متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
الفصل التاسع : أشْرَاط الساعة وعلاماتها
الكتاب : الولادات الثلاث    |    القسم : الكتب والمؤلفات    |    القرآء : 4438

الفصل التاسع

 

أشْرَاط الساعة وعلاماتها

(1) ظهورالمهدي(ع) والرجعة ليسا من أشراط الساعة  

   ذكرت بعض الروايات أن ظهور المهدي(عج) والرجعة من أشراط الساعة ، مع أن الفاصلة بينهما وبين القيامة قد تكون عشرات ألوف السنين .

   فدولة العدل الإلهي على يد المهدي(ع) تطول ، ولا يرجع الظلم الى الأرض، وينزل في أولها عيسى(ع) ، ويخرج بعد نزوله الدجال ، ويُقتل .

 

   أما دولة الرجعة فهي في آخر دولة المهدي(ع) ، وهي برنامج طويل أيضاً ، وفي آخرها تبدأ علامات الساعة والقيامة ، ومنها دابة الأرض ، ثم خروج يأجوج ومأجوج ، ثم النفخ في الصور ونهاية الحياة على الأرض وفي الكون .

 

 ثم يعاد خلق الكون مجدداً ، وينفخ في الصور ، فيخرج الناس الى المحشر.

(2) دابة الأرض ليست من أشراط الساعة

 

   قلد رواة السلطة كعب الأحبار وقبلوا منه إسرائيلياته ، فجعلوا دابة الأرض ويأجوج عند ظهور المهدي ونزول عيسى ، وقالوا إن عيسى(ع) يقاتل الدجال ، ثم يقاتل يأجوج ومأجوج ، ثم تقوم القيامة !

   والصحيح أن وقت دابة الأرض في الرجعة ، وهي بعد ظهور المهدي(ع) وقبل القيامة بمدة طويلة . أما يأجوج ومأجوج ، فوقتهم قرب القيامة !

   قال الله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ . وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ . إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ . فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ . إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ . وَمَا أَنْتَ بِهَادِى الْعُمْىِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ . وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ . وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ . (النمل:76-83).

 

   فالآيات خطاب لليهود والمعاندين ، الذين تعمدوا مخالفة الحق ، فسماهم الله موتى وصَمّاً ، وأمر رسوله(ص) أن يعرض عنهم ، لأنهم سيبقون هكذا حتى يقع عليهم القول ويخرج الله لهم دابة الأرض ، فتكلمهم !

  ولم تربط الآية الدابة بالقيامة ، فقد تكون قبلها بألوف السنين .

  كما أن تعبير: وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ ، لم يستعمل إلا في هذه الآية . واستعمل للقيامة: حَقَّ القَوْل (السجدة:3،ويس:7،والقصص:62-63) . واستعمل: وقع ، لوقوع الرجز (الأعراف:134)والرجس( الأعراف:71)والعذاب الدنيوي( يونس:49).

 

   وهذا يؤيد أن دابة الأرض تكون في الرجعة ، وتسمى الرجعة القيامة الصغرى  وقد تطول ألوف السنين ، ويرجع فيها النبي(ص) والأئمة وبعض الأنبياء(ع) إلى الدنيا ، بعضهم زائراً وبعضهم يحكم في الأرض مدة.

   وتشير الى ذلك الآية التي بعدها عن الحشر الخاص ، الذي يكون قبل الحشـر العام: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ . (النمل:83). أما القيامة فهي حشر عام: وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا . (الكهف:47).

  وفي تفسير القمي (1/198) عن أبي جعفر(ع) : (وسيريكم في آخر الزمان آيات ، منها دابة في الأرض ، والدجال ، ونزول عيسى بن مريم(ع) وطلوع الشمس من مغربها).وتعبير آخر الزمان يشمل فترة كبيرة من عمر الحياة تبدأً من بعثة النبي(ص) إلى آخر الدنيا. كما أن التسلسل في الرواية جاء من الراوي ، لأن الأئمة(ع) نصوا على أن ظهور المهدي(ع) قبل الدجال ودابة الأرض .

