الإمام الرضا عليه السلام والمأمون

ë

دراسة العلاقة بين الإمام الرضا عليه السلام والمأمون

بقلم

Asset 2@4x.png

الطبعة الأولى
17ربيع الأول 1444هـ - 2022 م

المؤلف: علي الكَوراني العاملي.

الناشر: دارالمعروف، قم المقدّسة.

الطبعة : الأولی.

تاریخ النشر: 1444 هـ - 2022 م

المطبعة : باقری - قم المقدّسة.

عدد المطبوع : 2000 نسخة.

ردمك: 1-58-8916-600-978

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم السلام ،

على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد ، فقد كتبوا عن الإمام الرضا صلوات الله عليه عشرات الكتب، والحمد لله . ومن حق سيرته الغنية بأبعادها المتعددة ، أن تؤلف فيها مجلدات عديدة .

لكني أردت التركيز على بعد واحد هو علاقته عليه السلام مع المأمون ، وتأثير هذه العلاقة على مجتمع عصره ، وعلى تاريخ الأمة .

فكان لا بد من رسم شخصية المأمون كما هي من المصادر التاريخية الموثوقة ، وقد استوجب ذلك الإطلالة على شخصية أبيه هارون ، وشخصية أخيه الأمين .

ثم بحثت الظروف التي طلب فيها المأمون من الإمام الرضا عليه السلام أن يكون ولي عهده ، وكيف أجبره على ذلك وبعث سرية عسكرية الى المدينة فأتت به ، ثم هدده بالقتل إن لم يقبل في مداولاته معه ، فقبل الإمام عليه السلام بشـرط أن لا يتدخل في شيئ من أمور الخلافة ، وشؤون سياستها ومؤسساتها ! فقبل المأمون شرطه هذا .

وقد كانت ولايته عليه السلام لعهد المأمون سنتين ، من شهر رمضان سنة201 هجرية الى رمضان سنة 203 هجرية ، وهو رأي الصدوق رحمه الله ، وقد حققنا أن شهادته عليه السلام كانت في الحادي والعشرين من شهر رمضان وليس في صفر .

كانتا سنتين لا كالسنوات ، فقد فاض علم الإمام الرضا عليه السلام على الأمة ، وروى عنه الناس أنواع العلوم ، وجمع له المأمون رؤساء الأديان والمذاهب والمقالات من أرجاء الدولة الإسلامية ، وناظرهم وكلمهم بلغاتهم وكتبهم ومصطلحاتهم ، فدهشوا من إحاطته بعلومهم ، وقوة منطقه ، وبعضهم أسلم على يده كعمران الصابي ، العلماني الملحد .

ثم ختمنا الكتاب بإمامة صغار السن من أئمة أهل البيت عليهم السلام لأن المأمون نظَّر لإمامة محمد الجواد عليه السلام رغم صغر سنه ، وكان يفتخر به أمام العباسيين والفقهاء ويتحداهم بعلمه ، ويُحضر العلماء ليسألوه ويروا علمه ، وكان المأمون يقول: (ويْحكم إن أهل هذا البيت خِلْوٌ من هذا الخلق! (أي ليسوا مثلهم) أوَمَا علمتم أن رسول الله بايع الحسن والحسين وهما صبيان غير بالغين ولم يبايع طفلاً غيرهما ! أَوَمَا علمتم أن علياً آمن بالنبي وهو ابن عشر سنين، فقبل الله ورسوله منه إيمانه ولم يقبل من طفل غيره ، ولا دعا النبي طفلاً غيره إلى الإيمان! أوَمَا علمتم أنها ذرية بعضها من بعض، يجري لآخرهم ما يجري لأولهم)!

(الإختصاص للمفيد/98). وروى منها ابن عبد البر في العقد الفريد (2/240).

وبذلك مهد المأمون لإمامة الجواد عليه السلام وكان عمره بعد أبيه سبع سنين، وكذلك مهد لإمامة ابنه علي الهادي عليه السلام وكان عمره بعد قتل أبيه الجواد سبع سنين ، ثم لإمامة المهدي بن الحسن العسكري عليه السلام وكان عمره بعد قتل أبيه ست سنين.

وهم ثلاثة أئمة صغار السن ، بعدد الأنبياء صغار السن، وقد احتج الأئمة عليهم السلام لصغر سن الإمام بيحيى وعيسى عليهما السلام حيث آتى الله كلاً منهما الحكم صبياً وبسليمان عليه السلام الذي آتاه الله الملك وهو ابن عشر سنين ، وفي رواية إحدى عشرة !

أملي بالله تعالى ببركة الإمام الرضا صلوات الله عليه أن ينفع بهذا الكتاب ، وما تضمنه من أفكار جديدة حول شخصية الإمام الرضا عليه السلام وعلاقته بالمأمون .

حرره: علي الكوراني العاملي
في الحادي عشر من ربيع المولد 1444

 

 

الفصل الأول

حقيقة شخصية المأمون

الأب والأم والمربي

أبوه هارون المسمى بالرشيد وسترى أنه غير رشيد . وأمه جارية خراسانية نرجح أنها من بنات الملوك ، تسمى مراجل لأنها كانت ترجل شعرها دائماً .

ومربيه من صغره جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، من ذرية برمك سادن نار المجوس، وقد كان لهم سلطان في الخلافة العباسية .

هارون المسمى بالرشيد

قال الذهبي في تاريخه(10 /40):«هلك الخليفة موسى الهادي من قرحة أصابته في جوفه، وقيل سمته أمه الخيزران لما أجمع على قتل أخيه الرشيد . وكانت أيضاً حاكمة مستبدة بالأمور الكبار فمنعها ، وكانت المواكب تغدو إلى بابها ، فردهم عن ذلك وكلمها بكلام فج وقال: إن وقف بدارك أمير لأضربن عنقه ، أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكرك ، أو سبحة ! فقامت ما تعقل من الغضب ، فقيل إنه بعث إليها بطعام مسموم ، فأطعمت منه كلباً فانتثر ! فعملت على قتله لما وُعك بأن غموا وجهه ببساط جلسوا على جوانبه ، وكان يريد إهلاك الرشيد ليولي العهد ولده وهو صغير، له عشر سنين. وكانت خلافته سنة وربع ، وعاش ستاً وعشرين سنة».

وروى الطبري في تاريخه( 6/421) تفاصيل كثيرة عن الصراع على السلطة بين موسى الهادي وأمه الخيزران ، وفيها أن موسى اتهم الخيزران بعبد الله بن مالك وأراد قتلها فقتلته ! وعندما قتلت ابنها موسى قالت ليحيى بن خالد البرمكي: إن الرجل قد توفي فاجدد في أمرك ولا تقصر. أي رتب الأمر لهارون فرتب البيعة له وبايعه أهل القصرثم الناس وصار هو رئيس وزرائه! وكان ذلك في سنة 170 ، وعاشت خيزران إلى سنة 173.(الذهبي:11/109) .

أقول: يتحدثون عن أزهى عصور الإسلام في عصر هارون ، لكنهم ينظرون فقط الى توسع الدولة وسيطرتها ويتناسون الظلم والقمع الذي قامت عليه الدولة ، فقد كان هارون جباراً عنيفاً سفاكاً للدماء !

وروى محبوه أنه ظل يتلذذ بتقطيع الأشلاء إلى آخر دقيقة من حياته!

وأن أولاده كانوا يكرهونه ويريدون موته ليكونوا مكانه !

ورووا أنه رأى معجزات الإمام الكاظم عليه السلام وصرح بأن العلم الصحيح عنده ، وأنه أولى الناس بخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومع ذلك اضطهده وسجنه ! ولم يقنع بذلك حتى قتله بالسم وهو في سجنه !

في عيون أخبار الرضا عليه السلام :(2/85) وصف المأمون الإمام الكاظم عليه السلام : (فقام الرشيد لقيامه وقبل عينيه ووجهه ، ثم أقبل عليَّ وعلى الأمين والمؤتمن فقال: يا عبد الله ويا محمد ويا إبراهيم إمشوا بين يدي عمكم وسيدكم ، خذوا بركابه وسووا عليه ثيابه وشيعوه إلى منزله ، فأقبل عليَّ أبو الحسن موسى بن جعفر سراً بيني وبينه فبشرني بالخلافة فقال لي: إذا ملكت هذا الأمرفأحسن إلى وُلدي ، ثم انصرفنا وكنت أجرأ وُلد أبي عليه فلما خلا المجلس قلت: يا أمير المؤمنين من هذا الرجل الذي قد أعظمته وأجللته وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته وأقعدته في صدر المجلس وجلست دونه، ثم أمرتنا بأخذ الركاب له ؟ قال: هذا إمام الناس وحجة الله على خلقه وخليفته على عباده . فقلت: يا أمير المؤمنين أوَليست هذه الصفات كلها لك وفيك؟ فقال: أنا امام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر ، وموسى بن جعفر إمام حق ، والله يا بني إنه لأحق بمقام رسول الله مني ومن الخلق جميعاً ! ووالله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك ، فإن الملك عقيم !

فلما أراد الرحيل من المدينة إلى مكة أمر بصُرَّة سوداء فيها مائتا دينار ثم أقبل على الفضل بن الربيع فقال له:إذهب بهذه إلى موسى بن جعفروقل له: يقول لك أمير المؤمنين: نحن في ضيقه وسيأتيك برنا بعد الوقت، فقمت في صدره فقلت: يا أمير المؤمنين تعطي أبناء المهاجرين والأنصار وساير قريش وبني هاشم ومن لاتعرف حسبه ونسبه خمسه آلاف دينار إلى ما دونها وتعطي موسى بن جعفر وقد أعظمته وأجللته مأتي دينار أخس عطيةٍ أعطيتها أحداً من الناس! فقال: أسكت لا أم لك فإني لو أعطيت هذا ما ضمنته له ما كنت أمِنته أن يضرب وجهي غداً بمائه ألف سيف من شيعته ومواليه . فقرُ هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم)!

وهذا اعتراف صريح من أعلى هرم الخلافة بمكانة الأئمة من العترة النبوية عليه السلام .

أم المأمون مراجل جارية خراسانية

المأمون أذكى خلفاء بني العباس وأعلمهم جميعاً. وقد جاءه الذكاء من أبيه هارون وأعمامه العباسيين ، ومن خؤولته الفرس. فأمه جارية من بادغيس وهي عاصمة خراسان القديمة واليوم ولاية من أفغانستان ، وتقع بين مشهد وبلخ قرب هراة ، ومعناها بالفارسية مهب الرياح . وكانت مراجل جارية لزبيدة ، وقالوا في ذمها وقذارتها، لكن ذلك من مكذوبات زبيدة ، وقد تكون مراجل من بنات ملوك الفرس وشخصياتهم ، فقد أخفى هؤلاء أنفسهم وخدموا الخلفاء في قصورهم ، وتبوؤو ا مكانة كبيرة كالبرامكة . فلا بد أن تكون مراجل من ذرية شخصيات الفرس ذات اللون الأبيض ، وكان البرامكة يعلمون جوارٍ جميلات الغناء ويهدونهن الى الخلفاء ليثبتوا نفوذهم بذلك كالجارية دنانير التي أغرم بها هارون .

وقد روى أبو الفرج (الأغاني:18/305) أن مراجل كانت من عشر جوارٍ منتخبة اختارتهن أم جعفر البرمكي، قال: (وأهدت إلى الرشيد عشر جوار، منهن ماردة أم المعتصم ، ومراجل أم المأمون ، وفاردة أم صالح ).

وقال الدميري في حياة الحيوان (1/116):(ذكر صاحب عيون التواريخ وغيره أن المأمون مرَّ يوماَ على زبيدة أم الأمين فرآها تحرك شفتيها بشيئ لايفهمه فقال لها: يا أماه أتدعين عليَّ لكوني قتلت ابنك وسلبته ملكه؟فقالت: لا والله يا أمير المؤمنين ! قال فما الذي قلته؟ قالت: يعفيني أميرالمؤمنين، فألح عليها وقال: لابد أن تقوليه،قالت: قلت قبَّح الله الملاححة. قلت: وكيف ذلك؟ قالت: لأني لعبت يوماً مع أميرالمؤمنين الرشيد بالشطرنج على الحكم والرضا، فغلبني فأمرني أن أتجرد من أثوابي وأطوف القصرعريانة فاستعفيته فلم يعفني ، فتجردت من أثوابي وطفت القصر عريانة ، وأنا حنقة عليه ثم عاودنا اللعب فغلبته ، فأمرته أن يذهب إلى المطبخ فيطأ أقبح جارية وأشوهها خلقة فيه فاستعفاني من ذلك فلم أعفه ، فبذل إليَّ خراج مصر والعراق فأبيت وقلت:واللَّه لتفعلن ذلك فأبى فألححت عليه وأخذت بيده وجئت به للمطبخ، فلم أر جارية أقبح ولا أقذر ولا أشْوَهَ خلقة من أمك مراجل ، فأمرته أن يطأها فوطأها ، فعلقت منه بك فكنت سبباً لقتل ولدي وسلبه ملكه . فولى المأمون وهو يقول: لعن الله الملاححة أي التي ألح عليها حتى أخبرته بهذا الخبر ) !

وهذا الخبر موضوع ، وضعته زبيدة لتشفي غيظها من ضرتها ومن المأمون قاتل ابنها ! فمراجل من الجواري التي اختارهن هارون على رغم زبيدة وكان ينام معهن، وقد رزق من بعضهن أولاداً .

هذا، وذكر المؤرخون أن مراجل أم المأمون ماتت في نفاسها وهو الأقوى ، وشذ الحميري في الروض المعطار/73، فقال في كلامه عن بادغيس: (ومنها كانت مراجل أم المأمون بن الرشيد ، وهلكت بعد مولد المأمون بمدة مديدة ، ولقبها صواحبها بمراجل لأنها كانت حسنة الشعر مولعة بترجيله وخدمته).

أولاد هارون: إخوة المأمون وأخواته

كان لهارون من الذكور:

محمد الأكبر وهو الأمين ، أمه زبيدة .

وعبد الله المأمون ، وأمه أم ولد يقال لها مراجل .

والقاسم ، وأمه أم ولد يقال لها قصف .

ومحمد المعتصم ، وأمه أم ولد يقال لها ماردة .

وعليّ ، أمه أمَةُ العزيز .

وصالح ، وأمه أم ولد يقال لها رئْم .

ومحمد أبو عيسى ، وأمه أم ولد يقال لها عرابة .

ومحمد أبو يعقوب ، وأمه أم ولد يقال لها شذرة .

ومحمد أبو العباس ، وأمه أم ولد يقال لها خَبَث .

ومحمد أبو سليمان ، أمه أم ولد يقال لها رَواح .

ومحمد أبو علي ، وأمه أم ولد يقال لها دَواج .

وأبو محمد وهو إسمه ، ولقبه كريب ، وأمه أم ولد يقال لها شجَر .

ومحمد أبو أحمد ، أمه أم ولد يقال لها كِتمان .

وأبو يعقوب ، وأبو أيوب بنو هارون الرشيد ، وكلٌّ إسمه محمد .

وكان لهارون من الإناث :

سكينة وهي أخت القاسم من أمه ، وأم حبيب وهي أخت المعتصم لأمه .

وأم الحسن وهي أخت أبي عيسى لأمه ، وخديجة وهي أخت كريب لأمه .

وأم محمد وهي حمدونة ، وفاطمة وأمها غصص، وأم سلمة وأمها رحيق ، وأم القاسم وأمها حزق ، ورملة أم جعفر وأمها حلي ، وأم علي وأمها أنيق ، والغالية وأمها سمندل، وريطة وأمها زينة). (الطبري:6/540، والمنتظم لابن الجوزي:8/319 ).

1. البرامكة أخطر الوزراء الفرس على الدولة الإسلامية !

قرب العباسيون البرامكة وجعلوهم وزراءهم من‌أول دولتهم، وخلطوهم بأنفسهم، وربوا لهم أولادهم وغرسوا فيهم من أفكارهم ! واتخذوهم وزراء ، وأطلقوا أيديهم في حكم المسلمين .

واستمر حكمهم حتى تنبه هارون الى خطرهم بتنبيه الإمام الكاظم عليه السلام بواسطة وزيريه الشيعيين علي بن يقطين وجعفر بن محمد بن الأشعث ، فانقلب هارون عليهم وعزلهم وقتلهم ، لكن كان لهم تلاميذ وصنائع يشبهونهم ، ويعملون بأسلوبهم الخبيث ، ولا يمدحون البرامكة علناً . ومنهم الفضل بن سهل ، وأخوه الحسن بن سهل ، وسيأتي ذكرهما .

2. البرمك: سادن بيت النار عند المجوس !

ذكر المسعودي ( مروج الذهب:2/228) أن بيوت النار المعبودة عند المجوس سبعة ، وذكر أولها البيت الحرام بصيغة: يقال ، ولا يمكن قبوله ، فلم يعهد عن ملك فارسي أو أحد من الفرس أنهم زاروه ! ثم قال: (وبيت ثان معظم: على رأس جبل بأصبهان يقال له مارس ، وكانت فيه أصنام الى أن أخرجها منه يستاسف الملك لما تمجَّس وجعله بيت ناره ، وذلك على ثلاثة فراسخ من أصبهان ، وهذا البيت معظم عند المجوس الى هذه الغاية .

والبيت الثالث: مندوسان ببلاد الهند: وهذا البيت تعظمه الهند وله قرابين تقرب، وفيه أحجار المغناطيس الجاذبة والدافعة والمنفرة من أوصاف لا يسعنا الإخبار عنها ، فمن أراد أن يبحث عن ذكرها فليبحث ، فإنه بيت مشهور ببلاد الهند.

والبيت الرابع: هو النوبهار الذي بناه منوشهر بمدينة بَلْخَ من خراسان على اسم القمر، وكان من يلي سدانته تعظمه الملوك في ذلك الصقع ، وتنقاد الى أمره وترجع الى حكمه وتحمل اليه الأموال ، وكانت عليه وقوف ، وكان الموكل بسدانته يدعى البرمك ، وهو سمة عامة لكل من يلي سدانته ، ومن أجل ذلك سميت البرامكة ، لأن خالد بن برمك كان من ولد من كان على هذا البيت ، وكان بنيان هذا البيت من أعلى البنيان تشييداً ، وكان تنصب على أعلاه الرماح عليها شقاق الحرير الأخضر طولُ الشقة مائة ذراع فما دونها ، قد نصب لذلك رماح وخشب تدفع قوة الريح بما عليها من الحرير، فيقال والله أعلم: إن الريح خطفت يوماً بعض تلك الشقاق ورمت به ، فأصيب على مسافة خمسين فرسخاً ، وقيل أكثر من تلك المسافة ، وهذا يدل على زيادته في الجو وتشييد بنيانه ، وكان الحيز المحيط بهذا البنيان أميالاً لم نذكرها ، إذ كان أمر ذلك مشهوراً من وصف علو السور وعرضه .

والبيت الخامس: بيت غُمْدَانَ الذي بمدينة صنعاء من بلاد اليمن ، وكان الضحاك بناه على اسم الزهرة وخرَّبه عثمان بن عفان فهو في وقتنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مائة خراب قد هدم فصار تلاًّ عظيماً ، وقد كان الوزير علي بن عيسى بن الجراح حين نفي الى اليمن وصار الى صنعاء بنى فيه سقاية وحَفَر فيه بئراً . ورأيت غمدان ردماً وتلاًّ عظيماً قد انهدم بنيانه ، وصار جبل تراب كأنه لم يكن ، وقد كان أسعد بن يعفرصاحب قلعة كحلان النازل بها وصاحب مخاليف اليمن في هذا الوقت وهو المعظم في اليمن أراد أن يبني غمدان ، فأشار عليه يحيى بن الحسين الحسني أن لا يتعرض لشيئ من ذلك ، إذ كان بناؤه على يدي غلام يخرج من أرض سبأ وأرض مأرب ، يؤثر في صقع من هذا العالم تأثيراً عظيماً .

والبيت السادس كاوسان: بناه كاوس الملك بناء عجيباً على اسم المدبر الأعظم من الأجسام السماوية وهو الشمس، بمدينة فرغانة من مدائن خراسان، وخرَّبه المعتصم.

والبيت السابع بأعالي بلاد الصين: بناه ولد عامور بن سوبل بن يافث بن نوح ، وأفرده للعلة الأولى ، إذ كان منشأ هذا الملك ومبدأه وباعث الأنوار اليه ، وقيل: إنما بناه بعض ملوك الترك في قديم الزمان وجعله سبعة أبيات في كل بيت منها سبع كُوًى يقابل كل كوة صورة منصوبة على صورة كوكب من الخمسة والنيرين من أنواع الجواهر المضافة الى تأثير تلك الكواكب ، من ياقوت أو عقيق أو زمرد على اختلاف ألوان الجواهر ، ولهم في هذا الهيكل سِرٌّ يسرونه في بلاد الصين ، بما قد زَخْرَفَ لهم فيه القول وزينه لهم الشيطان ، ولهم في هذا الهيكل علوم في اتصال الأجسام السماوية وأفعالها بعالم الكون الذي تحدثه ، وما يحدث فيه من الحركات والأفعال عند تحرك الأجسام السماوية.. الى آخر كلامه ).

وفي معجم البلدان(5 /307 ): ( نُوبهار: بالضم ثم السكون..وكانت الفرس تعظمه وتحج إليه ، وكانوا يسمون السادن الأكبر برمك ، وكانت سنَّتُهم إذا هم وافوه أن يسجدوا للصنم الأكبر ويقبلوا يد برمك ، كان برمك يُعَمِّر النوبهار ويقوم به ، وهو إسم لبيت النار الذي كان ببلخ يعظم قدره بذلك ، فصار ابنه خالد بن برمك بعده).

أقول: خالد بن برمك المشهور متأخر عن برمك جده أكثر من مائة سنة ، فبرمك كان قبل فتح بلخ ، وخالد بن برمك انضم الى ثورة أبي مسلم الخراساني سنة 132 هجرية ، وصار مستشاراً للقائد قحطبة ، فلا بد أن يكون برمك جده الأعلى .

ففي البدء والتاريخ/479: ( إن السفاح استوزر بعد أبي سلمة خالد بن برمك).

فهو من ذرية جده الأعلى برمك ، وليس ابنه ولا حفيده المباشر !

3. زعم أولاد برمك أنهم أسلموا

لكن لم تخرج المجوسية من قلوبهم ، قال الشاعر فيهم (البيان والتبيين/574):

إذا ذكر الشـرك في مجلس

   

أنارت وجوه بني برمك

وإن تلـيـت عنـدهـم آيـة

   

أتوا بالأحاديـث عن مـزدك

وظلوا هم ومن تأثر بهم يحنون الى بيوت النار ! ففي خزانة الأدب (8/179): (أن ابن المقفع مر ببيت نار المجوس بعد إسلامه فتمثل:

يا بيت عاتكة الذي أتغزل

 

حذر العدى وبه الفؤاد موكل

إنى لأمنحـك الصـدود وإننـي

 

قسماً إليك مع الصدود لأميل )

وبعضهم كان يجاهر بمجوسيته مثل أنس ابن أبي شيخ: (كان كاتباً للبرامكة قتله الرشيد على الزندقة في سنة نكبة البرامكة ). ( النهاية:10 / 190).

4. أراد البرامكة بكيدهم تمجيس الأمة الإسلامية !

وقد طمعوا في زمن هارون أن يدفعوا بالأمة الإسلامية خطوة خطيرة نحو المجوسية، فاقترحوا على هارون أن تبخر الكعبة والمساجد وأن يكون فيها مجمر فيه نار وعود في الطعبة والمساجد طول السنة ، أرادوها خطوة نحو عبادة النار !

قال البغدادي في الفرق بين الفرق(1/270):(ولم يمكنهم إظهار عبادة النيران فاحتالوا بأن قالوا للمسلمين ينبغى أن تجمر المساجد كلها ، وأن يكون فى كل مسجد مجمرة يوضع عليها الند والعود في كل حال! وكانت البرامكة قد زينوا للرشيد أن يتخذ فى جوف الكعبة مجمرة يتبخر عليها العود أبداً ، فعلم الرشيد أنهم أرادوا من ذلك عبادة النار في الكعبة وأن تصير الكعبة بيت نار) !

والذي حذر هارون فأفاق هوالإمام الكاظم عليه السلام بواسطة وزيره ابن يقطين ووزيره جعفر بن محمد بن الأشعث، ولذا كان البرامكة يكيدون لهما ويحركون عليهما هارون! ويحقدون على الإمام الكاظم عليه السلام حتى قتلوه !

قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين/333: (قالوا: كان السبب في أخذ موسى بن جعفر عليه السلام أن الرشيد جعل ابنه محمداً في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث ، فحسده يحيى بن خالد بن برمك على ذلك وقال: إن أفضت الخلافة إليه زالت دولتي ودولة ولدي . فاحتال على جعفر بن محمد وكان يقول بالإمامة حتى داخله وأنس به وأسر إليه ، وكان يكثر غشيانه في منزله فيقف على أمره ويرفعه إلى الرشيد ويزيد عليه في ذلك بما يقدح في قلبه) !

وكان خالد حاقداً على الأئمة من أهل البيت عليهم السلام وهو الذي دفع هارون الى قتل الإمام الكاظم عليه السلام ( الإرشاد: 2 / 237 ) .

وقد حمَّلهم الإمام الرضا عليه السلام مسؤولية قتل أبيه الكاظم عليه السلام وكان يدعو عليهم في عرفات! ( كان أبو الحسن عليه السلام واقفاً بعرفة يدعو ثم طأطأ رأسه ، فسئل عن ذلك؟ فقال: إني كنت أدعو الله تعالى على البرامكة بما فعلوا بأبي فاستجاب الله لي اليوم فيهم! فلما انصرف لم يلبث إلا يسيراً حتى بُطش بجعفر ويحيى..).( العيون :1/354 ) .

وقد نكل بهم هارون أفظع تنكيل، فقتل جعفر، وقسمه نصفين ، وصلب كل نصف في مكان بارز في بغداد ، ثم أحرقه !

وألقى يحيى مع بقية أبنائه في سجونه ، وصادر أموالهم المنقولة وغير المنقولة .

5. من مكائد يحيى البرمكي ضد الإمام الكاظم عليه السلام !

كان هشام بن الحكم مولى بني شيبان، أبرز مناظري الشيعة لخصومهم ، وكان الملاحدة ، والخوارج ، والمخالفون يهابونه ويحترمونه ، لسرعة بديهته وقوة حجته. وقد سكن بغداد بعد الكوفة واشتهر بها ، فاغتنمها يحي بن خالد البرمكي صاحب هارون ، فأخذ يعقد مجالس المناظرة ويدعوه المناظرين من الأديان والمذاهب ، ويدعو هشام بن الحكم .

وغرضه أن يزيد الإختلاف والعداء بين فرق المسلمين ، وأن يأخذ من هشام مستمسكاً يدفع به هارون لقتل إمامه موسى الكاظم عليه السلام .

وقد نقلت كتب الإحتجاج مناظراته ، منها في مواقف الشيعة للأحمدي(1/351) قال: (عن علي الأسواري قال: كان ليحيى بن خالد مجلس في داره يحضـره المتكلمون من كل فرقة وملة يوم الأحد ، فيتناظرون في أديانهم ويحتج بعضهم على بعض ، فبلغ ذلك الرشيد ، فقال ليحيى بن خالد: يا عباسي ما هذا المجلس الذي بلغني في منزلك يحضره المتكلمون؟ فقال: يا أميرالمؤمنين ما شئ مما رفعني به أمير المؤمنين وبلغ من الكرامة والرفعة أحسن موقعاً عندي من هذا المجلس ، فإنه يحضره كل قوم مع اختلاف مذاهبهم ، فيحتج بعضهم على بعض ويعرف المحق منهم ، ويتبين لنا فساد كل مذهب من مذاهبهم . قال له الرشيد: فأنا أحب أن أحضر هذا المجلس وأسمع كلامهم من غير أن يعلموا بحضوري فيحتشمون ولا يظهرون مذاهبهم .

قال: ذلك إلى أمير المؤمنين متى شاء . قال: فضع يدك على رأسي(أخفني) ولا تعلمهم بحضوري ففعل. وبلغ الخبر المعتزلة فتشاوروا فيما بينهم وعزموا أن لا يكلموا هشاماً إلا في الإمامة لعلمهم بمذهب الرشيد وإنكاره على من قال بالإمامة ...وجاء فيه:

قال ضرار: كيف تعقد الإمامة ؟ قال هشام: كما عقد الله النبوة ..قال:فمن أين قلت إنه أشجع الناس؟قال:لأنه فئة للمسلمين الذين يرجعون إليه في الحروب وقال الله عزّ وجلّ: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله، فإن لم يكن شجاعاً فرَّ، فيبوء بغضب من الله ، فلا يجوز أن يكون من يبوء بغضب من الله حجة لله على خلقه ...

فقال عند ذلك ضرار: فمن هذا بهذه الصفة في هذا الوقت؟ فقال:صاحب العصر أمير المؤمنين ! وكان هارون الرشيد قد سمع الكلام كله فقال عند ذلك: أعطانا والله من جراب النورة ! ويحك يا جعفر وكان جعفر بن يحيى جالساً معه في الستر من يعني بهذا ؟ قال: يا أمير المؤمنين يعني موسى بن جعفر ، قال: ما عنى بها غير أهلها !

ثم عض على شفته وقال: مثل هذا حي ويبقى لي ملكي ساعة واحدة ؟ فوالله للسان هذا أبلغ في قلوب الناس من مائة ألف سيف ! فغمزه ، فعلم هشام أنه قد أتيَ (يعني وقع) فقام يريهم أنه يبول أو يقضي حاجة فلبس نعليه وانسل ! ومر ببنيه وأمرهم بالتواري ، وهرب ومر من فوره نحو الكوفة ونزل على بشير النبال ، وكان من حملة الحديث من أصحاب أبي عبد الله الصادق عليه السلام ..الخ).

وفي مواقف الشيعة(1/346):(عن يونس بن عبد الرحمن قال: كان يحيى بن خالد البرمكي قد وجد على هشام بن الحكم شيئاً من طعنه على الفلاسفة ، وأحب أن يغري به هارون ونصرته على القتل، قال: وكان هارون لما بلغه عن هشام مال إليه . وذلك: أن هشاماً تكلم يوماً بكلام عند يحيى بن خالد في إرث النبي صلى الله عليه وآله فنقل إلى هارون فأعجبه ، وقد كان قبل ذلك يحيى يسترق أمره عند هارون ويرده عن أشياء كان يعزم عليها من أذاه ، فكان ميل هارون إلى هشام أحد ما غير قلب يحيى على هشام ، فشيعه عنده وقال له: يا أمير المؤمنين ! إني قد استبطنت أمر هشام ، فإذا هو يزعم أن لله في أرضه إماماً غيرك مفروض الطاعة ! قال: سبحان الله ! قال: نعم ، ويزعم أنه لو أمره بالخروج لخرج ، وإنما كنا نرى أنه ممن يرى الإلباد بالأرض .

فقال هارون ليحيى: فاجمع عندك المتكلمين وأكون أنا من وراء الستر بيني وبينهم لئلا يفطنوا بي ، ولا يمتنع كل واحد منهم أن يأتي بأصله لهيبتي .

قال: فوجه يحيى وأشحن المجلس من المتكلمين ، وكان فيهم ضرار بن عمرو ، وسليمان بن جرير ، وعبد الله بن يزيد الإباضي ، ومؤبد بن مؤبد ، ورأس الجالوت ، قال: فتساءلوا فتكافؤوا وتناظروا ، وتقاطعوا وتناهوا إلى شاذ من شاذ الكلام ، كل يقول لصاحبه: لم تجب ، ويقول: قد أجبت ، وكان ذلك عن يحيى حيلة على هشام إذ لم يعلم بذلك المجلس ، واغتنم ذلك لعلة كان أصابها هشام بن الحكم .

فلما تناهوا إلى هذا الموضع قال لهم يحيى بن خالد: أترضون فيما بينكم هشاماً حكماً ؟ قالوا: قد رضينا أيها الوزير! فأنى لنا به وهو عليل؟ فقال يحيى: فأنا أوجه إليه ، فأرسله له أن يتجشم المشي فوجه إليه فأخبره بحضورهم وأنه إنما منعه أن يحضروه أول المجلس إبقاءً عليه من العلة ، وأن القوم قد اختلفوا في المسائل والأجوبة وتراضوا بك حكماً بينهم ، فإن رأيت أن تتفضل وتحمل على نفسك فافعل. فلما صار الرسول إلى هشام ، قال لي: يا يونس! قلبي ينكر هذا القول ولست آمن أن يُكِن هاهنا أمراً لا أقف عليه ، لأن هذا الملعون يحيى بن خالد قد تغير عليَّ لأمور شتى ، وقد كنت عزمت إن من الله علي بالخروج من هذه العلة أن أشخص إلى الكوفة وأحرم الكلام بتة وألزم المسجد ، ليقطع عني مشاهدة هذا الملعون يعني يحيى بن خالد .

قال قلت: جعلت فداك ! لا يكون إلا خيراً ، فتحرز ما أمكنك ، فقال لي: يا يونس! أترى التحرز عن أمر يريد الله إظهاره على لساني؟ أنى يكون ذلك ! ولكن قم بنا على حول الله وقوته . فركب هشام بغلاً كان مع رسوله ، وركبت أنا حماراً كان لهشام ، قال فدخلنا المجلس فإذا هو مشحون بالمتكلمين ! قال: فمضى هشام نحو يحيى فسلم عليه وسلم على القوم وجلس قريباً منه ، وجلست أنا حيث انتهى بي المجلس .

قال فقال هشام: ما الموضع الذي تناهت به المناظرة ؟ فأخبره كل فريق منهم بموضع مقطعه فكان من ذلك أن حكم لبعض على بعض ، فكان من المحكومين عليه سليمان بن جرير ، فحقدها على هشام .

قال: ثم إن يحيى بن خالد قال لهشام: إنا قد أعرضنا عن المناظرة والمجادلة منذ اليوم، ولكن إن رأيت أن تبين عن فساد اختيار الناس الإمام وأن الإمامة في آل بيت الرسول دون غيرهم؟ قال هشام: أيها الوزيرالعلة تقطعني عن ذلك ، ولعل معترضاً يعترض فيكتسب المناظرة والخصومة. قال: إن اعترض معترض قبل أن تبلغ مرادك وغرضك فليس ذلك له ، بل عليه أن يحفظ المواضع التي له فيها مطعن فيقفها إلى فراغك ولا يقطع عليك كلامك .فبدأ هشام وساق الذكر لذلك وأطال..فلما فرغ مما قد ابتدأ فيه من الكلام في فساد اختيار الناس الإمام..

قال يحيى لسليمان بن جرير: سل أبا محمد عن شيئ من هذا الباب ؟

قال سليمان لهشام: أخبرني عن علي بن أبي طالب مفروض الطاعة ؟ فقال هشام: نعم، قال:فإن أمرك الذي بعده بالخروج بالسيف معه تفعل وتطيعه؟ فقال هشام: لا يأمرني، قال: ولم إذا كانت طاعته مفروضة عليك وعليك أن تطيعه ؟ فقال هشام: عد عن هذا فقد تبين فيه الجواب. قال سليمان: فلم يأمرك في حال تطيعه وفي حال لا تطيعه ؟ فقال هشام: ويحك ! لم أقل لك: إني لا أطيعه فتقول: إن طاعته مفروضة ، إنما قلت لك: لا يأمرني .

قال سليمان: ليس أسألك إلا على سبيل سلطان الجدل ، ليس عليُّ الواجب أنه لا يأمرك ، فقال هشام: كم تحول حول الحمى؟ هل هو إلا أن أقول لك: إن أمرني فعلت؟ فتنقطع أقبح الإنقطاع ولا يكون عندك زيادة ! وأنا أعلم بما يجب قولي وما إليه يؤول جوابي .قال: فتغير وجه هارون ، وقال هارون: قد أفصح ، وقام الناس واغتنمها هشام فخرج على وجهه إلى المدائن .

قال: فبلغنا أن هارون قال ليحيى: شد يدك بهذا وأصحابه . وبعث إلى أبي الحسن موسى عليه السلام فحبسه ، فكان هذا سبب حبسه مع غيره من الأسباب ، وإنما أراد يحيى أن يهرب هشام فيموت مخفياً ما دام لهارون سلطان .

قال: ثم صار هشام إلى الكوفة وهو يعقب عليه ومات في دار ابن شرف بالكوفة ، رحمه الله تعالى . قال: فبلغ هذا المجلس محمد بن سليمان النوفلي وابن ميثم ، وهما في حبس هارون فقال النوفلي: أرى هشاماً ما استطاع أن يعتل ، فقال ابن ميثم: بأي شئ يستطيع أن يعتل وقد أوجب أن طاعته مفروضة من الله قال: يعتل بأن يقول: الشرط علي في إمامته أن لا يدعو أحداً إلى الخروج حتى ينادي مناد من السماء ..)

وفي معجم رجال الحديث للسيد الخوئي(20/298و299و305):(هشام بن الحكم كان من خواص سيدنا مولانا موسى بن جعفر عليه السلام ، وكانت له مباحثات كثيرة من المخالفين في الأصول وغيرها ، وكان له أصل أخبرنا به جماعة ، عن أبي جعفر بن بابويه ، عن ابن الوليد ، عن الصفار ، عن يعقوب بن يزيد ، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن ابن أبي عمير ، وصفوان بن يحيى ، عنه . وله من المصنفات كتب كثيرة، منها: كتاب الإمامة ، وكتاب الدلالات على حدوث الأشياء ، وكتاب الرد على الزنادقة ، وكتاب الرد على أصحاب الإثنين (المجوس) وكتاب التوحيد ).

(ورفعه الصادق عليه السلام في الشيوخ وهو غلام وقال: هذا ناصرنا بقلبه ولسانه ويده ، وقال عليه السلام : هشام بن الحكم رائد حقنا ، وسائق قولنا ، المؤيد لصدقنا ، والدافع لباطل أعدائنا ).

(زعم هشام ليونس أن أبا الحسن عليه السلام بعث إليه فقال له: كفَّ هذه الأيام عن الكلام فإن الأمر شديد . قال هشام: فكففت عن الكلام حتى مات المهدي وسكن الأمر ، فهذا الأمر الذي كان من أمره وانتهائي إلى قوله عليه السلام ).

6. نشأ هارون في بيت يحيى البرمكي

كان يحيى بن خالد البرمكي مربي هارون ، وقد نشأ في بيته ، وكان يدعوه أبي ويدعو جعفراً والفضل ابنيه: أخي .

وفي شذرات الذهب (1/327): (وكان المهدي قد جعل الرشيد في حجر يحيى فعلمه الأدب وكان يدعوه أباً ، فلما وليَ دفع إليه خاتمه وقلده أمره ) .

وقال الطبري (6/461): (وفي هذه السنة (سنة187) فوض الرشيد أموره كلها إلى يحيى بن خالد بن برمك ) !

ولما أراد موسى الهادي عزل أخيه هارون من ولاية العهد حبسه مع يحيى بن خالد ، فقتلت الخيزران ابنها موسى الهادي وأخرجت هارون من السجن وقالت ليحيى رتب له البيعة .

قال المسعودي في التنبيه والإشراف/299: (واستوزر هارون يحيى بن خالد بن برمك وابنيه جعفر والفضل ثم نكبهم في صفرسنة 187، وقتل جعفر بن خالد وذلك لسبع عشرة سنة خلت من خلافته ، ودفع خاتم الخلافة بعد إيقاعه بهم إلى علي بن يقطين).

7. وتربَّى المأمون على يد جعفر بن يحيى البرمكي

قال ابن كثير في النهاية (13/614): (في سنة 182أخذ الرشيد لولده عبد الله المأمون البيعة بولاية العهد من بعد أخيه محمد بن زبيدة الأمين ، وذلك بالرقة بعد مرجعه من الحج، وضم ابنه المأمون إلى جعفر بن يحيى البرمكي ، ثم أرسله إلى بغداد ومعه جماعة من أهل الرشيد خدمة له ).

أي كان عمر المأمون يومها إحدى عشرة سنة ، لأنه ولد في سنة 170.

وفي مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي( 13/283 ):(وماتت أمه في نفاسها ، وقيل بعد ولادته بأيام ، فضمه هارون إلى سعيد الجوهري مولاهم ، فأرضعته امرأته حية بلبان ابنها يحيى بن سعيد، ثم ترعرع فجمع له أبوه العلماء من الآفاق ، وأدبه أبو محمد اليزيدي، وبرع في العلوم ، وحفظ القرآن والحديث والفقه والعربية والطب والنجوم وعلوم الأوائل ).

أقول: يظهر أنهم أعطوه أول الأمر الى مولاهم سعيد ، لكن تحت نظر جعفر بن خالد البرمكي ، وأتى له باليزيدي معلماً تحت نظره أيضاً .

وفي تاريخ بغداد (10/182): (قال أبو محمد اليزيدي: كنت أؤدب المأمون وهو في حجر سعيد الجوهري قال: فأتيته يوماً وهو داخل فوجهت إليه بعض خدمه يعلمه بمكاني فأبطأ عليَّ ، ثم وجهت إليه آخر فأبطأ ، فقلت لسعيد إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة وتأخر؟ قال:أجل، ومع هذا إنه إذا فارقك يعرم على خدمه ، ويلقون منه أذى شديداً ، فقومه بالأدب ، فلما خرج أمرت بحمله فضربته سبع درر ، قال: فإنه ليدلك عينه من البكاء ، إذ قيل هذا جعفر بن يحيى قد أقبل ، فأخذ منديلاً فمسح عينيه من البكاء ، وجمع ثيابه وقام إلى فراشه فقعد عليها متربعاً ثم قال: ليدخل ، فدخل فقمت عن المجلس وخفت أن يشكوني إليه فألقى منه ما أكره ، قال: فأقبل عليه بوجهه وحديثه حتى أضحكه وضحك إليه ، فلما هم بالحركة دعا بدابته وأمر غلمانه فسعوا بين يديه، ثم سأل عني فجئت فقال: خذ علي ما بقى من جزئي ، فقلت أيها الأمير أطال الله بقاءك لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر بن يحيى ، ولو فعلت ذلك لتنكر لي ، فقال: أتراني يا أبا محمد كنت أطلع الرشيد على هذه ؟ فكيف بجعفر بن يحيى حتى أطلعه إني أحتاج إلى أدب؟ إذاً يغفر الله لك بعد ظنك ووجيب قلبك ، خذ في أمرك فقد خطر ببالك مالا تراه أبداً ، ولو عدت في كل يوم مائة مرة )!

أقول: هذه هي المؤثرات في شخصية المأمون ، وقد ورث منها شرب الخمر وحب اللهو والفساد الجنسي ، وسوء الظن بكل الناس حتى بأبيه ولي نعمته !

وكان مع ذلك يحافظ على المظهر الحسن ، والسلوك الإسلامي .

ومهما يكن من تأثير لتربيته ، تبقى صفاته الذاتية أهم من تربيته ، وهي صفات ميزته على كل خلفاء بني العباس بالذكاء والعلم والشيطنة !

أوصاف المأمون البدنية

قال ابن عساكر في تاريخ دمشق(33 /283):(وكان المأمون أبيض ربعة حسن الوجه ، قد وَخَطه الشيب ، يعلوه صفرة ، أعين ، طويل اللحية رقيقها ، ضيق الجبين ، على خده خال . يكنى أبا العباس ).

خلاصة عن حياة المأمون

قال المسعودي في التنبيه والإشراف/304: (وتوفيَ المأمون على عين البدندون من أرض الروم ، مما يلي طرسوس لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة 218 وله تسعة وأربعون سنة ، ودفن بطرسوس فكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوماً. وكان أبيض تعلوه صفرة ، أجنى طويل اللحية ، ضيق الجبين، كاملاً عالماً ، جواداً ، عظيم العفو ، كريم المقدرة ، ميمون النقيبة ، حسن التدبير ، جليل الصنائع ، لا تخدعه الأماني ، ولا تجوز عليه الخدائع ، علمه بما بعد عنه من ملكه كعلمه بما حضره ، وربما حرك منه الغضب فعجل بالعقوبة .

واستوزر الفضل بن سهل ، ثم أخاه الحسن بن سهل . فلما أظهر العجز عن الخدمة لعوارض من العلل ولزم منزله ، عدل المأمون إلى استكتاب كتاب لعلمه بكتابتهم وجزالتهم ، وأنه ليس في عصرهم من يوازيهم ولا يدانيهم ، فاستوزرهم واحداً بعد واحد أولهم أحمد بن أبي خالد الأحول . وكان ينوب عن الحسن بن سهل لما تخلف في منزله ، فلما دعاه المأمون إلى أن يستوزره قال: يا أمير المؤمنين إجعل بيني وبين الناس منزلة يرجوني لها صديقي ، ويخافني بها عدوى ، فما بعد الغايات إلا الآفات .

ثم أحمد بن يوسف ، ثم أبا عباد ثابت بن يحيى ، وعمرو بن مسعدة بن صوْل ، وكان يجرى مجراهم ، ولا يعده كثير من الناس في الوزراء ثم استوزر بعد هؤلاء محمد بن يزداد بن سويد . وتوفى المأمون ، وهو على وزارته .

وكان نقش خاتمه الله: ثقة عبد الله ، وبه يؤمن .

وقاضيه: محمد بن عمرالواقدي ، ويحيى بن أكثم .

قال المسعودي: أعجبه برد ماء العين وصفاؤها ، وطيب الموضع وكثرة الخضرة . وقد طرح له درهم في العين ، فقرأ ما عليه لفرط صفائها . ولم يقدر أحد أن يسبح فيها لشدة بردها . فرأى سمكة نحو الذراع كأنها الفضة . فجعل لمن يخرجها سيفاً ، فنزل فرَّاش فاصطادها وطلع ، فاضطربت وفرت إلى الماء فتنضح صدر المأمون ونحره وابتل ثوبه .

ثم نزل الفرَّاش ثانية وأخذها ، فقال المأمون: تقلى الساعة، ثم أخذته رعدة فغطي باللحف وهو يرتعد ويصيح فأوقدت حوله نار . ثم أتي بالسمكة فما ذاقها لشغله بحاله. فسأل المعتصم بختيشوع وابن ماسويه عن مرضه ، فجساه ، فوجدا نبضه خارجاً عن الإعتدال منذراً بالفناء ، ورأيا عرقاً سائلاً منه كلعاب اللاغية فأنكراه ، ولم يجداه في كتب الطب .

ثم أفاق المأمون من غمرته ، فسأل عن تفسير اسم المكان بالعربي ، فقيل له: مد رجليك ، فتطير به ! وسأل عن اسم البقعة فقيل الرقة ، وكان فيما عمل من مولده أنه يموت بالرقة ، فكان يتجنب النزول بالرقة . فلما سمع هذا من الروم عرف وأيس ، وقال: يا من لا يزول ملكه إرحم من قد زال ملكه . وأجلس المعتصم عنده من يلقنه الشهادة لما ثقل . فرفع الرجل بها صوته ، فقال له ابن ماسويه: لا تَصِح ، فوالله ما يفرق الآن بين ربه وبين ماني .

ففتح عينيه وبهما من عظم التورم والإحمرار أمر شديد ، وأقبل يحاول بيديه البطش بابن ماسويه ، ورام مخاطبته فعجز ، فرمق بطرفه نحو السماء وقد امتلأت عيناه دموعاً وقال في الحال: يا من لا يموت إرحم من يموت . ثم قضى ومات في يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثماني عشرة . فنقله ابنه العباس وأخوه المعتصم لما توفي إلى طرسوس ، فدفن هناك في دار خاقان خادم أبيه).

وكان يتبنى التشيع والقول بوصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام بالخلافة ، ويناظر بذلك العلماء ، ليغيض بني العباس ، لأنهم عزلوه عن ولاية العهد .

وقد استطاع أن ينتصر على أخيه الأمين ويقتله ، فبعد عزل الأمين إياه أخذت أخواله الخراسانيين الغيرة له ، واستفاد من أنه يتقن الفارسية ، وكان والياً على خراسان . ونهض الفضل بن سهل وأخوه الحسن بن سهل وكانا من أبناء ملوك الفرس ، ومن تلاميذ خالد البرمكي . فكون جيشاً من الخراسانيين وحارب الأمين وانتصرعليه وقتله وجاء برأسه للمأمون ! ثم أجبر المأمون الإمام الرضا عليه السلام على قبول ولاية عهده ليخوف العباسيين بأنه سينقل الخلافة إلى بني علي عليه السلام .وبعد نحو ثلاث سنين تصالح مع العباسيين فقام بقتل الفضل بن سهل والإمام الرضا عليه السلام ، وعاد إلى بغداد منتصراً ، فخضع له أكثر العباسيين!

كما كان المأمون عدواً لدوداً للأمويين وعقيدتهم في التشبيه والتجسيم ، فكتب منشور براءة من معاوية فيه مخازيه وكفره ، لكنه أخر نشره وأمر بنشره المعتضد بعده .

ولما رجع إلى بغداد وجد أن الفقهاء والمحدثين الذين أيدوا أخاه الأمين ، يقولون بقدم القرآن ، وأنه كلام الله غيرمخلوق لأنه صفة ذاتية لله ، أو لأنه جزء من ذات الله عند من يقول إن الله تعالى وجود مركب ، فاتخذها حجة للإنتقام منهم ، ورفع شعار أن القول بقدم القرآن شرك بالله تعالى ، لأنه يعني وجود شئ قديم مع الله تعالى قبل الخلق ! فأمر بامتحان المشايخ ، فمن قال إن القرآن مخلوق قربه وشغَّله في وظائف الدولة ، ومن قال غيرمخلوق حبسه وحرمه ، أو قتله !

ودام هذا الإمتحان بضع عشرة سنة ، لأن المأمون بدأ بتنفيذه سنة 218 ، لما كان بطرطوس ، ثم تبناه المعتصم والواثق ، إلى أن ألغاه المتوكل سنة 232 .

وهو امتحان بأمر مبهم يمكن الحكم بإدانة من يجيب فيه بالنفي أو بالإثبات ! فقد أجاب بعضهم في زمن المأمون بأن القرآن قديم فقيل له أنت كافر تجعل مع الله شريكاً وأجاب بعضهم في زمن المتوكل بأن القرآن مخلوق فقيل له تقول إن كلام الله مختلق، أو تقول إن الله مخلوق ، لأن كلامه منه !

فكانت مادة امتحان المأمون ، نفسها مادة امتحان معاكس عند المتوكل !

قال اليعقوبي (2 /467 ): ( وصار المأمون إلى دمشق سنة 218 ، وامتحن الناس في العدل والتوحيد ، وكتب في إشخاص الفقهاء من العراق وغيرها ، فامتحنهم في خلق القرآن، وأكفر من امتنع أن يقول القرآن غير مخلوق ، وكتب أن لا تقبل شهادته ، فقال الكل بذلك ، إلا نفراً يسيراً ) .

أما الحقيقة فهي أن المأمون ملحد لا يؤمن بشيئ ، ولا يؤمن بأن القرآن من عند الله تعالى حتى يسأل هل هو مخلوق أو غير مخلوق ، وقد غرس الإلحاد فيه مربيه وأبوه جعفر البرمكي، وكان يؤمن بالنجوم ، ثم اتجه الى مذهب الفلاسفة اليونانيين وأوفد مجموعة الى أثينا وروما مثل الكندي وإسحاق بن حنين ، فترجموا عدداً من كتب اليونان وأتوا بعدد منها.

كان المأمون واسع الثقافة

فقد كان ملماً بالثقافة الرائجة في عصره الثقافة اليونانية ، وطابعها فلسفي مادي .

ففي الموفقيات لابن بكار/40: (حدثني محمد بن جعفر الأنماطي ، وكان أحد الفقهاء العشرة قال: تغدينا في يوم عيد مع المأمون ، فأظنه قد وضع على المائدة بين يديه أكثر من ثلاث مائة لون! قال: فكلما وضع لون ، نظر اليه المأمون وقال: هذا نافع لكذا ضار من كذا ، فمن كان منكم صاحب صفراء فليأكل من هذا ، ومن غلبت عليه السوداء فلا يعرض لهذا . ومن أحب الزيادة في لحمه فليأكل من هذا ، ومن قصده قلة الغذاء فليقتصر على هذا . قال: فو الله إن تلك حاله في كل لون يقدم ، حتى رفعت الموائد . قال فقال له يحى بن أكثم: يا أمير المؤمنين إن خضنا في الطب كنت جالينوس في معرفته ، أو في النجوم كنت هرمس في حسابه ، أو في الفقه كنت علي بن أبي طالب في علمه ، أو في السخاء فأنت حاتم طيئ في جوده ، أو صدق الحديث فأنت أبو ذر في صدق لهجته . أو الكرم فأنت كعب بن مامة في إيثاره على نفسه. قال: فسرَّ بذلك المأمون وقال: يا أبا محمد ، إن الانسان إنما فضل على غيره من الهوام بفعله وعقله وتمييزه ، ولولا ذلك لم يكن لحم أطيب من لحم ، ولا إدام أطيب من إدام ).

قال المأمون: تعلمت التشيع من أبي!

في مناقب آل أبي طالب(3/425): (قال الريان بن شبيب قال المأمون: استأذن الناس على الرشيد فكان آخر من أذن له موسى بن جعفر، فلما نظر إليه الرشيد تحرك ومد بصره وعنقه إليه حتى دخل البيت الذي كان فيه ، فلما قرب منه جثى الرشيد على ركبتيه وعانقه ثم أقبل يسأل عن أحواله وأبو الحسن يقول: خير خير . فلما قام عانقه وودعه، فقلت يا أمير المؤمنين لقد رأيتك عملت بهذا الرجل شيئا ما عملته مع أحد قط فمن هذا الرجل ! فقال: يا بني هذا وارث علم النبيين هذا موسى بن جعفر بن محمد إن أردت العلم الصحيح فعند هذا . قال المأمون: فعند ذلك انغرس في قلبي حبهم ).

وفي رواية عيون أخبار الرضا عليه السلام : (2/85): (قلت: يا أمير المؤمنين من هذا الرجل الذي قد أعظمته وأجللته وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته وأقعدته في صدر المجلس وجلست دونه ثم أمرتنا بأخذ الركاب له! قال: هذا إمام الناس وحجة الله على خلقه وخليفته على عباده . فقلت: يا أمير المؤمنين أوَليست هذه الصفات كلها لك وفيك؟ فقال: أنا امام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر ، وموسى بن جعفر إمام حق، والله يا بني إنه لاحق بمقام رسول الله مني ومن الخلق جميعاً ! ووالله لو نازعتني هذا الأمرلأخذت الذي فيه عيناك فإن الملك عقيم )!

وفي رواية: (فقال يا بني هذا وارث علم النبيين هذا موسى بن جعفر بن محمد إن أردت العلم الصحيح فعند هذا قال المأمون: فحينئذ انغرس في قلبي محبتهم) .

أقول: نعم تعلم المأمون التشيع من أبيه . لكن تعلم منه أكثر قاعدة: الملك عقيم ، فأفتى لنفسه بأن يقتلهم لكن بأساليب خفية ! وهكذا فعل مع الإمام الرضا عليه السلام مع تقديسه له !

كان المأمون يناظر الفقهاء ورؤساء المذاهب والأديان!

قال المسعودي في مروج الذهب(2/44):(قال يحيى بن أكثم:كان المأمون يجلس للمناظرة في الفقه يوم الثلاثاء ، فإذا حضرالفقهاء ومن يناظره من سائر أهل المقالات ، أدخلوا حجرة مفروشة وقيل لهم: إنزعوا أخفافكم ، ثم أحضرت الموائد وقيل لهم: أصيبوا من الطعام والشراب وجددوا الوضوء ، ومن خفه ضيق فلينزعه ، ومن ثقلت عليه قلنسوته فليضعها ، فإذا فرغوا أتوا بالمجامر فبُخِّروا وطُيبوا ، ثم خرجوا فاستدناهم حتى يدنوا منه ويناظرهم أحسن مناظرة ، وأنصفها وأبعدها من مناظرة المتجبرين، فلا يزالون كذلك إلى أن تزول الشمس ، ثم تنصب الموائد الثانية فيطعمون) .

كان المأمون متعصباً للتشيع نظريا وعدواً له عملياً

كان يقول: تعلمت التشيع من أبي هارون ، وكان يجهر بالقول إن علياً عليه السلام أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله ، وقد جمع أهم فقهاء العراق ومتكلميه وناظرهم في أفضلية علي عليه السلام وأنه أولى من أبي بكر بخلافة النبي صلى الله عليه وآله ! وأثبت لهم مقولته: إن علياً وأولاده خلوٌ من الناس ! ومما احتج به عليهم أن النبي صلى الله عليه وآله دعاه الى الإسلام قبل بلوغه ولم يدع صبياً غيره ، لأنه لاتصح دعوة الصبيان ، وكانت دعوته له بأمر الله تعالى ولم يتَكلَّف ذلك من نفسه ، فإن الله يقول: وَمَا أنَا مِنَ المُتَكَلفِّين !

وكان المأمون يقول: ( ويْحكم إن أهل هذا البيت خِلْوٌ (غير) من هذا الخلق! أوَمَا علمتم أن رسول الله بايع الحسن والحسين وهما صبيان غير بالغين ولم يبايع طفلاً غيرهما ! أَوَمَا علمتم أن علياً آمن بالنبي وهو ابن عشر سنين، فقبل الله ورسوله منه إيمانه ولم يقبل من طفل غيره ، ولا دعا النبي طفلاً غيره إلى الإيمان ! أوَمَا علمتم أنها ذرية بعضها من بعض، يجري لآخرهم ما يجري لأولهم) ! ( الإختصاص/98). وروى بعضها ابن عبد البر في العقد الفريد (2/240).

وروى الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/199) أن الإمام الرضا عليه السلام كان يقول لأصحابه الذين يثق بهم: لاتغتروا منه بقوله فما يقتلني والله غيره!

ومعناه أن المأمون كاذب، يناظرالعلماء في فضل علي والأئمة عليهم السلام ثم يقتلهم !

كما كان يبغض بني أمية وكتب منشور براءة من معاوية ، لكنه لم ينشره لأن بعض وزرائه نصحوه بأن ذلك يحرك عليه بعض الناس ، ثم نشره المعتضد بعده بسنين !

منشور المأمون في ذم معاوية والبراءة منه

قال المسعودي في مروج الذهب(2/54): (وفي سنة اثنتي عشرة ومائتين نادى منادي المأمون: برئت الذمة من أحد من الناس ذكر معاوية بخيرأو قدمه على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله . وتنازع الناس في السبب الذي من أجله أمر بالنداء في أمر معاوية فقيل في ذلك أقاويل: منها أن بعض سماره حدث بحديث عن مطرف بن المغيرة بن شعبة الثقفي ، وقد ذكر هذا الخبر الزبير بن بكار في كتابه في الأخبار المعروفة بالموفقيات التي صنفها للموفق ، وهوابن الزبير ، قال: سمعت المدائني يقول: قال مطرف بن المغيرة بن شعبة: وفدت مع أبي المغيرة إلى معاوية ، فكان أبي يأتيه يتحدث عنه ثم ينصرف إلي فيذكر معاوية ويذكر عقله ويعجب مما يرى منه ، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء فرأيته مغتماً فانتظرته ساعة ، وظننت أنه لشيئ حدث فينا أو في عملنا فقلت له: ما لي أراك مغتماً منذ الليلة . قال: يا بني ، إني جئت من عند أخبث الناس! قلت له: وما ذاك. قال: قلت له وقد خلوت به: إنك قد بلغت المنى يا أميرالمؤمنين ، فلوأظهرت عدلاً وبسطت خيراً فإنك قد كبرت ، ولونظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم ، فوالله ما عندهم اليوم شيئ تخافه . فقال لي: هيهات هيهات! ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل ، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره ، إلا أن يقول قائل: أبوبكر.

ثم ملك أخوعدي ، فاجتهد وشمر عشر سنين ، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره ، إلا أن يقول قائل: عمر .

ثم ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه ، فعمل ما عمل وعمل به ، فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره وذكر ما فعل به .

وإن أخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرات: أشهد أن محمداً رسول الله! فأي عمل يبقى مع هذا لا أم لك ، والله إلا دفناً دفناً !

وإن المأمون لما سمع هذا الخبر بعثه ذلك على أن أمر بالنداء على حسب ما وصفنا ، وأنشئت الكتب إلى الآفاق بلعنه على المنابر ، فأعظم الناس ذلك وأكبروه ، واضطربت العامة منه ، فأشير عليه بترك ذلك ، فأعرض عما كان هم به ).

وقال الطبري في تاريخه(8/182): ( وفي هذه السنة(284هجرية) عزم المعتضد بالله على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب بذلك يقرأ على الناس ، فخوفه عبيد الله بن سليمان بن وهب اضطراب العامة وأنه لا يأمن أن تكون فتنة ، فلم يلتفت إلى ذلك . وذكر أن أول شئ بدأ به المعتضد حين أراد ذلك الأمر بالتقدم إلى العامة بلزوم أعمالهم وترك الإجتماع والقضية والشهادات عند السلطان، إلا أن يسألوا عن شهادة إن كانت عندهم. وبمنع القٌصَّاص من القعود على الطرقات، وعملت بذلك نسخ قرئت بالجانبين بمدينة السلام في الأرباع والمحال والأسواق، فقرئت يوم الأربعاء لست بقين من جمادى الأولى من هذه السنة ، ثم منع يوم الجمعة لأربع بقين منها القصاص من القعود في الجامعيْن ، ومنع أهل الحلق في الفتيا أو غيرهم من القعود في المسجديْن ، ومنع الباعة من القعود في رحابهما..

وتقدم إلى الشُّرَّاب والذين يسقون الماء في الجامعين أن لايترحموا على معاوية ولا يذكروه بخير، وتحدث الناس أن الكتاب الذي أمر المعتضد إنشائه بلعن معاوية يقرأ بعد صلاة الجمعة على المنبر ، فلما صلى الناس الجمعة بادروا إلى المقصورة ليسمعوا قراءة الكتاب فلم يقرأ . فذكر أن المعتضد أمر بإخراج الكتاب الذي كان المأمون أمر بإنشائه بلعن معاوية فأخرج له من الديوان فأخذ من جوامعه نسخة هذا الكتاب ، وذكر أنها نسخة الكتاب الذي أنشئ للمعتضد بالله:

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله العلي العظيم الحليم الحكيم العزيز الرحيم ، المنفرد بالوحدانية ، الباهر بقدرته ، الخالق بمشيئته وحكمته ، الذي يعلم سوابق الصدور وضمائر القلوب ، لا يخفى عليه خافية ، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات العلى ولا في الأرضين السفلى ، قد أحاط بكل شئ علماً ، وأحصى كل شئ عدداً ، وضرب لكل شئ أمداً ، وهو العليم الخبير .

والحمد لله الذي برأ خلقه لعبادته ، وخلق عباده لمعرفته ، على سابق علمه في طاعة مطيعهم وماضي أمره في عصيان عاصيهم ، فبين لهم ما يأتون وما يتقون ، ونهج لهم سبل النجاة ، وحذرهم مسالك الهلكة ، وظاهر عليهم الحجة ، وقدم إليهم المعذرة ، واختار لهم دينه الذي ارتضى لهم وأكرمهم به، وجعل المعتصمين بحبله والمتمسكين بعروته أولياءه وأهل طاعته والمعاندين له والمخالفين له أعداءه وأهل معصيته: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ .

والحمد لله الذي اصطفى محمداً رسوله من جميع بريته ، واختاره لرسالته، وابتعثه بالهدى والدين المرتضى إلى عباده أجمعين ، وأنزل عليه الكتاب المبين المستبين ، وتأذن له بالنصر والتمكين ، وأيده بالعز والبرهان المتين ، فاهتدى به من اهتدى، واستنقذ به من استجاب له من العمى،وأضل من أدبر وتولى، حتى أظهر الله أمره وأعز نصره، وقهر من خالفه ، وأنجز له وعده ، وختم به رسله ، وقبضه مؤدياً لأمره، مبلغاً لرسالته ناصحاً لأمته ، مرضياً مهتدياً إلى أكرم مآب المنقلبين ، وأعلى منازل أنبيائه المرسلين وعباده الفائزين. فصلى الله عليه أفضل صلاة ، وأتمها ، وأجلها ، وأعظمها، وأزكاها وأطهرها، وعلى آله الطيبين. والحمد لله الذي جعل أمير المؤمنين وسلفه الراشدين المهتدين ورثة خاتم النبيين وسيد المرسلين ، والقائمين بالدين ، والمقومين لعباده المؤمنين ، والمستحفظين ودائع الحكمة ، ومواريث النبوة والمستخلفين في الأمة والمنصورين بالعز والمنعة والتأييد والغلبة ، حتى يظهر الله دينه على الدين كله ولو كره المشركون .

وقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعة من العامة من شبهة قد دخلتهم في أديانهم، وفساد قد لحقهم في معتقدهم ، وعصبية قد غلبت عليها أهواؤهم ونطقت بها ألسنتهم ، على غير معرفة ولا روية ، وقلدوا فيها قادة الضلالة بلا بينة ولا بصيرة ، وخالفوا السنن المتبعة إلى الأهواء المبتدعة ، قال الله عزّ وجلّ: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ الله إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.خروجاً عن الجماعة ، ومسارعة إلى الفتنة ، وإيثاراً للفرقة ، وتشتيتاً للكلمة ، وإظهاراً لموالاة من قطعَ الله عنه الموالاة ، وبترَ منه العصمة ، وأخرجه من الملة ، وأوجب عليه اللعنة ، وتعظيماً لمن صغر الله حقه ، وأوهن أمره وأضعف ركنه ، من بني أمية ، الشجرة الملعونة ، ومخالفة لمن استنقذهم الله به من الهلكة ، وأسبغ عليهم به النعمة ، من أهل بيت البركة والرحمة ، قال الله عزّ وجلّ: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.

فأعظم أمير المؤمنين ما انتهى إليه من ذلك، ورأى في ترك إنكاره حرجاً عليه في الدين، وفساداً لمن قلده الله أمره من المسلمين ، وإهمالاً لمن أوجبه الله عليه من تقويم المخالفين ، وتبصير الجاهلين وإقامة الحجة على الشاكين، وبسط اليد على المعاندين .

وأمير المؤمنين يرجع إليكم معشر الناس، بأن الله عزّ وجلّ لما ابتعث محمداً بدينه ، وأمره أن يصدع بأمره ، بدأ بأهله وعشيرته فدعاهم إلى ربه ، وأنذرهم وبشرهم ونصح لهم وأرشدهم ، فكان من استجاب له وصدق قوله واتبع أمره ، نفر يسير من بني أبيه ، من بين مؤمن بما أتى به من ربه وبين ناصر له وإن لم يتبع دينه إعزازاً له وإشفاقاً عليه لماضي علم الله فيمن اختار منهم ونفذت مشيئته فيما يستودعه إياه من خلافته وإرث نبيه ، فمؤمنهم مجاهد ببصيرته، وكافرهم مجاهد بنصرته وحميته يدفعون من نابذه ويقهرون من عازه وعانده ، ويتوثقون له ممن كانفه وعاضده ، ويبايعون له من سمح بنصرته ، ويتجسسون له أخبار أعدائه ، ويكيدون له بظهرالغيب كما يكيدون له برأي العين ، حتى بلغ المدى وحان وقت الإهتدا، فدخلوا في دين الله وطاعته وتصديق رسوله والايمان به بأثبت بصيرة وأحسن هدى ورغبة ، فجعلهم الله أهل بيت الرحمة وأهل بيت الدين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، ومعدن الحكمة ، وورثة النبوة ، وموضع الخلافة ، وأوجب لهم الفضيلة ، وألزم العباد لهم الطاعة ، وكان ممن عانده ونابذه وكذبه وحاربه من عشيرته العدد الأكثر، والسواد الأعظم يتلقونه بالتكذيب والتثريب ، ويقصدونه بالأذية والتخويف ، ويبارزونه بالعداوة ، وينصبون له المحاربة ، ويصدون عنه من قصده ، وينالون بالتعذيب من اتبعه .

وأشدهم في ذلك عداوة وأعظمهم له مخالفة، وأولهم في كل حرب ومناصبة، لا يرفع على الإسلام راية إلا كان صاحبها وقائدها ورئيسها ، في كل مواطن الحرب ، من بدر وأحد والخندق والفتح ، أبو سفيان بن حرب وأشياعه من بني أمية الملعونين في كتاب الله ، ثم الملعونين على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله في عدة مواطن وعدة مواضع ، لماضي علم الله فيهم وفي أمرهم ونفاقهم وكفر أحلامهم ، فحارب مجاهداً ، ودافع مكابداً وأقام منابذاً ، حتى قهره السيف وعلا أمر الله وهم كارهون ، فتقوَّل بالإسلام غيرمنطوٍعليه ، وأسرَّ الكفر غير مقلع عنه ، فعرفه بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون ، وميزله المؤلفة قلوبهم ، فقبله وولده على علم منه ، فمما لعنهم الله به على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وأنزل به كتاباً قوله: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا. ولا اختلاف بين أحد أنه أراد بها بني أمية .

ومنه قول الرسول صلى الله عليه وآله وقد رآه مقبلاً على حمار ومعاوية يقود به ، ويزيد ابنه يسوق به: لعن الله القائد والراكب والسائق!

ومنه ما يرويه الرواة من قوله: يا بني عبد مناف تلقفوها تلقف الكرة فما هناك جنة ولا نار، وهذا كفر صراح يلحقه به اللعنة من الله ،كما لحقت الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون .

ومنه ما يروون من وقوفه على ثنية أحد بعد ذهاب بصره ، وقوله لقائده : ههنا ذببنا محمداً وأصحابه .

ومنه الرؤيا التي رآها النبي صلى الله عليه وآله فوجم لها فما رؤى ضاحكاً بعدها، فأنزل الله: َومَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً للَّنَّاسِ.فذكروا أنه رأى نفراً من بنى أمية ينزون على منبره.

ومنه طرد رسول الله صلى الله عليه وآله الحكم بن أبي العاص لحكايته إياه ، وألحقه الله بدعوة رسوله آية باقية ، حين رآه يتخلج فقال له: كن كما أنت! فبقي على ذلك سائر عمره ، إلى ما كان من مروان في افتتاحه أول فتنة كانت في الاسلام ، واحتقابه لكل دم حرام سفك فيها ، أو أريق بعدها.

ومنه ما أنزل الله على نبيه في سورة القدر:لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.من ملك بنى أمية.

ومنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا بمعاوية ليكتب بأمره بين يديه فدافع بأمره واعتل بطعامه، فقال النبي: لا أشبع الله بطنه فبقي لا يشبع ، ويقول والله ما أترك الطعام شبعاً ولكن أعيا.

ومنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يطلع من هذا الفج رجل من أمتي يحشر على غير ملتي فطلع معاوية .

ومنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه .

ومنه الحديث المرفوع المشهور أنه قال:إن معاوية في تابوت من نار في أسفل درك منها ، ينادي يا حنان يا منان: الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ .

ومنه انبراؤه بالمحاربة لأفضل المسلمين في الاسلام مكاناً وأقدمهم إليه سبقاً أحسنهم فيه أثراً وذكراً ، علي بن أبي طالب ، ينازعه حقه بباطله ، ويجاهد أنصاره بضلاله وغواته ، ويحاول ما لم يزل هو وأبوه يحاولانه من إطفاء نور الله ، وجحود دينه: وَيَأْبَى الله إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. يستهوي أهل الغباوة ، ويموه على أهل الجهالة، بمكره وبغيه الذين قدم رسول الله صلى الله عليه وآله الخبر عنهما فقال لعمار: تقتلك الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار ! مؤثراً للعاجلة كافراً بالآجلة ، خارجاً من ربقة الإسلام ، مستحلاً للدم الحرام ، حتى سفك في فتنته وعلى سبيل ضلالته ما لا يحصى عدده من خيار المسلمين ، الذابين عن دين الله ، والناصرين لحقه مجاهداً لله مجتهداً في أن يعصى الله فلا يطاع ، وتبطل أحكامه فلا تقام ، ويخالف دينه فلا يدان ، وأن تعلو كلمة الضلالة، وترتفع دعوة الباطل ، وكلمة الله هي العليا ، ودينه المنصور، وحكمه المتبع النافذ ، وأمره الغالب ، وكيد من حاده المغلوب الداحض ، حتى احتمل أوزار تلك الحروب وما اتبعها ، وتطوق تلك الدماء وما سفك بعدها ، وسن سنن الفساد التي عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة ، وأباح المحارم لمن ارتكبها، ومنع الحقوق أهلها ، واغتره الإملاء واستدرجه الإمهال ، والله له بالمرصاد.

ثم مما أوجب الله له به اللعنة قتله من قتل صبراً من خيار الصحابة والتابعين وأهل الفضل والديانة ، مثل عمرو بن الحمق وحجر بن عدي ، فمن قتل أمثالهم ليكون له العزة والملك والغلبة ، ولله العزة والملك والقدرة ، والله عزّ وجلّ يقول:وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا.

ومما استحق به اللعنة من الله ورسوله ادعاؤه زياد بن سمية جرأة على الله والله يقول: أدْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَأَقْسَطُ عِنْدَ الله، ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ملعون من ادعى إلى غير أبيه وانتمى إلى غير مواليه . ويقول: الولد للفراش والعاهر الحجر ، فخالف حكم الله عزّ وجلّ وسنة نبيه صلى الله عليه وآله جهاراً ، وجعل الولد لغير الفراش ، والعاهر لايضره عهره ، فأدخل بهذه الدعوة من محارم الله ومحارم رسوله في أم حبيبة زوجة النبي صلى الله عليه وآله ، وفي غيرها من سفور وجوه ما قد حرمه الله ، وأثبت بها قربى قد باعدها الله ، وأباح بها ما قد حظره الله مما لم يدخل على الإسلام خلل مثله ، ولم ينل الدين تبديل شبهه .

ومنه إيثاره بدين الله ودعاؤه عباد الله إلى ابنه يزيد المتكبر الخمير ، صاحب الديوك والفهود والقرود ، وأخذه البيعة له على خيارالمسلمين بالقهر والسطوة والتوعيد ، والإخافة والتهديد والرهبة ، وهو يعلم سفهه ويطلع على خبثه ورهقه ، ويعاين سكرانه وفجوره وكفره فلما تمكن منه ما مكنه منه ووطَّأه له وعصى الله ورسوله فيه ، طلب بثأرات المشركين وطوائلهم عند المسلمين ، فأوقع بأهل الحرة الوقيعة التي لم يكن في الإسلام أشنع منها ولا أفحش، مما ارتكب من قتل الصالحين فيها وشفى بذلك غليله وظن أن قد انتقم من أولياء الله،وبلغ النوى لأعداء الله فقال مجاهراً بكفره:

ليت أشياخي ببدر شهدوا

 

جزع الخزرج من وقع الأسل

قد قتلنا القرم من ساداتكم

 

وعدلنا ميل بدر فاعتدل

فأهلـوا واستهلـوا فـرحاً

 

ثم قالوا يا يزيد لا تسل

لست من خندف إن لم أنتقم

 

من بنى أحمد ما كان فعل

لعبـت هاشم بالملك فـلا

 

خبر جاء ولا وحى نزل

هذا هو المروق من الدين ، وقول من لا يرجع إلى الله ولا إلى دينه ، ولا إلى كتابه ، ولا إلى رسوله ، ولا يؤمن بالله ، ولا بما جاء من عند الله.

ثم من أغلظ ما انتهك وأعظم ما اخترم سفكه دم الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله مع موقعه من رسول الله صلى الله عليه وآله ومكانه منه ومنزلته من الدين والفضل ، وشهادة رسول الله صلى الله عليه وآله له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة، اجتراء على الله وكفراً بدينه، وعداوة لرسوله ، ومجاهدة لعترته واستهانة بحرمته ، فكأنما يقتل به وبأهل بيته قوماً من كفار أهل الترك والديلم، لا يخاف من الله نقمة ولا يرقب منه سطوة، فبتر الله عمره واجتث أصله وفرعه، وسلبه ما تحت يده، وأعد له من عذابه وعقوبته ما استحقه من الله بمعصيته .

هذا إلى ما كان من بنى مروان من تبديل كتاب الله وتعطيل أحكامه ، واتخاذ مال الله دولاً بينهم ، وهدم بيته ، واستحلال حرامه ، ونصبهم المجانيق عليه ورميهم إياه بالنيران ، لا يألون له إحراقاً وإخراباً ، ولما حرم الله منه استباحة وانتهاكاً ، ولمن لجأ إليه قتلاً وتنكيلاً، ولمن أمنه الله به إخافة وترشيداً، حتى إذا حقت عليهم كلمة العذاب ، واستحقوا من الله الإنتقام ، وملؤوا الأرض بالجور والعدوان ، وعموا عباد الله بالظلم والإقتسار ، وحلت عليهم السخطة ، ونزلت بهم من الله السطوة ، أتاح الله لهم من عترة نبيه وأهل وراثته من استخلصهم منهم بخلافته ، مثل ما أتاح الله من أسلافهم المؤمنين وآبائهم المجاهدين لأوائلهم الكافرين ، فسفك الله بهم دماءهم مرتدين كما سفك بآبائهم دماء آباء الكفرة المشركين ، وقطع الله دابر القوم الظالمين والحمد لله رب العالمين ، ومكن الله المستضعفين ورد الله الحق إلى أهله المستحقين كما قال جل شأنه: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ.

واعلموا أيها الناس أن الله عزّ وجلّ إنما أمر ليطاع، ومثل ليتمثل، وحكم ليقبل، وألزم الأخذ بسنة نبيه صلى الله عليه وآله ليتبع ، وإن كثيراً ممن ضل فالتوى وانتقل من أهل الجهالة والسفاهة ، ممن اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله وقد قال الله عزّ وجلّ: فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْر.

فانتهوا معاشر الناس عما يسخط الله عليكم ، وراجعوا ما يرضيه عنكم وارضوا من الله بما اختار لكم ، والزموا ما أمركم به ، وجانبوا ما نهاكم عنه، واتبعوا الصراط المستقيم والحجة المبينة ، والسبيل الواضحة ، وأهل بيت الرحمة الذين هداكم الله بهم بديئاً ، واستنقذكم بهم من الجور والعدوان أخيراً، وأصاركم إلى الخفض والأمن والعز بدولتهم ، وشملكم الصلاح في أديانكم ومعايشكم في أيامهم ، والعنوا من لعنه الله ورسوله ، وفارقوا من لا تنالون القربة من الله إلا بمفارقته .

اللهم العن أبا سفيان بن حرب ، ومعاوية ابنه ، ويزيد بن معاوية ، ومروان بن الحكم وولده. اللهم العن أئمة الكفر ، وقادة الضلالة ، وأعداء الدين، ومجاهدي الرسول ، ومغيري الأحكام ، ومبدلي الكتاب ، وسفاكي الدم الحرام . اللهم إنا نتبرأ إليك من موالاة أعدائك ، ومن الإغماض لأهل معصيتك كما قلت:لاتَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.

يا أيها الناس: إعرفوا الحق تعرفوا أهله ، وتأملوا سبل الضلالة تعرفوا سابلها ، فإنه إنما يبين عن الناس أعمالهم ويلحقهم بالضلال أو الصلاح آباؤهم ، فلا يأخذكم في الله لومة لائم، ولا يميلن بكم عن دين الله استهواء من يستهويكم، وكيد من يكيدكم، وطاعة من تخرجكم طاعته إلى معصية ربكم.

أيها الناس: بنا هداكم الله ونحن المستحفظون فيكم أمر الله، ونحن ورثة رسول الله، والقائمون بدين الله ، فقفوا عندما نوقفكم عليه، وأنفذوا لما نأمركم به ، فإنكم ما أطعتم خلفاء الله وأئمة الهدى على سبيل الإيمان والتقوى ، أمير المؤمنين يستعصم الله لكم ، ويسأله توفيقكم ، ويرغب إلى الله في هدايتكم لرشدكم ، وفي حفظ دينه عليكم حتى تلقوه به مستحقين طاعته ، مستحقين لرحمته ، والله حسب أميرالمؤمنين فيكم، وعليه توكله وبالله على ماقلده من أموركم ، واستعانته ولاحول لأمير المؤمنين ولا قوة ألا بالله . والسلام عليكم. وكتب أبو القاسم عبيد الله بن سليمان في سنة 284 .

وذكر أن عبيد الله بن سليمان أحضر يوسف بن يعقوب القاضي ، وأمره أن يعمل الحيلة في إبطال ما عزم عليه المعتضد!

فمضى يوسف بن يعقوب فكلم المعتضد في ذلك وقال له: يا أميرالمؤمنين إني أخاف أن تضطرب العامة ويكون منها عند سماعها هذا الكتاب حركة. فقال إن تحركت العامة أو نطقت وضعت سيفي فيها!

فقال يا أمير المؤمنين فما تصنع بالطالبين الذين هم في كل ناحية يخرجون ويميل إليهم كثير من الناس لقرابتهم من الرسول ومآثرهم ،وفي هذا الكتاب إطراؤهم أو كما قال، وإذا سمع الناس هذا كانوا إليهم أميل ، وكانوا أبسط ألسنة ، وأثبت حجة منهم اليوم! فأمسك المعتضد ، فلم يرد عليه جواباً ، ولم يأمر في الكتاب بعده بشئ ).

كان المأمون مدمناً للخمر مغرماً بالجواري واللهو

تبلغ أخبار المأمون مع الجواري والخمر والغناء ومجالس اللهو أكثر من مجلد !

ونكتفي بنماذج منها تدلك على الوجه الآخر للمأمون في لياليه وأيامه ، وعلى أنه عبد شهواته ! فقد كتبنا في كتاب الإمام محمد الجواد عليه السلام /131:

1. قال الطبري في تاريخه ( 7 / 157 ): (كان يحجب المأمون على النبيذ فتح الخادم ، وياسر يتولى الخلع ، وحسين يسقي ، وأبو مريم غلام سعيد الجوهري يختلف في الحوائج . فركب طاهر إلى الدار فدخل فتح فقال: طاهر بالباب ، فقال: إنه ليس من أوقاته ، إئذن له . فدخل طاهر فسلم عليه فرد عليه وقال: إسقوه رطلاً ، فأخذه في يده اليمنى وقال له: أجلس ، فخرج فشربه ثم عاد وقد شرب المأمون رطلاً آخر فقال: إسقوه ثانياً ، ففعل كفعله الأول ، ثم دخل فقال له المأمون: أجلس ، فقال: يا أميرالمؤمنين ليس لصاحب الشرطة أن يجلس بين يدي سيده ، فقال له المأمون: ذلك في مجلس العامة ، فأما مجلس الخاصة فطلق ) .

2. في الأغاني (10/314): ( عن أبي أحمد بن الرشيد قال: كنت يوماً بحضرة المأمون وهو يشرب ، فدعا بياسر وأدخله فساره بشئ ومضى وعاد . فقام المأمون وقال لي: قم ، فدخل دار الحرم ودخلت معه فسمعت غناء أذهل عقلي ، ولم أقدر أن أتقدم ولا أتأخر.وفطن المأمون لما بي فضحك ثم قال: هذه عمتك عليَّة تطارح عمك إبراهيم).

وعلية وإبراهيم أولاد الخليفة المهدي ، وهما مغنيان خماران !

3. في الأغاني (10/332 ): ( دخل الحسن بن سهل على المأمون وهو يشرب فقال له: بحياتي وبحقي عليك يا أبا محمد إلا شربت معي قدحاً ، وصب له من نبيذه قدحاً ، فأخذه بيده وقال له: من تحب أن يغنيك؟ فأومأ إلى إبراهيم بن المهدي فقال له المأمون: غنه يا عم ، فغناه..) .

4. في الوافي للصفدي ( 17 / 345 ): ( وقال محمد بن حبيب: كان عبد الله بن موسى الهادي معربداً ، وكان قد أعضل المأمون مما يعربد عليه إذا شرب معه فأمر به أن يجلس في بيته فلا يخرج منه ، وأقعد على بابه حرساً ) .

5. في الأغاني (17/56): (ذكر أحمد بن أبي طاهرأن محمد بن علي بن طاهر بن الحسين حدثه أن المأمون كان يوما قاعداً يشرب وبيده قدح ، إذ غنت بَذْل: ألا لا أرى شيئاً ألذ من الوعدِ . فجعلته: ألا لا أرى شيئاً ألذ من السحق! فوضع المأمون القدح من يده والتفت إليها ، وقال:بلى يا بذل النيك ألذ من السحق، فخافت غضبه، فأخذ قدحه ثم قال: أتمي صوتك).

وفي الأغاني ( 7 / 215 ): ( كان سبب موت بذل هذه ، أنها كانت ذات يوم جالسة عند المأمون فغنته ، وكان حاضراً في ذلك المجلس موسوس (مجنون) يكنى بأبي الكركدن، من أهل طبرستان يضحك منه المأمون ، فعبثوا به فوثب عليهم وهرب الناس من بين يديه فلم يبق أحد حتى هرب المأمون ، وبقيت بذل جالسة والعود في حجرها ، فأخذ العود من يدها وضرب به رأسها فشجها في شابورتها اليمنى فانصرفت وحُمَّت ، وكان سبب موتها).

6. في تاريخ دمشق ( 69 / 267 ): ( عَرِيب المأمونية: قيل إنها ابنة جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، لما انتهت دولة البرامكة سُرقت وهي صغيرة وبيعت ، واشتراها الأمين ثم اشتراها المأمون ، وكانت شاعرة مجيدة ، ومغنية محسنة ، وقدمت دمشق مع المأمون).

وفي الأغاني (20/380 ) قال اليزيدي: (دخلتُ على المأمون وهو يشرب وعنده عريب ومحمد بن الحارث بن بسخنر، يغنيانه ، فقال: أطعموا محمداً شيئاً ، فقلت: قد بدأت بذلك في دار أميرالمؤمنين ، فقال: أما ترى كيف عُتِّق هذا الشراب حتى لم يبق إلا أقله ما أحسن ما قيل في قديم الشراب.. ثم قال: إسقوا محمدا رطلين ، وأعطوه عشرين ألف درهم ) .

وفي نهاية الإرب ( 22 / 224 ): ( فأخذت العود وغنت فشربنا عليه رطلاً ، ثم ثانياً وثالثاً ، فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال ، ارتاح وطرب ) .

وفي الأغاني (21 / 40): (ما رأيت امرأة أضرب من عريب ، ولا أحسن صنعة ولا أحسن وجهاً، ولا أخف روحاً ، ولا أحسن خطاباً ، ولا أسرع جواباً ، ولا ألعب بالشطرنج والنرد، ولا أجمع لخصلة حسنة لم أر مثلها في امرأة غيرها. قال حماد: فذكرت ذلك ليحيى بن أكثم في حياة أبي فقال: صدق أبو محمد هي كذلك ، قلت: أفسمعتها؟قال: نعم هناك ، يعني في دار المأمون).

