أحداً من ربيعة في الشام ! فأرسل الى حِمير لمواجهتهم وجعل عليهم الوليد بن عقبه واقتتل الفريقان قتالاً شديداً  حتى الظهر، ثم تراجع الفريقان.

   وفي اليوم التاسع من القتال كانت الوقعة العظيمة ، وكان عبدالله بن عباس على قبائل ربيعة وعبد القيس ، وكان ذو الكلاع الحميري حانقاً عليهم ، فحمل عليهم حملات ومعه أربعة آلاف رجل عاهدوه على القتال حتى الموت ، سوى غيرهم: « فأقبل ومعه عبيد الله بن عمر ، وحمل على ربيعة بخيله ورجاله حملة شديدة ، فتضعضعت رايات ربيعة ، ثم ثبتوا إلا قليلاً ، وانصرف الشاميون ، ثم كرُّوا ثانية فشدُّوا على ربيعة حملة شديدة فثبتوا إلا قليلاً ، وتقدم أبو عرفاء جبلة بن عطية الذهلي ذهل بني شيبان ، وهو شيخ كبير فأخذ الراية ونادى بالقوم: يا أهل هذه الراية ، إن عمل الجنة كُرٌِْه كلُّه وثقيل ، وإن عمل النار حِبٌّ كله وخفيف ، وإن الجنة لا يدخلها إلا الصابرون الذين صبروا أنفسهم على أمر الله وفرائضه وليس شئ مما افترض الله على العباد أشدُّ من الجهاد . ويحكم ألا تحبون أن يغفر لكم ، أما تشتاقون الى الجنة ؟ فإذا رأيتموني قد شددت فشدوا، ثم شدَّ على القوم فشدُّوا معه فقاتل وقاتلوا قتالاً شديداً حتى قتل ، فشدَّت ربيعة بعده شدَّة عظيمة على صفوف أهل الشام فنقضوها . واشتدَّ القتال بين ربيعة ومنهم عبد القيس وحمير حتى كثرت القتلى فيما بينهم ، وخاف زياد بن خصفة التيمي (1) الهلاك على ربيعة فقال لقومه: إن ذا الكلاع وعبيدالله أبادا ربيعة ، فانهضوا إليهم وإلا هلكوا ولا بكر بعد اليوم  فركبت عبد القيس وجاءت كأنها غمامة سوداء ، فحملوا على ميمنة معاوية ذو الكلاع ومن معه من حمير ، فاستنجد بالأشعريين وعك ولخم وصمد بنو عبد القيس وقتلوا ذا الكلاع الحميري وتضعضعت لقتله أركان حمير! فلجأ إبن العاص الى رفع المصاحف ، فتضاربوا بالسيوف حتى تعطفت كالمناجل ، وتطاعنوا بالرماح حتى تكسَّرت أسنتها ». (المصدر السابق:5 :155)

 ولم يكن منهم أحد مع معاوية كما تقدم، ولا من كبار الصحابة ولا من أهل بيعة الرضوان ، ولا من الأنصار!

وقال نصر بن مزاحم في وقعة صفين /402: «وأقبل علي على ربيعة فقال: أنتم درعي ورمحي! قال:فربيعة تفخر بهذا الكلام إلى اليوم».

وقال في/305: «وشدت ربيعة بعده شدة عظيمة على صفوف أهل الشام فنقضتها ! وفي ذلك قال مجزأة بن ثور:

       أضربهم ولا أرى معاويهْ****الأبرج العين العظيم الحاويهْ
       هوت به في النار أم هاويهْ****جاوره فيها كلاب عاويهْ
                         أغـوى طغامـاً ، لا هـدته هـاديـه ».

__________________________

1 ـ تيم اللات بطن من ربيعة

 

تم تطوير هذا الموقع من أجل تسهيل الإستفادة من مؤلفات ومحاضرات وتسجيلات سماحة الشيخ علي الكوراني العاملي ، ويمكن الإستفادة منها ونشرها مع عدم التغيير المخلّ بالمعنى ، مع ذكر المصدر .. وأما طباعة الكتب والأقراص وغيرها فتحتاج إلى إجازة خاصة .