   وفي الكافي (1/197) أن علياً(ع) قال: (ولقد أعطيتُ الستَّ: علم المنايا والبلايا والوصايا والأنساب وفصل الخطاب . وإني لَصَاحِبُ الكرَّات ودولة الدول ، وإني لصاحب العصا ، والميسم ، والدابة التي تكلم الناس) .

   أي الدابة التي تأتمر بأمره فتكلم الناس. وصاحب العصا التي ورد أنها عصا آدم(ع)  وأنها آية في الرجعة . والمَيْسَم: الآلة التي تطبع علامة على جبهة بعض الكفار ، الذين لا يؤمل صلاحهم ليعرفهم الناس ويحذروا منهم ، والميسم يرافق دابة الأرض ، وهو آية للمعاندين من اليهود وأمثالهم ، والوسم لنوع خاص منهم .

   ومما يدل على أن دابة الأرض من آيات الرجعة ، وليست من آيات القيامة ، ما روي عن الصادق(ع) : (إن العذاب الأدنى الدابة والدجال).(مختصر البصائر/210) .

 

   وعنه(ع) : (ولاتنقطع الحجة من الأرض إلا أربعين يوماً قبل يوم القيامة ، فإذا رفعت الحجة أغلق باب التوبة ولم يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أن ترفع الحجة. وأولئك شرار من خلق الله ، وهم الذين تقوم عليهم القيامة). (المحاسن/236، ونحوه الكافي:1/329 ).

 

دابة الأرض في مصادر السنيين:

 

  نلاحظ كثرة الإسرائيليات والأساطير في مصادر علماء الخلافة ، وهذا طابع روايات كعب وتلاميذه ، الذين هم كبار رواة الدولة الأموية .

 

   فقد زعموا أن دابة الأرض تطارد الناس ! روى الطيالسي/144، عن عبد الله بن عمير: ( ذكر رسول الله(ص) الدابة فقال: لها ثلاث خرجات من الدهر ، فتخرج في أقصى البادية ، ولا يدخل ذكرها القرية يعني مكة ، ثم تكمن زماناً طويلاً ، ثم تخرج خرجة أخرى دون ذلك ، فيعلو ذكرها أهل البادية ويدخل ذكرها القرية يعني مكة . قال رسول الله(ص) : ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة وخيرها ، وأكرمها المسجد الحرام ، لم يَرُعْهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام ، تنفض عن رأسها التراب ، فارفضَّ الناس معها شتى ومعاً ، وثبت عصابة من المؤمنين وعرفوا أنهم لن يعجزوا الله ، فبدأت بهم فجلت وجوههم حتى تجعلها كأنها الكوكب الدري ، وولت في الأرض لا يدركها طالب ، ولا ينجو منها هارب ، حتى أن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان يا فلان الآن تصلي ! فيقبل عليها فتسِمُه في وجهه ثم تنطلق ، ويشترك الناس في الأموال ويصطحبون في الأمصار ، يعرف المؤمن من الكافر حتى أن المؤمن يقول: ياكافر إقضني حقي ، وحتى أن الكافر يقول: يا مؤمن إقضني حقي ) .

 

   وروى الحاكم (4/484) (تخرج الدابة من الصفا أول ما يبدو رأسها مُلَمَّعَة ذات وبر وريش لم يدركها طالب ولن يفوتها هارب)! وصححه على شرط الشيخين !

 

   (ولها عنق مشرف يراها من بالمشرق ، كما يراها من بالمغرب ، ولها وجه كوجه إنسان ، ومنقار كمنقار الطير ، ذات وبر وزغب معها عصا موسى وخاتم سليمان بن داود تنادي بأعلى صوتها:إن الناس كانوا بآياتنا لايوقنون).(الدر المنثور:5/116).

 

  (مثل الدابة التي تخرج كمثل حَيِّزٍ بُنيَ ورفعت حيطانه وسُدت أبوابه ، وطُرح فيه من الوحوش كلها ، ثم جئ بالأسد فطرح وسطها ، فانذعرت وأقبلت إلى النفق تلمسه من كل جانب . كذلك أمتي عند خروج الدابة لا يفر منها أحد إلا مثلت بين عينيه ، ولها سلطان من ربنا عظيم). (زهر الفردوس:4/64).