وفي الأغاني(21 /49): (حدثني إبراهيم بن رباح قال: كنت أتولى نفقات المأمون فوصف له إسحاق بن إبراهيم الموصلي عريب فأمره أن يشتريها ، فاشتراها بمائة ألف درهم ، فأمرني المأمون بحملها ، وأن أحمل إلى إسحاق مائة ألف درهم أخرى ، ففعلت ذلك ولم أدر كيف أثبتها ، فحكيت في الديوان أن المائة الألف خرجت في ثمن جوهرة ، والمائة الألف الأخرى خرجت لصائغها ودلالها ، فجاء الفضل بن مروان إلى المأمون ، وقد رأى ذلك فأنكره وسألني عنه ، فقلت: نعم هو ما رأيت ، فسأل المأمون عن ذلك وقال: أوجب وهب لدلال وصائغ مائة ألف درهم ، وغلظ القصة، فأنكرها المأمون فدعاني ودنوت إليه ، وأخبرته أنه المال الذي خرج في ثمن عريب وصلة إسحاق ، وقلت: أيما أصوب يا أمير المؤمنين: ما فعلت أو أثبت في الديوان أنها خرجت في صلة مغن وثمن مغنية؟ فضحك المأمون وقال: الذي فعلت أصوب ، ثم قال للفضل بن مروان: يا نبطي لا تعترض على كاتبي هذا في شئ ) !

وفي الأغاني (21/57): ( عتب المأمون على عريب فهجرها أياماً ، ثم اعتلت فعادها فقال لها: كيف وجدت طعم الهجر؟ فقالت: يا أميرالمؤمنين لولا مرارة الهجر ما عرفت حلاوة الوصل ، ومن ذم بدء الغضب حمد عاقبة الرضا ، قال: فخرج المأمون إلى جلسائه ، فحدثهم بالقصة ثم قال: أترى هذا لو كان من كلام النظَّام ألم يكن كبيراً). والنظام إمام المعتزلة مات 231 .

وفي الأغاني (21/ 48): ( قال ابن المعتز: ولقد حدثني علي بن يحيى المنجم أن المأمون قبَّل في بعض الأيام رجلها ! قال: فلما مات المأمون بيعت في ميراثه ، ولم يبع له عبد ولا أمة غيرها ، فاشتراها المعتصم بمائة ألف درهم .

وفي الأغاني ( 21 / 57 ): ( قال لي الفضل بن العباس بن المأمون: زارتني عريب يوماً ومعها عدة من جواريها ، فوافتنا ونحن على شرابنا فتحادثنا ساعة . وسألتها أن تقيم عندي فأبت وقالت: دعاني جماعة من إخواني من أهل الأدب والظرف ، وهم مجتمعون في جزيرة المؤيد ، فيهم إبراهيم بن المدبر وسعيد بن حميد ، ويحيى بن عيسى بن منارة ، وقد عزمت على المسير إليهم، فحلفت عليها فأقامت عندنا ، ودعت بدواة وقرطاس فكتبت:

بسم الله الرحمن الرحيم وكتبت بعد ذلك في سطر واحد ثلاثة أحرف متفرقة لم تزد عليها وهي: أردت ، ولولا ، ولعلي . ووجهت به إليهم ، فلما وصلت الرقعة عيوا بجوابها، فأخذ إبراهيم بن المدبرالرقعة فكتب تحت أردت: ليت، وتحت لولا: ماذا ، وتحت لعلي: أرجو . ووجهوا بالرقعة فصفقت ونعرت وشربت رطلاً وقالت لنا: أأترك هؤلاء وأقعد عندكم؟ إذاً تركني الله من يديه، ولكني أخلف عندكم من جواريَّ من يكفيكم وأقوم إليهم ففعلت ذلك وخلفت عندنا بعض جواريها وأخذت معها بعضهن وانصرفت).

وفي الأغاني ( 21 / 60 ): ( قال ابن المعتز: وحدثني أبو الخطاب العباس بن أحمد بن الفرات قال: حدثني أبي قال: كنا يوماً عند جعفر بن المأمون نشرب وعريب حاضرة، إذ غنى بعض من كان هناك:

يا بـدر إنك قـد كسيت مشابهـاً

 

من وجه ذاك المستنير اللائحِ

فضحكت عريب وصفقت وقالت: ما على وجه الأرض أحد يعرف خبر هذا الصوت غيري، فلم يقدم أحد منا على مسألتها عنه غيري، فسألتها فقالت: أنا أخبركم بقصته، ولولا أن صاحب القصة قد ماتت لما أخبرتكم إن أبا محلم قدم بغداد فنزل بقرب دار صالح المسكين في خان هناك ، فاطلعت أم محمد ابنة صالح بن هارون يوماً فرأته يبول فأعجبها متاعه ، وأحبت مواصلته ، فجعلت لذلك علة بأن وجهت إليه تقترض منه مالاً وتعلمه أنها في ضيقة وأنها ترده إليه بعد جمعة، فبعث إليها عشرة آلاف درهم وحلف أنه لوملك غيرها لبعث به، فاستحسنت ذلك وواصلته ، فكانت تدخله إليها ليلاً وكنت أنا أغني لهم ، فشربنا ليلة في القمر وجعل أبومحلم ينظر إليه ثم دعا بدواة ورقعة ، وكتب فيها قوله:

يا بـدر إنك قد كسيت مشابهـاً

 

من وجـه أم محمد ابنة صالح ) .

أقول: تدل الرواية على عدم خوف عريب من التشهير بحفيدة هارون . وتدل على الفساد المفرط في بيوت الخلفاء ، فأم محمد هي بنت صالح بن هارون ، وأبو محلم الشيباني أعرابي يحفظ من شعر العرب وقصصهم . ( الأعلام: 7 / 131).

وفي الأغاني ( 21 / 57 ) عن حمدون قال:(كنت حاضراً مجلس المأمون ببلاد الروم بعد صلاة العشاء الآخرة في ليلة ظلماء ذات رعود وبروق ، فقال لي المأمون:إركب الساعة فرس النوبة وسر إلى عسكر أبي إسحاق يعني المعتصم فأدِّ إليه رسالتي في كيت وكيت قال: فركبت ولم تثبت معي شمعة وسمعت وقع حافر دابة فرهبت ذلك وجعلت أتوقاه ، حتى صك ركابي ركاب تلك الدابة ، وبرقت بارقة فأضاءت وجه الراكب فإذا عريب فقلت: عريب؟ قالت: نعم ، حمدون ؟ قلت: نعم . ثم قلت: من أين أقبلت في هذا الوقت؟ قالت: من عند محمد بن حامد ، قلت: وما صنعت عنده؟ قالت عريب: ياتكش ، عريب تجئ من عند محمد بن حامد في هذا الوقت خارجة من مضرب الخليفة وراجعة إليه ، تقول لها: أي شئ عملت عنده ؟ صليت معه التراويح! أو قرأت عليه أجزاء من القرآن ، أو دارسته شيئاً من الفقه!

يا أحمق، تعاتبنا وتحادثنا واصطلحنا، ولعبنا وشربنا وغنينا وتنايكنا ، وانصرفنا! فأخجلتني وغاظتني، وافترقنا ومضيت فأديت الرسالة ، ثم عدت إلى المأمون وأخذنا في الحديث وتناشد الأشعار ، وهممت والله أن أحدثه حديثها ، ثم هبته فقلت: أقدم قبل ذلك تعريضاً بشئ من الشعر فأنشدته: ألا حي أطلالاً لواسعة الحبل.. ).

وتكش: لفظ مغولي . يعني قالت عريب: أيها الغلام المغولي الجاهل!

وفي الأغاني ( 21 / 75 ) قال ابن اليزيدي: ( خرجنا مع المأمون في خروجه إلى بلد الروم، فرأيت عريب في هودج ، فلما رأتني قالت لي: يا يزيدي أنشدني شعراً قلته حتى أصنع فيه لحناً ، فأنشدتها:

ماذا بقلبي من دوام الخفق

 

إذا رأيت لمعان البرق

قال: فتنفست تنفساً ظننت أن ضلوعها قد تقصفت منه ، فقلت: هذا والله تنفس عاشق ، فقالت: أسكت يا عاجز ، أنا أعشق ! والله لقد نظرت نظرة مريبة في مجلس ، فادعاها من أهل المجلس عشرون رئيساً طريقاً ) .

أي غمزت بعينها في مجلسهم ، فتصور عشرون شخصاً ، كل واحد أنها تريده !

وفي الأغاني ( 21 / 52 ): ( حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات قال: كنت يوما عند أخي أبي العباس ، وعنده عريب جالسة على دست مفرد لها ، وجواريها يغنين بين يدينا وخلف ستارتنا ، فقلت لأخي وقد جرى ذكر الخلفاء: قالت لي عريب: نكت منهم ثمانية ، ما اشتهيت منهم أحدا إلا المعتز فإنه كان يشبه أبا عيسى بن الرشيد! قال ابن الفرات: فأصغيت إلى بعض بني أخي فقلت له: فكيف ترى شهوتها الساعة ؟ فضحك ، ولمحته فقالت: أي شئ قلتم ؟ فجحدتها . فقالت لجواريها: أمسكن ففعلن ، فقالت: هن حرائر لئن لم تخبراني بما قلتما لينصرفن جميعاً وهن حرائر إن حردت (غضبت ) من شئ جرى ولو أنها تسفيل(وصف بالسفالة)! فصدقتها . فقالت: وأي شئ في هذا ؟ أما الشهوة فبحالها ، ولكن الآلة قد بطلت.أو قالت: قد كلَّت. عودوا إلى ما كنتم فيه ) .

أي قالت له: قل ما تحدثتما به ولو كان علي ، وإمائي حرائر إن غضبت منكم !

وكانت عريب تربي مغنيات ، ففي المنتظم لابن الجوزي( 13/152 ): (بدعة: جارية عريب مولاة المأمون: كانت مغنية ، وقد كان إسحاق بن أيوب بذل لمولاتها في ثمنها مائة ألف دينار ، وللسفير بينهما عشرين ألف دينار ، فدعتها فأخبرتها بالحال فلم تؤثر البيع فأعتقتها من وقتها ، وماتت لست بقين من ذي الحجة من هذه السنة وصلى عليها أبو بكر بن المهتدي ، وخلفت مالاً كثيراً وضياعاً ) .

وفي الطبري ( 7 / 222 ): (دعا بنا (المأمون) فلما أخذ فيه النبيذ قال: غنوني ، فسبقني مخارق فاندفع فغنى صوتاً لا بن سريج ، في شعر جرير:

الحين ساق إلى دمشق وما

 

كانت دمشق لأهلها بلدا

فضرب بالقدح الأرض وقال: مالك عليك لعنة الله ! ثم قال: يا غلام أعط مخارقاً ثلاثة آلاف درهم ، وأخذ بيدي فأقمته وعيناه تدمعان ، وهو يقول للمعتصم: هو والله آخر خروج ، ولا أحسبني أن أرى العراق أبداً . قال: فكان والله آخر عهده بالعراق ) .

وفي الأغاني ( 5 / 224 ): (قال لي صالح بن الرشيد: كنا أمس عند أمير المؤمنين المأمون وعنده جماعة من المغنين ، فيهم إسحاق وعلويه ومخارق وعمرو بن بانة ، فغنى مخارق.. فقال له المأمون: لمن هذا اللحن؟قال: لهذا الهزبر الجالس يعني إسحاق ، فقال المأمون لمخارق: قم فاقعد بين يدي وأعد الصوت ، فقام فجلس بين يديه وأعاده فأجاده ، وشرب المأمون عليه رطلاً. ثم التفت إلى إسحاق فقال له: غن هذا الصوت، فغناه فلم يستحسنه كما استحسنه من مخارق).

وفي الأغاني ( 7 / 217 ): (سمع علي بن هشام (نديمه) قدام المأمون من قَلَم ، جارية زبيدة صوتاً عجيباً ، فرشى لمن أخرجه من دار زبيدة بمائة ألف دينار ، حتى صار إلى داره وطرح الصوت على جواريه. ولو علمت بذلك زبيدة لاشتد عليها ، ولو سألها أن توجه به ما فعلت).

كان المأمون شاذاً جنسياً !

فقد اتخذ شاباً خراسانياً مشهوراً باللواط صديقه الحميم ، وهو يحيى بن أكثم! وقربه حتى جعله مع الشهود على ولاية عهد الإمام الرضا عليه السلام . ثم جعله قاضي قضاة البصرة فشكاه أهل البصرة للمأمون بأنه أفسد صبيانهم فهو يغريهم باللواط ، فقال لهم المأمون أقبل الشكوى عليه في غيراللواط ! ثم نقله الى بغداد واتخذه نديماً ووزيراً، ومدبراً لكل الدولة، مع علمه بفسقه وشذوذه ! وكان يدخله معه في فراشه فينام معه!

وكان يدافع عنه ويهيئ له أدوات الفسق والشذوذ ، وأن يجمع حوله الغلمان!

وهذا يوجب الشك في شذوذ المأمون نفسه ! فالجو الذي نشأ فيه في حجر جعفر البرمكي ، ليس بعيداً عن ذلك ، وقد رباه وكان يخاطبه بأبي !

قال المسعودي في مروج الذهب (3/434): (وكان يحيى بن أكثم قد ولي قضاء البصرة قبل تأكد الحال بينه وبين المأمون ، فرفع إلى المأمون أنه أفسد أولادهم بكثرة لواطه ، فقال المأمون: لو طعنوا عليه في أحكامه قُبل ذلك منهم ، قالوا: يا أميرالمؤمنين قد ظهرت منه الفواحش وارتكاب الكبائر واستفاض ذلك عنه ...فأمر بإخراجهم عنه، وعزل يحيى عنهم . يقول ابن أبي نعيم:

يا ليت يحيى لم يلده أكْثَمُه

 

ولم تطأ أرض العراق قَدَمُه

ألْـوَطُ قاضٍ في العـراق نعـلمـه..

قال له المأمون يوماً: يا أبا محمد من الذي يقول:

قاضٍ يرى الحد في الزناء

 

ولا يرى على من يلوط من باس

ما أحسب الجور ينقضـي وعلى

 

الأمة والٍ من آل عباس

فنفى المأمون ابن أبي نعيم إلى السند !

وكان يحيى إذا ركب مع المأمون في سفر ركب معه بمنطقة وقَبَاء وسيف بمعاليق وساسية (تشكيلات الرؤساء) وإذا كان الشتاء ركب في أقْبِيَةِ الخزّ وقلانس السمُّور والسروج المكشوفة ، وبلغ من إذاعته ومجاهرته باللواط أن المأمون أمره أن يفرض لنفسه فرضاً يركبون بركوبه ويتصرفون في أموره ، ففرض أربع مائة غلام مُرْداً اختارهم حسان الوجوه ، فافتضح بهم ..

وفيه يقول راشد ابن إسحاق:

وكنا نرجِّي أن نرى العدل ظاهراً

 

فأعقبنا بعد الرجاء قُنُوطُ

متى تصلح الدنيا ويصلح أهْلُها

 

وقاضي قضاة المسلمين يلوط ؟

وقال الواحدي في كتاب التأنيس(1/175): (فسأله عن يحيى بن أكثم فقال: لا ينكر علمه ومحله من السلطان ،حتى كان المأمون يدخله معه في فراشه )!

وقال ابن خلكان (1/85 ): ( قدم يحيى بن أكثم قاضياً على البصرة من خراسان من قبل المأمون في آخر سنة اثنتين ومائتين وهو حدث ، سنه نيف وعشرون . فلما قدم المأمون بغداد في سنة أربع ومائتين قال ليحيى: إختر لي من أصحابك جماعة يجالسونني ويكثرون الدخول إلي ، فاختار منهم عشرين فيهم ابن أبي دواد ) .

وفي تهذيب التهذيب ( 11/161):(غلب على المأمون حتى لم يتقدمه أحد عنده فكانت الوزراء لا تعمل في تدبير الملك شيئاً إلا بعد مطالعته ) .

كان المأمون يرى أن كل شخصيات العباسيين مأبونون!

فقد كتب له العباسيون كتاباً يستنكرون فيه عهده بولاية العهد لعلي بن موسى الرضا عليه السلام ، فأجابهم جواباً فاضحاً لترفهم وتفاهة شخصياتهم !

قال ابن طاووس في الطرائف/273: (ومن الطرائف المشهورة ما بلغ إليه المأمون في مدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وفي مدح أهل بيته عليهم السلام ذكره ابن مسكويه صاحب التاريخ بحوادث الإسلام في كتاب سماه نديم الفريد يقول فيه: حيث ذكر كتاباً كتبه بنو هاشم (العباسيون) يسألون جوابهم ماهذا لفظه:

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآل محمد ، على رغم أنف الراغمين .

أما بعد عرف المأمون كتابكم، وتدبير أمركم ، ومَخض زبدتكم ، وأشرف على قلوب صغيركم وكبيركم ، وعرفكم مقبلين ومدبرين ، وما آل إليه كتابكم قبل كتابكم في مراوضة الباطل ، وصرف وجوه الحق عن مواضعها ونبذكم كتاب الله تعالى والآثار، وكلما جاءكم به الصادق محمد صلى الله عليه وآله حتى كأنكم من الأمم السالفة التي هلكت بالخسفة والغرق والريح والصيحة والصواعق والرجم: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا!

والذي هو أقرب إلى المأمون من حبل الوريد لولا أن يقول قائل: إن المأمون ترك الجواب عجزاً لما أجبتكم من سوء أخلاقكم ، وقلة أخطاركم ، وركاكة عقولكم ، ومن سخافة ما تأوون إليه من آرائكم ، فليستمع مستمع فليبلغ شاهد غائباً . أما بعد فإن الله تعالى بعث محمداًعلى فترة من الرسل ، وقريش في أنفسها وأموالها لايرون أحداً يساميهم ولا يباريهم ، فكان نبينا صلى الله عليه وآله أميناً من أوسطهم بيتاً وأقلهم مالاً، وكان أول من آمنت به خديجة بنت خويلد فواسته بمالها ، ثم آمن به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ابن تسع سنين لم يشرك بالله شيئاً طرفة عين ، ولم يعبد وثناً ولم يأكل رباً ، ولم يشاكل الجاهلية في جهالاتهم ، وكانت عمومة رسول الله إما مسلم مهين أو كافر معاند ، إلا حمزة فإنه لم يمتنع من الإسلام ولايمتنع الإسلام منه ، فمضى لسبيله على بينة من ربه ، وأما أبو طالب فإنه كفله ورباه ، ولم يزل مدافعاً عنه ومانعاً منه فلما قبض الله أبا طالب هم القوم وأجمعوا عليه ليقتلوه ، فهاجر إلى القوم الَّذِينَ تَبَوَءُو الدَّارَ وَالآيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، فلم يقم مع رسول الله أحد من المهاجرين كقيام علي بن أبي‌طالب فإنه آزره ووقاه بنفسه ونام في مضجعه، ثم لم يزل بعد متمسكاً بأطراف الثغور وينازل الأبطال ، ولا ينكل عن قرن ، ولا يولي عن جيش، منيع القلب ، يؤمَّر على الجميع ولا يؤمر عليه أحد ، أشد الناس وطأة على المشركين وأعظمهم جهاداً في الله ، وأفقههم في دين الله ، وأقرأهم لكتاب الله وأعرفهم بالحلال والحرام ، وهو صاحب الولاية في حديث خم ، وصاحب قوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ، وصاحب يوم الطائف . وكان أحب الخلق إلى الله تعالى وإلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصاحب الباب فُتح له وسد أبواب المسجد، وهو صاحب الراية يوم خيبر ، وصاحب عمرو بن عبد ود في المبارزة، وأخو رسول الله حين آخى بين المسلمين ، وهو متبع جزيل ، وهو صاحب آية: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا . وهو زوج فاطمة سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة ، وهو ختن خديجة عليها السلام وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله رباه وكفله. وهو ابن أبي طالب عليه السلام في نصرته وجهاده ، وهو نفس رسول الله في يوم المباهلة ، وهو الذي لم يكن أبو بكر وعمر ينفذان حكماً حتى يسألانه عنه ، فما رأى إنفاذه أنفذاه، وما لم يره رداه . وهو دخل من بني هاشم في الشورى ، ولعمري لو قدر أصحابه على دفعه عنه كما دفع العباس رضوان الله عليه ووجدوا إلى ذلك سبيلاً لدفعوه . فأما تقديمكم العباس عليه فإن الله تعالى يقول:أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ الله لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ الله. والله لو كان ما في أمير المؤمنين من المناقب والفضائل والآي المفسرة في القرآن خلة واحدة في رجل واحد من رجالهم أو غيره ، لكان مستأهلاً متأهلاً للخلافة ، مقدماً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله بتلك الخلة ، ثم لم يزل الأمور تتراقى به إلى أن ولي أمور المسلمين ، فلم يعن بأحد من بني هاشم إلا بعبد الله بن عباس تعظيماً لحقه ، وصلة لرحمه وثقة به ، فكان من أمره الذي يغفر الله له ، ثم نحن وهم يد واحدة كما زعمتم حتى قضى الله تعالى بالأمر إلينا فأخفناهم وضيقنا عليهم وقتلناهم أكثر من قتل بني أمية إياهم!

ويحكم! إن بني أمية إنما قتلوا منهم من سل سيفاً وإنا معشر بني العباس قتلناهم جملاً، فلتسألن أعظُم الهاشمية بأي ذنب قتلت ، ولتسألن نفوس ألقيت في دجلة والفرات ، ونفوس دفنت ببغداد والكوفة أحياء !!

هيهات إنه مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ .

وأما ما وصفتم في أمر المخلوع وما كان فيه من لَبْس ، فلعمري ما لُبِّس عليه أحد غيركم إذ هونتم عليه النكث ، وزينتم له الغدر ، وقلتم له ما عسى أن يكون من أمر أخيك ، وهو رجل مغرب ، ومعك الأموال والرجال تبعث إليه فيؤتى به ! فكذبتم ونسيتم قول الله تعالى: ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ الله .

وأما ما ذكرتم من استبصار المأمون في البيعة لأبي الحسن الرضا عليه السلام فما بايع له المأمون إلا مستبصراً في أمره عالماً بأنه لم يبق أحد على ظهرها أبين فضلاً ولا أظهر عفة ، ولا أورع ورعاً ، ولا أزهد زهداً في الدنيا ، ولا أطلق نفساً ، ولا أرضى في الخاصة والعامة، ولا أشد في ذات ، منه ، وإن البيعة له لموافقة رضى الرب عزّ وجلّ ، ولقد جهدت وما أجد في الله لومة لائم ، ولعمري لو كانت بيعتي له محاباة لكان العباس ابني وسائر ولدي أحب إلى قلبي وأجل في عيني ، ولكن أردت أمراً وأراد الله أمراً ، فلم يسبق أمري أمر الله .

وأما ما ذكرتم مما مسكم من الجفاء في ولايتي، فلعمري كان ذلك إلا منكم بمظافرتكم عليه ، ومما يلتكم إياه ، فلما قتلته تفرقتم عباديد ، فطوراً أتباعاً لابن أبي خالد ، وطوراً أتباعا لأعرابي ، وطوراً أتباعاً لابن شكلة ، ثم لكل من سل سيفاً عليَّ، ولولا أن شيمتي العفو وطبيعتي التجاوز ، ما تركت على وجهها منكم أحداً ، فكلكم حلال الدم محل بنفسه .

وأما ما سألتم من البيعة للعباس ابني ، أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ، ويلكم إن العباس غلام حدث السن ، ولم يؤنس رشده ولم يمهل وحده ، ولم تحكمه التجارب ، تدبره النساء وتكفله الإماء ، ثم لم يتفقه في الدين ، ولم يعرف حلالاً من حرام ، إلا معرفة لا تأتي به رعية ، وتقوم به حجة ، ولو كان مستأهلاً قد أحكمته التجارب ، وتفقه في الدين ، وبلغ مبلغ أميرالعدل في الزهد في الدنيا ، وصرف النفس عنها ، ما كان له عندي في الخلافة إلا ما كان لرجل من عك وحمير ، فلا تكثروا في هذا المقال ، فإن لساني لم يزل مخزوناً عن أمور وأنباء ، كراهية أن تخنث النفوس عندما تنكشف ، علما بأن الله بالغ أمره ، ومظهر قضاه يوماً .

فإذا أبيتم إلا كشف الغطاء وقشر العظاء ، فالرشيد أخبرني عن آبائه وعما وجد في كتاب الدولة وغيرها أن السابع من ولد العباس لا تقوم لبني العباس بعده قائمة ، ولا تزال النعمة متعلقة عليهم بحياته ، فإذا أودعت فودعها ، فإذا أودع فودعاها ، وإذا فقدتم شخصي فاطلبوا لأنفسكم معقلاً وهيهات ، ما لكم إلا السيف يأتيكم الحسني الثائر البائر ، فيحصدكم حصداً ، أو السفياني المرغم والقائم المهدي ، لا يحقن دمائكم إلا بحقها .

وأما ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسى بعد استحقاق منه لها في نفسه واختيار مني له ، فما كان ذلك مني إلا أن أكون الحاقن لدمائكم ، والذائد عنكم باستدامة المودة بيننا وبينهم ، وهي الطريق أسلكها في إكرام آل أبي طالب ، ومواساتهم في الفيئ بيسيرما يصيبهم منه ، وإن تزعموا أني أردت أن يؤول إليهم عاقبة ومنفعة ، فإني في تدبيركم والنظر لكم ولعقبكم وأبنائكم من بعدكم ، وأنتم ساهون لاهون تائهون في غمرة تعمهون لا تعلمون ما يراد بكم ، وما أظللتم عليه من النقمة ، وابتزاز النعمة، همة أحدكم أن يمسي مركوباً ويصبح مخموراً ! تباهون بالمعاصي وتبتهجون بها ، وآلهتكم البرابط ، مخنثون مؤنثون،لايتفكر متفكر منكم في إصلاح معيشة ولا استدامة نعمة ، ولا اصطناع مكرمة ، ولا كسب حسنة يمد بها عنقه: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. أضعتم الصلاة واتبعتم الشهوات وأكببتم على اللذات ، فسوف تلقون غياً !

وأيم الله لربما أفكر في أمركم ، فلا أجد أمة من الأمم استحقوا العذاب حتى نزل بهم لخلة من الخلال إلا أصيب تلك الخلة بعينها فيكم ، مع خلال كثيرة لم أكن أظن أن إبليس اهتدى إليها ، ولا أمر بالعمل عليها ، وقد أخبر الله في كتابه العزيز عن قوم صالح إنه كان فيهم: تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ. فأيكم ليس معه تسعة وتسعون من المفسدين في الأرض قد اتخذتموهم شعاراً ودثاراً ، استخفافاً بالمعاد وقلة يقين بالحساب ، وأيكم له رأيٌ يتبع أو روية تنفع ، فشاهت الوجوه وعُفرت الخدود.

وأما ما ذكرتم من العثرة التي كانت في أبي الحسن عليه السلام نورالله وجهه فلعمري إنها عندي للنهضة والإستقلال الذي أرجو به قطع الصراط والأمن والنجاة من الخوف يوم الفزع الأكبر ، ولا أظنني عملت عملاً هو عندي أفضل من ذلك إلا أن أعود بمثلها إلى مثله ، وأين لي بذلك وأنى لكم بتلك السعادة .

وأما قولكم إني سفهت آراء آبائكم وأحلام أسلافكم ، فكذلك قال مشركوا قريش: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ. ويلكم إن الدين لايؤخذ إلا من الأنبياء ، فافقهوا وما أراكم تعقلون .

وأما تعييركم إياي بسياسة المجوس إياكم ، فما أذهبكم عن الأنفة من ذلك ولو ساستكم القردة والخنازير! ولعمري لقد كانوا مجوساً فأسلموا كآبائنا وأمهاتنا في القديم ، فهم المجوس أسلموا وأنتم المسلمون الذين ارتدوا ، فمجوسي أسلم خير مسلم ارتد، فهم يتناهون عن‌المنكر ويأمرون بالمعروف ويتقربون‌من الخير ويتباعدون من الشر ، ويذبون عن حرم المسلمين ، يتباهجون بما نال الشرك وأهله من النكر ، ويتباشرون بما نال الإسلام وأهله من الخير: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً . وليس منكم إلا لاعب بنفسه مأفون في عقله وتدبيره ، إما مغن أو ضارب دف أو زامر .

والله لو أن بني أمية الذين قتلتموهم بالأمس نشروا فقيل لهم لا تأنفوا في معائب تنالونهم بها ، لما زادوا على ما صيرتموه لكم شعاراً ودثاراً وصناعة وأخلاقاً . ليس فيكم إلا من إذا مسه الشر جزع وإذا مسه الخير منع ، ولا تأنفون ولا ترجعون إلا خشية . وكيف يأنف من يبيت مركوباً ويصبح بإثمه معجباً ، كأنه قد اكتسب حمداً ! غايته بطنه وفرجه ، لايبالي أن ينال شهوته بقتل ألف نبي مرسل أو ملك مقرب ! أحب الناس إليه من زين له معصية أو أعانه في فاحشة ، تنظفه المخمورة وتربده المطمورة ، فشتت الأحوال . فإن ارتدعتم مما أنتم فيه من السيئات والفضائح ، وما تهذرون به من عِذاب ألسنتكم، وإلا فدونكم تعلَّموا بالحديد ولا قوه إلا بالله ، وعليه توكلي وهو حسبي). ويدلك على صحة هذه الرسالة مطابقتها لوضع بني العباس يومها !

كان المأمون علمانياً يرى أن علم النبوة كعلم التنجيم !

روى الصدوق في العيون (3/341): (عن عبد الله بن محمد الهاشمي قال: دخلت على المأمون يوماً فأجلسني وأخرج من كان عنده ، ثم دعا بالطعام فطعمنا ثم طيبنا ، ثم أمر بستارة فضربت ، ثم أقبل على بعض من كان في الستارة ، فقال: بالله لما رثيت لنا من بطوس فأخذت تقول:

سقياً لطوس ومن أضحى بها قطنا

 

من عترة المصطفى أبقى لنا حَزَنا

قال: ثم بكى فقال لي: يا عبد الله ، أيلومني أهل بيتي وأهل بيتك أن نصبت أبا الحسن الرضا علماً ، فوالله لأحدثك بحديث تتعجب منه: جئته يوماً فقلت له :جعلت فداك إن آبائك موسى بن جعفر، وجعفر بن محمد ، ومحمد بن علي ، وعلي بن الحسين ، كان عندهم علم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة ، وأنت وصي القوم ووارثهم وعندك علمهم ، وقد بدت لي إليك حاجة ، قال: هاتها ، فقلت: هذه الزاهرية حظيتي ولا أقدِّم عليها من جواريَّ ، قد حملت غير مرة وأسقطت وهي الآن حامل ، فدلني على ما نتعالج به فتسلم ، فقال: لا تخف من إسقاطها فإنها تسلم ، وتلد غلاماً أشبه الناس بأمه ، ويكون له خنصر زائدة في يده اليمنى ليست بالمدلاة وفي رجله اليسرى خنصر زائدة ليست بالمدلاة ، فقلت في نفسي: أشهد أن الله على كل شئ قدير، فولدت الزاهرية غلاماً أشبه الناس بأمه ، وفي يده اليمنى خنصر زائدة ليست بالمدلاة ، وفي رجله اليسرى خنصر زائدة ليست بالمدلاة ، على ما كان وصفه لي الرضا ! فمن يلومني على نصبي إياه عَلَماً !) .

فالأئمة المعصومون عليهم السلام عند المأمون عندهم علم ماكان وما يكون ، وهم خلفاء النبي صلى الله عليه وآله الشرعيون ، وهو غاصب لمقامهم ، لكن هذا ليس مهماً عنده ، بل المهم أن يستفيد من علمهم لسلامة حمل جاريته ! ثم إذا رأى أن شعبيتهم تشكل خطراً عليه عمل بقاعدة أبيه: الملك عقيم ، ولو نازعتني أو خفت أن تنازعني فيه ، لأخذت رأسك ! فهل هناك سوء توفيق أشد من هذا ، وهل هناك انتكاس في الفطرة والعقل ، أسوأ من هذا !

كان المأمون ملحداً لا دين له

قال المسعودي في مروج الذهب(2/174و:4/227):(ثم أفضى الأمر إلى المأمون فكان في بدء أمره لما غلب عليه الفضل بن سهل وغيره يستعمل النظر في أحكام النجوم وقضاياها،وينقاد الى موجباتها،ويذهب مذاهب من‌سلف من ملوك ساسان كأردشير بن بابك وغيره، واجتهد في قراءة الكتب القديمة، وأمعن في درسها ، وواظب على قراءتها ، فافتن في فهمها ، وبلغ درايتها ، فلما كان من الفضل بن سهل ذي الرياستين ما اشتهر وقدِمَ العراق انصرف عن ذلك كله ، وأظهر القول بالتوحيد والوعد والوعيد، وجالس المتكلمين، وقرب إليه كثيراً من الجدليين المبرزين والمناظرين كأبي الهُذَيل وأبي إسحاق إبراهيم بن سيار النّظَّام وغيرهم ممن وافقهم وخالفهم ، وألزم مجلسه الفقهاء ، وأهل المعرفة من الأدباء ، وأقدمهم من الأمصار ، وأجرى عليهم الأرزاق ، فرغب الناس في صنعة النظر ، وتعلموا البحث والجدَلَ ، ووضع كل فريق منهم كتباً ينصر فيها مذهبه ويؤيد بها قوله ).

وقال في مروج الذهب (3/458): (وأجْلَسَ المعتصم رَجلًا يُشَهِّده لما ثقل فرفع الرجل صوته ليقولها ، فقال له ابن ماسويه:لاتَصِحْ ، فوالله ما يفرق بين ربه وبين ماني).

أي لا يفرق بين الله تعالى وبين رب المجوس الذي تعلمه من الفرس .

أقول: ابن ماسويه طبيبه الخاص بعد بختيشوع ، وهو أخبر بعقيدة المأمون !

وفي رجال الكشي(2/792): (عن معمر بن خلاد ، قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: إن العباسي زنديق ، وكان أبوه زنديقاً ) .

أقول: فسروها بالراوي هشام بن إبراهيم بن هشام الذي لقب بالعباسي لأنه كان مؤدب العباس بن المأمون ، ولا يصح ذلك فلا يقال فلان زنديق وكان أبوه زنديقاً إلا لمن كان أبوه معروفاً له تاريخ كهارون ، أما أبو هشام فلم يذكره أحد ! ولا قرينة على أن المقصود به هشام بن إبراهيم ، فيحمل على المفهوم منه عرفاً .

ومما يؤيد إلحاد المأمون أنه لم يحج في كل خلافته أبداً ! وزعم الذهبي أنه حج ، ولا يصح ، فلو كان لبان !

 

هدف المأمون الاستراتيجي: خلافة عباسية بثقافة شيعية !

تقوم نظرية المأمون على المبادئ التالية:

المبدأ الأول: أن الخلافة لبني عباس بقاعدة الغلبة ، وبقاعدة الملك عقيم ولو نازعتني فيه لأخذت الذي فيه عيناك ، فقد تعلمها من أبيه هارون ، وكان يرددها ، وبالفعل لما نازعه أخوه الأمين أخذ رأسه !

المبدأ الثاني: سمع من أبيه أن العلم الصحيح عند آل علي عليهم السلام ، فرسخت في نفسه ، ثم لمس ذلك بنفسه ، وقد استحقوا ذلك لأنهم أبناء الرسول صلى الله عليه وآله من فاطمة عليها السلام فكان يقول: علي وأبناؤه خلوٌ من الناس، أي فوق الناس العاديين فلاتقيسوهم بالناس فهم نوع آخر ، صغيرهم كبير ، وعندهم (العلم الصحيح) أي علم النبي صلى الله عليه وآله وعلم الكتاب ، وعلمهم إلهامٌ من الله تعالى لا يحتاجون الى معلم ، فيجب إكرامهم والإستفادة من علمهم ، كما يستفاد من علم المنجمين النابغين !

المبدأ الثالث: خلافة النبي صلى الله عليه وآله حق شرعي لعلي وأولاده ، لكن الملك عقيم ، وقد أخذها بنو العباس فصارت لهم ، وقد خافوا من أئمة العترة عليهم السلام من أولاد علي وآل أبي طالب كما يسمونهم ، فاضطهدوهم وأفقروهم وقتلوهم حتى تشردوا في البلاد ، فتتبعوهم وتفننوا في تقتيلهم بما تقشعر له الأبدان !

وهنا يكمن خطأ العباسيين برأي المأمون ، فقد خسروا بذلك علم بني علي وقطعوا أرحامهم ! فالصحيح أن يبروهم ويكرموهم ويحتووهم !

ولذلك أوصى بأن لايقتل الثائرون من العلويين وأن يقبضوا عليهم ويرسلوهم له ، فكان يستقبلهم ويعفو عنهم ويكرمهم .

ومنهم محمد بن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، واثنان من إخوة الإمام الرضا عليه السلام .

وقد اتخذ محمد بن جعفر جليساً وقال: (هذه رحم مجفوة منذ مائتي سنة ، وقضى دينه، وكان عليه نحواً من ثلاثين ألف دينار).(مقاتل الطالبيين:1/441).

ومازح المأمون زيد أخ الإمام الرضا عليه السلام وكان يسمى زيد النار لأنه أحرق دور العباسيين في البصرة ونخيلهم .

قال في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/258): (لما جئ بزيد بن موسى أخي الرضا عليه السلام إلى المأمون وقد خرج بالبصرة وأحرق دور العباسيين وذلك في سنة تسع وتسعين ومأة فسمي زيد النار! قال له المأمون: يا زيد خرجت بالبصرة وتركت أن تبدأ بدور أعدائنا بني أمية وثقيف وعدي وبأهله وآل زياد ، وقصدت دور بني عمك ؟ قال: وكان مزاحاً أخطأت يا أمير المؤمنين من كل جهة ، وإن عدت بدأت بأعدائنا ! فضحك المأمون وبعث به إلى أخيه الرضا عليه السلام وقال: قد وهبت جرمه لك فلما جاؤوا به عنفه عليه السلام وخلى سبيله ، وحلف أن لا يكلمه أبداً ما عاش ).

المبدأ الرابع: إذا أحب المسلمون أولاد علي عليه السلام وصار قسم منهم شيعة لهم ، فلا مانع منه برأي المأمون بشرط أن يحفظوا حق الخلافة لبني عباس، لكن إذا وصل ذلك الى درجة الإفتتان به ، وخيف منه على الخليفة فله الحق بأن يقتله لكن بطريقة ناعمة يحفظ بها علاقته مع ابنه وبقية آل علي! بل يجب الجلوس في عزائه والبكاء عليه قبل الباكين وأن يتقبل تعازي الناس به لأنه ابن عمه . ثم يواصل سياسة الإكرام والإحترام والنعومة مع ابنه الإمام بعده !

وهكذا فعل هو مع الإمام الرضا عليه السلام وابنه محمد الجواد عليه السلام .

المبدأ الخامس: أصل هذا المنهج تعظيم علي بن أبي طالب ، وإظهار مناقبه وفضائله ، وتعريف المسلمين بموقعه في الإسلام ، وفي المقابل سوء الذين عزلوه وأبعدوه وحاربوه ، وفضحهم والبراءة منهم !

ولتحقيق ذلك اهتم المأمون بعقد المجالس وكان يجمع الفقهاء والمتكلمين .

روى ابن عبد ربه في العقد الفريد قال (2/240): (احتجاج المأمون على الفقهاء في فضل علي.. قال يحيى بن أكثم قاضي القضاة: إن أميرَ المؤمنين أمرني أن أحضر معي غداً مع الفجر أربعين رجلاً كلهم فقيه ، يَفْقَه ما يُقال له ويُحسن الجواب ، فسمُّوا من تَظنونه يَصلُح لما يطلبُ أمير المؤمنين...

فغدونا عليه قبلَ طلوع الفجر ، فوجدناه قد لبس ثيابَه وهو جالس ينتظرنا ، فرد السلام وأمرنا بالجلوس فلما استقر بنا المجلسُ تحدر عن فراشه ونَزع عمامته وطيلسانه ووضع قَلنسوته ، ثم أقبل علينا فقال:إنما فعلتُ ما رأيتم لتفعلوا مثلَ ذلك.. قال: إنما بعثتُ إليكم معشَر القوم في المُناظرة ..

فقال يحيى بن أكثم: أحببتُ أن أًنبئكم أن أمير المؤمنين أراد مُناظرتكم في مَذهبه الذي هو عليه ، ودينه الذي يَدين الله به .

قلنا: فليَفعل أمير المؤمنين وفقه الله . فقال: إن أمير المؤمنين يَدين الله على أن عليّ بن أبي طالب خيرُ خلق الله بعد رسوله صلى الله عليه وآله وأولى الناس بالخلافة ..).

في حديث اللوح القدسي: المأمون عفريت مستكبر

حديث اللوح: حديث قدسي رويناه بأسانيد صحيحة ، منها عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، أنه لوح من الزمرد جاء به جبرئيل الى النبي صلى الله عليه وآله ليعطيه الى فاطمة عليها السلام فيه أسماء أبنائها الأئمة عليهم السلام ، وذلك لما ولد الحسين عليه السلام .

قال الإمام الصادق عليه السلام كما في الكافي (1/527) بسند صحيح: (قال أبي لجابر بن عبد الله الأنصاري إن لي إليك حاجة فمتى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها ، فقال له جابر: أي الأوقات أحببته فخلا به في بعض الأيام فقال له: يا جابر أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وما أخبرتك به أمي أنه في ذلك اللوح مكتوب ؟

فقال جابر: أشهد بالله أني دخلت على أمك فاطمة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله فهنيتها بولادة الحسين ، ورأيت في يديها لوحاً أخضر ، ظننت أنه من زمرد ، ورأيت فيه كتاباً أبيض شبه لون الشمس، فقلت لها: بأبي وأمي يا بنت رسول الله ما هذا اللوح؟ فقالت: هذا لوح أهداه الله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فيه إسم أبي وإسم بعلي وإسم ابني وإسم الأوصياء من ولدي ، وأعطانيه أبي ليبشرني بذلك ، قال جابر فأعطتنيه أمك فاطمة عليها السلام فقرأته واستنسخته ، فقال له أبي: فهل لك يا جابر: أن تعرضه عليَّ؟ قال: نعم ، فمشى معه أبي إلى منزل جابر فأخرج صحيفة من رق فقال: يا جابر أنظر في كتابك لأقرأ أنا عليك ، فنظر جابر في نسخته فقرأه أبي فما خالف حرف حرفاً ، فقال جابر: فأشهد بالله أني هكذا رأيته في اللوح مكتوباً:

(بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمد نبيه ونوره وسفيره وحجابه ودليله ، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين ، عظِّم يا محمد أسمائي ، واشكر نعمائي ، ولا تجحد آلائي ، إني أنا الله لا إله إلا أنا قاصم الجبارين ، ومديل المظلومين ، وديان الدين ، إني أنا الله لا إله إلا أنا ، فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين . فإياي فاعبد ، وعليَّ فتوكل . إني لم أبعث نبياً فكملت أيامه وانقضت مدته ، إلا جعلت له وصياً ، وإني فضلتك على الأنبياء ، وفضلت وصيك على الأوصياء ، وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسن وحسين، فجعلت حسناً معدن علمي بعد انقضاء مدة أبيه ، وجعلت حسيناً خازن وحيي ، وأكرمته بالشهادة وختمت له بالسعادة ، فهو أفضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة ، جعلت كلمتي التامة معه ، وحجتي البالغة عنده ، بعترته أثيب وأعاقب ، أولهم علي سيد العابدين وزين أوليائي الماضين ، وابنه شبه جده المحمود محمد الباقر علمي ، والمعدن لحكمتي.

سيهلك المرتابون في جعفر ، الراد عليه كالراد عليَّ ، حق القول مني لأكرمن مثوى جعفر ، ولأسرِّنَّه في أشياعه وأنصاره وأوليائه .

انتجبت بعده موسى ، وأتيحت بعده فتنة عمياء حندس لأن خيط فرضي لا ينقطع ، وحجتي لا تخفى، وإن أوليائي يسقون بالكأس الأوفى ، من جحد واحداً منهم فقد جحد نعمتي ، ومن غير آية من كتابي فقد افترى عليَّ.

ويل للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدة موسى عبدي وحبيبي وخيرتي في علي وليي وناصري ، ومن أضع عليه أعباء النبوة ، وأمتحنه بالإضطلاع بها ، يقتله عفريت مستكبر ، يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح ، إلى جنب شر خلقي .

حق القول مني لأسرنه بمحمد ابنه وخليفته من بعده ، ووارث علمه ، فهو معدن علمي، وموضع سري ، وحجتي على خلقي، لايؤمن عبد به إلا جعلت الجنة مثواه وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجبوا النار .

وأختم بالسعادة لابنه علي وليي وناصري والشاهد في خلقي وأميني علي وحيي، أخرج منه الداعي إلى سبيلي والخازن لعلمي الحسن ، وأكمل ذلك بابنه محمد رحمة للعالمين ، عليه كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيوب ، فيذل أوليائي في زمانه، وتُتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم فيقتلون ويحرقون، ويكونون خائفين مرعوبين وجلين ، تصبغ الأرض بدمائهم ،ويفشو الويل والرنة في نسائهم ، أولئك أوليائي حقاً، بهم أدفع كل فتنة عمياء حندس ، وبهم أكشف الزلازل وأدفع الآصار والأغلال. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) .

أقول: معنى قوله عز وجل في هذا الحديث القدسي:فيذل أوليائي في زمانه وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم ، فيقتلون ويحرقون ، ويكونون خائفين مرعوبين وجلين ، تصبغ الأرض بدمائهم، ويفشو الويل والرنة في نسائهم: أن الخلفاء وأتباعهم بظلمهم واضطهادهم يتهادون رؤوس أولياء الله الشيعة ، كما يضطهدون الترك والديلم ويتهادون رؤوسهم . وليس في ذلك إعطاء مشروعية لقتل الترك والديلم ، بل فيه بيان أن إذلال أولياء الله واضطهادهم في غيبة إمامهم كإذلال الشعوب الضعيفة المستعمرة باسم الفتح واضطهادهم ! وهذا ما رأيناه في تاريخ الشيعة حرفاً بحرف !

مات المأمون غريباً ذليلاً !

في صبح الأعشى (14/414): ( فلما دخل المأمون بلاد الروم ونزل على نهر البرذون وكان الزمان حراً ، والفصل صيفاً ، قعد على النهر ودلَّى رجليه فيه وشرب ماءه ، فاستعذبه واستبرده واستطابه ، وقال لمن كان معه: ما أطيب ما شرب عليه هذا الماء؟ فقال كل رجل برأيه ، فقال هو: أطيب ما شرب عليه هذا الماء رطب إزاز ، فقالوا له: يعيش أمير المؤمنين حتى يأتي العراق ويأكل من رطبها الإزاز ، فما استتموا كلامهم حتى أقبلت بغال البريد تحمل ألطافاً فيها رطب إزاز ، فأتي المأمون بها فأكل منها وأمعن وشرب من ذلك الماء ، فكثر تعجب الحاضرين منه لسعادته في أنه لم يقم من مقامه حتى بلغ أمنيته ، على ما كان يظن من تعذرها ، فلم يقم المأمون من مقامه حتى حُمَّ حُمى حادة كانت فيها منيته ).

وفي مروج الذهب(2/55):(فلم ينثن عن غزاته، حتى فتح خمسة عشرحصناً. وانصرف من غزاته فنزل على عين البديدون ، المعروفة بالقشيرة فأقام هنالك حتى ترجع رسله من الحصون ، فوقف على العين ومنبع الماء ، فأعجبه برد مائها وصفاؤه وبياضه وطيب حسن الموضع وكثرة الخضرة ، فأمر بقطع خشب طوال وأمر به فبسط على العين كالجسر، وجعل فوقه كالأزج من الخشب وورق الشجر، وجلس تحت الكنيسة التي قد عقدت له والماء تحته ، وطرح في الماء درهم صحيح فقرأ كتابته وهو في قرار الماء لصفاء الماء ، ولم يقدر أحد يدخل يده في الماء من شدة برده ، فبينما هو كذلك إذ لاحت سمكة نحو الذراع كأنها سبيكة فضة ، فجعل لمن يخرجها سبقاً ، فبحر بعض الفراشين فأخذها وصعد ، فلما صارت على حرف العين أو على الخشب الذي عليه المأمون اضطربت وأفلتت من يد الفراش فوقعت في الماء كالحجر فنضح من الماء على صدر المأمون ونحره وترقوته فبلت ثوبه ، ثم انحدر الفراش ثانية فأخذها ووضعها بين يدي المأمون في منديل تضطرب ، فقال المأمون: تقلى الساعة ، ثم أخذته رعدة من ساعته، فلم يقدر يتحرك من مكانه، فغطى باللحف والدواويج، وهو يرتعد كالسعفة ويصيح: البرد البرد ، ثم حول إلى المضرب ودثر وأوقدت النيران حوله ، وهو يصيح: البرد البرد ، ثم أتى بالسمكة وقد فرغ من قلبها فلم يقدر على الذوق منها ، وشغله ما هو فيه عن تناول شيئ منها ، ولما اشتد به الأمر سأل المعتصم بختيشوع وابن ماسويه في ذلك الوقت عن المأمون وهو في سكرات الموت ، وما الذي يدل عليه علم الطب من أمره ، وهل يمكن برؤه وشفاؤه ؟ فتقدم ابن ماسويه فأخذ إحدى يديه وبختيشوع الأخرى وأخذا المجسة من كلتا يديه ، فوجدا نبضه خارجاً عن الإعتدال، منذراً بالفناء والإنحلال ، والتزقت أيديهما ببشرته لعرق كان يظهر منه من سائر جسمه كالزيت ، أو كلعاب بعض الأفاعي ، فأخبر المعتصم بذلك فسألهما عن ذلك فأنكرا معرفته ، وأنهما لم يجدا في شيئ من الكتب ، وأنه دال على انحلال الجسد .

فلما ثقل قال: أخرجوني أشرف على عسكري وأنظر إلى رجالي وأتبين ملكي وذلك في الليل، فأخرج فأشرف على الخيم والجيش وانتشاره وكثرته وما قد أوقد من النيران، فقال: يا من لا يزول ملكه إرحم من قد زال ملكه ، ثم رد إلى مرقده وأجلس المعتصم رجلاً يُشَهِّدُه لما ثقل ، فرفع الرجل صوته ليقولها فقال له ابن ماسوية: لا تَصِحْ فوالله ما يفرق بين ربه وبين ماني في هذا الوقت ففتح المأمون عينيه من ساعته ، وبهما من العظم والكبر الإحمرار ما لم ير مثله قط ، وأقبل يحاول البطش بيديه بابن ماسوية ورام مخاطبته فعجز عن ذلك ! فرمى بطرفه نحو السماء وقد امتلأت عيناه دموعاً فانطلق لسانه من ساعته وقال: يا من لا يموت إرحم من يموت ، وقضى من ساعته ، وذلك في يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين ، وحمل إلى طرطوس فدفن بها ).

وفي مروج الذهب (3/416):( فدفن بها على يسار المسجد ، سنة ثماني عشرة ومائتين ، وهو ابن تسع وأربعين سنة ، فكانت خلافته إحدى وعشرين سنة منها أربعة عشر شهراً كان يحارب أخاه محمداً بن زُبيْدَة، وكان أهل خُراسان في تلك الحروب يسلِّمون عليه بالخلافة ، ويُدْعَى له على المنابر في الأمصار والحرمين والكور والسهل والجبل مما حواه طاهر وغَلبَ عليه، ويسلِّم على محمدٍ بالخلافة من كان ببغداد خاصة ).

أقول: ولد المأمون في ربيع الأول سنة 170 هـ وتوفي رجب سنة 218 هـ . وكان قوي البدن سليماً ، فلا نشك أنه سقي السم ، من المعتصم ، تدل على ذلك أوصاف مرضه وأن أطباءه لم يعرفوا نوع المرض الغريب ، وهم جهابذة الطب !

ويدل على ذلك العلاقة الحميمة القديمة بين‌قاضي القضاة الداهية ابن‌أبي دؤاد وبين المعتصم، وبعد قتل المعتصم أخاه المأمون رجع الى بغداد أجبر العباس بن المأمون على بيعته ، وقمع المعترضين من وزراء وقادة جيش !

ثم أخذ المعتصم العباس معه الى غزوة عمورية وقتله في طريق عودته بحجة أنه كشف مؤامرته لقتل المعتصم واستعادة الخلافة !

وقد وصفوا العباس بن المأمون بأنه كان أبيض جميل الوجه ، لكنه ضعيف بليد !

أحمد بن أبي دؤاد عراب بيعة المعتصم عزل ابن المأمون

العجيب أن المأمون كان يعرف دهاء ابن أبي دؤاد وعلاقته الخاصة بالمعتصم ولم يتخذ تدبيراً للك رغم أن يحيى بن أكثم كان يحذره من مؤامرة عليه من المعتصم وعلى ابنه العباس !

قال الدينوري في الأخبار الطوال/401: (فلما مات على نهر البذندون جمع أخوه أبو إسحاق محمد بن هارون المعتصم بالله إليه وجوه القواد والأجناد ، فدعاهم إلى بيعته فبايعوه. فسار من طرسوس حتى وافى مدينة السلام ، فدخلها ، وخلع العباس بن المأمون عنها ، وغلبه عليها ، وبايعه الناس بها ).

في تاريخ اليعقوبي 2 / 465 »: « وشى يحيى بن أكثم بالمعتصم إلى المأمون ، وقال له: إنه بلغني أنه يحاول الخلع ، فوجه إليه يأمره بالقدوم ).

ولم تنفع احتياطات المأمون ، فغلب بعده أخوه المعتصم على ابنه الضعيف العباس وأخذ منه الخلافة وقتله ، وكان أول ما فعله المعتصم أن عزل يحيى بن أكثم ونصب بدله صديقه ابن أبي دؤاد ، ونقل الخلافة من أولاد المأمون إلى أولاده فتولاها ابنه الواثق ، ثم أخوه المتوكل !

قال ابن خلكان في وفيات الأعيان ( 1 / 85): « ولما ولي المعتصم الخلافة جعل ابن أبي دؤاد قاضي القضاة ، وعزل يحيى بن أكثم » .

وابن أكثم ولي نعمة ابن أبي دؤاد ، فهو الذي اختاره وجاء به من البصرة الى بغداد ، وعرفه على المأمون ، ولكن السياسة لا وفاء فيها! فقد فاق ابن أكثم وتسلط على المأمون ، ثم دبر الخلافة للمعتصم وقتل ابن المأمون ، ثم دبرها للواثق وبعده للمتوكل . وحكم ابن أبي دؤاد نحو عشرين سنة ، في خلافة المعتصم والواثق وقسم من خلافة المتوكل ، ثم غضب عليه المتوكل فعزله وأعاد خصمه ابن أكثم ، وأيد ذلك أحمد بن حنبل لأن ابن أكثم وافقه بالقول بعدم خلق القرآن!

ومات العباس بن المأمون غريباً ذليلاً !

كتبنا في سيرة الإمام الجواد عليه السلام /136: لعل أدق نص في غزوة عمورية ، ما كتبه المؤرخ الثبت ابن واضح اليعقوبي، قال في تاريخه (2/475 ): (ودخلت الروم زبطرة سنة 223 ، فقتلوا وأسروا كل من فيها وأخرجوهم ، فلما انتهى الخبر إلى المعتصم قام من مجلسه نافراً ، حتى جلس على الأرض وندب الناس للخروج ووضع العطاء ، وعسكر من يومه بموضع يعرف بالعيون من غربي دجلة ، وقدم أشناس التركي على مقدمته ، وخرج يوم الخميس لست خلون من جمادى الأولى سنة 223 ، ودخل أرض الروم فقصد أرض عمورية ، وكانت من أعظم مدائنهم ، وأكثرها عدة ورجالاً فحاصرها حصاراً شديداً. وبلغ طاغية الروم فزحف في خلق عظيم ، فلما دنا وجه المعتصم بالأفشين في جيش عظيم ، فلقي الطاغية وأوقع به وهزمه ، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة ، فأوفد طاغية الروم من قبله وفداً إلى المعتصم يقول: إن الذين فعلوا بزبطرة ما فعلوا تعدوا أمري وأنا أبنيها بمالي ورجالي، وأرد من أخذ من أهلها ، وأخلي جملة من في بلد الروم من الأسارى ، وأبعث إليك بالقوم الذين فعلوا بزبطرة على رقاب البطارقة .

وفتحت عمورية يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة 223 فقتل وسبى جميع من فيها ، وأخذ ياطس خال ملك الروم ، وأخرب وأحرق كل ما اجتاز به من بلادهم ) .

أقول: قد استغل جماعةالعباس بن المأمون طريق سفر المعتصم ، وكان يقود المؤامرة عجيف فتآمر مع عدد من القادة أن يقتلوا المعتصم ويعيدوا الخلافة الى العباس ولي العهد الشرعي .

قال اليعقوبي ( 2 / 475): (انصرف المعتصم فلما صار بأذنة ( أضنة الحالية ) حبس العباس ابن المأمون ، لما كان بلغه من المعصية والخلاف واجتماع من اجتمع إليه من القواد ، ووجد له مائة ألف وستة عشر ألف دينار،فأمر أن تفرق على الجند ويؤمروا أن يلعنوه. فأحصُوا فوُجدوا ثمانين ألف مرتزق فدفع إليهم دينارين دينارين وتمم ذلك المعتصم من عنده ، ودفع العباس إلى الأفشين مقيداً ليسيره ، فلما صار بحبد رأس توفي ، وقيل إن الأفشين أطعمه طعاماً كثير الملح في يوم شديد الحر ، ومنعه الماء فحمل إلى منبج فدفن بها . وسخط المعتصم على عجيف ابن عنبسة لأنه كان سبب معصيته ، وحمله من أذنة ( أضنة ) في الحديد الثقيل في فيه لبود قد خيطت عليه وفي عنقه غل عظيم، فلما صار بموضع يقال له باعيناثا على مرحلة من نصيبين ، مات ودفن بها ، وسأل ابنه صالح بن عجيف أن لا ينسب إليه ، وأن يدعى صالحاً المعتصمي ولعنه وبرئ منه)!

وفي الكامل لابن الأثير ( 6/492 ):(وأحضر المعتصم العباس بن المأمون وسقاه حتى سكر ، وحلفه أنه لا يكتمه من أمره شيئاً ، فشرح له أمره كله مثلما شرح الحارث فأخذه وقيده وسلمه إلى الأفشين فحبسه عنده .وتتبع المعتصم أولئك القواد وكانوا يحملون في الطريق على بغال بأكف بلا وطاء. وأخذ أيضاً الشاه بن سهل وهو من أهل خراسان فقال له المعتصم: يا ابن الزانية أحسنت إليك فلم تشكر . فقال: ابن الزانية هذا وأومأ إلى العباس وكان حاضراً ، لو تركني ما كنت الساعة تقدرأن تجلس هذا المجلس وتقول هذا الكلام ! فأمر به فضربت عنقه وهو أول من قتل منهم ).

أقول: الشاه بن سهل من أبناء ملوك الفرس وأحد قادة المعتصم ، وطبيعي أن يكون من المتعصبين للمأمون وابنه العباس ، لأنه من خؤولتهما !

وكلامه صحيح فإن سبب انكشاف أمرهم وقبض المعتصم عليهم ، تأخير العباس ساعة الصفر مرات بسبب ضعفه وتردده !

أفاق المعتصم من خمره فانتصر لعمورية !

أما المعتصم وانتصاره لعمورية ، فقد رحم الله المسلمين وأفاق من خمره وتحركت حميته فذهب إلى دفع الروم وكان جيش المسلمين قوياً أضعاف جيش الروم ، وكانت دولة الروم في مرحلة ضعف لاختلافهم ، وكان المعتصم يجلس بعيداً عن المعركة ويبعث جيشه ، فنصرهم الله تعالى .

ثم لم يقبل المعتصم من عدوه الإعتذار ولا الصلح ، وقتل وأحرق الحصون والقرى والدور والأشجار والحيوانات ، بل أحرق الناس !

روى الطبري(7 /272 )كيف أحرق المعتصم الأسرى فقال: (ثم أقبل الناس بالأسرى والسبي من كل وجه ، حتى امتلأ العسكر ، فأمر المعتصم بسيل الترجمان أن يميز الأسرى ، فيعزل منهم أهل الشرف والقدر من الروم في ناحية ، ويعزل الباقين في ناحية ، ففعل ذلك بسيل . ثم أمر المعتصم فوكل بالمقاسم قواده ، ووكل أشناس بما يخرج من ناحيته وأمره أن ينادي عليه ، ووكل الأفشين بما يخرج من ناحيته وأمره أن ينادي ويبيع . وأمر إيتاخ بناحيته مثل ذلك ، وجعفر الخياط بمثل ذلك في ناحيته ، ووكل مع كل قائد من هؤلاء رجلاً من قبل أحمد بن أبي دؤاد ، يحصى عليه . فبيعت المقاسم في خمسة أيام ، بيع منها ما استباع ، وأمر بالباقي فضرب بالنار!

وارتحل المعتصم منصرفاً إلى أرض طرسوس..فلما كان من الغد أمر ألا ينادى على السبي إلا ثلاثة أصوات ليتروج البيع ، فمن زاد بعد ثلاثة أصوات ، وإلا بيع العلق فكان يفعل ذلك في اليوم الخامس ، فكان ينادى على الرقيق خمسة خمسة وعشرة عشرة ، والمتاع الكثير جملة واحدة .

وفي رواية: وانصرف المعتصم يريد الثغور ، وذلك أنه بلغه أن ملك الروم يريد الخروج في أثره أو يريد التعبث بالعسكر ، فمضى في طريق الجادة مرحلة ، ثم رجع إلى عمورية وأمر الناس بالرجوع ، ثم عدل عن طريق الجادة إلى طريق وادى الجور ، ففرق الأسرى على القواد ودفع إلى كل قائد من القواد طائفة منهم يحفظهم ، ففرقهم القواد على أصحابهم ، فساروا في طريق نحوا من أربعين ميلاً ليس فيه ماء ، فكان كل من امتنع من الأسرى أن يمشى معهم لشدة العطش الذي أصابهم ضربوا عنقه! فدخل الناس في البرية في طريق وادى الجور ، فأصابهم العطش فتساقط الناس والدواب ، وقتل بعض الأسرى بعض الجند وهرب ، وكان المعتصم قد تقدم العسكر فاستقبل الناس ومعه الماء قدحمله من الموضع الذي نزله ، وهلك الناس في هذا الوادي من العطش، وقال الناس للمعتصم:إن هؤلاء الأسرى قد قتلوا بعض جندنا، فأمر عند ذلك بسيل الرومي بتمييز من له القدر منهم ، فعزلوا ناحية ثم أمر بالباقين فأصعدوا إلى الجبال وأنزلوا إلى الأودية فضربت أعناقهم جميعاً ، وهم مقدار ستة آلاف رجل قتلوا في موضعين بوادي الجور وموضع آخر ، ورحل المعتصم من ذلك الموضع حتى دخل طرسوس ) .

معناه: أن من يدعي أنه خليفة النبي صلى الله عليه وآله وكَّل قادة جيشه بأن يبيعوا أسراهم لمن أراد الشراء من الجيش ، وكان مندوب قاضي القضاة حاضراًيحصي البيع فيأخذ سهم الخليفة ، ويعطي للقائد سهمه، فاشترى الجيش قسماً من الأسرى وبقي قسم لا يوجد له مشتر . فأمر أن يضربوهم بالنار ، أي يحرقوهم ! أو يضربوا أعناقهم !

وهكذا كان الخليفة وقاضي القضاة وهم أتقى الأتقياء ، ينفذون حكم الإسلام ، في قوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا !

وفي تاريخ أبي الفداء (2/34):(بلغ المعتصم أن العباس بن المأمون قد بايعه جماعة من القواد وهو يريد أن يثب عليه ويأخذ الخلافة منه فدعا المعتصم بالعباس بن المأمون وأمسكه وسلمه إِلى الأفشين خيذر فلما وصل إِلى منبج طلب العباس الطعام فأكل ومُنع الماء حتى مات بمنبج فصلى عليه بعض إخوته ).

وفي النهاية لابن كثير(10/317): (مات العباس بن المأمون بمنبج فدفن هناك ، وكان سبب موته أنه أجاعه جوعاً شديداً ، ثم جئ بأكل كثير فأكل منه وطلب الماء فمنع حتى مات ، وأمر المعتصم بلعنه على المنبر ، وسماه اللعين . وقتل جماعة من ولد المأمون أيضاً ) .

قول: وطرد المعتصم عائلة المأمون من قصور الخلافة فسكنوا في أحياء بغداد الفقيرة ، ومنهم أم الفضل زوجة الإمام الجواد عليه السلام وأخوها جعفر ، فقد كانت أكثر وقتها في بغداد ، وكانت لصيقة بأخيها جعفر في حفلات القصور. ولما أراد المعتصم قتل الإمام الجواد عليه السلام أحضرها ووعدها بإرجاعها الى القصور وإعادة امتيازاتها إن قتلته فارتكبت جريمة سمه ، لكن لم تتهنأ ، فقد مرضت وهلكت !

 

 

الفصل الثاني

خلافة الأمين بعد هلاك هارون

كان هارون يتفقد شرقي مملكته

كان هارون في أوج عمره (ابن 42 سنة) وأوج سلطانه على رغم الثورات التي يقوم بها العلويون أو حكام الأطراف، فذهب لتفقد شمال إيران ثم خراسان .

في النجوم الزاهرة(1/143): (سنة ثلاث وتسعين ومائة وافى الرشيد جرجان فأتته بها خزائن على بن عيسى على ألف وخمس مائة بعير. ثم رحل منها فى صفر وهو عليل إلى طوس ، فلم يزل بها إلى أن مات ، في ثالث جمادى الآخرة ).

أقول: علي بن عيسى بن ماهان من غلمان المهدي والد هارون ، وقد اعتمد عليه هارون وأطلق يده في حكم إيران، وكان ظالماً قاسياً ظلم وطغى فشكاه الناس وخاف منه هارون ، فأرسل له جيشاً بقيادة هرثمة بن أعين ومعه كتاب عزله ، فعزله وصادره وأذله وبعثه الى هارون على بعير بغير وطاء ! ووصلت خزائنه الى هارون وهو في شمال إيران . وحمل 1500 بعير تشمل المال والثياب الخاصة وما يقتنيه الملوك .

وصحب هارون معه ابنه المأمون ليوليه على خراسان ، ولما وصل إلى نوقان في طوس وتسمى اليوم شريف آباد ، اشتد مرضه وبقي أياماً وهلك .

الحالة الصحية لهارون

كان الخطر الصحي على هارون من كثرة أكله وشربه الخمر. وقد بلغ به الأمر في الرقة أن أغمي عليه بسبب نهمه ! قال طبيبه الخاص جبريل بن يخشوع(الفرج بعد الشدة للتنوخي:2/325): (كنت مع الرشيد بالرقة ، ومعه المأمون ومحمد ، وكان رجلاً كثير الأكل والشرب ، فأكل في بعض الأيام أشياء خلط فيها ، ودخل المستراح فغشيَ عيله وقوي عليه الغشْي حتى لم يشك غلمانه أنه قد مات ، وحضرابناه وشاع عند العامة والخاصة خبره ، فأرسل إليَّ فحضرت وجسست عرقه فوجدت نبضاً خفيفاً وقد كان قبل ذلك بأيام يشتكي امتلاء وحركة الدم ، فقلت لهم: لم يمت والصواب أن يحجم الساعة . فقال كوثر: لما يعرف من أمر الخلافة وإفضائها إلى صاحبه محمد: يا ابن الفاعلة تقول إحجموا رجلاً ميتاً ! لا يقبل قولك ولا كرامة . فقال المأمون: الأمر قد وقع وليس يضر بأن نحجمه فأحضر ، وتقدمت إلى جماعة من غلمانه بإمساكه ففعلوا وأقعد ، فقلت للحجام: ضع محاجمك ففعل فلما مصها رأيت الموضع قد أحمر فطابت نفسي بذلك أنه حي! ثم قلت: أشرط ، فشرط فخرج الدم فسجدت شكراً لله عزّ وجلّ ، وكلما خرج الدم يحرك رأسه ويصفر لونه إلى أن تكلم فقال:أين أنا؟ فطيبت نفسه وغذيناه صدر دارج، وسقيناه نبيذاً وما زلت أسعطه بالطيب في أنفه حتى تراجعت إليه قوته ، وأدخل الخاصة والقواد إليه فسلموا عليه من بعد لما كان قد شاع من خبره ، ثم تكاملت قوته، ووهب الله له العافية .

فلما خرج من علته دعا بصاحب حرسه وصاحب شرطته وحاجبه ، فسأل صاحب الحرس عن غلته في كل سنة فعرف أنها ألف ألف درهم ، وسأل صاحب شرطته عن غلته فعرف أنها خمس مائة ألف درهم . ثم قال لي يا جبرئيل: كم غلتك؟ فقلت: خمسين ألف درهم . فقال: ما أنصفناك حيث غلات هؤلاء وهم يحرسوني ويحجبوني عن الناس على ما هي عليه وتكون غلتك ما ذكرت ، وأمر باقطاعي ما قيمته ألف ألف درهم فقلت: ياسيدي مالي حاجة إلى الإقطاع ولكن تهب لي ما أشترى الضياع بها ففعل ، وتقدم بمعاونتي على ابتياعها ، فابتعت بهباته وصلاته ضياعاً غلتها ألف ألف درهم ، فجميع ما امتلكته ضياعاً لا إقطاع فيها ) .

خرجت في بطن هارون غدة فكان أولاده يراقبونها !

في الطبري(6/534) وغيره من المصادر: (ذكر محمد بن الصباح الطبري أن أباه شيع الرشيد إلى النهروان ، فجعل يحادثه في الطريق إلى أن قال: يا صباح ، لا أحسبك تراني بعدها . فقلت: بل يردك الله سالماً. ثم قال: ولا أحسبك تدري ما أجد . فقلت: لا والله فقال: تعالى حتى أريك. وانحرف عن الطريق وأومأ إلى الخواص فتنحوا ثم قال: أمانة الله يا صباح أن تكتم علي . وكشف عن بطنه ، فإذا عصابة حرير حول بطنه ، فقال: هذه علة أكتمها الناس كلهم . ولكل واحد من ولدي علي رقيب ، فمسرور رقيب المأمون ، وجبريل بن بختيشوع رقيب الأمين ونسيت الثالث ، ما منهم أحد إلاوهو يحصي أنفاسي ويعد أيامي ويستطيل دهري . فإن أردت أن تعرف ذلك فالساعة أدعو ببرذون ، فيجيئون به أعجف ليزيد في علتي. ثم دعا ببرذون ، فجاؤوا به كما وصف ، فنظر إليَّ ثم ركبه وقال: إنصرف . ثم ركب حتى بلغ جرجان في صفر سنة 193وقد اشتدت علته . وسار إلى طوس ، واشتد به الوجع )!

وفي الفتوح لابن أعثم (8 /399):(ولما صار الرشيد بطوس دعا العباس بن موسى ، فقال له: يا عباس ! في علمنا المدروس أني أموت بطوس !

قال: وكان في سجنه قوم من الأسارى قد كان بعث بهم هرثمة بن أعين فأمر بهم فأخرجوا من السجن حتى وقفوا بين يديه فقال لهم:أعداء الله! أنتم الذين أزعجتموني عن موضعي وجشمتموني المؤونة والتعب والسفر بخروجكم علي ، والله لأقتلنكم قتلة ما سبقني أحد إليها!

قال: ثم أمر بهم ففصلوا عضواً عضواً حتى آخرهم !).

وروى الطبري (6/535): (عن ابن جامع المروزي عن أبيه قال:كنت فيمن جاء إلى الرشيد بأخ رافع ، قال فدخل عليه وهو على سرير مرتفع عن الأرض بقدر عظم الذراع ، وعليه فرش بقدر ذلك أو قال أكثر ، وفي يده مرآة ينظر إلى وجهه ، قال فسمعته يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ونظر إلى أخ رافع فقال: أما والله يا ابن اللخناء إني لأرجو أن لا يفوتني خامل ، يريد رافعاً ، كما لم تفتني ! فقال له: يا أمير المؤمنين قد كنت لك حرباً وقد أظفرك الله بي فافعل ما يحب الله ، أكن لك سلماً ، ولعل الله أن يلين لك قلب رافع إذا علم أنك قد مننت عليَّ ! فغضب وقال: والله لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة لقلت أقتلوه ! ثم دعا بقصاب فقال: لاتشحذ مداك، أتركها على حالها ! وفَصِّلْ هذا الفاسق وعجل لا يحضرنَّ أجلي وعضوان من أعضائه في جسمه ! ففصله حتى جعله أشلاءً ! فقال: عُدَّ أعضاءه ، فعُددت له أعضاؤه فإذا هي أربعة عشر عضواً ! فرفع يديه إلى السماء فقال: اللهم كما مكنتني من ثأرك وعدوك فبلغت فيه رضاك ، فمكني من أخيه ! ثم أغمي عليه وتفرق من حضره !).

وفي مروج الذهب (2/11): (واشتد ضعفه وأرجف الناس بموته ، فدعا بحمار ليركبه، فلما صار عليه سقطت فخذاه فلم يثبت على السرج، فقال: إنزلوني صدق المرجفون، ثم دعا بأكفان فاختار منها ما أراد ، وأمر بحفر قبر فلما اطلع فيه قال: ما أغنى عني ماليه ، هلك عني سلطانيه)!

أقول: تأمل في قيادة أزهى العصور الإسلامية:

كيف تقتل الأم خيزران ابنها ، وتولي الآخر المطيع لها !

وكيف يسلم هارون اللارشيد الدولة الى (أخيه) البرمكي لينصرف هو الى لذاته !

وكيف كان أبناء الخليفة يبغضون أباهم ويتمنون موته ويضعون مراقبين على الغدة السرطانية في بطنه ، وينتظرون البشارة بموته !

وكيف يتلذذ خليفة المسلمين اللارشيد بتقطيع أوصال مساجين قادة ثاروا عليه ! وكيف يقتل (ويفصل) جثامينهم وجثمان أخ رافع بن خديج الأنصاري الذي خرج عليه في خراسان ، لمجرد أنه أخ رافع ! وقد حلف له بأعظم الأيمان أنه من عشرين سنة معتزل أخاه رافعاً ومعتزل كل الناس ، ومنصرف الى العبادة في المسجد ، وأن الناس يشهدون له بذلك فلم تنفعه شهادة الشهود !

وكيف هدد طبيبه الخاص ووزير الصحة في الخلفة بختيشوع بتفصيل أعضائه !

ثم انظر كيف يعترف بظلمه ويقول عن نفسه: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ. هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ فرشح نفسه لبقية الآيات:خُذُوهُ فَغُلُّوهُ . ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ. ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ. إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ . وَلايَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ.

فهذا هو أزهى العصور ، وهذا هو الجو الذي نشأ فيه المأمون !

اتهم هارون بختيشوع بالخيانة وأراد أن يُفصِّله!

قال السيوطي في تاريخ الخلفاء/321:(قال الصولي: خلف الرشيد مائة ألف ألف دينار ومن الأثاث والجواهر والورق والدواب ما قيمته ألف ألف دينار وخمسة وعشرون ألف دينار .وقال غيره: غلط جبريل بن بختيشوع على الرشيد في علته في علاج عالجه به كان سبب منيته، فهمَّ أن يفصل أعضاءه فقال: أنظرني إلى غد فإنك تصبح في عافية، فمات ذلك اليوم! ولما مات بويع لوالده الأمين في العسكر وهو حينئذ ببغداد ، فأتاه الخبر فصلى الناس الجمعة وخطب ونعى الرشيد إلى الناس وبايعوه . وأخذ رجاء الخادم البرد والقضيب والخاتم ، وسار على البريد في اثني عشر يوماً من مرو حتى قدم بغداد في نصف جمادى الآخرة فدفع ذلك إلى الأمين ).

دفنوه في دار حميد بن قحطبة الطائي عامله على خراسان

في معجم البلدان(4/49): (وطوس أربع مدن: منها اثنتان كبيرتان واثنتان صغيرتان ، وبها آثار أبنية إسلامية جليلة ، وبها دار حميد بن قحطبة ، ومساحتها ميل في مثله ، وفي بعض بساتينها قبر علي بن موسى الرضا وقبر الرشيد ، وبينها وبين نيسابور قصرهائل عظيم محكم البنيان لم أرَ مثله علوَّ جدرانٍ وإحكام بنيان ).

وسيأتي ذكر حميد هذا وتقتيله ستين علوياً بأمر هارون!

وقال المؤرخون: دفن هارون بوصيته في حجرة من الدار. وأمر المأمون ببناء قبة فوق قبره ، فلما مات الرضا عليه السلام أمرالمأمون بدفنه الى جنب أبيه هارون !

تولى الأمين الخلافة فعزل أخاه المأمون عن ولاية العهد

قال الصنعاني في نسمة السحر/305: (وحدث الأصمعي: كان الرشيد لما دنت وفاته عهد إلى أولاده الثلاثة: محمد الأمين وإنما قدمه على صبوة فيه ، لهوى أمه زبيدة بنت جعفر ، وبعده المأمون ، ثم المؤتمن وإسمه القاسم ، وبايع لهم الجند وكتب عهداً بذلك رصعه بالجواهر ، ثم حج وهم معه ، فبايع لهم الناس بالموسم وفرق الأموال ، وعلق العهد على الكعبة ، وأمر السدنة أن يقرؤوه على الناس كل سنة ).

وقال المسعودي في مروج الذهب (2/22): (وبويع محمد بن هارون في اليوم الذي مات فيه هارون الرشيد ، وهو يوم السبت لأربع ليال خلون من جمادي الأولى ، بطوس ، سنة ثلاث وتسعين ومائة ، وتقدم ببيعته رجاء الخادم ، وكان القيم ببيعته الفضل بن الربيع ، وكان محمد يكنى بأبي موسى. وأمه زبيدة ابنة جعفر بن أبي جعفر بالرصافة، وكان مولده بالرصافة. وقتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وستة أشهر وثلاثة عشر يوماً . ودفنت جثته ببغداد وحمل رأسه إلى خراسان . وكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر).

وفي مروج الذهب (4/226): (ولما أفضى الأمر إلى ولدها الأمين قدَّم الخدم وآثرهم ورفع منازلهم ، ككوثر وغيره من خَدَمِه ، فلما رأت أم جعفر شدة شغفه بالخدم واشتغاله بهم اتخذت الجواري المقدودات الحسان الوجوه ، وعممت رؤوسهن ، وجعلت لهن الطُّرَر والأصداغ والأقفية ، وألبستهن الأقبية والقراطق والمناطق ، فماست قدودهن وبرزت أردافهن وبعثت بهن إليه ، فاختلفن في يديه ، فاستحسنهن واجتذبن قلبه إليهن ، وأبرزهن للناس من الخاصة والعامة واتخذ الناس من الخاصة والعامة الجواريَ وألبسوهن الأقبية والمناطق ، وسموهن الغُلاميات. فلما سمع القاهر ذلك الوصف ذهب به الفرح والطرب والسرور ، ونادى بأعلى صوته: يا غلام ، قدَح على وصف الغلاميات ، فبادر اليه جَوارٍ كثيرة قدُّهن واحد ، توهمتهن غلماناً بالقراطق والأقبية والطرر والأقفية ومناطق الذهب والفضة ، فأخذ الكأس بيده ، فأقبَلْتُ أتأمل صفاء جوهر الكأس ونورية الشراب وشعاعه ، وحسن أولئك الجواري والحربة بين يديه ، وأسرع في شربه ، فقال: هيه ).

وفي تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف(3/73): (وقد أشاع هؤلاء المجان والخلعاء آفة مزرية هي آفة التعلق بالغلمان المرد ، وكان أول من اشتهر بالغزل فيهم والبة بن الحباب ، وهو يصرح بذلك تصريحاً فى غير مواربة ولا استحياء ، ويقال إنه هو الذى يتحمل وزر إفساد أبي نواس ، بل هو في رأينا الذي يتحمل وزر العصر كله وما شاع فيه من هذا الغزل المقيت الذى يخنق كرامة الشباب والرجال خنقاً .

وربما كان من أسباب شيوعه كثرة الغلمان الخصيان فى بغداد وغيرها من مدن العراق ، وكان منهم من تسقط عنه رجولته حتى ليلبس لبس النساء . وكان من الجوارى من يلبس لبس الغلمان لفتاً للشباب والرجال )!

وقال أبو الفداء في تاريخه (2/19): (ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائة فيها أبطل الأمين إسم المأمون من الخطبة ، وكان أبوهما قد عهد إِلى الأمين ثم من بعده إِلى المأمون فخطب لهما إِلى هذه السنة فقطعها الأمين ، وخطب لابنه موسى بن الأمين ، ولقبه الناطق بالحق ، وكان موسى طفلاً صغيراً ، ثم جهز الأمين جيشاً لحرب المأمون بخراسان .

وقدم عليهم علي بن عيسى بن ماهان ، وكان طاهر بن الحسين مقيماً في الري من جهة المأمون ومعه عسكر قليل. وسار علي بن عيسى بن ماهان في خمسين ألفاً حتى وصل إِلى الري والتقى العسكران ، فخلع طاهر بيعة الأمين وبايع المأمون بالخلافة ، وقاتل طاهر علي بن عيسى بن ماهان قتالاً شديداً فانهزم عسكره التابع للأمين ، وقتل علي بن عيسى بن ماهان وحمل رأسه إِلى طاهر ، فأرسل طاهر بالرأس وبالفتح إلى المأمون وهو بخراسان ).

وفي مروج الذهب(2/25):(كان العهد الذي كتبه الرشيد بين الأمين والمأمون أن الغادر منهما خارج من الأمر ، أيهما غدر بصاحبه ، والخلافة للمغدور).

وفي رواية المسعودي(3/389): ( فلما قرب من الري قيل له: إن طاهر بن الحسين مقيم بها وقد كان يظن أن طاهراً لا يثبت له فقال: والله ما طاهر إلا شوكة من أغصاني ، وشرارة من ناري ، وما مثل طاهر يؤمر على جيش ، وما بينه وبين الموت إلا أن تقع عينه على سوادكم ، فإن السِّخال لا تقوى على نطاح الكباش ، والثعالب لا تقدر على لقاء الأسد !

فقال له ابنه: ابعث طلائع وارتد موضعاً لعسكرك ، فقال: ليس مثل طاهر يستعدُّ له بالمكايد ويستظهر له بالإحتراز والتحفظ ، إنَّ حال طاهر يؤدي الى أمرين: إما ان يتحصن بالري فيثب به أهلها ويكفونا مؤنته ، أويخليها ويدبر راجعاً ، لوقد قربت خيولنا منه !

فقال له ابنه: إن الشرارة ربما صارت ضراماً فقال: أسكت إن طاهراً ليس قرناً في هذا الموضع ، وإنما تحترس الرجال من أقرانها .

وسار علي بن عيسى حتى دنت عساكره من الري.. وأقبل طاهر في نحو من أربعة آلاف فارس وكردَسَ خيله كراديس، وصمد في نحوالقلب في سبع مائة من الخوارزمية وغيرهم من فرسان خراسان ، وخرج اليه من القلب العباس بن الليث مولى المهدي وكان فارساً، فقصده طاهر وضم يديه على سيفه فضربه ضربة فأتى عليه، وكان سبب هزيمة الجيش ضربة طاهر بيديه جميعاً للعباس بن الليث ، وبذلك سمي طاهر ذا اليمينين ، لجمعه يَدَيه على السيف..

وكتب الى ذي الرياستين الفضل بن سهل بالخبر فكان في الكتاب: أطال الله بَقَاكَ ، وكبَتَ أعداك ، كتابي إليك ورأس علي بن عيسى بين يدي وخاتمه في أصبعي، والحمد لله رب العالمين ، فسر المأمون بذلك ، وسُلم عليه في ذلك الوقت بالخلافة) .

أقول: أخطأ الأمين بنكثه عهد أبيه وعزل أخيه المأمون ، وقد شجعه على ذلك العباسيون المتعصبون ، لأن المأمون من أم خراسانية .

وفي المقابل تعصب الخراسانية خؤولة المأمون له وقادهم الفضل بن سهل وأخوه ، وكان من أولاد ملوك الخراسانيين ، ومن صنائع البرامكة ، فأطاعوه وشكلوا جيشاً للمأمون فقاتلوا جيش الأمين في ايران وهزموه ، ثم قصدوا بغداد وحاصروها حتى قتلوا الأمين وجاؤوا برأسه الى أخيه المأمون !

وبذلك استحكم العداء بين المأمون والعباسيين ، فأحضر الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام وأجبره على قبول ولاية عهده ، ليقول للعباسيين إنه سينقل الخلافة منهم الى العلويين وبعد سنين قليلة تصالح مع العباسيين وعزم على العودة الى بغداد ، فقتل الفضل بن سهل والإمام الرضا عليه السلام ، ورجع الى بغداد ، فاستقبله العباسيون وبايعوه وأطاعوه!

العباسيون يخلعون المأمون!

في الأعلام (7/127):(الأمين العباسي(170- 198هجرية) محمد بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور: خليفة عباسي، ولد في رصافة بغداد، وبويع بالخلافة بعد وفاة أبيه سنة 193 هـ بعهد منه ، فولى أخاه المأمون خراسان وأطرافها . وكان المأمون ولي العهد من بعده . فلما كانت سنة 195أعلن الأمين خلع أخيه المأمون من ولاية العهد ، فنادى المأمون بخلع الأمين في خراسان وتسمى بأمير المؤمنين . وجهز الأمين وزيره ابن ماهان لحربه، وجهز المأمون طاهر بن الحسين فالتقى الجيشان ، فقتل ابن ماهان وانهزم جيش الأمين ، فتتبعه طاهر بن الحسين وحاصر بغداد حصاراً طويلاً انتهى بقتل الأمين: بالسيف ، وكان الذي ضرب عنقه مولى لطاهر بأمره. وكان أبيض طويلاً سميناً ، جميل الصورة ، شجاعاً أديباً ، رقيق الشعر، مكثراً من إنفاق الأموال سيئ التدبير، يؤخذ عليه انصرافه إلى اللهو ومجالسة الندماء) .

وفي الأعلام (4/317): (علي بن عيسى بن ماهان:من كبار القادة في عصر الرشيد والأمين . وهو الذي حرض الأمين على خلع المأمون من ولاية العهد وسيره الأمين لقتال المأمون بجيش كبير ، ولاه إمارة الجبل وهمذان وأصبهان وقم وتلك البلاد، فخرج من بغداد في40 ألف فارس، فتلقاه طاهر بن الحسين قائد جيش المأمون في الري ، فقتل ابن ماهان وانهزم أصحابه).