 

   وفي فتن ابن حماد (2/665):(دابة الأرض ذات وبر تنال رأسها السماء).

 

   وفي الدر المنثور (5/116) عن ابن عباس: (الدابة مؤلفة ذات زغب وريش ، فيها من ألوان الدواب كلها )!

 

   وفي تفسير ابن كثير(3/388) عن أبي الزبير: (رأسها رأس ثور وعينها عين خنزير وأذنها أذن فيل وقرنها قرن إيل وعنقها عنق نعامة وصدرها صدر أسد ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة هر وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعاً ) !

 

   وفي سنن الداني/104 ، في حديث بعدة صفحات عن حذيفة قال: (قلت يا رسول الله وما الدابة ؟ قال:ذات وبَر وريش ، عظمها ستون ميلاً ، ليس يدركها طالب ولا يفوتها هارب ، تَسِمُ الناس مؤمناً وكافراً ، فأما المؤمن فتترك في وجهه كالكوكب الدري وتنكت بين عينيه مؤمن ، وأما الكافر فتكتب بين عينيه نكتة سوداء ، وتكتب بين عينيه كافر ) .

 

 ثم زعموا أن النبي(ص) حدد مكان خروجها لبريدة الأسلمي، فرووا عن بريدة أنه قال كما في مسند أحمد (5/357): (ذهب بي رسول الله(ص) إلى موضع بالبادية قريباً من مكة فإذا أرض يابسة حولها رمل فقال رسول الله(ص) :تخرج الدابة من هذا الموضع فإذا فِتْرٌ في شبر ) !

  وقال عبد الله بن عمرو العاص كما في تفسير الطبري(20/10): ( لو شئت لانتعلت بنعليَّ هاتين فلم أمس الأرض قاعداً حتى أقف على الأحجار التي تخرج الدابة من بينها) ! وفي فتن ابن حماد(2/662): (رأيت عبد الله بن عمرو وكان منزله قريباً من الصفا  رفع قدمه وهو قائم وقال: لو شئت لم أضعها حتى أضعها على المكان الذي تخرج منه الدابة ) !

 

   أما عبد الله ابن عمر فقال كما روى عنه أبو يعلى (10/67):(ألا أريكم المكان الذي قال رسول الله إن دابة الأرض تخرج منه؟فضرب بعصاه الشق الذي في الصفا).

 

   أقول: هذا يسير من كثير ، مما رووه عن دابة الأرض ، ولا يمكن أن نطمئن بشئ منه ، حتى لو كانت روايته صحيحة على شرط الشيخين وجميع المشايخ !

 

(3) يأجوج ومأجوج من أشراط الساعة

 

   قال الله تعالى:قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيْرٌ فَأَعِينُونِى بِقُوَةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا. آتُونِى زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا. فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا . قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّى فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّا . وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا . (الكهف:94-99).

 

   وخلاصة معنى الآيات: أن ذا القرنين رضي الله عنه ، توجه بوسائله نحو مشرق الشمس فوصل الى منطقة فيها قومٌ تحت أشعة الشمس الحارقة ، وقد يكونون هم يأجوج ومأجوج ، فلم يصنع لهم شيئاً .

  ثم سار بوسائله حتى وصل إلى منطقة ، فوجد قوماً خلف جبلين عاليين شكوا له هجوم يأجوج ومأجوج عليهم من وراء الجبلين ، فصنع السد لحمايتهم (سد ذي القرنين) فعجزت يأجوج عن نقبه أو تسلقه ، وأخبرهم أن هذا السد رحمة لهم ، وسيستمر إلى قرب يوم القيامة ، حيث يدكه الله تعالى في مقدمات القيامة .

 

 قال تعالى:حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ . وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ . (الأنبياء:96-97).