وفي تاريخ اليعقوبي(2/436والطبري: 6/554):(فأفسد قوم قلب محمد على المأمون، وأوقعوا بينهما الشر، وكان الذي يحرضه علي بن عيسى بن ماهان والفضل بن الربيع، وزينا له أن يبايع لابنه بولاية العهد من بعده ويخلع المأمون ، ففعل ذلك وبايع لابنه موسى، وكان ذلك لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة 194، وجمع العهود التي كان كتبها الرشيد بينهما ، فحرقها وجرت الوحشة بينهما ، وكتب محمد إلى المأمون يأمره بالقدوم عليه في جميع القواد ، فكتب إليه يعلمه أنه لاسمع عليه في هذا ولا طاعة ، فكتب إلى من بخراسان من القواد فأجابوه بمثل ذلك ، وقالوا: إنما يلزمنا لك الوفاء ، إذا وفيت لأخيك وأنت قد نقضت العهود وأحدثت الأحداث واستخففت بالأيمان والمواثيق. ووجه محمد إلى أم عيسى بنت موسى الهادي امرأة المأمون يطلب جوهراً كان عندها للمأمون فمنعته ، وقالت: ما عندي شئ أملكه ، فوجه من هجم منزلها فانتهب كل ما فيه وأخذ ذلك الجوهر ، فلما انتهى ذلك إلى المأمون جمع القواد الذين قبله فقال لهم: قد علمتم ما كان أبي شرط علي وعلى محمد ، وقد نكث ونقض العهود ، وأوجد السبيل إلى خلعه بنكثه ونقضه وتعرضه لأموالي وأسبابي وأعمالي ، وتحريقه الشروط والعهود التي عليه ، واستخفافه بحق الله فيما نكث من ذلك ، واشتغاله بالخصيان ، فاتفق رأيهم على مراسلته فإن رجع وإلا خلعوه . وبلغ محمداً ذلك فجمع قواده وذكر لهم خلع المأمون إياه وندبهم إلى الخروج إليه ، فاختاروا عصمة بن أبي عصمة السبيعي ، فسير معه جيشاً كثيفاً ، فخرج حتى صار إلى حد خراسان ، ثم وقف وكتب إليه يحركه على المسير ، فامتنع فقال: أخذت علينا البيعة أن لا ندخل خراسان ، وأخذت عليك ألا تدخلها ولا ترسل أحداً إليها ، فإن جاءني إنسان من قبل المأمون إلى هاهنا قاتلته ، وإلا لم أجز الحد !

فوجه محمد علي بن عيسى بن ماهان والياً على خراسان ، وأمره بإشخاص المأمون ومن معه ، وضم إليه من القواد والجند أربعين ألف مرتزق ، وحملت إليه الأموال ، ودفع إليه قيد فضة ، وقال: إذا قدمت خراسان قيد بهذا القيد المأمون واحمله إلى ما قبلي ، فلما أتى المأمون الخبر ندب طاهر بن الحسين بن مصعب البوشنجي للخروج وقبل ذلك كان قد ولاه كورة بوشنج وأزاح علته بالكراع والأموال ، ونفذ فلقي علي بن عيسى بالري في سنة 195 ، وعلي بن عيسى في خلق عظيم ، وطاهر بن الحسين في خمسة آلاف ، فخرج علي بن عيسى في نفر يسير يدور حول العسكر، وبصر به طاهر بن الحسين ، فأسرع إليه في جماعة من أصحابه فلاقى علياً وهو على برذون أصفر، وعليه طليلسان كحلي طويل ، فدافع عنه من كان معه حتى قتل جماعة وركض، فاتبعه طاهر وحده فضربه بسيفه حتى أثخنه وسقط إلى الأرض ، فنزل واحتز رأسه ورجع إلى معسكره ، ونصب الرأس على رمح ونادى في عسكر علي بن عيسى: قتل الأمير ! وبلغ أصحابه به خبره فانهزموا ، وأسلموا الخزائن والكراع ، فلم يبت طاهر حتى حوى جميع ما كان في عسكره ، فاستأمن إليه كثير من أصحابه . وكتب طاهر بالفتح إلى المأمون إلى مرو ، ووجه بالرأس إليه مع رجل من أصحابه ، فلما دخل على ذي الرئاستين سأله عن الخبر ، فذهل ، وانقطع كلامه فلم يقدر على إجابته فهال ذلك الفضل ، ففتح الخريطة وقرأ الكتب ثم قال: أين الرأس؟ فطلب ما معه ، فلم يوجد، وسئل عنه فلم يتكلم، فوجه في طلبه فوجده قد سقط على مقدار ميلين ، فحمل وأدخل إلى مرو . وقرئ الفتح على الناس وبويع للمأمون بالخلافة ، وخلع محمداً ، فأعطى جميع أهل خراسان الطاعة للمأمون . وصعد المأمون المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد ثم قال: أيها الناس! إني جعلت لله على نفسي إن استرعاني أموركم أن أطيعه فيكم ، ولا أسفك دماً عمدا ًلا تحله حدوده ، وتسفكه فرائضه ، ولا آخذ لأحد مالاً ولا أثاثاً ، ولا نحلة تحرم علي ، ولا أحكم بهواي في غضبي ولا رضاي إلا ما كان في الله له جعلت ذلك كله لله عهدا مؤكداً ، وميثاقاً مشدداً ، إني أفي رغبة في زيادته إياي في نعمي ، ورهبة من مسألتي إياي عن حقه وخلفه ، فإن غيرت أو بدلت كنت للعبر مستأهلاً، وللنكال متعرضاً ، وأعوذ بالله من سخطه ، وأرغب إليه في المعونة على طاعته ، وأن يحول بيني وبين معصيته .

ولما بلغ محمداً قتل علي بن عيسى بن ماهان وانهزام عسكره ، ومصيرهم إلى حلوان ، وخلع أهل خراسان له ، واجتماع كلمتهم على المأمون ، وأن طاهراً قد قوي بما صار في يده من الأموال والسلاح والكراع ، وكتب إليه المأمون ألا يعرج دون بغداد وأن يقصدها ، وجه عبد الرحمن بن جبلة إليه وأمره أن يضم إليه من بحلوان من القواد والجند الذين كانوا مع علي بن عيسى ).

وفي الطبري (7/44): (فلما دخلت سنة 196بلغه خلع عبد الله المأمون أخاه وما كان فعل طاهر بقواد محمد وقد كان محمد كتب إلى داود بن عيسى يأمره بخلع عبد الله المأمون والبيعة لابنه موسى وبعث محمد إلى الكتابين اللذين كان الرشيد كتبهما وعلقهما في الكعبة فأخذهما ، فلما فعل ذلك جمع داود حجبة الكعبة والقرشيين والفقهاء ومن كان شهد على ما في الكتابين من الشهود وكان داود أحدهم ، فقال داود قد علمتم ما أخذ علينا وعليكم الرشيد من العهد والميثاق عند بيت الله الحرام حين بايعنا لابنيه لتكونن مع المظلوم منهما على الظالم ومع المبغى عليه على الباغي، ومع المغدور به على الغادر ، فقد رأينا ورأيتم أن محمداً قد بدأ بالظلم والبغي والغدر على أخويه عبد الله المأمون والقاسم المؤتمن وخلعهما وبايع لابنه الطفل رضيع صغير لم يفطم ، واستخرج الشرطين من الكعبة عاصياً فحرقهما بالنار .

وقد رأيت خلعه وأن أبايع لعبد الله المأمون بالخلافة إذ كان مظلوماً مبغياً عليه فقال له أهل مكة: رأينا تبع لرأيك ونحن خالعوه معك فوعدهم صلاة الظهيرة ، وأرسل في فجاج مكة صائحاً يصيح الصلاة جامعة فلما جاء وقت صلاة الظهر وذلك يوم الخميس لسبع وعشرين ليلة خلت من رجب سنة 196خرج داود بن عيسى فصلى بالناس صلاة الظهر وقد وضع له المنبر بين الركن والمقام فصعد فجلس عليه وأمر بوجوه الناس وأشرافهم فقربوا من المنبر ، وكان داود خطيبا فصيحاً جهرالصوت فلما اجتمع الناس قام خطيباً فقال: أما بعد يا أهل مكة فأنتم الأصل والفرع والعشيرة والأسرة والشركاء في النعمة ، إلى بلدكم نفذ وفد الله ، وإلى قبلتكم يأتم المسلمون ، وقد علمتم ما أخذ عليكم الرشيد هارون رحمة الله عليه وصلاته حين بايع لابنيه محمد وعبد الله بين أظهركم من العهد والميثاق لتنصرن المظلوم منهما على الظالم والمبغى عليه على الباغي والمغدور به على الغادر .

ألا وقد علمتم وعلمنا أن محمد بن هارون قد بدأ بالظلم والبغي والغدر وخالف الشروط التي أعطاها من نفسه في بطن البيت الحرام ، وقد حل لنا ولكم خلعه من الخلافة وتصييرها إلى المظلوم المبغي عليه المغدور به .

ألا وإني أشهدكم أني قد خلعت محمد بن هارون من الخلافة كما خلعت قلنسوتي هذه من رأسي وخلع قلنسوته عن رأسه ، فرمى بها إلى بعض الخدم تحته ، وكانت من برود حبرة مسلسلة حمراء ، وأتيَ بقلنسوة سوداء هاشمية فلبسها ثم قال: قد بايعت لعبد الله عبد الله المأمون أميرالمؤمنين بالخلافة ، ألا فقوموا إلى البيعة لخليفتكم فصعد جماعة من الوجوه إليه إلى المنبر رجل فرجل فبايعه لعبد الله المأمون بالخلافة وخلع محمداً ثم نزل عن المنبر وحانت صلاة العصر فصلى بالناس، ثم جلس في ناحية المسجد وجعل الناس يبايعونه جماعة بعد جماعة يقرأ عليهم كتاب البيعة ويصافحونه على كفه ففعل ذلك أياماً ، وكتب إلى سليمان بن داود بن عيسى وهو خليفته على المدينة يأمره أن يفعل بأهل المدينة مثل ما فعل هو بأهل مكة من خلع محمد والبيعة لعبد الله المأمون ، فلما رجع جواب البيعة من المدينة إلى داود وهو بمكة رحل من فوره بنفسه وجماعة من ولده يريد المأمون بمرو على طريق البصرة ثم على فارس ثم على كرمان ، حتى صار إلى المأمون بمرو فأعلمه ببيعته وخلعه محمداً ومسارعة أهل مكة وأهل المدينة إلى ذلك ، فسُرَّ بذلك المأمون وتيمن ببركة مكة والمدينة إذ كانوا أول من بايعه ، وكتب إليهم كتاباً ليناً لطيفاً يعدهم فيه الخير وبسط أملهم وأمر أن يكتب لداود عهد على مكة والمدينة وأعمالها من الصلاة والمعاون والجباية وزيد له ولاية عك .

وعقد له على ذلك ثلاثة ألوية وكتب له إلى الري بمعونته بخمس مائة ألف درهم ، وخرج داود بن عيسى مسرعاً مغذاً مبادراً لإدراك الحج ومعه ابن أخيه العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ، وقد عقد المأمون للعباس بن موسى بن عيسى على ولاية الموسم ، فسار هو وعمه داود حتى نزلا بغداد على طاهر بن الحسين ، فاكرمهما وقربهما وأحسن معونتهما ووجه معهما يزيد ابن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري ، وقد عقد له طاهر على ولاية اليمن ، وبعث معه خيلاً كثيفة وضمن لهم يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري أن يستميل قومه وعشيرته من ملوك أهل اليمن وأشرافهم ليخلعوا محمداً ويبايعوا عبد الله المأمون ، فساروا جميعاً حتى دخلوا مكة وحضر الحج فحج بأهل الموسم العباس بن موسى بن عيسى ، فلما صدروا عن الحج انصرف العباس حتى أتى طاهر بن الحسين ، وهو على حصار محمد وأقام داود بن عيسى على عمله بمكة والمدينة ، ومضى يزيد بن جرير إلى اليمن فدعا أهلها إلى خلع محمد وبيعة عبد الله المأمون وقرأ عليهم كتاباً من طاهر بن الحسين يعدهم العدل والإنصاف ويرغبهم في طاعة المأمون ويعلمهم ما بسط من العدل في رعيته ، فأجاب أهل اليمن إلى بيعة المأمون واستبشروا بذلك وبايعوا للمأمون وخلعوا محمداً ، فسار فيهم يزيد بن جرير بن يزيد بأحسن سيرة وأظهر عدلاً وإنصافاً ، وكتب بإجابتهم وبيعتهم إلى المأمون ).

أخبر هارون أنه سيكون صراع بين ولديه الأمين والمأمون!

فقد سمع هارون ذلك من الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام وكان يصدقه في كل مقولاته ، لأنه يعتقد بأنه وارث علم النبي صلى الله عليه وآله .

قال الدميري في حياة الحيوان (1/115):(ذكر عن الأصمعي أنه قال: دخلت على الرشيد وكنت قد غبت عنه بالبصرة حولاً فسلمت عليه بالخلافة فأومأ إليَّ بالجلوس قريباً منه فجلست قليلاً ثم نهضت ، فأومأ إليَّ أن اجلس فجلست ، حتى خف الناس ثم قال لي: يا أصمعي ألا تحب أن ترى محمداً وعبد الله بنيَّ؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين إني لأحب ذلك ، وما أردت القصد إلا إليهما لأسلم عليهما ، فقال: يكفي ذلك ثم قال: علي بمحمد وعبد الله ، فانطلق الرسول إليهما وقال أجيبا أمير المؤمنين فأقبلا كأنهما قمرا أفق ، قد قاربا خطاهما ورميا ببصرهما الأرض ، حتى وقفا على أبيهما فسلما عليه بالخلافة ، فأومأ إليهما بالجلوس فجلس محمد عن يمينه وعبد الله عن يساره ، ثم أمرني بمطارحتهما الأدب فكنت لا ألقي عليهما شيئاً من فنون الأدب إلا أجابا فيه وأصابا ، فقال: كيف ترى أدبهما ؟ قلت: يا أمير المؤمنين ما رأيت مثلهما في ذكائهما وجودة فهمهما وذهنهما ، فأطال الله تعالى بقاءهما ، ورزق الأمة من رأفتهما ومعطفتهما، فضمهما إلى صدره وسبقته عبرته فبكى حتى تحدرت دموعه على لحيته ، ثم أذن لهما في القيام فنهضا حتى إذا خرجا قال لي: يا أصمعي كيف بهما إذا ظهر تعاديهما ، وبدا تباغضهما ووقع بأسهما بينهما ، حتى تسفك الدماء ويود كثير من الأحياء أنهم كانوا موتى؟ قلت: يا أمير المؤمنين هذا شيئ قضى به المنجمون عند مولدهما ، أو شيء أثرته العلماء في أمرهما ؟ قال: لا بل شيئ أثرته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء عليهم السلام في أمرهما.وكان المأمون يقول في خلافته: كان الرشيد سمع جميع ما يجري بيننا من موسى بن جعفر ، ولذلك قال ما قال ).

أقول: كان هارون وغيره من الخلفاء يؤمنون بأن ما يقوله أئمة أهل البيت عليهم السلام حقيقة لابد أن تكون. وقد أخبروهم بكثير من الأمور وأتموا عليهم الحجة ، لكن هارون قال: الملك عقيم ، أي لا أب له ولا أمًَ ولا رحم ، بل ولا أخلاق ولا قيم !

المسعودي يصف هزيمة الأمين وقتله

قال الدينوري في الأخبار الطوال/399: (وإن طاهر بن الحسين صعد من البصرة ، وتقدم هرثمة حتى أحدقا ببغداد وأحاطا بمحمد الأمين ، ونصبا المنجنيق على داره حتى ضاق محمد بذلك ذرعاً .

وكان هرثمة بن أعين يحب صلاح حال محمد ، والإبقاء على حشاشة نفسه ، فأرسل إليه محمد يسأله القيام بأمره ، وإصلاح ما بينه وبين المأمون ، على أن يخلع نفسه عن الخلافة ويسلم الأمر لأخيه، فكتب إليه هرثمة: قد كان ينبغي لك أن تدعو إلى ذلك قبل تفاقم الأمر ، فأما الآن فقد بلغ السيل الزبى ، وشغل الحلي أهله أن يعار ، ومع ذلك فإني مجتهد في إصلاح أمرك فصر إليَّ ليلاً لأكتب بصورة أمرك إلى أمير المؤمنين، وآخذ لك عهداً وثيقاً ولست آلو جهداً ولا اجتهاداً في كل ما عاد بصلاح حالك ، وقربك إلى أمير المؤمنين . فلما سمع ذلك محمد استشار نصحاءه ووزراءه ، فأشاروا بذلك عليه ، وطمعوا في بقاء مهجته . فلما جنه الليل ركب في جماعة من خاصته وثقاته وجواريه ، يريد العبور إلى هرثمة ، فأحس طاهر بن الحسين بالمراسلة التي جرت بينهما والموافقة التي اتفقا عليها، فلما أقبل محمد وركب بمن معه الماء شد عليه طاهر فأخذه ومن معه ، ثم دعا به في منزله فاحتز رأسه وأنفذه من ساعته إلى المأمون! وكان قتل محمد الأمين ليلة الأحد لخمس خلون من المحرم ، سنة ثمان وتسعين ومائة ، وقتل، وله ثمان وعشرون سنة ، وكانت ولايته أربع سنين وثمانية أشهر).

وقال في مروج الذهب (3/412):(ذكر أحمد بن سلام وقد كان مع الأمين في الحراقة (القارب) حين انقلبت فسبح ، فقبض عليه بعض أصحاب طاهر وأراد قتله ، فأرغبه في عشرة آلاف درهم ، وأنه يحملها اليه في صبيحة تلك الليلة ، قال: فأدخلت بيتاً مظلماً فبينا أنا كذلك إذ دخل عليَّ رجل عُرْيان عليه سراويل وعمامة قد تلثم بها ، وعلى كتفه خرقة فجعلوه معي وتقدموا إلى من في الدار في حفظنا ، فلما استقر في الدار حسر العمامة عن وجهه فإذا هو محمد فاستعبرت واسترجعت فيما بيني وبين نفسي ، وجعل ينظر إليَّ ثم قال: أيهم أنت؟ قلت: أنا مولاك يا سيدي ، قال: وأي الموالي أنت؟ قلت: أحمد بن سلام قال: أعرفك بغير هذا ، كنت تأتيني بالرقة ؟ قلت: نعم ، ثم قال: يا أحمد ، قلت: لبيك يا سيدي ، قال: أدْنُ مني وضُمَّني إليك فإني أجد وَحشة شديدة ، قال: فضممته إليَّ فإذا قلبه يخفق خفقاناً شديداً ، ثم قال: أخبرْني عن أخي المأمون أحيُّ هو؟ قلت له: فهذا القتال عمن إذن ؟ قال: قبحهم الله ذكروا أنه مات ! قلت: قبح الله وزراءك فهم أوردوك هذا المورد ، فقال لي: يا أحمد ليس هذا موضع عتاب ، فلا تقل في وزرائي إلا خيراً فما لهم ذنب ، ولست بأول من طلب أمراً فلم يقدر عليه ، قلت: ألبس إزاري هذا وارمِ بهذه الخرقة التي عليك ، فقال: يا أحمد من كان حاله مثل حالي فهذه له كثير ، ثم قال لي: يا أحمد ما أشك أنهم سيحملونني الى أخي أفَترى أخي قاتلي؟ قلت: كلا ، إن الرحم ستعطفه عليك ، فقال لي: هيهات ! المُلْكُ عقيم لا رحم له ، فقلت له: إن أمان هرثمة أمانُ أخيك ، قال: فلقنته الإستغفار وذكر الله ، فبينا نحن كذلك إذ فتح باب البيت فدخل علينا رجل عليه سلاح ، فاطَّلع في وجه محمد مستثبتاً له فلما أثبته معرفة خرج وأغلق الباب وإذا هو محمد الطاهري ، قال: فعلمت أن الرجل مقتول ، وقد كان بقي عليَّ من صلاتي الوتر فخفت أن أقتل ولم أوتر فقمت لأوتر ، فقال لي: يا أحمد لا تبعد مني وصَلِّ بقربي ، فإني أجد وحشة شديدة ، فدنوت منه فقلَّ ما لبثنا حتى سمعنا حركة الخيل ودقَّ باب الدار، ففتح الباب فإذا قوم من العجم بأيديهم السيوف مُصْلَتة ، فلما أحس بهم محمد قام قائماً وقال: إنا لله وأنا اليه راجعون ذهبت والله نفسي في سبيل الله ، أما من حيلة أما من مغيث؟ وجاؤوا حتى قاموا على باب البيت الذي نحن فيه ، وجعل بعضُهم يقول لبعض: تقدم ، ويدفع بعضهم بعضاً: فأخذ محمد بيده وسادة وجعل يقول: أنا ابن عم رسول الله ، أنا ابن هارون الرشيد ، أنا أخو المأمون ، الله الله في دمي ، فدخل عليه رجل منهم مولى لطاهر فضربه بالسيف ضربة وقعت في مقدم رأسه ، وضرب محمد وجهه بالوسادة التي كانت في يده ، واتكأ عليه ليأخذ السيف من يده ، فصاح بالفارسية: قتلني الرجل، فدخل منهم جماعة فنخسه أحدهم بسيفه في خاصرته ، وكبُّوه فذبحوه من قفَاه وأخذوا رأسه ومضوا به الى طاهر. وكانت ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة ).

وفي مروج الذهب (3/34): (فلما أصبح طاهر أمر برأسه فنصب على باب من أبواب بغداد يعرف بباب الحديد نحو قطربل في الجانب الغربي ، إلى الظهر ، ودفنت جثته في بعض تلك البساتين. ولما وضع رأس الأمين بين يدي طاهر قال: اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء ، وتنزع الملك ممن تشاء ، وتعزمن تشاء ، وتذل من تشاء ، بيدك الخير إنك على كل شيئ قدير.

وحمل الرأس إلى خراسان إلى المأمون في منديل والقطن عليه والأطلية ، فاسترجع المأمون وبكى واشتد تأسفه عليه ، فقال له الفضل بن سهل: الحمد لله يا أمير المؤمنين على هذه النعمة الجليلة فإن محمداً كان يتمنى أن يراك بحيث رأيته ! فأمر المأمون بنصب الرأس في صحن الدار على خشبة ، وأعطى الجند ، وأمر كل من قبض رزقه أن يلعنه ، فكان الرجل يقبض ويلعن الرأس ، فقبض بعض العجم عطاءه ، فقيل له: إلعن هذا الرأس ، فقال: لعن الله هذا ولعن والديه وما ولدا وأدخلهم في كذا وكذا من أمهاتهم! فقيل له: لعنت أميرالمؤمنين وذلك بحبث يسمعه المأمون منه فتبسم وتغافل وأمر بحط الرأس وترك ذلك المخلوع ، وطيب الرأس وجعله في سفط ، ورده إلى العراق فدفن مع جثته ).

بايع العباسيون المأمون ولما جعل الرضا عليه السلام ولي عهده خلعوه !

قال المسعودي في التنبيه والإشراف/302: (بايعوا المأمون البيعة العامة بعد قتل المخلوع يوم الأحد لخمس ليال بقين من المحرم سنة 198. وبايع للرضا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالعهد بعده ، وأزال لبس السواد ولبس بدله الخضرة وأخذ الناس بذلك ، فاضطرب من بمدينة السلام من الهاشميين(العباسيين)وعظم ذلك على أهل بغداد عامة وعلى الهاشميين خاصة ، لزوال الملك عنهم ومصيره إلى ولد أبي طالب فأخرجوا الحسن بن سهل أخا ذي الرئاستين، وكان خليفة المأمون على العراق ، وبايعوا المنصور بن المهدي فلم يتم له أمر وكان مضعفاً فبايعوا أخاه إبراهيم ابن المهدي بالخلافة لخمس خلون من المحرم سنة 202 (والصحيح204) ودعى له على المنابر بمدينة السلام وغيرها فوجه الجيوش لمحاربة الحسن بن سهل وهو بناحية المدائن، فكانت الحروب بينهم سجالاً. وسار المأمون عن مرو يريد بغداد ومعه علي بن موسى الرضا ( والصحيح أنه لم يكن معه) ووزيره القائم بدولته الفضل بن سهل ذو الرئاستين ، وقتل الفضل بن سهل غيلة في حمام بسرخس يوم الإثنين لخمس خلون من شعبان من هذه السنة ، فقتل الرضا في طوس في أول صفر سنة 203 ، ولما قرب المأمون من بغداد اضطرب على إبراهيم من كان يعتمد على نصرته ، وقعد عنه أكثر من بايعه من الهاشميين وغيرهم ، فاستتر لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من هذه السنة . ودخل المأمون مدينة السلام يوم السبت لثمان عشرة ليلة خلت من صفر سنة 204 وأمر بإعادة لبس السواد وتخريق الخضرة بعد ثمانية أيام من قدومه ، ولم يزل إبراهيم مستتراً منتقلاً بمدينة السلام إلى أن ظفر به سنة 210، فعفا عنه المأمون واعتقله مدة ،ثم أطلقه ورد عليه نعمته ، وأعاده إلى رتبته).

أقول:كان ابراهيم الذي بايعه العباسيون شخصية ركيكة ، فهو أسود ضخم الجسم عظيم اللحية ، يعرف بابن شكلة إسم أمه السوداء أمة المهدي ، فهو أخ الرشيد لأبيه ، وقد برع في الغناء وضرب العود والبربط. وكانت نهايته أنه ضعف أمره وانهزم أمام جيش المأمون واختفى! وقال فيه دعبل (المناقب:3/457):

يا معشـر الأجناد لا تقنطوا

 

خذوا عطاياكم ولا تسخطوا

فسوف يـعطـيـكـم حنـيـنـيـة

 

يلتذها الأمرد والأشمط

والمعبديات لقوادكم

 

لا تدخل الكيس ولا تربط

وهكذا يرزق أصحابه

 

خليفة مصحفه البربط .

 

قصة شعار لبس السواد والخضرة

1. قصة لبس السواد والخضرة: أن النبي صلى الله عليه وآله بشرأمته بأن الله تعالى سيبعث في آخر الزمان المهدي عليه السلام من عترته فينقذ الأمة من ضلالها وضعفها ، وأخبر بأن أنصاره سيكونون أهل الرايات السود من خراسان .

فاستغل ذلك الحسنيون وزعموا أن المهدي عليه السلام منهم ، ولم ينفعهم ذلك !

ثم استغله العباسيون وزعموا أن المهدي منهم ! وبعثوا إلى خراسان برايات سود من زمن أبي سلمة الخلال لتكون شعاراً لهم: ( وقدم أبو سلمة خراسان فبدأ بجرجان فدفع راية سوداء إلى أبي عون ، وهو يومئذ رئيس القوم ، ثم نفذ إلى مرو فدفع إلى سليمان بن كثير راية سوداء، وبعث براية إلى ما وراء النهر).( تاريخ الطبري: 6 / 31 ) .

(ثم تحول أبو مسلم عن منزل أبي الحكم عيسى بن أعين ، فنزل على سليمان بن كثير الخزاعي في قريته التي تدعى سفيذنج من ربع خرقان ، لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة 129، فلما كانت ليلة الخميس لخمس بقين من شهر رمضان سنة 129 عقدوا اللواء الذي بعث به الإمام إليه الذي يدعى الظل ، على رمح طوله أربعة عشر ذراعاً، وعقد الراية التي بعث بها الإمام التي تدعى السحاب على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعاً وهو يتلو: أُذِنَ للَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، ولبسوا السواد هو وسليمان بن كثير وإخوة سليمان ومن كان أجاب الدعوة من أهل سفيذنج). (الطبري: 6/25).

2. زار أبو مسلم الخراساني الإمام الصادق عليه السلام (مناقب آل أبي طالب: 3 / 356 ) في السنة التي أرسله فيها إبراهيم العباسي إلى إيران (سنة 129) فقبَّل رأس الإمام عليه السلام فلمس ثيابه وقال:( ما رأيت اليوم أشد بياضاً ولا أحسن منها ! فقال: جعلت فداك هذه ثياب بلادنا وجئتك منها بخيرمن هذه ، فقال:يا مُعَتِّب إقبضها منه، ثم خرج الرجل فقال أبوعبد الله عليه السلام : صدق الوصف وقرب الوقت، هذا صاحب الرايات السود الذي يأتي بها من خراسان)!

وغرض الإمام الصادق عليه السلام أن يسجل تزوير العباسيين لحديث النبي صلى الله عليه وآله وأن أهل البيت يعلمون ذلك ! وقد استفاد العباسيون من ظلم بني أمية لأهل البيت عليهم السلام والآيات والأحاديث في تطهيرهم ومودتهم وفسروها للإيرانيين بآل العباس!

قال في الأخبار الطوال/360: (وحان الوقت الذي واعد فيه أبو مسلم مستجيبيه، فخرجوا جميعاً في يوم واحد من جميع كور خراسان حتى وافوه: من هراة ، وبوشنج ، ومرو الروذ ، والطالقان ، ومرو ، ونسا ، وأبيورد ، وطوس ، ونيسابور ، وسرخس ، وبلخ ، والصغانيان ، والطخارستان ، وختلان ، وكش ، ونسف ، فتوافوا جميعاً مسودي الثياب ، وقد سودوا أيضاً أنصاف الخشب التي كانت معهم وسموها كافر كوبات (قارعة الكافر) وأقبلوا فرساناً وحمَّارة ورجَّالة، يسوقون حميرهم ويزجرونها، هَرْ مروان، يسمونها مروان ترغيماً لمروان بن محمد ، وكانوا زهاء مائة ألف رجل. فلما بلغ نصر بن سيار ظهور أبي مسلم سقط في يديه وخاف على نفسه ، ولم يأمن أن ينحاز الكرماني في اليمانية والربعية إليهم ، فيكون في ذلك اصطلامه).

3. تعددت روايات أحاديث الرايات السود ، ولعل أصلها حديث واحد ، وزاد عليها دعاة العباسيين ما يجعلها تنطبق على حركتهم كالحديث الذي يرويه أحمد(5/277):

(إذا رأيتم الرايات السود خرجت من قبل خراسان فأتوها ولو حبواً على الثلج ، فإن فيها خليفة الله المهدي).

ولهذا فإن رواية الرواة المخالفين لبني العباس أوثق وأبعد عن التهمة .

4. نبه علماء الحديث المتأخرون كابن كثيرعلى أن الرايات السود الموعودة في حديث النبي صلى الله عليه وآله لنصرة المهدي عليه السلام غير رايات العباسيين ، لكن ذلك لم ينفع عند الجمهور فطبقوها على العباسيين، ثم طبقوها على أهل الشام ، ثم على الأفغان ، ونرى حركة داعش تتخذ الرايات السود والثياب السود ، وتزعم أنهم أصحاب الرايات السود ، وأنهم سينصرون المهدي عليه السلام !

5. صار لباس السواد شعاراً حزبياً لبني العباس ، فأراد المأمون أن يضـرب شعارهم لأنهم خانوه وعزلوه ، فجعل ولاية العهد لأعدائهم آل أبي طالب وألغى السواد وتبنى الخضرة ، وهي في العرف شعار العلويين!

ولما رجع الى بغداد وخضع له العباسيون صار ليناً معهم ، خاضعاً لمفاهيمهم وقال: لم أكن أقصد الإساءة لكم ، وألغى الخضرة ورجع الى السواد !

قال المسعودي في مروج الذهب(2/181):( قال الصولي:قال لي الراضي:ما كان السبب في لبس المأمون الخضرة ورفعه السواد، ثم لبسه السواد بعد ذلك؟ قلت: هو ما أخبرنا به محمد بن زكريا الغلابي قال: حدثنا يعقوب بن جعفر بن سليمان قال: لما قدم المأمون بغداد اجتمع الهاشميون إلى زينب بنت سليمان بن علي ، وكانت أقعد ولد العباس نسباً وأكبرهم سناً، فسألوها أن تكلم أمير المؤمنين المأمون في تغييره الخضرة، فضمنت لهم ذلك وجاءت إلى المأمون فقالت: يا أمير المؤمنين ، إنك على برأهلك من ولد علي بن أبي طالب أقدر منك على برهم لنا من غير أن تزيل سنة من مضى من آبائك ، فدع لباسك الخضرة ، ولا تطمعن أحداً فيما كان منك ، قال لها: يا عمة ما كلمني أحد في هذا المعنى بكلام أوقع من كلامك ، ولا أقصد منه لما أردت لكن رسول الله صلى الله عليه وآله توفي فوليَ الإمرة أبو بكر ، فقد عرفت ما كان من أمره فينا أهل البيت ، ثم وليها عمر فلم يتعد فيها فعل من تقدمه ، ثم وليها عثمان فأقبل على بني أمية وأعرض عن غيرهم ، ثم آل الأمر إلى علي بن أبي طالب من غير صفو كصفوها لغيره بل مشوبة بالأكدار ، فولَّى مع ذلك عبد الله بن العباس البصرة ، وولَّى عبيد الله بن العباس اليمن ، وولَّى قثم البحرين ، وما ترك منهم أحداً إلا ولاه ، فكانت هذه في أعناقنا حتى كافأته في ولده بما فعلتُ . ولا يكون بعد هذا إلا ما تحبون ، ثم رجع إلى لبس السواد )!

 

 

الفصل الثالث

رجوع المأمون إلى بغداد

دخل المأمون بغداد فانهزم جيش عمه الخليفة المغني!

قال المسعودي في التنبيه والإشراف/303:(ولما قرب المأمون من بغداد اضطرب على إبراهيم من كان يعتمد على نصرته، وقعد عنه أكثرمن بايعه من العباسيين وغيرهم ، فاستتر لإحدى‌عشرة ليلة خلت من ذي‌الحجة من هذه السنة، وقال معاتباً للعباسيين:

فلا جزيَـت بنـو العباس خيـراً

 

على رغمي ولا اغتبطت بـريِّ

أتوني مهطعين وقد أتاهم

 

بوار الدهر بالخبر الجلي

وقد ذهل الحواضن عن بنيها

 

وصد الثدي عن فمِّ الصبي

وحل عصائب الأملاك منها

 

فشدت في رقاب بني علي

فضجت أن تشد على رؤوس

 

تطالبها بميراث النبي

وكانت أيامه منذ بويع إلى أن استتر سنة وإحدى عشر شهراً وأياماً ، ودخل المأمون مدينة السلام يوم السبت لثمان عشرة ليلة خلت من صفر سنة 204 وأمر بإعادة لبس السواد وتخريق الخضرة ، بعد ثمانية أيام من قدومه .

ولم يزل إبراهيم مستتراً منتقلاً بمدينة السلام إلى أن ظفر به في استتاره ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة 210 فعفا عنه المأمون ).

سياسة المأمون في بغداد

1. يتبنى المأمون طريقة القتل الناعم لخصومه ومن يخاف منهم! فهو يمدح خصمه ويكرمه ويظهرله أنه من المحبين له، بينما يضع خطة ماكرة لقتله، وينفذها بطريقة مخفية حتى لاينسب قتله اليه! ثم يبكي عليه بكاء المفجوع البرئ وتجري دموعه! ويجعل نفسه المعزى به.

وقد يرسل من يقتله ثم يقتل القاتل ، وينكر أنه أرسله ! كما فعل بالفضل بن سهل ، وكذلك قتل أجبر الإمام الرضا عليه السلام على تناول السم وبكى عليه !

ثم قتل بالسم في بغداد الحسن بن سهل، بعد أن استوزره وأكرمه ، وتزوج ابنته بوران، وأقام لها عرساً كسروياً في قصرأبيها !

2. عاد المأمون الى بغداد وكان أول همه أن يهزم بقية جيش عمه إبراهيم بن المهدي ، الذي بايعه العباسيون بالخلافة غضباً على المأمون.

وقد انهزم بقية هذا الجيش بدون قتال ، واختفى إبراهيم حتى عفا عنه المأمون ، وأعاد له رتبته مغنياً زماراً في قصرالخليفة !

3. وكان أكبرهم المأمون أن يتألف العباسيين ويكسب رضاهم ولو على مضض ، فأظهر خضوعه لهم ، وتقرب اليهم بأنواع الأعمال !

4. وكان همُّه أن يضرب خصومه وفي أولهم الحسن بن سهل ، لأنه يعرف أنه سينتقم لأخيه الفضل الذي يعتقد أن المأمون قتله ، وكان الحسن حاكم بغداد والمشرق . فقرر المأمون أن يقضي عليه بطريقة ناعمة وخطة جهنمية كخطط أخواله الخراسانيين البرامكة والفضل بن سهل . فعظمه وأشاد به وتزوج ابنته بوران في عرس لامثيل له، حتى عند كسرى وقيصر!

ثم أعطاه سماً متطوراً جعله مجنوناً مخبولاً بقية عمره ، أكثر من ثلاثين سنة !

5. وكان من همِّ المأمون أن يضرب الفقهاء والمتكلمين الذين أفتوا لأخيه الأمين بعزله، فعرف أن مذهب أكثرهم القول بعدم خلق القرآن ، فاخترع لهم الإمتحان بذلك بحجة أن الذي يقول بعدم خلق القرآن فهو يقول إنه إلهٌ مع الله غير مخلوق، فهو مشرك لايجوز أن يعمل في وظائف الدولة الإسلامية بل الخليفة مخير بين قتله ، أو سجنه حتى يتوب !

6. وكان يهتم بتغيير سياسة بني العباس مع أبناء علي عليه السلام فهو يعتقد بأن علياً أحق الناس برسول ‌الله صلى الله عليه وآله وأنه وأولاده عترة‌ النبي صلى الله عليه وآله ووارثوا علمه. وأن سياسة العباسيين في عدائهم وقمعهم واضطهادهم غلط ، بل اللازم تجليلهم وتقريبهم والإستفادة من علمهم ، فإن طمع منهم طامع بالخلافة يجب أن يقضى عليه بطريقة ناعمة !

فالمأمون يريد أن تكون الدولة عباسية في الحكم ، علوية في الثقافة فقط .

فإذا رأى علوياً (افتتن) الناس به قتله قتلاً ناعماً ، وبكى عليه !

ولذلك أقام مناظرات مع الفقهاء والمحدثين والمتكلمين وجمعهم من بغداد وكافة العراق وناظرهم ، ليثبت لهم أفضلية علي بن أبي طالب عليه السلام على الصحابة وعلمه وتميزه . وقد برع المأمون في مناظرتهم وأقروا له .

ثم جمع العباسيين وأراهم محمد الجواد بن الإمام الرضا عليهم السلام وعمره تسع سنين ، وأمر قاضي قضاته أن يسأله ويمتحنه فظهر منه العلم والفقه ما تعجبوا له وأقروا له ، ثم أقام له حفلة عرس وعقد له الزواج على ابنته !

7. ثم كان المأمون يهتم بتقوية ولي عهده ابنه الجميل الساذج العباس.

8. أما أول ماكان يهتم به المأمون قبل أي شيئ، فهو توفيرمجالس لهوه وخمره وفسقه. وكان خماراً ، زماراً ، زانياً ، مأبوناً ، يبيت مركوباً ويستيقظ مخموراً، كما يصف هو كل بني العباس !

المأمون أسد في طوس نعامة في بغداد !

كتب العباسيون إلى المأمون كتاباً يستنكرون فيه عهده بولاية العهد لعلي بن موسى الرضا عليه السلام ، وينتقدون وزراءه من المجوس ، فأجابهم جواباً فاضحاً لمجتمعهم المخملي وتفاهة شخصياتهم ! وقد تغير ذلك كله لما جاء الى بغداد !

وقد تقدمت رسالته اليهم برواية ابن طاووس في الطرائف/273 ، عن ابن مسكويه المؤرخ في كتابه: نديم الفريد ، ونقتطف منها هنا قوله: (ويحكم إن بني أمية إنما قتلوا منهم من سل سيفاً وإنا معشر بني العباس قتلناهم جملاً فلتسألن أعظُم الهاشمية بأي ذنب قتلت ولتسألن نفوس ألقيت في دجلة والفرات ، ونفوس دفنت ببغداد والكوفة أحياء ، هيهات إنه مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ !

وأما ما وصفتم في أمر المخلوع وما كان فيه من لبس فلعمري ما لبس عليه أحد غيركم إذ هونتم عليه النكث وزينتم له الغدر..

وأما ما ذكرتم من استبصار المأمون في البيعة لأبي الحسن الرضا عليه السلام فما بايع له المأمون إلا مستبصراً في أمره عالماً بأنه لم يبق أحد على ظهرها أبين فضلاً ولا أظهر عفة ، ولا أورع ورعاً ولا أزهد زهداً في الدنيا، ولا أطلق نفساً ولا أرضى في الخاصة والعامة ، ولا أشد في ذات ، منه ، وإن البيعة له لموافقة رضى الرب عزّ وجلّ ...

فلا تكثروا في هذا المقال ، فإن لساني لم يزل مخزوناً عن أمور وأنباء ، وإن تزعموا أني أردت أن يؤول إليهم عاقبة ومنفعة ، فإني في تدبيركم والنظر لكم ولعقبكم وأبنائكم من بعدكم، وأنتم ساهون لاهون تائهون في غمرة تعمهون لا تعلمون ما يراد بكم ، وما أظللتم عليه من النقمة ، وابتزاز النعمة ، همة أحدكم أن يمسي مركوباً ويصبح مخموراً ! والله لو أن بني أمية الذين قتلتموهم بالأمس نشروا فقيل لهم لا تأنفوا في معائب تنالونهم بها ، لما زادوا على ما صيرتموه لكم شعاراً ودثاراً وصناعة وأخلاقاً. ليس فيكم إلا من إذا مسه الشر جزع وإذا مسه الخير منع ، ولا تأنفون ولا ترجعون إلا خشية. وكيف يأنف من يبيت مركوباً ويصبح بإثمه معجباً كأنه قد اكتسب حمداً ، غايته بطنه وفرجه ، لايبالي أن ينال شهوته بقتل ألف نبي مرسل أو ملك مقرب ! أحب الناس إليه من زين له معصية أو أعانه في فاحشة ، تنظفه المخمورة وتربده المطمورة ، فشتَّتِ الأحوال . فإن ارتدعتم مما أنتم فيه من السيئات والفضائح ، وما تهذرون به من عِذاب ألسنتكم ، وإلا فدونكم تعلَّموا بالحديد ولا قوه إلا بالله ).

أقول: من المشهورات أن الطبقة المخملية في بني أمية وبني العباس مأبونون يطلبون الرجال، ونساؤهم سحاقيات ، ومن أشهرهم المتوكل وقد حبسه أخوه الواثق ليبعده عن (رجاله) ! وجاء به ابن أبي دؤاد من السجن وبايعه بالخلافة !

وفي عصرنا تنظر الثقافة الغربية للواط بأنه حرية شخصية ، وأنه عمل عادي ، لكن الإسلام يرى أنه فاحشة ودمار اجتماعي أشد من الزنا ، ويستحق الغضب الإلهي.

ففي الكافي:(5/549)قال عطية: (ذكرت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام المنكوح من الرجال فقال: ليس يُبلي الله بهذا البلاء أحداً وله فيه حاجة ! إن في أدبارهم أرحاماً منكوسة وحياء أدبارهم كحياء المرأة ، قد شرك فيهم ابن لإبليس يقال له زوال (فالواحد منهم شرك شيطان) فمن شرك فيه من الرجال كان منكوحاً ، ومن شرك فيه من النساء كانت من الموارد (سحاقية).

والعامل على هذا من الرجال إذا بلغ أربعين سنة لم يتركه وهم بقية سدوم ! أما إني لست أعني بهم بقيتهم ولكنهم من طينتهم، قال قلت: سدوم التي قلبت؟قال: هي أربع مدائن:سدوم وصريم ولدماء وعميراء ، قال: فأتاهن جبرئيل وهن مقلوعات إلى تخوم الأرض السابعة فوضع جناحه تحت السفلى منهن ورفعهن جميعاً حتى سمع أهل سماء الدنيا نباح كلابهم ثم قلبها )!

موقف العباسيين المتعجرف من ولاية عهد الرضا عليه السلام

قال ابن الجوزي في المنتظم(10/82 و90): (ثم دخلت سنة إحدى ومائتين ، وفي هذه السنة بويع لإبراهيم بن المهدي ، وكان السبب ما ذكرناه وهو أن المأمون لما بايع لعلي بن موسى الرضا نفر العباسيون وأظهروا أنهم خلعوا المأمون ، وبايعوا لإبراهيم بن المهدي، ومن بعده إسحاق بن موسى بن المهدي ، وضمنوا للجند أشياء يعطونهم ، وأمروا رجلاً يقول يوم الجمعة حين يؤقت المؤذن: إنا نريد أن ندعو للمأمون ، ومن بعده لإبراهيم يكون خليفة ، ودسوا قوماً فقالوا: إذا قام من يتكلم بهذا فقوموا وقولوا:لا نرضى إلا أن تبايعوا لإبراهيم ومن بعده لإسحاق وتخلعوا المأمون ، فلما قام من تكلم بهذا وأجيب بهذا لم يصلَّوا في ذلك اليوم الجمعة ولا خطب أحد ، وصلَّى الناس أربع ركعات ، وذلك في يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة) !

وهذا يدل على ضعف المخالفين للمأمون ، وإن كانوا تياراً قوياً في بني العباس.

 

 

حرم العباسيون إسم بني هاشم على غيرهم من الهاشميين!

قال المسعودي(2/47):(في سنة مائتين...أمر المأمون بإحصاء ولد العباس من رجالهم ونسائهم وصغيرهم وكبيرهم ، فكان عددهم ثلاثة وثلاثين ألفاً) .

وكان العباسيون متعصبين لأنفسهم حتى ضد إخوانهم من بني هاشم ، وبالأخص أبناء أبي طالب، فكانوا يتسمون ببني هاشم ولا يسمحون لهم أن يتسموا بني هاشم! وكان المأمون عفريتاً مستكبراً كما وصفه الله تعالى في الحديث القدسي ، جباراً قاتلاً كأبيه هارون ، لكنه لما رجع الى بغداد كان ضعيفاً تماماً أمام العباسيين! يتزلف رضاهم عنه ، ويعمل كل ما يريدونه ليرضوا عليه ، فقتل عدوهم المتعصب ضد العرب الفضل بن سهل ، وقتل الرضا الذي أغاضهم نصبه ولي عهده ، وأمر بالعودة الى السواد ! وقال لهم: لقد مات الفضل ومات الرضا ، وعدت الى لبس السواد فما حجتكم عليَّ ؟!

قال أبو الفداء في تاريخه(2/24): (ولما مات كتب المأمون إلى أهل بغداد يعلمهم بموت علي الرضا وقال: إِنما نقمتم علي بسببه وقد مات)!

وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء/334:(في سنة إحدى ومائتين خلع أخاه المؤتمن من العهد ، وجعل وليَّ العهد من بعده على الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق ، حمله على ذلك إفراطه في التشيع حتى قيل إنه هم أن يخلع نفسه ويفوض الأمر إليه وهو الذي لقبه الرضا وضرب الدراهم باسمه وزوجه ابنته ، وكتب إلى الآفاق بذلك وأمر بترك السواد ولبس الخضرة ، فاشتد ذلك على بني العباس جداً وخرجوا عليه وبايعوا إبراهيم ‌بن ‌المهدي ولقب المبارك، فجهز المأمون لقتاله وجرت أمور وحروب، وسار المأمون إلى نحو العراق ، فلم ينشب علي الرضا أن مات في سنة ثلاث ، فكتب المأمون إلى أهل بغداد يعلمهم أنهم ما نقموا عليه إلا ببيعته لعلي وقد مات ، فردوا جوابه أغلظ جواب ، فسار المأمون وبلغ إبراهيم بن المهدي تسلل الناس من عهده فاختفى في ذي الحجة ، فكانت أيامه سنتين إلا أياماً ).

أقول: نقرأ عن حقد قريش على النبي صلى الله عليه وآله وبني هاشم ، فنجد مثله عند العباسيين على بني أبي طالب . فقد تقرب اليهم المأمون الى أقاربه بأنواع التقرب فلم ينفع ذلك معهم ، حتى قتلوه بالسم وهو في غزو الروم، وحبسوا ابنه العباس ولي عهده ثم عذبوه وقتلوه ، وأذلوا أسرة المأمون، وبايعوا مكان ابنه العباس المعتصم بن هارون !

عرس المأمون الكسروي على بوران بنت الحسن بن سهل!

قَتَلَ المأمون في طوس وزيره الفضل بن سهل ذي الرياستين.ثم جاء الى بغداد واتخذ أخاه الحسن بن سهل وزيراً ، وبعد سنوات تزوج بنته بُوران وأقام مراسم كسروية لعرسه في قصرالحسن بن سهل قرب واسط ، وأنفق فيه الملايين ، وفي المسلمين من يعيش الجوع والعري ويحتاج إلى الدرهم !

وأنفقت زبيدة وحدها في عرسه بضعة وثلاثين مليون درهم !

وكأن المأمون بذلك يغطي على الحسن بن سهل وأنصاره ، قتله لأخيه !

واشتهر إسم فم الصِّلح من عرس المأمون ببوران . والصِّلح بكسر الصاد اسم نهر يصب في دجلة ، وفمه يعني مصبه .

قال في معجم البلدان(4/276): (وهو نهر كبير فوق واسط بينها وبين جبل عليه عدة قرى ، وفيه كانت دار الحسن بن سهل وزير المأمون ، وفيه بنى المأمون ببوران ، وقد نسب إليه جماعة من الرواة والمحدثين وغيرهم ، وهو الآن خراب إلا قليلاً ).وكان عرس المأمون سنة 210 وعمره أربعون سنة .

وفي مآثر الإنافة في معالم الخلافة( 3 / 365 ): (لما عملت دعوة المأمون حين تزوج بوران بنت الحسن بن سهل ، أقام أبوها للمأمون ولجميع قواده وأصحابه بفم الصلح ، إنزالهم أربعين يوماً ، واحتفل بما لم ير مثله نفاسة وكثرة . قال المبرد: سمعت الحسن بن بغا يقول: كنا نجري أيام مقام المأمون عند الحسن على ستة وعشرين ألف ملاح.

ولما كانت ليلة البناء وجُليت بوران على المأمون فرش حصير من ذهب ، وجئ بمكتل مرصع فيه در كبار فنثرت على من حضر من النساء ، وفيهن أم جعفر وحمدونة بنت الرشيد ، فما مس من حضر من الدر شيئاً فقال المأمون: شرفن أبا محمد وأكرمنها، فمدت كل واحدة يدها، فأخذت درة، وبقيت سائر الدرر تلوح على حصير الذهب، فقال المأمون: قاتل الله الحسن بن هانئ ، كأنه قد رأى هذا حيث يقول:

كأن صغرى وكبرى من فواقعها

 

حصباء در على أرض من الذهب

وكان في المجلس شمعة عنبر فيها مائتا رطل ، فضج المأمون من دخانها فعملت له مُثُل من الشمع ، فكان الليل مدة مقامه مثل النهار .

ولما كانت دعوة القواد نثرت عليهم رقاع فيها أسماء ضياع ، فمن وقعت في يده رقعة بضيعة أشهد له الحسن بها . ويقال إنه أنفق في هذه الدعوة أربعة آلاف ألف دينار ، فلما أراد المأمون أن يصعد أمر له بألف ألف دينار ، وأقطعه الصلح وعتبه على احتفاله ذلك الإحتفال وحمله على نفسه. فقال له يا أمير المؤمنين أيظن ذلك من مال سهل والله ما هو إلا مالك رد إليك ، وأردت أن يفضل الله أيامك ونكاحك ، كما فضلك على جميع خلقه ) !

وفي تاريخ الطبري(7/178): (لما مضى إلى فم الصلح إلى معسكر الحسن بن سهل حمل معه إبراهيم بن المهدي وشخص المأمون من بغداد حين شخص إلى ما هنالك للبناء ببوران راكباً زورقاً حتى أرسى على باب الحسن، وكان العباس بن المأمون قد تقدم أباه على الظهرفتلقاه الحسن خارجاً عسكره في موضع قد اتخذ له على شاطئ دجلة ، بنى له فيه جوسقاً ، فلما عاينه العباس ثنى رجله لينزل فحلف عليه الحسن ألا يفعل فلما ساواه ثنى رجله الحسن لينزل فقال له العباس: بحق أمير المؤمنين لاتنزل، فاعتنقه الحسن وهو راكب ثم أمر أن يقدم إليه دابته ودخلا جميعاً منزل الحسن ، ووافى المأمون في وقت العشاء وذلك في شهر رمضان من سنة 210 فأفطرهو والحسن والعباس ودينار بن عبد الله قائم على رجله حتى فرغوا من الإفطار وغسلوا أيديهم ، فدعا المأمون بشراب فأتى بجام ذهب فصب فيه وشرب ، ومد يده بجام فيه شراب إلى الحسن فتباطأ عنه الحسن لأنه لم يكن يشرب قبل ذلك فغمز دينار بن عبد الله الحسن، فقال له الحسن: يا أمير المؤمنين أشربه بإذنك وأمرك ، فقال له المأمون لولا أمري لم أمدد يدي إليك ، فأخذ الجام فشربه فلما كان في الليلة الثانية ، جمع بين محمد بن الحسن بن سهل والعباسة بنت الفضل ذي الرئاستين ، فلما كان في الليلة الثالثة دخل على بوران وعندها حمدونة وأم جعفر وجدتها ، فلما جلس المأمون معها نثرت عليها جدتها ألف درة كانت في صينية ذهب ، فأمر المأمون أن تجمع وسألها عن عدد ذلك الدر كم هو فقالت ألف حبة ، فأمر بعدها فنقصت عشراً فقال من أخذها منكم فليردها فقالوا حسين زجلة فأمره بردها ، فقال يا أمير المؤمنين إنما نثر لنأخذه قال: ردها فإني أخلفها عليك فردها ، وجمع المأمون ذلك الدر في الآنية كما كان فوضع في حجرها وقال: هذه نحلتك وسلي حوائجك، فأمسكت فقالت لها جدتها: كلمي سيدك وسليه حوائجك فقد أمرك ، فسألته الرضا عن إبراهيم بن المهدي فقال: قد فعلت ، وسألته الإذن لأم جعفر في الحج فأذن لها ، وألبستها أم جعفر البدنة الأموية (لباس نسائي أموي أي رومي) وابتنى بها في ليلته ، وأوقد في تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون مناً في تور ذهب ، فأنكر المأمون ذلك عليهم وقال هذا سرف .

فلما كان من الغد دعا بإبراهيم بن المهدي فجاء يمشي من شاطئ دجلة عليه مبطنة ملحم وهو معتم بعمامة حتى دخل ، فلما رفع الستر عن المأمون رمى بنفسه ، فصاح المأمون يا عم لابأس عليك ! فدخل فسلم عليه تسليم الخلافة وقبل يده ، وأنشد شعره ، ودعا بالخِلع فخلع عليه خلعة ثانية ودعا له بمركب وقلده سيفاً ، وخرج فسلم على الناس ورد إلى موضعه .

وذكر أن المأمون أقام عند الحسن بن سهل سبعة عشر يوماً يعد له في كل يوم لجميع من معه جميع ما يحتاج إليه ، وأن الحسن خلع على القواد على مراتبهم وحملهم ووصلهم وكان مبلغ النفقة عليهم خمسين ألف ألف درهم ).

وقال الفخري في الآداب السلطانية/320:(استوزره المأمون بعد أخيه الفضل ومال إليه، وتلافاه جبراً لمصابه بقتل أخيه وتزوج ابنته بوران ، وانحدر في أهله وأصحابه وعساكره وأمرائه إلى فم الصلح بواسط فقام الحسن بن سهل في إنزالهم قياماً عظيماً ، وبذل من الأموال ونثر من الدرر ما يفوق حد الكثرة ، حتى إنه عمل بطاطيخ من عنبر وجعل في وسط كل واحدة منها رقعة بضيعة من ضياعه ونثرها ، فمن وقعت في يده بطيخة منها فتحها وتسلم الضيعة التي فيها ، وكانت دعوة عظيمة تتجاوز حد التجمل والكثرة ، حتى إن المأمون نسبه إلى ذلك إلى السرف ، وقالوا جملة ما أخرج على دعوة فم الصلح خمسون ألف ألف درهم.

كان الحسن بن سهل قد فرش للمأمون حصيراً منسوجاً من الذهب ، ونثر عليه ألف لؤلؤة من كبار اللؤلؤ .. وكان الحسن بن سهل أعظم الناس منزلة عند المأمون ، وكان المأمون شديد المحبة لمفاوضته، فكان إذا حضرعنده طاوله في الحديث.. ثم عرضت له سوداء كان أصلها جزعه على أخيه ، فانقطع بداره ليتطبب واحتجب عن الناس ، إلا أنه بقي أعلى الخلق مكانة )! (أعلى الخلق مكانة عند المأمون ، خبَّله المأمون بالسُّم)!

واستوزر المأمون أحمد بن أبي خالد ، فكان أحمد في كل وقت يقصد خدمة الحسن بن سهل ، وإذا حضر الحسن دار المأمون كان أعلى الناس مكانة .

ومات الحسن بن سهل في سنة ست وثلاثين ومائتين في أيام المتوكل !

دس المأمون السم للحسن بن سهل ففقد عقله وعاش طويلاً ذليلاً!

في تاريخ الطبري (7/150): (في هذه السنة ( 203) غلبت السوداء على الحسن بن سهل فذكر سبب ذلك أنه كان مرض مرضاً شديداً، فهاج به من مرضه تغير عقله حتى شد في الحديد وحبس في بيت ، وكتب بذلك قواد الحسن إلى المأمون فأتاهم جواب الكتاب أن يكون على عسكره بن دينار بن عبد الله ، ويعلمهم أنه قادم على أثر كتابه).

وقال في الآداب السلطانية/333: (وكان المأمون لما ولى طاهر بن الحسين خراسان ، استشار فيه أحمد بن أبي خالد فصوب أحمد الرأي في تولية طاهر ، فقال المأمون لأحمد: إني أخاف أن يغدر ويخلع ويفارق الطاعة ! فقال أحمد: الدركُ في ذلك عليَّ، فولاه المأمون، فلما كان بعد مدة أنكر المأمون عليه أموراً وكتب إليه يتهدده فيه ، فكتب طاهر جواباً أغلظ فيه للمأمون ثم قطع إسمه من الخطبة ثلاث جمع ، فبلغ ذلك المأمون فقال لأحمد بن أبي خالد: أنت الذي أشار بتولية طاهر وضمنت مايصدر منه وقد ترى ما صدر منه من قطع الخطبة ومفارقة الطاعة ، فوالله لئن لم تتلطف لهذا الأمر وتصلحه كما أفسدته ضربت عنقك! فقال أحمد: يا أمير المؤمنين طب نفساً فبعد أيام يأتيك البريد بهلاكه ، ثم إن أحمد بن خالد أهدى لطاهر هدايا فيها كوامخ مسمومة وكان طاهر يحب الكامخ، فأكل منها فمات من ساعته ! وقيل: إن أحمد بن أبي خالد لما تولى طاهر خراسان حسب هذا الحساب ، فوهبه خادماً وناوله سماً ، وقال له: متى قطع خطبة المأمون فاجعل له هذا السم في بعض ما يحب من المآكل ، فلما قطع طاهر خطبة المأمون جعل الخادم له السم في كامخ ، فأكل منه فمات في ساعته ، ووصل الخبر على البريد بموته إلى المأمون بعد أيام فكان ذلك مما عظم به أمرأحمد بن أبي خالد. ومات أحمد حتف أنفه سنة 210).

أقول: الكامخ: مخلل مُشَهٍّ للطعام ، ويسمى المزة . وأصله فارسي: كامك .

وقد تخلص المأمون من الحسن بن سهل على العادة بنوع خاص من السم ، أخفى من الكامخ بعد تعظيمه وعرسه التاريخي على ابنته ! فأصيب الحسن بن سهل بالجنون وطال عمره مخبولاً مشلوالبدن مخبولاً ثلاثاً وثلاثين سنة ، من سنة 204- 236 !

ولا أظن أن بنته بوران بقيت في بيت المأمون بعد جنون والدها ، وفقدانه الوزارة .

وهكذا تخلص المأمون من آل سهل ، وكان الحسن آخر الشخصيات البرمكية .

كما تخلص من طاهر بن الحسين الخزاعي القائد التاريخي عند العباسيين ، لكن سُمَّ طاهراً من كامخ أحمد بن أبي خالد كان سريعاً ، وسمَّ الحسن بن سهل كان بطيئاً .

اخترع المأمون للفقهاء والمتكلمين امتحاناً لإسقاطهم!

لما رجع إلى بغداد وجد أن الفقهاء والمحدثين الذين أيدوا أخاه الأمين ، يقولون بقدم القرآن ، وأنه كلام الله غيرمخلوق لأنه صفة ذاتية لله تعالى ، أو لأنه جزء من ذات الله عند من يقول إن الله تعالى وجود مركب ، فاتخذها المأمون حجة للإنتقام منهم ، ورفع شعار أن القول بقدم القرآن شرك بالله تعالى ، لأنه يعني وجود شئ قديم مع الله تعالى قبل الخلق. فأمر بامتحان القضاة والمحدثين ، فمن قال إن القرآن مخلوق شغَّله في وظائف الدولة، ومن قال غيرمخلوق عزله ، وحبسه ، أو قتله !

يريد بذلك هدم مكانة القضاة والفقهاء ونفوذهم ، ومنع تأثيرهم على الناس ، ويكفي دليلاً أن رسائله لصاحب شرطته ذكرت لهم سيآت لاعلاقة لها بعقيدة قدم القرآن وخلقه ! وقد استمر هذا الإمتحان بضع عشرة سنة ، لأن المأمون شدد بتنفيذه سنة 218 ، لما كان بطرطوس ، ثم تبناه المعتصم والواثق ، إلى أن ألغاه المتوكل سنة 232 . وقد كانت مسألة خلق القرآن مطروحة بين المتكلمين من زمن الإمام جعفر الصادق عليه السلام كما شرحنا في كتاب سيرة الإمام الهادي عليه السلام فأخذها المأمون وجعلها مادة امتحان خبيث بأمر مبهم ، يمكن معه الحكم على من يجيب بالنفي أو بالإثبات !

فقد أجاب بعضهم في زمن المأمون بأن القرآن قديم فقيل له أنت كافر تجعل مع الله شريكا! وأجاب بعضهم في زمن المتوكل بأن القرآن مخلوق فقيل له تقول إن كلام الله مختلق ، أو تقول إن الله مخلوق ، لأن كلامه منه !

فكانت مادة امتحان المأمون ، نفسها مادة امتحان المتوكل!

وسيأتي قول الإمام الهادي عليه السلام : وليس الخالق إلا الله وما سواه مخلوق ، لكن قولوا القرآن كلام الله ، ولا تقولوا مخلوق .

قال اليعقوبي (2/467): ( وصار المأمون إلى دمشق سنة 218 ، وامتحن الناس في العدل والتوحيد، وكتب في إشخاص الفقهاء من‌العراق وغيرها، فامتحنهم في خلق القرآن، وأكفر من امتنع أن يقول القرآن غيرمخلوق ، وكتب أن لا تقبل شهادته ، فقال كل بذلك ، إلا نفراً يسيراً ) .

وروى الطبري ( 7/197) قصة امتحان المأمون للفقهاء والمحدثين ، وفيها رسائله من سوريا إلى صاحب شرطته في بغداد ، ونورد منها فقرات ، قال:

( كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم في إشخاص سبعة نفر منهم محمد بن سعد كاتب الواقدي ، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون، ويحيى بن معين ، وزهير بن حرب أبو خيثمة، وإسماعيل بن داود ، وإسماعيل بن أبي مسعود ، وأحمد بن الدورقي، فأشخصوا إليه ، فامتحنهم وسألهم عن خلق القرآن فأجابوا جميعاً إن القرآن مخلوق فأشخصهم إلى مدينة السلام ، وأحضرهم إسحاق بن إبراهيم داره ، فشهر أمرهم وقولهم بحضرة الفقهاء والمشايخ من أهل الحديث ، فأقروا بمثل ما أجابوا به المأمون فخلى سبيلهم .

وكتب المأمون بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم: أما بعد فإن من حق الله على خلفائه في أرضه أن يجهدوا لله أنفسهم ، وينصحوا له فيما استحفظهم ، ويهدوا إليه من زاغ عنه ، ويردوا من حاد عن أمره .

ومما بينه أمير المؤمنين برويته وطالعه بفكره ، فتبين عظيم خطره من القول في القرآن ألا يكون مخلوقاً ، فتعرضوا بذلك لدفع خلق الله الذي بان به عن خلقه ، وتفرد بجلالته من ابتداع الأشياء كلها بحكمته وإنشائها بقدرته ، والتقدم عليها بأوليته ، التي لايبلغ أولاها ولايدرك مداها ، وكان كل شئ دونه خلقا من خلقه وحدثا هو المحدث له،وضاهوا به قول‌النصارى في ادعائهم في عيسى‌بن‌مريم أنه ليس بمخلوق، إذ كان كلمة الله والله عزّ وجلّ يقول: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.

وتأويل ذلك أنا خلقناه. كما قال جل جلاله: وجعل منها زوجها ليسكن إليها ، وصفوا خلق الله وفعله بالصفة التي هي لله وحده وشبهوه به !

وليس يرى أمير المؤمنين لمن قال بهذه المقالة حظاً في الدين ، ولا نصيباً من الإيمان واليقين ، ولا يرى أن يحل أحداً منهم محل الثقة في أمانة ، ولا عدالة ، ولا شهادة ، ولا تولية لشئ من أمر الرعية !

فأقرِئ علي جعفر بن عيسى، وعبد الرحمن بن إسحاق القاضي كتاب أمير المؤمنين بما كتب به إليك ، وأنصصهما عن علمهما في القرآن ، وأعلمهما أن أمير المؤمنين لا يستعين على شئ من أمور المسلمين ، إلا بمن وثق بإخلاصه وتوحيده ، وأنه لاتوحيد لمن لم يقر بأن القرآن مخلوق ، وافعل ذلك بمن في سائر عملك من القضا ة ، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون منك في ذلك)!

وقال المروزي في مسائل الإمام أحمد/109، ملخصاً: «وفي عام مائتين واثني عشرأعلن المأمون القول بخلق القرآن ، وفي عام ثماني عشرة ومائتين رأى المأمون حمل الناس والعلماء والقضاة والمفتين على القول بخلق القرآن الكريم ، وكان آنذاك منشغلاً بغزوالروم ، فكتب إلى نائبه إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يدعوالناس إلى القول بخلق القرآن ..

قال أحمد بن حنبل: فأُخذتُ وسُحبتُ ، وخُلعتُ وجئ بالعُقَابين «خشبة يثبت بها المضـروب » والسياط وأنا أنظر ، فجعل أحدهم يضربني سوطين ويقول له يعني المعتصم: شدَّ قطع الله يديك ، ويجئ الآخر فيضربني سوطين. فذهبَ عقلي فلم أُحِسّ بالضرب ، وَأَرْعَبَهُ ذلك من أمري وأمر بي فأطلقت ! ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من بيت ، وقد أطلقت الأقياد من رجلي ).

يقول أحمد: لقد أغمي عليَّ ولم أشعر بما قلت فأطلقوني ! والصحيح أنهم إنما أطلقوه لأنه أقرَّ له بأن القرآن مخلوق !

الإمام الهادي عليه السلام يشرح مسألة خلق القرآن

وقد تفاقمت مقولة القرآن غير مخلوق في زمن الإمام الهادي عليه السلام فكتب الى بعض شيعته ببغداد: «بسم الله الرحمن‌الرحيم ، عصمنا الله و إياك من‌ الفتنة ، فإن ‌يفعل فَأَعْظِمْ بها نعمة ، وإلا يفعل فهي الهلكة. نحن نرى أن الجدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائل والمجيب فتعاطى السائل ما ليس له وتكلف المجيب ما ليس عليه . وليس الخالق إلا الله وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله.

لاتجعل له إسماً من عندك فتكون من الضالين. جعلنا الله وإياك من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون».«أمالي الصدوق/639» .

فقد أعطى الإمام عليه السلام القاعدة بأن كل ما سوى الله تعالى مخلوق ، لكنه مَنَعَ من وصف كلامه تعالى بأنه مخلوق ، حتى لايصورونه بغير معناه .

والسائل في نظر الإمام عليه السلام لايفقه معنى القرآن ، وأنواع وجوده ، قبل نزوله الى جبرئيل ، ثم نزول جبرئيل به الى الرسول صلى الله عليه وآله ثم عندنا ، الى أن يتجسد بصورة إنسان في يوم القيامة ! وأشد جهلاً بمعنى الخلق فهو أنواع، فنحن لا نعرف كيفية خلق المطر وتكوين ذرَّاته الأولى مع أنه يتم أمام أعيننا. ولا كيفية خلق أنفسنا من عدم ، ولا كيفية تسويتها بعد ذلك ، ولا القوى التي سواها الله بها ، وأقسم بها !

وما دام السائل لايفقه جوهر سؤاله ولا مغزاه ، فهو يتعاطى أمراً لا يفقهه ، ولا يعرف لغته التي تستعمل فيه ، فيفرض ألفاظه هو على الموضوع ، كالذي يسأل عن مسألة رياضية معقدة بألفاظ عامية لا تصلح للتعبير عنها .

قال الشريف المرتضى في رسائله «1/152»: «وسأل أحسن الله توفيقه عن القرآن هل هومخلوق أوغير مخلوق؟

الجواب وبالله التوفيق: إن القرآن مُحدثٌ لا محالة ، وأمارات الحدث في الكلام أبين وأظهر منها في الأجسام وكثير من الأعراض ، لأن الكلام يعلم تجدده بالإدراك ، ونقيضه بفقد الإدراك ، والمتجدد لا يكون إلا محدثاً ، والنقيض لا يكون قديماً ، وما ليس بقديم وهوموجود محدث ، فكيف لا يكون القرآن محدثاً وله أول وآخر ..

وقد وصف الله تعالى القرآن بأنه محدث مصرحاً غير ملوح ، ولا يجوز أن يصفه بغير ما يستحقه من الأوصاف .

فأما الوصف للقرآن بأنه مخلوق ، فالواجب الإمتناع منه والعدل عن إطلاقه ، لأن اللغة العربية تقتضي فيما وصف من الكلام بأنه مخلوق أومختلق أنه مكذوب مضاف إلى غير فاعله ، ولهذا قال الله عزوجل: إن هذا إلا اختلاق. وتخلقون إفكاً.

ولا فرق بين قول العربي لغيره كذبت ، وبين قوله خلقت كلامك واختلقته .

وقد ورد عن أئمتنا عليهم السلام في هذا المعنى أخبار كثيرة تمنع من وصف القرآن بأنه مخلوق ، و أنهم عليهم السلام قالوا: لا خالق ولا مخلوق).

المأمون يناظر الفقهاء والمتكلمين بعقيدته في علي عليه السلام

روى الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/199) عن إسحاق بن حماد قال: (كان المأمون يعقد مجالس النظر، ويجمع المخالفين لأهل البيت ، ويكلمهم في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وتفضيله على جميع الصحابة ، تقرباً إلى أبي الحسن علي بن موسى الرضا. وكان الرضا يقول لأصحابه الذين يثق بهم: لا تغتروا منه بقوله ، فما يقتلني والله غيره ، ولكنه لا بد لي من الصبر حتى يبلغ الكتاب أجله ).

فالمأمون شخص متناقض، يعقد المجالس في قصره لإثبات إمامة علي والأئمةمن أبنائه عليهم السلام ، ثم يرتكب جريمة قتلهم! فهو كما وصفه حديث اللوح القدسي(الكافي:1/527) الذي أنزله الله تعالى هدية للزهراء عليها السلام وفيه أسماء الأئمة عليهم السلام وفيه عن الثامن منهم:(يقتله عفريت مستكبر، يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح (ذو القرنين) إلى جنب شر خلقي)..

ويظهر أن المأمون بقي كل عمره يناظر في إثبات مذهب التشيع ! فقد نصت بعض المناظرات على أن الفقهاء لم يروا المأمون بعدها حتى مات ، ومعناه أن وقتها قريب من موت المأمون سنة 218. وذكر بعضها أنه خاطب الفضل بن سهل، وقد قتله المأمون سنة 202. وقد فصلنا ذلك في كتاب: الإمام محمد الجواد عليه السلام .

روى في الإحتجاج (2/245): ( أن المأمون بعدما زوج ابنته أم الفضل أبا جعفر كان في مجلس ، وعنده أبو جعفر عليه السلام ويحيى بن أكثم وجماعة كثيرة .

فقال له يحيى بن أكثم: ما تقول يا ابن رسول الله في الخبر الذي روي: أنه نزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: يا محمد إن الله عزّ وجلّ يقرؤك السلام ، ويقول لك: سل أبا بكر هل هو عني راض فإني عنه راض .

فقال أبوجعفر عليه السلام :لست بمنكرٍ فضل أبي بكر لكن يجب على صاحب هذا الخبر أن يأخذ مثال الخبرالذي قاله رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع: قد كثرت علي الكذابة وستكثر بعدي ، فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ، فإذا أتاكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب الله وسنتي، فما وافق كتاب الله وسنتي فخذوا به وما خالف كتاب الله وسنتي فلا تأخذوا به . وليس يوافق هذا الخبر كتاب الله قال الله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الآنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ . فالله عزّ وجلّ خفي عليه رضا أبي بكرمن سخطه حتى سأل عن مكنون سره ، هذا مستحيل في العقول!

ثم قال يحيى بن أكثم: وقد روي أن مَثَل أبي بكر وعمر في الأرض كمثل جبرئيل وميكائيل عليهما السلام في السماء .

فقال: وهذا أيضاً يجب أن ينظر فيه ، لأن جبرئيل وميكائيل ملكان مقربان لم يعصيا الله قط ، ولم يفارقا طاعته لحظة واحدة ، وهما قد أشركا بالله عزّ وجلّ وإن أسلما بعد الشرك. فكان أكثر أيامهما الشرك بالله فمحال أن يشبههما بهما.

قال يحيى: وقد روي أيضاً أنهما سيدا كهول أهل الجنة ، فما تقول فيه ؟

فقال عليه السلام : وهذا الخبرمحال أيضاً ، لأن أهل الجنة كلهم يكونون شباباً، ولا يكون فيهم كهل، وهذا الخبر وضعه بنو أمية لمضادة الخبرالذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله في الحسن والحسن عليهما السلام إنهما سيدا شباب أهل الجنة .

فقال يحيى بن أكثم: وروي أن عمر بن الخطاب سراج أهل الجنة .

فقال عليه السلام : وهذا أيضاً محال ، لأن في الجنة ملائكة الله المقربين وآدم ومحمد، وجميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ، لاتضئ الجنة بأنوارهم حتى تضئ بنور عمر !

فقال يحيى: وقد روي أن السكينة تنطق على لسان عمر .

فقال عليه السلام : لست بمنكرٍ فضل عمر، ولكن أبا بكر أفضل من عمر ، وقال على رأس المنبر إن لي شيطاناً يعتريني، فإذا ملت فسددوني .

فقال يحيى: وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لو لم أبعث لبعث عمر .

فقال عليه السلام : كتاب الله أصدق من هذا الحديث ، يقول الله في كتابه: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ.فقد أخذ الله ميثاق النبيين فكيف يمكن أن يبدل ميثاقه . وكل الأنبياء عليهم السلام لم يشـركوا بالله طرفة عين ، فكيف يبعث بالنبوة من أشرك وكان أكثر أيامه مع الشـرك بالله . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : نبئت وآدم بين الروح والجسد .

فقال يحيى بن أكثم: وقد روي أيضاً أن النبي صلى الله عليه وآله قال:ما احتبس عني الوحي قط إلا ظننته قد نزل على آل الخطاب . فقال عليه السلام : وهذا محال أيضاً ، لأنه لا يجوز أن يشك النبي صلى الله عليه وآله في نبوته . قال الله تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ. فكيف يمكن أن ينقل النبوة ممن اصطفاه الله تعالى إلى من أشرك به .

قال يحيى: روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لو نزل العذاب لما نجا منه إلا عمر .

فقال عليه السلام : وهذا محال أيضاً، لأن الله تعالى يقول: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ .فأخبرسبحانه أنه لايعذب أحداً ما دام فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله ، وما داموا يستغفرون ).

أقول: لا بد أن أسئلة قاضي القضاة كانت بأمر المأمون ، خاصة أنه طرحها في حضوره ، وهي أسئلة مقصودة لكشف المكذوبات في فضائل أبي بكر وعمر!

وقوله عليه السلام : لست بمنكر فضل أبي بكر ، يعني: لست بصدد نفي فضله ، بل بصدد نفي هذا الحديث المكذوب في فضله .

وقد صحت الرواية بأن المأمون ناظر العلماء مرات في فضل أمير المؤمنين عليه السلام وأنه خليفة النبي صلى الله عليه وآله المنصوص عليه بنصوص لا تقبل التأويل .

كما ناظرهم في إبطال فضائل مدعاة لأبي بكر وعمر !

واشتهر من هذه المناظرات مجلس رواه في العقد الفريد قال(2/240): (احتجاج المأمون على الفقهاء في فضل علي.. إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل ، عن حماد بن زيد قال: بعث إليَّ يحيى بن أكثم وإلى عدة من أصحابي ، وهو يومئذ قاضيِ القضاة ، فقال: إن أميرَ المؤمنين أمرني أن أحضر معي غداً مع الفجر أربعين رجلاً كلهم فقيه، يَفْقَه ما يُقال له ويُحسن الجواب ، فسمُّوا من تَظنونه يَصلُح لما يطلبُ أمير المؤمنين. فسمَّينا له عِدة وذكر هو عِدة حتى تمَّ العددُ الذي أراد ، وكتب تسمية القوم ، وأمر بالبُكور في السَّحر ، وبعث إلى من لم يحضرُ فأمره بذلك ، فغدونا عليه قبلَ طلوع الفجر ، فوجدناه قد لبس ثيابَه وهو جالس ينتظرنا ، فركب وركبنا معه حتى صرنا إلى الباب فإذا بخادم واقف ، فلما نَظر إلينا قال: يا أبا محمد ، أمير المؤمنين يَنتظرك . فأدخلنا فأَمرنا بالصلاة فأخذنا فيها فلم نستتمها حتى خرج الرسول فقال: أدخلوا فدَخلنا ، فإذا أميرُ المؤمنين جالس على فراشه وعليه سَوادُه وطَيلسانه والطويلة وعمامته، فوقفنا وسلمنا فرد السلام وأمرنا بالجلوس فلما استقر بنا المجلسُ تحدر عن فراشه ونَزع عمامته وطيلسانه ووضع قَلنسوته ، ثم أقبل علينا فقال: إنما فعلتُ ما رأيتم لتفعلوا مثلَ ذلك ، وأما الخُف فما مِن خَلْعه علة ، من قد عرفها منكم فقد عَرفها ومن لم يَعْرِفها فسأعرِّفُه بها ومد رجلَه ثم قال: إنزعوا قَلانسكم وخفافكم وطَيالسكم .

قال: فأمسكنا، فقال لنا يحيى: إنتهوا إلى ما أمركم به أميرُ المؤمنين . فتعجبنا فنزعنا أخفافنا وطيالسنا وقلانسنا ورجعنا .

فلما استقر بنا المجلس قال: إنما بعثتُ إليكم معشَر القوم في المُناظرة ، فمن كان به شئ من الأخْبثين لم ينتفع بنفسه ولم يَفقه ما يقول: فمن أراد منكم الخلاءَ فهناك وأشار بيده ، فدعونا له .

ثم ألقى مسألة من الفقه فقال: يا أبا محمد ، قل ولْيقل القومُ من بعدك . فأجابه يحيى ثم الذي يلي يحيى ثم الذي يليه ، حتى أجاب آخرُنا في العلَة وعلة العلة وهو مُطرق لا يتكلم . حتى إذا انقطع الكلام التفت إلى يحيى فقال: يا أبا محمد ، أصبتَ الجواب وتركت الصواب في العِلَّة . ثم لم يزل يَرد على كل واحد منا مقالتَه ويخطئ بعضنا ويصوّب بعضنا حتى أتى على آخرنا .

ثم قال: إني لم أبعث فيكم لهذا ، ولكنني أحببتُ أن أًنبئكم أن أميرالمؤمنين أراد مُناظرتكم في مَذهبه الذي هو عليه ، ودينه الذي يَدين الله به .

قلنا: فليَفعل أمير المؤمنين وفقه الله . فقال: إن أمير المؤمنين يَدين الله على أن عليّ بن أبي طالب خيرُ خلق الله بعد رسوله صلى الله عليه وآله وأولى الناس بالخلافة .

قال إسحاق: قلت: يا أمير المؤمنين إن فينا من لا يعرف ما ذكر أمير المؤمنين في عليّ، وقد دعانا أمير المؤمنين للمُناظرة .

فقال: يا إسحاق ، اختر إن شئت أن أسألك وإن شئت أن تسأل .

قال إسحاق: فاغتنمتها منه ، فقلت: بل أسألك يا أمير المؤمنين . قال: سَل . قلت: من أين قال أَميرُ المؤمنين إن عليَّ بن أبي طالب أفضلُ الناس بعد رسول الله وأحقُّهم بالخلافة بعده ؟

قال: يا إسحاق ، خبِّرني عن الناس بم يتفاضلون حتى يُقال فلان أفضل من فلان؟ قلت: بالأعمال الصالحة . قال: صدقت . قال: فأخبرني عمَّن فَضُلَ صاحبَه على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ثم إن المفضول عَمل بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله بأفضل من عمل الفاضل على عهد رسول اللّه ، أَيَلحق به ؟

قال: فأطرقت، فقال لي: يا إسحاق لا تقل نعم، فإنك إن قلتَ نعم أوجدتك في دهرنا هذا مَن هو أكثر منه جهاداً وحجاً وصياماً وصلاة وصَدقة. قلت: أجل يا أميرالمؤمنين لايلحق المفضولُ على عهد رسول الله الفاضلَ أبداً .

قال: يا إسحاق: فانظر ما رواه لك أصحابُك ومَن أخذتَ عنهم دينك وجعلتَهم قُدوتك ، من فضائل علي بن أبي طالب ، فقِسْ عليها ما أَتوك به من فضائل أبي بكر ، فإن رأيتَ فضائل أبي بكر تُشاكل فضائلَ عليٍّ ، فقل إنه أفضل منه . لا، والله، ولكن فقِسْ إلى فضائله ما رُوي لك من فضائل أبي بكر وعمر، فإن وجدت لهما من الفضائل ما لعليٍّ وحدَه فقُل إنهما أفضلُ منه . لا، والله ، ولكن قِسْ إلى فضائله فضائل أبي بكر وعمر وعثمان ، فإن وجدتَها مثل فضائل عليّ فقُل إنهم أفضل منه. لا، والله، ولكن قِس إلى فضائله فضائلَ العشرة الذين شَهد لهم رسول الله صلى الله عليه وآله بالجنة فإِن وجدتها تُشاكل فضائلَه فقل إنهم أفضل منه.

ثم قال: يا إسحاق ، أي الأعمال كانت أفضلَ يوم بَعث الله رسولَه صلى الله عليه وآله ؟

قلت: الإخلاص بالشهادة ، كانت أفضلَ يوم بَعث الله رسولَه صلى الله عليه وآله ؟

قال: أليس السَّبْق إلى الإسلام؟ قلت: نعم . قال: إقرأ ذلك في كتاب الله تعالى يقول: والسَّابقون السَّابقون أُولئك المُقَرّبون . إنما عنىَ مَن سَبق إلى الإسلام فهل علمتَ أحداً سَبق علياً إلى الإسلام ؟

قلت: يا أمير المؤمنين ، إن علياً أسلم وهو حَدث السن لايجوز عليه الحُكم وأبو بكر أسلم وهو مُستكمل يجوز عليه الحكم .

قال: أخبرني أيهما أسلم قبل؟ ثم أناظرك من بعده في الحداثة والكمال .

قلت: علي أسلم قبل أبي بكْر على هذه الشريطة . فقال: نعم ، فأخبرني عن إسلام عليٍّ حين أسلم لايخلو من أن يكون رسولُ الله صلى الله عليه وآله دعاه إلى الإسلام أو يكونَ إلهاماً من الله؟ قال: فأطرقت فقال لي: يا إسحاق ، لا تقل إلهاماً فتُقدمه على رسول الله صلى الله عليه وآله لأن رسول الله لم يعرف الإسلام حتى أتاه جبريل عن الله تعالى.قلت: أجل ، بل دعاه رسولُ الله صلى الله عليه وآله إلى الإسلام .

قال: يا إسحاق ، فهل يخلو رسولُ الله صلى الله عليه وآله حين دعاه إلى الإسلام من أن يكون دعاه بأمر الله ، أو تَكلَّف ذلك من نفسه؟

قال: فأطرقت: فقال: يا إسحاق ، لا تَنسب رسول الله إلى التكلُّف ، فإن الله يقول: وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكلفِّين ! قلت: أجل يا أمير المؤمنين ، بل دعاه بأمر الله .

قال: فهل من صِفة الجبار جل ذكره أن يُكلِّف رسله دُعاء مَن لايجوز عليه حُكم ؟ قلت أعوذ بالله ! فقال: أفتُراه في قياس قولك يا إسحاق إن علياً أسلم صبياً لا يجوز عليه الحُكم ، وقد كُلِّف رسولُ الله صلى الله عليه وآله دُعاء الصِّبيان إلى ما لا يُطيقونه ، فهو يدعوهم الساعة ويرتدون بعد ساعة ، فلا يجب عليهم في ارتدادهم شئ ، ولا يجوز عليهم حُكم الرسول صلى الله عليه وآله أتَرى هذا جائزاً عندك أن تنسْبه إلى الله عزّ وجلّ ؟ قلت أعوذ بالله !

قال: يا إسحاق ، فأراك إنما قصدت لفضيلة فضل بها رسولُ الله صلى الله عليه وآله علياً على هذا الخلق إبانَةً بها منهم ليُعرف مكانه وفضله ولو كان الله تبارك وتعالى أمره بدُعاء الصبيان لدَعاهم كما دعا علياً ؟ قلت: بلى .

قال: فهل بلغك أن الرَّسول صلى الله عليه وآله دعا أحداً من الصبيان من أهله وقرابته ، لئلاّ تقول إن علياً ابنُ عمه ؟ قلت: لا أعلم ، ولا أدري فَعل أو لم يفعل .

قال يا إسحاق ، رأيت ما لم تَدْره ولم تَعلمه هل تُسأل عنه ؟ قلتُ: لا. قال: فدَع ما قد وضعه الله عنا وعنك .

ثم قال: أي الأعمال كانت أفضلَ بعد السَّبق إلى الإِسلام ؟ قلت: الجهاد في سبيل اللهّ. قالت صدقت ، فهل تجد لأحدٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ما تجد لعليّ في الجهاد ؟ قلت: في أي وقت ؟ قال ؟ في أي الأوقات شئتَ ؟

قلت: بدر . قال: لا أريد غيرها ، فهل تجد لأحد إلا دون ما تجد لعلي يوم بدر، أخبرني كم قَتْلى بدر؟ قلت: نَيِّف وستون رجلاً من المشركين .

قال: فكم قَتل عليٌّ وحدَه؟ قلت:لا أدري. قال: ثلاثة وعشـرين ، أو اثنين وعشرين، والأربعون لسائر الناس .

قلت: يا أمير المؤمنين ، كان أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وآله في عَريشه ، قال: يَصنع ماذا؟ قلت: يدبِّر. قال: ويحك ! يدبر دون رسول الله صلى الله عليه وآله أو معه ، شريِكاً ، أم افتقاراً من رسول الله إلى رأيه ؟ أي الثلاث أحب إليك ؟

قلت: أعوذ بالله أن يدبِّر أبو بكر دون رسول الله صلى الله عليه وآله ، أو أن يكون معه شريكاً ، أو أن يكون برسول الله صلى الله عليه وآله افتقَارٌ إلى رأيه .

قال: فما الفضيلة بالعريش إذ كان الأمر كذلك؟ أليس من ضَرب بسيفه بين يدي رسول الله أفضلَ ممن هو جالسه؟

قلت: يا أمير المؤمنين ، كل الجيش كان مجاهداً . قال صدقتَ كلٌّ مجاهد ، ولكنَّ الضارب بالسيف المحامي عنِ رسول الله صلى الله عليه وآله وعن الجالس أفضلُ من الجالس ، أما قرأتَ في كتاب الله: لا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاً وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا .

قلت: وكان أبو بكر وعمر مُجاهدين. قال: فهل كان لأبي بكر وعُمر فضلٌ على من لم يَشهد ذلك المشهد ؟ قلت: نعم .

قال: فكذلك سَبق الباذل نفسه فَضل أبي بكر وعمر . قلت: أجل .

قال: يا إسحاق ، هل تقرأ القرآن؟ قلت: نعم . قال: إقرأ عليَّ: هَلْ أَتَى عَلَى الآنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا . فقرأت منها حتى بلغت: يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا إلى قوله: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. قال: على رِسْلك ، فيمن أنزلت هذه الآيات؟ قلتُ:في علي. قال: فهل بلغك أن علياً حين أطعم المسكين واليتيم والأسير قال: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ ؟ قلت: أجل. قال: وهل سمعتَ الله وصفَ في كتابه أحداً بمثل ما وصفَ به عليّاً؟ قلت: لا. قال: صدقت، لأن اللَه جلَّ ثناؤه عرف سريرته .

يا إسحاق ، ألستَ تَشهد أن العَشرة في الجنة ؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين . قال: أرأيت لو أن رجلاً قال: والله ما أدري هذا الحديث صحيح أم لا ؟ ولا أدري إن كان رسولُ الله قاله أم لم يقُله ، أكان عندك كافراً ؟

قلت: أعوذ بالله . قال: أرأيت لو أنه قال: ما أدري هذه السُّورة من كتاب الله أم لا ، أكان كافراً ؟ قلت: نعم . قال: يا إسحاق ، أرى بينهما فرقاً .

يا إسحاقَ ، أتروي الحديث؟ قلت: نعم . قال:فهل تعرف حديث الطير؟ قلت:نعم. قال: فحدَثني به. قال: حدَثته الحديث.فقال: يا إسحاق ، إني كنتُ أكلمك وأنا أظنك غيرَ معاند للحقِّ، فأما الآن فقد بان لي عنادُك ، إنك تُوافق على أنَّ هذا الحديث صحيح ؟ قلت: نعم ، رواه من لا يُمكنني ردُه .

قال: أفرأيتَ أنَ مَن أيقن أن هذا الحديث صحيح ، ثم زعم أن أحداً أفضلُ من عليّ ، لا يخلو من إحدى ثلاثة: مِن أن تكون دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله عنده مَردودة عليه ؟

أو أن يقول: إن الله عزّ وجلّ عرف الفاضلَ من خَلقه وكان المَفضولُ أحب إليه .

أو أن يقول: إن الله عزّ وجلّ لم يعرف الفاضلَ من المَفضول .

فأي الثلاثة أحبُّ إليك أن تقول ؟ فأطرقت .

ثم قال: يا إسحاق ، لا تقل منها شيئاً ، فإنك إن قلتَ منها شيئاً استتبتُك ، وإن كان للحديث عندك تأويل غيرُ هذه الثلاثة الأوجه فقُله .

قلت لا أعلم ، وإنَّ لأبي بكَر فضلاً. قال: أجل ، لولا أن له فضلاً لما قيل إن علياً أفضلُ منه ، فما فضلُه الذي قصدتَ إليه الساعة ؟ قلت: قول الله عزّ وجلّ: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا ، فنَسبه إلى صحبته .

قال: يا إِسحاق ، أمَا إني لا أحملك على الوَعر من طريقك ، إني وجدتُ الله تعالى نَسب إلى صُحبة مَن رَضيه ورَضي عنه كافراً ، وهو قوله: قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَاكَ رَجُلاً . لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا. قلت: إن ذلك صاحب كان كافراً ، وأبو بكر مؤمن قال: فإذا جاز أن يَنسب إلى صُحبة نبيه مُؤمناً ، وليس بأفضل المؤمنين ولا الثاني ولا الثالث ، قلت: يا أمير المؤمنين ، إن قَدْر الآية عظيم ، إن الله يقول: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا.

قال: يا إسحاق ، تأبَى الآن إلا أن أُخرجَك إلى الإستقصاءِ عليك ، أَخبرني عن حُزن أبي بكر أكان رِضي أم سُخطاً؟قلت: إن أبا بكر إنما حَزن من أجل رسول الله صلى الله عليه وآله خوفاً عليه وغماً أن يصل إلى رسول الله شئ من المكروه .

قال: ليس هذا جَوابي ، إنما كان جوابي أن تقول: رضاً أم سُخط ؟ قلت: بل رضاً لله. قال: فكأن الله جلَّ ذكرُه بَعث إلينا رسولاً ينهى عن رضا الله عزّ وجلّ وعن طاعته .

قلت: أعوذ بالله. قال: أوَلَيس قد زعمتَ أن حزن أبي بكر رضا لله؟

قُلت: بلى . قال أوَلَم تَجد أنَّ القرآن يشهد أن رسولَ الله صلى الله عليه وآله قال له:لا تحزن نهياً له عن الحزن . قلت: أعوذ بالله .

قال: يا إسحاق ، إنَّ مذهبي الرفقُ بك لعلَّ الله يردك إلى الحق، ويَعْدِل بك عن الباطل لكَثرة ما تَستعيذ به. وحدِّثني عن قول اللّه: فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ، مَن عنى بذلك: رسولَ الله أم أبا بكر؟ قلت: بل رسول الله. قال: صدقْت.قال: فحدِّثني عن قول الله عزّ وجلّ: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ.ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ . أتعلم مَن المُؤمنين الذين أراد الله في هذا الموضع؟ قلت: لا أدري يا أمير المؤمنين. قال: الناس جميعاً انهزموا يومَ حُنين ، فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلا سبعةُ نفرمن بني هاشم: عليٌّ يضـرب بسيفه بين يدي رسول الله ، والعبَّاس أخذٌ بِلجام بغلة رسول الله ، والخمسة مُحدقون به خوفاً من أن يناله من جراح القوم شئ ، حتى أعطى الله لرسوله الظفرَ ، فالمؤمنون في هذا الموضع عليٌّ خاصة ، ثم من حَضره من بني هاشم .

قلت: لا أدري يا أمير المؤمنين .

قال: فمن أفضلُ: من كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك الوقت ، أم مَن انهزم عنه ولم يَره الله موضعاً لينزلَها عليه؟ قلت: بل من أنزلت عليه السكينةُ ؟

قال: يا إسحاق ، من أفضل: مَن كان معه في الغار أو من نام على فِراشه ووقاه بنفسه، حتى تمَّ لرسول الله صلى الله عليه وآله ما أراد من الهجرة؟

إن الله تبارك وتعالى أمر رسولَه أن يأمرعليّاً بالنوم على فِراشه وأن يقي رسولَ الله صلى الله عليه وآله بنفسه ، فأمره رسولُ الله بذلك ، فبكى عليٌّ رضي الله عنه فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وآله : ما يُبكيك يا علي أجَزَعاً من الموت؟ قال: لا ، والذي بعثك بالحق يا رسول الله ولكن خوفاً عليك، أَفتَسْلم يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: سمعاً وطاعة وطيِّبة نفسي بالفداء لك يا رسول الله ، ثم أتى مضجَعه واضطجع وتسجَّى بثوبه ، وجاء المشركون من قُريش فحفُّوا به لا يشكُّون أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أجمعوا أن يضربَه من كل بَطن من بُطون قريش رجلٌ ضربة بالسيف لئلا يَطلبَ الهاشميون من البطون بطناً بدمه ، وعليٌّ يسمع ما القوم فيه مِن تَلَف نفسه ، ولم يَدْعه ذلك إلى الجَزع كما جَزع صاحبُه في الغار ، ولم يَزل عليٌّ صابراً مُحتسباً، فبعث الله ملائكتَه فمنعته من مُشركي قريش حتى أصبح فلما أصبحِ قام فنظر القومُ إليه فقالوا: أين محمد؟ قال: وما عِلْمي بمحمد أين هو؟ قالوا: فلا نراك إلا كُنت مُغررِّاً بنفسك منذ ليلتنا ، فلم يَزل عليٌّ أفضلُ ما بدأ به يزيدُ ولا يَنقص حتى قبضه الله إليه .

يا إسحاق ، هل تروي حديث الولاية ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين . قال: إروِه . ففعلتُ . قال: يا إسحاق ، أرأيت هذا الحديث هل أوجب على أبي بكر وعمَر ما لم يُوجب لهما عليه؟ قلت: إن الناس ذكروا أن الحديث إنما كان بسبب زيد بن حارثة لشئ جَرى بينه وبين علي ، وأنكر ولاء علي فقال رسولُ الله صلى الله عليه وآله : من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، اللهم وال مَن ولاه ، وعاد من عاداه .

قال: وفي أي موضع قال هذا ؟ أليس بعد مُنصرفه من حجِّة الوداع ؟

قلت: أجل . قال: فإن قَتْل زيد بن حارثة قبل الغَدير! كيف رضيت لنفسك بهذا ؟ أخبرني لو رأيتَ ابناً لك قد أتت عليه خمس عشرة سنة يقول: مولاي مولى ابن عمي، أيها الناس فاعلموا ذلك . أكنتَ مُنكراً عليه تعريفَه الناس ما لا يُنكرون ولا يَجهلون؟ فقلتُ: اللهم نعم. قال:يا إسحاق ، أفتنزه ابنك عما لا تنزه عنه رسول الله صلى الله عليه وآله !

ويُحْكم ! لاتجعلوا فقهاءكم أربابكم إن الله جَل ذكره قال في كتابه: إِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. ولم يصلُّوا لهم ولاصاموا ولا زَعموا أنهم أرباب ، ولكن أمروهم فأطاعوا أمرَهم.

يا إسحاق ، أتروي حديث: أنت منِّي بمَنزلة هارون من موسى؟

قلت: نعم يا أمير المؤمنين ، قد سمعتهُ وسمعتُ من صحَحه وجَحده .

قال: فمن أوثق عندك: مَن سمعتَ منه فصححه ، أو مَن جحده ؟

قلت: مَن صحَحه .قال: فهل يمكن أن يكون الرسولُ صلى الله عليه وآله مزح بهذا القول؟

قلت: أعوذ بالله . قال: فقال قولاً لا معنى له فلا يُوقف عليه ؟ قلت: أعوذ بالله . قال: أفما تعلم أن هارون كان أخَ موسى لأبيه وأمه؟ قلت: بلى . قال: فعليٌّ أخو رسول الله لأبيه وأمه؟ قلت: لا. قال: أوليس هارون كان نبياً وعليٌّ غير نبيّ؟ قلت: بلى . قال: فهذان الحالان مَعدومان في عليّ وقد كانا في هارون ، فما معنى قوله: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى؟ قلت له: إنما أراد أن يُطيِّب بذلك نفسَ عليّ لما قال المنافقون إنه خلَّفه استثقالاً له . قال: فأراد أن يُطيب نفسه بقول لا معنى له ؟ قال: فأطرقتُ .

قال: يا إسحاق ، له معنى في كتاب الله بيِّن . قلت: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: قولُه عزّ وجلّحكايةً عن موسى إنه قال لأخيه هارون: أُخْلُفْنِى فِي قَوْميى وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ. قلت: يا أمير المؤمنين إِن موسى خَلَّف هارون في قومه وهو حيٌّ ومَضى إلى ربه ، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله خَلَّف علياً كذلك حين خرج إِلى غَزاته .

قال: كلا ليس كما قلت . أخبِرْني عن موسى حين خَلف هارون ، هل كان معه حين ذَهب إلى ربه أحدٌ من أصحابه أو أحد من بني إسرائيل؟ قلت: لا. قال: أوَليس استخلفه على جماعتهم؟ قلت: نعم. قال: فأخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وآله حين خرج إِلى غزاته ، هل خلَّف إِلا الضُعفاء والنساءَ والصبيان ؟ فأنى يكون مثلَ ذلك؟

وله عندي تأويلِ آخر من كتاب الله يدل على استخلافه إياه لا يَقدر أحدٌ أن يحتج فيه، ولا أعلم أحداً احتج به وأرجو أن يكون توفيقاً من الله .

قلت: وما هو يا أمير المؤمنين ؟ قال: قولُه عزّ وجلّ حين حَكى عن موسى قوله: َاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي. هَارُونَ أَخِى. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِى. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِى. كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا. وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا . إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا. فأنت مني يا عليُّ بمنزلة هارون من موسى، وزيري منِ أهلي، وأخي أشدُّ به أزري ، وأُشرِكُهُ في أمري ، كي نُسَبِّحَ الله كثيراً ونذكره كثيراً، فهل يقدر أحد أن يُدخل في هذا شيئاً غير هذا ؟

ولم يكن ليبطل قول النبي صلى الله عليه وآله وأن يكون لا معنى له .

قال: فطال المجلسُ وارتفع النهار. فقال يحيى بن أكثم القاضي: يا أمير المؤمنين قد أوضحتَ الحق لمن أراد الله به الخير ، وأثبتَّ ما لا يَقدر أحدٌ أن يَدفعه .

قال إسحاق: فأقبل علينا وقال: ما تقولون؟ فقلنا: كلنا نقول بقول أمير المؤمنين أعزَّه الله . فقال: والله لولا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إقبلوا القول من الناس ما كنت لأقبل منكم القول. اللهم قد نصحت لهم القول ، اللهم إني قد أخرجْت الأمر من عُنقِي ، اللهم إني أدينك بالتقرب إليك بحب عليٍّ وولايته ).

 

مناظرة المأمون برواية الصدوق

روى الصدوق1هذه المناظرة بسند أصح من سند ابن عبد ربه ، عن إسحاق بن حماد بن زيد أيضاً ، ويظهر بمقارنتها أن ابن عبد ربه أخذ قسماً من وسطها وحذف من أولها نقد المأمون لأحاديث فضائل أبي بكر وعمر، وحذف من آخرها نقد المأمون للسقيفة ، وإثباته نص النبي صلى الله عليه وآله المحكم على إمامة علي عليه السلام . وقد أوردناها كاملة في كتاب الإمام محمد الجواد عليه السلام ، ونكتفي هنا بالتنويه بها . قال الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/199):

(ثم قال المأمون: خبروني عن النبي صلى الله عليه وآله هل استخلف حين مضى أم لا؟

فقالوا: لم يستخلف . قال: فتركه ذلك هدىً أم ضلال ؟ قالوا: هدى .

قال: فعلى الناس أن يتبعوا الهدى ، ويتركوا الباطل ويتنكبوا الضلال !

قالوا: قد فعلوا ذلك. قال: فلم استخلف الناس بعده وقد تركه هو؟ فترك فعله ضلال ، ومحال أن يكون خلاف الهدى هدى!

وإذا كان ترك الإستخلاف هدى، فلمَ استخلف أبو بكر ولم يفعله النبي صلى الله عليه وآله ولمَ جعل عمر الأمر بعده شورى بين المسلمين خلافاً على صاحبه؟

لأنكم زعمتم أن النبي لم يستخلف وأن أبا بكر استخلف، وعمر لم يترك الإستخلاف كما تركه النبي بزعمكم ، ولم يستخلف كما فعل أبو بكر ، وجاء بمعنى ثالث ! فخبروني أي ذلك ترونه صواباً ؟ فإن رأيتم فعل النبي صواباً فقد خطأتم أبا بكر ، وكذلك القول في بقية الأقاويل !

وخبروني أيهما أفضل ما فعله النبي بزعمكم ، من ترك الإستخلاف ، أو ما صنعت طائفة من الإستخلاف ؟ وخبروني هل يجوز أن يكون تركه من الرسول صلى الله عليه وآله هدى وفعله من غيره هدى فيكون هدى ضد هدى ؟ فأين الضلال حينئذ ؟

وخبروني هل وليَ أحد بعد النبي صلى الله عليه وآله باختيار الصحابة ، منذ قبض النبي إلى اليوم ؟ فإن قلتم: لا ، فقد أوجبتم أن الناس كلهم عملوا ضلالة بعد النبي !

وإن قلتم: نعم، كذبتم الأمة ، وأبطل قولكم الوجود الذي لا يدفع !

وخبروني عن قول الله عزّ وجلّ: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِله.أصدق هذا أم كذب؟ قالوا: صدق قال: أفليس ما سوى الله لله ، إذ كان مُحْدِثه ومالكه؟ قالوا: نعم. قال: ففي هذا بطلان ما أوجبتم اختياركم خليفة ، تفترضون طاعته وتسمونه خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وأنتم استخلفتموه ، وهو معزول عنكم إذا غضبتم عليه وعمل بخلاف محبتكم ، ومقتول إذا أبى الإعتزال .

ويلكم ! لا تفتروا على الله كذباً، فتلقوا وبال ذلك غداً إذا قمتم بين يدي الله تعالى ، وإذا وردتم على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد كذبتم عليه متعمدين ، وقد قال: من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار !

قال: فسكت القوم فقال لهم: لم سكتم؟ قالوا:لا ندري ما نقول؟ قال: تكفيني هذه الحجة عليكم . فخرجنا متحيرين خجلين .

ثم نظر المأمون إلى الفضل بن سهل فقال: هذا أقصى ما عند القوم ، فلا يظن ظان أن جلالتي منعتهم من النقض عليَّ. ثم استقبل القبلة ورفع يديه وقال: اللهم إني قد أرشدتهم ! اللهم إني قد أخرجت ما وجب علي إخراجه من عنقي !

اللهم إني لم أدعهم في ريب ولا في شك ! اللهم إني أدين بالتقرب إليك بتقديم علي على الخلق بعد نبيك محمد ، كما أمرنا به رسولك صلى الله عليه وآله !

قال: ثم افترقنا فلم نجتمع بعد ذلك حتى قبض المأمون )!

ملاحظات على مناظرات المأمون

1.كان المأمون صادقاً في اعتقاده بوصية النبي صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام ولكنه غيرصادق في تدينه، فهو يرى أن النبي صلى الله عليه وآله وعلياً وأولاده المعصومين عليهم السلام ينبغي للحاكم أن يستفيد من علمهم لأغراضه وحكمه !

وهو صادق في مناظراته وهدفه منها أن يقنع الفقهاء والعلماء والعباسيين ، بمذهبه فيتحول الحكم الى نظام عباسي بمذهب شيعي علوي !

كما أنه صادقٌ بكفره ببني أمية وكل من خالف علياً وأولاده عليهم السلام فقد كتب منشوراً في البراءة من معاوية ، أثبت فيه مخازيه وكفره ، لكنه تراجع عنه خوفاً من العامة ، وبقي المنشور تاريخاً، حتى نشره شبيهه الخليفة المعتضد العباسي ! وهو وثيقة جيدة في الطعن في معاوية وبني أمية .

2.وقد أكمل المأمون مناظراته في تولي علي عليه السلام والبراءة من أعدائه بمطاردة المجسمة الذين يقولون إن القرآن جزءٌ من ذات الله تعالى ! لكنه أساء أسلوب تنفيذه فقاومه قسم من الفقهاء والعامة، واستمر خطه وامتحانه هذا في زمن أخيه المعتصم والواثق ، حتى جاء المتوكل فنقضه وقرَّب مجسمة الحنابلة ، وأسس لهم ميليشا تقاوم الشيعة ، وتبنى بشكل عام بني أمية وسياستهم ضد أهل البيت عليهم السلام !

3. حديث الطير الذي احتج به المأمون على أن علياً عليه السلام أفضل الخلق بعد النبي صلى الله عليه وآله ، رواه الحاكم في المستدرك (3/131): (عن أنس بن مالك قال: كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وآله فقدم لرسول الله فرخ مشوي فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير. قال فقلت: اللهم اجعله رجلاً من الأنصار! فجاء علي رضي الله عنه فقلت: إن رسول الله على حاجة. ثم جاء فقلت: إن رسول الله على حاجة . ثم جاء فقال رسول الله: إفتح ، فدخل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما حبسك عليَّ؟ فقال: إن هذه آخر ثلاث كرات ، يردني أنس، يزعم أنك على حاجة . فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقلت: يا رسول الله سمعت دعاءك فأحببت أن يكون رجلاً من قومي! فقال رسول الله: إن الرجل قد يحب قومه ! هذا حديث صحيح على شرط الشيخين).

4. تفاوتت حالة خلفاء بني العباس في مستواهم الفكري والعلمي ، وفي موقفهم من علي عليه السلام وأبنائه الأئمة عليهم السلام . فكان منهم الشيعي نظرياً ،لكنه عدوٌّ لأئمة العترة وشيعتهم عملياً كالمأمون . ومنهم من أعلن تشيعه كاملاً كالناصر لدين الله العباسي، أحمد بن المستضئ، الذي دامت خلافته 46 سنة، وتوفي سنة622، وله أخبار وقصص، وتجد إسمه على الباب الخشبي في سرداب بيت الإمام المهدي عليه السلام المسمى سرداب الغيبة . ولكنه لم يستطع البناء على ما أسس المأمون ويخطو في تطبيقه !

وقد أعاد الناصر الهيبة المفقودة للخلافة العباسية ، فاسترجع بيت المقدس وما كان أخذه الصليبيون من ساحل لبنان وسوريا .

واهتم بمشاهد الأئمة عليهم السلام وجعل مشهد الإمام الكاظم عليه السلام حمىً وملاذاً لمن لجأ اليه فكان يعفو عنهم ، ويصلح بينهم وبين خصومهم .

وقد أعدَّ لنفسه قبراً عند قبرالإمام الكاظم عليه السلام عند رجليه ، لكن المتعصبين غلبوا على جنازته ولم يدفنوه فيه ، فدفن فيه بعد سبعين سنة المرجع نصير الدين الطوسي1.

 

المأمون يُعرِّف العباسيين بالإمام الجواد عليه السلام

كان المأمون يعتقد بأن الإمام الرضا عليه السلام إمامٌ رباني منصوص عليه من جده رسول الله صلى الله عليه وآله . وأنه نص على إمامة ابنه محمد الجواد عليه السلام وكان يراسله بتعظيم ، وكانت تظهر له كرامات من طفولته !

وقد زوج المأمون أخته للإمام الرضا عليه السلام ، وسمى ابنته لولده الإمام الجواد ، ورويَ أن المأمون راسل الإمام الجواد عليه السلام من طوس، وقد تكون رسالته تعزية له بأبيه الرضا عليهما السلام ودعوة له للمجيئ الى بغداد ، لأنه كرر مدائحه للإمام الرضا عليه السلام وبالغ في إظهار الجزع ، ليبعد عن نفسه جريمة قتله !

وكان قاصداً السفر الى بغداد، وكان(المخبرون) يوصلون اليه أخبار الإمام الجواد عليه السلام وتوافد علماء الشيعة وزعمائهم الى المدينة ولقائهم به ومشاهدتهم معجزاته، وإجماعهم على إمامته وهو في السابعة من عمره .

وعندما رجع المأمون الى بغداد سنة 204، أي بعد أن قتل الإمام الرضا عليه السلام بسنتين ، كان عمر الإمام الجواد عليه السلام نحو تسع سنوات .

فأحضره المأمون الى بغداد وهو في التاسعة كما روى الريان بن شبيب وليس في سن السادسة عشرة كما ذكرت بعض الروايات .

أحضره ليتحدى به العباسيين ، ويعلن أنه صهره ويعقد له على ابنته ، ليثبت لهم عذره في اتخاذ أبيه الرضا عليه السلام ولياً لعهده .

أبلغ المأمون العباسيين بتزويج ابنته للجواد عليه السلام فاستنفروا

وقد استفاضت رواية مجلس العرس التاريخي، الذي أقامه المأمون لعقد زواج الإمام الجوا×ففي الصحيح عن الريان بن شبيب (الإرشاد:2/281) قال: (روى الحسن بن محمد بن سليمان ، عن علي بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن الريان بن شبيب قال: لما أراد المأمون أن يزوج ابنته أم الفضل أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام بلغ ذلك العباسيين فغلظ عليهم واستكبروه ، وخافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما انتهى مع الرضا عليه السلام فخاضوا في ذلك ، واجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه فقالوا له: ننشدك الله يا أمير المؤمنين أن تقيم على هذا الأمر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا ، فإنا نخاف أن يخرج به عنا أمرٌ قد ملكناه الله ، ويُنزع منا عزٌّ قد ألبسناه الله ، وقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديماً وحديثاً ، وما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير بهم ، وقد كنا قي وهلة من عملك مع الرضا ما عملت حتى كفانا الله المهم من ذلك ، فالله الله أن تردنا إلى غم قد انحسر عنا ، واصرف رأيك عن ابن الرضا واعدل إلى من تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره .

فقال لهم المأمون: أما ما بينكم وبين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه ، ولو أنصفتم القوم لكان أولى بكم ، وأما ما كان يفعله من كان قبلي بهم ، فقد كان قاطعاً للرحم ، أعوذ بالله من ذلك ، ووالله ما ندمت على ما كان مني من استخلاف الرضا ، ولقد سألته أن يقوم بالأمر وأنزعه عن نفسي فأبى ، وكان أمر الله قدراً مقدوراً .

وأما أبو جعفر محمد بن علي فقد اخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل في العلم والفضل مع صغر سنه والأعجوبة فيه بذلك . وأنا أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفته منه فيعلموا أن الرأي ما رأيت فيه .

فقالوا: إن هذا الصبي وإن راقك منه هديه ، فإنه صبي لا معرفة له ولا فقه ، فأمهله ليتأدب ويتفقه في الدين ، ثم اصنع ما تراه بعد ذلك .

فقال لهم: ويحكم إنني أعرف بهذا الفتى منكم ، وإن هذا من أهل بيتٍ علمهم من الله ومواده وإلهامه ، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حد الكمال ، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبين به ما وصفت من حاله .

قالوا له: قد رضينا لك يا أمير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه ، فخل بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شئ من فقه الشريعة ، فإن أصاب في الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره ، وظهر للخاصة والعامة سديد رأي أميرالمؤمنين ، وإن عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه . فقال لهم المأمون: شأنكم وذاك متى أردتم .

فخرجوا من عنده وأجمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم ، وهو يومئذ قاضي القضاة، على أن يسأله مسألة لايعرف الجواب فيها ، ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك ، وعادوا إلى المأمون فسألوه أن يختار لهم يوماً للإجتماع ، فأجابهم إلى ذلك.

واجتمعوا في اليوم الذي اتفقوا عليه ، وحضر معهم يحيى بن أكثم وأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر عليه السلام دست (كرسي) وتجعل له فيه مسورتان (متكآن) ففعلوا ذلك ، وخرج أبوجعفر عليه السلام وهو يومئذ ابن تسع سنين وأشهر فجلس بين المسورتين وجلس يحيى بن أكثم بين يديه ، وقام الناس في مراتبهم والمأمون جالس في دست متصل بدست أبي جعفر عليه السلام .

فقال يحيى بن أكثم للمأمون: يأذن لي أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر؟

فقال له المأمون: إستأذنه في ذلك ، فأقبل عليه يحيى بن أكثم فقال: أتأذن لي جعلت فداك في مسألة ؟ فقال له أبو جعفر عليه السلام : سل إن شئت .

قال يحيى: ما تقول جعلت فداك في محرم قتل صيداً ؟

فقال له أبو جعفر: قتله في حل أو حرم ؟ عالماً كان المحرم أم جاهلاً ؟ قتله عمداً أو خطأ ؟ حراً كان المحرم أم عبداً ؟ صغيراً كان أم كبيراً ؟ مبتدئاً بالقتل أم معيداً ؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها ؟ من صغار الصيد كان أم كبارها ؟ مصراً على ما فعل أو نادماً ؟ في الليل كان قتله للصيد أم نهاراً ؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرماً ؟ فتحير يحيى بن أكثم ، وبان في وجهه العجز والإنقطاع ، ولجلج حتى عرف جماعة أهل المجلس أمره .

فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي .

ثم نظر إلى أهل بيته وقال لهم:أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه! ثم أقبل على أبي جعفر فقال له: أتخطب يا أبا جعفر ؟

قال: نعم يا أمير المؤمنين ، فقال له المأمون: أخطب ، جعلت فداك لنفسك ، فقد رضيتك لنفسي وأنا مزوجك أم الفضل ابنتي ، وإن رغم قوم لذلك .

فقال أبوجعفر عليه السلام : الحمد لله إقراراً بنعمته ، ولا إله إلا الله إخلاصاً لوحدانيته وصلى الله على محمد سيد بريته ، والأصفياء من عترته .

أما بعد: فقد كان من فضل الله على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام ، فقال سبحانه: وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ، ثم إن محمد بن علي بن موسى يخطب أم الفضل بنت عبد الله المأمون ، وقد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وهو خمس مائة درهم جياداً ، فهل زوجته يا أميرالمؤمنين بها على هذا الصداق المذكور؟

قال المأمون: نعم ، قد زوجتك أبا جعفر أم الفضل ابنتي على هذا الصداق المذكور ، فهل قبلت النكاح؟ قال أبو جعفر عليه السلام : قد قبلت ذلك ورضيت به .

فأمر المأمون أن يقعد الناس على مراتبهم في الخاصة والعامة .

قال الريان: ولم نلبث أن سمعنا أصواتاً تشبه أصوات الملاحين في محاوراتهم ، فإذا الخدم يجرون سفينة مصنوعة من فضة مشدودة بالحبال من الإبريسم على عجل مملوءة من الغالية (العطر) فأمر المأمون أن تخضب لحى الخاصة من تلك الغالية ، ثم مدت إلى دار العامة فطيبوا منها ، ووضعت الموائد فأكل الناس ، وخرجت الجوائز إلى كل قوم على قدرهم .

فلما تفرق الناس وبقي من الخاصة من بقي، قال المأمون لأبي جعفر: إن رأيت جعلت فداك أن تذكر الفقه فيما فصلته من وجوه قتل المحرم الصيد ، لنعلمه ونستفيده.

فقال أبو جعفر عليه السلام : نعم ، إن المحرم إذا قتل صيداً في الحل وكان الصيد من ذوات الطير، وكان من كبارها فعليه شاة ، فإن كان أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً ، وإذا قتل فرخاً في الحل فعليه حمل قد فطم من اللبن ، وإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ.

وإن كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة ، وإن كان نعامة فعليه بدنة ، وإن كان ظبياً فعليه شاة ، فإن قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة، وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامه للحج نحره بمنى ، وإن كان إحرامه للعمرة نحره بمكة.

وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء ، وفي العمد له المأثم ، وهو موضوع عنه في الخطأ ، والكفارة على الحر في نفسه ، وعلى السيد في عبده ، والصغير لا كفارة عليه ، وهي على الكبير واجبة ، والنادم يسقط بندمه عنه عقاب الآخرة ، والمصـرُّ يجب عليه العقاب في الآخرة . فقال له المأمون: أحسنت أبا جعفر أحسن الله إليك ، فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك .

فقال أبو جعفر ليحيى: أسألك ؟ قال: ذلك إليك جعلت فداك ، فإن عرفت جواب ما تسألني عنه ، وإلا استفدته منك .

فقال له أبو جعفر عليه السلام : خبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أول النهار فكان نظره إليها حراماً عليه ، فلما ارتفع النهار حلت له ، فلما زالت الشمس حرمت عليه ، فلما كان وقت العصر حلت له ، فلما غربت الشمس حرمت عليه ، فلما دخل عليه وقت العشاء الآخرة حلت له ، فلما كان انتصاف الليل حرمت عليه ، فلما طلع الفجر حلت له ! ما حال هذه المرأة وبماذا حلت له وحرمت عليه؟

فقال له يحيى بن أكثم: لا والله ما أهتدي إلى جواب هذا السؤال ، ولا أعرف الوجه فيه ، فإن رأيت أن تفيدناه .

فقال له أبو جعفر عليه السلام : هذه أمة لرجل من الناس نظر إليها أجنبي في أول النهار فكان نظره إليها حراماً عليه ، فلما ارتفع النهار ابتاعها من مولاها فحلت له ، فلما كان الظهر أعتقها فحرمت عليه ، فلما كان وقت العصر تزوجها فحلت له ، فلما كان وقت المغرب ظاهر منها فحرمت عليه ، فلما كان وقت العشاء الآخرة كفرعن الظهار فحلت له ، فلما كان نصف الليل طلقها واحدة فحرمت عليه ، فلما كان عند الفجر راجعها فحلت له .

قال: فأقبل المأمون على من حضره من أهل بيته فقال لهم: هل فيكم أحد يجيب عن هذه المسألة بمثل هذا الجواب ، أو يعرف القول فيما تقدم من السؤال ؟!

قالوا: لا والله ، إن أمير المؤمنين أعلم وما رأى .

فقال لهم: ويحكم ، إن أهل هذا البيت خصوا من الخلق بما ترون من الفضل ، وإن صغر السن فيهم لا يمنعهم من الكمال . أما علمتم أن رسول الله افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو ابن عشر سنين ، وقبل منه الإسلام وحكم له به، ولم يَدْعُ أحداً في سنه غيره . وبايع الحسن والحسين وهما ابنا دون الست سنين ، ولم يبايع صبياً غيرهما ، أفلا تعلمون الآن ما اختص الله به هؤلاء القوم ، وأنهم ذرية بعضها من بعض ، يجري لآخرهم ما يجري لأولهم؟!

قالوا: صدقت يا أمير المؤمنين ، ثم نهض القوم .

فلما كان من الغد أحضر الناس وحضر أبو جعفر عليه السلام ، وصار القواد والحجاب والخاصة والعمال لتهنئة المأمون وأبي جعفر عليه السلام ، فأخرجت ثلاثة أطباق من الفضة فيها بنادق مسك ، وزعفران معجون ، في أجواف تلك البنادق رقاع مكتوبة بأموال جزيلة وعطايا سنية وإقطاعات ، فأمر المأمون بنثرها على القوم من خاصته ، فكان كل من وقع في يده بندقة، أخرج الرقعة التي فيها والتمسه فأطلق له. ووضعت البِدَر، فنثر ما فيها على القواد وغيرهم ، وانصرف الناس وهم أغنياء بالجوائز والعطايا . وتقدم المأمون بالصدقة على كافة المساكين . ولم يزل مكرماً لأبي جعفر عليه السلام معظما لقدره مدة حياته ، يؤثره على ولده وجماعة أهل بيته ).

ورواه المفيد في الإختصاص/98، وتفسير القمي(1/182)بتفاوت يسير، وفيه: (فأمر المأمون أن يكتب ذلك ، ثم دعا أهل بيته فقرأ عليهم ذلك وقال لهم: هل فيكم أحد يجيب بمثل هذا الجواب ، قالوا: لا والله، ولا القاضي! ثم قال: ويحكم إن أهل هذا البيت خِلْوٌ (غير) من هذا الخلق! أوَمَا علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله بايع الحسن والحسين عليهما السلام وهما صبيان غير بالغين ، ولم يبايع طفلاً غيرهما ! أوما علمتم أن علياً آمن بالنبي وهو ابن عشر سنين ، فقبل الله ورسوله منه إيمانه ، ولم يقبل من طفل غيره، ولا دعا النبي صلى الله عليه وآله طفلاً غيره إلى الإيمان ! أوَمَا علمتم أنها ذرية بعضها من بعض ، يجري لآخرهم ما يجري لأولهم ! قال: ثم أمرالمأمون أن ينثر على أبي جعفر عليه السلام ثلاثة أطباق بنادق زعفران ومسك معجون بماء الورد في جوفهما رقاع: على طَبَقٍ رقاع عمالات ، والثاني ضِياع ، طُعْمَةٌ لمن أخذها ، والثالث فيه بِدَر (صُرَر ) ثم أمر أن يفرق طَبق العمالات على بني هاشم خاصة ، والذي عليه ضياع طعمة على الوزراء ، والذي عليه البِدَر على القواد) .

ملاحظات على هذه الرواية

1. تتعجب من المأمون كيف يعتقد بإمامة علي والأئمة عليهم السلام الربانية ، ويحتج على بني العباس وكبار الفقهاء والعلماء ، ويشهد بأنهم أصحاب وصية النبي صلى الله عليه وآله والحق الإلهي في إمامة الأمة وحكمها. ثم يغصب حقهم ويجلس في مجلسهم ثم يقتلهم ! وقد اعترف أن أباه كان يعتقد بذلك أيضاً ، فقال يوماً: ( أتدرون من علمني التشيع؟ فقال القوم: لاوالله ما نعلم ذلك. قال: علمنيه الرشيد! قيل له: وكيف ذلك والرشيد يقتل أهل البيت ! قال: كان الرشيد يقتلهم على الملك، لأن الملك عقيم . ثم قال: إنه دخل موسى بن جعفرعلى الرشيد يوماً فقام إليه، واستقبله وأجلسه في الصدر وقعد بين يديه وجرى بينهما أشياء ، ثم قال موسى بن جعفر لأبي :يا أميرالمؤمنين إن الله عزّ وجلّ قد فرض على الولاة عهده: أن ينعشوا فقراء هذه الأمة ويقضوا عن الغارمين ويؤدوا عن المثقل ، ويكسوا العاري ويحسنوا إلى العاني، وأنت أولى من يفعل ذلك . فقال: أفعل يا أبا الحسن.

ثم قام فقام الرشيد لقيامه وقبل بين عينيه ووجهه ، ثم أقبل علي وعلى الأمين والمؤتمن فقال: يا عبد الله ويا محمد ويا إبراهيم ! إمشوا بين يدي ابن عمكم وسيدكم ، خذوا بركابه وسووا عليه ثيابه وشيعوه إلى منزله ، فأقبل إلي أبو الحسن موسى بن جعفر سراً بيني وبينه فبشرني بالخلافة . وقال لي: إذا ملكت هذا الأمر فأحسن إلى ولدي .

ثم انصرفنا وكنت أجرأ ولد أبي عليه ، فلما خلى المجلس قلت: يا أمير المؤمنين ومن هذا الرجل الذي أعظمته وأجللته ، وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته ، وأقعدته في صدر المجلس وجلست دونه ثم أمرتنا بأخذ الركاب له؟ قال: هذا إمام الناس، وحجة الله على خلقه ، وخليفته على عباده .

فقلت: يا أمير المؤمنين أو ليست هذه الصفات كلها لك وفيك ؟

فقال: أنا إمام الجماعة في الظاهر بالغلبة والقهر، وموسى بن جعفر إمام حق، والله يا بني أنه لأحق بمقام رسول الله مني ومن الخلق جميعاً ، ووالله لو نازعتني في هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك ، لأن الملك عقيم !

فلما أراد الرحيل من المدينة إلى مكة أمر بصرة سوداء فيها مائتا دينار ، ثم أقبل على الفضل فقال له: إذهب إلى موسى بن جعفر وقل له: يقول لك أمير المؤمنين نحن في ضيقة وسيأتيك برنا بعد هذا الوقت .

فقمت في وجهه فقلت: يا أمير المؤمنين!تعطي أبناء المهاجرين والأنصار وسائر قريش وبني هاشم ومن لا تعرف حسبه ونسبه: خمسة آلاف دينار إلى ما دونها. وتعطي موسى بن جعفر وقد عظمته وأجللته مائتي دينار ، وأخس عطية أعطيتها أحداً من الناس ! فقال: أسكت لا أم لك! فإني لوأعطيته هذا ما ضمنته له ما كنت آمنه أن يضرب وجهي غداً بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه . فَقْرُ هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم من بسط أيديهم وإغنائهم). (الإحتجاج:2/165).

2. كل عصبية لا بد أن تنتهي الى حب الذات المفرط ، وعبادة الشخص لنفسه !

فالمأمون يتعصب لعشيرته العباسيين ضد بني هاشم، ويتعصب لأبناء هارون ضد غيرهم من العباسيين. ويتعصب لنفسه ضد إخوته أبناء هارون ، حتى أنه حارب أخاه الأمين وقتله شر قتله . وذلك من أجل نفسه ، وتسلطه وشهواته !

3. هدف المأمون من تزويج الإمام الجواد عليه السلام أن يهدد بني العباس بنقل الخلافة عنهم الى أبناء علي عليه السلام فيقبلوا جعل ابنه ولي عهده .

وهدفه أن يقنع بني العباس بضرورة تغيير سياستهم مع بني علي عليه السلام .

ومن جهة أخرى هدفه أن يخضع الإمام الجواد عليه السلام لرقابته ويفصله عن جمهور الناس ، حتى لا يثور عليه يوماً ما .

4. عندما أقدم المأمون على جريمة سم الإمام الرضا عليه السلام حذره الإمام من قتل ولده الجواد عليه السلام ، وقال له حافظ على حياته لأن عمرك ينتهي مع عمره !

ففي عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/270):(وجاء المأمون حافياً حاسراً يضرب على رأسه ويقبض على لحيته ويتأسف ويبكي وتسيل دموعه على خديه فوقف على الرضا عليه السلام وقد أفاق فقال: يا سيدي والله ما أدري أي المصيبتين أعظم علي، فقدي لك وفراقي إياك؟ أو تهمة الناس لي إني اغتلتك وقتلتك! قال: فرفع طرفه إليه ثم قال: أحسن يا أمير المؤمنين معاشرة أبي جعفر ، فإن عمرك وعمره هكذا، وجمع بين سبابتيه) !

واكتفى المأمون بدم الإمام الرضا عليه السلام فلم يقتل الإمام الجواد عليه السلام وكان ليناً معه ، فسمح له أن يسكن في المدينة ، ويترك زوجته بنت المأمون في بغداد .

أعطى المأمون الحرية للإمام الجواد عليه السلام فذهب الى المدينة !

كانت عبارة الإمام الرضا عليه السلام للمأمون إن قتلته انتهى عمرك ! كافية لأن يحافظ المأمون على الجواد. وكان الإمام الجواد عليه السلام في التاسعة من عمره لما عقد المأمون زواجه على بنته ، وقد يكون التقى بها لكنه لم يدخل بها وعاد الى المدينة وبقي فيها . وفي السادسة عشرة من عمره تزوج جارية مغربية إسمها سمانة ، وبعد سنة رزقه الله منها ابنه علي الهادي عليه السلام . ثم رزق بابنه موسى وثلاث بنات: خديجة وحكيمة وأم كلثوم. (دلائل الإمامة/397).

وقد يكون الإمام الجواد زار بغداد أو أحضره المأمون بعد عقد زواجه مرة أو مرات ، لكن المؤكد أنه لم يدخل على أم الفضل الى سنة 215 وهو في العشرين من عمره ، عندما توجه المأمون الى بلاد الشام والروم ، فقد نص المؤرخون ، ومنهم الطبري ، والذهبي ، وابن كثير على أنه لقي المأمون بتكريت ، وطلب منه المأمون أن يدخل بزوجته أم الفضل .

قال الطبري(7/189): (سنة خمس عشرة ومائتين..شَخَص المأمون من مدينة السلام لغزو الروم ، وذلك يوم السبت فيما قيل لثلاث بقين من المحرم وقيل كان ارتحاله من الشماسية إلى البردان يوم الخميس بعد صلاة الظهر لِسِتٍّ بقين من المحرم سنة 215، واستخلف حين رحل عن مدينة السلام عليها إسحاق بن إبراهيم بن مصعب ، وولى مع ذلك السواد وحلوان وكور دجلة ، فلما صار المأمون بتكريت قدم عليه محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، من المدينة في صفر ليلة الجمعة من هذه السنة ولقيه بها، فأجازه وأمره أن يدخل بابنته أم الفضل وكان زَوَّجَهَا منه فأدخلت عليه في دارأحمد بن يوسف التي على شاطئ دجلة فأقام بها، فلما كان أيام الحج خرج بأهله حتى أتى مكة ثم أتى منزله بالمدينة فأقام بها ).

وذكرت المصادر أن الإمام الجواد عليه السلام بقي في قصر ابن يوسف الى موسم الحج.

ففي الثاقب لابن حمزة/518:(حدثني بعض المدينيين أنهم كانوا يدخلون على أبي جعفر عليه السلام وهو نازل في قصرأحمد بن يوسف يقولون له: يا أبا جعفر جعلنا فداك قد تهيأنا وتجهزنا ولانراك تهم بذلك! قال لهم: لستم بخارجين حتى تغترفوا الماء بأيديكم من هذه الأبواب التي ترونها ! فتعجبوا من ذلك أن يأتي الماء من تلك المكثرة، فما خرجوا حتى اغترفوا بأيديهم منها ).

ورووا أن الإمام عليه السلام عاد الى المدينة بزوجته بنت المأمون ، وأنهم رأوا منه معجزة لما كان الناس في وداعه فحان وقت الصلاة ودخل الى مسجد المسيب وتوضأ عند سدرة يابسة ، فاخضرت وأثمرت وأكل الناس من ثمرها!

كما ذكرت رواية أن الإمام عليه السلام جاء الى بغداد لاستقبال المأمون عند عودته من الشام ويبدو أنها عودته من سفرته تلك .

ففي الهداية الكبرى/300: (عن صالح بن محمد بن داود اليعقوبي، قال: لما توجه أبو جعفر عليه السلام لاستقبال المأمون وقد أقبل من نواحي الشام ، أمرأن يُعقد ذنب دابته وذلك في يومٍ صائف شديد الحر وطريقٍ لايوجد فيه ماء ! فقال بعض من كان معنا: لاعهد له بركوب الدواب! فإن موضع عقد ذنب البرذون غير هذا! فما سرنا إلا يسيراً حتى وردنا أرض ماء ووحل كثير، وفسدت ثيابنا وما معنا ولم يصبه شئ من ذلك ! قال صالح: وقال لنا يوماً ونحن في ذلك الوجه: إعلموا أنكم ستضلون عن الطريق قبل المنزل الأول الذي يلقاكم الليلة ، وترجعون إليه في المنزل بعدما يذهب من الليل سبع ساعات ! فقال بعض من فينا: لاعهد له بهذه الطريق ولا يعرفه ولم يسلكه قط!

قال صالح: فضللنا عن الطريق قبل المنزل الذي كان يلقانا ، وسرنا بالليل حتى تنصف وهو يسير بين أيدينا ونحن نتبعه حتى صرنا في المنزل الثاني على الطريق ، فقال أنظروا كم ساعة مضى من الليل ، فإنها سبع ساعات ! فنظرنا فإذا هي كما قال ) !

وبعد مشاركته في استقبال المأمون عاد الإمام عليه السلام الى المدينة، وكان ذلك كان سنة 216، ففي الطبري (7/191) أن المأمون لم يزل مقيماً فيها(أرض الروم) إلى النصف من شعبان).

وبقيت زوجة الإمام الجواد عليه السلام أم الفضل بنت المأمون مدة في المدينة فضاق صدرها من حياتها الإيمانية!وأرسلت الى أبيها تشكو فأمرها بالصبر، ويبدو أن الجواد عليه السلام أرسلها الى بغداد التي تحب حياة قصورها !

 

 

الفصل الرابع

الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام

بشر النبي صلى الله عليه وآله بالأئمة الإثني عشر عليهم السلام بأسمائهم

نذكر حديثاً عجيباً عن عبد الله بن جعفر رحمه الله قاله لمعاوية ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله نص على الأئمة الإثني عشر عليهم السلام بعده وسمى خمسةً منهم !

فقد روى الكافي:1/529 ، وكمال الدين/270 ، والخصال/477، والإحتجاج: 1/285 ، وكشف الغمة:2/508 ، وسُليم/364 ، ويظهر أن زمن الحديث بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام وسيطرة معاوية ، وأن معاوية كان يومها في المدينة لأنه أحضر بعض الشهود على الحديث !

واللفظ لسليم بن قيس، قال: (حدثني عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: كنت عند معاوية ومعنا الحسن والحسين ، وعنده عبد الله بن عباس ، فالتفت إليَّ معاوية فقال: يا عبد الله ! ما أشد تعظيمك للحسن والحسين! وما هما بخير منك ولا أبوهما خير من أبيك، ولولا أن فاطمة بنت رسول الله لقلت:ما أمك أسماء بنت عميس بدونها ! فقلت: والله! إنّك لقليل العلم بهما وبأبيهما وبأمهما ، بل والله لهما خير مني وأبوهما خير من أبي ، وأمهما خير من أمي. يا معاوية ، إنك لغافل عما سمعته أنا من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول فيهما وفي أبيهما وأمهما قد حفظته ووعيته ورويته.

قال: هات يا ابن جعفر فوالله ما أنت بكذاب ولا متهم . فقلت: إنه أعظم مما في نفسك !

قال: وإن كان أعظم من أحد وحراء جميعاً ، فلست أبالي إذ قتل الله صاحبك وفرق جمعكم ، وصار الأمر في أهله ، فحدثنا فما نبالي بما قلتم ولايضرنا ما عددتم .

قلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وقد سئل عن هذه الآية: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ، فقال: إني رأيت اثني عشر رجلاً من أئمة الضلالة يصعدون منبري وينزلون ، يردون أُمتي على أدبارهم القهقرى ، فيهم رجلان من حيين من قريش مختلفين ، وثلاثة من بني أُمية ، وسبعة من ولد الحكم بن أبي العاص!

وسمعته يقول: إن بني أبي العاص إذا بلغوا خمسة عشر رجلاً جعلوا كتاب الله دَخلاً، وعباد الله خَولاً، ومال الله دِولاً.

يا معاوية: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول على المنبر وأنا بين يديه ، وعمر بن أبي سلمة ، وأسامة بن زيد ، وسعد بن أبي وقاص ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر ، والمقداد، والزبير بن العوام ، وهو يقول: ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم فقلنا: بلى يا رسول الله، قال:أليس أزواجي أُمهاتكم؟قلنا:بلى يارسول الله.قال: مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه وضرب بيديه على منكب علي وقال: اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه.

أيّها الناس: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معي أمر، وعلي من بعدي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معه أمر ، ثم ابني الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معه أمر . ثم عاد فقال: أيها الناس إذا أنا استشهدت فعلي أولى بكم من أنفسكم ، فإذا استشهد علي فابني الحسن أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ، فإذا استشهد الحسن فابني الحسين أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ، فإذا استشهد الحسين فابني علي بن الحسين أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ليس لهم معه أمر .

ثمّ أقبل على علي فقال: يا علي إنك ستدركه فاقرأه مني السلام ، فإذا استشهد فابني محمد أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ، وستدركه أنت يا حسين فاقرأه مني السلام ، ثم يكون في عقب محمد رجال واحد بعد واحد ، وليس منهم أحد إلاوهو أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ليس لهم معه أمر، كلهم هادون مهتدون !

فقام علي بن أبي طالب وهو يبكي ، فقال: بأبي أنت وأمي يا نبي الله أتقتل!

قال: نعم أهلك شهيداً بالسم، وتقتل أنت بالسيف ، وتخضب لحيتك من دم رأسك ، ويقتل ابني الحسن بالسم، ويقتل ابني الحسين بالسيف يقتله طاغ ابن طاغ ، دعيٌّ ابن دعي ! فقال معاوية: يا ابن جعفر لقد تكلمت بعظيم ، ولئن كان ما تقول حقاً لقد هلكت أُمة محمد من المهاجرين والأنصار غيركم أهل البيت وأوليائكم وأنصاركم ! فقلت: والله إن الذي قلت حقاً ، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله !

قال معاوية: يا حسن ويا حسين ويا ابن عباس: ما يقول ابن جعفر؟ فقال ابن عباس: إن لم تؤمن بالذي قال فأرسل إلى الذين سماهم فاسألهم عن ذلك ، فأرسل معاوية إلى عمر بن أبي سلمة وإلى أسامة بن زيد فسألهما ، فشهدا أن الذي قال ابن جعفر قد سمعاه من رسول الله صلى الله عليه وآله كما سمعه .

فقال معاوية: يا ابن جعفر ، قد سمعناه في الحسن والحسين وفي أبيهما ، فما سمعت في أُمّهما ؟ ومعاوية كالمستهزئ والمنكر! فقلت: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ليس في جنة عدن منزل أشرف ولا أفضل ولا أقرب إلى عرش ربي من منزلي ، ومعي ثلاثة عشر من أهل بيتي: أخي علي ، وابنتي فاطمة ، وابناي الحسن والحسين ، وتسعة من ولد الحسين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، هداة مهتدون ، وأنا المبلغ عن الله ، وهم المبلغون عني، وهم حجج الله على خلقه ، وشهداؤه في أرضه ، وخزانه على علمه ومعادن حكمه ، من أطاعهم أطاع الله ، ومن عصاهم عصى الله ، لا تبقى الأرض طرفة عين إلا ببقائهم ، ولا تصلح إلا بهم ، يخبرون الأُمة بأمر دينهم، حلالهم وحرامهم ، يدلونهم على رضا ربهم، وينهونهم عن سخطه ، بأمر واحد ونهي واحد ، ليس فيهم اختلاف ولا فرقة ولا تنازع ، يأخذ آخرهم عن أولهم: إملائي وخط أخي علي بيده يتوارثونه إلى يوم القيامة ، وأهل الأرض كلهم في غمرة وغفلة وتيهة وحيرة غيرهم وغير شيعتهم وأوليائهم ، لا يحتاجون إلى أحد من الأُمة في شئ من أمر دينهم ، والأمة تحتاج إليهم. هم الذين عنى الله في كتابه وقرن طاعتهم بطاعته وطاعة رسول الله فقال: يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الأَْمْرِ مِنكُمْ .

فأقبل معاوية على الحسن والحسين وابن عباس والفضل بن عباس وعمر بن أبي سلمة وأسامة بن زيد ، فقال: كلكم على ما قال ابن جعفر؟قالوا: نَعَمْ .

قال: يا بني عبد المطلب إنكم لتدعون أمراً عظيماً، وتحتجون بحجج قوية إن كانت حقاً ، وإنكم لتضمرون على أمر تسرونه والناس عنه في غفلة عمياء ، ولئن كان ما تقولون حقاً لقد هلكت الأمة وارتدت عن دينها ، وتركت عهد نبيها غيركم أهل البيت ومن قال بقولكم ، فأولئك في الناس قليل !

فقلت: يا معاوية ، إن الله تبارك وتعالى يقول: وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ، ويقول: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ، ويقول: إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ، ويقول لنوح: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ.

يا معاوية! المؤمنون في الناس قليل، وإن أمر بني إسرائيل أعجب حيث قالت السحرة لفرعون: فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاض إِنَّمَا تَقْضِى هَذِهِ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا، فآمنوا بموسى وصدقوه واتبعوه، فسار بهم وبمن تبعه من بني إسرائيل فأقطعهم البحر وأراهم الأعاجيب ، وهم يصدقون به وبالتوراة ، يقرون له بدينه فمر بهم على قوم يعبدون أصناماً لهم فقالوا: يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ ، ثم اتخذوا العجل فعكفوا عليه جميعاً غير هارون وأهل بيته، وقال لهم السامري: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِي. فاحتذت هذه الأُمة ذلك المثال سواء، وقد كانت فضائل وسوابق مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومنازل منه قريبة مقرين ‌بدين محمدوالقرآن حتى فارقهم نبيهم صلى الله عليه وآله ، فاختلفوا وتفرقوا وتحاسدوا، وخالفوا إمامهم ووليهم حتى لم يبق منهم على ما عاهدوا عليه نبيهم غير صاحبنا الذي هو من نبينا بمنزلة هارون من موسى ، ونفر قليل لقوا الله عزّ وجلّ على دينهم وإيمانهم ، ورجع الآخرون القهقرى على أدبارهم كما فعل أصحاب موسى عليه السلام باتّخاذهم العجل وعبادتهم إياه ، وزعمهم أنه ربهم ، وإجماعهم عليه غير هارون وولده ونفر قليل من أهل بيته.

ونبينا صلى الله عليه وآله قد نصب لأُمته أفضل الناس وأولاهم وخيرهم بغديرخم وفي غير موطن، واحتج عليهم به وأمرهم بطاعته ، وأخبرهم أنه منه بمنزلة هارون من موسى ، وأنه ولي كل مؤمن بعده ، وأنه كل مَن كان وليه فعليٌّ وليه ، ومن كان أولى به من نفسه فعلي أولى به ، وأنه خليفته فيهم ووصيه ، وأن من أطاعه أطاع الله ، ومن عصاه عصى الله ، ومن والاه والى الله ، ومن عاداه عادى الله ، فأنكروه وجهلوه وتولوا غيره .

يا معاوية ! أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله حين بعث إلى مؤتة أمَّرَعليهم جعفر بن أبي طالب ، ثم قال: إن هلك جعفر فزيد بن حارثة ، فإن هلك زيد فعبد الله بن رواحة ، ولم يرض لهم أن يختاروا لأنفسهم ، أفكان يترك أمته ، لا يبين لهم خليفته فيهم؟!

بلى، والله ما تركهم في عمياء ولا شبهة بل ركب القوم ما ركبوا بعد نبيهم وكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله فهلكوا وهلك من شايعهم ، وضلوا وضل من تابعهم ، فبعداً للقوم الظالمين .

فقال معاوية: يا ابن عباس! إنك لتفوه بعظيم ، والإجتماع عندنا خير من الإختلاف، وقد علمت أن الأمة لم تستقم على صاحبك !

فقال ابن عباس: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما اختلفت أُمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها، وإن هذه الأمة اجتمعت على أموركثيرة ليس بينها اختلاف ولامنازعة ولا فرقة:شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله والصلوات الخمس والزكاة المفروضة وصوم شهر رمضان وحج البيت وأشياء كثيرة من طاعة الله ، واجتمعوا على تحريم الخمر والزنا والسرقة وقطع الأرحام والكذب والخيانة وأشياء كثيرة من معاصي الله .

واختلفت في شيئين: أحدهما اقتتلت عليه وتفرقت فيه وصارت فرقاً يلعن بعضها بعضاً ويبرء بعضها من بعض ، والثاني لم تقتتل عليه ولم تتفرق فيه ووسع بعضهم فيه لبعض وهو كتاب الله وسنة نبيه وما يحدث ، زعمت أنه ليس في كتاب الله ولا سنة نبيه . وأما الذي اختلفت فيه وتفرقت وتبرأت بعضها من بعض فالملك والخلافة زعمت أنها أحق بهما من أهل بيت نبي الله ، فمن أخذ بما ليس فيه بين أهل القبلة اختلاف ورد علم ما اختلفوا فيه إلى الله فقد سلم ونجا من النار ، ولم يسأله الله عما أشكل عليه من الخصلتين اللتين اختلفت فيهما . ومن وفقه الله ومن عليه ونور قلبه وعرفه ولاة الأمر ومعدن العلم أين هو ، فعرف ذلك كان سعيداً ولله ولياً . وكان نبي الله صلى الله عليه وآله يقول: رحم الله عبداً قال حقا فغنم أو سكت فسلم .فالأئمة من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومنزل الكتاب ومهبط الوحي ومختلف الملائكة ، لا تصلح إلا فيها لأن الله خصها وجعلها أهلاً في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وآله ، فالعلم فيهم وهم أهله ، وهو عندهم كله بحذافيره: باطنه وظاهره ومحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه .

يا معاوية ، إن عمر بن الخطاب أرسلني في إمارته إلى علي بن أبي طالب: إني أريد أن أكتب القرآن في مصحف ، فابعث إلينا ما كتبت من القرآن . فقال علي عليه السلام : تضرب والله عنقي قبل أن تصل إليه. فقلت: ولمَ ؟ قال: لأن الله يقول: لا يمسه إلا المطهرون ، يعني لا يناله كله إلا المطهرون، إيانا عنى ، نحن الذين أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيراً ، وقال: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ، فنحن الذين اصطفانا الله من عباده ، ونحن صفوة الله ، ولنا ضربت الأمثال ، وعلينا نزل الوحي .

فمن قال يا معاوية إنه ضاع من القرآن شئ فقد كذب، هو عند أهله مجموع محفوظ. ثم أمر عمر قضاته وولاته فقال: اجتهدوا رأيكم واتبعوا ما ترون أنه الحق ، فلم يزل هو وبعض ولاته وقد وقعوا في عظيمة ، فكان علي يخبرهم بما يحتج به عليهم.

وكان عماله وقضاته يحكمون في شئ واحد بقضايا مختلفة فيجيزها لهم ، لأن الله لم يؤته الحكمة وفصل الخطاب .

وزعم كل صنف من أهل القبلة أنهم معدن العلم والخلافة دونهم فبالله نستعين على من جحدهم حقهم وسنَّ للناس ما يحتج به مثلك عليهم ، حسبنا الله ونعم الوكيل.

إنما الناس ثلاثة: مؤمن يعرف حقنا ويسلم لنا ويأتم بنا ، فذلك ناج نجيب لله ولي، وناصب لنا العداوة يتبرأ منا ويلعننا ويستحل دمائنا ويجحد حقنا ويدين بالبراءة منا، فهذا كافر به مشرك ملعون ، ورجل آخذ بما لا يختلفون فيه ورد علم ما أشكل عليه إلى الله من ولايتنا ولم يعادنا ، فنحن نرجو له فأمره إلى الله . فلما سمع ذلك معاوية أمر للحسن والحسين بألف ألف درهم لكل واحد بخمسمائة ألف ) !

أقول: نصت أحاديث النبي صلى الله عليه وآله على أسماء الأئمة الإثني عشـر، وروى عدداً منها الخزاز القمي تلميذ الصدوق في كتابه:كفاية الأثر في النص على الأئمة الإثني عشر.

وجاء في حديث اللوح القدسي ذكرالرضا عليه السلام بقوله:(ويل للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدة موسى عبدي وحبيبي وخيرتي في علي وليي وناصري ، ومن أضع عليه أعباء النبوة ، وأمتحنه بالإضطلاع بها . يقتله عفريت مستكبر ، يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شر خلقي! حق القول مني لأسرنَّه بمحمد ابنه وخليفته من بعده ).

ولادة الإمام الرضا عليه السلام وشهادته

المعتمد عند علمائنا في ولادته وشهادته عليه السلام : أنه ولد في المدينة سنة 148، في الحادي عشر من ذي القعدة ، سنة وفاة جده الإمام الصادق عليه السلام وهو قول الكليني ، والصدوق ، والمفيد ، والشهيد الأول في الدروس .

وعاش في كنف أبيه موسى ‌بن جعفر عليه السلام ، وعايش جهاده العلمي والعملي، واضطهاد هارون له ، حتى قتله هارون في بغداد سنة 183هجرية ، فكان عمر الكاظم عليه السلام 55 سنة، وعمر ابنه الرضا عليه السلام يومها خمساً وعشرين سنة .

وفي سنة 200 هجرية أرسل المأمون قوة عسكرية لإحضار الرضا الى طوس.

أما شهادته عليه السلام فكانت في طوس سنة 203 هجرية ، والمشهور أنها كانت في صفر سنة 203، لكن الصحيح أنها كانت في شهر رمضان سنة 203، لأن المأمون قتله بعد أن قتل الفضل بن سهل في شعبان ، والتجأ المأمون الى الإمام الرضا عليه السلام ليفرق جماعة الفضل الذين تجمعوا عند قصره لقتله ، فركب الإمام عليه السلام وفرقهم !

وقد أجمع المؤرخون على أن قتل الفضل كان في شعبان سنة 203، فلا يصح أن الإمام الرضا عليه السلام توفي في صفر لأنه كان موجوداً لما قتل الفضل في شعبان ؟!

لذلك يتعين قول الصدوق رحمه الله (العيون:2/274) قال: (والصحيح أنه توفي في شهر رمضان لتسع بقين منه يوم الجمعة سنة ثلاث ومأتين من هجرة النبي صلى الله عليه وآله ).

فيكون مدة ولاية العهد سنتين كاملتين من رمضان 201- الى رمضان 203.

كلام الشيخ المفيد في شهادة الإمام الرضا عليه السلام

قال المفيد في الإرشاد (2/270): (وذكر عن أبي الصلت الهروي أنه قال: دخلت على الرضا عليه السلام وقد خرج المأمون من عنده ، فقال لي: يا أبا الصلت قد فعلوها وجعل يوحد الله ويمجده .. ولما توفي الرضا عليه السلام كتم المأمون موته يوماً وليلة ، ثم أنفذ إلى محمد بن جعفر الصادق وجماعة من آل أبي طالب الذين كانوا عنده ، فلما حضروه نعاه إليهم وبكى وأظهر حزناً شديداً وتوجعاً ، وأراهم إياه صحيح الجسد ، وقال: يعز عليَّ يا أخي أن أراك في هذه الحال ، قد كنت آمل أن أقدم قبلك فأبى الله إلا ما أراد ، ثم أمر بغسله وتكفينه وتحنيطه وخرج مع جنازته يحملها حتى انتهى إلى الموضع الذي هو مدفون فيه الآن فدفنه . والموضع دار حميد بن قحطبة في قرية يقال لها سناباد بأرض طوس ، وفيها قبر هارون الرشيد ، وقبر أبي الحسن عليه السلام بين يديه في قبلته .

ومضى الرضا علي بن موسى عليه السلام ولم يترك ولداً نعلمه إلا ابنه الإمام بعده أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام ، وكانت سنه يوم وفاة أبيه سبع سنين وأشهراً ).

وقال اليعقوبي(2/453 ) (حدثني أبوالحسن بن أبي عباد قال: رأيت المأمون يمشي في جنازة الرضا عليه السلام ، حاسراً في مبطنة بيضاء ، وهوبين قائمتي النعش يقول: إلى من أروح بعدك يا أبا الحسن ، وأقام عند قبره ثلاثة أيام ، يُؤتى في كل يوم برغيف وملح فيأكله ، ثم انصرف في اليوم الرابع ).

أقول:مبالغة المأمون في إظهار الجزع تمثيل من عفريت ، ليبعد عن نفسه تهمة قتل الإمام عليه السلام . وكان عمر الإمام عليه السلام يومها خمساً وخمسين سنة .

كان اسمه الرضا قبل ولاية العهد

في عيون أخبار الرضا (1/33 ): (عن البزنطي قال قلت لأبي جعفر محمد بن علي بن موسى عليهم السلام : إن قوماً من مخالفيكم يزعمون أن أباك إنما سماه المأمون الرضا لما رضيه لولاية عهده؟ فقال عليه السلام : كذبوا والله وفجروا ! بل الله تبارك وتعالى سماه بالرضا عليه السلام لأنه كان رضاً لله عزّ وجلّ في سمائه ورضاً لرسوله والأئمة بعده صلوات الله عليهم في أرضه.قال فقلت له: ألم يكن كل واحد من آبائك الماضين رضاً لله عزّ وجلّولرسوله والأئمة بعده عليهم السلام ؟ فقال بلى ، فقلت: فلم سمي أبوك من بينهم الرضا ؟ قال: لأنه رضي به المخالفون من أعدائه كما رضي به الموافقون من أوليائه، ولم يكن ذلك لأحد من آبائه عليهم السلام فلذلك سمي من بينهم الرضا عليه السلام .

وروى عن سليمان بن حفص المروزي قال:كان موسى جعفر ليسمي ولده علياً الرضا وكان يقول: أدعوا لي ولدي الرضا ، وقلت لولدي الرضا وقال لي ولدي الرضا . وإذا خاطبه قال يا أبا الحسن ).

مع أبيه الإمام الكاظم عليهما السلام في ثورة فخ

1- بعد ثورة الحسنيين تبنى المنصور الدوانيقي إبادة بني علي عليهم السلام وكان يقول: (قتلت ألفاً من ذرية فاطمة وبقي سيدهم وإمامهم)! (عيون المعجزات /139).

« عن محمد الإسكندري قال:دخلت يوماً على أبي جعفر الدوانيقي وإذا هو يفرك يديه ويتنفس تنفساً بارداً فقلت: يا أمير المؤمنين ما هذه الفكرة ؟ فقال: يا محمد إني قتلت من ذرية فاطمة بنت رسول الله ألفاً أو يزيدون وقد تركت سيدهم! فقلت له: ومَن ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال:ذلك جعفر بن محمد»! (دلائل الإمامة/298 ، ومهج الدعوات/18، وعيون المعجزات / 80 ).

وقال الطبري(6/344): (لما عزم المنصور على الحج دعا ريطة بنت أبي العباس امرأة المهدي وكان المهدي بالري قبل شخوص أبي جعفر فأوصاها بما أراد وعهد إليها ودفع إليها مفاتيح الخزائن ، وتقدم إليها وأحلفها ووكد الأيمان لا تفتح بعض تلك الخزائن ولا تطلع عليها أحداً الا المهدي ولا هي إلا أن يصح عندما موته فإذا صح ذلك اجتمعت هي والمهدي وليس معهما ثالث حتى يفتحا الخزانة ، فلما قدم المهدي من الري إلى مدينة السلام دفعت إليه المفاتيح وأخبرته عن المنصورأنه تقدم إليها فيه ألا يفتحه ولا يطلع عليه أحداً حتى يصح عندها موته ، فلما انتهى إلى المهدي موت المنصور وولي الخلافة فتح الباب ومعه ريطة فإذا أزج (زاوية مثلث)كبير فيه جماعة من قتلاه الطالبيين وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم وإذا فيهم أطفال ورجال شباب ومشايخ عدة كثيرة فلما رأى ذلك المهدي ارتاع لما رأى وأمر فحفرت لهم حفيرة فدفنوا فيها)!

2- لم يطع المهدي وصية أبيه المنصور الدوانيقي ، لكن ابنه موسى الهادي بن المهدي تبنى سياسة جده ، وباشر بإبادة أبناء علي وفاطمة عليهم السلام !

وقرر العلويون مواجهة هذه السياسة، فكانت ثورة الحسين بن علي في منطقة فخ ، وهو مكان في مكة يعرف بوادي الزاهرية (معجم البلدان:4/237).

وفي مقاتل الطالبيين/294: « كان سبب خروج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أن موسى الهادي ولَّى المدينة إسحاق بن عيسى بن علي ، فاستخلف عليها رجلاً من ولد عمر بن الخطاب يعرف بعبد العزيز بن عبد الله ، فحمل على الطالبيين وأساء إليهم... فاجتمعوا ستة وعشرين رجلاً من ولد علي وعشرة من الحاج ونفر من الموالي ، فلما أذن المؤذن للصبح دخلوا المسجد ثم نادوا: أحدٌ أحد ، وصعد عبد الله بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبي صلى الله عليه وآله عند موضع الجنائز فقال للمؤذن: أذن بحي على خير العمل، فلما نظر إلى السيف في يده أذن بها وسمعه العُمَري(الوالي) فدهش وصاح: إغلقوا البغلة وأطعموني حبتي ماء ! قال علي بن إبراهيم في حديثه: فولده إلى الآن بالمدينة يعرفون ببني حبتي ماء » !

قال اليعقوبي(2/404): « فلما اشتد خوفهم وكثر من يطلبهم ويحث عليهم عزم الشيعة وغيرهم إلى الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي ، وكان له مذهب جميل وكمال ومجد وقالوا له: أنت رجل أهل بيتك ، وقد ترى ما أنت وأهلك وشيعتك فيه من الخوف والمكروه ، فقال: وإني وأهل بيتي لانجد ناصرين فننتصر، فبايعه خلق كثير ممن حضر الموسم ، فقال لهم: إن الشعار بيننا أن ينادي رجل: من رأى الجمل الأحمر ، فما وافاه إلا أقل من خمس مائة ، وكان ذلك في سنة 169بعد انقضاء الموسم فلقيه سليمان بن أبي جعفر والعباس بن محمد بن علي وموسى بن عيسى( قادة عسكريون) بفخ فانهزم ومن كان معه وافترقوا ، وقتل الحسين بن علي وجماعة من أهله ، وهرب خاله إدريس بن عبد الله بن الحسن فصار إلى المغرب ، فغلب على ناحية تتاخم الأندلس يقال لها فاس ، فاجتمعت عليه كلمة أهلها ).

وفي مقاتل الطالبيين/301: (قال أحمد بن الحرث:حدثني يزيد بن عبد الله الفارسي ، قال: كان حماد التركي ممن حضر وقعة فخ ، فقال للقوم: أروني حسيناً ، فأروه إياه ، فرماه بسهم فقتله فوهب له محمد بن سليمان مائة ألف درهم ، ومائة ثوب ).

3- لما خرج الحسين بن علي المقتول ب‍فخ واحتوى على المدينة ، دعا موسى بن جعفر إلى البيعة فأتاه فقال له: يا ابن العم لاتكلفني ما كلف ابن عمك عمك أبا عبد الله فيخرج مني ما لا أريد . فقال له الحسين إنما عرضت عليك أمراً فإن أردته دخلت فيه وإن كرهته لم أحملك عليه والله المستعان . ثم ودعه فقال له أبو الحسن موسى بن جعفر حين ودعه:يا ابن عم إنك مقتول فأحدَّ الضراب فإن القوم فساق يظهرون إيماناً ويسترون شركاً ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ، احتسبكم عند الله من عصبة . ثم خرج الحسين وكان من أمره ما كان ، قتلوا كلهم كما قال عليه السلام » . (الكافي(1/366 ).

وقد قال علماؤنا بشرعية ثورته التي كان هدفها إيقاف خطة إبادة العلويين !

ففي مقاتل الطالبيين/304: أن صاحب فخ رحمه الله قال: « ما خرجنا حتى شاورنا أهل بيتنا، وشاورنا موسى بن جعفر ، فأمرنا بالخروج ».

وفي مقاتل الطالبين/302: « جاء الجند بالرؤس إلى موسى والعباس ، وعندهم جماعة من ولد الحسن والحسين ، فلم يتكلم أحد منهم بشئ إلا موسى بن جعفر فقال له: هذا رأس الحسين! قال: نعم ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، مضى والله مسلماً ، صالحاً ، صواماً ، قواماً ، آمراً بالمعروف ، ناهياً عن المنكر ، ما كان في أهل بيته مثله ! فلم يجيبوه بشئ » .

4. وقد قرر موسى الهادي قتل الإمام الكاظم عليه السلام . ففي مناقب آل أبي طالب (3/423) عن علي بن يقطين أن موسى الهادي ذكر موسى بن جعفر وحلف بالله ليقتله ، فتكلم فيه القاضي أبو يوسف حتى سكن غضبه.وأنهي الخبر إلى الإمام عليه السلام وعنده جماعة من أهل بيته فقال لهم: ما تشيرون؟ قالوا: نشير عليك بالإبتعاد عن هذا الرجل وأن تغيب شخصك عنه فإنه لا يؤمن شره ، فتبسم أبو الحسن ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي كم من عدو شحذ لي ظبة مديته ، وأرهف لي شبا حده ، ودفع لي قواتل سمومه ، ولم تنم عني عين حراسته، فلما رأيت ضعفي عن احتمال الفوادح ، وعجزي عن ملمات الجوائح، صرفت ذلك بحولك وقوتك.. وهو المعروف بدعاء الجوشن .

ورواه في مهج الدعوات/ 217 ، بتفصيل ، وفيه: « فقال: ليفرج روعكم ، إنه لا يرد أول كتاب من العراق إلا بموت موسى بن مهدي وهلاكه ! فقالوا وما ذاك أصلحك الله؟ فقال: قد وحرمة هذا القبرمات في يومه هذا ! والله إنه لحق مثلما أنكم تنطقون! سأخبركم بذلك: بينما أنا جالس في مصلاي بعد فراغي من وردي وقد تنومت عيناي، إذ سنح لي جدي رسول الله صلى الله عليه وآله في منامي فشكوت إليه موسى بن المهدي، وذكرت ما جرى منه في أهل بيته ، وأنا مشفق من غوائله ، فقال لي:لتطب نفسك يا موسى فما جعل الله لموسى عليك سبيلاً ! فبينما هو يحدثني إذ أخذ بيدي وقال لي: قد أهلك الله آنفاً عدوك، فلتحسن لله شكرك! قال ثم استقبل أبو الحسن القبلة ورفع يديه إلى السماء يدعو ! فقال أبو الوضاح: فحدثني أبي قال كان جماعة من خاصة أبي الحسن عليه السلام من أهل بيته وشيعته يحضرون مجلسه ومعهم في أكمامهم ألواح آبنوس لطاف وأميال ، فإذا نطق أبو الحسن عليه السلام بكلمة أو أفتى في نازلة ، أثبت القوم ما سمعوا منه في ذلك ، قال فسمعناه وهو يقول في دعائه: شكراً لله جلت عظمته . ثم أورد دعاء الجوشن الذي دعا به ..).

أقول: كان الرضا عليه السلام الى جانب أبيه أيام ثورة فخ ، وكان عمره نحو الثلاثين.

الإمام الرضا عليه السلام في زمن هارون

في إثبات الوصية للمسعودي/306 ، بسند صحيح: (قال ابن دراج: كنا عند غسان القاضي فدخل إليه رجل من أهل خراسان عظيم القدر من أصحاب الحديث فأعظمه ورفعه وحادثه فقال الرجل:سمعت هارون الرشيد يقول: أخرجن العام إلى مكة ولآخذن علي بن موسى ولأوردنه حياض أبيه! فقلت: ما شيئ أفضل من أتقرب إلى الله عزّ وجلّ وإلى رسوله فأخرج إلى هذا الرجل فأنذره، فخرجت إلى مكة ودخلت على الرضا عليه السلام فأخبرته بما قال هارون ، فجزاني خيراً ، ثم قال: ليس علي منه بأس. أنا وهارون كهاتين وأومى بإصبعه ! إن الله عزّ وجلّ خلق بلاداً تنبت بالذهب ، وقد حماها بأضعف خلقه بالنمل ، فلو أرادتها الفيلة ما وصلت إليها !

عن صفوان بن يحيى:لما مضى أبو إبراهيم وتكلم أبوالحسن الرضا عليهما السلام وكشف وجهه عما يستفتونه فيه ، خفنا عليه فقيل له قد أظهرت أمراً عظيماً ، وإنا نخاف عليك هذا الغوي الطاغية . فقال: ليجهد جهده فلا سبيل له علي. وأخبرنا الثقة أن يحيى بن خالد قال لهارون: هذا علي بن موسى قد قعد وادعى الأمرلنفسه! فقال: مايكفينا ما صنعنا بأبيه ، أتريدون أن أقتلهم كلهم)!

في الكافي (8/257): (عن محمد بن سنان قال: قلت: لأبي الحسن الرضا عليه السلام في أيام هارون: إنك قد شهرت نفسك بهذا الأمر وجلست مجلس أبيك وسيف هارون يقطر الدم! فقال جرأني على هذا ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن أخذ أبو جهل من رأسي شعرة فاشهدوا أني لست بنبي ! وأنا أقول لكم: إن أخذ هارون من رأسي شعرة فاشهدوا أني لست بإمام ).

في الثاقب في المناقب/492:(عن أبي الحسن الطيب قال: لما توفي أبو الحسن موسى عليه السلام دخل أبو الحسن الرضا عليه السلام السوق فاشترى كلباً وديكاً وكبشاً ، فلما كتب صاحب الخبر بذلك إلى هارون الرشيد قال: أمنَّا جانبه . وكتب إليه الزبيري: إن علي بن موسى الرضا قد فتح بابه ودعا إلى نفسه . فقال هارون الرشيد: وا عجباه ، إن علي بن موسى قد اشترى كلباً وديكاً وكبشاً ويكتب فيه ما يكتب. فقال المصنف لهذا الكتاب رحمه الله : إن هذا أمرعجيب حيث علم عليه السلام أنه إن فعل ذلك لم يجد إلى قتله سبيلاً).

وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/233) عن حمزة بن جعفر الأرجاني قال: خرج هارون من المسجد الحرام من باب وخرج الرضا من باب ، فقال الرضا عليه السلام وهو يعتبر لهارون: ما أبعد الدار وأقرب اللقا بطوس؟يا طوس يا طوس ستجمعني وإياه !

فقال له ابن أبي حمزة:فإنا روينا أن الإمام لايمضي حتى يرى عقبه، فقال له الرضا عليه السلام : أما رويتم في هذا الحديث بعينه إلا القائم قالوا: لا، قال الرضا ، بل قد رويتموه وأنتم لاتدرون لم قيل ولا ما معناه ، قال ابن أبي حمزة إن هذا لفي الحديث فقال له الرضا: ويحك تجرأت على أن تحتج علي بشئ تدمج بعضه بعضاً !

ثم قال عليه السلام : إن الله تعالى سيريني عقبي إن شاء الله ، ثم قال لعلي بن أبي حمزة: يا شيخ إتق الله تعالى ولا تكن من الصدادين عن دين الله).

في أيام سجن أبيه ببغداد

قال في الخرائج(1/371): (روى مسافرقال:أمرأبو إبراهيم عليه السلام حين أخرج به أبا الحسن أن ينام على بابه في كل ليلة أبداً ما دام حياً إلى أن يأتيه خبره قال: فكنا نفرش في كل ليلة لأبي الحسن في الدهليز ثم يأتي بعد العشاء الآخرة فينام ، فإذا أصبح انصرف إلى منزله ، وكنا ربما خبأنا الشئ منه مما يؤكل فيجيئ ويخرجه ويعلمنا أنه علم به ، ما كان ينبغي أن يخبأ منه . فلما كان ليلة أبطأ عنا واستوحش العيال وذعروا ، ودخلنا من ذلك مدخل عظيم ، فلما كان من الغد أتى الدار ودخل على العيال ، وقصد إلى أم أحمد وقال لها: هاتي الذي أودعك أبي! فصرخت ولطمت وشقت وقالت: مات سيدي فكفها وقال: لا تتكلمي حتى يجيئ الخبر فدفعت إليه سفطاً).

 

في الحج مع أبيه الكاظم

في قرب الإسناد/299، عن علي بن جعفر قال: (خرجنا مع أخي موسى عليه السلام في أربع عمر يمشي فيها إلى مكة بعياله وأهله، واحدة منهن مشى فيها ستة وعشرين يوماً ، وأخرى خمسة وعشرين يوماً ، وأخرى أربعة وعشرين يوماً ، وأخرى أحد وعشرين يوماً ).

وفي الخرائج(1/368): ( عن الفضل بن يونس قال: خرجنا نريد مكة فنزلنا المدينة وبها هارون الرشيد يريد الحج فأتاني الرضا وعندي قوم من أصحابنا وقد حضرالغداء فدخل الغلام فقال: بالباب رجل يكنى أبا الحسن يستأذن عليك ، فقلت: إن كان الذي أعرف فأنت حر فخرجت فإذا أنا بالرضا عليه السلام فقلت: إنزل فنزل ودخل .

ثم قال عليه السلام بعد الطعام: يا فضل إن هارون كتب للحسين بن زيد بعشرة آلاف دينار، وكتب بها إليك فادفعها إلى الحسين ، قال قلت: الله ما لهم عندي قليل ولا كثير فإن أخرجتها عندي ذهبت ، فإن كان لك في ذلك رأي فعلت ، فقال: يا فضل إدفعها إليه فإنه سيرجع إليك قبل أن تصير إلى منزلك ، فدفعتها إليه قال: فرجعت إليَّ كما قال).

في الحج بعد أبيه

1- في بصائر الدرجات/272:(حدثنا موسى بن عمر عن أحمد بن عمرالحلال قال سمعت الأخرس بمكة يذكر الرضا عليه السلام فنال منه قال: فدخلت مكة فاشتريت سكنياً فرأيته فقلت والله لأقتلنه إذا خرج من المسجد !

فأقمت على ذلك فما شعرت إلا برقعة أبي الحسن عليه السلام : بسم الله الرحمن الرحيم . بحقي عليك لما كففت عن الأخرس ، فإن الله ثقتي وهو حسبي ).

2. في الثاقب في المناقب/200: (قال محمد بن ميمون :كنت مع الرضا عليه السلام بمكة قبل خروجه إلى خراسان ، فقلت له: إني أريد أن أقدم إلى المدينة ، فأكتب لي كتاباً إلى أبي جعفر صلوات الله عليه ، فتبسم فكتب وصرت إلى المدينة وقد كان ذهب بصري، فأخرج الخادم أبا جعفر إلينا فحمله في المهد وناوله الكتاب ، فقال لموفق الخادم: فضه وانشره ففضه ونشره بين يديه، ونظر فيه ثم قال:يا محمد ما أصاب بصرك ؟ فقلت: يا ابن رسول الله ، اعتلت عيناي ، فذهب بصري كما ترى! قال: فمد يده فمسح بها على عيني فعاد إليَّ بصري كأصح ما كان ، فقبلت يده ورجله ، وانصرفت من عنده وأنا بصير ) .

3. في دلائل الإمامة/364:(حدثنا عمارة بن‌زيد قال:صحبت علي بن موسى الرضا عليه السلام إلى مكة ومعي غلام لي ، فاعتل في الطريق ، فاشتهى العنب ونحن في مفازة . فوجه إليَّ الرضا عليه السلام فقال: إن غلامك اشتهى العنب . فنظرت وإذا أنا بكرم لم أر أحسن منه، وأشجار رمان ، فقطعت عنباً ورماناً وأتيت به الغلام ، فتزودنا منه إلى مكة وأرجعت منه إلى بغداد، فحدثت الليث بن سعد وإبراهيم ابن سعد الجوهري ، فأتيا الرضا عليه السلام فأخبراه فقال لهما الرضا عليه السلام : وما هي ببعيد منكما ، ها هو ذا ! فإذا هم ببستان فيه من كل نوع فأكلنا وادخرنا ).

كان زكريا بن آدم زميله في الحج

في دلائل الإمامة/364 بسند صحيح: (عن علي بن المسيب الهمداني قال قلت للرضا عليه السلام : شقتي بعيدة ولست أصل إليك في كل وقت فممن آخذ عنه معالم ديني؟ قال: من زكريا بن آدم المأمون على الدين و الدنيا . وحج الرضا عليه السلام سنة من المدينة وكان زكريا بن آدم زميله إلى مكة ).

بشارته بالإمام الجواد عليه السلام ونصه على إمامته

في الكافي (1/321 ) (عن معمر بن خلاد قال: ذكرنا عند أبي الحسن الرضا عليه السلام شيئاً بعدما ولد له أبو جعفر عليه السلام فقال ما حاجتكم إلى ذاك،هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي وصيرته في مكاني . وقال: إنا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا ، القذة بالقذة.

عن كليم بن عمران قال قلت للرضا عليه السلام : أدع الله أن يزرقك ولداً ، فقال: إنما أُرزق ولداً واحداً وهو يرثني، فلما ولد أبو جعفرقال الرضا عليهما السلام لأصحابه: قد ولد لي شبيه موسى بن عمران فالق البحار ، وشبيه عيسى بن مريم . قُدّست أمٌ ولدته ، قد خلقت طاهرة مطهّرة . ثم قال الرضا عليه السلام : يقتل غصباً فيبكي له وعليه أهل السماء ، ويغضب الله على عدوه وظالمه فلايلبث إلاّ يسيراً حتى يعجل الله به إلى عذابه الأليم وعقابه الشديد . وكان طول ليلته يناغيه في مهده ).