 

   فالحياة الدنيا تمتد حتى تنفتح على الأرض بوابة يأجوج ومأجوج ، وينسابوا في الأرض قرب القيامة التي هي الوعد الحق !  ولم تذكر الآية أنهم يقاتلون أحداً !

 

 ولذلك فقد يكونون في مكان آخر غير أرضنا ، لأن الله تعالى قال عن ذي القرنين: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ ، فقد يكون السبب وسيلة فضائية ويكون مطلع الشمس الذي بلغه في غير الأرض..الخ .

   ويؤيد ذلك أنهم ليسوا من أبناء آدم(ع) ، ففي الكافي(8/220) عن علي(ع) قال: (وأجناس بني آدم سبعون جنساً . والناس ولد آدم ما خلا يأجوج ومأجوج).

 

ولم تذكر روايات أهل البيت(ع) أي حرب للمسلمين مع يأجوج ومأجوج ، بينما طفحت مصادر الخلافة بمعارك خيالية معهم بقيادة عيسى بن مريم(ع) .

 

   قال أحمد في مسنده (5/271): (خطب رسول الله(ص) وهو عاصب إصبعه من لدغة عقرب ، فقال: إنكم تقولون لا عدو ، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدواً حتى يأتي يأجوج ومأجوج ، عراض الوجوه صغار العيون ، شهب الشعاف ، من كل حدب ينسلون ، كأن وجوههم المجان المطرقة) .

 

   ومعنى شُهْبُ الشِّعَاف: صُفْرُ الرؤوس كأن وجوههم المُبَقَّعَة تِرْسُ حديدٍ مُبَقَّع من طرق الحداد . وهذه صفة المغول الذين غزوا بلادنا في القرن السابع.

 

   وقال البخاري(8/88): (استيقظ النبي(ص) من النوم محمراً وجهه يقول: لا إله إلا الله، وَيْلٌ للعرب من شر قد اقترب!  فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه . وعقد سفيان تسعين أو مائة . قيل: أنهلكُ وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث ). ورواه أيضاً في: 4/176 وفي: 4/109 ، عن أم حبيبة بنت أبي سفيان وكأنها تطبقه على قتل عثمان ، لكن أبا هريرة طبقه على غَلَمَة قريش الذين تهلك الأمة بأيديهم !  ونحوه أيضاً (4/109، و176، و: 8/104عن زينب بنت جحش أن النبي(ص) دخل عليها فزعاً يقول..).

 

   أقول: معنى عقد تسعين أو مئة ، أي بأصابعه بحساب العقود ، وهي عقود أصابع اليد ، وله أصول ، ذكرها في هامش البحار (53/193).

   وقد أكثَرَ المفسـرون والمحدثون والمؤرخون من الروايات والكلام حول يأجوج ومأجوج  ونوعهم ومكانهم ، وسد ذي القرنين أمامهم ، ومعنى كسره ومجيئهم الى الأرض قرب القيامة. وأكثر مصادرهم الإسرائيليات وموروثات عامية .

 

   ومن الواضح أنها روايات ظنية وأقل من ظنية ، وأكثرها لا يمكن تطبيقه على الآيات  فتسقط عن الفائدة ، بل تسقط عن القيمة العلمية ، لأن الآيات يقين.

 

   ومن الواضح أن القيمة العلمية في مثل قضية يأجوج تنحصر بالكشوف المادية الحسية التي توجب اليقين ، أو بكلام المعصوم المفتوح له نافذة على الغيب توجب اليقين . ودرجة اليقين في كلام المعصوم ، أعلى من درجة الحس والمشاهدة .

 

(4) بقية أحاديث علامات الساعة

 

   1.ذكرت أحاديث عديدة أن الشئ الفلاني من علامات الساعة ، أو أنه لا بد أن يقع قبل أن تقوم الساعة . وكثير منها مراسيل أو ضعيفة السند .