إخباره عن نكبة البرامكة

روى الكليني في الكافي(1/488) أن الإمام الرضا عليه السلام خرج من المدينة في السنة التي حج فيها هارون يريد الحج ، فانتهى إلى جبل عن يسار الطريق يقال له فارع، فنظر إليه أبو الحسن عليه السلام ثم قال: باني فارع وهادمه يقطع إرباً إرباً ، فلم ندر ما معنى ذلك، فلما بلغ هارون ذلك الموضع نزله وصعد يحيى بن جعفر الجبل ، وأمر أن يبنى له فيه مجلساً ، فلما رجع من مكة صعد إليه وأمر بهدمه ، فلما انصرف إلى العراق ، قُطِّع جعفر بن يحيى إرباً إرباً )!

وروى بسند صحيح عن محمد بن الفضيل قال: (لما كان في السنة التي بطش فيها هارون بجعفر بن يحيى ، وحبس يحيى بن خالد وابنه الفضل ، ونزل بالبرامكة النوازل ، كان الرضا عليه السلام واقفاً بعرفات يدعو ثم طأطأ برأسه حتى كادت جبهته تصيب قادمة الرحل ، ثم رفع رأسه فسئل عن ذلك، فقال: إني كنت أدعو على هؤلاء القوم يعنى البرامكة، منذ أن فعلوا ما فعلوا فاستجاب الله لي اليوم ، فلما انصرفنا لم نلبث إلا أياماً حتى ورد الخبر بالبطش بجعفر وقتله وحبس أبيه وأخيه ، وتغيرت أحوالهم فلم يجبر الله لهم كسراً ، ولا عادت لهم حال ، ولا لعقبهم إلى يوم القيامة ) .

وفي مناقب آل أبي طالب (3/451):(عن مسافر قال:كنت عند الرضا عليه السلام بمنى فمر يحيى بن خالد فغطى أنفه من الغبار فقال: مساكين لا يدرون ما يحل بهم في هذه السنة ، ثم قال:وأعجب من هذا هارون وأنا كهاتين وضم إصبعيه )!

وخلاصة نكبة البرامكة من مروج الذهب(3 /379):

(أمر الرشيد من ساعته ياسراً خادمه المعروف برخلة فقال له: إني أندبك لأمر ما أرى محمداً ولا القاسم له أهلاً ولاموضعاً ورأيتك به مستقلاً ناهضاً فحقق ظني ، واحذر أن تخالف أمري فيكون ذلك سبباً لسقوط منزلتك عندي وفساد حالك لدي . فقال: يا أمير المؤمنين ، لوأمرتني أن أدخل السيف في بطني وأخرجه من ظهري بين يديك لفعلت، فمُرْني بأمرك فإني والله مسرع، فقال: ألست تعرف جعفر بن يحيى البرمكي؟ قال: يا أميرالمؤمنين وهل أعرف سواه ، أوَيُنكر مثل جعفر؟ قال: ألم تر تشييعي إياه عند خروجه؟ قال: بلى ، قال:فامض الساعة اليه فأتني برأسه على أي حالة تجده عليها ، فأرتج على ياسر الكلام وأخذته رِعْدَة ووقف لا يحير جواباً ، فقال: يا ياسر ، ألم أتقدم إليك بترك الخلاف عليّ؟ قال:بلى يا أميرالمؤمنين ولكن الخطب أجَلُّ من ذلك ، والأمر الذي ندبني اليه أمير المؤمنين وددت لوأني كنت مت قبل أن يجري على يدي منه شيئ، فقال:دع عنك هذا وامض لما قد أمرتك ، فمضى ياسرٌ حتى دخل على جعفر وهو على حال لهوه فقال له: إن أمير المؤمنين قد أمرني فيك بكيت وكيت ، فقال جعفر:إن أمير المؤمنين يمازحني بأصناف من المزاح فأحسب أن هذا جنس منه ، فقال: والله ما رأيته إلا جاداً قال: فإن يكن الأمر كما قلت فهو إذاً سكران ، قال: لا والله ما افتقدت من عقله شيئاً، ولا ظننته شرب نبيذاً في يومه مع ما رأيت من عبادته ، قال له: فإن لي عليك حقوقاً لم تجد لها مكافأة في وقت من الأوقات إلا هذا الوقت ، قال: تجدني الى ذلك سريعاً إلا فيما خالف أمير المؤمنين، قال: فارجع اليه فأعلمه أنك قد نفذت ما أمرك به فإن أصبح نادماً كانت حياتي على يديك جارية ، وكانت لك عندي نعمة مجددة وإن أصبح على مثل هذا الرأي نفذت ما أمرت به في غد ، قال: ليس الى ذلك سبيل، قال: فأصير معك الى مضرب أمير المؤمنين حتى أقف بحيث أسمع كلامه ومراجعته إياك ، فإذا أبديت عذراً ولم يقنع إلا بمصيرك اليه برأسي خرجت فأخذت رأسي من قرب ، قال له: أما هذا فنعم ، فمضيا جميعاً الى مضرب الرشيد فدخل اليه ياسر فقال: قد أخذت رأسه يا أمير المؤمنين ، وها هو ذا بالحضرة ، فقال له: ائتني به وإلا والله قتلتك قبله ، فخرج فقال له:أسمعت الكلام؟قال: فشأنك وما أمرت به ، فأخرج جعفر من كمه منديلاً صغيراً فعصب به عينيه ومدَّ رقبته فضربها ياسر وأدخل رأسه الى الرشيد ، فلما رأي الرأس بين يديه أقبل عليه ، وجعل يذكره بذنوبه ، ثم قال: يا ياسرائتني بفلان وفلان، فلما أتى بهم قال لهم: أضربوا عنق ياسر فإني لا أقدر أن أنظر الى قاتل جعفر!

وقال الأصمعي: وجه اليَّ الرشيد في تلك الليلة ، فلما أدخلت اليه قال: يا أصمعي، قد قلت شعراً فاسمعه قلت: نعم يا أمير المؤمنين فأنشد:

لوَان جعفر هابَ أسباب الرَّدى

 

لنجا بمهجته طمِرٌّ مُلجَمُ

ولكان من حذَر المنـون بحيـثُ لا

 

يسمو اليـه بـه العُقـابُ القَشْعَمُ

لكنه لما تقاربَ وقته

 

لم يدْفع الحدَثان عنه مُنَجِّمُ

قال الأصمعي: ورجعت الى منزلي فلم أصراليه حتى تحدث الناس بقتل جعفر، وأصيب على باب قصر علي بن عيسى بن ماهان بخراسان في صبيحة الليلة التي قتل فيها جعفر وأوقع بالبرامكة مكتوب بقلم جليل: إن المساكين بنوبَرمَك صُبَّتْ عليهم غِيَرُ الدهر! إن لنا في أمرهم عبرةً فليعتبر ساكنُ ذا القصر مدة سلطان البرامكة .

قال المسعودي: وكان مدة دولة البرامكة وسلطانهم وأيامهم النضرة الحسنة من استخلاف هارون الرشيد إلى أن قتل جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك سبع عشرة سنة وسبعة أشهر وخمسة عشر يوماً ، وقدر رثتهم الشعراء بمراث كثيرة ..).

وحكت رواية الطبري (6/491) بطش هارون بالبرامكة بعد أربع سنوات من شهادة الإمام الكاظم عليه السلام برواية مسرور خادم هارون، قال:« أرسلني الرشيد لآتيه بجعفر بن يحيى لما أراد قتله ، فأتيته وعنده أبو زكار الأعمى المغني وهو يغنيه..قال فقلت له: أجب أميرالمؤمنين قال فرفع يديه ووقع على رجليَّ يقبلهما وقال: حتى أدخل فأوصي! قلت:أما الدخول فلاسبيل إليه ولكن أوص بما شئت، فتقدم في وصيته بما أراد وأعتق مماليكه ، ثم أتتني رسل أمير المؤمنين تستحثني به ، قال: فمضيت به إليه فأعلمته فقال لي وهو في فراشه: إئتني برأسه فأتيت جعفراً فأخبرته فقال: يا أبا هاشم الله الله ، والله ما أمرك بما أمرك به إلا وهو سكران، فدافعْ بأمري حتى أصبح وآمره فيَّ ثانية ، فعدت لأؤامره فلما سمع حسي قال: يا ماص بظر أمه إئتني برأس جعفر! فعدت إلى جعفر فأخبرته فقال: عاوده فيَّ ثالثةً فأتيته فحذفني بعمود ثم قال: نفيت من المهدي إن أنت جئتني ولم تأتني برأسه لأرسلن إليك من يأتيني برأسك أولاً ثم برأسه آخراً !

قال: فخرجت فأتيته برأسه !

قال وأمر الرشيد في تلك الليلة بمن أحاط بيحيى بن خالد وجميع ولده ومواليه ومن كان منهم بسبيل ، فلم يفلت منهم أحد كان حاضراً ، وحول الفضل بن يحيى ليلاً فحبس في ناحية من منازل الرشيد ، وحبس يحيى بن خالد في منزله ، وأخذ ما وجد لهم من مال وضياع ومتاع وغير ذلك ، ومنع أهل العسكر من أن يخرج منهم خارج إلى مدينة السلام أو إلى غيرها ، ووجه من ليلته رجاء الخادم إلى الرقة في قبض أموالهم وما كان لهم وأخذ كل ما كان من رقيقهم ومواليهم وحشمهم ، وولاه أمورهم ، وفرق الكتب من ليلته إلى جميع العمال في نواحي البلدان والأعمال بقبض أموالهم وأخذ وكلائهم ! فلما أصبح بعث بجثة جعفر بن يحيى مع شعبة الخفتاني وهرثمة بن أعين وإبراهيم بن حميد المروروذي ، وأتبعهم عدة من خدمه وثقاته منهم مسرور الخادم ، إلى منزل جعفر بن يحيى وإبراهيم بن حميد . وحسين الخادم إلى منزل الفضل بن يحيى ويحيى بن عبد الرحمن . ورشيد الخادم إلى منزل يحيى ومحمد بن يحيى . وجعل معه هرثمة بن أعين ، وأمر بقبض جميع مالهم !

وكتب إلى السندي الحرشي بتوجيه جيفة جعفر إلى مدينة السلام ، ونصب رأسه على الجسر الأوسط ، وقطع جثته وصلب كل قطعة منها على الجسرالأعلى والجسر الأسفل ففعل السندي ذلك ، وأمضى الخدم ما كانوا وجهوا فيه ، وحمل عدة من أولاد الفضل وجعفر ومحمد الأصاغر إلى الرشيد فأمر بإطلاقهم .

وأمر بالنداء في جميع البرامكة: ألا أمان لمن آواهم ، إلا محمد بن خالد وولده وأهله وحشمه ، فإنه استثناهم لما ظهر من نصيحة محمد له » .

وفي الأخبار الطوال/391، أن هارون أمر « بخشبة جعفر بن يحيى أن تحرق »!

وبذلك أنهى صلب جثة جعفر البرمكي بعد سنة !

وروى في تاريخ بغداد(7/168) الحالة التي وصلت إليها والدة جعفر البرمكي ، التي خرجت من سجن هارون لما مات . قال والي الكوفة:« دخلتُ عليَّ أمي في يوم عيد أضحى وعندها امرأة برزة في أثواب دنسة رثة فقالت لي: أتعرف هذه ؟ قلت لا، قالت: هذه عبادة أم جعفر بن يحيى، فسلمت عليها ورحبت بها وقلت لها: يا فلانة حدثيني ببعض أمركم . قالت أذكر لك جملة كافية فيها اعتبار لمن اعتبر وموعظة لمن فكر: لقد هجم عليَّ مثل هذا العيد وعلى رأسي أربع مائة وصيفة وأنا أزعم أن جعفراً ابني عاقٌّ بي! وقد أتيتكم في هذا اليوم والذي يقنعني جلدا شاتين أجعل أحدهما شعاراً والآخر دثاراً »!

أخبرالإمام عليه السلام أن قبره سيكون جنب قبر هارون!

في عيون أخبار الرضا (2/248):(عن الهروي قال:سمعت الرضا عليه السلام يقول: إني سأقتل بالسم مظلوماً وأقبر إلى جنب هارون ، ويجعل الله تربتي مختلف شيعتي وأهل محبتي فمن زارني في غربتي وجبت له زيارتي يوم القيامة .

والذي أكرم محمداً صلى الله عليه وآله بالنبوة واصطفاه على جميع الخليقة لايصلي أحد منكم عند قبري ركعتين إلا استحق المغفرة من الله عزّ وجلّ يوم يلقاه.. ).

وفي عيون أخبار الرضا (2/147): (فبلغ قرب قرية الحمراء قيل له: يا ابن رسول الله قد زالت الشمس أفلا تصلي؟فنزل عليه السلام فقال: إئتوني بماء فقيل ما معنا ماء ، فبحث بيده الأرض فنبع من الماء ماء توضأ به ، هو ومن معه!

فلما دخل سناباد استند إلى الجبل الذي تنحت منه القدور فقال: اللهم انفع به وبارك فيما يجعل فيه ، وفيما ينحت منه ، ثم أمر فنحت له قدور من الجبل وقال: لايطبخ ما آكله إلا فيها ، وكان عليه السلام خفيف الأكل قليل الطعم ، فاهتدى الناس إليه من ذلك اليوم ، فظهرت بركة دعائه فيه ، ثم دخل دارحميد بن قحطبة الطائي ودخل القبة التي فيها قبرهارون الرشيد ، ثم خط بيده إلى جانبه ثم قال: هذه تربتي وفيها أدفن وسيجعل الله هذا المكان مختلف شيعتي وأهل محبتي . والله ما يزورني منهم زائر ولا يسلم علي منهم مسلم ، إلا وجب له غفران الله ورحمته بشفاعتنا أهل البيت .

ثم استقبل القبلة فصلى ركعات ودعا بدعوات ، فلما فرغ سجد سجدة طال مكثه فيها فأحصيت فيها خمس مأة تسبيحه ثم انصرف ).

ولما أنشد دعبل قصيدته الخالدة للإمام الرضا عليه السلام ( العيون:2/147):

مدارس آيات خلت من تلاوة

 

ومنـزل وحـي مقفـر العرصات

فلما انتهى إلى قوله:

وقبر ببغداد لنفس زكية

 

تضمنها الرحمـن في الغـرفـات

قال له الرضا عليه السلام : أفلا ألحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك؟

فقال: بلى يا ابن رسول الله ، فقال عليه السلام :

وقبر بطوس يا لها من مصيبة

 

توقـد في الأحشـاء بالحرقـات

إلى الحشـر حتى يبعث الله قائماً

 

يفرج عنا الهم والكربات

فقال دعبل: يا ابن رسول الله هذا القبر الذي بطوس قبر من هو؟ فقال الرضا عليه السلام : قبري ، ولا تنقضي الأيام والليالي حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزواري. ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة مغفوراً له ).

وقال دعبل مخاطباً طوساً (العيون:2/248):

حويـت قبريـن خيـر الناس كلهـم

 

وقبر شرهم هذا من العبر

ما ينفع الرجس من قرب الزكي ولا

 

على الزكي بقرب الرجس من ضرر

من أخلاق الإمام الرضا عليه السلام وعبادته

عقد الصدوق1في العيون (2/192) باباً: في ذكر أخلاقه الكريمة عليه السلام روى فيه سبعة أحاديث ، أهمها حديث رجاء بن أبي الضحاك .

1. عن أبي عباد:كان جلوس الرضا عليه السلام في الصيف على حصير وفي الشتاء على مسح. ولبسه الغليظ من الثياب حتى إذا برز للناس تزين لهم .

2. الحاكم أبو علي الحسين بن أحمد البيهقي عن جارية كانت في بيت الرضا قالت: وهبني المأمون للرضا عليه السلام فلما صرت في داره فقدت جميع ما كنت فيه من النعيم وكانت علينا قيمة تنبهنا من الليل وتأخذنا بالصلاة وكان ذلك من أشد شئ علينا فكنت أتمنى الخروج من داره إلى أن وهبني لجدك عبد الله بن العباس، فلما صرت إلى منزله كنت كأني قد أدخلت الجنة ، وكانت تسأل عن أمر الرضا عليه السلام كثيراً فتقول: كنت أراه يتبخر بالعود الهندي السني ويستعمل بعده ماء ورد ومسكاً ، وكان إذا صلى الغداة وكان يصليها في أول وقت يسجد فلا يرفع رأسه إلى أن ترتفع الشمس، ثم يقوم فيجلس للناس أو يركب ، ولم يكن أحد يقدر أن يرفع صوته في داره ، ما كان إنما يتكلم الناس قليلاً قليلاً ).

3. عن إبراهيم بن العباس قال: ما رأيت الرضا عليه السلام يسأل عن شئ قط إلا علمه، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان الأول إلى وقته وعصره ، والمأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شئ فيجيب فيه ، وكان كلامه كله وجوابه وتمثله انتزاعات من القرآن ، وكان يختمه في كل ثلاثة .

4. عن إبراهيم بن العباس،قال: ما رأيت أبا الحسن الرضا عليه السلام جفى أحداً بكلمة قط، ولا رأيته قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه ، وما رد أحداً عن حاجة يقدر عليها ، ولا مد رجله بين يدي جليس له قط ، ولا اتكأ بين يدي جليس قط ، ولا رأيته شتم أحداً من مواليه ومماليكه قط ، ولا رأيته تفل، ولا رأيته يقهقه في ضحكة قط بل كان ضحكه التبسم ، وإذا خلى ونصب مائدته أجلس معه على مائدته مماليكه ومواليه حتى البواب والسائس.

وكان قليل النوم بالليل كثير السهر، يحيي أكثر لياليه من أولها إلى الصبح. وكان كثير الصيام فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر ، ويقول ذلك صوم الدهر. وكان عليه السلام كثير المعروف والصدقة في السر، وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة . فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدقه ).

قائد السرية رجاء يصف عبادة الإمام عليه السلام وأخلاقه

قال القائد رجاء بن أبي الضحاك (العيون:2/194):( بعثني المأمون في إشخاص علي بن موسى من المدينة وقد أمرني أن آخذ به على طريق البصرة والأهواز وفارس ، ولا آخذ به على طريق قم ، وأمرني أن أحفظه بنفسي بالليل والنهار حتى أقدم به عليه، فكنت معه من المدينة إلى مرو ، فوالله ما رأيت رجلاً كان أتقى لله تعالى منه ، ولا أكثر ذكراً لله في جميع أوقاته ، ولا أشد خوفاً لله عزّ وجلّ منه. وكان إذا أصبح صلى الغداة، فإذا سلم جلس في مصلاه يسبح الله ويحمده ويكبره ويهلله ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله حتى تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة يبقى فيها حتى يتعالى النهار ، ثم أقبل على الناس يحدثهم ويعظهم إلى قرب الزوال ، ثم جدد وضوءه وعاد إلى مصلاه ، فإذا زالت الشمس قام فصلى ست ركعات يقرأ في الركعة الأولى الحمد وقل يا أيها الكافرون ، وفي الثانية الحمد وقل هو الله ، ويقرأ في الأربع كل ركعة الحمد لله وقل هو الله أحد ويسلم في كل ركعتين ، ويقنت فيهما في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة ، ثم يؤذن ويصلي ركعتين ثم يقيم ويصلي الظهر، فإذا سلم سبح الله وحمده وكبره وهلله ما شاء الله ، ثم سجد سجدة الشكر يقول فيها مائة مرة شكراً لله ، فإذا رفع رأسه قام فصلى ست ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد وقل هو الله أحد . ويسلم في كل ركعتين ، ويقنت في ثانية كل ركعتين قبل الركوع وبعد القراءة ، ثم يؤذن ، ثم يصلي ركعتين ويقنت في الثانية ، فإذا سلم قام وصلى العصر، فإذا سلم جلس في مصلاه يسبح الله ويحمده ويكبره ويهلله ما شاء الله ، ثم سجد سجدة يقول فيها مائة مرة حمداً لله .

فإذا غابت الشمس توضأ وصلى المغرب ثلاثاً بأذان وإقامة ، وقنت في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة ، فإذا سلم جلس في مصلاه يسبح الله ويحمده ويكبره ويهلله ما شاء الله ، ثم يسجد سجدة الشكر ثم يرفع رأسه، ولم يتكلم حتى يقوم ويصلي أربع ركعات بتسليمتين ، ويقنت في كل ركعتين في الثانية قبل الركوع والقراءة .

وكان يقرأ في الأولى من هذه الأربع الحمد وقل يا أيها الكافرون ، وفي الثانية الحمد وقل هوالله أحد ، ويقرأ في الركعتين الباقيتين الحمد وقل هوالله ثم يجلس بعد التسليم في التعقيب ما شاء الله ، ثم يفطر .

ثم يلبث حتى يمضي من الليل قريب من الثلث ، ثم يقوم فيصلي العشاء الآخرة أربع ركعات ، ويقنت في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة ، فإذا سلم جلس في مصلاه يذكر الله عزّ وجلّ ويسبحه ويحمده ويكبره ويهلله ما شاء الله ، ويسجد بعد التعقيب سجدة الشكر ثم يأوي إلى فراشه ، فإذا كان الثلث الأخير من الليل قام من فراشه بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والإستغفار، فاستاك ثم توضأ، ثم قام إلى صلاة الليل فيصلي ثمان ركعات ويسلم في كل ركعتين يقرأ في الأوليين منها في كل ركعة الحمد مرة وقل هو الله أحد ثلاثين مرة، ثم يصلي صلاة جعفر بن أبي طالب عليه السلام أربع ركعات يسلم في كل ركعتين ويقنت في كل ركعتين في الثانية قبل الركوع وبعد التسبيح ويحتسب بها من صلاة الليل ثم يقوم ، فيصلي الركعتين الباقيتين ، يقرأ في الأولى الحمد وسورة الملك ، وفي الثانية الحمد لله وهل أتى على الانسان ، ثم يقوم فيصلي ركعتي الشفع يقرأ في كل ركعة منهما الحمد لله مرة وقل هو الله أحد ثلاث مرات، ويقنت في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة ، فإذا سلم قام ، فصلى ركعة الوتر يتوجه فيها ويقرأ فيها الحمد مرة ، وقل هو الله أحد ثلاث مرات ، وقل أعوذ برب الفلق مرة واحدة ، وقل أعوذ برب الناس مرة واحدة ، ويقنت فيها قبل الركوع وبعد القراءة ويقول في قنوته: اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم إهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لايذل من واليت ، ولايعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت . ثم يقول: أستغفر الله وأسأله التوبة سبعين مرة ، فإذا سلم جلس في التعقيب ما شاء الله ، فإذا قرب من الفجر قام فصلى ركعتي الفجر، يقرأ في الأولى الحمد وقل يا أيها الكافرون ، وفي الثانية الحمد وقل الله أحد ، فإذا طلع الفجر أذن وأقام وصلى الغداة ركعتين ، فإذا سلم جلس في التعقيب حتى تطلع الشمس ، ثم يسجد سجدة الشكر حتى يتعالى النهار.

وكان قراءته في جميع المفروضات في الأولى الحمد وإنا أنزلناه ، وفي الثانية الحمد وقل هو الله أحد ، إلا في صلاة الغداة والظهر والعصريوم الجمعة ، فإنه كان يقرأ فيها بالحمد وسورة الجمعة والمنافقين .

وكان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة في الأولى الحمد وسورة الجمعة ، وفي الثانية الحمد وسبح اسم ربك الأعلى .

وكان يقرأ في صلاة الغداة يوم الإثنين ويوم الخميس في الأولى الحمد وهل أتى على الإنسان ، وفي الثانية الحمد وهل أتاك حديث الغاشية .

وكان يجهر بالقراءة في المغرب والعشاء ، وصلاة الليل والشفع والوتر والغداة ويخفي القراءة في الظهر والعصر. وكان يسبح في الأخراوين يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ثلاث مرات. وكان قنوته في جميع صلاته:

رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأجل الأكرم .

وكان إذا أقام في بلدة عشرة أيام صائماً لا يفطر، فإذا جن الليل بدأ بالصلاة قبل الإفطار ، وكان في الطريق يصلي فرائضه ركعتين ركعتين ، إلا المغرب فإنه كان يصليها ثلاثاً ، ولا يدع نافلتها ، ولا يدع صلاة الليل والشفع والوتر ، وركعتي الفجر في سفر ولا حضر .

وكان لا يصلي من نوافل النهار في السفر شيئاً ، وكان يقول بعد كل صلاة يقصرها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ثلاثين مرة ، ويقول: هذا تمام الصلاة.

وما رأيته صلى الضحى في سفر ولا حضر ، وكان لا يصوم في السفر شيئاً .

وكان عليه السلام يبدأ في دعائه بالصلاة على محمد وآله ، ويكثر من ذلك في الصلاة وغيرها ، وكان يكثر بالليل في فراشه من تلاوة القرآن ، فإذا مر بآية فيها ذكر جنة أو نار بكى وسأل الله الجنة وتعوذ به من النار .

وكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع صلاته بالليل والنهار ، وكان إذا قرأ قل هو الله أحد قال سراً الله أحد ، فإذا فرغ منها قال: كذلك الله ربنا ثلاثاً ، وكان إذا قرأ سورة الجحد قال في نفسه سراً يا أيها الكافرون ، فإذا فرغ منها قال: ربي الله وديني الإسلام ثلاثاً. وكان إذا قرأ والتين والزيتون قال عند الفراغ منها: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين . وكان إذا قرأ لا أقسم بيوم القيامة قال عند الفراغ: سبحانك اللهم . وكان يقرأ في سورة الجمعة: قُلْ مَا عِنْدَ الله خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. وكان إذا فرغ من الفاتحة قال: الحمد لله رب العالمين ، وإذا قرأ سبح اسم ربك الأعلى، قال سراً: سبحان ربي الأعلى ، وإذا قرأ يا أيها الذين آمنوا قال: لبيك اللهم لبيك سراً.

وكان عليه السلام لاينزل بلداً إلا قصده الناس يستفتونه في معالم دينهم فيجيبهم ويحدثهم الكثير ، عن أبيه عن آبائه عن علي عليه السلام عن رسول صلى الله عليه وآله .

فلما وردت به على المأمون سألني عن حاله في طريقه ، فأخبرته بما شاهدته منه في ليله ونهاره ، وظعنه ، وإقامته ، فقال لي: يا ابن أبي الضحاك هذا خير أهل الأرض وأعلمهم وأعبدهم ، فلا تخبر أحداً بما شاهدته منه ، لئلا يظهر فضله إلا على لساني ، وبالله أستعين ما أقوى من الرفع منه والإشادة به )!

أقول: خشي المأمون أن يحدث رجاء بما رأى من الرضا عليه السلام فينتشر ذلك في الناس ويقايسوا الإمام الرضا بخليفتهم بلهوه وخمره وجواريه ، فيسقط من أعينهم . فمنعه أن يحدث بشيئ ، وقال: أنا أحدث وأعرف الناس مقامه وأشيد به !

وتتعجب من اهتمام قائد عسكري كرجاء ابن أبي الضحاك بعبادة الإمام الرضا عليه السلام وحفظه لعمله وصلاته وقراءاته .

والجواب: لعله كان يكتب أو كان مؤمناً عابداً ، وإلا لم يحفظ صلوات الإمام عليه السلام وقراءاته في آناء ليله وأطراف نهاره ، وفي رواية أن الإمام الرضا عليه السلام شهد بإيمانه .

 

 

الفصل الخامس

الظرف السياسي الذي أحضر المأمون فيه الإمام عليه السلام

كثرت ثورات العلويين في آخر عهد هارون

في آخر عهد هارون ظهرت حركات ثائرة للطالبيين وكان أكبرها ثورة ابراهيم بن طباطبا وأبي السرايا سنة 199، فكان وزير هارون الحسن بن سهل يقاتل العلوين بجيشه بقيادة الجلودي في الكوفة والمدينة والبصرة واليمن ، وكان الجلودي في بغداد يرسل قادته للقضاء على ثورات الطالبيين في الحجاز .

في هذا الجو راسل المأمون الإمام الرضا عليه السلام الى المدينة مرات ، يطلب حضوره ! فكان هدفه إنهاء ثورات العلويين من جهة ، وتطبيق سياسته الجديدة معهم .

روى الكليني(1/488)، بسند صحيح:(عن علي بن إبراهيم،عن ياسرالخادم والريان بن الصلت جميعاً قال:لما انقضى أمرالمخلوع واستوى الأمر للمأمون كتب إلى الرضا عليه السلام يستقدمه إلى خراسان ، فاعتل عليه أبوالحسن بعلل ، فلم يزل المأمون يكاتبه في ذلك حتى علم أنه لامحيص له وأنه لايكف عنه ، فخرج عليه السلام ولأبي جعفر عليه السلام سبع سنين ، فكتب إليه المأمون: لا تأخذ على طريق الجبل وقم ، وخذ على طريق البصرة والأهواز وفارس، حتى وافى مرو ، فعرض عليه المأمون أن يتقلد الأمر والخلافة ، فأبى أبوالحسن عليه السلام ، قال: فولاية العهد ؟ فقال: على شروط أسألكها ، قال المأمون له: سل ما شئت فكتب الرضا عليه السلام : أني داخل في ولاية العهد؟ على أن لا آمر ولا أنهى ولا أفتي ولا أقضي ولا أولي ولا أعزل ولا أغير شيئاً مما هوقائم وتعفيني من ذلك كله ، فأجابه المأمون إلى ذلك كله ).

وقد أبعد المأمون الجلودي عن إحضار الإمام الرضا عليه السلام ، كما نأى الجلودي بنفسه أيضاً لأنه بالأمس واجه الإمام الرضا عليه السلام في المدينة !

قال الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/172):(وكان الجلودي في خلافة الرشيد لما خرج محمد بن جعفر بن محمد بالمدينة بعثه الرشيد وأمره إن ظفر به أن يضرب عنقه، وأن يغير دور آل أبي طالب ، وأن يسلب نساءهم ولا يدع على واحدة منهن إلا ثوباً واحداً!ففعل الجلودي ذلك ، وقد كان مضـى أبو الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام فصار الجلودي إلى باب دار أبي الحسن الرضا هجم على داره مع خيله، فلما نظر إليه الرضا جعل النساء كلهن في بيت ووقف على باب البيت ، فقال الجلودي لأبي الحسن عليه السلام :لا بد من أن أدخل البيت فأسلبهن كما أمرني أميرالمؤمنين ، فقال الرضا عليه السلام :أنا أسلبهن لك وأحلف أني لا أدع عليهن شيئاً إلا أخذته ، فلم يزل يطلب إليه ويحلف له حتى سكن فدخل أبو الحسن الرضا عليه السلام فلم يدع عليهن شيئاً حتى أقراطهن وخلاخيلهن وأزرارهن إلا أخذه منهن، وما كان في الدار من قليل وكثير! فلما كان في هذا اليوم (أحضره المأمون ليرى رأيه في ولاية العهد) وأدخل الجلودي على المأمون قال الرضا عليه السلام :يا أمير المؤمنين هب لي هذا الشيخ فقال المأمون: يا سيدي هذا الذي فعل ببنات محمد صلى الله عليه وآله ما فعل من سلبهن!

فنظر الجلودي إلى الرضا عليه السلام وهو يكلم المأمون ويسأله عن أن يعفو عنه ويهبه له ، فظن أنه يعين عليه لما كان الجلودي فعله فقال: يا أمير المؤمنين أسألك بالله وبخدمتي الرشيد لا تقبل قول هذا فيَّ ، فقال المأمون:يا أبا الحسن قد استعفى ونحن نبر قسمه! لا والله لا أقبل فيك قوله ألحقوه بصاحبيه ، فقدم فضرب عنقه).

وقد نقم هو وصاحباه بيعة الرضا عليه السلام : علي بن أبي عمران ، وأبي يونس فقتلهم المأمون !

موسم ثورات العلويين سنة 199 - 200

وقال التنوخي في الفرج بعد الشدة(4/113):(حدثنا أبومحمد عبد الرحمن الوراق المعروف بالصيرفي.. بكتاب المبيضة لأبي العباس أحمد بن عبيد الله بن عمار ، في خبر أبي السرايا الخارج بالطالبيين بعد مقتل الأمين ، وشرح غلبة الطالبيين وأصحاب أبي السرايا على الكوفة ، والبصرة ، وأكثر السواد ، والحرمين ، واليمن ، والأهواز ، وغير ذلك ).

روى الطبري(7/117) أن هاتين السنتين كانتا موسم ثورات العلويين في اليمن ومكة والمدينة والبصرة والكوفة: فقد خرج في الكوفة أبو السرايا وابن طباطبا وكان هو وأتباعه كما وصفه قائد جيش هارون لايلقون جيشاً إلا هزموه ، ولايتوجهون إلى بلدة إلا دخلوها . وإنه قتل من جنود السلطان وأتباعه ، مئتي ألف رجل ، مع أن مدته من يوم خروجه إلى يوم ضربت عنقه لم تزد على العشرة أشهر !

وخرج في البصرة إبراهيم بن عبد الله ، ثم أخ الإمام الرضا عليه السلام الذي عرف بزيد النار لأنه كان يحرق بيوت العباسيين ، ويحرق لابسي السواد وهم أحياء ! مع أن البصرة مركز العثمانية !

وخرج في مكة والمدينة محمد بن جعفر الصادق عليه السلام ، الذي كان يلقب ب‍الديباج وتسمى ب‍ أمير المؤمنين .

وخرج في المدينة محمدبن سليمان بن داوود ، بن الحسن‌بن‌الحسين بن علي بن أبي طالب. وخرج في اليمن أخ الإمام الرضا عليه السلام إبراهيم بن موسى بن جعفر .

وخرج في واسط جعفر بن محمد بن زيد بن علي. والحسين بن إبراهيم ، بن الحسن بن علي . وفي المدائن: محمد بن إسماعيل بن محمد .

وثار غير العلويين ، ثورات غوغائية كثورة الحسن الهرش في مصر سنة 199.

قال الطبري(7/116): (وفيها خرج الحسن الهرش في ذي الحجة منها يدعو إلى الرضا من آل محمد بزعمه في سفلة الناس وجماعة كثيرة من الأعراب ، حتى أتى النيل فجبى الأموال وأغار على التجار وانتهب القرى).

أكبرها ثورة أبي السرايا

أبو السرايا الشيباني شخص عجيب في قوته البدنية ، وحتى في طعامه ، ففي مقاتل الطالبيين/368: (أبو عبيد الصيرفي قال: رأيت أبا السرايا يؤتى بمكوكي شعير فيطرح أحدها بين يديه ، والآخر بين يدي فرسه فيستوفي الشعير قبل فرسه)!

وكان إذا غضب في الحرب ألقى درعه وكشف رأسه وحمل !

وروى الطبري أن أبا السرايا واسمه: السري بن منصور ، أرسل سنة200كسوة للكعبة مكتوب عليها:أمر به الأصفر بن الأصفر أبو السرايا داعية آل محمد لكسوة بيت الله الحرام ، وأن يطرح عنه كسوة الظلمة من ولد العباس ليطهر من كسوتهم ).

وفي مقاتل الطالبيين/344:( كان سبب خروج محمد بن إبراهيم بن إسماعيل ، وهو ابن طباطبا ، بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وأبي السرايا أن نصر بن شبيب كان قدم حاجاً وكان متشيعاً حسن المذهب وكان ينزل الجزيرة ، فلما ورد المدينة سأل عن بقايا أهل البيت ومن له ذكر منهم ، فذكر له: علي بن عبيد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ، ومحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم ابن الحسن بن الحسن. فأما علي بن عبيد الله فإنه كان مشغولا بالعبادة لا يصل إليه أحد ولا يأذن له ، وأما عبد الله بن موسى فكان مطلوباً خائفاً لا يلقاه أحد . وأما محمد بن إبراهيم فإنه كان يقارب الناس ويكلمهم في هذا الشأن ، فأتاه نصر بن شبيب فدخل إليه وذاكره مقتل أهل بيته وغصب الناس إياهم حقوقهم وقال: حتى متى توطؤون بالخسف وتهتضم شيعتكم وينزى على حقكم؟وأكثر من القول في هذا المعنى إلى أن أجابه محمد بن إبراهيم وواعده لقاءه بالجزيرة، وانصرف الحاج ثم خرج محمد بن إبراهيم إلى الجزيرة ، ومعه نفر من أصحابه ، حتى قدم على نصر بن شبيب للموعد ، فجمع إليه نصر أهله وعشيرته وعرض ذلك عليهم ، فأجابه بعضهم وامتنع عليه بعض ، وكثر القول فيهم والإختلاف حتى تواثبوا وتضاربوا بالنعال والعصي وانصرفوا عن ذلك.

ثم خلا بنصر بعض بني عمه وأهله فقال له: ماذا صنعت بنفسك وأهلك ؟ أفتراك إذا فعلت هذا الأمر وتأبدت السلطان يدعك وما تريد ؟ لا والله بل يصرف همه إليك وكيده ، فإن ظفر بك فلا بقاء بعدها وإن ظفر صاحبك وكان عدلاً كنت عنده بمنزلة رجل من أفناء أصحابه ، وإن كان غير ذلك فما حاجتك إلى تعريض نفسك وأهلك وأهل بيتك لما لا قوام لهم به ؟

فصار إلى محمد بن إبراهيم معتذراً إليه بما كان من خلاف الناس عليه ، ورغبتهم عن أهل البيت ، وأنه لو ظن ذلك بهم لم يعده نصرهم ، وأومأ إلى أن يحمل إليه مالاً ويقويه بخمسة آلاف دينار ، فانصرف محمد عنه مغضباً..

ثم مضى محمد بن إبراهيم راجعاً إلى الحجاز ، فلقي في طريقه أبا السرايا السري بن منصور أحد بني ربيعة بن ذهل بن شيبان ، وكان قد خالف السلطان ونابذه ، وعاث في نواحي السواد ، ثم صار إلى تلك الناحية فأقام بها خوفاً على نفسه ومعه غلمان له فيهم: أبو الشوك ، وسيار ، وأبو الهرماس وكان علوي الرأي ذا مذهب في التشيع ، فدعاه إلى نفسه فأجابه وسر بذلك وقال له: انحدر إلى الفرات حتى أوافيك بظهر الكوفة، وموعدك الكوفة . ففعل ذلك ووافى محمد بن إبراهيم الكوفة يسأل عن أخبار الناس ويتحسسها ويتأهب لأمره ويدعو من يثق به إلى ما يريد ، حتى اجتمع له بشر كثير ، وهم في ذلك ينتظرون أبا السرايا وموافاته ، فبينا هو في بعض الأيام يمشي في بعض طريق الكوفة إذ نظر إلى عجوز تتبع أحمال الرطب ، فتلقط ما يسقط منها فتجمعه في كساء عليها رث ، فسألها عما تصنع بذلك . فقالت: إني امرأة لا رجل لي يقوم بمؤنتي ولي بنات لا يعدن على أنفسهن بشئ ، فأنا أتتبع هذا من الطريق وأتقوته أنا وولدي . فبكى بكاءً شديداً ، وقال: أنت والله وأشباهك تخرجوني غداً حتى يسفك دمي . ونفذت بصيرته في الخروج وأقبل أبو السرايا لموعده على طريق البر حتى ورد عين التمر في فوارس معه ، جريدة لا راجل فيهم وأخذ على النهرين حتى ورد إلى نينوى فجاء إلى قبر الحسين عليه السلام .

قال نصر بن مزاحم ! فحدثني رجل من أهل المدائن ، قال: إني لعند قبر الحسين في تلك الليلة ، وكانت ليلة ذات ريح ورعد ومطر ، إذا بفرسان قد أقبلوافترجلوا إلى القبر فسلموا،وأطال رجل منهم الزيارة ، ثم جعل يتمثل أبيات منصور ابن الزبرقان:

نفسـي فـداء الحسـين يـوم غـدا

 

إلى المنايا عَدْواً ولا قافل

ذاك يوم أنحى بشفرته

 

على سنـام الإ سلام والكاهـل

كأنما أنتِ تعجبين ألا

 

ينزل بالقوم نقمة العاجل

لا يعجل الله إن عجلت وما

 

ربك عما ترين بالغافل

مظلومة والنبي والدها

 

تدير أرجاء مقلة جافل

ألا مسـاعيـر يغضبـون لهـا

 

بسـلـة البِـيـض والقنـا الذابـل

قال: ثم اقبل علي فقال: ممن الرجل ؟ فقلت: رجل من الدهاقين من أهل المدائن . فقال سبحان الله ، يحن الولي إلى وليه كما تحن الناقة إلى حوارها ، يا شيخ إن هذا موقف يكثر لك عند الله شكره ويعظم أجره . قال: ثم وثب فقال: من كان هاهنا من الزيدية فليقم إلي ، فوثبت إليه جماعات من الناس ، فدنوا منه فخطبهم خطبة طويلة ذكر فيها أهل البيت وفضلهم وما خصوا به وذكر فعل الأمة بهم وظلمهم لهم ، وذكر الحسين بن علي فقال: أيها الناس ، هبكم لم تحضروا الحسين فتنصروه ، فما يقعدكم عمن أدركتموه ولحقتموه؟ وهو غداً خارج طالب بثأره وحقه وتراث آبائه وإقامة دين الله، وما يمنعكم من نصرته ومؤازرته ؟ إنني خارج من وجهي هذا إلى الكوفة للقيام بأمر الله والذب عن دينه والنصر لأهل بيته ، فمن كان له نية في ذلك فليلحق بي ثم مضى من فوره عائدا إلى الكوفة ومعه أصحابه .

قال: وخرج محمد بن إبراهيم في اليوم الذي واعد فيه أبا السرايا للإجتماع بالكوفة ، وأظهر نفسه وبرز إلى ظهر الكوفة ، ومعه علي بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين ، وأهل الكوفة منبثون مثل الجراد إلا أنهم على غير نظام وغير قوة ، ولا سلاح إلا العصي والسكاكين والآجر ، فلم يزل محمد بن إبراهيم ومن معه ينتظرون أبا السرايا ويتوقعونه فلا يرون له أثراً حتى أيسوا منه ، وشتمه بعضهم ولاموا محمد بن إبراهيم على الإستعانة به ، واغتنم محمد بن إبراهيم بتأخره ، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم من نحو الجرف علمان أصفران وخيل،فتنادى الناس بالبشارة فكبروا ونظروا، فإذا هو أبو السرايا ومن معه ، فلما أبصر محمد بن إبراهيم ترجل وأقبل إليه فانكب عليه واعتنقه محمد ، ثم قال له: يا بن رسول الله ما يقيمك هاهنا ؟ ادخل البلد فما يمنعك منه أحد ، فدخل هو وخطب الناس ، ودعاهم إلى البيعة إلى الرضا من آل محمد والدعاء إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسيرة بحكم الكتاب، فبايعه جميع الناس حتى تكابسوا وازدحموا عليه ، وذلك في موضع بالكوفة يعرف بقصر الضرتين سنة تسع وتسعين ومائة ، في عشر من جمادي الأولى .

قال أبو الفرج الأصبهاني: وجه الحسن بن سهل زهير بن المسيب في أصحابه إلى الكوفة وكان عامل الكوفة يومئذ ..

ووقف أبوالسرايا على القنطرة طويلاً ، وخرج رجل من أهل بغداد فجعل يشتمه بالزنا لا يكنى . وأبو السرايا واقف لا يتحرك ، ثم تغافل ساعة حتى هم بأن ينصرف، ثم حمل عليه فقتله وحمل على عسكرهم حتى خرج من خلفهم ، ثم حمل عليهم من خلف العسكر حتى رجع من حيث جاء . ووقف في موقفه وهو ينفخ وينفض علق الدم عن درعه . ثم دعا غلاماً له فوجهه في نفر من أصحابه وأمره أن يمضي حتى يصير من وراء العسكر ، ثم يحمل عليهم لايكذب ، فمضى الغلام لوجهه مع من معه قاصداً لما أمره به ، ووقف أبو السرايا على القنطرة على فرس له أدهم محذوف ، وقد اتكأ على رمحه فنام على ظهر الفرس حتى غط ، وأهل الكوفة جزعون لما يرونه من عسكر زهير ويسمعونه من تهددهم ووعيدهم ، وهم يضجون ويصيحون بالتكبير والتهليل حتى يسمع أبو السرايا فينتبه من نومه ، وصاح بأهل الكوفة: إحملوا وحمل وتبعوه وخالط أبو السرايا وغلامه سيار العسكر ، وتبعه أهل الكوفة وصاح بغلامه:ويلك يا سيار ألا تراني ، فحمل سيار على صاحب العلم فقتله وسقط العلم ، وانهزمت المسودة ! وتبعهم أبو السرايا وأصحابه ونادى: من نزل عن فرسه فهو آمن فجعلوا يترجلون ، وأصحاب أبي السرايا يركبون ، وتبعوهم حتى جاوزوا شاهي ، ثم التفت زهير إلى أبي السرايا فقال: ويحك ، أتريد هزيمة أكثر من هذه ؟ إلى أين تتبعني فرجع وتركه . وغنم أهل الكوفة غنيمة لم يغنم أحد مثلها ، وصاروا إلى عسكر زهير بن المسيب ومطابخه قد أعدت وأقيمت ، وكان قد حلف ألا يتغدى إلا في مسجد الكوفة ، فجعلوا يأكلون ذلك الطعام ، وينتهبون الأسلحة والآلة ، وكانوا قد أصابهم جوع وجهد شديد .

ومضى زهير لوجهه حتى دخل بغداد مستتراً، وبلغ خبره الحسن بن سهل فأمر باحضاره ، فلما رآه رماه بعمود حديد كان في يده فشتر إحدى عينيه وقال لبعض من كان بحضرته: أخرجه فاضرب عنقه فتشفعوا فيه ، فلم يزل يكلم فيه حتى عفا عنه .

ودخل أبو السرايا الكوفة ومعه خلق كثير من الأسارى ، ورؤوس كثيرة على الرماح مرفوعة ، وفي صدور الخيل مشدودة ، ومن معه من أهل الكوفة قد ركبوا الخيل ولبسوا السلاح ، فهو في حالة واسعة ، وأنفسهم بما رزقوه من النصر قوية .

واشتد غم الحسن بن سهل ومن بحضرته من العباسيين ، لما جرى على عسكر زهير وطال اهتمامهم به، فدعا الحسن بن سهل بعبدوس بن عبد الصمد ، وضم إليه ألف فارس وثلاثة آلاف راجل وأزاح علته في آلاء عطاء ، وقال: إنما أريد ان أنوه باسمك فانظر كيف تكون ، وأوصاه بما احتاج إليه وأمره ألا يلبث . فخرج من بين يديه وهو يحلف أن يبيح الكوفة ، ويقتل مقاتلة أهلها ويسبي ذراريهم ثلاثاً، ومضى لوجهه لا يلوي على شئ حتى صار إلى الجامع ، وقد كان الحسن بن سهل تقدم إليه بذلك وأمره ألا يأخذ على الطريق الذي انهزم فيه زهير، لئلا يرى أصحابه بقايا قتلى عسكره فيجبنوا من ذلك . فأخذ على الطريق الجامع .

فلما وافاها وبلغ أبا السرايا خبره صلى الظهر بالكوفة ، ثم جرد فرسان أصحابه ومن يثق به منهم وأغذ السير بهم حتى إذا قرب من الجامع فرق أصحابه ثلاث فرق وقال: شعاركم:يا فاطمي يا منصور، واخذ هو في جانب السوق وأخذ سيار في سيره الجامع وقال لأبي الهرماس: خذ بأصحابك على القرية فلا يفتك أحد منهم ، ثم احملوا دفعة واحدة من جوانب عسكر عبدوس ففعلوا ذلك فأوقعوا به وقتلوا منه مقتلة عظيمة ، وجعل الجند يتهافتون في الفرات طلباً للنجاة ، حتى غرق منهم خلق كثير . ولقى أبو السرايا عبدوساً في رحبة الجامع فكشف خوذته عن رأسه وصاح: أنا أبو السرايا ، أنا أسد بني شيبان ، ثم حمل عليه ، وولى عبدوس من بين يديه ، وتبعه أبو السرايا فضربه على رأسه ضربة فلقت هامته وخر صريعاً عن فرسه .

وانتهب الناس من أصحاب أبي السرايا وأهل الجامع عسكر عبدوس ، وأصابوا منه غنيمة عظيمة ، وانصرفوا إلى الكوفة بقوة وأسلحة . ودخل أبو السرايا إلى محمد بن إبراهيم وهو عليل يجود بنفسه فلامه على تبييته العسكر ، وقال: أنا أبرأ إلى الله مما فعلت ، فما كان لك أن تبيتهم ، ولا تقاتلهم حتى تدعوهم ، وما كان لك أن تأخذ من عسكرهم إلا ما أجلبوا به علينا من السلاح !

فقال أبو السرايا: يا بن رسول الله ، كان هذا تدابير الحرب ، ولست أعاود مثله .

ثم رأى في وجه محمد الموت فقال له: يا ابن رسول الله كل حي ميت وكل جديد بال ، فاعهد إلي عهدك . فقال: ولِّ الناس الخيرة فيمن يقوم مقامي من آل علي، فان اختلفوا فالأمر إلى علي بن عبيد الله ، فإني قد بلوت طريقته ورضيت دينه . ثم اعتقل لسانه.

ونعى محمداً إليهم وعزاهم عنه فارتفعت الأصوات بالبكاء إعظاماً لوفاته . ثم قال: وقد أوصى أبو عبد الله إلى شبيهه ومن اختاره ، وهو أبو الحسن علي بن عبيد الله فإن رضيتم به فهو الرضا ، وإلا فاختاروا لأنفسكم ، فبايعوه وفرق عماله فولى إسماعيل بن علي بن إسماعيل بن جعفر خلافته على الكوفة. وولى روح ابن الحجاج شرطته ، وولى أحمد بن السرى الأنصاري رسائله . وولى عاصم بن عامر القضاء ، وولى نصر بن مزاحم السوق، وعقد لإبراهيم بن موسى بن جعفر على اليمن . وولى زيد بن موسى بن جعفر الأهواز . وولى العباس بن محمد بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب البصرة ، وولى الحسن بن الحسن الأفطس مكة ، وعقد لجعفر بن محمد بن زيد بن علي ، والحسين بن إبراهيم بن الحسن بن علي واسطاً . فخرجوا إلى أعمالهم ...

وانتشر الطالبيون في البلاد وضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة ، ونقش عليها: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ.

فلما رأى الحسن بن سهل أن أبا السرايا ومن معه لايلقون له عسكراً إلا هزموه ، ولا يتوجهون إلى بلدة إلا دخلوها ! ولم يجد فيمن معه من القواد من يكفيه حربه اضطر إلى هرثمة.. وأصبح هرثمة فجد في طلبه فوجد جماعة كثيرة من أصحابه فقتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحسن بن سهل ، ثم صار هرثمة إلى قصر ابن هبيرة فكانت بينه وبين أبي السرايا وقعة قتل فيها من أصحاب أبي السرايا خلق كثير، فانحاز أبو السرايا إلى الكوفة ، فوثب محمد بن محمد ومن معه من الطالبيين على دور بني العباس ودور مواليهم وأتباعهم بالكوفة فانتهبوها وخربوها وأخرجوهم من الكوفة ، وعملوا في ذلك عملاً قبيحاً (حرق بعض العباسيين أحياء !) واستخرجوا الودائع التي كانت لهم عند الناس فأخذوها ..

ثم وصف إرسال أبي السرايا قوة بقيادة علويين الى المدينة ومكة وأنه وقع الخلاف بينهم في مكة ، من يقيم الحج للناس فقالوا لقاضي مكة تقدم فاخطب بالناس وصل بهم الصلاتين فإنك قاضي البلد قال فلمن أخطب وقد هرب الإمام وأطل هؤلاء القوم على الدخول ! قال لا تدع لأحد حتى قدموا رجلاً من عرض أهل مكة فصلى بالناس الظهر والعصر بلا خطبة ! ثم مضوا فوقفوا جميعاً بالموقف من عرفة حتى غربت الشمس فدفع الناس لأنفسهم من عرفة بغير إمام ، حتى أتوا مزدلفة فصلى بهم المغرب والعشاء رجل أيضاً من عرض الناس) .

صورة أخرى من قتال أبي السرايا

أحدث أبو السرايا لمصلحة العلويين ضد العباسيين ، موجةٌ حركت العلويين فثاروا مع أبي السرايا أو مستقلين ، واضطرت الخلافة بممثلها الحسن بن سهل أن تخوض حروباً معهم ، وأشدها مع أبي السرايا مباشر’ ، والذي هزم كل حملات جيش السلطة ، وقتل منهم في عشرة أشهر نحو 200 ألف جندي وقائد !

ويرجع نجاج أبي السرايا الى قوته الخارقة وذكائه ، ولم يقتل في معركة بل قبضوا عليه في كمين ، وأخذوه وقتلوه ، وصلبوه في بغداد !

قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين(1/442 ):(ثم إن هرثمة نهد إلى الكوفة مما يلي الرصافة . وخرج أبو السرايا إليه في الناس فعبأهم ، وجعل على الميمنة الحسن بن الهذيل، وعلى الميسرة جرير بن الحصين ، ووقف هو في القلب . وعبأ هرثمة خيلاً نحو البر، فبعث أبو السرايا عدتهم يسيرون بإزائهم لئلا يكونوا كميناً .

ثم إن أبا السرايا حمل حملة فيمن معه، فانهزم أصحاب هرثمة هزيمة رقيقة ، ثم عطفوا وجوه دوابهم فنادى أبو السرايا: لا تتبعوهم فإنها خديعة ومكر، فوقفوا وتبعهم أبو كتلة فأبعد ثم رجع وأعلم أبا السرايا أنهم عبروا الفرات فرجع بالناس إلى الكوفة.

ثم خرج يوم الإثنين لتسع خلون من ذي القعدة وخرج الناس معه، وقد كان جاسوسه أخبره أن هرثمة يريد مواقعته في ذلك اليوم ، فعبأ الناس مما يلي الرصافة ومضى هو تحت القنطرة ، فلم يبعد حتى أقبلت خيل هرثمة ، فرجع أبو السرايا كالجمل الهائج يكاد الغضب أن يلقيه عن سرجه إلى الناس فقال: سووا عسكركم ، واجمعوا أمركم، وأقيموا صفوفكم، وأقبل هرثمة فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يسمع بمثله! ونظر أبو السرايا إلى روح بن الحجاج قدرجع فقال:والله لئن رجعت لأضربن عنقك، فرجع يقاتل حتى قتل . وقتل يومئذ الحسن بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين، وقتل أبو كتلة غلام أبي السرايا، واشتدت الحرب وكشف أبو السرايا رأسه وجعل يقول: أيها الناس صبر ساعة وثبات قليل، فقد والله فشل القوم ولم يبق إلا هزيمتهم ، ثم حمل‌وخرج إليه قائد من قواد هرثمة وعليه الدرع والمغفر فتناوشا ساعة، ثم ضربه أبو السرايا ضربة على بيضته فقده، حتى خالط سيفه قربوس سرجه ! وانهزمت المسودة هزيمة قبيحة ، وتبعهم أهل الكوفة يقتلونهم حتى بلغوا صعنبا فنادى أبو السرايا: يا أهل الكوفة أحذروا كرهم بعد الفرة ، فإن العجم قوم دهاة ، فلم يصغوا إلى قوله وتبعوهم .

وكان هرثمة قد أسر في ذلك الوقت ولم يعلم أبو السرايا ، أسره عبد سندي ، وقبل ذلك خلف في عسكره زهاء خمسة آلاف فارس يكونون ردءَ له إن انهزم أصحابه ، وخلف عليهم عبيدالله بن الوضاح، فلما وقعت الهزيمة ونادى أبو السرايا: لاتتبعوهم ، كشف عبيد الله بن الوضاح رأسه ، وأصحابه يقولون: قتل الأمير، قتل الأمير فناداهم: فماذا يكون إذا قتل الأمير؟يا أهل خراسان إلي أنا عبد الله بن الوضاح، أثبتوا ، فو الله ما القوم إلا غوغاء ورعاع ، فثابت إليه طائفة ، وحمل على أهل الكوفة فقتل منهم مقتلة عظيمة ، وتبعوهم حتى جاوزوا صعنبا ، ووجدوا هرثمة أسيراً في يد عبد أسود فقتلوا العبد ، وحلوا وثاق هرثمة ، وعاد إلى معسكره ولم تزل الحرب مدة متراخية في كل يوم أو يومين تكون سجالاً بينهم ) .

وقال الطبري (7/122): (ثم إن أبا السرايا خرج من القادسية هو ومن معه حتى أتوا ناحية واسط وكان بواسط علي بن أبي سعيد وكانت البصرة بيد العلويين بعد ، فجاء أبو السرايا حتى عبر دجلة أسفل من واسط ، فأتى عبدوس فوجد بها مالاً كان حمل من الأهواز فأخذه ثم مضى حتى أتى السوس فنزلها ومن معه وأقام بها أربعة أيام وجعل يعطى الفارس ألفاً والراجل خمس مائة ، فلما كان اليوم الرابع أتاهم الحسن ابن علي الباذغيسي المعروف بالمأموني ، فأرسل إليهم إذهبوا حيث شئتم فإنه لا حاجة لي في قتالكم ، وإذا خرجتم من عملي فلست أتبعكم ، فأبى أبو السريا إلا القتال فقاتلهم فهزمهم الحسن واستباح عسكرهم وجرح أبو السرايا جراحة شديدة فهرب فلما انتهوا إلى جلولاء عثر بهم ، فأتاهم حماد الكندغوش فأخذهم فجاء بهم إلى الحسن بن سهل وكان مقيماً بالنهروان حين طردته الحربية ، فقدم بأبي السرايا فضرب عنقه لعشر خلون من ربيع الأول ).

 

ثورة محمد بن جعفر الصادق عليه السلام

كانت ثورات الطالبيين ردة فعل شعبية على اضطهاد هارون وولاته للعلويين ونيلهم من أئمتهم عليهم السلام ، ففي مقاتل الطالبيين/359: (قال أبو الفرج: كان رجل قد كتب كتاباً في أيام أبي السرايا يسب فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وجميع أهل البيت ، وكان محمد بن جعفر معتزلاً تلك الأمور لم يدخل في شئ منها ، فجاء الطالبيون فقرؤوه عليه فلم يرد عليهم جواباً حتى دخل بيته ، فخرج عليهم وقد لبس الدرع وتقلد السيف ، ودعا إلى نفسه ، وتسمى بالخلافة).

وقال الصدوق عن محمد بن جعفر(2/224): (اجتمع عليه أهل بيته وغيرهم من قريش فبايعوه وقالوا له: لو بعثت إلى أبي الحسن الرضا كان معنا وكان أمرنا واحداً ، فقال محمد بن سليمان: إذهب إليه فاقرئه السلام وقل له: إن أهل بيتك اجتمعوا وأحبوا أن تكون معهم فإن رأيت أن تأتينا فافعل. قال: فأتيته وهو بالحمراء (حمراء الأسد موضع زراعي قرب المدينة) فأديت ما أرسلني به إليه ، فقال أقرئه مني السلام وقل له: إذا مضى عشـرون يوماً أتيتك . قال: فجئته فأبلغته ما أرسلني به ، فمكثنا أياماً فلما كان يوم ثمانية عشر جاءنا ورقاء قائد الجلودي فقاتلنا وهزمنا ، وخرجت هارباً نحو الصورين (من ضواحي المدينة) فإذا هاتف يهتف بي: يا أثرم فالتفتُّ إليه فإذا أبو الحسن عليه السلام وهو يقول: مضت العشرون أم لا ؟).

فأثبت له الإمام الرضا عليه السلام أن ثورته لم تصمد عشرين يوماً أمام كتيبة الجلودي !

وقال عمير بن يزيد (العيون:2/221):(كنت عند أبي الحسن الرضا عليه السلام فذُكر محمد بن جعفر بن محمد عليهما السلام فقال إني جعلت علي نفسي أن لايظلني وإياه سقف بيت ، فقلت في نفسي: هذا يأمرنا بالبر والصلة ويقول هذا لعمه فنظر إليَّ فقال:هذا من البر والصلة إنه متى يأتيني ويدخل عليَّ فيقول فيَّ يصدقه الناس، وإذا لم يدخل عليَّ ولم أدخل عليه لم يقبل قوله إذا قال ).

وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام (1/224 ): (إسحاق بن موسى قال: لما خرج عمي محمد بن جعفر بمكة ودعا إلى نفسه ودُعِيَ بأميرالمؤمنين وبويع له بالخلافة ، ودخل عليه الرضا عليه السلام وأنا معه فقال له: يا عم لا تُكذب أباك ولا أخاك ، فإن هذا أمر لايتم ، ثم خرج وخرجت معه إلى المدينة فلم يلبث إلا قليلاً حتى أتى الجلودي فلقيه فهزمه ، ثم استأمن إليه ، فلبس السواد وصعد المنبر فخلع نفسه وقال: إن هذا الأمر للمأمون وليس لي فيه حق ، ثم أُخرج إلى خراسان فمات بجرجان ).

وروى الطبري توبة محمد بن جعفر قال🙁وفي هذه السنة (200هجرية) في أول يوم من المحرم منها، قام محمد فقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب ، فإنه كان لعبد الله عبد الله أميرالمؤمنين في رقبتي بيعة بالسمع والطاعة طائعاً غير مكروه ، وكنت أحد الشهود الذين شهدوا في الكعبة في الشرطين لهارون الرشيد على ابنيه محمد المخلوع وعبد الله المأمون أمير المؤمنين. ألا وقد كانت فتنة غشيت عامة الأرض منا ومن غيرنا ، وكان نميَ إلى خبر أن عبد الله المأمون أميرالمؤمنين كان توفي فدعاني ذلك إلى أن بايعوا لي بإمرة المؤمنين واستحللت قبول ذلك لما كان على من العهود والمواثيق في بيعتي لعبد الله الإمام المأمون فبايعتموني أو من فعل منكم ، ألا وقد بلغني وصح عندي أنه حي سويٌّ . ألا وإني أستغفر الله مما دعوتكم إليه من البيعة وقد خلعت نفسي من بيعتي التي بايعتموني عليها كما خلعت خاتمي هذا من أصبعي، وقد صرت كرجل من المسلمين فلا بيعة لي في رقابهم ، وقد أخرجت نفسي من ذلك وقد رد الله الحق إلى الخليفة المأمون أميرالمؤمنين .

والحمد لله رب العالمين ، والصلاة على محمد خاتم النبيين ، والسلام عليكم أيها المسلمون . ثم نزل ، فخرج به عيسى بن يزيد الجلودي إلى العراق).

وقال المفيد في الإرشاد(2/213): (وخرج على المأمون في سنة تسع وتسعين ومائة بمكة، واتبعته الزيدية الجارودية ، فخرج لقتاله عيسى الجلودي ففرق جمعه وأخذه وأنفذه إلى المأمون ، فلما وصل إليه أكرمه المأمون وأدنى مجلسه منه ووصله وأحسن جائزته ، فكان مقيماً معه بخراسان ، يركب إليه في موكب من بني عمه ، وكان المأمون يحتمل منه ما لايحتمله السلطان من رعيته .

وروي: أن المأمون أنكر ركوبه إليه في جماعة من الطالبيين الذين خرجوا على المأمون في سنة المائتين فآمنهم ، فخرج التوقيع إليهم: لا تركبوا مع محمد بن جعفر واركبوا مع عبيد الله بن الحسين ، فأبوا أن يركبوا ولزموا منازلهم .

فخرج التوقيع: إركبوا مع من أحببتم ، فكانوا يركبون مع محمد بن جعفر إذا ركب إلى المأمون ، وينصرفون بانصرافه .

وذكر عن موسى بن سلمة أنه قال: أُتيَ إلى محمد بن جعفر فقيل له: إن غلمان ذي الرئاستين قد ضربوا غلمانك على حطب اشتروه ، فخرج مؤتزراً ببردتين معه هراوة وهو يرتجز ويقول: الموت خير لك من عيش بذل ! وتبعه الناس حتى ضرب غلمان ذي الرئاستين ، وأخذ الحطب منهم .

فرفع الخبر إلى المأمون ، فبعث إلى ذي الرئاستين فقال له: إئت محمد بن جعفر فاعتذر إليه وحكمه في غلمانك . قال: فخرج ذو الرئاستين إلى محمد بن جعفر ، قال موسى بن سلمة: فكنت عند محمد بن جعفر جالساً حتى أتي فقيل له: هذا ذو الرئاستين ، فقال: لايجلس إلا على الأرض ، وتناول بساطاً كان في البيت فرمى به هو ومن معه ناحية ، ولم يبق في البيت إلا وسادة جلس عليها محمد بن جعفر ، فلما دخل عليه ذو الرئاستين وسع له محمد على الوسادة فأبى أن يجلس عليها وجلس على الأرض ، فاعتذر إليه وحكمه في غلمانه !

وتوفي محمد بن جعفر بخراسان مع المأمون ، فركب المأمون ليشهده فلقيهم وقد خرجوا به ، فلا نظر إلى السرير نزل فترجل ومشى حتى دخل بين العمودين ، فلم يزل بينهما حتى وضع فتقدم وصلى ، ثم حمله حتى بلغ به القبر ، ثم دخل قبره فلم يزل فيه حتى بني عليه ، ثم خرج فقام على القبر حتى دفن .

فقال له عبيد الله بن الحسين ودعا له: يا أمير المؤمنين ، إنك قد تعبت فلو ركبت ؟ فقال المأمون: إن هذه رحم قطعت من مائتي سنة )!

أقول: محمد بن جعفر الصادق عليه السلام ، كان أكبر سناً من الإمام الرضا عليه السلام ، وقد نصحه الإمام بعدم الخروج فأبى . وسرعان ما انهزم وسلم نفسه للجلودي وأظهر التوبة ومبايعة المأمون ثم كان في خراسان كبير الطالبيين يحترمه المأمون ويقدمه .

ثورة زيد النار أخ الإمام الرضا عليه السلام

1- في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/257): (عن الحسن بن موسى بن علي الوشاء البغدادي قال: كنت بخراسان مع علي بن موسى الرضا عليه السلام في مجلسه وزيد بن موسى حاضر قد أقبل على جماعة في المجلس يفتخر عليهم ويقول: نحن ونحن وأبو الحسن عليه السلام مقبل على قوم يحدثهم ، فسمع مقالة زيد فالتفت إليه فقال: يا زيد أغرك قول باقلي الكوفة إن فاطمة عليها السلام أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار ، فوالله ما ذاك إلا للحسن والحسين وولد بطنها خاصة ، فأما أن يكون موسى بن جعفريطيع الله ويصوم نهاره ويقوم ليله ، وتعصيه أنت ثم تجيئان يوم القيامة سواء ؟ لأنت أعز على الله عزّ وجلّ منه ! إن علي بن الحسين كان يقول: لمحسننا كفلان من الأجر ولمسيئنا ضعفان من العذاب.

قال الحسن الوشاء: ثم التفت إليَّ فقال لي: يا حسن كيف تقرؤن هذه الآية: قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ؟ فقلت: من الناس من يقرأ إنه عملٌ غير صالح ومنهم من يقرأ إنه عملَ غير صالح ، فمن قرأ أنه عملٌ غير صالح فقد نفاه عن أبيه . فقال عليه السلام : كلا لقد كان ابنه ولكن لما عصى الله عزّ وجلّ نفاه عن أبيه . كذا من كان منا لم يطع الله عزّ وجلّ فليس منا ، وأنت إذا أطعت الله عزّ وجلّ فأنت منا أهل البيت).

2- حدثنا الحاكم أبو علي الحسين بن أحمد البيهقي.. قال: لما جئ بزيد بن موسى أخي الرضا عليه السلام إلى المأمون وقد خرج بالبصرة وأحرق دور العباسيين وذلك في سنة تسع وتسعين ومأة فسمي زيد النار! قال له المأمون: يا زيد خرجت بالبصرة وتركت أن تبدأ بدور أعدائنا بني‌أمية وثقيف وعدي وبأهله وآل زياد، وقصدت دور بني عمك؟ قال:وكان مزاحاً أخطأت يا أمير المؤمنين من كل جهة ، وإن عدت بدأت بأعدائنا !

فضحك المأمون وبعث به إلى أخيه الرضا عليه السلام وقال: قد وهبت جرمه لك فلما جاؤوا به عنفه وخلى سبيله ، وحلف أن لا يكلمه أبداً ما عاش ).

3- حدثنا أبو الخير علي بن أحمد النسابة عن مشايخه أن زيد بن موسى كان ينادم المستنصر وكان في لسانه فضل وكان زيدياً وكان زيد هذا ينزل بغداد على نهر كرخايا، وهو الذي كان بالكوفة أيام أبي السرايا فولاه ، فلما قتل أبو السرايا تفرق الطالبيون فتوارى بعضهم ببغداد وبعضهم بالكوفة ، وصار بعضهم إلى المدينة ، وكان ممن توارى زيد بن موسى هذا فطلبه الحسن بن سهل حتى دل عليه فأتى به فحبسه ثم أحضره على أن يضرب عنقه وجرد السياف السيف ليضرب عنقه وكان حضر هناك الحجاج بن خيثمة فقال: أيها الأمير إن رأيت أن لا تعجل وتدعوني إليك فإن عندي نصيحة ، ففعل وأمسك السياف فلما دنى منه قال: أيها الأمير أتاك بما تريد أن تفعله أمر من أمير المؤمنين ؟ قال: لا قال فعلام تقتل ابن عم أمير المؤمنين من غير إذنه وأمره واستطلاع رأيه فيه؟ثم حدثه بحديث أبي عبد الله بن أفطس وأن الرشيد حبسه عند جعفر بن يحيى فأقدم عليه جعفر فقتله من غيرأمره وبعث برأسه إليه في طبق مع هدايا النيروز وأن الرشيد لما أمر مسرور الكبير بقتل جعفر بن يحيى قال له: إذا سألك جعفر عن ذنبه الذي تقتله به فقل له:إنما أقتلك بابن عمي ابن الأفطس قتلته من غيرأمري.

ثم قال الحجاج بن خيثمة للحسن بن سهل: أفتأمن أيها الأمير حادثة تحدث بينك وبين أمير المؤمنين وقد قتلت هذا الرجل فيحتج عليك بمثل ما احتج به الرشيد على جعفر بن يحيى ؟

فقل الحسن للحجاج: جزاك الله خيراً ، ثم أمر برفع زيد وأن يرد إلى محبسه فلم يزل محبوساً إلى أن ظهر أمر إبراهيم بن المهتدي فخير أهل بغداد بالحسن بن سهل فأخرجوه عنها ، فلم يزل محبوساً حتى حمل إلى المأمون فبعث به إلى أخيه الرضا عليه السلام فأطلقه وعاش زيد بن موسى إلى آخر خلافة المتوكل ومات بسر من رأى).

4 - حدثنا علي بن إبراهيم هاشم قال: حدثني ياسر أنه خرج زيد بن موسى أخو أبي الحسن عليه السلام بالمدينة وأحرق وقتل وكان يسمى زيد النار !

فبعث إليه المأمون فأسر وحمل إلى المأمون فقال المأمون: إذهبوا به إلى أبي الحسن ، قال ياسر: فلما أدخل إليه قال له أبو الحسن عليه السلام : يا زيد أغرك قول سفلة أهل الكوفة أن فاطمة عليها السلام أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار ذلك للحسن والحسين خاصة. إن كنت ترى إنك تعصي الله عزّ وجلّ وتدخل الجنة وموسى بن جعفر عليه السلام أطاع الله ودخل الجنة فأنت إذاً أكرم على الله عزّ وجلّ من موسى بن جعفر! والله ما ينال أحد ما عند الله عزّ وجلّ إلا بطاعته وزعمت أنك تناله بمعصيته فبئس ما زعمت ! فقال له زيد: أنا أخوك وابن أبيك فقال له أبو الحسن عليه السلام : أنت أخي ما أطعت الله عزّ وجلّ إن نوحاً عليه السلام قال: رَبِّ إِنَّ ابْنِى مِنْ أَهْلِي فقال الله عزّ وجلّ: يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ. فأخرجه الله عزّ وجلّ من أن يكون من أهله بمعصيته ).

ثورة ابراهيم أخ الإمام الرضا عليه السلام

قال الطبري (7/123): (وفي هذه السنة (200 هجرية) خرج إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب باليمن ).

وخلاصة ثورته: أنه كان وجماعة من أهل بيته بمكة حين خرج أبو السرايا فخرج من مكة بمن معه من أهل بيته الى اليمن ، ووالي اليمن يومئذ المقيم بها من قبل المأمون إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس ، فلما سمع بإقبال إبراهيم بن موسى العلوي وقربه من صنعاء ، خرج منصرفاً عن اليمن في الطريق النجدية بجميع من في عسكره من الخيل والرجل ، وخلى لإبراهيم بن موسى بن جعفر اليمن ، لأنه يعرف قوة شعبية بني علي عليه السلام في اليمن .

ثم أراد اسحاق العباسي والي اليمن أن يدخل مكة فمنعه العلويون !

لكن سلوك ابراهيم بن موسى بن جعفر في اليمن كان منفوراً مع الأسف لكثرة من قتل حتى سمي الجزار ! وقد هزمه الحسن بن سهل ممثل المأمون في بغداد ، وقبض عليه وأرسله مع من أرسل من العلويين الى المأمون .

علاقة إحضار الإمام الرضا عليه السلام بهذه الثورات؟

نهى المأمون قادة جيشه أن يقتلوا العلويين قادة الثورات ، وطلب أن يستتيبوهم وأن يحضروهم اليه في خراسان ، وكان يعفو عنهم ويقول: هذه رحمٌ مجفوة منذ مئتي سنة! واتخذ بعضهم من جلسائه مثل محمد بن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ! ولا شك أنه أراد بإحضار الإمام الرضا عليه السلام ونصبه ولي عهده أن يسكت العلويين وينهي ثوراتهم على الخلافة العباسية .

لكنه أراد أن يطبق نظريته الخاصة التي يؤمن بها تجاه العلويين .

وخلاصة هذه النظرية: أن علياً وأولاده (خِلْوٌ من الناس) أي فوق الناس العاديين لأنهم عندهم (العلم الصحيح ) أي علم النبي صلى الله عليه وآله وعلم الكتاب ، فيجب إكرامهم والإستفادة من علمهم ، كما يستفاد من المنجمين النابغين !

فإن طمح أحدهم الى الحكم وإزاحة الخليفة العباسي ، فيجب القضاء عليه لكن بأسلوب ناعم غير معلن ، والجلوس في عزائه والبكاء عليه قبل الباكين. ثم مواصلة سياسة الإكرام والإحترام والنعومة معهم !

 

 

الفصل السادس

أجبره المأمون على الحضور إلى طوس

قائد السرية: رجاء بن أبي الضحاك وليس الجلودي

نفى السيد محسن الأمين رحمه الله أن يكون القائد الجلودي هو الذي كلفه المأمون بإحضار الإمام الرضا عليه السلام لأنه عدو لأهل البيت عليهم السلام وله سابقة مع الإمام الرضا لما أمره الرشيد بالقضاء على ثورة محمد بن جعفر الصادق عليه السلام وأمره بالغارة على نساء أبناء علي وتجريدهن إلا من ثوب واحد ! فوقف في وجهه الرضا عليه السلام وكفل له أنه هو يدخل ويأخذ حليهن وثيابهن ويأتي بها للقائد الجلودي وأقسم له فرضي الجلودي بذلك . والمأمون يعرف جريمة الجلودي تلك ، فلا يعقل أن يكلفه بإحضار الإمام باحترام ورفق .

وكلامه رحمه الله متين ، يؤيده قول رجاء بن أبي الضحاك الآتي: (بعثني المأمون في إشخاص علي بن موسى عليه السلام من المدينة وقد أمرني أن آخذ به على طريق البصرة والأهواز وفارس ولا آخذ به على طريق قم ، وأمرني أن أحفظه بنفسي بالليل والنهار حتى أقدم به عليه ، فكنت معه من المدينة إلى مرو، فوالله ما رأيت رجلاً كان أتقى لله تعالى منه).

والحقيقة أن الجلودي كان مقره بغداد وكان يرسل قادته الى الحجاز للقضاء على ثورات العلويين وقلما يذهب هو ، فأمره المأمون أن يأتي بالخارجين عليه من آل أبي طالب ويسلمهم الى رجاء بن أبي الضحاك . فكان المقبوض عليهم من الطالبيين مع الإمام الرضا عليه السلام في سفره ، لكن أمر الإمام عليه السلام يختلف عن أمرهم !

وتدل رواية صحيحة في العيون(2/150) عن أبي الصلت قال: (والله ما دخل الرضا عليه السلام هذا الأمرطائعاً، ولقد حمل إلى الكوفة مكرهاً ، ثم أشخص منها على طريق البصرة وفارس إلى مرو )!

تدل على أن رجاء بن أبي الضحاك أراد أن يسافر الى مرو عن طريق الكوفة وقم ، وهو الطريق المفضل لأن طريق البصرة - مَرْو ، فيه صحراء لوط الصعبة ، وطريق قم فيه بلاد معمورة أكثر ، فوصلت رسالة المأمون الى الكوفة بالمرور به عن طريق البصرة وليس الكوفة وقم ، فعدل به الى البصرة.

ونصت رواية القاضي المغربي في شرح الأخبار(3 /339) على أن الجلودي سلم المقبوض عليهم الى رجاء قال: (وكان المأمون كتب معه إلى علي بن موسى ، وأرسل به الحسن رسولاً إليه وكتب معه كتاباً ، وكان ذلك الكتاب قبل أن يشخص إليه من كان قام عليه من الطالبيين ، وأمره بإشخاصهم معه . وكتب إلى الجلودي في حمل محمد بن جعفر ، وعلي بن موسى ، وعلي بن الحسن بن زيد ، وإسماعيل بن موسى ، وابن الأرقط ، ومن كان قد خرج ، فحملهم الجلودي وأخذ بهم على طريق البصرة وإبراهيم بن المهدي بها ، وقد انتهى الخبر إليه وما أريد به علي بن موسى بن جعفر ، وذكر ذلك لمن يخصه من العباسيين وغيرهم ، فأشار عليه إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي بقتل علي بن موسى بن جعفر بن محمد فلم يقدر إبراهيم على ذلك .

وحملوا على طريق الأهواز ، وصاروا إلى فارس فلقيهم رجاء بن الضحاك وتسلمهم من الجلودي . وقدم بهم على مرو وعلى المأمون لعشر خلون من جمادى الآخر سنة إحدى ومائتين ، فصيروا في دار ميدان الفضل ، ويقال لها: داراسي ، أنزل علي بن موسى منها في بيت وحده ، والباقون في بيت آخر بجماعتهم وفرش لهم ).

وقوله تسلمهم أي المقبوض عليهم ، لكن لم يكن الإمام الرضا عليه السلام منهم !

وفي تاريخ الطبري (7/132): ( وفى هذه السنة وجه المأمون رجاء بن أبي الضحاك وفرناس الخادم لإشخاص علي بن موسى بن جعفر بن محمد ومحمد بن جعفر . وأحصى في هذه السنة ولد العباس فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفاً ما بين ذكر وأنثى ).

وقال ابن الجوزي في تذكرة الخواص(2/472): (قال الواقدي: ولما كان سنة مئتين بعث إليه المأمون فأشخصه من المدينة إلى خراسان ليوليه العهد بعده ، والذي أشخصه فرناس الخادم ورجاء بن أبي الضحاك . فلما وصل إلى نيسابور خرج إليه علماؤها مثل يحيى بن يحيى ، وإسحاق بن راهويه ، ومحمد بن رافع، وأحمد بن حرب وغيرهم لطلب الحديث والرواية عنه والتبرك به).

أما فرناس الخادم فلم يرد له ذكر مستقل في أي ترجمة ، والمرحج أنه من عيون المأمون على القائد رجاء يراقب تنفيذه لأمر الخليفة ، فإن انحرف عن الخط المرسوم دس له السم وبكى عليه ، وقاد السرية بدله ! فهذا هو أسلوب المأمون !

ودع الإمام عليه السلام بيت الله الحرام

كان الإمام الرضا عليه السلام دائم الحج والعمرة ، وكان يأخذ معه ابنه أبا جعفر أحياناً ، أو يتركه في المدينة .

فقد أخذه معه وهو طفل:

ففي الكافي (6/361): (عن يحيى الصنعاني قال: دخلت على أبي الحسن الرضا وهو بمكة وهو يقشر موزاً ويطعمه أبا جعفر عليهما السلام فقلت له: جعلت فداك هذا المولود المبارك قال: نعم يا يحيى، هذا المولود الذي لم يولد في الإسلام مثله مولود أعظم بركة على شيعتنا منه).

ولا بد أن يكون قصده مولوداً في عصره ، وإلا فقد ولد قبله من هو أفضل منه .

وترك الجواد في المدينة وراسله من مكة:

في الثاقب في المناقب/525: (عن محمد بن ميمون ، قال: كنت مع الرضا عليه السلام بمكة قبل خروجه إلى خراسان ، قال فقلت له: إني أريد أن أتقدم إلى المدينة فاكتب معي كتاباً إلى أبي جعفر عليه السلام فتبسم وكتب ، وحضرت إلى المدينة وقد كان ذهب بصري ، فأخرج الخادم أبا جعفر عليه السلام إلينا فحمله من المهد ، فتناول الكتاب وقال لموفق الخادم: فضه وانشره ففضه ونشره بين يديه ، فنظر فيه ، ثم قال: يا محمد ما حال بصرك؟ قلت: يا ابن رسول الله ، اعتلت عيناي فذهب بصري كما ترى . قال: فمد يده ومسح بها على عيني ، فعاد بصري إلي كأصح ما كان ، فقبلت يده ورجله ، وانصرفت من عنده وأنا بصير ، والمنة الله ).

ومعناه أن الإمام الرضا عليه السلام كتب له: يابني إمسح بيدك على عيني حامل الرسالة .

ولما أراد وداع البيت أخذ الجواد عليهما السلام معه:

ففي إثبات الهداة (4/402): (روى علي بن عيسى الأربلي في كتاب كشف الغمة نقلاً من كتاب الدلائل لعبد الله بن جعفر الحميري ، عن أمية بن علي قال: كنت مع أبي الحسن عليه السلام بمكة في السنة التي قد حج فيها ، ثم صار إلى خراسان ، ومعه أبو جعفر عليه السلام وأبو الحسن يودع البيت فلما قضى طوافه عدل إلى المقام فصلى عنده ، فصار أبو جعفر على عنق موفق يطوف فصار إلى الحجر فجلس فيه فأطال ، فقال له موفق: قم جعلت فداك ، فقال: ما أريد أن أبرح من مكاني هذا إلا أن يشاء الله ، واستبان في وجهه الغم ، فأتى موفق أبا الحسن فقال له: جعلت فداك قد جلس أبو جعفر في الحجر وهو يأبى أن يقوم ، فقام أبو الحسن فأتى أبا جعفر فقال له: قم يا حبيبي ، فقال: ما أريد أن أبرح من مكاني هذا فقال: بلى يا حبيبي ، ثم قال: كيف أقوم وقد ودعت البيت وداعاً لا ترجع! فقال: قم يا حبيبي فقام معه » .

وكان أكثر دعائه في وداعه بالعافية من مكائد المأمون:

في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/19): (عن أحمد بن موسى بن سعد عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال كنت معه في الطواف فلما صرنا معه بحذاء الركن اليماني أقام عليه السلام فرفع يديه ثم قال: يا الله يا ولي العافية، ويا خالق العافية، ويا رازق العافية، والمنعم بالعافية، والمنان بالعافية ، والمتفضل بالعافية ، ويا خالق العافية ، ويا رازق العافية ، والمنعم بالعافية ، والمانُّ بالعافية ، والمتفضل بالعافية عليَّ وعلى جميع خلقك ، يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما صل على محمد وآل محمد وارزقنا العافية ، ودوام العافية ، وتمام العافية وشكر العافية في الدنيا والآخرة ، يا أرحم الراحمين ).

ودع عائلته وقبرجده الرسول صلى الله عليه وآله

في دلائل الإمامة للطبري/349: (عن أبي محمد الوشاء ، عن الإمام الرضا عليه السلام قال: لما أردت الخروج من المدينة جمعت عيالي وأمرتهم أن يبكوا عليَّ حتى أسمع بكاءهم ، ثم فرقت فيهم اثني عشر ألف دينار ، ثم قلت لهم: إني لا أرجع إلى عيالي أبداً . ثم أخذت أبا جعفر فأدخلته المسجد ، ووضعت يده على حافة القبر ، وألصقته به واستحفظته رسول الله صلى الله عليه وآله فالتفت أبو جعفر فقال لي: بأبي أنت وأمي ، والله تذهب إلى عادية!وأمرت جميع وكلائي وحشمي له بالسمع والطاعة ، وترك مخالفته ، والمصير إليه عند وفاتي ، وعرفتهم أنه القيم مقامي ).

وفي وسائل الشيعة (3/455): (عن الحسن بن علي بن فضال قال: رأيت أبا الحسن الرضا عليه السلام وهو يريد أن يودع للخروج إلى العمرة ، فأتي القبر من موضع رأس النبي صلى الله عليه وآله بعد المغرب فسلم على النبي صلى الله عليه وآله ولزق بالقبر ، ثم انصرف حتى أتى القبر فقام إلى جانبه يصلي فألزق منكبه الأيسر بالقبر قريباً من الأسطوانة المخلقة التي عند رأس النبي صلى الله عليه وآله ، فصلى ست ركعات أو ثمان ركعات ).

 

معجزات الإمام في طريق خراسان

في البصرة - قرأ الإمام عليهم السلام ما في ذهن الرجل !

في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/227) بسند صحيح عن أبي حبيب البناجي أنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام وقد وافى البناج(محطة حجاج بين البصرة ومكة)ونزل بها في المسجد الذي ينزله الحاج كل سنة ، وكأني مضيت إليه وسلمت عليه ووقفت بين يديه، ووجدت عنده طبقاً من خوص نخل المدينة فيه تمر صيحاني ، فكأنه قبض قبضة من ذلك التمر فناولني منه فعددته فكان ثمانية عشرة تمرة ، فتأولت ذلك أني أعيش بعدد كل تمرة سنة ، فلما كان بعد عشرين يوماً كنت في أرض تُعمر بين يدي للزراعة ، حتى جاءني من أخبرني بقدوم أبي الحسن الرضا عليه السلام من المدينة ونزوله ذلك المسجد ، ورأيت الناس يسعون إليه فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت فيه النبي صلى الله عليه وآله وتحته حصير مثل ما كان تحته ، وبين يديه طبق خوص فيه تمر صيحاني ، فسلمت عليه فرد السلام علي واستدناني فناولني قبضة من ذلك التمر فعددته فإذا عدده مثل ذلك التمر الذي ناولني رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت له: زدني منه يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: لو زادك رسول الله صلى الله عليه وآله لزدناك)!!

وفي إثبات الوصية للمسعودي/211: (وفي رواية أنه قال إحدى وعشرين تمرة . وأقام يومه ورحل يراد به خراسان على طريق البصرة والأهواز وفارس وكرمان ).

ورواه ابن الصباغ في الفصول المهمة (2/977) والفتال النيسابوري في روضة الواعظين/ 208، والمفيد في الأمالي/335 ، والقطب الراوندي في الخرائج(1/411 ) والاربلي في كشف الغمة (2/313) بتفاوت .

آمن به الطبيب الأهوازي فخافوا من افتتان الناس به !

في الثاقب في المناقب/488، والخرائج(2/660): (عن أبي هاشم الجعفري ، قال: لما بعث المأمون رجاء بن الضحاك لحمل أبي الحسن الرضا عليه السلام من المدينة إلى خراسان حمله على طريق الأهواز ، ولم يمر به على طريق العراق والكوفة ، وكنت بالشرق من إيذج فبلغني ذلك ، فسرت فلقيته وقد نزل به الرجاء بن الضحاك الأهواز ، فسلمت عليه وتعرفت إليه وانتسبت ، وذلك أول لقائي به وصحبتي إياه فقال خيراً كثيراً ، ورأيته قليلاً ، وذلك زمن القيظ في الصيف فقلت: يا سيدي وابن ساداتي ، ما تجشم بك هذا الصيف؟ فقال: هيهات يا أبا هاشم ، ولكن ادع لي طبيباً من أطباء هذه البلاد أنعت له بقلة هاهنا عسى أن يعرفها. فأتيته بطبيب فنعت له بقلة فقال له الطبيب: لا أعرف على وجه الأرض أحداً يعرف إسمها غيرك، فمن أين عرفتها وليست في هذه الأوطان ولا في هذا الأوان ولا في هذا الزمان !

قال: فابغ لي قصب السكر، فقال الطبيب: هذا أدنى من الأول ، ما هذا بزمان قصب السكر ولا يكون إلا في الشتاء . قال فقال له عليه السلام : بل هما في أرضكم هذه ، وزمانكم هذا وهذا معك فأمضيا إلى شاذروان الماء فاعبراه فيرجع لكما جوخان ، فاقصداه فتجدان هناك رجلاً أسود في جوخان فقولا أرنا منابت قصب السكر ومنابت الحشيشة، فقال: يا أبا هاشم ، دونك القوم فقمت معهما ، فإذا أنا بالجوخان والرجل الأسود هناك فسألناه فأومى إلى ظهره فإذا قصب السكر ، فأخذنا منه حاجتنا ورجعنا إلى الجوخان فلم نر صاحبه فيه ، فانصرفنا إلى الرضا عليه السلام فحمد الله كثيراً ، فقال لي الطبيب: من هذا ! قلت: ويلك ، ابن سيد الأنبياء . قال: أفعنده من أقاليد النبوة شيئ؟ قلت: قد شهدت بعضها ولكنه ليس بنبي. قال: وهذا وصي نبي؟ قلت: أما هذا فنعم . فبلغ ذلك رجاء بن الضحاك فقال لأصحابه: إن أخطأتم به طريق الكوفة والعراق فما أخطأتم هذا الموضع الذي قد أظهر فيه الأعاجيب ! ولئن أقمتم بعد هذا لتمدن إليه الرقاب . فارتحلَ به ).

وروى بعضه في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/222): (عن أبي الحسن الصائغ عن عمه قال: خرجت مع الرضا عليه السلام إلى خراسان أؤامره في قتل رجاء بن أبي الضحاك الذي حمله إلى خراسان فنهاني عن ذلك وقال: أتريد أن تقتل نفساً مؤمنة بنفس كافرة ؟ قال: فلما صار إلى الأهواز قال لأهل الأهواز: إطلبوا لي قصب سكر، فقال بعض أهل الأهواز ممن لا يعقل: أعرابي لايعلم أن القصب لايوجد في الصيف! فقالوا: يا سيدنا إن القصب لايوجد في هذا الوقت إنما يكون في الشتاء فقال:بلى أطلبوه فإنكم ستجدونه، فقال إسحاق بن إبراهيم: والله ما طلب سيدي إلا موجوداً ، فأرسلوا إلى جميع النواحي فجاء أكَرة إسحاق فقالوا: عندنا شئ ادخرناه للبذرة نزرعه . فكانت هذه إحدى براهينه عليه السلام ).

أقول: نهيُ الإمام عليه السلام عن قتل رجاء وشهادته بأنه مؤمن ، يؤيد ما روي عن رجاء من حبه للإمام وأهل البيت عليهم السلام وكتمانه ذلك على المأمون وقريبه الفضل . لكن لا نعرف النفس الكافرة التي قتلها رجاء ، وأراد الصائغ أن يقتله بها !وقد ورد أن بعض قادة المأمون قالوا للجلودي فلنقتل علي بن موسى الرضا ، لأنهم عرفوا أن المأمون سينصبه ولي عهده ويخرج الخلافة من العباسيين. وهي رواية أوضح من رواية الصائغ ، وفيها إبهام أيضاً !

اتصل المؤمن بالإمام بتفكيره فعرف الإمام عليه السلام طلبته وأجابه !

في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/228): (حدثنا أبو حامد أحمد بن علي بن الحسين الثعالبي قال: حدثنا أبو أحمد عبد الله بن عبدالرحمن المعروف بالصفواني قال: قد خرجت قافلة من خراسان إلى كرمان فقطع اللصوص عليهم الطريق ، وأخذوا منهم رجلاً اتهموه بكثرة المال ، فبقي في أيديهم مدة يعذبونه ليفتدي منهم نفسه ، وأقاموه في الثلج وملؤوا فاه من ذلك الثلج فشدوه ، فرحمته امرأة من نسائهم فأطلقته وهرب فانفسد فمه ولسانه حتى لم يقدر على الكلام. ثم انصرف إلى خراسان وسمع بخبر علي بن موسى الرضا وأنه بنيسابور ، فرأى فيما يرى النائم كأن قائلاً يقول له إن ابن رسول صلى الله عليه وآله قد ورد خراسان فسله عن علتك فربما يعلمك دواء تنتفع به قال: فرأيت كأني قد قصدته عليه السلام وشكوت إليه ما كنت دفعت إليه وأخبرته بعلتي فقال لي: خذ من الكمون والسعتر والملح ودقه ، وخذ منه في فمك مرتين أو ثلاثاً ، فإنك تعافى !

فانتبه الرجل من منامه ولم يفكر فيما كان رأى في منامه ولا اعتد به ، حتى ورد باب نيسابور فقيل له: إن علي بن موسى الرضا عليه السلام قد ارتحل من نيسابور وهو برباط سعد، فوقع في نفس الرجل أن يقصده ويصف له أمره ليصف له ما ينتفع به من الدواء ، فقصده إلى رباط سعد فدخل إليه فقال له: يا ابن رسول الله كان من أمري كيت وكيت وانفسد علي فمي ولساني حتى لا أقدر على الكلام إلا بجهد ، فعلمني دواءً لأنتفع به . فقال الرضا عليه السلام : ألم أعلمك؟ إذهب فاستعمل ما وصفته لك في منامك له الرجل: يا ابن رسول الله إن رأيت أن تعيده علي فقال عليه السلام لي: خذ من الكمون والسعتر والملح فدقه وخذ منه في فمك مرتين أو ثلاثاً فإنك ستعافى ! قال الرجل: فاستعملت ما وصف لي فعوفيت !!

قال أبو حامد الثعالبي: سمعت أبا أحمد عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بالصفواني يقول: رأيت هذا الرجل وسمعت منه هذه الحكاية) !

أقول: في هذه المعجزة ثلاثة حقائق مهمة:

الأولى: أن المؤمن إذا نوى أن يكلم الإمام عليه السلام نية عميقة ، يوصل الله تعالى كلامه الى الإمام عليه السلام .

الثانية: أن الإمام يمكنه أن يكلم الشخص ويجيبه على مسألته في منامه !

الثالثة:أن الإمام عليه السلام يقرأ ما في نفس الشخص، وقد يجيبه قبل أن يتكلم !

غرس الإمام شجرة في نيشابور فكانت آية!

في مناقب آل أبي طالب(3/455):(قال الحاكم أبوعبد الله الحافظ:لما دخل الرضا عليه السلام نيسابور ونزل محلة فور ناحية يعرفها الناس بالإسناد في دار تعرف بدار پسنديده ، وإنما سميت پسنديده لأن الرضا عليه السلام ارتضاه من بين الناس ، فلما نزلها زرع في جانب من جوانب الدار لوزة فنبتت وصارت شجرة فأثمرت في كل سنة ، وكان أصحاب العلل يستشفون بلوز هذه الشجرة ، وعوفي أعمى ، وصاحب قولنج، وغير ذلك. فمضت الأيام على ذلك ويبست، فجاء حمدان وقطع أغصانها ثم جاء ابنٌ لحمدان يقال له أبو عمرو فقطع تلك الشجرة من وجه الأرض فذهب ماله كله، وكان له ابنان يقال لأحدهما أبو القاسم والآخر أبو صادق ، فأرادا عمارة تلك الدار وأنفقا عليها عشرين ألف درهم فقلعا الباقي من أصل تلك الشجرة ، فماتا في مدة سنة )!

عين الرضا وحمام الرضا عليه السلام في نيشابور

في مناقب آل أبي طالب(3/و:4/459و348): (لما نزل الرضا عليه السلام في نيسابور بمحلة فوزا، أمر ببناء حمام وحفر قناة وصنعة حوض فوقه مصلى ، فاغتسل من الحوض وصلى في المسجد فصار ذلك سنة ، فيقال: كرمابه رضا وآب رضا وحوض كاهلان . ومعنى ذلك أن رجلاً وضع همياناً على طاقه واغتسل منه وقصد إلى مكة ناسياً هميانه ، فلما انصرف من الحج أتى الحوض فرآه مشدوداً فسأل الناس عن ذلك فقالوا: قد آوى فيه ثعبان ونام على طاقه ففتحه الرجل ، فدخل في الحوض وأخرج هميانه وهو يقول: هذا من معجز الامام ، فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: أي كاهلان ! فسمي الحوض بذلك كاهلان ، وسميت المحلة فوزا لأنه فوز فصحفوها ).

وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/144): (ويقال إن الرضا عليه السلام لما دخل نيسابور نزل في محلة يقال لها الفرويني فيها حمام وهو الحمام المعروف اليوم بحمام الرضا عليه السلام وكانت هناك عين قد قل ماؤها فأقام عليها من أخرج ماؤها حتى توفر وكثر . واتخذ من خارج الدرب حوضاً ينزل إليه بالمراقي إلى هذه العين فدخله الرضا عليه السلام واغتسل فيه ثم خرج منه وصلى على ظهره . والناس يتناوبون ذلك الحوض ويغتسلون فيه ويشربون منه التماساً للبركة ويصلون على ظهره ويدعون الله عزّ وجلّ في حوائجهم فتقضي لهم ، وهي العين المعروفة بعين كهلان يقصدها الناس إلى يومنا هذا ).

حديث سلسلة الذهب لجمهور علماء نيشابور

صارت نيشابور عاصمة إيران ، وكانت مركز تأسيس المذاهب في مواجهة مذهب أهل البيت عليه السلام ، وكان فيها علماء كبار يسمى الواحد منهم إمام الأئمة كمحمد بن يحيى الذهلي ، وابن راهويه ، وابن خزيمة ، وابن حبان وأبو زرعة ، ولهم عشرات ألوف من طلبة العلم ، وكان السائد فيها مذهب السلطة حتى أنهم طردوا البخاري لما أحسوا منه أنه خالفهم في مسألة ! ومع ذلك كان جوهم العام تقديس الإمام الرضا عليه السلام ، فقد هبوا جميعاً لما ورد نيشابور وأحاطوا براحلته وطلبوا منه أن يطل عليهم ويحدثهم بحديث وهيؤوا ألوف المحابر ليكتبوه !

وبعد وفاة الإمام الرضا عليه السلام كان أهل نيشابور إذا جاء شعبان تجمعوا وذهبوا في قوافل لزيارة قبره بطوس ، وفي مقدمتهم كبار علمائهم .

قال الشريف المرتضى في رسائله (2/253): (ومما يمكن الإستدلال به على ذلك: أن الله تعالى قد ألهم جميع القلوب ، وغرس في كل النفوس ، تعظيم شأنهم وإجلال قدرهم على تباين مذاهبهم واختلاف دياناتهم ونحلهم! وما اجتمع هؤلاء المختلفون المتباينون مع تشتت الأهواء وتشعب الآراء على شئ كإجماعهم على تعظيم من ذكرناه وإكبارهم ، إنهم يزورون قبورهم ويقصدون من شاحط البلاد وشاطئها مشاهدهم ومدافنهم والمواضع التي وسمت بصلاتهم فيها وحلولهم بها ، وينفقون في ذلك الأموال ويستنفدون الأحوال ! فقد أخبرني من لا أحصيه كثرة أن أهل نيسابور ومن والاها من تلك البلدان ، يخرجون في كل سنة إلى طوس لزيارة الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا صلوات الله عليهما ، بالجمال الكثيرة والأهبة ، التي لايوجد مثلها إلا للحج إلى بيت الله . وهذا مع المعروف من انحراف أهل خراسان عن هذه الجهة، وازورارهم عن هذا الشعب ! وما تسخير هذه القلوب القاسية وعطف هذه الأمم البائنة ، إلا كالخارق للعادات والخارج عن الأمور المألوفات ، وإلا فما الحامل للمخالفين لهذه النحلة ، المنحازين عن هذه الجملة ، على أن يراوحوا هذه المشاهد ويغادوها ، ويستنزلوا عندها من الله تعالى الأرزاق ، ويستفتحوا الأغلاق، ويطلبوا ببركاتها الحاجات ويستدفعوا البليات ، والأحوال الظاهرة كلها لا توجب ذلك ولا تقتضيه ولا تستدعيه ، وإلا فعلوا ذلك فيمن يعتقدونهم ، وأكثرهم يعتقدون إمامته وفرض طاعته ، وأنه في الديانة موافق لهم غير مخالف ، ومساعد غير معاند .

ومن المحال أن يكونوا فعلوا ذلك لداع من دواعي الدنيا ، فإن الدنيا عند غير هذه الطائفة موجودة وعندها هي مفقودة ، ولا لتقية واستصلاح فإن التقية هي فيهم لامنهم ، ولا خوف من جهتهم ولاسلطان لهم ، وكل خوف إنما هو عليهم .

فلم يبق إلا داعي الدين ، وذلك هو الأمر الغريب العجيب الذي لا ينفذ في مثله إلا مشية الله، وقدرة القهار التي تذلل الصعاب وتقود بأزمتها الرقاب . وهذا يوقظ على أن الله خرق في هذه العصابة العادات وقلب الجبلات ، ليبين من عظيم منزلتهم ، وشريف مرتبتهم. وهذه فضيلة تزيد على الفضائل، وتربو على جميع الخصائص والمناقب ، وكفى بها برهاناً لائحاً ، وميزاناً راجحاً ، والحمد لله رب العالمين ).

وقال ابن حبان في الثقات ( 8 / 457 ): ( ومات علي بن موسى الرضا بطوس من شربة سقاه إياها المأمون فمات من ساعته ، وذلك في يوم السبت آخر يوم سنة ثلاث ومائتين. وقبره بسناباذ خارج النوقان مشهور يزار ، بجنب قبر الرشيد ، قد زرته مراراً كثيرة ، وما حلت بي شدة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر علي بن موسى الرضا صلوات الله على جده وعليه ، ودعوت الله إزالتها عني إلا استجيب لي ، وزالت عني تلك الشدة ، وهذا شئ جربته مراراً فوجدته كذلك . أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته ، صلى الله عليه وسلم الله عليه وعليهم أجمعين ) .

وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب ( 7 / 339 ): (قال الحاكم في تاريخ نيشابور: وسمعت أبا بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى يقول: خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة وعديله أبي علي الثقفي ، مع جماعة من مشائخنا ، وهم إذ ذاك متوافرون ، إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضا بطوس . قال: فرأيت من تعظيمه يعني ابن خزيمة لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرعه عندها ، ما تحيرنا فيه ) .

حديث سلسلة الذهب حديث صحيح متواتر

قال ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة (2/1002): (قال المولى السعيد إمام الدنيا عماد الدين محمد بن أبي سعيد بن عبد الكريم الوزان ، في محرم سنة ستّ وتسعين وخمس مائة قال: أورد صاحب كتاب تاريخ نيشابور في كتابه: أن علي بن موسى الرضا عليه السلام لما دخل إلى نيشابور في السفرة التي فاز فيها بفضيلة الشهادة ، كان في قبة مستورة بالسقلاط(بردة رومية) على بغلة شهباء وقد شق نيشابور ، فعرض له الإمامان الحافظان للأحاديث النبوية والمثابران على السنة المحمدية: أبو زرعة الرازي ، ومحمد بن أسلم الطوسي ، ومعهما خلائق لا يُحصون من طلبة العلم وأهل الأحاديث وأهل الرواية والدراية ، فقالا: أيها السيد الجليل ابن السادة الأئمة بحق آبائك الأطهرين وأسلافك الأكرمين إلا ما أريتنا وجهك الميمون المبارك ، ورويتَ لنا حديثاً عن آبائك عن جدك محمّد صلى الله عليه وآله نذكرك به . فاستوقف البغلة وأمر غلمانه بكشف المظلة عن القبة وأقر عيون تلك الخلائق برؤية طلعته المباركة ، فكانت له ذؤابتان على عاتقه والناس كلهم قيام على طبقاتهم ينظرون إليه وهم بين صارخ وباك ومتمرغ في التراب ومقبل ٍلحافر بغلته ، وعلا الضجيج فصاحت الأئمة والعلماء والفقهاء: معاشر الناس إسمعوا وعوا ، وأنصتوا لسماع ما ينفعكم ، ولا تؤذونا بكثرة صراخكم وبكائكم. وكان المستملي أبو زرعة ومحمد بن أسلم الطوسي، فقال علي بن موسى الرضا عليه السلام :حدثني أبي موسى الكاظم ، عن أبيه جعفر الصادق ، عن أبيه محمد الباقر ، عن أبيه علي زين العابدين ، عن أبيه الحسين شهيد كربلاء ، عن أبيه علي بن أبي طالب قال:حدثني حبيبي وقرة عيني رسول الله صلى الله عليه وآله قال: حدثني جبرئيل قال: سمعت رب العزة سبحانه وتعالى يقول: كلمة لا إله إلاّ الله حصني فمن قالها دخل حصني ، ومَن دخل حصني أمِن من عذابي . ثم أرخى الستر على القبة وسار، قال فعدوا أهل المحابر والدويَّ الذين كانوا يكتبون فأنافوا على عشرين ألفاً .

قال الأُستاذ أبو القاسم القشيري: اتصل هذا الحديث بهذا السند ببعض الأُمراء السامانية ، فكتبه بالذهب وأوصى أن يُدفن معه في قبره ، فرؤي بالنوم بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك ؟ قال: غفر الله لي بتلفظي بلا إله إلاّ الله وتصديقي بأن محمداً رسول الله مخلصاً ).

وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/143): (قال أبو الصلت: كنت مع علي بن موسى الرضا عليه السلام حين رحل من نيسابور وهو راكب بغلة شهباء ، فإذا محمد بن رافع ، وأحمد بن الحرث ، ويحيى بن يحيى ، وإسحاق بن راهويه ، وعدة من أهل العلم ، قد تعلقوا بلجام بغلته المربعة فقالوا: بحق آبائك الطاهرين حدثنا بحديث سمعته من أبيك ... سمعت جبرائيل يقول: قال الله جل جلاله: إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني ، من جاء منكم بشهادة أن لا إله إلا الله ).

وفي رواية أمالي الصدوق/305 :(سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:سمعت جبرئيل يقول: سمعت الله عزّ وجلّ يقول: لا إله إلا الله حصني ، فمن دخل حصني أمن عذابي.فلما مرت الراحلة نادانا: بشروطها ، وأنا من شروطها ) .

وفي توحيد الصدوق/25: (فلما مرت الراحلة نادانا: بشروطها وأنا من شروطها. قال مصنف هذا الكتاب: من شروطها الإقرار للرضا عليه السلام بأنه إمام من قبل الله عزّ وجلّ على العباد ، مفترض الطاعة عليهم).

لماذا سمي حديث سلسلة الذهب؟

إنما سمي بذلك لأن سنده: الإمام الرضا عن أبيه الكاظم عن أبيه الصادق عن أبيه زين العابدين عن أبيه الحسين عن أبيه علي عن رسول الله صلى الله عليه وآله .

ووصف هذا السند بأنه شفاء المجانين ! فقد جاء في حديث آخر ، فسمعه أحمد بن حنبل فقال: هذا سعوط المجانين ، إذا سعط به المجنون أفاق!

روى الصدوق في الخصال/53: « عن محمد بن عبد الله بن طاهر قال: كنت واقفاً على أبي ، وعنده أبو الصلت الهروي ، وإسحاق بن راهويه ، وأحمد بن محمد بن حنبل فقال أبي:ليحدثني كل رجل منكم بحديث ، فقال أبو الصلت الهروي: حدثني علي بن موسى الرضا ، وكان والله رضا كما سمي ، عن أبيه موسى بن جعفر ، عن أبيه جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن علي ، عن أبيه علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : الإيمان قول وعمل . فلما خرجنا قال محمد بن أحمد: ما هذا الإسناد ؟ فقال له أبي: هذا سعوط المجانين ، إذا سعط به المجنون أفاق » . يعني اذا كتبت هذه الأسماء وجعلت نشوقاً للمجنون لشفي !

وفي تاريخ بغداد (3/37): (عن محمد بن عبد الله بن طاهر قال: كنت واقفاً على رأس أبي وعنده أحمد بن محمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه وأبو الصلت الهروي ، فقال أبي: ليحدثني كل رجل منكم بحديث ، فقال أبو الصلت: حدثني علي بن موسى الرضا وكان والله رضاً كما سمي عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن علي ، عن أبيه علي . قال: قال رسول الله (ص):الإيمان قول وعمل. فقال بعضهم : ما هذا الإسناد ! فقال له أبي: هذا سعوط المجانين ، إذا سعط به المجنون برأ ).

وروى الصدوق في العيون(2/158) عن الصولي: (صعد المأمون المنبر لما بايع علي بن موسى الرضا عليه السلام فقال: أيها الناس جاءتكم بيعة علي بن موسى بن جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام . والله لو قرئت هذه الأسماء على الصم البكم ، لبرؤوا بإذن الله عزّ وجلّ ).

وقال ابن حجر في الصواعق/122: (قال أحمد: لو قرأت هذا الإسناد على مجنون لبرئ من جنته ).

وقال أبو نعيم في حلية الأولياء(3/192): (كان بعض سلفنا من المحدثين يقول: لو قرئ هذا الإسناد على مجنون لأفاق).

وصل الإمام الى مَرْو فأنزلوه في قصر حميد بن قحطبة

قال المسعودي في مروج الذهب(3/441): (وفي سنة مائتين بعث المأمون برجاء بن أبي الضحاك وياسر الخادم إلى علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي الرضا لإشخاصه ، فحمل إليه مكرماً . وفيها أمر المأمون بإحصاء ولد العباس من رجالهم ونسائهم وصغيرهم وكبيرهم ، فكان عددهم ثلاثة وثلاثين ألفاً .

ووصل الى المأمون أبو الحسن علي بن موسى الرضا ، وهو بمدينة مَرْوَ ، فأنزله المأمون أحسن إنزال ، وأمر المأمون بجميع خواص الأولياء ، وأخبرهم أنه نظر في ولد العباس وولد علي رضي الله عنهم ، فلم يجد في وقته أحداً أفضل ولا أحق بالأمر من علي بن موسى الرضا فبايع له بولاية العهد ، وضرب اسمه على الدنانير والدراهم ، وزوج محمد بن علي بن موسى الرضا بابنته أم الفضل ، وأمر بإزالة السواد من اللباس والأعلام ، وأظهر بدلاً من ذلك الخضرة في اللباس والأعلام وغير ذلك .

ونمي ذلك الى من بالعراق من ولد العباس فأعظموه ، إذ علموا أن في ذلك خروج الأمر عنهم ! وحج بالناس إبراهيم بن موسى بن جعفر أخو الرضا بأمر المأمون ، واجتمع من بمدينة السلام من ولد العباس ومواليهم وشيعتهم ، على خلع المأمون ومبايعة ابراهيم بن المهدي المعروف بابن شكلة ، فبويع له يوم الخميس لخمس ليال خلون من المحرم سنة اثنتين ومائتين ).

وفي عيون أخبار الرضا (2/147)🙁فبلغ عليه السلام قرب قرية الحمراء قيل له: يا بن رسول الله قد زالت الشمس أفلا تصلي؟فنزل فقال: إئتوني بماء فقيل ما معنا ماء ، فبحث عليه السلام بيده الأرض فنبع من الماء ماء توضأ به هو ومن معه! واثره باق إلى اليوم . فلما دخل سناباد استند إلى الجبل الذي تنحت منه القدور فقال: اللهم انفع به وبارك فيما يجعل فيه وفيما ينحت منه ، ثم أمر فنحت له قدور من الجبل وقال: لايطبخ ما آكله إلا فيها، وكان عليه السلام خفيف الأكل قليل الطعم ، فاهتدى الناس إليه من ذلك اليوم ، فظهرت بركة دعائه فيه ، ثم دخل دار حميد بن قحطبة الطائي ودخل القبة التي فيها قبرهارون الرشيد ثم خط بيده إلى جانبه ، ثم قال: هذه تربتي وفيها أدفن وسيجعل الله هذا المكان مختلف شيعتي وأهل محبتي . والله ما يزورني منهم زائر ولا يسلم علي منهم مسلم ، إلا وجب له غفران الله ورحمته بشفاعتنا أهل البيت .

ثم استقبل القبلة فصلى ركعات ودعا بدعوات ، فلما فرغ سجد سجدة طال مكثه فيها فأحصيت فيها خمس مأة تسبيحه ، ثم انصرف ).

حرز الإمام الرضا عليه السلام

في عيون أخبار الرضا (2/148): (عن ياسر الخادم قال: لما نزل أبوالحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام قصر حميد بن قحطبة نزع ثيابه وناولها حميداً فاحتملها وناولها جارية له لتغسلها، فما لبثت أن جاءت ومعها رقعة فناولتها حميداً وقالت: وجدتها في جيب أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام فقلت: جعلت فداك إن الجارية وجدت رقعة في جيب قميصك فما هي؟ قال يا حميد هذه عوذة لا نفارقها فقلت: لوشرفتني بها قال عليه السلام : هذه عوذة من أمسكها في جيبه كان مدفوعاً وكانت له حرزاً من الشيطان الرجيم ومن السلطان ، ثم أملى على حميد العوذة وهي: بسم الله الرحمن الرحيم . بسم الله إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً أوغير تقي ، أخذت بالله السميع البصير على سمعك وبصرك ، لا سلطان لك عليَّ ولا على سمعي ولا بصري ، ولا شعري ولا على بشري ، ولا على لحمي ولا على دمي ، ولا على مخي ولا على عصبي ولا على عظامي ، ولا على أهلي وعلى مالي، ولا على ما رزقني ربي . سترت بيني وبينك بسترة النبوة الذي استتر به أنبياء الله من سلطان الفراعنة . جبرئيل عن يميني وميكائيل عن يساري وإسرافيل من ورائي ومحمد صلى الله عليه وآله أمامي ، والله مطلع على ما يمنعك ويمنع الشيطان مني. اللهم لا يغلب جهله أناتك يستفزني ويستخفني . اللهم إليك التجأت، اللهم إليك التجأت ، اللهم إليك التجأت ).

 

 

الفصل السابع

مداولاتُه مع المأمون قبل ولاية العهد

عرض المأمون على الرضا عليه السلام أن يتنازل له عن الخلافة !

(قال له: يا ابن رسول الله ، قد عرفت فضلك وعلمك وزهدك وورعك وعبادتك ، وأراك أحق بالخلافة مني.فقال عليه السلام : بالعبودية لله عزّ وجلّ افتخر ، وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شر الدنيا ، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله عزّ وجلّ ...

فقال له المأمون: إني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك وأبايعك . فقال له الرضا عليه السلام : إن كانت الخلافة لك وجعلها الله لك ، فلا يجوز أن تخلع لباساً ألبسك الله وتجعله لغيرك ، وإن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك .فقال له المأمون: يا بن رسول الله لا بد لك من قبول هذا الأمر ! فقال: لست أفعل ذلك طائعاً أبداً ! فما زال يجهد به أياماً حتى يئس من قبوله فقال له: فإن لم تقبل الخلافة ولم تحب مبايعتي لك ، فكن ولي عهدي لتكون لك الخلافة بعدي .

وفي رواية قال له:إني قد رأيت أن أقلدك أمر المسلمين، وأفسخ ما في رقبتي وأضعه في رقبتك،فقال له الرضا عليه السلام :الله الله يا أميرالمؤمنين إنه لاطاقة لي بذلك ولا قوة لي عليه! قال له:فإني موليك العهد من بعدي،فقال له:أعفني من ذلك يا أميرالمؤمنين،فقال له المأمون كلاماً فيه كالتهدد له على الإمتناع عليه !وكان ذو الرئاستين يقول: وا عجباه وقد رأيت عجباً ، سلوني ما رأيت ؟ فقالوا: وما رأيت أصلحك الله؟قال: رأيت المأمون أميرالمؤمنين يقول لعلي بن موسى الرضا: قد رأيت أن أقلدك أمور المسلمين ، وأفسخ ما في رقبتي وأجعله في رقبتك ، ورأيت علي بن موسى يقول: يا أمير المؤمنين لا طاقة لي بذلك ولا قوة! فما رأيت خلافة قط كانت أضيع منها ! إن أميرالمؤمنين يتفصى (يتخلص) منها ويعرضها على علي بن موسى، وعلي بن موسى يرفضها ويأبى !

وقصد الفضل الطعن بمنصب الخلافة ، لأنه يخطط بمجوسيته لإزالة الخلافة كلياً !

رفض الإمام عليه السلام ولاية العهد وأصر عليه المأمون!

في عيون أخبار الرضا (2/151)وأمالي الصدوق/125، بسند صحيح عن ابراهيم بن هاشم عن أبي الصلت الهروي قال: إن المأمون قال للرضا عليه السلام :(يا ابن رسول الله ، قد عرفت فضلك وعلمك وزهدك وورعك وعبادتك وأراك أحق بالخلافة مني.فقال الرضا عليه السلام : بالعبودية لله عزّ وجلّ افتخر، وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شر الدنيا ، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم ، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله عزّ وجلّ .

فقال له المأمون: إني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك وأبايعك . فقال له الرضا عليه السلام : إن كانت الخلافة لك وجعلها الله لك ، فلا يجوز أن تخلع لباساً ألبسك الله وتجعله لغيرك ، وإن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك . فقال له المأمون: يا بن رسول الله لا بد لك من قبول هذا الأمر ! فقال: لست أفعل ذلك طائعاً أبداً !

فما زال يجهد به أياماً حتى يئس من قبوله فقال له: فإن لم تقبل الخلافة ولم تحب مبايعتي لك ، فكن ولي عهدي ، لتكون لك الخلافة بعدي .

فقال الرضا عليه السلام :والله لقد حدثني أبي عن آبائه عن أميرالمؤمنين، عن رسول الله صلى الله عليه وآله : أني أخرج من الدنيا قبلك مقتولاً بالسم مظلوماً ، تبكي عليَّ ملائكة السماء وملائكة الأرض ، وأدفن في أرض غربة إلى جنب هارون الرشيد . فبكى المأمون ثم قال له: يا ابن رسول الله ومن الذي يقتلك أو يقدر على الإساءة إليك وأنا حي؟

فقال الرضا عليه السلام : أما إني لو أشاء أن أقول من الذي يقتلني لقلت! فقال المأمون: يا ابن رسول الله إنما تريد بقولك هذا التخفيف عن نفسك ودفع هذا الأمرعنك ليقول الناس:إنك زاهد في الدنيا. فقال الرضا عليه السلام :والله ما كذبت منذ خلقني ربي عزّ وجلّ وما زهدت في الدنيا للدنيا ، وإني لأعلم ما تريد . فقال المأمون: وما أريد؟ قال: لي الأمان على الصدق؟ قال:لك الأمان. قال: تريد بذلك أن يقول الناس: إن علي بن موسى لم يزهد في الدنيا بل زهدت الدنيا فيه ، ألاترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة . فغضب المأمون ثم قال: إنك تتلقاني أبداً بما أكرهه وقد أمنت سطواتي ، فبالله أقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلا أجبرتك على ذلك ، فإن فعلت وإلا ضربت عنقك !

فقال الرضا عليه السلام : قد نهاني الله عزّ وجلّ أن ألقي بيدي إلى التهلكة ، فإن كان الأمرعلى هذا فافعل ما بدا لك ، وأنا أقبل ذلك على أني لا أولي أحداً ، ولا أعزل أحداً ، ولا أنقض رسماً ولا سنة ، وأكون في الأمر من بعيد مشيراً. فرضي منه بذلك وجعله ولي عهده على كراهة منه عليه السلام لذلك ) !

وقال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين(1/454): (وجه إلى الفضل بن سهل فأعلمه أنه يريد العقد له، وأمره بالإجتماع مع أخيه الحسن بن سهل على ذلك ، ففعل واجتمعا بحضرته، فجعل الحسن يعظم ذلك عليه ، ويعرفه ما في إخراج الأمر من أهله عليه، فقال له: إني عاهدت الله أن أخرجها إلى أفضل آل أبي طالب إن ظفرت بالمخلوع ، وما أعلم أحداً أفضل من هذا الرجل . فاجتمعا معه على ما أراد ، فأرسلهما إلى علي بن موسى فعرضا ذلك عليه فأبى فلم يزالا به وهو يأبى ذلك ويمتنع منه ، إلى أن قال له أحدهما: إن فعلت وإلا فعلنا بك وصنعنا وتهدده ، ثم قال له أحدهما: والله أمرني بضرب عنقك إذا خالفت ما يريد .ثم دعا به المأمون فخاطبه في ذلك ...).

وفي إرشاد المفيد(2/261): (وذكر جماعة من أصحاب الأخبار ورواة السير والآثار وأيام الخلفاء: أن المأمون لما أراد العقد للرضا علي بن موسى عليه السلام وحدث نفسه بذلك، أحضرالفضل بن سهل فأعلمه ما قد عزم عليه من ذلك وأمره بالإجتماع مع أخيه الحسن بن سهل على ذلك ، ففعل واجتمعا بحضرته ، فجعل الحسن يعظم ذلك عليه ويعرفه ما في إخراج الأمر من أهله عليه فقال له المأمون:إني عاهدت الله أنني إن ظفرت بالمخلوع أخرجت الخلافة إلى أفضل آل أبي طالب ، وما أعلم أحداً أفضل من هذا الرجل على وجه الأرض . فلما رأى الحسن والفضل عزيمته على ذلك أمسكا عن معارضته فيه ، فأرسلهما إلى الرضا عليه السلام فعرضا ذلك عليه فامتنع منه ، فلم يزالا به حتى أجاب ، ورجعا إلى المأمون فعرفاه إجابته فسر بذلك).

وقال المفيد في الإرشاد (2/259): (وأنزل الرضا علي بن موسى عليه السلام داراً وأكرمه وعظم أمره ثم أنفذ إليه: إني أريد أن أخلع نفسي من الخلافة وأقلدك إياها فما رأيك في ذلك؟ فأنكر الرضا عليه السلام هذا الأمر وقال له: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا الكلام وأن يسمع به أحد !

فرد عليه الرسالة: فإذ أبيت ما عرضت عليك فلا بد من ولاية العهد من بعدي ، فأبى عليه الرضا إباءً شديداً ، فاستدعاه إليه وخلا به ومعه الفضل بن سهل ذو الرئاستين، ليس في المجلس غيرهم ، وقال له: إني قد رأيت أن أقلدك أمر المسلمين ، وأفسخ ما في رقبتي وأضعه في رقبتك ، فقال له الرضا عليه السلام : الله الله يا أمير المؤمنين إنه لا طاقة لي بذلك ولا قوة لي عليه !

قال له: فإني موليك العهد من بعدي ، فقال له: أعفني من ذلك يا أمير المؤمنين ، فقال له المأمون كلاماً فيه كالتهدد له على الإمتناع عليه ، وقال له في كلامه: إن عمر بن الخطاب جعل الشورى في ستة أحدهم جدك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وشرط فيمن خالف منهم أن تضرب عنقه ، ولا بد من قبولك ما أريده منك فإنني لا أجد محيصاً عنه ! فقال له الرضا عليه السلام : فإني أجيبك إلى ما تريد من ولاية العهد ، على أنني لا آمر ولا أنهى ولا أفتي ولا أقضي ولا أولي ولا أعزل ولا أغير شيئاً مما هو قائم . فأجابه المأمون إلى ذلك كله ).

أقول: يتضح من هذه النصوص أن المأمون كان كاذباً في عرض الخلافة على الإمام الرضا عليه السلام ، لأن شعاره الذي تعلمه من أبيه: الملك عقيم ولو نازعتني فيه لأخذت الذي فيه عيناك ! وقد أخذ عيني أخيه الأمين ورأسه لما خلعه من ولاية العهد !

وكذلك عرضه ولاية عهده على الإمام الرضا عليه السلام فسببه أنه رأى المسلمين يقدسون الأئمة العلويين عليهم السلام ويلتفون حولهم ، ويقايسون بينهم وبين الخلفاء العباسية ، وبذلك يشكلون مصدر خطر دائم على العباسيين .

فالمأمون يريد أن يكشف للناس أن آل علي زهدوا في الدنيا لعجزهم عنها ، فلما أمكنتهم تركوا زهدهم وانغمسوا في الدنيا كالعباسيين !

وقد أحبط الإمام مخطة المأمون برفضه ، ولما أجبر أخبره بأنه يموت قبله ويقتل مسموماً مظلوماً ، أي أخبره بأنه سيتغير عليه ويقتل الإمام عليه السلام .

وشرط عليه أن لا يدخل في أمر من أمور الخلافة أبداً ، بل يكون مشاوراً من بعيد ! وأكد على شرطه هذا ، فقبل منه المأمون !

جواب الإمام عليه السلام للصوفية على قبوله ولاية العهد

في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/150 ): (علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه ، عن الريان بن الصلت ، قال: دخلت على علي بن موسى الرضا عليهما السلام فقلت له: يا ابن رسول الله الناس يقولون: إنك قبلت ولاية العهد مع إظهارك الزهد في الدنيا ؟ فقال عليه السلام : قد علم الله كراهتي لذلك ، فلما خيرت بين قبول ذلك وبين القتل إخترت القبول على القتل !

ويحهم! أما علموا أن يوسف عليه السلام كان نبياً ورسولاً ، دفعته الضرورة إلى تولي خزائن العزيز: قَالَ اجْعَلْنِى عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ. ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه وإجبار بعد الإشراف على الهلاك ، على أني ما دخلت في هذا الأمر إلا دخول خارج منه . فإلى الله المشتكى وهو المستعان).

سبب قرار المأمون جعل ولاية العهد للإمام عليه السلام

قال المأمون للفضل بن سهل وأخيه الحسن: إني عاهدت الله أنني إن ظفرت بالمخلوع أخرجت الخلافة إلى أفضل آل أبي طالب ، وما أعلم أحداً أفضل من هذا الرجل على وجه الأرض .

نص مرسوم ولاية العهد

قال الإربلي في كشف الغمة في معرفة الأئمة عليهم السلام (3/124): (وفي سنة سبعين وست مائة وصل من مشهده الشريف عليه السلام أحد قوامه ، ومعه العهد الذي كتبه المأمون بخط يده وبين سطوره وفي ظهره بخط الإمام عليه السلام ما هو مسطور فقبَّلت مواقع أقلامه وسرحت طرفي في رياض كلامه ، وعددت الوقوف عليه من منن الله وإنعامه ، ونقلته حرفاً فحرفًا ، وما هو بخط المأمون:

بسم الله الرحمن الرحيم . هذا كتاب كتبه عبد الله بن هارون الرشيد أمير المؤمنين لعلي بن موسى بن جعفر ولي عهده:

أما بعد فإن الله عزّ وجلّ اصطفى الإسلام ديناً، واصطفى له من عباده رسلاً دالين عليه وهادين إليه ، يبشر أولهم بآخرهم،ويصدق تاليهم ماضيهم حتى انتهت نبوة الله إلى محمد صلى الله عليه وآله على فترة من الرسل، ودروس من العلم، وانقطاع من الوحي ، واقتراب من الساعة ، فختم الله به النبيين ، وجعله شاهداً لهم ومهيمناً عليهم ، وأنزل عليه كتابه العزيز الذي: لايَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ، بما أحل وحرم ، ووعد وأوعد ، وحذر وأنذر ، وأمر به ونهى عنه ، لتكون له الحجة البالغة على خلقه ، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة ، وإن الله لسميع عليم.

فبلغ عن الله رسالته ودعا إلى سبيله بما أمره به من الحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن ، ثم بالجهاد والغلظة ، حتى قبضه الله إليه ، واختار له ما عنده صلى الله عليه وآله ، فلما انقضت النبوة وختم الله بمحمد صلى الله عليه وآله الوحي والرسالة ، جعل قوام الدين ونظام أمر المسلمين بالخلافة ، وإتمامها وعزها والقيام بحق الله فيها ، بالطاعة التي بها تقام فرائض الله وحدوده ، وشرايع الإسلام وسننه ، ويجاهد بها عدوه ، فعلى خلفاء الله طاعته فيما استحفظهم واسترعاهم من دينه وعباده ، وعلى المسلمين طاعة خلفائهم ومعاونتهم على إقامة حق الله وعدله ، وأمن السبيل ، وحقن الدماء ، وصلاح ذات البين وجمع الألفة.وفي خلاف ذلك اضطراب حبل المسلمين واختلالهم واختلاف ملتهم ، وقهر دينهم واستعلاء عدوهم ، وتفرق الكلمة وخسران الدنيا والآخرة . فحق على من استخلفه الله في أرضه وائتمنه على خلقه أن يجهد لله نفسه ويؤثر ما فيه رضا الله وطاعته ، ويعتد لما الله مواقفه عليه ومسائله عنه ، ويحكم بالحق ويعمل بالعدل فيما حمله الله وقلده ، فإن الله عزّ وجلّ يقول لنبيه داود عليه السلام : يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ.فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وبلغنا أن عمر بن الخطاب قال لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات لتخوفت أن يسألني الله عنها. وأيم الله إن المسؤول عن خاصة نفسه الموقوف على عمله فيما بينه وبين الله ، ليتعرض على أمر كبير وعلى خطر عظيم ، فكيف بالمسؤول عن رعاية الأمه ، وبالله الثقة ، واليه المفزع والرغبة في التوفيق والعصمة ، والتسديد والهداية إلى ما فيه ثبوت الحجة ، والفوز من الله بالرضوان والرحمة .

وأنظرُ الأمة لنفسه وأنصحهم لله في دينه وعباده ، من خلائقه في أرضه ، مَن عمل بطاعة الله وكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ، في مدة أيامه وبعدها ، وأجهد رأيه ونظره فيمن يوليه عهده ويختاره لإمامة المسلمين ورعايتهم بعده ، وينصبه علماً لهم ومفزعاً في جميع ألفتهم ولم شعثهم وحقن دمائهم ، والأمن بإذن الله من فرقتهم وفساد ذات بينهم واختلافهم، ورفع نزع الشيطان وكيده عنهم، فإن الله عزّ وجلّ جعل العهد بعد الخلافة ، من تمام أمر الإسلام وكماله وعزة وصلاح أهله ، وألهم خلفائه من توكيده لمن يختارونه له من بعدهم، ما عظمت به النعمة وشملت فيه العافية ، ونقض الله بذلك مكر أهل الشقاق والعداوة ، والسعي في الفرقة والتربص للفتنة .

ولم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت إليه الخلافة ، فاختبر بشاعة مذاقها ، وثقل محملها وشدة مؤنتها ، وما يجب على من تقلدها من ارتباط طاعة الله ومراقبته فيما حمله منها، فأنصب بدنه ، وأسهر عينه ، وأطال فكره ، فيما فيه عز الدين وقمع المشركين، وصلاح الأمة ونشر العدل ، وإقامة الكتاب والسنة، ومنعه ذلك من الخفض والدعة ومهنأ العيش ، علماً بما الله سائله عنه ومحبة أن يلقى الله مناصحاً له في دينه وعباده ، ومختاراً لولاية عهده ورعاية الأمة من بعده ، أفضل من يقدر عليه في ورعه ودينه وعلمه ، وأرجاهم للقيام في أمر الله وحقه ، مناجياً لله تعالى بالإستخارة في ذلك ، ومسألته الهامه ما فيه رضاه وطاعته ، في آناء ليله ونهاره ، معملاً في طلبه والتماسه في أهل بيته من ولد عبد الله بن العباس وعلي بن أبي طالب فكره ونظره ، مقتصراً لمن علم حاله ومذهبه منهم على علمه، وبالغاً في المسألة عمن خفي عليه أمره جهده وطاقته، حتى استقصى أمورهم معرفة وابتلى أخبارهم مشاهدة، واستبرأ أحوالهم معاينة ، وكشف ما عندهم مساءلة ، فكانت خيرته بعد استخارته لله وإجهاده نفسه في قضاء حقه في عباده وبلاده ، في البيتين جميعاً: علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، لما رأى من فضله البارع ، وعلمه الناصع ، وورعه الظاهر وزهده الخالص ، وتخليه من الدنيا وتسلمه من الناس ، وقد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطية ، والألسن عليه متفقة ، والكلمة فيه جامعة ، ولما لم يزل يعرفه به من الفضل يافعاً وناشئاً وحدثاً ومكتهلاً ، فعقد له بالعهد والخلافة من بعده ، واثقاً بخيرة الله في ذلك ، إذ علم الله أنه فعله إيثاراً له وللدين ، ونظراً للإسلام والمسلمين، وطلباً للسلامة وثبات الحق ، والنجاة في اليوم الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين .

ودعا أميرالمؤمنين ولده وأهل بيته وخاصته ، وقواده وخدمه ، فبايعوا مسرعين مسرورين ، عالمين بإيثار أميرالمؤمنين طاعة الله على الهوى ، في ولده وغيرهم ، ممن هو أشبك منه رحماً ، وأقرب قرابة ، وسماه الرضا إذ كان رضاً عند أمير المؤمنين ، فبايعوا معشرأهل بيت أميرالمؤمنين ومن بالمدينة المحروسة من قواده وجنده وعامة المسلمين لأمير المؤمنين وللرضا من بعده .

كتب بقلمه الشريف بعد قوله وللرضا من بعده بل آل من بعده علي بن موسى على اسم الله وبركته وحسن قضائه لدينه وعباده ، بيعة مبسوطة إليها أيديكم منشرحة لها صدوركم ، عالمين بما أراد أمير المؤمنين بها ، وآثر طاعة الله والنظر لنفسه ولكم فيها ، شاكرين لله على ما ألهم أميرالمؤمنين من قضاء حقه في رعايتكم ، وحرصه على رشدكم وصلاحكم ، راجين عايدة ذلك في جمع ألفتكم ، وحقن دمائكم ، ولم شعثكم ، وسد ثغوركم ، وقوة دينكم ، ورغم عدوكم، واستقامة أموركم .

وسارعوا إلى طاعة الله وطاعة أمير المؤمنين ، فإنه الأمن إن سارعتم إليه وحمدتم الله عليه وعرفتم الحظ فيه إن شاء الله .

وكتب بيده يوم الإثنين بسبع خلون من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين.

صورة ما كان على ظهر العهد بخط الإمام علي بن موسى الرضا عليهما السلام :

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الفعال لما يشاء ،لامعقب لحكمه ، ولا راد لقضائه، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وصلاته على نبيه محمد خاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين .

أقول وأنا علي بن موسى الرضا بن جعفر: إن أمير المؤمنين عضده الله بالسداد ، ووفقه للرشاد ، عرف من حقنا ما جهله غيره ، فوصل أرحاماً قطعت ، وآمن نفوساً فزعت، بل أحياها وقد تلفت ، وأغناها إذ افتقرت ، مبتغياً رضا رب العالمين ، لا يريد جزاء من غيره ، وسيجزي الله الشاكرين ، ولا يضيع أجر المحسنين .

وإنه جعل إلي عهده والإمرة الكبرى إن بقيت بعده ، فمن حل عقدة أمر الله بشدها ، وفصم عروة أحب الله إيثاقها ، فقد أباح حريمه وأحل محرمه ، إذ كان بذلك زارياً على الإمام منتهكاً حرمة الإسلام ، بذلك جرى السالف فصبر عنه على الفلتات ، ولم يعترض بعدها على الغرمات ، خوفاً من شتات الدين ، واضطراب حبل المسلمين ، ولقرب أمر الجاهلية ، ورصد فرصة تنتهز، وبايقة تبتدر ، وقد جعلت لله على نفسي إن استرعاني أمرالمسلمين وقلدني خلافته العمل فيهم عامة ، وفي بني العباس بن عبد المطلب خاصة ، بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله ، وأن لا أسفك دماً حراماً ، ولا أبيح فرجاً ولا مالاً إلا ما سفكته حدود الله وأباحته فرائضه ، وأن أتخير الكفاة جهدي وطاقتي، وجعلت بذلك على نفسي عهداً مؤكداً ، يسألني الله عنه ، فإنه عزّ وجلّ يقول: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً . وإن أحدثت أو غيرت أو بدلت كنت للغِيَر مستحقاً ، وللنكال متعرضاً ، وأعوذ بالله من سخطه ، واليه أرغب في التوفيق لطاعته ، والحؤول بيني وبين معصيته ، في عافية لي وللمسلمين .

والجامعة والجفر يدلان على ضد ذلك ، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم: إِنِ الْحُكْمُ إِلا للَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَخَيْرُ الْفَاصِلِينَ ، لكني امتثلت أمر أمير المؤمنين وآثرت رضاه ، والله يعصمني وإياه ، وأشهدت الله على نفسي بذلك وكفى بالله شهيداً .

وكتبت بخطي بحضرة أميرالمؤمنين أطال الله بقاءه ، والفضل بن سهل ، وسهل بن الفضل ، ويحيى بن أكثم ، وعبد الله بن طاهر ، وثمامة بن أشرس ، وبشر بن المعتمر ، وحماد بن النعمان، في شهر رمضان سنة إحدى ومأتين .

الشهود على جانب الأيمن: شهد يحيى بن أكثم على مضمون هذا المكتوب ظهره وبطنه، وهو يسأل الله أن يعرف أمير المؤمنين وكافة المسلمين ببركة هذا العهد والميثاق ، وكتب بخطه في التاريخ المبين فيه .

عبد الله بن طاهر بن الحسين: أثبت شهادته فيه بتاريخه .

شهد حماد بن النعمان بمضمونه ظهره وبطنه ، وكتب بيده في تاريخه .

بشر بن المعتمر يشهد بمثل ذلك الشهود على الجانب الأيسر .

ورسم أمير المؤمنين أطال الله بقاءه قراءه هذه الصحيفة التي هي صحيفة الميثاق ، نرجو أن يجوز بها الصراط ظهرها وبطنها ، بحرَم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله بين الروضة والمنبر على رؤس الأشهاد بمرأى ومسمع من وجوه بني هاشم وساير الأولياء والأجناد ، بعد استيفاء شروط البيعة عليهم بما أوجب أمير المؤمنين الحجة به على جميع المسلمين ، ولتبطل الشبهة التي كانت اعترضت آراء الجاهلين ، مَا كَانَ الله لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ . وكتب الفضل بن سهل بأمر أميرالمؤمنين بالتاريخ فيه ).

وقال ابن الجوزي في المنتظم(10/99): (قال هبة الله بن الفضل بن صاعد الكاتب: هذا العهد رأيته بخط المأمون ، ابتاعه خالي يحيى بن صاعد بمائتي دينار ، وحمله إلى سيف الدولة صدقة بن منصور ، وكان فيه خطوط جماعة من الكتاب ، مثل: الصولي عبد الله بن العباس ، والوزير المغربي).

مجلس مراسم البيعة للإمام عليه السلام بولاية العهد

قال المفيد في الإرشاد(2/261) وابن الصباغ في الفصول المهمة (2/1005) وأبو الفرج في مقاتل الطالبيين/375 ، وغيرهم: (ذكر جماعة من أصحاب السِير ورواة الأخبار بأيام الخلفاء ،أن المأمون لما أراد ولاية العهد للرضا عليه السلام وحدث نفسه بذلك وعزم عليه ، أحضرالفضل بن سهل فأعلمه بما قد عزم عليه، وأمره مشاورة بالإجتماع مع أخيه الحسن على ذلك ففعل واجتمعا وحضرا عند المأمون ، فجعل الحسن يُعَظِّم ذلك عليه ويعرفه ما في إخراج الأمر من أهل بيته ، فقال له المأمون: إني عاهدت الله أني إن ظفرت بالمخلوع أخرجت الخلافة إلى أفضل آل أبي طالب ، وما أعلم أحداً أفضلَ من هذا الرجل على وجه الأرض، ولابد من ذلك . فلما رأيا تصميمه وعزيمته على ذلك أمسكا عن معارضته فقال: تذهبان الآن إليه وتخبرانه بذلك عني وتلزمانه به ، فذهبا إلى الرضا عليه السلام وأخبراه بذلك وإلزام المأمون له بذلك فامتنع منه ، فلم يزالا به حتى أجاب على أنه لا يأمر ولا ينهى ولا يولي ولا يعزل ولا يتكلم بين اثنين في حكم ولا يغير شيئاً هو قائم على أُصوله ، فأجابه المأمون إلى ذلك .

ثم إن المأمون جلس مجلساً خاصاً لخواص أهل دولته من الأُمراء والوزراء والحجّاب والكتَّاب وأهل الحل والعقد ، وكان ذلك في يوم الخميس وأحضرهم ، فلما حضروا قال للفضل بن سهل: أخبر الجماعة الحاضرين برأي أميرالمؤمنين في الرضا علي بن موسى، وأنه ولاّه عهده وأمرهم بلبس الخُضْرِة والعود لبيعته في الخميس الآخر، وأخذ أعطياتهم وأرزاقهم سنة على حكم التعجيل ، ثم صرفهم .

فلما كان الخميس الثاني حضر الناس، وجلسوا على مقادير طبقاتهم ومنازلهم كلٌّ في موضعه، وجلس المأمون ، ثمّ جيئَ بالرضا عليه السلام فجلس بين وسادتين عظيمتين وضعتا له وهو لابس الخضرة ، وعلى رأسه عمامة مقلد بسيف ، فأمر المأمون ابنه العباس بالقيام إليه والمبايعة له أول الناس ، فرفع الرضا عليه السلام يده فتلقى بها وجه نفسهِ وببطنها وجوههم وحطَّها من فوق ، فقال له المأمون: أبسط يدك للبيعة ، فقال الرضا عليه السلام : هكذا كان يبايع رسول الله صلى الله عليه وآله يضع يده فوق أيديهم ، فقال: إفعل ما ترى .

ثمّ وُضِعت بِدَر الدراهم والدنانير، وقطع الثياب ، والخِلَع ، وقام الخطباء والشعراء وذكروا ما كان أمر المأمون وولاية عهده للرضا ، وذكروا فضل الرضا عليه السلام .

وفرقت الصِّلات والجوائز على الحاضرين على قدر مراتبهم ، وفُرِّقت في ذلك اليوم أموال عظيمة .

ثم إن المأمون قال للرضا: قم واخطب الناس ، فقام وتكلم ، فحمد الله وأثنى عليه وثنى بذكر نبيه محمد صلى الله عليه وآله وقال: أيها الناس إن لنا عليكم حقاً برسول الله صلى الله عليه وآله ولكم علينا حقٌّ به ، فإذا أديتم إلينا ذلك وجب لكم علينا الحقُّ لكم ، والسلام .

ولم يسمع منه في هذا المجلس غير هذا ! وخطب للرضا بولاية العهد في كل بلد ، وخطب عبد الجبار بن سعيد في تلك السنة على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله بالمدينة الشريفة فقال في الدعاء للرضا وهو على المنبر: وليُّ عهد المسلمين علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام وأنشد:

ستة آباؤهم ما همْ همُ

 

أفضـلُ من يشـرب صَوْبَ الغَمام

ثم دعا أبوعباد بالعباس بن المأمون ، فوثب فدنا من أبيه فقبل يده ، وأمره بالجلوس، ثم نودي محمد بن جعفر بن محمد وقال له الفضل بن سهل: قم ، فقام فمشى حتى قرب من المأمون فوقف ولم يقبل يده ، فقيل له: إمض فخذ جائزتك وناداه المأمون: إرجع يا أبا جعفر إلى مجلسك فرجع، ثم جعل أبوعباد يدعو بعلوي وعباسي فيقبضان جوائزهما حتى نفدت الأموال .

وذكر المديني قال: لما جلس الرضا ذلك المجلس وهو لابس تلك الخلع ، والخطباء يتكلَّمون وتلك الألوية تخفق على رأسه ، نظر أبو الحسن الرضا إلى بعض مواليه الحاضرين ممن كان يختصُّ به ، وقد داخله من السرور مالا عليه من مزيد ، وذلك لمِا رأى، فأشار إليه الرضا فدنا منه وقال له في أُذنه سراً: لا تشغل قلبك بهذا الأمر ، ولا تستبشر به ، فإنه شيئٌ لا يتم )!

قال القاضي النعمان المغربي في شرح الأخبار(3/341): ( ثم جلس المأمون في يوم الخميس بعد أربعة أيام فأذن للناس فدخلوا ، والرضا في المجلس الذي كان فيه بويع ، والفضل بينهما على كرسي ، والعباس بن المأمون على يسار أبيه على وسادة واحدة ، ومحمد بن جعفر في أول الصف يسرة ، وعبد الله بن الحسن بن عبد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام على اليمين دون إسحاق بن موسى بن عيسى بن محمد بن علي بن إسماعيل بن عبد الله بن العباس ، والى جنب عبد الله بن الحسن بن الفضل ، ثم عبد الصمد . ثم دخل باقي الطالبيين والعباسيين ، وأُجلسوا دون هؤلاء في الإيوان متصلين بهم ، وأقيم للناس سماطين على رسومهم ، وأُتيَ بالمال فصبوا بِدَراً في وسط الدار ، وقالت الخطباء والشعراء ، فذكروا فضل أميرالمؤمنين وما كان منه في الشعر ، وذكر فضل علي بن أبي طالب عليه السلام .

ثم قام أبو العباد في آخر الإيوان ، فبدأ بالعباس بن المأمون ، فقام العباس ، فدنا من أبيه فقبل يده وأمره بالجلوس .

ثم نادى محمد بن جعفر بن محمد ، فلم يقم ، فأشار إليه الفضل أن قم ، فقام فدنا من أمير المؤمنين ثم مضى نحو حارسه ، وهكذا كانت السنة عندهم ، فلما كان في وسط الإيوان ناداه المأمون: يا أبا جعفرإرجع إلى مجلسك . ثم نودي بعلوي وعباسي ، حتى انفض المجلس. وأعطى محمدبن جعفر ستين ألف دينار، وأعطى كذلك عبد الله بن الحسن، وعيسى بن يعقوب، وعبد الصمد بن علي، وإسحاق بن موسى، وعيسى لكل واحد منهم ستين ألف دينار .

وأعطى علي بن الحسن وزيد العلوي أربعين ألف دينار. وأعطى إسماعيل بن موسى وغيره من الطالبيين لكل واحد منهم ثلاثين ألف دينار.

وجلس علي بن موسى في مجلس المأمون يوم الجمعة بعد الصلاة .

ودخل الناس إليه كما كانوا يدخلون إلى المأمون. وطرَّز الطراز وضرب السكة باسمه، وزوج المأمون ابنته أم الفضل من محمد بن علي بن موسى).

وروى الصدوق في العيون(2/264): (عن الريان بن شبيب خال المعتصم أن المأمون لما أراد أن يأخذ البيعة لنفسه بإمرة المؤمنين ولأبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام بولاية العهد ولفضل بن سهل بالوزارة أمر بثلاثة كراسي فنصبت لهم فلما قعدوا عليها أذن للناس فدخلوا يبايعون فكانوا يصفقون بايمانهم على أيمان الثلاثة من أعلى الإبهام إلى الخنصر ويخرجون حتى بايع في آخر الناس فتى من الأنصار ، فصفق بيمينه من أعلى الخنصر إلى أعلى الإبهام فتبسم أبو الحسن الرضا عليه السلام ثم قال: كل من بايعنا بايع بفسخ البيعة غير هذا الفتى فإنه بايعنا بعقدها !

فقال المأمون: وما فسخ البيعة من عقدها ؟ قال أبو الحسن عليه السلام : عقد البيعة هو من أعلى الخنصر إلى أعلى الابهام وفسخها من أعلى الابهام إلى أعلى الخنصر قال : فماج الناس في ذلك وأمر المأمون بإعادة الناس إلى البيعة على ما وصفه أبو الحسن عليه السلام وقال الناس: كيف يستحق الإمامة من لا يعرف عقد البيعة ؟ أن من علم لأولى بها ممن لا يعلم . قال فحمله ذلك على ما فعله من سُمه )!

تهنئة الشاعر دعبل الخزاعي للإمام عليه السلام

قال الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/153)حدثنا الحاكم البيهقي قال: لما ولي الرضا عليه السلام العهد خرج إليه إبراهيم بن العباس (الصولي) ودعبل بن علي وكانا لا يفترقان ، ورزين بن علي أخو دعبل.. أنشده دعبل:

مدارس آيات خلت من تلاوة

 

ومنزل وحـي مقفـر العرصـات

وأنشده إبراهيم بن العباس :

أزالـت عناء القلـب بعد التجلـد

 

مصارع أولاد النبي محمد

فوهب لهما عشرين ألف درهم من الدراهم عليها إسمه ، كان المأمون أمر بضربها في ذلك الوقت قال: فأما دعبل فصار بالعشرة آلاف التي حصته إلى قوم فباع كل درهم بعشرة دراهم ، فتخلصت له مأة ألف درهم .

وأما إبراهيم فلم يزل عنده بعد أن أهدى بعضها وفرق بعضها على أهله ، إلى أن توفي رحمه الله وكفنه وجهازه منها ) .

وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/296): (عن عبد السلام الهروي قال سمعت دعبل يقول لما أنشدت مولاي الرضا عليه السلام قصيدتي التي أولها :

مدارس آيات خلت من تلاوة

 

ومنزل وحـي مقفـر العرصـات

فلما انتهيت إلى قولي:

خروج إمام لا محالة خارج

 

يقـوم على اسـم الله والبركـات

يميز فينا كل حق وباطل

 

ويجزي على النعماء والنقمات

بكى الرضا عليه السلام بكاء شديداً ثم رفع رأسه إلي فقال لي: ياخزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين فهل تدري من هذا الامام ومتى يقوم ؟ فقلت: لا يا سيدي إلا إني سمعت بخروج إمام منكم يطهرالأرض من الفساد ويملؤها عدلاً.

فقال: يا دعبل الإمام بعدي محمد ابني ، وبعد محمد ابنه علي ، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً . وأما متى فإخبار عن الوقت ولقد حدثني أبي عن أبيه عن آبائه عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قيل له: يا رسول الله متى يخرج القائم من ذريتك؟ فقال: مَثَله مَثَل الساعة: لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرض لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً ).

وفي العيون(2/294):(عبد السلام الهروي:دخل دعبل الخزاعي على علي بن موسى الرضا عليه السلام بمرو فقال له: يا ابن رسول الله إني قد قلت فيك قصيدة ، وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحداً قبلك فقال عليه السلام : هاتها فأنشده:

مدارس آيات خلت من تلاوة

 

ومنزل وحـي مقفـر العرصـات

فلما بلغ إلى قوله:

أرى فيئهـم في غيرهـم متقسـماً

 

وأيديهـم من فيئهـم صفـرات

بكى أبو الحسن الرضا عليه السلام وقال له: صدقت يا خزاعي . فلما بلغ إلى قوله:

إذا وتروا مدوا إلى واتريهم

 

أكفـاً عـن الأوتـار منقبضـات

جعل أبو الحسن عليه السلام يقلب كفيه ويقول: أجل والله منقبضات . فلما بلغ إلى قوله :

لقـد خفـت في الدنيا وأيام سعيها

 

وإني لأرجو الامن بعد وفاتي

قال الرضا عليه السلام : آمنك الله يوم الفزع الأكبر .

فلما انتهى إلى قوله:

وقبر ببغداد لنفس زكية

 

تضمنهـا الرحمـن في الغـرفـات

قال له الرضا عليه السلام : أفلا الحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك؟

فقال: بلى يا ابن رسول الله ، فقال عليه السلام :

وقبر بطوس يا لها من مصيبة

 

توقـد في الأحشـاء بالحرقـات

إلى الحشـر حتى يبعـث الله قائـماً

 

يفرج عنا الهم والكربات

فقال دعبل: يا ابن رسول الله هذا القبر الذي بطوس قبر من هو؟فقال الرضا عليه السلام : قبري ولا تنقضي الأيام والليالي حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزواري. ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة مغفوراً له .

ثم نهض الرضا عليه السلام بعد فراغ دعبل من إنشاده القصيدة وأمره أن لا يبرح من موضعه فدخل الدار فلما كان بعد ساعة خرج الخادم إليه بمائة دينار رضوية ، فقال له: يقول لك مولاي: إجعلها في نفقتك ، فقال دعبل: والله ما لهذا جئت ، ولا قلت هذه القصيدة طمعاً في شئ يصل إلي ورد الصرة وسأل ثوباً من ثياب الرضا عليه السلام ليتبرك به ويتشرف ، فأنفذ إليه الرضا عليه السلام جبة خز مع الصرة وقال الخادم: قل له: يقول لك: خذ هذه الصرة فإنك ستحتاج إليها ولا تراجعني فيها ، فأخذ دعبل الصرة والجبة وانصرف ، وسار من مرو في قافلة ، فلما بلغ ميان قوهان وقع عليهم اللصوص ، وأخذوا القافلة بأسرها وكتفوا أهلها ، وكان دعبل فيمن كتف ، وملَك اللصوص القافلة وجعلوا يقسمونها بينهم فقال رجل من القوم متمثلاً بقول دعبل من قصيدته:

أرى فيئهـم في غيرهـم متقسـماً

 

وأيديهـم من فيئهـم صفـرات

فسمعه دعبل فقال له: لمن هذا البيت ؟ فقال له: لرجل من خزاعة يقال له: دعبل بن علي ، فقال له دعبل: فأنا دعبل بن علي قائل هذه القصيدة التي منها هذا البيت ، فوثب الرجل إلى رئيسهم وكان يصلي على رأس تل وكان من الشيعة فأخبره ، فجاء بنفسه حتى وقف على دعبل قال له: أنت دعبل؟فقال: نعم ، فقال له: أنشد القصيدة، فأنشدها فحل كتافه وكتاف جميع أهل القافلة ورد إليهم جميع ما أخذ منهم لكرامة دعبل ، وسار دعبل حتى وصل إلى قم فسأله أهل قم أن ينشدهم القصيدة ، فأمرهم أن يجتمعوا في مسجد الجامع ، فلما اجتمعوا صعد دعبل المنبر فأنشدهم القصيدة ، فوصله الناس من المال والخلع بشئ كثير ، واتصل بهم خبر الجبة ، فسألوه أن يبيعها منهم بألف دينار فامتنع من ذلك ، فقالوا له: فبعنا شيئاً منها بألف دينار ، فأبى عليهم ، وسار عن قم ، فلما خرج من رستاق البلد لحق به قوم من أحداث العرب فأخذوا الجبة منه ، فرجع دعبل إلى قم فسألهم رد الجبة عليه ، فامتنع الأحداث من ذلك ، وعصوا المشايخ في أمرها وقالوا لدعبل: لا سبيل لك إلى الجبة ، فخذ ثمنها ألف دينار فأبى عليهم ، فلما يئس من رد الجبة عليه سألهم أن يدفعوا إليه شيئاً منها فأجابوه إلى ذلك فأعطوه بعضها ، ودفعوا إليه ثمن باقيها ألف دينار ، وانصرف دعبل إلى وطنه فوجد اللصوص قد أخذوا جميع ما كان له في منزله ، فباع المائة دينار التي كان الرضا عليه السلام وصله بها من الشيعة كل دينار بمائة درهم، فحصل في يده عشرة آلاف درهم ، فتذكر قول الرضا عليه السلام : إنك ستحتاج إليها ، وكانت له جارية لها من قلبه محل فرمدت رمداً عظيماً فأدخل أهل الطب عليها ، فنظروا إليها فقالوا: أما العين اليمني فليس لنا فيها حيلة وقد ذهبت ، أما اليسري فنحن نعالجها ونجتهد ونرجو أن تسلم ، فاغتم دعبل لذلك غما شديداً ، وجزع عليها جزعا عظيماً ثم إنه ذكر ما معه من فضلة الجبة فمسحها على عيني الجارية وعصبها بعصابة منها من أول الليل ، فأصبحت وعيناها أصح مما كانتا ببركة أبي الحسن الرضا عليه السلام ).

وحدث المرزباني( العيون:2/248): أن دعبل الخزاعي هجا المأمون بقوله :

أيسومني المأمون خطة عاجز

 

أو ما رأى بالأمس رأس محمد

إني من القوم الذين همُ همُ

 

قتلـوا أخـاك وشرفـوك بمقعـد

فطلبه المأمون فاستتر منه ، إلى أن بلغه أنه هجا إبراهيم بن المهدي بقوله :

إن كـان إبراهيـم مضطلعـاً بها

 

فلتصلحـنْ من بعده لمخـارق

فضحك المأمون وقال: قد وهبته ذنبه فليظهر. فسار إليه ، فكان أول داخل عليه .ولما قدم على المأمون وأمنه ، استنشده القصيدة الكبيرة :

تأسفـت جـارتي لمـا رأت زوري

 

وعـدت الحلم ذنبا غـير مغتفــر

فأنكرها ، فقال المأمون: لك الأمان أيضاً على إنشادها فأنشدها حتى إذا بلغ:

يا أمـة السوء ما جازيت أحمد عن

 

حسـن البلاء على التنزيل والسور

خلفتموه على الأبناء حين مضـى

 

خـلافـة الذئب في أبقار ذي بقر

قتلٌ وأسرٌ وتحريقٌ ومنهبةٌ

 

فعـل الغـزاة بأرض الـروم والخزر

أرى أمية معذورين إن قتلوا

 

ولا أرى لـبني العباس مـن عـذر

قومٌ قتلتـم على الإسـلام أولهـم

 

حتى إذا استمكنوا جازوا على الكفر

قـبران في طوس خير الناس كلهم

 

وقبر شرهم هذا من العبر

ما ينفع الرجس من قبر الزكي ولا

 

على الزكي بقبر الرجس من ضرر

هيهات كل امرئ رهن بما كسبت

 

يداه فخذ ما شئت أو فذر

قال: فضرب المأمون بعمامته إلى الأرض وقال: صدقت يا دعبل)!

أقول: لقد رضي المأمون بحكم دعبل على أبيه هارون ، وقبل مدحه للرضا عليه السلام .

ولدعبل مقام عظيم عند الأئمة عليهم السلام ، بجهاده كل عمره ودفاعه عن أهل البيت عليهم السلام .

وقد يبلغ مقامه الكميت بن زيد الأسدي رحمه الله الذي أشبهه في التشرد من السلطان ، ولا يبلغه مقامهما أبو نواس وإن فاز بدعوة الإمام الرضا عليه السلام .

أبو نواس الحسن بن هاني بن عبد الأول

روى في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/155) وبشارة المصطفى للطبري الشيعي/133، بسند صحيح عن إبراهيم بن هاشم ، عن ياسر الخادم قال: (لما جعل المأمون علي بن موسى الرضا عليه السلام ولي عهده وضربت الدراهم باسمه وخُطب له على المنابر، قصده الشعراء من جميع الآفاق فكان في جملتهم أبو نواس الحسن بن هاني، فمدحه كل شاعر بما عنده إلا أبا نؤاس فإنه لم يقل فيه شيئاً ، فعاتبه المأمون وقال له:يا أبا نواس أنت مع تشيعك وميلك إلى أهل هذا البيت تركت مدح علي بن موسى مع اجتماع خصال الخيرفيه ، فأنشأ يقول:

قيل لي أنت أشعر الناس طراً

 

إذ تفوهت بالكلام البديه

لك من جـوهـر القريـض مديـح

 

يثمر الدر في يدي مجتنيه

فلماذا تركت مدح ابن موسى

 

والخصال التي تجمعن فيه

قلت لا أستطيع مدح إمام

 

كان جبريل خادماً لأبيه

قـصرت ألسـن المـدايـح عنه

 

ولهذا القريض لا يحتويه

قال: فدعا بحُقة لؤلؤ فحشا فاه لؤلؤاً ، وهكذا فعل بعلي بن هامان لما جلس علي بن موسى عليه السلام في الدست قال له المأمون: يا علي بن هامان ما تقول في علي بن موسى وأهل هذا البيت؟ فقال:يا أمير المؤمنين ما أقول في طينة عجنت بماء الحيوان ، وغرس غرس بماء الوحي والرسالة ، هل ينفح منها إلا رائحة التقى وعنبر الهدى ، فحشا أيضاً فاه لؤلؤاً .

قال ياسر: خرج علينا علي بن موسى الرضا عليه السلام من دار المأمون راكباً بغلة فارهة ، بمراكب حسنة وعليه ثياب فاخرة وكان الرضا عليه السلام أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وكل من رأى رسول الله في المنام رآه في صورته ، فاستقبله أبو نواس فسلم عليه وقال: يا ابن رسول الله قد قلت فيك أبياتاً فأحب أن تسمعها مني: قال هات ، فأنشأ يقول:

مطهـرون نقيـاتٌ جيـوبهـم

 

تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا

الله لما برى خلقاً فأتقنه

 

صفَّاكم واصطفاكم أيها البشـر

فأنتم الملأ الأعلى وعندكمُ

 

علم الكتاب وما جاءت به السور

من لم يكـن علـوياً حـين تنسبه

 

فما له في قديـم الدهـر مفتـخر

فقال له الرضا عليه السلام :يا حسن بن هاني قد قلت أبياتاً لم تسبق إلى مثلها ، فأحسن الله جزاك . ثم قال لغلامه: كم معنا من النفقة؟ قال: ثلاث مائة دينار، قال: إحملها إلى أبي نواس، فلما رجع الغلام قال له:يا غلام لعله استقلها ، سُق إليه البغلة ).

أقول: فاز أبو النواس الخليع الماجن الفاسق بدعوة الإمام الرضا عليه السلام بأن يجزيه الله تعالى أحسن الجزاء على أبياته الأربعة التي لم يسبقه الى مثلها أحد .

ودعوة الإمام عليه السلام مستجابة ، فقد فاز أبو نواس بحسن الجزاء على حسن أبياته ! ولا يرضى له الله تعالى له بأقل من المغفرة والجنة .

وكان ذلك في أواخر أيام أبي نواس ، وكان تقدم في السن وندم على معاصيه وأثبت ذلك في قصائده ، وكفى بالندم توبة ، قال في ديوانه (1/834):

(ولقد نهـزت مع الغوات بدلوهم

 

وأسمتُ صرح اللهوحيث أساموا

وبلغـت مـا بلـغ امـرؤ بشبابـه

 

فإذا عصارة كل ذاك آثام ).

طلب المأمون من الإمام عليه السلام أن يصلي صلاة العيد

روى الصدوق في العيون(2/161): (فلما حضر العيد (بعد بيعة ولاية العهد) بعث المأمون إلى الرضا عليه السلام يسأله أن يركب ويحضر العيد ويخطب لتطمئن القلوب ويعرفه الناس ويعرفوا فضله ، وتقر قلوبهم على هذه الدولة المباركة ، فبعث إليه الرضا عليه السلام وقال: قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخولي في هذا الأمر ، فقال المأمون: إنما أريد بهذا أن يرسخ في قلوب العامة والجند والشاكرية هذا الأمر ، فتطمئن قلوبهم ويقروا بما فضلك الله به ، فلم يزل يرده الكلام في ذلك ، فلما ألح عليه قال: يا أمير المؤمنين إن أعفيتني من ذلك فهو أحب إلي ، وإن لم تعفني خرجت كما كان يخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وكما خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقال المأمون: أخرج كما تحب ، وأمر المأمون القواد والناس أن يبكروا إلى باب أبي الحسن الرضا عليه السلام ، فقعد الناس لأبي الحسن الرضا في الطرقات والسطوح ، من الرجال والنساء والصبيان ، واجتمع القواد على باب الرضا عليه السلام فلما طلعت الشمس قام الرضا فاغتسل وتعمم بعمامة بيضاء من قطن وألقى طرفاً منها على صدره وطرفاً بين كتفه وتشمر ، ثم قال لجميع مواليه: إفعلوا مثل ما فعلت ، ثم أخذ بيده عكازة وخرج ، ونحن بين يديه وهو حاف قد شمر سراويله إلى نصف الساق ، وعليه ثياب مشمرة ، فلما قام ومشينا بين يديه ، رفع رأسه إلى السماء وكبر أربع تكبيرات ، فخيل إلينا أن الهواء والحيطان تجاوبه ، والقواد والناس على الباب قد تزينوا ولبسوا السلاح وتهيئوا بأحسن هيئة ، فلما طلعنا عليهم بهذه الصورة حفاة قد تشمرنا وطلع الرضا عليه السلام وقف وقفة على الباب قال: الله أكبر الله أكبر. الله أكبر على ما هدانا . الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام ، والحمد لله على ما أبلانا ، ورفع بذلك صوته ، ورفعنا أصواتنا فتزعزعت مرو من البكاء والصياح ، فقالها ثلاث مرات ، فسقط القواد عن دوابهم ورموا بخفافهم لما نظروا إلى أبي الحسن عليه السلام وصارت مرو ضجة واحدة ، ولم يتمالك الناس من البكاء والضجيج وكان أبو الحسن عليه السلام يمشي ويقف في كل عشر خطوات وقفة ، فكبر الله أربع مرات ، فتخيل إلينا أن السماء والأرض والحيطان تجاوبه ، وبلغ المأمون ذلك فقال له الفضل بن سهل ذو الرياستين: يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس ، فالرأي أن تسأله أن يرجع !

فبعث إليه المأمون فسأله الرجوع ! فدعا أبو الحسن عليه السلام بخفه فلبسه ورجع).

وفي روضة الواعظين للفتال النيشابوري/227: (قال ياسرالخادم والريان بن الصلت جميعاً: لما حضرالعيد وكان قد عقد للرضا عليه السلام بولاية العهد بعث إليه المأمون في الركوب إلى العيد والصلاة بالناس والخطبة بهم ، فبعث إليه الرضا عليه السلام قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخول الأمر فاعفني من الصلاة بالناس ، فقال المأمون: إنما أردت أن يطمئن قلوب الناس ، ويعرفوا فضلك ، ولم يزل يتردد الرسل بينهم في ذلك فلما ألح عليه في ذلك المأمون أرسل إليه ان أعفيتني فهوأحب إليَّ ، وإن لم تعفني خرجت كما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وأميرالمؤمنين عليه السلام ..الخ.

وفيه: فقال له الفضل بن سهل ذوالرياستين يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس وخفنا كلنا على دمائنا ، فأنفذ إليه أن يرجع ، فبعث إليه المأمون قد كلفناك شططاً وأتعبناك ولسنا نحب أن يلحقك أذى ، فارجع وليصلى بالناس من كان يصلي بهم على رسمه ، فدعا أبوالحسن عليه السلام بخفه فلبسه ، وركب ورجع واختلف أمر الناس في ذلك اليوم ، ولم ينتظم في صلاتهم )!

ثم طلبوا من الإمام عليه السلام أن يصلي صلاة الاستسقاء

روى الصدوق في العيون(2/179): عن الإمام الحسن بن علي العسكري عن أبيه علي بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي عليهم السلام : (أن الرضا عليه السلام علي بن موسى لما جعله المأمون ولي عهده احتبس المطر، فجعل بعض حاشية المأمون والمتعصبين على الرضا يقولون أنظروا لما جاءنا علي بن موسى عليه السلام وصار ولي عهدنا ، فحبس الله عنا المطر !

واتصل بالمأمون فاشتد عليه فقال للرضا عليه السلام : قد احتبس المطر ، فلو دعوت الله عزّ وجلّ أن يمطر الناس فقال الرضا عليه السلام : نعم ، قال: فمتى تفعل ذلك؟ وكان ذلك يوم الجمعة ، قال: يوم الإثنين فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أتاني البارحة في منامي ومعه أمير المؤمنين علي عليه السلام وقال: يا بني انتظر يوم الإثنين فابرز إلى الصحراء واستسق ، فإن الله تعالى سيسقيهم وأخبرهم بما يريك الله مما لا يعلمون من حالهم ، ليزداد علمهم بفضلك ومكانك من ربك عزّ وجلّ .

فلما كان يوم الإثنين غدا إلى الصحراء وخرج الخلائق ينظرون ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: اللهم يا رب أنت عظمت حقنا أهل البيت فتوسلوا بنا كما أمرت ، وأملوا فضلك ورحمتك ، وتوقعوا إحسانك ونعمتك ، فاسقهم سقياً نافعاً عاماً غير رايث ولا ضائر ، وليكن ابتداء مطرهم بعد انصرافهم من مشهدهم هذا إلى منازلهم ومقارهم !

قال: فو الذي بعث محمد بالحق نبياً صلى الله عليه وآله لقد نسجت الرياح في الهواء الغيوم وأرعدت وأبرقت وتحرك الناس كأنهم يريدون التنحي عن المطر، فقال الرضا عليه السلام :على رسلكم أيها الناس فليس هذا الغيم لكم ، إنما هو لأهل بلد كذا ، فمضت السحابة وعبرت ثم جاءت سحابة أخرى تشتمل على رعد وبرق فتحركوا فقال: على رسلكم فما هذه لكم ، إنما هي لأهل بلد كذا ، فما زالت حتى جاءت عاشر سحابة وعبرت ويقول علي بن موسى الرضا عليه السلام : في كل واحدة: على رسلكم ليست هذه لكم إنما هي لأهل بلد كذا ، ثم أقبلت سحابة حادية عشر فقال: أيها الناس هذه سحابة بعثها الله عزّ وجلّ لكم فاشكروا الله على تفضله عليكم ، وقوموا إلى مقاركم ومنازلكم ، فإنها مسامة لكم ولرؤوسكم ، ممسكة عنكم إلى أن تدخلوا إلى مقاركم ، ثم يأتيكم من الخير ما يليق بكرم الله تعالى وجلاله !

ونزل من على المنبر وانصرف الناس فما زالت السحابة ممسكة الى أن قربوا من منازلهم ثم جاءت بوابل المطر فملئت الأودية والحياض والغدران والفلوات ! فجعل الناس يقولون: هنيئا لولَد رسول الله صلى الله عليه وآله كرامات الله عزّ وجلّ .

ثم برز إليهم الرضا عليه السلام وحضرت الجماعة الكثيرة منهم فقال: يا أيها الناس اتقوا الله في نعم الله عليكم فلا تنفروها عنكم بمعاصيه ، بل استديموها بطاعته وشكره على نعمه وأياديه ، واعلموا أنكم لا تشكرون الله بشئ بعد الإيمان بالله وبعد الإعتراف بحقوق أولياء الله من آل محمد رسول الله صلى الله عليه وآله أحب إليه من معاونتكم لإخوانكم المؤمنين على دنياهم ، التي هي معبر لهم إلى جنان ربهم ، فإن من فعل ذلك كان من خاصة الله تبارك وتعالى ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك قولاً ما ينبغي لقائل أن يزهد في فضل الله عليه فيه إن تأمله وعمل عليه . قيل يا رسول الله هلك فلان يعمل من الذنوب كيت وكيت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : بل قد نجا ولا يختم الله عمله إلا بالحسنى، وسيمحوا الله عنه السيئات ويبدلها حسنات ، إنه كان يمر مرة في طريق عرض له مؤمن قد انكشفت عورته وهو لا يشعر ، فسترها عليه ولم يخبره مخافة أن يخجل ، ثم أن ذلك المؤمن عرفه في مهواه ، فقال له: أجزل الله لك الثواب وأكرم لك المآب ، ولا ناقشك في الحساب ، فاستجاب الله له فيه . فهذا العبد لا يختم الله له إلا بخير بدعاء ذلك المؤمن ، فاتصل قول رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا الرجل فتاب وأناب ، وأقبل على طاعة الله عزّ وجلّ ، فلم يأت سبعة أيام حتى أغير على سرح المدينة فوجه رسول الله صلى الله عليه وآله في أثرهم جماعة ذلك الرجل أحدهم ، فاستشهد فيهم ).

معجزة للإمام الرضا عليه السلام بعد صلاة الإستسقاء!

روى الصدوق في العيون(2/180): (قال: الإمام محمد بن علي بن موسى عليهم السلام : (وعظم الله تبارك وتعالى البركة في البلاد بدعاء الرضا عليه السلام وقد كان للمأمون من يريد أن يكون هو ولي عهده من دون الرضا عليه السلام وحساد كانوا بحضرة المأمون للرضا عليه السلام فقال للمأمون بعض أولئك:يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تكون تاريخ الخلفاء في إخراجك هذا الشرف العميم والفخر العظيم من بيت ولد العباس إلى بيت ولد علي! لقد أعنت على نفسك وأهلك ، جئت بهذا الساحر ولد السحرة وقد كان خاملاً فأظهرته ، ومتضعاً فرفعته ومنسياً فذكَّرت به ، ومستخفاً فنوَّهت به ! قد ملأ الدنيا مخرقة وتشوفاً بهذا المطر الوارد عند دعائه ! ما أخوفني أن يخرج هذا الرجل هذا الأمر عن ولد العباس إلى ولد علي؟ بل ما أخوفني أن يتوصل بسحره إلى إزالة نعمتك والتواثب على مملكتك ، هل جنى أحد على نفسه وملكه مثل جنايتك !

فقال المأمون: كان هذا الرجل مستتراً عنا يدعو إلى نفسه فأردنا أن نجعله ولي عهدنا ليكون دعاؤه لنا وليعترف بالملك والخلافة لنا ، وليعتقد فيه المفتونون به أنه ليس مما ادعى في قليل ولا في كثير ، وأن هذا الأمر لنا دونه وقد خشينا إن تركناه على تلك الحالة أن ينفتق علينا منه ما لا نسده ، ويأتي علينا منه ما لا نطيقه ، والآن فإذ قد فعلنا به ما فعلناه وأخطأنا في أمره بما أخطأنا وأشرفنا من الهلاك بالتنويه به على ما أشرفنا ، فليس يجوز التهاون في أمره ولكنا نحتاج أن نضع منه قليلاً قليلاً حتى نصوره عند الرعايا بصورة من لا يستحق لهذا الأمر ، ثم ندبر فيه بما يحسم عنا مواد بلائه !