   والصحيح منها قد يقصد حتمية وقوع هذا الشئ ، ولا يقصد أن الساعة ستقوم بعده مباشرة . فقد كان بعض الناس يتصورون قرب القيامة فيجابون بأنه لا بد أن يقع قبلها الحدث الفلاني والفلاني ، وأن تكثر الفتن والمعاصي ، وأن يعق الرجل أبويه ، وأن ترفع الأمانة ، ويتباهى  الناس بالبنيان ..الخ.

 

   وكمثال على ذلك: حديث عبد الله بن عمر: ( قال رسول الله(ص) : لاتقوم الساعة حتى يخرج المهدي من ولدي). (الإرشاد:2/371)

   فهو لا يقصد أن الساعة تكون بعده مباشرة ، بل يقصد أنه حتمي قبلها .

 

   وحديث البخاري (2/22):(لاتقوم الساعة حتى يقبض العلم ، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج وهو القتل القتل ، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض ).

   فليس فيه شئ من علامات القيامة القريبة ، فقد قبض العلم بوفاة النبي(ص) ثم قبض العلم بإعراض السلطة عن مدينة علم النبي(ص) ، واعتمادها على أصحاب الظنون ، الذين ملؤوا أذهان المسلمين ومصادرهم بظنونهم وإسرائيلياتهم .

   أما الزلازل والفتن والقتل فهي موجودة في كل عصر، ولايمكن ضبط ما هو العلامة منها . وكذا تقارب الزمان وشعور الناس بسرعة مضي أيامه وسنينه .

   وأما فيض المال حتى يعرض المسلم زكاة ماله فلا يجد من يأخذه ، فهو علامة خاصة بعصر المهدي(ع) وهو قبل القيامة بكثير .

 

  2. من أحاديث علامات الساعة: حديث عوف بن مالك الذي رواه البخاري (4/68) وأن النبي(ص) قال له: ( أعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي ، ثم فتح بيت المقدس ، ثم مَوَتَان يأخذ فيكم كقِعَاص الغنم ، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً ، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته ، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر ، فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية ، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً ).

  والمقصود أن هذه الأحداث ستقع قبل القيامة،لا أنها أو بعضها متصل بقيام الساعة.

 

   3. ومنها ما رواه الفريقان عن النبي(ص) : (عشر قبل الساعة لابد منها: السفياني ، والدجال ، والدخان ، والدابة ، وخروج القائم ، وطلوع الشمس من مغربها ، ونزول عيسى(ع) ، وخسف بالمشرق ، وخسف بجزيرة العرب ، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر). (غيبة الطوسي/267).

 

   وليس فيه علامة متصلة بالقيامة إلا نار عدن، وهي قبل النفخة الثانية أو بعدها . ونزول عيسى(ع) وخروج الدجال من أحداث ظهور المهدي(ع) ..

 

  قال السيد الميلاني في كتاب قادتنا (4/475):(إعلم أنه وقع الخلط في كثير من كتب علماء أهل السنة بالنسبة إلى الأحاديث المتعلقة بآخر الزمان ، بين ما هو من أشراط الساعة وعلامات دنو القيامة ، وبين العلامات التي تسبق ظهور الإمام المهدي المنتظر عجل الله له الفرج. فقد أدرجها البعض في عنوان الفتن  وآخر تحت عنوان الملاحم وأشراط الساعة . وربما أورد بعضهم الأحاديث المتعلقة بالمهدي في علائم دنوِّ القيامة).

 

   وقال ابن حجر في فتح الباري(1/112): (قال القرطبي: علامات الساعة على قسمين: ما يكون من نوع المعتاد أو غيره . والمذكور هنا الأول ، وأما الغير مثل طلوع الشمس من مغربها ،  فتلك مقاربة لها أو مضايقة ). أي قريبة منها .

 

   وقال في فتح الباري(6/199) عن استفاضة المال المتقدم: (قوله: ثم استفاضة المال، أي كثرته ، وظهرت في خلافة عثمان عند تلك الفتوح العظيمة . والفتنة المشار إليها افتتحت بقتل عثمان واستمرت الفتن بعده ).