قال الرجل: يا أمير المؤمنين فولني مجادلته فإني أفحمه وأصحابه وأضع من قدره فلولا هيبتك في نفسي لأنزلته منزلته وبينت للناس قصوره عما رشحته له ، قال المأمون:ما شئ أحب إليَّ من هذا . قال: فاجمع جماعة وجوه مملكتك من القواد والقضاة وخيار الفقهاء ،لأبين نفضه بحضرتهم فيكون أخذاً له عن محله الذي أحللته فيه على علم منهم بصواب فعلك ، قال: فجمع الخلق الفاضلين من رعيته في مجلس واسع قعد فيه لهم، وأقعد الرضا بين يديه في مرتبته التي جعلها له فابتدأ هذا الحاجب المتضمن للوضع من الرضا عليه السلام وقال له: إن الناس قد أكثروا عنك الحكايات ، وأسرفوا في وصفك بما أرى إنك أن وقفت عليه برئت إليهم منه . قال: وذلك أنك قد دعوت الله في المطرالمعتاد مجيئه فجاء ، فجعلوه آية معجزة لك ، أوجبوا لك بها أن لا نظير لك في الدنيا، وهذا أميرالمؤمنين أدام الله ملكه وبقاءه لايوازي بأحد إلا رجح به ، وقد أحلك المحل الذي قد عرفت ، فليس من حقه عليك أن تسوغ الكاذبين لك وعليه ما يتكذبونه !

فقال الرضا عليه السلام : ما أدفع عباد الله عن التحدث بنعم الله عليَّ ، وإن كنت لا أبغي أشَراً ولا بَطَراً . وأما ما ذكرك صاحبك الذي أحلني ما أحلني ، فما أحلني إلا المحل الذي أحله ملك مصر يوسف الصديق عليه السلام ، وكانت حالهما ما قد علمت !

فغضب الحاجب عند ذلك وقال: يا ابن موسى لقد عدوت طورك وتجاوزك قدرك ، أن بعث الله بمطر مقدر وقته لا يتقدم ولا يتأخر، جعلته آية تستطيل بها ، وصولةً تصول بها ، كأنك جئت بمثل آية الخليل إبراهيم عليه السلام لما أخذ رؤوس الطير بيده ، ودعا أعضائها التي كان فرقها على الجبال، فأتينه سعياً وتركبن على الرؤوس ، وخفقن وطرن بإذن الله تعالى !

فإن كنت صادقاً فيما توهم فأحيِ هذين وسلطهما عليَّ (وأشار الى صورة أسدين) فإن ذلك يكون حينئذ آية معجزة ، فأما المطر المعتاد مجيؤه فلست أنت أحق بأن يكون جاء بدعائك ، من غيرك الذي دعا كما دعوت !

وكان الحاجب أشار إلى أسدين مصورين على مسند المأمون الذي كان مستنداً إليه ، وكانا متقابلين على المسند ، فغضب علي بن موسى عليه السلام وصاح بالصورتين: دونكما الفاجر ، فافترساه ولا تبقيا له عيناً ولا أثراً !

فوثبت الصورتان وقد عادتا أسدين فتناولا الحاجب ورضضاه وهشماه وأكلاه ولحسا دمه ، والقوم ينظرون متحيرين مما يبصرون !

فلما فرغا منه أقبلا على الرضا عليه السلام وقالا: يا ولي الله في أرضه ماذا تأمرنا نفعل بهذا ؟ أنفعل به ما فعلنا بهذا يشيران إلى المأمون؟ فغشي على المأمون مما سمع منهما ، فقال الرضا عليه السلام :قفا فوقفا قال: صبوا عليه ماء ورد وطيبوه ففُعل ذلك به ، وعاد الأسدان يقولان: أتأذن لنا أن نلحقه بصاحبه الذي أفنيناه؟ قال: لا، فإن لله عزّ وجلّ فيه تدبيراً هو ممضيه . فقالا: ماذا تأمرنا ؟ قال: عودا إلى مقركما كما كنتما ، فصارا إلى المسند وصارا صورتين كما كانتا !

فقال المأمون: الحمد لله الذي كفاني شرحميد بن مهران يعني الرجل المفتَرَس ، ثم قال للرضا: يا ابن رسول هذا الأمر لجدكم رسول الله صلى الله عليه وآله ثم لكم ، فلو شئت لنزلت عنه لك ! فقال الرضا عليه السلام : لو شئت ناظرتك ولم أسألك ، فإن الله تعالى قد أعطاني من طاعة سائر خلقه مثل ما رأيت من طاعة هاتين الصورتين ، إلا جهال بني آدم ، فإنهم وإن خسروا حظوظهم فلله عزّ وجلّ فيهم تدبير ، وقد أمرني بترك الإعتراض عليك وإظهار ما أظهرته من العمل من تحت يدك ، كما أمر يوسف بالعمل من تحت يد فرعون مصر! قال: فما زال المأمون ضئيلاً في نفسه إلى أن قضى في علي بن موسى الرضا عليه السلام ما قضى ).

 

 

الفصل الثامن

حشد المأمون أنواع العلماء ليكسرالإمام عليه السلام !

المناظرة الكبرى التي أعدها المأمون للإمام عليه السلام !

بعد آيات صلاة الإستسقاء ، وآية إهلاك حميد بن مهران ، وآية إهانة الله للمأمون على على يد سفهاء مرو .. قرر المأمون أن يجمع للإمام عليه السلام مناظرين من كل الفرق ، لعل بعضهم يستطيع غلبته وكسره !

وقد روى ذلك الصدوق1في العيون(2/170)قال:(باب ذكرمجلس آخر للرضا عليه السلام عند المأمون مع أهل الملل والمقالات.. حدثنا القاسم بن محمد البرمكي قال: حدثنا أبو الصلت الهروي قال: لما جمع المأمون لعلي بن موسى‌الرضا عليه السلام أهل المقالات من أهل الإسلام والديانات من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين، وسائر المقالات، فلم يقم أحد إلا وقد ألزمه حجته، كأنه ألقم حجراً )!

فقوله: مجلس آخر يعني يوماً آخر للمناظرة . وكلام النوفلي مع الإمام عليه السلام يدلك على هدف المأمون من هذا المجلس التاريخي !

قال النوفلي وهومن الشخصيات‌الهاشمية التي قربها المأمون (العيون:2/140): (فبينا نحن في حديث لنا عند أبي الحسن الرضا عليه السلام إذ دخل علينا ياسرالخادم وكان يتولى أمر أبي الحسن عليه السلام فقال له: يا سيدي إن أمير المؤمنين يقرؤك السلام ويقول: فداك أخوك إنه أجمع إلى أصحاب المقالات وأهل الأديان والمتكلمون من جميع الملل، فرأيك في البكور إلينا إن أحببت كلامهم ، وإن كرهت ذلك فلا تتجشم ، وإن أحببت أن نصير إليك خف ذلك علينا ، فقال أبو الحسن عليه السلام : أبلغه السلام وقل له: قد علمت ما أردت وأنا صائر إليك بكرةً إن شاء الله .

قال النوفلي: فلما مضى ياسر التفت إلينا ثم قال لي: يا نوفلي أنت عراقي ورقه العراقي غير غليظه فما عندك في جمع ابن عمك علينا؟أهل الشرك وأصحاب المقالات؟ فقلت: جعلت فداك يريد الإمتحان ويحب أن يعرف ما عندك ، ولقد بنى على أساس غير وثيق البنيان ، وبئس والله ما بني فقال لي: وما بناؤه في هذا الباب؟ قلت: إن أصحاب الكلام والبدعة خلاف العلماء وذلك أن العالم لا ينكر غير المنكر وأصحاب المقالات والمتكلمون وأهل الشرك أصحاب إنكار ومباهتة إن احتججت عليهم بأن الله واحد قالوا: صحح وحدانيته. وإن قلت: إن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله قالوا: أثبت رسالته!ثم يباهتون، وهو يبطل عليهم بحجته ويغالطونه حتى يترك قوله ، فاحذرهم جعلت فداك ! قال فتبسم ثم قال لي: يا نوفلي أفتخاف أن يقطعوا على حجتي؟ فقلت: لا والله ما خفت عليك قط وإني لأرجو أن يظفرك الله بهم إن شاء الله تعالى .

فقال لي: يانوفلي أتحب أن تعلم متى يندم المأمون؟ قلت: نعم ، قال: إذا سمع إحتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم ، وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم ، وعلى أهل الزبور بزبورهم ، وعلى الصابئين بعبرانيتهم ، وعلى أهل الهرابذه بفارسيتهم ، وعلى أهل الروم بروميتهم ، وعلى أصحاب المقالات بلغاتهم! فإذا قطعت كل صنف ودحضت حجته وترك مقالته ورجع إلى قولي ، علم المأمون الموضع الذي هو سبيله ليس بمستحق له ، فعندئذ تكون الندامة ، ولا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم .

فلما أصبحنا أتانا الفضل بن سهل فقال له:جعلت فداك إن ابن عمك ينتظرك وقد اجتمع القوم فما رأيك في إتيانه ؟فقال له الرضا عليه السلام : تقدمني فإني صائر إلى ناحيتكم إن شاء الله ، ثم توضأ وضوء للصلاة وشرب شربه سويق وسقانا منه (وفي رواية: فنهض للوضوء وقال لنا: تقدموني وعمران الصابي معنا فصرنا إلى الباب فأخذ ياسر وخالد بيدي فأدخلاني على المأمون فلما سلمت قال: أين أخى أبو الحسن أبقاه الله تعالى ؟ قلت : خلفته يلبس ثيابه وأمرنا أن نتقدم . ثم خرج وخرجنا معه حتى دخلنا على المأمون وإذا المجلس غاص بأهله ومحمد بن جعفر وجماعةٌ من الطالبيين والهاشميين والقواد حضورفلما دخل الرضا عليه السلام قام المأمون وقام محمد بن جعفر وجميع بني هاشم فما زالوا وقوفاً والرضا جالس مع المأمون ، حتى أمرهم بالجلوس فجلسوا، فلم يزل المأمون مقبلاً عليه يحدثه ساعة ، ثم التفت إلى الجاثليق فقال: يا جاثليق هذا ابن عمي علي بن موسى بن جعفر وهو من ولد فاطمة بنت نبينا ، وابن علي بن طالب صلوات الله عليهم ، فأحب أن تكلمه أو تحاجه وتنصفه ...

الحضور الذين ناظرهم الإمام عليه السلام

1- الجاثليق: الأسقف الأكبر عند النصارى - في المسيحية .

2- رأس الجالوت: كبيرحاخامات اليهود - في اليهودية .

3 - عمران الصابي ، والصابئة طائفة من اليهود - في التوحيد .

4 - الهربذ جمعه هرابذة: خدم نار المجوس - في المجوسية .

5 - النسطاس بالكسر: بالرومية عالم بالطب - في المسيحية .

6- سليمان المروزي متكلم خراسان - في التوحيد .

7- علي بن محمد بن الجهم - في عصمة الأنبياء عليهم السلام .

كانت المناظرة عدة أيام ومواضيعها متعددة

وهذا طبيعي لأن النقاش يحتاج الى وقت ، فكيف إذا كان مع عدة أشخاص وأديان .

وكان بعض هذه المناظرات بحضور المأمون ، وشارك في بعضها في اليوم الأول ، وكان بعضها بدعوة الفضل بن سهل ، وبعضها في بيت الإمام عليه السلام ، كما يفهم من القرائن في حكاية المناظرات .

ويظهر أن عدداً من الرواة كانوا يكتبون ، فقد رأينأ أن قصيدة دعبل في الرضا عليه السلام أخذها وحفظها الناس حتى قطاع تاطرق ! لكن رواة المناظرات يتفاوتون في الحفظ والفهم ، لذلك تجد بعض نصوصها بليغاً قوياً ، وبعضها عادياً أو ضعيفاً ، وهذا أمر طبيعي لأن المواضيع المطروحة تخصصية لايستوعبها ويحفظ نصوصها إلا الخاصة من أهل العلم والحفظ . ومع ذلك ، فما وصل الينا من هذه المناظرات مادة غزيرة ومدهشة !

والظاهر أن النوفلي وأبا الصلت الهروي والحسن بن الجهم وأمثالهم الذين نقلوا المناظرات كتبوها في المجلس أو بعده ، لأن منها مناظرات دقيقة وعلمية ، كمناظرة الإمام عليه السلام في التوحيد مع عمران الصابي ، ومناظرته في البداء والإرادة مع سليمان المروزي . وإن كانوا نقلوها من حفظهم ، فهم على درجة عالية من العلم والحفظ.

 

اليوم الأول من المناظرة

وكان مع الجاثليق ورأس الجالوت ، والهربذ وأصحاب زردهشت ، وعمران الصابي ،

روى الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السلام (1/139) عن الحسن بن محمد النوفلي ثم الهاشمي يقول: (لما قدم علي بن موسى الرضا عليه السلام على المأمون أمر الفضل بن سهل أن يجمع له أصحاب المقالات مثل: الجاثليق، ورأس الجالوت، ورؤساء الصابئين، والهربذ الأكبر ، وأصحاب زردهشت، ونسطاس الرومي ، والمتكلمين ، ليسمع كلامه وكلامهم فجمعهم الفضل بن سهل ، ثم أعلم المأمون باجتماعهم فقال: أدخلهم عليَّ ففعل فرحب بهم المأمون ثم قال لهم: إني إنما جمعتكم لخير ، وأحببت أن تناظروا ابن عمي هذا المدني القادم عليَّ ، فإذا كان بكرةً فاغدوا ولايتخلف منكم أحد ، فقالوا: السمع والطاعة يا أمير المؤمنين ، نحن مبكرون إن شاء الله .

قال الحسن بن محمد النوفلي: فبينا نحن في حديث لنا عند أبي الحسن الرضا إذ دخل علينا ياسرالخادم وكان يتولى أمر أبي الحسن عليه السلام فقال له: يا سيدي إن أمير المؤمنين يقرؤك السلام ويقول: فداك أخوك إنه اجتمع إليَّ أصحاب المقالات وأهل الأديان والمتكلمون ، من جميع الملل فرأيك في البكور إلينا إن أحببت كلامهم ، وإن كرهت ذلك فلا تتجشم ، وإن أحببت أن نصير إليك خف ذلك علينا ، فقال أبو الحسن: أبلغه السلام وقل له: قد علمت ما أردت ، وأنا صائر إليك بكرةً إن شاء الله .

قال الحسن بن النوفلي: فلما مضى ياسرالتفت إلينا ثم قال لي: يا نوفلي أنت عراقي ورقه العراقي غير غليظه، فما عندك في جمع ابن عمك علينا أهل الشرك وأصحاب المقالات؟ فقلت: جعلت فداك يريد الإمتحان ويحب أن يعرف ما عندك؟ ولقد بني على أساس غير وثيق البنيان ، وبئس والله ما بني فقال لي: وما بناؤه في هذا الباب ؟ قلت: إن أصحاب الكلام والبدعة خلاف العلماء ، وذلك أن العالم لا ينكر غير المنكر، وأصحاب المقالات والمتكلمون وأهل الشرك أصحاب إنكار ومباهته! إن احتججت عليهم بأن الله واحد قالوا صحح وحدانيته ، وإن قلت: إن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله قالوا: أثبت رسالته ! ثم يباهتون وهو يبطل عليهم بحجته ويغالطونه حتى يترك قوله ، فاحذرهم جعلت فداك !

قال فتبسم ثم قال لي: يا نوفلي أفتخاف أن يقطعوا عليَّ حجتي؟ فقلت: لا والله ما خفت عليك قط ، وإني لأرجو أن يظفرك الله بهم إن شاء الله تعالى فقال لي: يا نوفلي أتحب أن تعلم متى يندم المأمون ؟ قلت: نعم . قال: إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم ، وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم وعلى أهل الزبور بزبورهم ، وعلى الصابئين بعبرانيتهم ، وعلى أهل الهرابذه بفارسيتهم ، وعلى أهل الروم بروميتهم ، وعلى أصحاب المقالات بلغاتهم ، فإذا قطعت كل صنف ودحضت حجته وترك مقالته ورجع إلى قولي ، علم المأمون الموضع الذي هو سبيله ليس بمستحق له ، فعند تكون الندامة . ولا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم .

فلما أصبحنا أتانا الفضل بن سهل فقال له: جعلت فداك إن ابن عمك ينتظرك وقد اجتمع القوم فما رأيك في إتيانه؟ فقال له الرضا: عليه السلام تقدمني فإني صائر إلى ناحيتكم إن شاء الله. ثم توضأ وضوءه للصلاة وشرب شربة سويق وسقانا منه ،ثم خرج وخرجنا معه حتى دخلنا على المأمون وإذا المجلس غاص بأهله ومحمد بن جعفر وجماعه من الطالبيين والهاشميين والقواد حضور، فلما دخل الرضا عليه السلام قام المأمون وقام محمد بن جعفر وجميع بني هاشم فما زالوا وقوفاً والرضا جالس مع المأمون حتى أمرهم بالجلوس فجلسوا ، فلم يزل المأمون مقبلاً عليه يحدثه ساعة ، ثم التفت إلى الجاثليق فقال: يا جاثليق هذا ابن عمي علي بن موسى بن جعفر، وهو من ولد فاطمة بنت نبينا وابن علي بن طالب ، فأحب أن تكلمه أو تحاجه وتنصفه .

فقال الجاثليق:يا أمير المؤمنين كيف أحاج رجلاً يحتج على بكتاب أنا منكره ونبي لا أومن به؟ فقال له الرضا عليه السلام يا نصراني فإن احتججت عليك بإنجيلك أتقرُّ به؟ قال: الجاثليق: وهل أقدر على رفع ما نطق الإنجيل! نعم والله أقرُّ به على رغم أنفي!

فقال له الرضا عليه السلام :سل عما بدا لك ، واسمع الجواب.

فقال الجاثليق: ما تقول في نبوة عيسى وكتابه هل تنكر منهما شيئاً ؟ قال الرضا: أنا مقر بنبوة عيسى عليه السلام وكتابه وما بشر به أمته وأقرت به الحواريون، وكافر بنبوة كل عيسى لم يقر بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وبكتابه ، ولم يبشر به أمته .

قال الجاثليق: أليس إنما نقطع الأحكام بشاهدي عدل ؟ قال عليه السلام : بلى .

قال: فأقم شاهدين من غير أهل ملتك على نبوه محمد صلى الله عليه وآله ممن لا تنكره النصرانية ، وسلنا مثل ذلك من غير أهل ملتنا .

قال الرضا عليه السلام : الآن جئت بالنصفه يا نصراني، ألا تقبل مني العدل المقدم عند المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام ؟ قال الجاثليق: ومن هذا العدل سمه لي قال: ما تقول يوحنا الديلمي؟قال: بخ بخ ، ذكرت أحب الناس إلى المسيح.

قال: فأقسمت عليك هل نطق الإنجيل أن يوحنا قال:إنما المسيح أخبرني بدين محمد العربي ، وبشرني به أنه يكون من بعده ، فبشرت به الحواريين ، فآمنوا به .

قال الجاثليق: قد ذكر ذلك يوحنا عن المسيح وبشر بنبوة رجل وبأهل بيته ووصيه ، ولم يلخص متى يكون ذلك؟ ولم تسم لنا القوم فنعرفهم ؟

قال الرضا عليه السلام : فإن جئناك بمن يقرأ الإنجيل فتلى عليك ذكر محمد وأهل بيته وأمته أتؤمن به؟ قال:سديداً . قال الرضا عليه السلام : لنسطاس الرومي كيف حفظك للسفر الثالث الإنجيل؟ قال: ما أحفظني له . ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال: ألست تقرأ الإنجيل؟ قال: بلى لعمري قال: فخذ عليَّ السفر فإن كان فيه ذكر محمد وأهل بيته وأمته فاشهدوا لي ، وإن لم يكن فيه ذكره فلا تشهدوا لي ، ثم قرأ عليه السلام السفر الثالث حتى بلغ ذكر النبي صلى الله عليه وآله وقف ثم قال: يا نصراني إني أسألك بحق المسيح وأمه ، أتعلم أني عالم بالإنجيل؟ قال: نعم ؟ ثم تلا علينا ذكر محمد وأهل بيته وأمته ثم قال: ما تقول يا نصراني هذا قول عيسى مريم عليه السلام فإن كذبت بما ينطق به الإنجيل فقد كذبت موسى وعيسى عليهما السلام ! ومتى أنكرت هذا الذكر وجب عليك القتل لأنك تكون قد كفرت بربك ونبيك وبكتابك!

قال الجاثليق: لا أنكر ما قد بان لي في الإنجيل ، وإني لمقر به .

قال الرضا عليه السلام : إشهدوا على إقراره .

ثم قال: يا جاثليق سل عما بدا لك قال الجاثليق: أخبرني عن حواري عيسى بن مريم عليه السلام كم كان عدتهم؟ وعن علماء الإنجيل كم كانوا ؟ قال الرضا: على الخبير سقطت أما الحواريون فكانوا اثني عشر رجلاً، وكان أعلمهم وأفضلهم ألوقا .

وأما علماء النصارى فكانوا ثلاثة رجال: يوحنا الأكبر باج، ويوحنا بقرقيسيا، ويوحنا الديلمي برجاز ، وعنده كان ذكر النبي وذكر أهل بيته وأمته ، وهو الذي بشرأمه عيسى وبني إسرائيل به .

ثم قال له: يا نصراني والله إنا لنؤمن بعيسى الذي آمن بمحمد صلى الله عليه وآله وما ننقم على عيساكم شيئاً إلا ضعفه وقلة صيامه وصلاته !

قال الجاثليق: أفسدت والله علمك وضعفت أمرك ، وما كنت ظننت إلا أنك اعلم أهل الإسلام ! قال الرضا عليه السلام : وكيف ذاك ؟

قال الجاثليق:من قولك إن عيسى كان ضعيفاً قليل الصيام قليل الصلاة ، وما أفطر عيسى يوماً قط ، ولا نام بليل قط ، وما زال صائم الدهر ، وقائم الليل!

قال الرضا عليه السلام : فلمن كان يصوم ويصلي؟

قال فخرس الجاثليق وانقطع! قال الرضا عليه السلام : يا نصراني أسألك عن مسألة قال: سل فإن كان عندي علمها أجبتك . قال الرضا عليه السلام : ما أنكرت أن عيسى عليه السلام كان يحيى الموتى بإذن الله عزّ وجلّ قال الجاثليق: أنكرت ذلك من أجل أن من أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص ، فهو رب مستحق لأن يعبد !

قال الرضا عليه السلام : فإن اليسع قد صنع مثل صنع عيسى عليه السلام مشى على الماء وأحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص ، فلم تتخذه أمته رباً ولم يعبده أحد من دون الله عزّ وجلّ.

ولقد صنع حزقيل النبي مثلما صنع عيسى بن مريم فأحيا خمسه وثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستين سنه .

ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال له:يا رأس الجالوت أتجد هؤلاء في شباب بني‌إسرائيل في التوراة اختارهم بخت نصر من سبي بني إسرائيل حين غزا بيت المقدس، ثم انصرف بهم إلى بابل فأرسله الله عزّ وجلّ إليهم فأحياهم!

هذا في التوراة لايدفعه إلا كافر منكم ! قال رأس الجالوت: قد سمعنا به وعرفناه . قال: صدقت ثم قال: يا يهودي خذ عليَّ هذا السفر من التوراة ، فتلى علينا من التوراة آيات ، فأقبل اليهودي يترنح لقرائته ويتعجب !

ثم أقبل النصراني فقال: يا نصراني أفهؤلاء كانوا قبل عيسى أم عيسى كان قبلهم ؟ قال:بل كانوا قبله.فقال الرضا عليه السلام : لقد اجتمعت قريش على رسول الله صلى الله عليه وآله فسألوه: أن يحيي لهم موتاهم فوجه معهم علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له: إذهب إلى الجبانه فناد بأسماء هؤلاء الرهط الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك: يا فلان ويا فلان ويا فلان يقول لكم محمد رسول الله قوموا بإذن الله عزّ وجلّ ، فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم ، فأقبلت قريش يسألونهم عن أمورهم ثم أخبروهم أن محمداً بعث نبياً ، فقالوا: وددنا أنا أدركناه فنؤمن به !

لقد أبرأ الأكمه والأبرص والمجانين وكلمه البهايم والطير والجن والشياطين ولم نتخذه رباً من دون الله عزّ وجلّ ، ولم ننكر لأحد من هؤلاء فضلهم !

فمتى اتخذتم عيسى رباً جاز لكم أن تتخذوا اليسع وحزقيل رباً لأنهما قد صنعا مثل ما صنع عيسى بن مريم عليه السلام من إحياء الموتى وغيره . وإن قوماً من بني إسرائيل خرجوا من بلادهم من الطاعون ، وهم ألوف حذر الموت فأماتهم الله في ساعة واحده ، فعمد أهل تلك القرية فحظروا عليهم حظيرة فلم يزالوا فيها حتى نخرت عظامهم وصاروا رميماً فمر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل فتعجب منهم ومن كثره العظام الباليه ، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: أتحب أن أحييهم لك فتنذرهم؟ قال: نعم يا رب ، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: أن نادهم فقال: أيتها العظام الباليه قومي بإذن الله عزّ وجلّ فقاموا أحياء أجمعون ، ينفضون التراب عن رؤوسهم !

ثم إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام حين أخذ الطير فقطعهن قطعاً ثم وضع على كل جبل منهن جزء ، ثم ناداهن فأقبلن سعياً إليه .

ثم موسى بن عمران عليه السلام وأصحابه السبعون الذين اختارهم صاروا معه إلى الجبل فقالوا له: إنك قد رأيت الله سبحانه فأرناه ، فقال: لهم إني لم أره . فقالوا : لن نؤمن حتى نرى الله جهرة ، فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم وبقي موسى وحيداً فقال: يا رب اخترت سبعين رجلاً من بني إسرائيل فجئت بهم وأرجع وحدي فكيف يصدقني قومي بما أخبرهم به ؟! فلو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ؟ فأحياهم الله عزّ وجلّ من بعد موتهم .

وكل شئ ذكرته لك من هذا لاتقدرعلى دفعه لأن التوراة والإنجيل والزبور والفرقان قد نطقت به ، فإن كان كل من أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص والمجانين يُتخذ رباً من دون الله ، فاتخذ هؤلاء كلهم أرباباً !

ما تقول يا يهودي؟ فقال الجاثليق: القول قولك ولا إله إلا الله !

ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال: يا يهودي أقبل عليَّ أسألك بالعشرالآيات التي أنزلت على موسى بن عمران عليه السلام هل تجد في التوراة مكتوباً نبأ نبينا محمد صلى الله عليه وآله وأمته إذا جاءت الأمة الأخيرة أتباع راكب البعير يسبحون الرب جداً جداً تسبيحاً جديداً في الكنائس الجدد ، فليفزغ بنو إسرائيل إليهم والى ملكهم لتطمئن قلوبهم ، فإن بأيديهم سيوفاً ينتقمون بها من الأمم الكافرة في أقطار الأرض!

أهكذا هو في التوراة مكتوب؟

قال رأس الجالوت : نعم إنا لنجده كذلك .

ثم قال للجاثليق: يا نصراني كيف علمك بكتاب شعيا عليه السلام ؟

قال: أعرفه حرفاً حرفاً . قال لهما: أتعرفان هذا من كلامه: يا قوم إني رأيت صوره راكب الحمار لابساً جلابيب النور ، ورأيت راكب البعير ضوء مثل ضوء القمر؟ فقالا: قد قال ذلك شعيا عليه السلام .

قال الرضا عليه السلام :يا نصراني هل تعرف في الإنجيل قول عيسى عليه السلام : إني ذاهب إلى ربكم وربي والبارقليطا جاءٍ ، هو الذي يشهد لي بالحق كما شهدت ، وهو الذي يفسر لكم كل شيئ ، وهو الذي يبدي فضائح الأمم ، وهو الذي يكسر عمود الكفر .

فقال الجاثليق: ما ذكرت شيئاً من الإنجيل إلا ونحن مقرُّون به .

فقال: أتجد هذا الإنجيل ثابتاً يا جاثليق ؟ قال: نعم .

قال : الرضا عليه السلام : يا جاثليق ألا تخبرني عن الإنجيل الأول حين افتقدتموه عند من وجدتموه ، ومن وضع لكم هذا الإنجيل؟

فقال له : ما افتقدنا الإنجيل إلا يوماً واحداً حتى وجدناه غضاً طرياً فأخرجه إلينا يوحنا ومتي. فقال له الرضا عليه السلام : ما أقل معرفتك بسنن الإنجيل وعلمائه! فإن كان هذا كما تزعم ! فلم اختلفتم في الإنجيل ، وإنما وقع الإختلاف في هذا الإنجيل الذي في أيديكم اليوم ، فلو كان على العهد الأول لم تختلفوا فيه ، ولكني مفيدك علم ذلك:

إعلم أنه لما افتقد الإنجيل الأول اجتمعت النصارى إلى علمائهم فقالوا لهم: قتل عيسى بن مريم عليه السلام وافتقدنا الإنجيل وأنتم العلماء فما عندكم؟ فقال لهم ألوقا ومر قابوس: إن الإنجيل في صدورنا ونحن نخرجه إليكم سفراً سفراً في كل أحد ، فلا تحزنوا عليه ، ولا تخلوا الكنائس فإنا سنتلوه عليكم في كل أحد سفراً سفراً حتى نجمعه كله . فقعد ألوقا ومر قابوس ويوحنا ومتي ، فوضعوا لكم هذا الإنجيل بعد ما افتقدتم الإنجيل الأول ، وإنما كان هؤلاء الأربعة تلاميذ تلاميذ الأولين أعلمت ذلك ؟ فقال الجاثليق: أما هذا فلم أعلمه وقد علمته الآن ، وبان لي من فضل علمك بالإنجيل. وسمعت أشياء مما علمته شهد قلبي أنها حق ، فاستزدت كثيراً من الفهم!

فقال له الرضا عليه السلام : فكيف شهادة هؤلاء عندك ؟ قال: جائزة ، هؤلاء علماء الإنجيل، وكلما شهدوا به فهو حق . قال الرضا عليه السلام للمأمون ومن حضره من أهل بيته ومن غيره: إشهدوا عليه . قالوا: قد شهدنا .

ثم قال عليه السلام للجاثليق: بحق الابن وأمه هل تعلم أن متي قال: إن المسيح هو بن داود بن إبراهيم ، بن إسحاق ، بن يعقوب ، بن يهوذا ، بن خضرون .

فقال مر قابوس في نسبه:عيسى مريم عليه السلام إنه كلمة الله أحلها في جسد الآدمي فصارت إنساناً . وقال ألوقا: إن عيسى بن مريم عليه السلام وأمه كانا إنسانين من لحم ودم ، فدخل فيها الروح القدس .ثم إنك تقول من شهادة عيسى عليه السلام على نفسه: حقاً أقول لكم يا معشر الحواريين إنه لايصعد إلى السماء إلا من نزل منها ، إلا راكب البعير خاتم الأنبياء ، فإنه يصعد إلى السماء وينزل ، فما تقول في هذا القول؟

قال الجاثليق: هذا قول عيسى لا ننكره .

قال الرضا عليه السلام فما تقول في شهادة ألوقا ومرقابوس ومتي على عيسى وما نسبوه إليه؟ قال الجاثليق: كذبوا على عيسى !

فقال الرضا عليه السلام : يا قوم أليس قد زكاهم وشهد أنهم علماء الإنجيل وقولهم حق ، فقال الجاثليق : يا عالم المسلمين أحب أن تعفيني من أمر هؤلاء .

قال الرضا عليه السلام : فإنا قد فعلنا ، سل يا نصراني عما بدا لك .

قال الجاثليق: ليسألك غيري فلا وحق المسيح ما ظننت أن في علماء المسلمين مثلك ! فالتفت الرضا عليه السلام إلى رأس الجالوت فقال له: تسألني أو أسألك ؟

فقال : بل أسألك ولست أقبل منك حجه إلا من التوراة أو من الإنجيل أو

من زبور داود ، أو بما في صحف إبراهيم وموسى .

قال الرضا عليه السلام :لا تقبل مني حجه إلا بما تنطق به التوراة على لسان موسى بن عمران، والإنجيل على لسان عيسى بن مريم ، والزبور على لسان داود. فقال رأس الجالوت: من أين تثبت نبوه محمد؟

قال الرضا عليه السلام : شهد بنبوته موسى بن عمران وعيسى بن مريم وداود خليفه الله عزّ وجلّ في الأرض . فقال له : ثبت قول موسى بن عمران .

فقال له الرضا عليه السلام : هل تعلم يا يهودي أن موسى أوصى بني إسرائيل فقال لهم: إنه سيأتيكم نبي من إخوانكم فيه ، فصدقوا ومنه فاسمعوا ، فهل تعلم أن لبني إسرائيل إخوة غير ولد إسماعيل إن كنت تعرف قرابه إسرائيل من إسماعيل ، والسبب الذي بينهما من قبل إبراهيم عليه السلام ؟

فقال رأس الجالوت: هذا قول موسى لا ندفعه .

فقال له الرضا عليه السلام : هل جاءكم من إخوة بني إسرائيل نبي غير محمد صلى الله عليه وآله قال: لا . قال الرضا عليه السلام : أوليس قد صح هذا عندكم ؟

قال: نعم ، ولكني أحب أن تصححه لي من التوراة .

فقال له الرضا عليه السلام : هل تنكر أن التوراة تقول لكم: جاء النور من قبل طور سيناء ، وأضاء لنا من جبل ساعير ، واستعلن علينا من جبل فاران ؟

قال رأس الجالوت : أعرف هذه الكلمات ، وما أعرف تفسيرها !

قال الرضا عليه السلام : أنا أخبرك به . أما قوله: جاء النور من قبل طور سيناء فذلك وحي الله تبارك وتعالى الذي أنزله على موسى عليه السلام على جبل طور سيناء . وأما قوله: وأضاء لنا من جبل ساعير فهو الجبل الذي أوحى الله عزّ وجلّ إلى عيسى بن مريم عليه السلام وهو عليه.

وأما قوله: واستعلن علينا جبل فاران فذلك جبل من جبال مكة بينه وبينها يوم . وقال شعياء النبي عليه السلام فيما تقول أنت وأصحابك في التوراة: رأيت راكبين أضاءت لهم الأرض أحدهما على حمار والآخر على جمل . فمن راكب الحمار ومن راكب الجمل ؟

قال رأس الجالوت: لا أعرفهما فخبرني بهما قال: أما راكب الحمار فعيسى عليه السلام وأما راكب الجمل فمحمد صلى الله عليه وآله ، أتنكر هذا من التوراة قال: لا ما أنكره .

ثم قال الرضا عليه السلام : هل تعرف حَيَقوق النبي عليه السلام ؟قال: نعم إني به لعارف. قال: فإنه قال: وكتابكم ينطق به جاء الله تعالى بالبيان من جبل فاران وامتلأت السماوات من تسبيح أحمد وأمته ، يحمل خيله في البحر ، كما يحمل في البر ، يأتينا بكتاب جديد بعد خراب بيت المقدس . يعني بالكتاب الفرقان أتعرف هذا وتؤمن به ؟ قال رأس الجالوت قد قال ذلك حيقوق النبي عليه السلام ولا ننكر قوله .

قال الرضا عليه السلام : فقد قال داود في زبوره وأنت تقرؤه : اللهم ابعث مقيم السنة بعد الفترة ، فهل تعرف نبياً أقام السنة بعد الفترة غير محمد صلى الله عليه وآله ؟

قال رأس الجالوت : هذا قول داود نعرفه ولا ننكره ، ولكن عنى بذلك عيسى وأيامه هي الفترة . قال له الرضا عليه السلام : جهلت أن عيسى عليه السلام لم يخالف السنة ، وكان موافقاً لسنه التوراة حتى رفعه الله إليه .

وفي الإنجيل مكتوب: إن ابن البرَّة ذاهب والبارقليطا جاءٍ من بعده ، وهو الذي يحفظ الآصار ويفسر لكم كل شئ ، ويشهد لي كما شهدت له . أنا جئتكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل . أتؤمن بهذا في الإنجيل؟ قال: نعم .

فقال له الرضا عليه السلام :يا رأس الجالوت أسألك عن نبيك موسى بن عمران عليه السلام ، فقال: سل . قال: ما الحجة على أن موسى ثبتت نبوته؟

قال اليهودي: أنه جاء بما لم يجئ به أحد من الأنبياء قبله.

قال له: مثل ماذا؟

قال:مثل فلق البحر وقلبه العصا حيَّة تسعى وضربه الحجر فانفجرت منه العيون ، وإخراجه يده بيضاء للناظرين ، وعلاماته لا يقدر الخلق على مثلها .

قال له الرضا عليه السلام :صدقت في أنه كانت حجته على نبوته أنه جاء بما لايقدر الخلق على مثله ، أفليس كل من ادعى أنه نبي ثم جاء بما لا يقدر الخلق على مثله وجب عليكم تصديقه؟

قال: لا ، لأن موسى عليه السلام لم يكن له نظيرلمكانه من ربه وقربه منه ولا يجب علينا الإقرار بنبوة من ادعاها ، حتى يأتي من الأعلام بمثل جاء به .

فقال الرضا عليه السلام : فكيف أقررتم بالأنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه السلام ولم يفلقوا البحر ولم يفجروا من الحجر اثنتي عشرة عيناً ، ولم يخرجوا أيديهم مثل إخراج موسى يده بيضاء ، ولم يقلبوا العصا حية تسعى ؟

قال اليهودي: قد خبرتك أنه متى ما جاؤوا على نبوتهم من الآيات بما لا يقدر الخلق على مثله ، ولو جاؤوا بما يجئ به موسى أو كان على غير ما جاء به موسى وجب تصديقهم .

قال له الرضا عليه السلام : يا رأس الجالوت فما يمنعك من الإقرار بعيسى بن مريم وقد كان يحيى الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويخلق من الطين كهيئه الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله تعالى؟

قال رأس الجالوت: يقال إنه فعل ذلك ولم نشهده .

قال الرضا عليه السلام : أرأيت ما جاء به موسى من الآيات شاهدته؟ أليس إنما جاءت الأخبار من ثقات أصحاب موسى أنه فعل ذلك ؟ قال: بلى. قال: فكذلك أيضاً أتتكم الأخبار المتواترة بما فعل عيسى بن مريم عليه السلام ، فكيف صدقتم بموسى ولم تصدقوا بعيسى؟ فلم يُحر جواباً .

قال الرضا عليه السلام : وكذلك أمر محمد صلى الله عليه وآله وما جاء به وأمر كل نبي بعثه الله. ومن آياته صلى الله عليه وآله أنه كان يتيماً فقيراً راعياً أجيراً لم يتعلم كتاباً ، ولم يختلف إلى معلم ، ثم جاء بالقرآن الذي فيه قصص الأنبياء عليهم السلام وأخبارهم حرفاً حرفاً وأخبار من مضى ومن بقي إلى يوم القيامة ، ثم كان يخبرهم بأسرارهم وما يعملون في بيوتهم ، وجاء بآيات كثيره لا تحصى .

قال رأس الجالوت: لم يصح عندنا خبر عيسى ولا خبر محمد ، ولا يجوز لنا أن نقر لهما بما لا يصح .

قال الرضا عليه السلام : فالشاهد الذي شهد لعيسى عليه السلام ولمحمد صلى الله عليه وآله شاهد زور؟فلم يحر جواباً !!

ثم دعا عليه السلام بالهربذ الأكبر فقال له الرضا عليه السلام : أخبرني عن زردهشت الذي تزعم أنه نبي ما حجتك على نبوته؟ قال: إنه أتى بما لم يأتنا أحد قبله ، ولم نشهده ولكن الأخبار من أسلافنا وردت علينا بأنه أحل لنا ما لم يحله غيره فاتبعناه .

قال عليه السلام : أفليس إنما أتتكم الأخبار فاتبعتموه؟ قال: بلى. قال: فكذلك سائر الأمم السالفة أتتهم الأخباربما أتى به النبيون وأتى به موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله فما عذركم في ترك الإقرار لهم، إذ كنتم إنما أقررتم بزردهشت من قبل الأخبار المتواترة بأنه جاء بما لم يجئ به غيره ؟

فانقطع الهربذ مكانه !

 

فقال الرضا عليه السلام : يا قوم إن كان فيكم أحد يخالف الإسلام وأراد أن يسأل فليسأل غير محتشم. فقام إليه عمران الصابي وكان واحداً من المتكلمين فقال: يا عالم الناس لولا أنك دعوت إلى مسألتك لم أقدم عليك بالمسائل ، فلقد دخلت بالكوفة والبصرة والشام والجزيره ولقيت المتكلمين ، فلم أقع على أحد يثبت لي واحداً ليس غيره قائماً بوحدانيته ، أفتاذن لي أسألك ؟

قال الرضا عليه السلام : إن كان في الجماعة عمران الصابي فأنت هو!

قال: أنا هو قال: سل يا عمران وعليك بالنصفه وإياك والخطل والجور .

فقال: والله يا سيدي ما أريد إلا أن تثبت لي شيئاً أتعلق به فلا أجوزه .

قال عليه السلام : سل عما بدا لك ، فازدحم الناس وانضم بعضهم إلى بعض ، فقال عمران الصابي: أخبرني عن الكائن الأول وعما خلق؟

فقال له عليه السلام : سألت فافهم ، أما الواحد فلم يزل واحداً كائناً لا شئ معه ، بلا حدود وأعراض، ولا يزال كذلك ، ثم خلق خلقاً مبتدعاً مختلفاً بأعراض وحدود مختلفة ، لا في شئ أقامه ، ولا في شئ حده ، ولا على شئ حذاه ومثَّله له ، فجعل الخلق من بعد ذلك صفوةً وغير صفوة ، واختلافاً وائتلافاً وألواناً وذوقاً وطعماً ،لا لحاجه كانت منه إلى ذلك، ولا لفضل منزلة لم يبلغها إلا به ، ولا أرى لنفسه فيما خلق زيادة ولا نقصاناً . تعقل هذا يا عمران ؟ قال : نعم والله يا سيدي .

قال عليه السلام : واعلم يا عمران أنه لو كان خلق ما خلق لحاجة ، لم يخلق إلا من يستعين به على حاجته ، ولكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق ، لأن الأعوان كلما كثروا كان صاحبهم أقوى .

والحاجة يا عمران لايسعها ، لأنه كان لم يحدث من الخلق شيئاً إلا حدثت به حاجةٌ أخرى ، ولذلك أقول: لم يخلق الخلق لحاجة ، ولكن نقل بالخلق الحوائج بعضهم إلى بعض ، وفضل بعضهم على بعض ، بلا حاجه منه إلى فضل ، ولا نقمه منه على من أذل ، فلهذا خلق .

قال عمران: يا سيدي هل كان الكائن معلوماً في نفسه عند نفسه؟

قال الرضا عليه السلام : إنما يكون المعلمة بالشئ لنفي خلافه ، وليكون الشئ نفسه بما نفى عنه موجوداً ، ولم يكن هناك شئ يخالفه فتدعوه الحاجة إلى نفي ذلك الشئ عن نفسه بتحديد ما علم منها . أفهمت يا عمران ؟

قال: نعم والله سيدي ، فأخبرني بأي شئ علم ما علم أبضمير أم بغير ذلك ؟

قال الرضا عليه السلام : أرأيت إذا علم بضمير هل يجد بداً من أن يجعل لذلك الضمير حداً تنتهى إليه المعرفة ؟ قال عمران: لا بد من ذلك .

قال الرضا عليه السلام : فما ذلك الضمير؟ فانقطع ولم يحر جواباً .

قال الرضا عليه السلام : لا باس إن سألتك عن الضمير نفسه تعرفه بضمير آخر ؟ فإن قلت: نعم أفسدت عليك قولك ودعواك يا عمران ، أليس ينبغي أن تعلم أن الواحد ليس يوصف بضمير وليس يقال له أكثر من فعل وعمل وصنع وليس يتوهم منه مذاهب وتجزية كمذاهب المخلوقين وتجزيتهم، فاعقل ذلك وابنِ عليه ما علمت صواباً.

قال عمران:يا سيدي ألا تخبرني حدود خلقه كيف هي وما معانيها ؟ وعلى كم نوع تكون ؟

قال عليه السلام : قد سألت فاعلم أن حدود خلقه على سته أنواع: ملموس ، وموزون ، ومنظور إليه ، وما لا ذوق له وهو الروح .

ومنها منظور إليه ، وليس له وزن ولا لمس ولا حس ولا لون ولا ذوق .

والتقدير والأعراض والصور والطول والعرض ، ومنها العمل والحركات التي تصنع الأشياء وتعملها وتغيرها من حال إلى حال ، وتزيدها وتنقصها ؟

فأما الأعمال والحركات فإنها تنطلق لأنه لا وقت لها أكثر من قدر ما يحتاج إليه ، فإذا فرغ من الشئ انطلق بالحركة ، وبقي الأثر ويجرى مجرى الكلام يذهب ويبقى أثره .

قال عمران: يا سيدي ألا تخبرني عن الخالق إذا كان واحداً لا شئ غيره ولا شئ معه؟ أليس قد تغير بخلقه الخلق ؟

قال له الرضا عليه السلام : قديم لم يتغير عزّ وجلّ بخلقه الخلق ، ولكن الخلق يتغير

بتغيره . قال عمران: يا سيدي فبأي شئ عرفناه ؟ قال عليه السلام : بغيره .

قال: فأي شئ غيره ؟

قال الرضا عليه السلام : مشيته واسمه وصفته ، وما أشبه ذلك. وكل ذلك محدَث مخلوق مدبر . قال عمران: يا سيدي فأي شئ هو ؟

قال: هو نور بمعنى أنه هاد خلقه من أهل السماء وأهل الأرض ، وليس لك عليَّ أكثر من توحيدي إياه .

قال عمران: يا سيدي أليس قد كان ساكتاً قبل الخلق لاينطق ، ثم نطق ؟

قال الرضا عليه السلام : لايكون السكوت إلا عن نطق قبله ، والمثل في ذلك أنه لايقال للسراج هو ساكت لا ينطق ، ولا يقال إن السراج ليضئ فيما يريد أن يفعل بنا ، لأن الضوء من السراج ليس بفعل منه ولا كون ، وإنما هو ليس شئ غيره ، فلما استضاء لنا قلنا: قد أضاء لنا حتى استضأنا به ، فبهذا تستبصر أمرك .

قال عمران: يا سيدي فإن الذي كان عندي أن الكائن قد تغير في فعله عن حاله ، بخلقه الخلق .

قال الرضا عليه السلام : أحلت يا عمران في قولك إن الكائن يتغير في وجه من الوجوه ، حتى يصيب الذات منه ما يغيره !

يا عمران هل تجد النار تغيرها تغير نفسها ؟ وهل تجد الحرارة تحرق نفسها ؟ أو هل رأيت بصيراً قط رأى بصره ؟

قال عمران: لم أر هذا إلا أن تخبرني يا سيدي أهو في الخلق أم الخلق فيه ؟

قال الرضا عليه السلام : أجل يا عمران عن ذلك ليس هو في الخلق ولا الخلق فيه ، تعالى عن ذلك ، وساء علمك ما تعرفه ولا قوه الا بالله .

أخبرني عن المرآة أنت فيها أم هي فيك؟ فإن كان ليس واحد منكما في صاحبه ، فبأي شئ استدللت بها على نفسك يا عمران؟ قال: بضوء بيني وبينها.

قال الرضا عليه السلام : هل ترى من ذلك الضوء في المرآة أكثر مما تراه في عينك ؟ قال: نعم. قال الرضا عليه السلام : فأرناه . فلم يحر جواباً !

قال عليه السلام : فلا أرى النور إلا وقد دلك ودل المرآة على أنفسكما ، من غيرأن يكون في واحد منكما ، ولهذا أمثال كثيرة غير هذا لايجد الجاهل فيها مقالاً ولله المثل الاعلى . ثم التفت إلى المأمون فقال: الصلاة قد حضرت الصلاة .

فقال عمران : يا سيدي لا تقطع عليَّ مسألتي ، فقد رقَّ قلبي .

قال الرضا عليه السلام : نصلي ونعود ، فنهض ونهض المأمون فصلى الرضا عليه السلام داخلاً وصلى الناس خارجاً خلف محمد بن جعفر .

ثم خرجا فعاد الرضا عليه السلام إلى مجلسه ودعا بعمران فقال: سل يا عمران .

قال: يا سيدي ألا تخبرني عن الله عزّ وجلّ هل يوحد بحقيقة أو يوحد بوصف ؟

قال الرضا عليه السلام : إن الله المبدئ الواحد الكائن الأول لم يزل واحداً لا شئ معه فرداً لا ثاني معه ، لامعلوماً ولا مجهولاً ولا محكماً ولا متشابهاً ولا مذكوراً ولا منسياً ، ولا شيئاً يقع عليه إسم شئ من الأشياء غيره ، ولا من وقت كان ، ولا إلى وقت يكون ، ولا بشئ قام ولا إلى شئ يقوم ، ولا إلى شئ استند ، ولا في شئ استكن ، وذلك كله قبل الخلق ، إذ لا شئ غيره ، وما أوقعت عليه من الكل فهي صفات محدثه ، وترجمةٌ يفهم بها من فهم .

واعلم أن الإبداع والمشيئة والإراده معناها واحد ، وأسماؤها ثلاثة ، وكان أول ابداعه وإرادته ومشيته الحروف التي جعلها أصلاً لكل شئ ، ودليلاً على كل مدرك وفاصلاً لكل مشكل ، وبتلك الحروف تفريق كل شئ من إسم حق وباطل أو فعل أو مفعول أو معنى أو غير معنى ، وعليها اجتمعت الأمور كلها ، ولم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى غير أنفسها ، تتناهى ولا وجود لها لأنها مبدعة بالإبداع.

والنور في هذا الموضع أول فعل الله الذي هو نور السماوات والأرض ، والحروف هي المفعول بذلك الفعل ، وهي الحروف التي عليها مدار الكلام ، والعبادات كلها من الله عزّ وجلّ علَّمها خلقه . وهي ثلاثة وثلاثون حرفاً ، فمنها ثمانية وعشرون حرفاً تدل على لغات العربية ومن الثمانية والعشرين اثنان وعشرون حرفاً ، تدل على لغات السريانية والعبرانية ، ومنها خمسة أحرف متحرفة في سائر اللغات من العجم والأقاليم. واللغات كلها وهي خمسه أحرف تحرفت من الثمانية والعشرين حرفاً من اللغات ، فصارت الحروف ثلاثة وثلاثين حرفاً .

فأما الخمسة المختلفة ف. ي. ت. ج. ح. خ. لا يجوز ذكرها أكثر مما ذكرناه ثم جعل الحروف بعد إحصائها وإحكام عدتها ، فعلاً منه كقوله عزّ وجلّ: كن فيكون . وكن منه صنع، وما يكون به المصنوع ، فالخلق الأول من الله عزّ وجلّ الإبداع ، لا وزن له ولا حركة ولا سمع ولا لون ولا حس ، والخلق الثاني الحروف لا وزن لها ولا لون ، وهي مسموعة موصوفة ، غير منظور إليها . والخلق الثالث ما كان من الأنواع كلها محسوساً ملموساً ذا ذوق ، منظوراً إليه ، والله تبارك وتعالى سابق للإبداع ، لأنه ليس قبله عزّ وجلّ شئ ولا كان معه شئ ، والإبداع سابق للحروف والحروف ، لا تدل على غير نفسها . قال المأمون: وكيف لا تدل على غير أنفسها ؟

قال الرضا عليه السلام : لأن الله تبارك وتعالى لا يجمع منها شيئاً لغير معنى أبداً، فإذا ألف منها أحرفاً أربعة أو خمسه أو سته أو أكثر من ذلك أو أقل، لم يؤلفها بغير معنى ، ولم يكن إلا لمعنى محدث ، لم يكن قبل ذلك شئ .

قال عمران: فكيف لنا بمعرفه ذلك ؟

قال الرضا عليه السلام : أما المعرفة فوجه ذلك وبيانه: أنك تذكر الحروف إذا لم ترد بها غير نفسها ذكرتها فرداً فقلت: ا. ب. ت. ث. ج. ح. خ. حتى تأتى على آخرها ، فلم تجد لها معنى غير أنفسها وإذا ألفتها وجمعت منها أحرفاً وجعلتها إسماً وصفة لمعنى ما طلبت ووجه ما عنيت ، كانت دليلةً على معانيها ، داعيةً إلى الموصوف بها ، أفهمته ؟ قال: نعم .

قال الرضا عليه السلام : واعلم أنه لا تكون صفة لغير موصوف ، ولا إسم لغير معنى ، ولا حدٌّ لغير محدود ، والصفات والأسماء كلها تدل على الكمال والوجود ، ولا تدل على الإحاطة كما تدل الحدود التي هي التربيع والتثليث والتسديس ، لأن الله عزّ وجلّ تدرك معرفته بالصفات والأسماء ، ولا تدرك بالتحديد بالطول والعرض والقلة والكثرة واللون والوزن وما أشبه ذلك ، وليس يحل بالله تعالى وتقدس شئ من ذلك حتى يعرفه خلقه بمعرفتهم أنفسهم بالضرورة التي ذكرنا ، ولكن يُدل على الله عزّ وجلّ بصفاته ، ويدرك بأسمائه ويستدل عليه بخلقه حتى لا يحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤية عين ولا استماع أذن ولا لمس كف ولا إحاطه بقلب .

ولو كانت صفاته جل ثناؤه لا تدل عليه أسماؤه لا تدعو إليه ، والمعلمة من الخلق لا تدركه لمعناه ، كانت العبادة من الخلق لأسمائه وصفاته دون معناه ، فلولا أن ذلك كذلك لكان المعبود الموحد غير الله ، لأن صفاته وأسماءه غيره أفهمت ؟

قال: نعم يا سيدي زدني .

قال الرضا عليه السلام : إياك وقول الجهال من أهل العمى والضلال الذين يزعمون أن الله جل وتقدس موجود في الآخرة للحساب في الثواب والعقاب ، وليس بموجود في الدنيا للطاعه والرجاء ، ولو كان في الوجود لله عزّ وجلّ نقص واهتضام ، لم يوجد في الآخرة أبداً ، ولكن القوم تاهوا وعموا وصموا عن الحق من حيث لا يعلمون . وقوله عزّ وجلّ: وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَفِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً. يعني أعمى عن الحقائق الموجودة ، وقد علم ذووا الألباب أن الإستدلال على ما هناك لا يكون إلا بما هاهنا ، ومن أخذ علم ذلك برأيه وطلب وجوده وإدراكه عن نفسه دون غيرها ، لم يزدد من علم ذلك إلا بعداً، لأن الله عزّ وجلّ جعل علم ذلك خاصه عند قوم يعقلون ويعلمون ويفهمون .

قال عمران: يا سيدي ألا تخبرني عن الإبداع ، أخلق هو أم غير خلق ؟

قال الرضا عليه السلام : بل خلق ساكن لا يدرك بالسكون وإنما صار خلقاً لأنه شئ محدث ، والله تعالى الذي أحدثه فصار خلقاً له، وإنما هو الله عزّ وجلّ وخلقه لا ثالث بينهما ولا ثالث غيرهما،فما خلق الله عزوجل لم يَعْدُأن يكون خلقه ويكون الخلق ساكناً ومتحركاً ومختلفاً ومؤتلفاً ومعلوماً ومتشابهاً ، وكل ما وقع عليه حد فهو خلق الله عزّ وجلّ .

واعلم أن كل ما أوجدتك الحواس فهو معنى مدرك للحواس ، وكل حاسة تدل على ما جعل الله عزّ وجلّ لها في إدراكها ، والفهم من القلب بجميع ذلك كله .

واعلم أن الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد ، خلق خلقاً مقدراً بتحديد وتقدير ، وكان الذي خلق خلقين اثنين: التقدير والمقدر ، وليس في كل واحد منهما لون ولا وزن ولا ذوق ، فجعل أحدهما يدرك بالآخر ، وجعلهما مدركين بنفسهما ، ولم يخلق شيئاً فرداً قائماً بنفسه دون غيره ، للذي أراد من الدلالة على نفسه ، وإثبات وجوده . فالله تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه ، ولا يعضده ، ولا يكنُّه ، والخلق يمسك بعضه بعضاً ، بإذن الله تعالى ومشيئته .

وإنما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحيروا ، وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة ، في وصفهم الله تعالى بصفة أنفسهم ، فازدادوا من الحق بعداً .

ولو وصفوا الله عزّ وجلّ بصفاته ، ووصفوا المخلوقين بصفاتهم ، لقالوا بالفهم واليقين ولما اختلفوا. فلما طلبوا من ذلك ما تحيروا فيه ارتبكوا ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

قال عمران: يا سيدي أشهد أنه كما وصفت ، ولكن بقيت لي مسألة .

قال عليه السلام : سل عما أردت . قال: أسألك عن الحكيم في أي شئ هو وهل يحيط به شئ وهل يتحول من شئ إلى شئ ، أو به حاجة إلى شئ ؟

قال الرضا عليه السلام : أخبرك يا عمران فاعقل ما سألت عنه ، فإنه من أغمض ما يرد على الخلق في مسائلهم، وليس يفهم المتفاوت عقله العازب حلمه . ولا يعجز عن فهمه أولوا العقل المنصفون .أما أول ذلك فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه ، لجاز لقائل أن يقول: يتحول إلى ما خلق لحاجته إلى ذلك ، ولكنه عزّ وجلّ لم يخلق شيئاً لحاجة ، ولم يزل ثابتاً لا في شئ ، ولا على شئ .

إن الخلق يمسك بعضه بعضاً ، ويدخل بعضه في بعض ويخرج منه ، والله جل وتقدس بقدرته يمسك ذلك كله ، وليس يدخل في شئ ، ولا يخرج منه ولا يؤده حفظه ، ولا يعجز عن إمساكه ، ولا يعرف أحد من الخلق كيف ذلك إلا الله عزّ وجلّ ومن أطلعه عليه من رسله وأهل سره، والمستحفظين لأمره ، وخزانه القائمين بشريعته، وإنما أمره كلمح البصر أو هو أقرب ، إذا شاء شيئاً فإنما يقول له كن فيكون بمشيئته وإرادته ، ولا شئ من خلقه أقرب إليه من شئ ولا شئ أبعد منه من شئ، أفهمت يا عمران؟

قال: نعم يا سيدي قد فهمت ، وأشهد أن الله تعالى على ما وصفت ووحَّدت وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده المبعوث بالهدى ودين الحق ، ثم خر ساجداً نحو القبلة وأسلم .

قال الحسن بن محمد النوفلي: فلما نظر المتكلمون إلى كلام عمران الصابي وكان جدلاً لم يقطعه عن حجته أحد منهم قط ، لم يدْنُ من الرضا عليه السلام أحد منهم ولم يسألوه عن شئ ، وأمسينا فنهض المأمون والرضا عليه السلام فدخلا وانصرف الناس .

وكنت مع جماعه من أصحابنا إذ بعث إليَّ محمد بن جعفر فأتيته فقال لي: يا نوفلي أما رأيت ما جاء به صديقك! لا والله ما ظننت أن علي بن موسى الرضا خاض في شئ من هذا قط ، ولا عرفناه به أنه كان يتكلم بالمدينة ، أو يجتمع إليه أصحاب الكلام! قلت: قد كان الحاج يأتونه فيسألونه عن أشياء من حلالهم وحرامهم فيجيبهم ، وربما كلم من يأتيه يحاجُّهُ .

فقال محمد بن جعفر: يا أبا محمد إني أخاف عليه أن يحسده عليه هذا الرجل فيسمه ، أو يفعل به بلية ، فأشر عليه بالإمساك عن هذه الأشياء .

قلت: إذاً لا يقبل مني ، وما أراد الرجل إلا امتحانه ليعلم هل عنده شئ من علوم آبائه عليهم السلام ؟ فقال لي: قل له إن عمك قد كره هذا الباب ، وأحب أن تمسك عن هذه الأشياء لخصال شتى، فلما انقلبت إلى منزل الرضا عليه السلام أخبرته بما كان عن عمه محمد بن جعفر، فتبسم عليه السلام ثم قال:حفظ الله عمي ما أعرفني به لمَ كره ذلك ؟

وقال: ياغلام صِرْ إلى عمران الصابي فأتني به. فقلت: جعلت فداك أنا أعرف موضعه وهو عند بعض إخواننا من الشيعة قال: فلا بأس قربوا إليه دابه فصرت إلى عمران فأتيته به ، فرحب به ودعا بكسوة فخلعها عليه وحمله ودعا ، بعشره آلاف درهم ، فوصله بها .

قلت: جعلت فداك حكيت فعل جدك أمير المؤمنين عليه السلام قال: هكذا نحب .

ثم دعا عليه السلام بالعشاء فأجلسني عن يمينه وأجلس عمران عن يساره ، حتى إذا فرغنا قال لعمران: إنصرف مصاحباً وبكر علينا نطعمك طعام المدينة ، فكان عمران بعد ذلك يجتمع إليه المتكلمون من أصحاب المقالات فيبطل أمرهم حتى اجتنبوه ، ووصله المأمون بعشره آلاف درهم ، وأعطاه الفضل مالاً وحمله ، وولاه الرضا عليه السلام صدقات بلخ فأصاب الرغائب ) .

مع سليمان المروزي متكلم خراسان

في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/159):( باب في ذكر مجلس الرضا عليه السلام مع سليمان المروزي متكلم خراسان عند المأمون في التوحيد : حدثنا أبو محمد جعفر بن علي بن أحمد الفقيه رضي الله عنه قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن علي بن صدقة القمي قال: حدثنا أبو عمرو محمد بن عمرو بن عبد العزيز الأنصاري الكجي قال: حدثني من سمع الحسن بن محمد النوفلي يقول: قدم سليمان المروزي متكلم خراسان على المأمون فأكرمه ووصله ، ثم قال له: ان ابن عمي علي بن موسى الرضا قدم عليَّ من الحجاز وهو يحب الكلام وأصحابه ، فلا عليك أن تصير إلينا يوم التروية لمناظرته .

فقال سليمان: يا أميرالمؤمنين إني أكره أن أسأل مثله في مجلسك في جماعة من بني هاشم، فينتقض عند القوم إذا كلمني ، ولا يجوز الإستقصاء عليه .

قال المأمون: إنما وجهت إليه لمعرفتي بقوتك ، وليس مرادي إلا أن تقطعه عن حجة واحدة فقط !

فقال سليمان: حسبك يا أمير المؤمنين ، إجمع بيني وبينه ، وخلني والذم، فوجه المأمون إلى الرضا عليه السلام فقال:إنه قدم الينا رجل من أهل مروز وهو واحد خراسان من أصحاب الكلام ، فإن خف عليك أن تتجشم المصيرالينا فعلت. فنهض عليه السلام للوضوء وقال لنا: تقدموني وعمران الصابي معنا ، فصرنا إلى الباب فأخذ ياسر وخالد بيدي فأدخلاني على المأمون ، فلما سلمت قال: أين أخي أبو الحسن أبقاه الله ؟ قلت: خلفته يلبس ثيابه وأمرنا أن نتقدم . ثم قلت: يا أمير المؤمنين إن عمران مولاك معي وهو على الباب . فقال: ومن عمران ؟ قلت: الصابي الذي أسلم على يدك . قال: فليدخل ، فدخل فرحب به المأمون ثم قال له: يا عمران لم تمت حتى صرت من بني هاشم ! قال: الحمد لله الذي شرفني بكم يا أمير المؤمنين .

فقال له المأمون: يا عمران هذا سليمان المروزي متكلم خراسان .

قال عمران: يا أمير المؤمنين إنه يزعم واحد خراسان في النظر وينكر البداء؟

قال: فلم لا تناظروه ؟ قال عمران: ذلك إليه .

فدخل الرضا عليه السلام فقال: في أي شئ كنتم ؟

قال عمران: يا بن رسول الله هذا سليمان المروزي .

فقال له سليمان: أترضى بأبي الحسن وبقوله فيه ؟

فقال عمران: قد رضيت بقول أبي الحسن في البداء على أن يأتيني فيه بحجة أحتج بها على نظرائي من أهل النظر . قال المأمون: يا أبا الحسن ما تقول فيما تشاجرا فيه ؟

قال عليه السلام : وما أنكرت من البداء يا سليمان ، والله عزّ وجلّ يقول: أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً.. ويقول عزّ وجلّ: وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ . ويقول: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ .ويقول عزّ وجلّ: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ . ويقول: وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ. ويقول: ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ.ويقول عزّ وجلّ: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ .. ويقول عزّ وجلّ: وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ .

قال سليمان: هل رويت فيه من آبائك شيئاً؟ قال: نعم رويت عن أبي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إن لله عزّ وجلّ علمين علماً مخزوناً مكنوناً لا يعلمه إلا هو ، من ذلك يكون البداء ، وعلماً علمه ملائكته ورسله ، فالعلماء من أهل بيت نبينا صلى الله عليه وآله يعلمونه.

قال سليمان: أحب أن تنزعه لي من كتاب الله عزّ وجلّ قال: قول الله عزّ وجلّ لنبيه صلى الله عليه وآله فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ. أراد هلاكهم ، ثم بدا لله تعالى فقال: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ.

قال سليمان: زدني جعلت فداك. قال الرضا عليه السلام : لقد أخبرني أبي عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله عزّ وجلّ أوحى إلى نبي من أنبيائه أن أخبر فلاناً الملك أني متوفيه إلى كذا وكذا ، فأتاه ذلك النبي فأخبره فدعا إلى الملك وهو على سريره حتى سقط من السرير ، وقال: يا رب أجلني حتى يشب طفلي وأقضي أمري ، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى ذلك النبي أن أئت فلاناً الملك فأعلمه أني قد أنسأت في أجله وزدت في عمره إلى خمس عشرة سنة. فقال ذلك النبي عليه السلام : يا رب إنك لتعلم أني لم أكذب قط. فأوحى الله عزوجل إليه: إنما أنت عبد مأمور فأبلغه ذلك. والله لا يسأل عما يفعل.

ثم التفت إلى سليمان فقال: أحسبك ضاهيت اليهود في هذا الباب قال: أعوذ بالله من ذلك ، وما قالت اليهود ؟

قال عليه السلام : قالت اليهود: يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ . يعنون أن الله تعالى قد فرغ من الأمر فليس يحدث شيئاً . فقال الله عزّ وجلّ: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا . ولقد سمعت قوماً سألوا أبي موسى بن جعفر عليه السلام عن البداء فقال: وما ينكر الناس من البداء وأن يقف الله قوماً يرجيهم لأمره ؟!

قال سليمان: ألا تخبرني عن إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، في أي شئ أنزلت ؟

قال عليه السلام : يا سليمان ليله القدر يقدر الله عزّ وجلّ فيها ما يكون من السنة إلى السنة من حياة أو موت أو خير أو شر أو رزق ، فما قدره في تلك الليلة فهو من المحتوم .

قال سليمان: الآن قد فهمت جعلت فداك ، فزدني .

قال عليه السلام : يا سليمان إن من الأمور أموراً موقوفة عند الله عزّ وجلّ ، يقدم منها ما يشاء ويؤخر ما يشاء ويمحو ما يشاء . يا سليمان إن علياً عليه السلام كان يقول: العلم علمان ، فعلم علمه الله وملائكته ورسله ، فما علمه ملائكته ورسله فإنه يكون ولا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله. وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحداً من خلقه ، يقدم منه ما يشاء ويؤخر منه ما يشاء ، ويمحو ما يشاء ، ويثبت ما يشاء .

قال سليمان للمأمون: يا أميرالمؤمنين لا أنكر بعد يومي هذا البداء ، ولا أكذب به إن شاء الله .فقال المأمون: يا سليمان سل أبا الحسن عما بدا لك ، وعليك بحسن الإستماع والإنصاف. قال سليمان:يا سيدي أسألك ؟ قال الرضا عليه السلام :سل عما بدا لك.

قال: ما تقول فيمن جعل الإرادة إسماً وصفة مثل حي وسميع وبصيروقدير؟

قال الرضا عليه السلام : إنما قلتم حدثت الأشياء واختلفت لأنه شاء وأراد ، ولم تقولوا حدثت الأشياء واختلفت لأنه سميع بصير ، فهذا دليل على أنهما ليستا مثل سميع ، ولا بصير، ولا قدير . قال: سليمان فإنه لم يزل مريداً ؟

قال عليه السلام : يا سليمان فإرادته غيره ؟ قال: نعم . قال: فقد أثبت معه شيئاً غيره لم يزل ؟ قال سليمان: ما أثبت ! قال الرضا عليه السلام : أهي محدثة ؟ قال سليمان: لا لا ما هي محدثة! فصاح به المأمون وقال يا سليمان: مثله يعايا أو يكابر!

عليك بالإنصاف ، أما ترى من حولك من أهل النظر!

ثم قال: كلمه يا أبا الحسن فإنه متكلم خراسان ، فأعاد عليه المسألة فقال: هي محدثة يا سليمان فإن الشئ إذا لم يكن أزلياً كان محدثاً ، وإذا لم يكن محدثاً كان أزلياً .

قال سليمان: إرادته منه ، كما أن سمعه وبصره وعلمه منه .

قال الرضا عليه السلام : فأراد نفسه؟ قال: لا. قال عليه السلام : فليس المريد مثل السميع والبصير. قال سليمان: إنما أراد نفسه كما سمع نفسه وأبصرنفسه وعلم نفسه .

قال الرضا عليه السلام : ما معنى أراد نفسه ؟ أراد أن يكون شيئاً وأراد أن يكون حياً أو سميعاً بصيراً أو قديراً ؟ قال: نعم . قال الرضا عليه السلام : أفبإرادته كان ذلك؟ قال سليمان: نعم . قال الرضا عليه السلام : فليس لقولك أراد أن يكون حياً سميعاً بصيراً معنى إذا لم يكن ذلك بإرادته؟قال سليمان: بلى قد كان ذلك بإرادته . فضحك المأمون ومن حوله !

وضحك الرضا عليه السلام ثم قال لهم: إرفقوا بمتكلم خراسان. يا سليمان فقد حال عندكم عن حاله وتغير عنها ، وهذا ما لا يوصف الله عزّ وجلّ به . فانقطع !

ثم قال الرضا عليه السلام : يا سليمان أسألك عن مسألة . قال: سل جعلت فداك .

قال: أخبرني عنك وعن أصحابك تكلمون الناس بما تفقهون وتعرفون؟ أو بما لا تفقهون ولا تعرفون ؟ قال: بل بما نفقه ونعلم .

قال الرضا عليه السلام : فالذي يعلم الناس أن المريد غير الإرادة ، وأن المريد قبل الإرادة ، وأن الفاعل قبل المفعول ، وهذا يبطل قولكم: إن الإرادة والمريد شئ واحد .

قال: جعلت فداك ليس ذلك منه على ما يعرف الناس ولا على ما يفقهون .

قال الرضا عليه السلام : فأراكم ادعيتم علم ذلك بلا معرفه وقلتم: الإرادة كالسمع والبصر إذا كان ذلك عندكم على ما لا يعرف ولا يعقل ! فلم يحر جواباً !

ثم قال الرضا عليه السلام : يا سليمان هل يعلم الله جميع ما في الجنة والنار؟ قال سليمان: نعم. قال عليه السلام : أفيكون ما علم الله تعالى أنه يكون من ذلك؟ قال: نعم . قال: فإذا كان حتى لايبقى منه شئ إلا كان ، أيزيدهم أو يطويه عنهم؟ قال سليمان: بل يزيدهم .

قال عليه السلام : فأراه في قولك قد زادهم ما لم يكن في علمه أنه يكون .

قال: جعلت فداك فالمريد لا غاية له . قال: فليس يحيط علمه عندكم بما يكون فيهما إذا لم يعرف غاية ذلك ، وإذا لم يحط علمه بما يكون فيهما لم يعلم ما يكون فيهما قبل أن يكون ! تعالى الله عزّ وجلّ عن ذلك علواً كبيراً .

قال سليمان: إنما قلت لايعلمه لأنه لاغاية لهذا لأن الله عزّ وجلّ وصفهما بالخلود ، وكرهنا أن نجعل لهما انقطاعاً .

قال الرضا عليه السلام : ليس علمه بذلك بموجب لانقطاعه عنهم ، لأنه قد يعلم ذلك ثم يزيدهم ثم لا يقطعه عنهم ، وكذلك قال الله عزّ وجلّ في كتابه: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ.وقال لأهل الجنة: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ .وقال عزّ وجلّ: وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ . لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ . فهو عزّ وجلّ يعلم ذلك ولا يقطع عنهم الزيادة !

أرأيت ما أكل أهل الجنة وما شربوا ليس يخلف مكانه؟قال: بلى.قال: أفيكون يقطع ذلك عنهم وقد أخلف مكانه ؟ قال سليمان: لا. قال: فكذلك كلما يكون فيها إذا ألف مكانه فليس بمقطوع عنهم .

قال سليمان:بلى يقطعه عنهم ولا يزيدهم . قال الرضا عليه السلام :إذاً يبيد فيها وهذا ياسليمان إبطال الخلود وخلاف الكتاب لأن الله عزّ وجلّ يقول: لهمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ.

ويقول عزّ وجلّ: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ويقول عزّ وجلّ:وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ . ويقول عزّ وجلّ: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً. ويقول عزّ وجلّ: وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ . فلم يحر جواباً !

ثم قال الرضا عليه السلام : يا سليمان ، ألا تخبرني عن الإرادة فعل هي أم غير فعل ؟ قال: بلى هي فعل . قال عليه السلام : فهي محدثة لأن الفعل كله محدث . قال: ليست بفعل. قال: فمعه غيره لم يزل؟ قال سليمان: الإرادة هي الإنشاء .

قال: يا سليمان هذا الذي عبتموه على ضرار وأصحابه من قولهم: إن كل ما خلق الله عزّ وجلّ في سماء أو أرض أو بحر أو بر ، من كلب أو خنزير أو قرد أو إنسان أو دابة ، إرادة الله ، وإن إرادة الله تحيا وتموت وتذهب وتأكل وتشرب وتنكح وتلذ وتظلم وتفعل الفواحش وتكفر وتشرك فيبرأ منها ويعاديها ، وهذا حدها .

قال سليمان: إنها كالسمع والبصر والعلم .

قال الرضا عليه السلام :قد رجعت إلى هذا ثانية فأخبرني عن السمع والبصروالعلم أمصنوع؟ قال سليمان: لا . قال الرضا عليه السلام : فكيف نفيتموه؟ قلتم لم يرد ، ومرةً قلتم أراد ؟! وليست بمفعول له .

قال سليمان: إنما ذلك كقولنا مرة علم ، ومرة لم يعلم .

قال الرضا عليه السلام : ليس ذلك سواء ، لأن نفي المعلوم ليس بنفي العلم ، ونفي المراد نفي الإرادة أن تكون ، لأن الشئ إذا لم يرد لم تكن إرادة فقد يكون العلم ثابتاً وإن لم يكن المعلوم بمنزلة البصر، فقد يكون الإنسان بصيراً وإن لم يكن المبصر، ويكون العلم ثابتاً وإن يكن المعلوم .

قال سليمان: إنها مصنوعة.قال عليه السلام :فهي محدثة ليست كالسمع والبصر لأن السمع والبصر ليسا بمصنوعين وهذه مصنوعة . قال سليمان: إنها صفة من صفاته لم تزل .

قال عليه السلام : فينبغي أن يكون الإنسان لم يزل ، لأن صفته لم تزل ؟!

قال سليمان: لا، لأنه لم يفعلها . قال الرضا عليه السلام : يا خراساني ما أكثر غلطك! أفليس بإرادته وقوله تكون الأشياء؟ قال سليمان: لا. قال: فإذا لم تكن بإرادته ولا مشيئته ولا أمره ولا بالمباشرة ، فكيف يكون ذلك ؟ تعالى الله عن ذلك ! فلم يحر جواباً .

ثم قال الرضا عليه السلام : ألا تخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا . يعني بذلك أنه يحدث إرادة ؟ قال له: نعم .

قال عليه السلام : فإذا حدث إرادة كان قولك إن الإرادة هي هو أو شئ منه باطلاً ، لأنه لا يكون أن يحدث نفسه ولا يتغير عن حاله ، تعالى الله عن ذلك .

قال سليمان: إنه لم يكن عنى بذلك أنه يحدث إرادة . قال: فما عنى به ؟ قال: عنى فعل الشئ . قال الرضا عليه السلام : ويلك كم تردد في هذه المسالة ؟ وقد أخبرتك أن الإرادة محدثة لأن فعل الشئ محدث ؟ ! قال: فليس لها معنى .

قال الرضا عليه السلام : قد وصف نفسه عندكم حتى وصفها بالإرادة بما لا معنى له ، فإذا لم يكن لها معنى قديم ولا حديث بطل قولكم إن الله عزّ وجلّ لم يزل مريداً .

قال سليمان: إنما عنيت أنها فعل من الله تعالى لم يزل .

قال عليه السلام : ألم تعلم أن ما لم يزل لا يكون مفعولاً وقديماً وحديثاً في حالة واحدة ؟

فلم يحر جواباً !

قال الرضا عليه السلام : لا بأس أتمم مسألتك .

قال سليمان: قلت إن الإرادة صفة من صفاته . قال الرضا عليه السلام : كم تردد أنها صفه من صفاته فصفته محدثة أو لم تزل؟قال سليمان: محدثة . قال الرضا عليه السلام : الله أكبر! فالإرادة محدثة وإن كانت صفة من صفاته ، لم تزل ؟ !فلم يردَّ شيئاً !!

قال الرضا عليه السلام : إن ما لم يزل لا يكون مفعولاً .

قال سليمان: ليس الأشياء إرادة ، ولم يرد شيئاً .

قال الرضا عليه السلام : وسوست يا سليمان، فقد فعل وخلق ما لم يزل خلقه وفعله ، وهذه صفة من لا يدري ما فعل ! تعالى الله عن ذلك!

قال سليمان: يا سيدي فقد أخبرتك أنها كالسمع والبصر والعلم. قال المأمون: ويلك يا سليمان كم هذا الغلط والترداد إطع وخذ في غيره إذ لست تقوى على غير هذا الرد.

قال الرضا عليه السلام : دعه يا أمير المؤمنين لاتقطع عليه مسألته فيجعلها حجة ، تكلم يا سليمان . قال: قد أخبرتك أنها كالسمع والبصر والعلم .

قال الرضا عليه السلام : لا بأس ، أخبرني عن معنى هذه ، أمعنى واحد أم معان مختلفة ؟

قال سليمان: معنى واحد . قال الرضا عليه السلام : فمعنى الإرادات كلها معنى واحد ؟

قال سليمان: نعم . قال الرضا عليه السلام : فإن كان معناها معنى واحداً كانت إرادة القيام إرادة القعود وإراده الحياة إرادة الموت ، إذا كانت إرادته واحدة لم تتقدم بعضها بعضاً ولم يخالف بعضها بعضاً ، وكانت شيئاً واحداً ؟ !

قال سليمان: إن معناها مختلف . قال عليه السلام : فأخبرني عن المريد أهو الإرادة أو غيرها ؟ قال سليمان: بل هو الإرادة .

قال الرضا عليه السلام : فالمريد عندكم مختلف إذا كان هو الإرادة !

قال: يا سيدي ليس الإرادة المريد .

قال عليه السلام : فالإرادة محدثة وإلا فمعه غيره ؟

إفهم وزد في مسألتك . قال سليمان: فإنها اسم من أسمائه .

قال الرضا عليه السلام : هل سمى نفسه بذلك ؟ قال سليمان: لا لم يسم به نفسه بذلك .

قال الرضا عليه السلام : فليس لك أن تسميه بما لم يسم به نفسه .

قال: قد وصف نفسه بأنه مريد . قال الرضا عليه السلام : ليس صفته نفسه ، إنه مريد إخبار عن أنه أراد ، ولا إخبار عن أن الإرادة اسم من أسمائه .

قال سليمان: لأن إرادته علمه . قال الرضا عليه السلام : يا جاهل! فإذا علم الشئ فقد أراده ! قال سليمان: أجل . فقال:فإذا لم يرده لم يعلمه ! قال سليمان: أجل.

قال عليه السلام : من أين قلت ذاك ؟ وما الدليل على أن إرادته علمه ؟ وقد يعلم ما لا يريده أبداً ، وذلك قوله عزّ وجلّ: وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ، فهو يعلم كيف يذهب به ،وهو لا يذهب به أبداً !

قال سليمان: لأنه قد فرغ من الأمر ، فليس يزيد فيه شيئاً .

قال الرضا عليه السلام : هذا قول اليهود فكيف قال تعالى: أُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ؟

قال سليمان: إنما عنى بذلك أنه قادر عليه. قال: أفيعد ما لا يفي به ! فكيف قال: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ. وقال عزّ وجلّ: يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ، وقد فرغ من الأمر ! فلم يحر جواباً !

قال الرضا عليه السلام : يا سليمان هل يعلم أن إنساناً يكون ولا يريد أن يخلق إنساناً أبداً وأن إنساناً يموت اليوم ولا يريد أن يموت اليوم؟ قال سليمان: نعم .

قال الرضا عليه السلام : فيعلم أنه يكون ما يريد أن يكون ، أو يعلم أنه يكون ما لا يريد أن يكون ؟ قال: يعلم أنهما يكونان جميعاً .

قال الرضا عليه السلام : إذاً يعلم أن إنساناً حي ميت قائم قاعد عمي بصير، في حالة واحدة وهذا هو المحال ! قال: جعلت فداك فإنه يعلم أنه يكون أحدهما دون الآخر .

قال: لا بأس فأيهما يكون ؟ الذي أراد أن يكون أو الذي لم يرد أن يكون ؟

قال سليمان: الذي أراد أن يكون .

فضحك الرضا عليه السلام والمأمون وأصحاب المقالات !

قال الرضا عليه السلام : غلطت وتركت قولك: إنه يعلم أن إنساناً يموت اليوم وهو لا يريد أن يموت اليوم ، وإنه يخلق خلقاً وإنه لا يريد أن يخلقهم ! وإذا لم يجز العلم عندكم بما لم يرد أن يكون ، فإنما يعلم أن يكون ما أراد أن يكون .

قال سليمان: فإنما قولي إن الإرادة ليست هو ولا غيره .

قال الرضا عليه السلام : يا جاهل ! إذا قلت ليست هو فقد جعلتها غيره ، وإذا قلت ليست هي غيره فقد جعلتها هو ! قال سليمان: فهو يعلم كيف يصنع الشئ ؟

قال عليه السلام : نعم. قال سليمان: فإن ذلك إثبات للشئ .

قال الرضا عليه السلام : أحلت ، لأن الرجل قد يحسن البناء وإن لم يبن ، ويحسن الخياطة وإن لم يخط ، ويحسن صنعة الشئ وان لم يصنعه أبداً .

ثم قال عليه السلام له: يا سليمان هل تعلم أنه واحد لا شئ معه ؟ قال: نعم .

قال الرضا عليه السلام فيكون ذلك إثباتاً للشئ. قال سليمان: ليس يعلم أنه واحد لا شئ معه. قال الرضا عليه السلام : أفتعلم أنت ذاك ؟ قال: نعم .

قال: فأنت يا سليمان إذاً أعلم منه ! قال سليمان: المسألة محال .

قال: محال عندك أنه واحد لا شئ معه وأنه سميع بصير حكيم قادر . قال: نعم . قال: فكيف أخبر عزّ وجلّ أنه واحد حي سميع بصير حكيم قادر عليم خبير وهو لا يعلم ذلك ! وهذا رد ما قاله وتكذيبه ، تعالى الله عن ذلك .

ثم قال له الرضا عليه السلام : فكيف يريد صنع ما لا يدري صنعه ولا ما هو ؟ وإذا كان الصانع لا يدري كيف يصنع الشئ قبل أن يصنعه ، فإنما هو متحير تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً . قال سليمان: فإن الإرادة القدرة .

قال الرضا عليه السلام : وهو عزّ وجلّ يقدر على ما لا يريده أبداً ، ولا بد من ذلك لأنه قال تبارك وتعالى: وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ. فلو كانت الإرادة هي القدرة كان قد أراد أن يذهب به لقدرته . فانقطع سليمان !

فقال المأمون عند ذلك: يا سليمان هذا أعلم هاشمي . ثم تفرق القوم .

قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه: كان المأمون يجلب على الرضا عليه السلام من متكلمي الفرق والأهواء المضلة كل من سمع به ، حرصاً على انقطاع الرضا عليه السلام عن الحجة مع واحد منهم ، وذلك حسداً منه له ولمنزلته من العلم ، فكان لا يكلمه أحد إلا أقر له بالفضل والتزم الحجة له عليه ، لأن الله تعالى ذكره يأبى إلا أن يعلي كلمته ويتم نوره وينصر حجته ، وهكذا وعد تبارك وتعالى في كتابه فقال: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ . يعني بالذين آمنوا الأئمة الهداة وأتباعهم العارفين بهم ، والآخذين عنهم بنصرهم بالحجة على مخالفيهم ما داموا في الدنيا ، وكذلك يفعل بهم في الآخرة ، وإن الله عزّ وجلّ لايخلف الميعاد ) .

 

أقول: ألف العلماء شروحاً لحديث الإمام الرضا عليه السلام مع سليمان المروزي ، وكذا حديثه مع عمران الصابي . قال صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة(1/88): ( إثبات حدوث الإرادة وإبطال أزليتها، وأنها من صفات الفعل لا من صفات الذات ، للمولى خليل بن محمد زمان القزويني ، فرغ منه في سنة 1148، أثبت فيه مدعاه بالبراهين العقلية ، وشرح فيه حديث عمران الصابي وحديث سليمان المروزي . وفيه تحقيقات لا توجد في غيره ، وهو كتاب مبسوط رأيت نسخته عند الفاضل السيد محمد ناصرالحسيني الطهراني بطهران . أوله: رب هب لي سمعاً يسمع آياتك..).

والظاهر أن سليمان المروزي الذي ناظره الإمام الرضا عليه السلام غير سليمان بن حفص المروزي الشيعي الموثق ، الذي يروي عنه ابن قولويه في كامل الزيارات كما في صفحة/380 ، والكليني في الكافي (3 / 326 و: 3 / 283 ) والصدوق في العيون (1/290 ) والفقيه (3 / 310 ، وقال في طريقه إليه (4/458): وما كان فيه عن سليمان بن حفص المروزي فقد رويته عن أبي رضي الله عنه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي ، عن سليمان بن حفص المروزي ) .

وقد جعله السيد الخوئي1نفس سليمان بن حفص، قال في معجمه (9/ 254): (سليمان بن حفص= سليمان المروزي.ونقل كلام الصدوق عن سليمان بن حفص الشيعي قال: (لقي سليمان بن حفص موسى بن جعفر والرضا صلى الله عليه وآله جميعاً ولا أدري هذا الخبر عن أيهما هو؟) .

وهو أيضاً غير سليمان بن جعفر المروزي ، وسليمان بن داوود المروزي ، وهما شيعيان من أصحاب الكاظم والرضا والهادي عليهم السلام .