 

   وعندما يفسر إمام كبير عندهم مثل ابن حجر العسقلاني أحاديث علامات الساعة بعصر عثمان ، فهذه شهادة بأن أحاديثها لا تقصد معناها الحقيقي !

   ولا ينفع بعد ذلك قول التفتازاني في  شرح المقاصد(2/309): (وذكر في حديث آخر من علامات الساعة أن تظهر الأصوات في المساجد ، وأن يسود القبيلة فاسقهم، وأن يكون زعيم القوم أرذلهم، وأن يكرم الرجل مخافة شره .

   وبالجملة فالأحاديث في هذا الباب كثيرة ، رواها العدول الثقاة وصححها المحدثون الأثبات ، ولا يمتنع حملها على ظواهرها عند أهل الشريعة ، لأن المعاني المذكورة أمور ممكنة عقلاً ).

 

   فمهما كانت هذه الأحاديث صحيحة ، فإن أحداثها ليست علامات للقيامة ، إلا ما ثبت اتصاله بها ، وهو قليل جداً.

 

   4. والنتيجة: أن العلامات المتصلة بقيام الساعة ، قليلة جداً، منها في مصادر السنيين نار عدن التي تسوق الناس الى المحشر ، لكنها علامة للمحشر، وهو  بعد النفخة الثانية ، والقيامة تبدأ بالأولى .

   ومنها: حديث الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين قبل القيامة ، فلا يبقى إلا الأشرار فتقوم القيامة عليهم .

   لكنهم رووها في أسطورة أن المسلمين يكونون قلة في الشام ، ويقودهم عيسى (ع) ويقاتل الدجال ويقتله ، ثم يقاتل يأجوج ومأجوج فيقتلهم حتى تمتلئ الأرض من جيفهم ، ويرسل الله عليهم دوداً يأكلهم ! ثم تظهر دابة الأرض وبقية أشراط الساعة ، ويكون آخرها نارٌ من عدن تسوق الناس إلى المحشر وريحٌ تقبض أرواح المؤمنين . (مسلم:4/2250، وابن ماجة:2/1358).

 

   أما مصادرنا فلم ترو مثل هذه الأساطير ، ولا تقبلها . نعم روت أن القيامة تقوم على شرار الناس: (إن الأرض لا تخلو من حجة إلا إذا كان قبل يوم القيامة بأربعين يوماً ، فإذا كان ذلك رفعت الحجة وأغلق باب التوبة ، فلم يك يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ، فأولئك أشرار من خلق الله عز و جل وهم الذين تقوم عليهم القيامة). (الكافي:1/329).

 

   وروى الصدوق في أماليه/551: (عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه قال: إن الزلازل ، والكسوفين ، والرياح الهائلة ، من علامات الساعة ، فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فتذكروا قيام القيامة ، وافزعوا إلى مساجدكم).

   وفي تحف العقول لابن شعبة الحراني/59: (وقال(ص) : من أشراط الساعة كثرة القراء ، وقلة الفقهاء ، وكثرة الأمراء وقلة الأمناء ، وكثرة المطر وقلة النبات ) .

   5. وجود علامات للقيامة لا ينافي أنها تأتي بغتةً ، كما قال عز وجل:هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ . (الزخرف:66).

  وقال تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ . (محمّد:18).

   وقال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاهُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً. يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِي عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.(الأعراف:187).

 

   فهي لا تأتي إلا فجأةً وبغتةً ، لكن قبلها علامات وأشراط .

   وكذلك الأمر في ظهور الإمام المهدي(عج) .

   وكذلك كان الأمر في الأنبياء المبشر بهم(ع) فقد جعلت لهم علامات ، ومع ذلك بعثوا فجأة .

 

~          ~

تم تطوير هذا الموقع من أجل تسهيل الإستفادة من مؤلفات ومحاضرات وتسجيلات سماحة الشيخ علي الكوراني العاملي ، ويمكن الإستفادة منها ونشرها مع عدم التغيير المخلّ بالمعنى ، مع ذكر المصدر .. وأما طباعة الكتب والأقراص وغيرها فتحتاج إلى إجازة خاصة .