وقد رجح النمازي رحمه الله في مستدركاته(4/ 146) أن يكون سليمان المروزي هذا هو الذي روى عنه البخاري والنسائي، وهو ترجيح قوي ، فقد قال ابن ماكولا الكلبايكاني في إكمال الكمال(4/458): (سلمويه: جماعة أشهرهم أبو صالح سليمان بن صالح المروزي صاحب ابن المبارك ، وسليمان بن صدقة التميمي ، وسلمة بن نجم البخاري النحوي ).

وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء(9/433): (سلمويه ( خ ، س) الحافظ المعمر أبو صالح، سليمان بن صالح الليثي ، مولاهم المروزي ، صاحب ابن المبارك . عنه: ابن راهويه وأحمد بن شبويه وعدة . يقال: عاش مئة سنة).وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب(4/174): (إن عمره جاوز المئة وتوفي قبل سنة 210.انتهى. وهو يقبل الإنطباق على صاحب المناظرة .

أما عمران الصابي ، فلم أجد له إلا ترجمات مقتضبة لم تذكر إسم أبيه ، وقد عرف بلقب (الصابي) جماعة ، أقدم من وجدت منهم حنين بن إسحاق العبادي الصابي الطبيب المشهور، توفي سنة 260 ، ولا يعلم أن له علاقة بعمران الصابي . ومنهم ثابت بن قرة الصابي الفلكي توفي سنة 288 ، وكان مقرباً عند الخليفة المعتضد ، ونقل كتباً عن اليونانية ، وألف في إثبات عقيدة الصابئة بحياة الأفلاك ، ورد عليه متكلم الشيعة في وقته الحسن بن موسى النوبختي وألف كتباً في رد الفلاسفة ، منها كتاب الرد على ثابت بن قرة ( رجال النجاشي/63 ) .

ومنهم أبو إسحاق الصابي إبراهيم بن هلال الأديب ، الذي رثاه الشريف الرضي رحمه الله .

مع علي بن محمد بن الجهم

وهو علي بن الجهم بن بدر الكاتب المنسوب الى سامة بن لؤي ، المعروف بالنصب ووضع الأحاديث . وقد روي نفى النبي صلى الله عليه وآله أن يكون لسامة بن لؤي أولاد وقيل نسبتهم اليه أمهم! قال الأميني في كتاب: الوضاعون وأحاديثهم/225: (علي بن الجهم بن بدر السامي الخراساني ثم البغدادي المقتول سنة 249: كان أكذب خلق الله ، مشهوراً بالنصب كثير الحط على علي وأهل البيت عليهم السلام وقيل: إنه كان يلعن أباه لم سماه علياً. وهجاه البحتري ).

وقال المسعودي في مروج الذهب(2/408): (ولست تكاد ترى ساميَّا إلا منحرفاً عن علي: من ذلك ما ظهر من علي بن الجهْم الشاعر السامي من النصب والإنحراف ، وقد أتينا على لمع من شعره وأخباره في الكتاب الأوسط ، ولقد بلغ من انحرافه ونصبه العداوة لعلي عليه السلام أنه كان يلعن أباه فسئل عن ذلك ، وبم استحقَّ اللعن منه ؟ فقال: بتسميته إياي علياً) .

وقال السهيلي في الروض الأنف(1/131): (وكان بنو سامة بالعراق أعداء لعلي والذين خالفوا علياً منهم: بنو عبد البيت ، ومنهم: علي بن الجهم الشاعر قيل: إنه كان يلعن أباه لما سماه علياً ، بغضاً منه في علي)!

وقال ابن حجر في لسان الميزان(4/310): (وأما علي بن الجهم بن بدر بن محمد بن مسعود بن أسد بن أذينة السامي الشاعر في أيام المتوكل فكان مشهوراً بالنصب كثير الحط على علي وأهل البيت . وقيل إنه كان يلعن أباه لم سماه علياً ! قتل في أيام المستعين سنة تسع وأربعين ومائتين).

أما علي بن محمد بن الجهم الذي ناظره الإمام الرضا عليه السلام فهوغيره ، وهو محدث خراساني ، وقد اشتبه بعضهم فعدهما واحداً !

قال في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2 /170): ( باب ذكر مجلس آخر للرضا عليه السلام عند المأمون مع أهل الملل والمقالات ، وما أجاب به علي بن محمد بن الجهم في عصمة الأنبياء سلام الله عليهم أجمعين:

حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله عنه ، والحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكتب، وعلي بن عبد الله الوراق رضي الله عنهم قالوا: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم قال: حدثنا القاسم بن محمد البرمكي قال: حدثنا أبو الصلت الهروي قال:لما جمع المأمون لعلي بن موسى الرضا عليه السلام أهل المقالات من أهل الاسلام والديانات من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين وسائر المقالات ، فلم يقم أحد إلا وقد ألزمه حجته كأنه ألقم حجراً ، قام إليه علي بن محمد بن الجهم فقال له: يا بن رسول الله أتقول بعصمه الأنبياء عليهم السلام ؟ قال عليه السلام : نعم . قال: فما تعمل في قول الله عزّ وجلّ: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى. وفي قوله عزّ وجلّ: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ. وفي قوله عزّ وجلّ في يوسف عليه السلام : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا. وفي قوله عزّ وجلّ في داود: قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ. وقوله تعالى في نبيه محمد صلى الله عليه وآله : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ .

فقال الرضا عليه السلام :ويحك يا علي إتق الله ولاتنسب إلى أنبياء الله عليهم السلام الفواحش ولا تتأول كتاب الله برأيك ، فإن الله عزّ وجلّ قد قال: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ. وأما قوله عزّ وجلّ في آدم: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى . فإن الله عزّ وجلّ خلق آدم حجة في أرضه وخليفة في بلاده ، لم يخلقه للجنة . وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض وعصمته يجب أن تكون في الأرض لتتم مقادير أمر الله ، فلما أهبطه إلى الأرض وجعله حجة وخليفة عصمه بقوله عزّ وجلّ: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ .

وأما قوله عزّ وجلّ: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ، إنما ظن بمعنى استيقن أن الله لن يضيق عليه رزقه ، ألا تسمع قول الله عزّ وجلّ: وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ. أي ضيق عليه رزقه ولو ظن أن الله لا يقدر عليه لكان قد كفر .

وأما قوله عزّ وجلّ في يوسف: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا فإنها همت بالمعصية وهم يوسف بقتلها إن أجبرته لعظم ما تداخله ! فصرف الله عنه قتلها والفاحشة وهو قوله عزّ وجلّ: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ. يعني القتل والزنا . وأما داود عليه السلام فما يقول من قبلكم فيه ؟

فقال علي بن محمد بن الجهم: يقولون إن داود عليه السلام كان في محرابه يصلي فتصور له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون الطيور ، فقطع داود صلاته وقام ليأخذ الطير، فخرج الطير إلى الدار فخرج الطير إلى السطح فصعد في طلبه ، فسقط الطير في دار أوريا بن حنان ، فاطلع داود في أثر الطير بامرأة أوريا تغتسل ، فلما نظر إليها هواها ، وقد أخرج أوريا في بعض غزواته ، فكتب إلى صاحبه أن قدم أوريا أمام التابوت ، فقدم فظفر أوريا بالمشركين ، فصعب ذلك على داود ، فكتب إليه ثانية أن قدمه أمام التابوت فقدم فقتل أوريا ، فتزوج داود بامرأته !

قال: فضرب الرضا عليه السلام بيده على جبهته وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون ! لقد نسبتم نبياً من أنبياء الله عليهم السلام إلى التهاون بصلاته حتى خرج في أثر الطير ، ثم بالفاحشة ثم بالقتل !

فقال: يا ابن رسول الله فما كان خطيئته؟ فقال: ويحك ! إن داود إنما ظن أن ما خلق الله عزّ وجلّ خلقاً هو أعلم منه ، فبعث الله عزّ وجلّ إليه الملكين فتسورا المحراب ، فقالا: خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ . إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ. قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ. فعجل داود عليه السلام على المدعى عليه فقال: قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ. ولم يسأل المدعي البينة على ذلك ، ولم يقبل على المدعى عليه فيقول له: ما تقول ؟ فكان هذا خطيئة رسم الحكم لاما ذهبتم إليه !

ألا تسمع الله عزّ وجلّ يقول: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ. فقال: يا بن رسول الله فما قصته مع أوريا ؟فقال الرضا عليه السلام : إن المرأة في أيام داود عليه السلام كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوج بعده أبداً ، وأول من أباح الله له أن يتزوج بامرأة قتل بعلها كان داود عليه السلام فتزوج بامرأة أوريا لما قتل وانقضت عدتها منه، فذلك الذي شق على الناس من قبل أوريا .

وأما محمد صلى الله عليه وآله وقول الله عزّ وجلّ: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ. فإن الله عزّ وجلّ عرف نبيه صلى الله عليه وآله أسماء أزواجه في دار الدنيا وأسماء أزواجه في دار الآخرة وأنهن أمهات المؤمنين ، وإحداهن من سمى له زينب بنت جحش ، وهي يومئذ تحت زيد بن حارثة ، فأخفى اسمها في نفسه ولم يبده لكيلا يقول أحد من المنافقين إنه قال في امرأة في بيت رجل إنها إحدى أزواجه من أمهات المؤمنين ، وخشي قول المنافقين ، فقال الله عزّ وجلّ: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ، يعني في نفسك.

وإن الله عزّ وجلّ ما تولى تزويج أحد من خلقه إلا تزويج حواء من آدم عليه السلام وزينب من رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً. وفاطمة من علي صلى الله عليه وآله .

قال: فبكى علي بن محمد بن الجهم وقال: يا بن رسول الله: أنا تائب إلى الله عزّ وجلّ من أن أنطق في أنبياء الله عليهم السلام بعد يومي إلا بما ذكرته ) .

مع رجل من الزنادقة

في عيون أخبار الرضا عليه السلام (1/120): (عن محمد بن عبد الله الخراساني خادم الرضا عليه السلام قال: دخل رجل من الزنادقة على الرضا عليه السلام وعنده جماعه فقال له أبو الحسن عليه السلام : أرأيت إن كان القول قولكم وليس هو كما تقولون السنا وإياكم شرع سواء ولايضرنا ما صلينا وصمنا وزكينا وأقررنا؟ فسكت . فقال أبو الحسن عليه السلام : وإن يكن القول قولنا وهو قولنا لاكما تقول ، ألستم قد هلكتم ونجونا ؟

قال: رحمك الله فأوجدني كيف هو؟ وأين هو ؟ قال: ويلك إن الذي ذهبت إليه غلط وهو أيَّن الأين ، كان ولا أين ، وكان ولا كيف فلا يعرف بكيفوفية ولا بأينونية ، ولا يدرك بحاسة ولا يقاس بشئ ! قال الرجل: فإذاً إنه لا شئ إذا يدرك بحاسة من الحواس ! فقال أبو الحسن عليه السلام : ويلك لما عجزت حواسك عن إدراكه أنكرت ربوبيته ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنا أنه ربنا وأنه شئ بخلاف الأشياء !

قال الرجل: فأخبرني متى كان؟ قال: أبو الحسن عليه السلام : أخبرني متى لم يكن فأخبرك متى كان ! قال الرجل: فما الدليل عليه ؟ قال أبو الحسن: إنى لما نظرت جسدي فلم يمكني زيادة ولا نقصان في العرض والطول ودفع المكاره عنه وجر المنفعة إليه ، علمت أن لهذا البنيان بانياً ، فأقررت به مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته ، وإنشاء السحاب ، وتصريف الرياح ، ومجرى الشمس والقمر والنجوم ، وغير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات ، علمت أن لهذا مقدِّراً ومُنشِأ !

قال الرجل: فلم احتجب ؟ فقال أبو الحسن: إن الحجاب على الخلق لكثره ذنوبهم ، فأما هو فلا يخفى عليه خافيه ، في آناء الليل والنهار.

قال: فلم لاتدركه حاسه الأبصار؟ قال: للفرق بينه وبين خلقه الذين تدركهم حاسه الأبصار ، منهم ومن غيرهم .

ثم هو أجل من أن يدركه بصر ، أو يحيطه وهمٌ ، أو يضبطه عقل .

قال: فحده لي . قال: لا حد له قال: ولمَ ؟ قال: لأن كل محدود متناه إلى حد ، وإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة ، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان فهو غير محدود، ولا متزايد ، ولا متناقص ، ولا متجزٍّ ، ولا متوهم !

قال الرجل: فأخبرني عن قولكم:إنه لطيف وسميع وحكيم وبصير وعليم ، أيكون السميع إلابإذن ، والبصير إلابالعين ، واللطيف إلا بالعمل باليدين ، والحكيم إلا بالصنعة ؟

فقال أبو الحسن عليه السلام : إن اللطيف منا على حد اتخاذ الصنعة ، أوَمَا رأيت الرجل يتخذ شيئاً يلطف في اتخاذه ؟ فيقال ما ألطف فلاناً ، فكيف لا يقال للخالق الجليل لطيف إذ خلق خلقاً لطيفاً وجليلاً وركَّب في الحيوان منه أرواحها ، وخلق كل جنس متبايناً من جنسه في الصورة ، لا يشبه بعضه بعضاً ، فكلُّ ما له لطف من الخالق اللطيف الخبير ، في تركيب صورته .

ثم نظرنا إلى الأشجار وحملها أطايبها المأكولة ، فقلنا عند ذلك: إن خالقنا لطيف لا كلطف خلقه في صنعتهم ، وقلنا إنه سميع لا يخفى عليه أصوات خلقه ما بين العرش إلى الثرى من الذرة إلى أكبر منها في برها وبحرها ولا يشتبه عليه لغاتها ! فقلنا عند ذلك: إنه سميع لابأُذن ، وقلنا إنه بصير لا ببصر ، لأنه يرى أثر الذرة السحماء في الليلة الظلماء على الصخرة السوداء ، ويرى دبيب النمل الليلة الدجنة ، ويرى مضارها ومنافعها ، وأثر سفادها ، وفراخها ونسلها ، فقلنا عند ذلك إنه بصير لا كبصر خلقه ! قال: فما برح حتى أسلم ).

 

 

الفصل التاسع

الإمام الرضا عليه السلام يخلص المأمون من براثن الفضل !

نشاط الحزب الكسروي في تاريخنا الإسلامي !

نلاحظ في تاريخنا أن بكير بن ماهان كان مهندس ثورة العباسيين ، ووليَّ أمرهم حتى أجلسهم على كرسي الخلافة ، وعمل في ذلك نحو عشرين سنة .

وهو الذي أرسل غلامه أبا مسلم الخراساني الى خراسان ، وكان يقوده من الكوفة ! ثم استخلف صهره أبا سلمة الخلال فتابع قيادة الثورة وهو يبيع الخل في الكوفة ، ولما دخل جيش الخراسانيين الى الكوفة كان أبو مسلم يقبل يده ، وجاء العباسيون حبسهم الخلال في بيت وكان يبحث عن خليفة مطيع له! وقد حاول مع الإمام الصادق عليه السلام فلم يجب على كتابه بل أحرقه وقال للرسول هذا جوابي ! فنصب أبا العباس السفاح خليفة وكانوا يسمون أبا سلمة: وزير آل محمد !

ثم جاء الدوانيقي الذي تسمى بالمنصور وأمه فارسية من جنوب إيران ، فقتل أخاه السفاح ، ثم قتل أبا سلمة الخلال ، ثم قتل أبا مسلم الخراساني !

ثم نلاحظ أن يحيى بن خالد البرمكي كان مهندس خلافة هارون حتى طغى وأراد جعل نارالمجوس في الكعبة ومساجد المسلمين فنبه الإمام الكاظم عليه السلام هارون وكشف له البرامكة ، فتخلص منهم هارون .

ثم نلاحظ أن تلميذ البرامكة الفضل بن سهل كان مهندس خلافة المأمون فكان الحاكم المطلق في خراسان ومشرق الدولة الإسلامية ، وكان أخوه الحسن بن سهل الحاكم المطلق في بغداد ومغرب الدولة .

حتى نبه الإمام الرضا عليه السلام المأمون وحثه على التخلص منهما والعودة الى بغداد ، فقتل المأمون الفضل وعاد الى بغداد ، وعظَّم أخاه الحسن بن سهل وتزوج ابنته بوران ، ليسكته عن قتل أخيه الفضل .

والسؤال: من هم هؤلاء الذين كانت لهم هذه الأدوار الخطيرة والكبيرة في التاريخ ؟

والجواب: أنهم من العقليات الكسروية الكثيرة التي تزخر بها فارس وبيوتها السبعة التي يسمونها بيوت الملك مثل الفيشداذية، والكيانية، والأشكانية ، والساسانية ، ومنهم كسرى الشاهنشاه . فقد انهار نظام كسرى بأمر الله تعالى وتفككت دولته ، ودخل أكثر الفرس في الإسلام ، واختفت هذه الأسر في الظاهر ، لكنها بقيت موجودة تعمل لإعادة الدولة الكسروية في الخفاء .

ولما رأى هؤلاء القوميون الفرس أنهم فقدوا شعبيتهم لأن الفُرس دخلوا في الإسلام وليسوا حاضرين للعودة الى ظلم ملوكهم، قرروا العمل باللعبة السياسية الإسلامية، والصراع على الخلافة ونصب وعزل الخلفاء .

ولما رأوا أن ظلم بني أمية طفح في إذلال الأمة الإسلامية وخاصة الفرس ، تبنوا الثورة عليهم باسم آل محمد ، ورفعوا شعار الدعوة الى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وآله ، وهم يقصدون العلويين والعباسيين، فاستجاب لهم الناس ، وكان أول المستجيبين الفرس الخراسانيون لشدة الظلم فيهم .

وقد استثمروا التحولات الكبيرة التي حدثت في ذلك العصر، حيث نشأت الحركة الحسنية لإسقاط الدولة الأموية بقيادة عبد الله بن الحسن المثنى ، وانضمَّ إليها أبناء محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ، وبايعوا ابن عبدالله بن الحسن وسموه المهدي: (قال عمير بن الفضل الخثعمي: رأيت أبا جعفر المنصور يوماً وقد خرج محمد بن عبد الله بن الحسن من دار أبيه ، وله فرس واقف على الباب مع عبد له أسود وأبو جعفر ينتظره ، فلما خرج وثب أبو جعفر فأخذ بردائه حتى ركب ، ثم سوى ثيابه على السرج ومضى محمد . فقلت وكنت حينئذ أعرفه ولا أعرف محمداً: من هذا الذي أعظمته هذا الإعظام حتى أخذت بركابه وسويت عليه ثيابه؟ قال:أوما تعرفه؟قلت: لا. قال:هذا محمد بن عبد الله بن الحسن مهدينا أهل البيت).(مقاتل الطالبيين /161).

كان هذا سنة 126عندما اختلف الأمويون بينهم على الخلافة ، ولم تطل المدة حتى انقلب العباسيون على الحسنيين وأقنعوا بكير بن ماهان مهندس الثورة الإيرانية ضد الأمويين ومعه غلامه أبا مسلم، وبعده صهره أبا سلمة الخلال بأن يبايعوهم، فبايعوا أبا العباس السفاح،ثم حكم المنصورالدوانيقي فاستشاط الحسنيون غضباً وثاروا عليهم بقيادة مهديهم محمد بن عبد الله بن الحسن، الذي كتب للمنصور:

(فإن الحق حقنا ، وإنما ادعيتم هذا الأمر بنا ، وخرجتم له بشيعتنا وحظيتم بفضلنا وإن أبانا علياً كان الوصي وكان الإمام فكيف ورثتم ولايته ووُلده أحياء ! ثم قد علمت أنه لم يطلب هذا الأمر أحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا.لسنا من أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء! وليس يمت أحد من بني هاشم بمثل الذي نمتُّ به من القرابة والسابقة والفضل ) . ( الطبري: 1 / 196) .

ويقصد باللعناء آل أبي سفيان ، وبالطرداء آل مروان ، وبالطلقاء آل العباس، لأن النبي صلى الله عليه وآله أسر العباس في بدر وأطلقه بفدية ، وكانت القاعدة عند المسلمين أن الخلافة لاتحل للطلقاء ولا لأولادهم ! ولذلك لم يجعل عمرالعباس في الشورى وقال: (هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد ، ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد ، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شئ ) . (الطبقات:3 /342 )ورواه ابن حجر في فتح الباري: 13/178، وتاريخ دمشق: 59 / 145 ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي / 113 .

ولما انتصرأبو مسلم ودخل جيشه الى الكوفة كان أبو سلمة يبحث عن خليفة علوي مطيع له، فحبس بني العباس في الكوفة أربعين يوماً أو شهرين ، بل رووا أنه أهانهم ولم يعطهم أجرة الجمال الذي حملهم إلى الكوفة !

وكتب إلى الإمام الصادق عليه السلام يقول إنا دعونا الناس إلى الرضا من آل محمد ولم نسم شخصاً، ويعرض عليه أن يأتي الى الكوفة ليأخذ له البيعة ، فلم يقبل الصادق عليه السلام وأحرق كتابه ، وقال لرسوله: هذا الجواب !

وعرف بعض القادة الصغار عمل أبي سلمة فحركوا القادة ضده ، وأخرجوا العباسيين من حبسهم فاعتذر أبو سلمة بأنه كان يُحكم الأمر للعباسيين !

قال في عمدة الطالب/101: (ولما قدم أبو العباس السفاح وأهله سراً على أبي سلمة الخلال الكوفة ، ستر أمرهم وعزم أن يجعلها شورى بين ولد علي والعباس حتى يختاروا هم من أرادوا ).

الفضل بن سهل الكسروي يتبنى المأمون!

قال الفخري في الآداب السلطانية/318:(كان الفضل بن سهل من أولاد ملوك الفرس المجوس وكان قهرمانا ًليحيى بن خالد بن برمك(أي وكيلاً)وكان أبوه سهل مجوسياً فأسلم في أيام الرشيد . قالوا: لما رأى الفضل بن سهل نجابة المأمون في صباه ونظر في طالعة وكان خبيراً بعلم النجوم فدلته النجوم على أنه يصير خليفة لزم ناحيته وخدمه ودبر أموره ، حتى أفضت الخلافة إليه فاستوزره.. فلما علت حال الفضل وتولى الوزارة ، قصده مسلم بن الوليد ، فلما رآه سر به قال له: هذه الدولة التي يرفع فيها حالك الحال ، وأمر له بثلاثين ألف درهم ، وولاه بريد جرجان فاستفاد من ثم مالاً طائلاً ، قالوا: كانت همة ذي الرئاستين عالية جداً من قبل أن يعظم أمره ، قال له مؤدب المأمون يوماً في أيام الرشيد: إن المأمون لجميل الرأي فيك ، وإني لا أستبعد أن يحصل لك من جهته ألف ألف درهم ، فاعتاظ الفضل من ذلك وقال له: ألك عليَّ حقد؟ ألي إليك إساءة ؟ فقال له المؤدب لا والله ، ما قلت هذا إلا محبة لك ، فقال: أتقول لي إنك تحصل معه ألف ألف درهم؟ والله ما صحبته لأكتسب منه مالاً قل أو جل ، ولكن صحبته ليمضي حكم خاتمي هذا في الشرق والغرب ، قال: فوالله ما طالت المدة حتى بلغ ما أمَّل ).

أقول: يدل هذا النص على أن الفضل كان يريد حكم المسلمين ، بواسطة المأمون. وقد وصل الى هذا ، فكان أيام المأمون الحاكم المطلق الذي لا يرد له أمر ! وكان المأمون يهابه ويداريه ، وكان يأمر وينهى على مرأى من المأمون . وأحياناً ينقض أمر المأمون ! فيسكت المأمون ويقول لا بد أن أداريه ! قال في النجوم الزاهرة(2/102): (وسار من بغداد إلى النهروان واستخلف على بغداد ابنه الأمين وأمر ابنه المأمون بالمقام ببغداد فقال الفضل بن سهل للمأمون حين أراد الرشيد المسير: لست تدري ما يحدث بالرشيد وخراسان ولايتك والأمين مقدم عليك ، وإنَّ أحسن ما يصنع بك أن يخلعك وهو ابن زبيدة وأخواله بنو هاشم وزبيدة وأموالها ، فاطلب من أبيك الرشيد أن تسير معه ، فطلب فأجابه الرشيد بعد امتناع).

وقال المسعودي في مروج الذهب (2/174): (ثم أفضى الأمر إلى المأمون ، فكان في بدء أمره غلب عليه الفضل بن سهل وغيره،ويستعمل النظر في أحكام النجوم وقضاياها، وينقاد إلى موجباتها ، ويذهب مذاهب من سلف من ملوك ساسان ، كأردشير بن بابك وغيره ).

وفي المستجاد من الإرشاد/207: (وكان الرضا عليه السلام يزري على الحسن والفضل ابني سهل عند المأمون إذا ذكرهما ويصف لهما مساويهما ، وينهاه عن الإصغاء إلى قولهما ، وعرفا ذلك منه فجعلا يوشيان عليه عند المأمون ويذكران له عنه ما يبعده منه ، ويخوفانه من حمل الناس عليه ، فلم يزالا كذلك حتى قلبا رأيه فيه وعمل على قتله ).

وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/175 ): (وإن الفضل اختاره يحيى بن خالد البرمكي لخدمة المأمون فضمه إليه فتغلَّب عليه ، فاستبد بالأمر دونه ، فإنما لقب بذو الرياستين فإنه تقلد الوزارة ورياسة الجند . واحتال المأمون على الفضل بن سهل حتى قتله غالب خال المأمون في حمام بسرخس مغافصة (غدراً) في شعبان سنة ثلاث ومأتين.

واحتال على علي بن موسى الرضا عليه السلام حتى سم في علة كانت أصابته فمات وأمر بدفنه بسناباذ من طوس بجنب قبر هارون الرشيد ، وذلك صفر سنة ثلاث ومأتين ، وكان ابن اثنتين وخمسين سنة) . والصحيح: في رمضان سنة ثلاث ومئتين .

ثم قال الصدوق رداً على من قال إن الفضل أشار على المأمون بتولية الرضا ولاية عهده: والصحيح عندي أن المأمون إنما ولاه العهد وبايع له للنذر الذي قد تقدم وأن الفضل بن سهل لم يزل معادياً ومبغضاً له وكارهاً لأمره لأنه كان من صنائع آل برمك ).

وقال المفيد في الإرشاد (2/260): (ذكر جماعة من أصحاب الأخبار ورواة السيروالآثار وأيام الخلفاء: أن المأمون لما أراد العقد للرضا علي بن موسى وحدث نفسه بذلك ، أحضرالفضل بن سهل فأعلمه ما قد عزم عليه من ذلك وأمره بالإجتماع مع أخيه الحسن بن سهل على ذلك ، ففعل واجتمعا بحضرته ، فجعل الحسن يعظم ذلك عليه ويعرفه ما في إخراج الأمر من أهله عليه ، فقال له المأمون: إني عاهدت الله أنني إن ظفرت بالمخلوع أخرجت الخلافة إلى أفضل آل أبي طالب ، وما أعلم أحداً أفضل من هذا الرجل على وجه الأرض . فلما رأى الحسن والفضل عزيمته على ذلك أمسكا عن معارضته فيه ، فأرسلهما إلى الرضا عليه السلام فعرضا ذلك عليه فامتنع منه ، فلم يزالا به حتى أجاب ، ورجعا إلى المأمون فعرفاه إجابته فسرَّ بذلك وجلس للخاصة في يوم خميس ، وخرج الفضل بن سهل فأعلم الناس برأي المأمون في علي بن موسى ، وأنه قد ولاه عهده وسماه الرضا ، وأمرهم بلبس الخضرة والعود لبيعته في الخميس الآخر، على أن يأخذوا رزق سنة ).

كان الفضل يحجب أخبار المسلمين عن المأمون!

قال الطبري في تاريخه (7/147): (ذكر أن علي بن موسى بن جعفر بن محمد العلوي أخبر المأمون بما فيه الناس من الفتنة والقتال منذ قُتل أخوه وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من الأخبار ، وأن أهل بيته والناس قد نقموا عليه أشياء ، وأنهم يقولون إنه مسحور مجنون ، وأنهم لما رأوا ذلك بايعوا لعمه إبراهيم بن المهدى بالخلافة ، فقال المأمون إنهم لم يبايعوا له بالخلافة وإنما صيروه أميراً يقوم بأمرهم على ما أخبره به الفضل ، فأعلمه أن الفضل قد كذبه وغشه ، وأن الحرب قائمة بين إبراهيم والحسن بن سهل ، وأن الناس ينقمون عليك مكانه ومكان أخيه ، ومكاني ومكان بيعتك لي من بعدك !

فقال: ومن يعلم هذا من أهل عسكري فقال له: يحيى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وعدة من وجوه أهل العسكر، فقال له أدخلهم عليَّ حتى أسائلهم عما ذكرت فأدخلهم عليه ، وهم يحيى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وموسى وعلي بن أبي سعيد وهو ابن أخت الفضل وخلف المصري ، فسألهم عما أخبره فأبوا أن يخبروه حتى يجعل لهم الأمان من الفضل بن سهل ألا يعرض لهم ، فضمن ذلك لهم وكتب لكل رجل منهم كتاباً بخطه ودفعه إليهم ، فأخبروه بما فيه الناس من الفتن وبينوا ذلك له وأخبروه بغضب أهل بيته ومواليه وقواده عليه في أشياء كثيرة ، وبما موَّه عليه الفضل من أمر هرثمة وأن هرثمة إنما جاء لينصحه وليبين له ما يعمل عليه ، وأنه إن لم يتدارك أمره خرجت الخلافة منه ومن أهل بيته ، وأن الفضل دس إلى هرثمة من قتله وأنه أراد نصحه ! وأن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته ما أبلى وافتتح ما افتتح وقاد إليه الخلافة مزمومة ، حتى إذا وطَّأ الأمر أُخرج من ذلك كله وصُيِّر في زاوية من الأرض بالرقة، قد حظرت عليه الأموال حتى ضعف أمره فشغب عليه جنده ، وأنه لو كان على خلافتك ببغداد لضبط الملك ولم يجترئ عليه بمثل ما اجترأ به على الحسن بن سهل ، وأن الدنيا قد تفتقت من أقطارها وأن طاهر بن الحسين قد تنوسي في هذه السنين منذ قتل محمد ، في الرقة لايستعان به في شئ من هذه الحروب ، وقد استعين بمن هو دونه أضعافاً .

وسألوا المأمون الخروج إلى بغداد في بني هاشم والموالي والقواد والجند لو رأوا غُرتك سكنوا إلى ذلك وبخعوا بالطاعة لك، فلما تحقق ذلك عند المأمون أمر بالرحيل إلى بغداد ، فلما أمر بذلك علم الفضل بن سهل ببعض ذلك من أمرهم فتعنتهم حتى ضرب بعضهم بالسياط وحبس بعضاً ونتف لحى بعض ، فعاوده علي بن موسى عليه السلام في أمرهم وأعلمه ما كان من ضمانه لهم ، فأعلمه أنه يداري ما هو فيه ثم ارتحل من مرو ، فلما أتى سرخس شد قوم على الفضل بن سهل وهو في الحمام فضربوه بالسيوف حتى مات ، وذلك يوم الجمعة لليلتين خلتا من شعبان سنة 202 فأُخذوا وكان الذين قتلوا الفضل من حشم المأمون وهم أربعة نفر أحدهم غالب المسعودي الأسود وقسطنطين الرومي وفرج الديلمي وموفق الصقلبي وقتلوه وله ستون سنة وهربوا ، فبعث المأمون في طلبهم وجعل لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار ، فجاء بهم العباس بن الهيثم ابن بزرجمهر الدينوري فقالوا للمأمون:أنت أمرتنا بقتله فأمر بهم فضربت أعناقهم وقد قيل إن الذين قتلوا الفضل لما أُخذوا سألهم المأمون فمنهم من قال إن علي بن أبي سعيد بن أخت الفضل دسهم ، ومنهم من أنكر ذلك!

وأمر بهم فقتلوا ثم بعث إلى عبد العزيز بن عمران وعلي وموسى وخلف فسألهم فأنكروا أن يكونوا علموا بشئ من ذلك ، فلم يقبل ذلك منهم وأمر بهم فقتلوا وبعث برؤوسهم إلى الحسن بن سهل إلى واسط ، وأعلمه ما دخل عليه من المصيبة بقتل الفضل وأنه قد صيره مكانه ووصل الكتاب بذلك إلى الحسن في شهر رمضان فلم يزل الحسن وأصحابه بواسط حتى أدركت الغلة وجبى بعض الخراج ورحل المأمون من سرخس نحو العراق يوم الفطر ) .

وفي تاريخ بغداد (7/331): (وأقبل المأمون من خراسان ، فقوى لذلك الحسن بن سهل، ووجه من فم الصلح من حارب إبراهيم بن المهدي ، فضعف أمر إبراهيم واستتر ، ثم دخل المأمون بغداد) .

أخطر موقف للإمام الرضا عليه السلام

كان الإمام الرضا عليه السلام يرى أن المأمون إن بقي في خراسان عزله الفضل عن العالم وكرَّه الناس فيه حتى يتحرك الناس ضده ويقتلونه ، ومعناه أن كيان رئاسة الدولة الإسلامية في خطر ، وإن تمثل بالخلافة الغاصبة للمنصب .

وأن ذلك يعني انهياراً في الإسلام في أنفس الناس في أنحاء العالم الإسلامي ، ويفتح باب المطالبة برئاسة على النمط الكسروي ! لذلك كان من الضروري أن يتخلص المأمون من الفضل ، ويعود الى بغداد مهما كان الثمن !

ولذلك بادر الإمام عليه السلام الى التدخل بخلاف مسلكه عدم التدخل في الأمور ، لأن هذا أمر يخص أصل الإسلام ، فأخبر المأمون بخيانة الفضل وأثبتها له ، وهو بذلك يدفع المأمون الى قتل الفضل ، فقتله وقتل الذين أمرهم بقتله !

وكان الإمام عليه السلام يعلم أن المأمون إن أراد الذهاب الى بغداد فسيقتله هو ليسقط الحجة من يد العباسيين ، لكنه لم يهتم بذلك لأنه أمر مقدر وكائن !

وهكذا جرت المقادير وتخلص الإسلام من مؤامرة هذا البرمكي ، وما كان يخططه بعد نقمة الناس على المأمون وانهيار منصب الخلافة !

استعمل الإمام عليه السلام المعجزة لتفريق أنصارالفضل!

روى الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/170) قال:(حدثنا حمزه بن محمد بن أحمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي أبي طالب عليه السلام بقم في رجب سنة تسع وثلاثين وثلاث مأة ، قال: أخبرني علي بن إبراهيم بن هاشم فيما كتب إلي سنة سبع وثلاث مأة قال: حدثني ياسرالخادم قال: كان الرضا عليه السلام إذا كان خلا جمع حشمه كلهم عنده الصغير والكبير فيحدثهم ويأنس بهم ويؤنسهم، وكان عليه السلام إذا جلس على المائدة لايدع صغيراً ولا كبيراً حتى السائس والحجام إلا أقعده معه على مائدته قال ياسر الخادم فبينا نحن عنده يوما إذ سمعنا وقع القفل الذي كان على باب المأمون إلى دار أبي الحسن عليه السلام فقال لنا الرضا عليه السلام قوموا تفرقوا فقمنا عنه ، فجاء المأمون ومعه كتاب طويل فأراد الرضا عليه السلام أن يقوم فأقسم عليه المأمون بحق رسول الله صلى الله عليه وآله ألا يقوم إليه ثم جاء حتى انكب على أبي الحسن عليه السلام وقبل وجهه وقعد بين يديه على وسادة فقرأ ذلك الكتاب عليه ، فإذا هو فتح لبعض قرى كابل فيه إنا فتحنا قرية كذا وكذا ، فلما فرغ قال له الرضا عليه السلام : وسرك فتح قرية من قرى الشرك؟ فقال له المأمون أوليس فيه سرور؟ فقال: يا أمير المؤمنين إتق الله في أمة محمد صلى الله عليه وآله وما ولاك الله من هذا الأمر وخصك به فإنك قد ضيعت أمور المسلمين ، وفوضت ذلك إلى غيرك يحكم فيهم بغير حكم الله ، وقعدت في هذه البلاد وتركت بيت الهجرة ومهبط الوحي، وإن المهاجرين والأنصار يُظلمون دونك ولا يُرقب في مؤمن ولا ذمة ، ويأتي على المظلوم دهر يتعب فيه نفسه ويعجز عن نفقته ولا يجد من يشكو إليه حاله ولا يصل إليك ، فاتق الله يا أميرالمؤمنين في أمور المسلمين وارجع إلى بيت النبوة ومعدن المهاجرين والأنصار ، أما علمت يا أمير المؤمنين إن والي المسلمين مثل العمود وسط الفسطاط من أراده أخذه ! قال المأمون يا سيدي فما ترى؟ قال: أرى أن تخرج من هذه البلاد وتتحول إلى موضع آبائك وأجدادك ، وتنظر في أمور المسلمين ولا تكلهم إلى غيرك فإن الله تعالى سائلك عما ولاك .

فقام المأمون فقال: نعم ما قلت يا سيدي ! هذا هو الرأي .

فخرج وأمر أن تقدم النوائب (وسائل السفر) وبلغ ذلك ذا الرياستين فغمه غماً شديداً وقد كان غلب على الأمر ولم يكن للمأمون عنده رأي ، فلم يجسر أن يكاشفه ثم قوي بالرضا جداً فجاء ذو الرياستين إلى المأمون فقال له: يا أمير المؤمنين ما هذا الرأي الذي أمرت به؟ قال: أمرني سيدي أبو الحسن بذلك وهو الصواب. فقال: يا أمير المؤمنين ما هذا الصواب؟ قتلت بالأمس أخاك وأزلت الخلافة وبنو أبيك معادون لك ، وجميع أهل العراق وأهل بيتك والعرب ، ثم أحدثت هذا الحدث الثاني أنك وليت ولاية العهد لأبي الحسن وأخرجتها من بني أبيك والعامة والفقهاء والعلماء وآل العباس لايرضون بذلك وقلوبهم متنافرة عنك ، فالرأي أن تقيم بخراسان حتى تسكن قلوب الناس على هذا ، ويتناسوا ما كان من أمر محمد أخيك .

وهاهنا يا أميرالمؤمنين مشائخ قد خدموا الرشيد وعرفوا الأمر فاستشرهم في ذلك فإن أشاروا بذلك فامضه ، فقال المأمون: مِثْلُ مَنْ ، قال: مثل علي بن أبي عمران ، وأبي يونس ، والجلودي ، وهؤلاء نقموا بيعة أبي الحسن عليه السلام ولم يرضوا به فحبسهم المأمون بهذا السبب ، فقال المأمون: نعم ، فلما كان من الغد جاء أبو الحسن عليه السلام فدخل على المأمون فقال:يا أمير المؤمنين ما صنعت؟ فحكى ما قال: ذو الرياستين ، ودعا المأمون بهؤلاء النفر فأخرجهم من الحبس فأول من أدخل عليه السلام علي بن أبي عمران ، فنظر إلى الرضا عليه السلام بجنب المأمون ، فقال أعيذك بالله يا أميرالمؤمنين أن تخرج هذا الأمر الذي جعله الله لكم وخصكم به وتجعله في أيدي أعدائكم ، ومن كان آباؤك يقتلهم ويشردونهم في البلاد ! فقال المأمون يا بن الزانية وأنت بعد على هذا ! قدمه يا حرسي فاضرب عنقه ، فضرب عنقه !

فأدخل أبو يونس فلما نظر إلى الرضا عليه السلام بجنب المأمون فقال يا أميرالمؤمنين هذا الذي بجنبك والله صنم يعبد من دون الله ، قال له: المأمون يا بن الزانية وأنت بعد على هذا! يا حرسي قدمه فاضرب عنقه ، فضرب عنقه !

ثم أدخل الجلودي وكان الجلودي في خلافة الرشيد لما خرج محمد بن جعفر بن محمد بالمدينة بعثه الرشيد وأمره إن ظفر به أن يضرب عنقه ، وأن يغير على دور آل أبي طالب وأن يسلب نساءهم ولا يدع على واحدة منهن إلا ثوباً واحداً ، ففعل الجلودي ذلك، وقد كان مضى موسى بن جعفر عليهما السلام فصار الجلودي إلى باب دار أبي الحسن الرضا عليه السلام هجم على داره مع خيله فلما نظر إليه الرضا جعل النساء كلهن في بيت ووقف على باب البيت فقال الجلودي لأبي الحسن عليه السلام لا بد من أن أدخل البيت فأسلبهن كما أمرني أمير المؤمنين ، فقال الرضا عليه السلام أنا أسلبهن لك وأحلف أني لا أدع عليهن شيئاً إلا أخذته ، فلم يزل يطلب إليه ويحلف له حتى سكن ، فدخل أبو الحسن الرضا عليه السلام فلم يدع عليهن شيئاً حتى أقراطهن وخلاخيلهن وأزرارهن ، إلا أخذه منهن ، وجميع ما كان في الدار من قليل وكثير!

فلما كان في هذا اليوم وأدخل الجلودي على المأمون قال الرضا عليه السلام : يا أمير المؤمنين هب لي هذا الشيخ فقال المأمون: يا سيدي هذا الذي فعل ببنات محمد صلى الله عليه وآله ما فعل من سلبهن! فنظر الجلودي إلى الرضا عليه السلام وهو يكلم المأمون ويسأله عن أن يعفو عنه ويهبه له ، فظن أنه يعين عليه لما كان الجلودي فعله ، فقال: يا أمير المؤمنين أسألك بالله وبخدمتي الرشيد لا تقبل قول هذا فيَّ ، فقال المأمون: يا أبا الحسن قد استعفى ونحن نبرُّ قسمه ، ثم قال: لا والله لا أقبل فيك قوله: ألحقوه بصاحبيه ، فقدم فضرب عنقه! ورجع ذو الرياستين إلى أبيه سهل ، وقد كان المأمون أمر أن يقدم النوائب وردها ذو الرياستين ، فلما قتل المأمون هؤلاء علم ذو الرياستين أنه قد عزم الخروج ، فقال الرضا عليه السلام ما صنعت يا أمير المؤمنين بتقديم النوائب؟ فقال المأمون: يا سيدي مرهم بذلك قال: فخرج أبو الحسن عليه السلام وصاح بالناس قدموا النوائب ! قال فكأنما وقعت فيهم النيران ، فأقبلت النوائب تتقدم.

وقعد ذو الرياستين في منزله فبعث إليه المأمون فأتاه فقال له: ما لك قعدت في بيتك؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن ذنبي عظيم عند أهل بيتك وعند العامة ، والناس يلومونني بقتل أخيك المخلوع وبيعة الرضا عليه السلام ولا آمن السعاة والحساد والبغي أن يسمعوا بي فدعني أخلفك بخراسان ، فقال له: المأمون لا نستغني عنك ، فأما ما قلت إنه يُسعى بك ويُبغى لك الغوائل فلست أنت عندنا إلا الثقة المأمون الناصح المشفق ، فاكتب لنفسك ما تثق به من الضمان والأمان ، وأكد لنفسك ما تكون به مطمئناً فذهب وكتب لنفسه كتاباً وجمع عليه العلماء ، وأتى به إلى المأمون فقرأه وأعطاه المأمون كل ما أحب وكتب له بخطه كتاب الحبوة:أني قد حبوتك بكذا وكذا من الأموال والضياع والسلطان وبسط له الدنيا أمله . فقال ذو الرياستين: يا أمير المؤمنين نحب أن يكون خط أبي الحسن في هذا الأمان يعطينا ما أعطيت فإنه ولي عهدك فقال المأمون: علمت إن أبا الحسن قد شرط علينا أن لا يعمل من ذلك شيئاً ولايحدث حدثاً فلا نسأله ما يكرهه فسله أنت ، فإنه لايأبى عليك في هذا .

فجاء واستأذن أبي الحسن عليه السلام ، قال ياسر: فقال لنا الرضا عليه السلام : قوموا تنحوا فتنحينا فدخل فوقف بين يديه ساعة فرفع أبو الحسن رأسه إليه فقال له: ما حاجتك يا فضل؟ قال: يا سيدي هذا أمان ما كتبه لي أمير المؤمنين وأنت أولى أن تعطينا مثل ما أعطى أمير المؤمنين إذ كنت ولي عهد المسلمين له ، فقال الرضا عليه السلام إقرأه وكان كتاباً في أكبر جلد ، فلم يزل قائماً يقرؤه ، فلما فرغ قال له أبو الحسن الرضا عليه السلام : يا فضل لك علينا هذا ما اتقيت الله عزّ وجلّ .

قال ياسر: فنغض عليه أمره في كلمة واحدة ، فخرج من عنده وخرج المأمون وخرجنا مع الرضا عليه السلام فلما كان بعد ذلك بأيام ونحن في بعض المنازل ورد على ذي الرياستين كتاب من أخيه الحسن بن سهل أني نظرت في تحويل هذه السنة في حساب النجوم ، فوجدت فيه إنك تذوق في شهر كذا يوم الأربعاء حر الحديد وحر النار ، فأرى أن تدخل أنت والرضا وأمير المؤمنين الحمام في هذا اليوم فتحتجم وتصب الدم على بدنك ليزول نحسه عنك !

فبعث الفضل إلى المأمون وكتب إليه بذلك ، وسأله أن يدخل الحمام معه ويسأل أبا الحسن عليه السلام أيضاً ذلك ، فكتب المأمون إلى الرضا عليه السلام رقعة في ذلك فسأله فكتب إليه أبو الحسن عليه السلام : لست بداخل غداً الحمام ، ولا أرى يا أمير المؤمنين أن تدخل الحمام غداً، ولا أرى للفضل أن يدخل الحمام غداً .

فأعاد إليه الرقعة مرتين فكتب إليه أبو الحسن عليه السلام لست بداخل غداً الحمام فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في النوم في هذه الليلة يقول لي: يا علي لا تدخل الحمام غداً ، فلا أرى لك أمير المؤمنين ولا للفضل أن تدخلا الحمام غداً ، فكتب إليه المأمون صدقت يا سيدي وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله لست بداخل الحمام غداً والفضل فهو أعلم وما يفعله.

قال ياسر: فلما أمسينا وغابت الشمس فقال لنا الرضا عليه السلام : قولوا نعوذ بالله من شر ما ينزل في هذه الليلة ! فأقبلنا نقول ذلك ، فلما صلى الرضا عليه السلام الصبح قال لنا: قولوا نعوذ بالله من شر ما ينزل هذا اليوم فما زلنا نقول ذلك فلما كان قريباً من طلوع الشمس ، قال الرضا عليه السلام : إصعد السطح فاستمع هل تسمع شيئاً ؟ فلما صعدت سمعت الضجة والنحيب وكثر ذلك بالمأمون قد دخل من الباب الذي كان إلى داره من دار أبي الحسن عليه السلام يقول: يا سيدي يا أبا الحسن آجرك الله في الفضل وكان دخل الحمام فدخل عليه قوم بالسيوف فقتلوه . وأخذ من دخل عليه في الحمام وكانوا ثلاثة نفر ، أحدهم ابن خالة الفضل ذو القلمين .

قال: واجتمع القواد والجند من كان من رجال ذي الرياستين على باب المأمون فقالوا: اغتاله وقتله فلنطلبن بدمه ، فقال المأمون للرضا عليه السلام : يا سيدي ترى أن تخرج إليهم وتفرقهم. قال ياسر: فركب الرضا عليه السلام وقال لي: إركب فلما خرجنا من الباب نظر الرضا عليه السلام إليهم وقد اجتمعوا وجاؤا بالنيران ليحرقوا الباب ، فصاح بهم وأومى إليهم بيده ، تفرقوا فتفرقوا ! قال ياسر: فأقبل الناس والله يقع بعضهم بعض ، وما أشار إلى أحد إلا ركض ومر ، ولم يقف أحد ! ).

أقول: الرواية صحيحة عن حمزه بن محمد بن أحمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام عن علي بن إبراهيم بن هاشم عن ياسرالخادم. وروى قسماً منها في الكافي (1/491) وفيها: (قال: فقال ياسر: فلما أمسينا وغابت الشمس قال لنا الرضا عليه السلام : قولوا نعوذ بالله من شرما ينزل في هذه الليلة ، فلم نزل نقول ذلك ، فلما صلى الرضا عليه السلام الصبح قال لي: إصعد السطح فاستمع هل تسمع شيئاً ؟ فلما صعدت سمعت الضجة والتحمت وكثرت فإذا نحن بالمأمون قد دخل من الباب الذي كان إلى داره من دار أبي الحسن وهو يقول: يا سيدي يا أبا الحسن آجرك الله في الفضل فإنه قد أبى ودخل الحمام فدخل عليه قوم بالسيوف فقتلوه وأُخذ ممن دخل عليه ثلاث نفر كان أحدهم ابن خاله الفضل ابن ذي القلمين قال: فاجتمع الجند والقواد ومن كان من رجال الفضل على باب المأمون فقالوا:هذا اغتاله وقتله يعنون المأمون ولنطلبن بدمه وجاؤوا بالنيران ليحرقوا الباب ، فقال المأمون لأبي الحسن: يا سيدي ترى أن تخرج إليهم وتفرقهم . قال فقال ياسر: فركب أبو الحسن عليه السلام وقال لي: إركب فركبت فلما خرجنا من باب الدار نظر إلى الناس وقد تزاحموا فقال لهم بيده تفرقوا تفرقوا. قال ياسر: فأقبل الناس والله يقع بعضهم على بعض ، وما أشار إلى أحد إلا ركضَ ومرَّ )!

ملاحظات

1. الرواية بقرائنها الداخلية والخارجية صحيحة ، وليس عندهم كلام في رجالها حتى ياسرالخادم ، وهو قمي مولى الأشعريين ، وقد صححوا حديثه .

نعم تكلموا في حمزة بن محمد بن أحمد بن جعفر بن محمد بن زيد الشهيد عليه السلام ومن رجع الى كلمات علماء الشيعة والسنة فيه ، والى مروياته وقبول الصدوق وغيره لها ، وإلى نشاطه في الكوفة وبغداد والشام ، يطمئن بوثاقته .

2. نقرأ في هذا النص خبر الصراع الشديد الحاسم بين الإمام الرضا عليه السلام الذي يريد إنقاذ منصب الخلافة الإسلامية (مهما كان الخليفة) من براثن الفضل البرمكي، وبين الفضل الطاغية الذي يريد أن يبقي المأمون أسيراً بين يديه !

ونجد أن الإمام الرضا عليه السلام دخل هذا الصراع علناً على خلاف مسلكه في الأمور ، وتابع الأمر ، وكان حاضراً أن يدفع ثمن ذلك مهما بلغ !

وفي المقابل كان الفضل كالوحش المحصور في زاوية ، فقد حاول بكل ما يستطيع أن يمنع سفر المأمون ، فواجه احتماءه بالإمام عليه السلام وهو الركن الوثيق فاخترع قصة رسالة أخيه والتنجيم ، والدخول مع المأمون والإمام يوم الأربعاء الى الحمام ، وغرضه أن يقضي عليهما ، ففشل أيضاً !

ودعا المأمون الفضل للذهاب معه الى بغداد فاعتذر بخوفه من العباسيين لأنهم يرون أنه قاتل الأمين ، وأنه أراد أن ينقل الخلافة الى آل أبي طالب!

فطمأنه المأمون وقال له أكتب ما تريد ، ووقع له على كل ما أراد .

وأراد الفضل أن يشهد له الإمام فأوقفه ليقرأ مطالبه التي كتبها، ثم وعده بقبولها مشروطاً ، بأن يتقي الله تعالى ، فأيس منه وخرج مغضباً !

هذه خلاصة الصراع في تلك الأيام ، وهي لبُّ الصراع مع البرمكي الجديد !

3. قصة التنجيم التي زعمها الفضل مكذوبة ، ليغطي بها خطته لقتل المأمون والرضا عليه السلام . وقد كشفها الإمام عليه السلام ونصحهم بعدم دخول الحمام .

4. أما إصرار المأمون على الإمام الرضا عليه السلام أن يدخل الحمام غداً ، فهو خطة من المأمون لقتل الإمام عليه السلام ، وقد تناغم مع الفضل في ذلك !

5. صدق الإمام الرضا عليه السلام بأن جده رسول الله صلى الله عليه وآله أتاه قبل ليلة في المنام وقال له: لا تذهب يوم الأربعاء الى الحمام ليحبط الله محاولتهم لقتله .

وقد انتبه المأمون الى خطة الفضل وصدَّق الإمام عليه السلام ورؤياه: ( فكتب إليه المأمون: صدقت يا سيدي وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله لست بداخل الحمام غداً . والفضل فهو أعلم وما يفعله ).

6. أما الفضل صاحب فكرة الدخول الى الحمام، فعرف أن مؤامرته فشلت ، وأراد أن يدخل هو ليثبت أن رؤية أخيه صحيحة ، ودخل الحمام فتفاجأ بخطة المأمون لقتله ، فوقع في البئر الذي حفره !

7. ونقرأ في هذا النص أن المأمون الضعيف أمام الفضل بن سهل، تحول الى أسد ضار على الفضل ومن يؤيده ، فقد أخذ من الفضل أسماء القادة الذين مدحهم ونصحه بمشورتهم والعمل برأيهم فقتلهم! قال له: ( وهاهنا يا أميرالمؤمنين مشائخ قد خدموا الرشيد وعرفوا الأمر، فاستشرهم فإن أشاروا بذلك فأمضه ، فقال المأمون: مثلُ مَن، قال: مثل علي بن أبي عمران ، وأبي يونس ، والجلودي) .

وكان هؤلاء أعداء الإمام الرضا عليه السلام وكانوا ناقمين على جعله ولي عهد ! فأحضرهم المأمون وقتلهم علناً ، وهو جالس في مجلسه !

ثم لم يدخل الحمام ولم يسمع لإصرار الفضل، بل أرسل له من يقتله ، ثم أظهر استنكار ذلك ، ثم قتل الذين أرسلهم هو لقتل الفضل !

وعندما احتشد أنصار الفضل أمام قصره وأرادوا قتله وأحرقوا الباب أو كادوا ، ورفعوا شعار نقتل المأمون لأنه قاتل الفضل، لجأ المأمون الى الإمام عليه السلام واستغاث به فأغاثه وفرقهم بمعجزة ! (فقال المأمون للرضا عليه السلام : يا سيدي ترى أن تخرج إليهم وتفرقهم قال ياسر: فركب الرضا عليه السلام وقال لي: إركب فلما خرجنا من الباب نظر الرضا عليه السلام إليهم وقد اجتمعوا وجاؤا بالنيران ليحرقوا الباب فصاح بهم وأومى إليهم بيده ، تفرقوا فتفرقوا ! قال ياسر: فأقبل الناس والله يقع بعضهم على بعض، وما أشار إلى أحد إلا ركض ومرَّ ، ولم يقف أحد! ).

ومعنى ذلك: أن المأمون يؤمن بأن الإمام الرضا عليه السلام عنده قوة ربانية يستطيع أن يحميه بها من القادة أنصار الفضل وجندهم المحاصرين لقصره !

فاستغاث به ولبى الإمام عليه السلام طلبه فركب فرسه وخرج اليهم ولم يكلمهم بل كان يشير اليهم بالتفرق والذهاب من باب القصر، فكانوا يطيعون إشارته ويذهبون ! ولم تقل الرواية ماذا فعل لهم الإمام عليه السلام هل دعا أو استعمل الإسم الأعظم، ولا ذكر ما رأوا حتى اندفعوا هاربين يقع بعضهم على بعض ! ثم لم يعودوا بجندهم ، وهذه معجزة للإمام عليه السلام .

لقد نجى الإمام المأمون من انتقام الحزب الكسروي ، فتنفس المأمون الصعداء وشكر الإمام الرضا عليه السلام وكان يخاطبه بسيدي ! قال له: يا سيدي ترى أن تخرج إليهم.

ولما جاء الفضل قبل أيام ورآه يتهيأ للعودة الى بغداد: (إلى المأمون فقال له:يا أمير المؤمنين ما هذا الرأي الذي أمرت به؟ قال: أمرني سيدي أبو الحسن بذلك وهو الصواب. فقال: يا أميرالمؤمنين ما هذا الصواب...الخ)!

علماء الخلافة يمدحون الفضل بن سهل!

مدحه علماء الخلافة السذج وأشادوا به وقالوا فيه كما في تاريخ بغداد(13/338): (الفضل بن سهل بن عبد الله ، أبو العباس الملقب ذا الرياستين:كان من أولاد ملوك المجوس، وأسلم أبوه سهل في أيام هارون الرشيد ، واتصل بيحيى بن خالد البرمكي ، واتصل الفضل والحسن ابنا سهل بالفضل وجعفر ابني يحيى بن خالد ، فضم جعفر بن يحيى الفضل بن سهل إلى المأمون وهو ولي عهد ، ويقال إن الفضل بن سهل أراد أن يسلم ، فكره أن يسلم على يد الرشيد والمأمون ، فصار وحده إلى المسجد الجامع يوم الجمعة، فأسلم واغتسل ولبس ثيابه ، ورجع مسلماً . وغلب على المأمون لما وصل به للفضل الذي كان فيه ، فإنه كان أكرم الناس عهداً ، وأحسنهم وفاء ووداً ، وأجزلهم عطاءً وبذلاً ، وأبلغهم لساناً ، وأكتبهم يداً . وفوض إليه المأمون لما استخلف أموره كلهما ، وسماه ذا الرياستين ). أي السيف والقلم: الجيوش والإدارة !

أقول: لاحظ أنه لم يُسْلِم على يد الرشيد والمأمون حتى لايصير مولاهم . وزعم أنه ذهب الى المسجد وأسلم ، لكن الإمام الرضا عليه السلام كان يخاطبه كمجوسي يؤمن بالنجوم لابالإسلام !

ففي تحف العقول لابن شعبة الحراني/447:(حضر عليه السلام يوماً مجلس المأمون وذو الرياستين حاضر ، فتذاكروا الليل والنهار وأيهما خلق قبل صاحبه . فسأل ذو الرياستين الرضا عن ذلك ؟ فقال عليه السلام له: تحب أن أعطيك الجواب من كتاب الله أم حسابك؟ فقال: أريده أولاً من الحساب فقال عليه السلام :أليس تقولون: إن طالع الدنيا السرطان وإن الكواكب كانت في أشرافها؟قال: نعم . قال: فزحل في الميزان والمشتري في السرطان والمريخ في الجدي والزهرة في الحوت والقمر في الثور والشمس في وسط السماء في الحمل، وهذا لا يكون إلا نهاراً. قال: نعم.

قال: فمن كتاب الله؟ قال عليه السلام قوله عزّ وجلّ: لا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ . أي النهار سبقه).

فقوله عليه السلام :من حسابك ، يعني حساب النجوم الذي يؤمن به ذو الرياستين !

ونشيرهنا الى أن بعض علمائنا أيضاً مدحوا الفضل بن سهل وتصوروا أنه شيعي ، وانخدعوا برواية أنه الذي اقترح على المأمون أن يجعل الإمام الرضا عليه السلام ولي عهده .

والصحيح أن الفضل كما نص عليه الصدوق ، تلميذ البرامكة الحاقدين على الأئمة عليهم السلام ، وأن المأمون جعل ولاية العهد لأهل البيت عليهم السلام لأنه نذر إن نصره الله على أخيه الأمين أن يجعل ولاية العهد في أولاد علي عليه السلام ، ولأهداف أخرى عنده !

كان الفضل بن سهل يؤمن بالنجوم على طريقة الفرس!

نقل السيد ابن طاووس في فرج المهموم/158، عن كتاب الوزراء لابن المبارك، قال: (وذكر أبوعيسى محمد بن سعيد أنه وجد على كتاب من كتب ذي الرياستين بخطه هذه السنة الفلانية التي تكون فيها النكبة والى الله نرغب في دفعها ، وإن صح من حساب الفلك فيها شئ فالأمر واقع‌ لامحالة. ونسال الله أن يختم لنابخير بمنه تعالى ، وكان يعمل لذي الرياستين تقويم في كل سنة يوقع عليه هذا يوم يصلح لكذا ويجتنب فيه كذا.

فلما كان في السنة التي قتل فيها عرض عليه التقويم فجعل يوقع فيه ما يصلح وما يجتنب حتى انتهى إلى اليوم الذي قتل فيه قال:أفٍّ لهذا اليوم ما أشره علَّي ! ورمى بالتقويم. وروي عن أخت الفضل قالت: دخل الفضل إلى أمه في الليلة التي قتل في صبيحتها فقعد إلى جانبها ، وأقبل يعظها ويعزيها عن نفسه ، ويذكرها حوادث الدهر وتقضي أمور العباد ، ثم قبل صدرها وثديها وودعها وداع المفارق، ثم قام فخرج وهو قلق منزعج لما دله عليه الحساب ، فجعل ينتقل من موضع إلى موضع ، ومن مجلس إلى مجلس ، وامتنع عليه النوم فلما كان في السحر قام إلى الحمام وقدر أن يجعل غمه وحرارته وكربه هو الذي دلت عليه النجوم، وقدمت له بغلة فركبها وكان الحمام في آخر البستان فكبت به البغلة ، فسره ذلك وقدر أنها هي النكبة التي كان يتخوفها ، ثم مشى إلى الحمام ولم يزل حتى دخل الحمام فاغتسل فيه ، فقتل) .

كلمة في التنجيم والمنجمين

كان الفرس المجوس يؤمنون بالنجوم ، فبرعوا فيها وكان فيهم منجمون مراجع يستخرجون طالع الأشخاص والأعمال ، ويعتقدون بها ويعملون بمقتضاها !

وجاء الإسلام فقال إن نتائج المنجمين ظنية ، قال الله تعالى: وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا .

وفي الكافي (8/196): (عن عبد الرحمن بن سيابة قال:قلت لأبي عبد الله عليه السلام جعلت لك الفداء إن الناس يقولون إن النجوم لا يحل النظر فيها وهي تعجبني، فإن كانت تضر بديني فلا حاجة لي في شئ يضر بديني ، وإن كانت لا تضر بديني فوالله إني لأشتهيها وأشتهي النظر فيها؟ فقال: ليس كما يقولون لاتضر بدينك، ثم قال: إنكم تنظرون في شئ كثيره لا يدرك وقليله لا ينتفع به ، تحسبون على طالع القمر، ثم قال: أتدري كم بين المشتري والزهرة من دقيقة؟ قلت: لاوالله ، قال:أفتدري كم بين الزهرة وبين القمر من دقيقة؟ قلت: لا ، قال: أفتدري كم بين الشمس وبين السنبلة من دقيقة؟ قلت: لا والله ما سمعته من أحد من المنجمين قط ، قال: أفتدري كم بين السنبلة وبين اللوح المحفوظ من دقيقة؟ قلت: لاوالله ما سمعته من منجم قط ، قال: ما بين كل واحد منهما إلى صاحبه ستون أو سبعون دقيقة ، شك عبد الرحمن ، ثم قال: يا عبد الرحمن هذا حساب إذا حسبه الرجل ووقع عليه عَرَف القَصبة التي وسط الأجمة وعدد ما عن يمينها وعدد ما عن يسارها ، وعدد ما خلفها وما أمامها ، حتى لا يخفى عليه من قصب الأجمة واحدة )!

وفي نهج البلاغة(1/139): (ومن كلام له عليه السلام قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج فقال له: يا أمير المؤمنين إن سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفربمرادك من طريق علم النجوم ، فقال عليه السلام : أتزعم أنك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها صرف عنه السوء،وتخوف من الساعة التي من سار فيها حاق به الضر؟ فمن صدق بهذا فقد كذب القرآن واستغنى عن الإعانة بالله في نيل المحبوب ودفع المكروه ، وتبتغي في قولك للعامل بأمرك أن يوليك الحمد دون ربه لأنك بزعمك أنت هديته إلى الساعة التي نال فيها النفع وأمن الضر!

ثم أقبل عليه السلام على الناس فقال:أيها الناس إياكم وتعلم النجوم إلا ما يهتدى به في بر أو بحر، فإنها تدعو إلى الكهانة والمنجم كالكاهن والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر والكافر في النار! سيروا على اسم الله ).

وفي كمال الدين للصدوق/655: (عن أبي جعفر عليه السلام قال: اثنان بين يدي هذا الأمر: خسوف القمر لخمس ، وكسوف الشمس لخمس عشرة ، ولم يكن ذلك منذ هبط آدم عليه السلام إلى الأرض ، وعند ذلك يسقط حساب المنجمين ) .

وفي منهاج الصالحين للسيد السيستاني(3/13):(التنجيم حرام، وهو الإخبار عن الحوادث ، مثل الرخص والغلاء والحر والبرد ونحوها ، استناداً إلى الحركات الفلكية والطوارئ الطارئة على الكواكب ، من الإتصال بينها أو الإنفصال ، أو الإقتران ، أو نحو ذلك، باعتقاد تأثيرها في الحادث ، على وجه الإستقلال أو الإشتراك مع الله تعالى، دون مطلق التأثير ، نعم يحرم الإخبار بغيرعلم عن هذه الأمور وغيرها مطلقاً، وليس من التنجيم المحرم الإخبار عن الخسوف والكسوف والأهلة واقتران الكواكب وانفصالها إن كان ناشئاً عن أصول وقواعد سديدة ، وكون الخطأ الواقع فيه أحياناً ناشئاً من الخطأ في الحساب وإعمال القواعد ، كسائر العلوم ).

وقال الشيخ الأنصاري في المكاسب(1/210):(قال العلامة في المنتهى بعد ما أفتى بتحريم التنجيم وتعلم النجوم مع اعتقاد أنها مؤثرة ، أو أن لها مدخلاً في التأثير والنفع، قال: وبالجملة ، كل من اعتقد ربط الحركات النفسانية والطبيعية بالحركات الفلكية والإتصالات الكوكبية ، كافر .

وقال الشهيد رحمه الله في قواعده: كل من اعتقد في الكواكب أنها مدبرة لهذا العالم وموجدة له ، فلا ريب أنه كافر ...

لكن ظاهر ما تقدم في بعض الأخبار من أن المنجم بمنزلة الكاهن الذي هو بمنزلة الساحر الذي هو بمنزلة الكافر، من‌عدا الفرق الثلاث‌الأول ، إذ الظاهر عدم الإشكال في كون الفرق الثلاث من أكفر الكفار، لابمنزلتهم.

ومنه يظهر: أن ما رتبه عليه السلام على تصديق المنجم: من كونه تكذيباً للقرآن وكونه موجباً للإستغناء عن الاستعانة بالله في جلب الخير ودفع الشر ، يراد منه إبطال قوله بكونه مستلزماً لما هو في الواقع مخالف للضرورة من كذب القرآن والإستغناء عن الله ، كما هو طريقة كل مستدل من إنهاء بطلان التالي إلى ما هو بديهي البطلان عقلاً ، أو شرعاً ، أو حساً ، أو عادةً .

ولا يلزم من مجرد ذلك الكفر ، وإنما يلزم ممن التفت إلى الملازمة واعترف باللازم ، وإلا فكل من أفتى بما هومخالف لقول الله واقعاً إما لعدم تفطنه لقول الله ، أو لدلالته يكون مكذباً للقرآن .

وأما قوله صلى الله عليه وآله : من صدَّق منجماً أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد . فلا يدل أيضاً على كفر المنجم ، وإنما يدل على كذبه ، فيكون تصديقه تكذيباً للشارع المكذب له ، ويدل عليه عطف الكاهن عليه .

وبالجملة ، فلم يظهر من الروايات تكفير المنجم بالمعنى الذي تقدم للتنجيم في صدر عنوان المسألة كفراً حقيقياً ، فالواجب الرجوع فيما يعتقده المنجم إلى ملاحظة مطابقته لأحد موجبات الكفر من إنكار الصانع، أو غيره مما علم من الدين بديهة ).

وفي دلائل الإمامة للطبري الشيعي/247: (عن قيس بن سعد قال: كنت أساير أمير المؤمنين صلوات الله عليه كثيراً إذا سار إلى وجه من الوجوه ، فلما قصد أهل النهروان وصرنا بالمدائن وكنت يومئذ مسايراً له ، إذ خرج إلينا قوم من أهل المدائن من دهاقينهم معهم براذين قد جاؤوا بها هدية إليه ، فقبلها ، وكان فيمن تلقاه دهقان من دهاقين المدائن يدعى سرسفيل ، وكانت الفرس تحكم برأيه فيما يعني وترجع إلى قوله فيما سلف . فلما بصر بأمير المؤمنين قال: يا أمير المؤمنين، تناحست النجوم الطوالع ، فنحس أصحاب السعود ، وسعد أصحاب النحوس ، ولزم الحكيم في مثل هذا اليوم الإختفاء والجلوس ، وإن يومك هذا يوم مميت ، قد اقترن فيه كوكبان قتالان ، وشرف فيه بهرام في برج الميزان ، واتقدت من برجك النيران ، وليس لك الحرب بمكان ! فتبسم أمير المؤمنين صلوات الله عليه ثم قال: أيها الدهقان المنبئ بالأخبار ، والمحذر من الأقدار، أتدري ما نزل البارحة في آخر الميزان ، وأي نجم حل في السرطان ؟ قال: سأنظر ذلك ، وأخرج من كمه إسطرلاباً وتقويماً ، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : أنت مسير الجاريات؟ قال: لا. قال: أفتقضي على الثابتات؟ قال: لا. قال: فأخبرني عن طول الأسد ، وتباعده عن المطالع والمراجع ، وما الزهرة من التوابع والجوامع ؟ قال: لا علم لي بذلك .

قال: فما بين السواري إلى الدراري ، وما بين الساعات إلى الفجرات ، وكم قدر شعاع المدارات ، وكم تحصيل الفجر في الغدوات؟ قال: لا علم لي بذلك .

قال عليه السلام : هل علمت يا دهقان أن الملك اليوم انتقل من بيت إلى بيت في الصين ، وتغلب برج ماجين ، واحترقت دور بالزنج ، وطفح جب سرنديب وتهدم حصن الأندلس ، وهاج نمل السيح ، وانهزم مراق الهند ، وفقد ربان اليهود بأيلة ، وجذم بطريق الروم برومية ، وعمي راهب عمورية ، وسقطت شرافات القسطنطينية ؟ أفعالم أنت بهذه الحوادث وما الذي أحدثها ، شرقها وغربها من الفلك ؟

قال: لا علم لي بذلك .

قال: فبأي الكواكب تقضي في أعلى القطب ، وبأيها تنحس من تنحس؟

قال: لا علم لي بذلك ، قال: فهل علمت أنه سعُد اليوم اثنان وسبعون عالماً ، في كل عالم سبعون عالماً ، منهم في البر ، ومنهم في البحر ، وبعض في الجبال ، وبعض في الغياض ، وبعض في العمران ، فما الذي أسعدهم ؟

قال: لا علم لي بذلك .

قال عليه السلام : يا دهقان ، أظنك حكمت على اقتران المشتري وزحل لما استنارا لك في الغسق ، وظهر تلألؤ المريخ وتشريقه في السحر ، وقد سار فاتصل جرمه بنجوم تربيع القمر ، وذلك دليل على استخلاف ألف ألف من البشر،كلهم يولدون اليوم والليلة ، ويموت مثلهم ويموت هذا . وأشار إلى جاسوس في عسكره لمعاوية ، فلما قال ذلك ظن الرجل أنه قال: خذوه ، فأخذه شيئ في قلبه وتكسرت نفسه في صدره ، فمات لوقته ! فقال عليه السلام للدهقان: ألم أرك عين التقدير في غاية التصوير؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين . فقال: يا دهقان ، أنا مخبرك أني وصحبي هؤلاء لا شرقيون ولا غربيون ، إنما نحن ناشئة القطب ، وما زعمت البارحة أنه انقدح من برج الميزان فقد كان يجب أن يحكم معه لي ، لأن نوره وضياءه عندي ، فلهبه ذاهب عني.

يا دهقان: هذه قضية عيص، فاحسبها وولدها إن كنت عالماً بالأكوار والأدوار ولو علمت ذلك لعلمت أنك تحصي عقود القصب في هذه الأجمة !

ومضى أمير المؤمنين صلوات الله عليه فهزم أهل النهروان وقتلهم فعاد بالغنيمة والظفر.فقال الدهقان: ليس هذا العلم بأيدي أهل زماننا هذا علم مادته من السماء!

أقول: هذه الرواية تدل على أن علم التنجيم في أصله صحيح ، لكن الحديث النبوي: كذب المنجمون ولو صدقوا ، يشرحه قول الصادق عليه السلام للمنجم: إنكم تنظرون في شئ كثيره لا يدرك وقليله لا ينتفع به !

وقال المجلسي الكبير في روضة المتقين(4/198): (ونعم ما قال الشيخ أبو علي بن سينا في كتبه ، إن القول بالنجوم وهمٌ فإنه إن أمكن أن يعلم التأثيرات السماوية ، فكيف لا يمكن أن يعلم التأثيرات الأرضية، والفعل لا يحصل إلا من الفاعل والقابل ، وكل من لاحظ كتبهم وأحكامهم يعلم يقيناً أنها مبنية على الأوهام الواهية والأكاذيب الصريحة ، فإن أردت التجربة في الأكاذيب فانظر إلى تقاويمهم بعد خروج السنة فإنك تجد أكثر أحكامهم كاذبة ، وإذا وجد بعض الأحكام صحيحاً فإنه لايدل على صدقهم ، فإنك تجد من حالاتك في التخمينات فبعضها يحصل ، وبعضها لا يحصل مع ما ورد من الآيات والأخبار في النهي عن القول بالظن ، فكيف الوهم ، على أنه لو كان الجميع صادقاً لا يحصل منه إلا الغم والهم لأنه لا يمكن تغييرها والإجتناب عنها بحسب معتقدهم ، ولو لم يكن فيه إلا ترك الإقبال على الله تعالى والتفويض إليه والتوكل والإعتصام بحبله ، لكفى في قبحه .

فالأنسب بالنسبة إلى المؤمن الموحد أن لا ينظر إليها وأن يتوكل على الله تعالى في جميع أموره ، ويدفع البلايا بالدعوات والصدقات ، كما ورد الآيات والروايات ).

كان ذو الرياستين يسأل أسئلة من لا يؤمن

قال ذو الرياستين للإمام الرضا عليه السلام : (جعلت فداك أخبرني عما اختلف فيه الناس من الرؤية ، فقال بعضهم لا يرى. فقال: يا أبا العباس من وصف الله بخلاف ما وصف به نفسه فقد أعظم الفرية على الله ، قال الله: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَيُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَاللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . هذه الأبصار ليست هي الأعين إنما هي الأبصار التي في القلوب ! لاتقع عليه الأوهام ، ولا يدرك كيف هو ). (تفسير العياشي:1/373).

وفي طرائف ابن طاووس/330:(روي أن الفضل بن سهل سأل علي بن موسى الرضا عليه السلام بين يدي المأمون فقال: يا أبا الحسن الخلق مجبورون؟ فقال: الله أعدل من أن يجبر خلقه ثم يعذبهم!قال: فمطلقون؟قال:الله أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه).

 

الرسالة الجامعة التي أملاها الإمام عليه السلام للمأمون

قال ابن شعبة الحراني في تحف العقول/415:(جوابه عليه السلام للمأمون في جوامع الشريعة لما سأله جمع ذلك: روي أن المأمون بعث الفضل بن سهل ذا الرياستين إلى الرضا عليه السلام فقال له: إني أحب أن تجمع لي من الحلال والحرام والفرائض والسنن ، فإنك حجة الله على خلقه ومعدن العلم . فدعا الرضا بدواة وقرطاس وقال للفضل أكتب:

بسم الله الرحمن الرحيم. حسبنا شهادة أن لا إله إلا الله ، أحداً صمداً ، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ، قيوماً ، سميعاً ، بصيراً ، قوياً ، قائماً ، باقياً ، نوراً ، عالماً لا يجهل ، قادراً لا يعجز ، غنياً لا يحتاج ، عدلاً لا يجور، خلق كل شئ ، ليس كمثله شئ ، لا شبه له ، ولا ضد ، ولا ند ، ولا كفو .

وأن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ، ورسوله ، وأمينه ، وصفوته من خلقه ، سيد المرسلين وخاتم النبيين ، وأفضل العالمين ، لا نبي بعده ، ولا تبديل لملته ولا تغيير .

وأن جميع ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله هوالحق المبين ، نصدق به ، وبجميع من مضى قبله من رسل الله وأنبيائه وحججه ، ونصدق بكتابه الصادق: : لايَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ، وأنه المهيمن على الكتب كلها . وأنه حق من فاتحته إلى خاتمته، نؤمن بمحكمه ومتشابهه، وخاصه وعامه ، ووعده ووعيده ، وناسخه ومنسوخه ، وأخباره . لايقدر واحد من المخلوقين أن يأتي بمثله.

وأن الدليل والحجة من بعده على المؤمنين والقائم بأمور المسلمين ، والناطق عن القرآن والعالم بأحكامه ، أخوه وخليفته ووصيه ، والذي كان منه بمنزلة هارون من موسى ، علي بن أبي طالب عليه السلام أميرالمؤمنين ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين ، يعسوب المؤمنين ، وأفضل الوصيين بعد النبيين.

وبعده الحسن والحسين عليهما السلام ثم تسعة من ولد الحسين واحداً بعد واحد ، إلى يومنا هذا ، عترة الرسول وأعلمهم بالكتاب والسنة ، وأعدلهم بالقضية وأولاهم بالإمامة في كل عصر وزمان ، وأنهم العروة الوثقى ، وأئمة الهدى، والحجة على أهل الدنيا ، حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، وهوخير الوارثين . وأن كل من خالفهم ضال مضل ، تارك للحق والهدى ، وأنهم المعبرون عن القرآن ، الناطقون عن الرسول بالبيان ، من مات لايعرفهم ولا يتولاهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ، مات ميتة جاهلية.

وأن من دينهم الورع والعفة والصدق والصلاح والإجتهاد ، وأداء الأمانة إلى البر والفاجر ، وطول السجود ، والقيام بالليل ، واجتناب المحارم ، وانتظار الفرج ، بالصبر وحسن الصحبة ، وحسن الجوار ، وبذل المعروف وكف الأذى ، وبسط الوجه ، والنصيحة ، والرحمة للمؤمنين .

والوضوء كما أمر الله في كتابه: غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين واحد فريضة واثنان إسباغ ، ومن زاد أثم ولم يؤجر ، ولا ينقض الوضوء إلا الريح والبول والغائط والنوم والجنابة . ومن مسح على الخفين فقد خالف الله ورسوله صلى الله عليه وآله وكتابه ، ولم يُجْزِ عنه وضوءه ، وذلك أن علياً عليه السلام خالف القوم في المسح على الخفين فقال له عمر: رأيت النبي صلى الله عليه وآله يمسح، فقال علي عليه السلام : قبل نزول سورة المائدة أوبعدها ؟ قال لا أدري . قال علي عليه السلام : لكني أدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يمسح على خفيه مذ نزلت سورة المائدة . والإغتسال من الجنابة ، والإحتلام ، والحيض ، وغسل من غسل الميت فرض ، والغسل يوم الجمعة، والعيدين ، ودخول مكة والمدينة ، وغسل الزيارة ، وغسل الاحرام ، ويوم عرفة ، وأول ليلة من شهر رمضان ، وليلة تسع عشرة منه ، وإحدى وعشرين ، وثلاث وعشرين منه سنة .

وصلاة الفريضة: الظهر أربع ركعات ، والعصر أربع ركعات ، والمغرب ثلاث ركعات ، والعشاء الآخرة أربع ركعات ، والفجر ركعتان ، فذلك سبع عشرة ركعة. والسنة أربع وثلاثون ركعة: منها ثمان قبل الظهر ، وثمان بعدها ، وأربع بعد المغرب، وركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة تعد بواحدة ، وثمان في السحر ، والوتر ثلاث ركعات ، وركعتان بعد الوتر.

والصلاة في أول الأوقات ، وفضل الجماعة على الفرد كل ركعة بألفي ركعة. ولا تصلِّ خلف فاجر، ولا تقتدِ إلا بأهل الولاية ، ولا تصلِّ في جلود الميتة ولا جلود السباع . والتقصير في أربع فراسخ ، بريد ذاهباً وبريد جائياً ، اثنا عشر ميلاً. وإذا قصرت أفطرت . والقنوت في أربع صلوات ، في الغداة والمغرب والعتمة ـ ويوم الجمعة وصلاة الظهر، وكل القنوت قبل الركوع وبعد القراءة .

والصلاة على الميت خمس تكبيرات ، وليس في صلاة الجنائز تسليم ، لأن التسليم في الركوع والسجود ، وليس‌ لصلاة الجنازة ركوع ولا سجود ، ويربع قبر الميت ولا يسنم .

والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة مع فاتحة الكتاب .

والزكاة المفروضة ، من كل مائتي درهم خمسة دراهم ولا تجب في ما دون ذلك، وفيما زاد في كل أربعين درهماً درهم،ولاتجب فيما دون الأربعينات شئ، ولاتجب حتى يحول الحول ولا تعطى إلا أهل الولاية والمعرفة.وفي كل عشرين ديناراً نصف دينار .

والخمس من جميع المال مرة واحدة ، والعشر من الحنطة والشعير والتمر والزبيب ، وكل شئ يخرج من الأرض من الحبوب إذا بلغت خمسة أوسق ففيه العشر إن كان يسقى سيحاً، وإن كان يسقى بالدوالي ففيه نصف العشر للمعسر والموسر . وتخرج من الحبوب القبضة والقبضتان ، لأن الله لايكلف نفسا إلا وسعها ، ولا يكلف العبد فوق طاقته. والوسق ستون صاعاً والصاع ستة أرطال ، وهوأربعة أمداد ، والمد رطلان وربع برطل العراقي. وقال الصادق عليه السلام : هو تسعة أرطال بالعراقي وستة أرطال بالمدني .

وزكاة الفطر فريضة على رأس كل صغير أوكبير ، حر أوعبد من الحنطة نصف صاع، ومن التمر والزبيب صاع . ولا يجوز أن تعطى غير أهل الولاية لأنها فريضة .

وأكثر الحيض عشرة أيام وأقله ثلاثة أيام، والمستحاضة تغتسل وتصلي، والحائض تترك الصلاة ولا تقضي ، وتترك الصيام وتقضيه .

ويصام شهر رمضان لرؤيته ، ويفطر لرؤيته . ولا يجوز التراويح في جماعة ، وصوم ثلاثة أيام في كل شهر سنة من كل عشرة أيام يوم خميس من العشر الأول، والأربعاء من العشر الأوسط ، والخميس من العشر الآخر .

وصوم شعبان حسن وهو سنة ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : شعبان شهري وشهر رمضان شهر الله ، وإن قضيت فائت شهر رمضان متفرقاً أجزأك . وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً والسبيل زاد وراحلة ، ولا يجوز الحج إلا متمتعاً، ولا يجوز الإفراد والقران الذي تعمله العامة . والاحرام دون الميقات لا يجوز . قال الله: وأتموا الحج والعمرة لله ، ولا يجوز في النسك الخصي ، لأنه ناقص ويجوز الموجوء .

والجهاد مع إمام عادل، ومن قاتل فقتل دون ماله ورحله ونفسه فهوشهيد ، ولا يحل قتل أحد من الكفار في دار التقية ، إلا قاتل أوباغ ، وذلك إذا لم تحذر على نفسك . ولا أكل أموال الناس من المخالفين وغيرهم . والتقية في دار التقية واجبة . ولا حنث على من حلف تقية يدفع بها ظلماً عن نفسه .

والطلاق بالسنة على ما ذكر الله جل وعز وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ، ولا يكون طلاق بغير سنة ، وكل طلاق يخالف الكتاب فليس بطلاق وكل نكاح يخالف السنة فليس بنكاح . ولا تجمع بين أكثر من أربع حرائر . وإذا طلقت المرأة ثلاث مرات للسنة لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره . وقال أمير المؤمنين عليه السلام : اتقوا المطلقات ثلاثاً فإنهن ذوات أزواج!

والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله في كل المواطن عند الرياح والعطاس وغير ذلك .

وحب أولياء الله وأوليائهم ، وبغض أعدائه والبراءة منهم ومن أئمتهم .

وبر الوالدين وإن كانا مشركين فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً لأن الله يقول: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ ... وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا .

قال أمير المؤمنين عليه السلام :ما صاموا لهم ولاصلوا ولكن أمروهم بمعصية الله فأطاعوهم ، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من أطاع مخلوقاً في غير طاعة الله جل وعز فقد كفر ، واتخذ إلها من دون الله . وذكاة الجنين ذكاة أمه. وذنوب الأنبياء صغار موهوبة لهم بالنبوة . والفرائض على ما أمر الله لا عول فيها. ولايرث مع الوالدين والولد أحد إلا الزوج والمرأة. وذوالسهم أحق ممن لاسهم له وليست العصبة من دين الله .

والعقيقة عن المولود الذكر والأنثى يوم السابع . ويحلق رأسه يوم السابع . ويسمى يوم السابع . ويتصدق بوزن شعره ذهباً أوفضة يوم السابع .

وأن أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير ، لا خلق تكوين . ولا تقل بالجبر ولا بالتفويض، ولا يأخذ الله عزّ وجلّ البرئ بجرم السقيم ، ولا يعذب الله الأبناء والأطفال بذنوب الآباء ، وإنه قال: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى.. وَأَنْ لَيْسَ للَّإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى . والله يغفر ولا يظلم ، ولا يفرض الله على العباد طاعة من يعلم أنه يظلمهم ويغويهم . ولا يختار لرسالته ويصطفي من عباده من يعلم أنه يكفر ويعبد الشيطان من دونه .

وأن الاسلام غير الإيمان ، وكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً.لايسرق السارق حين يسرق وهومؤمن، ولا يشرب الشارب حين يشرب الخمر وهومؤمن ، ولا يقتل النفس التي حرم الله بغير الحق وهومؤمن .

وأصحاب الحدود لا بمؤمنين ولا بكافرين . وأن الله لا يدخل النار مؤمناً وقد وعده الجنة والخلود فيها ، ومن وجبت له النار بنفاق أوفسق أوكبيرة من الكبائر لم يبعث مع المؤمنين ولا منهم، ولا تحيط جهنم إلا بالكافرين . وكل إثم دخل صاحبه بلزومه النار فهوفاسق . ومن أشرك أوكفر أونافق ، أوأتى كبيرة من الكبائر . والشفاعة جائزة للمستشفعين .

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان واجب.والإيمان أداء الفرائض واجتناب المحارم، والإيمان هومعرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان. والتكبير في الأضحى خلف عشر صلوات يبتدأ من صلاة الظهر من يوم النحر.وفي الفطر في خمس صلوات يبتدأ بصلاة المغرب من ليلة الفطر. والنفساء تقعد عشرين يوماً لا أكثر منها، فإن طهرت قبل ذلك صلت وإلا فإلى عشرين يوماً ، ثم تغتسل وتصلي وتعمل عمل المستحاضة.ويؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير، والبعث بعد الموت، والحساب والميزان والصراط ، والبراءة من أئمة الضلال وأتباعهم ، والموالاة لأولياء الله ، وتحريم الخمر قليلها وكثيرها ، وكل مسكر خمر ، وكل ما أسكر كثيره فقليله حرام . والمضطر لا يشرب الخمر فإنها تقتله .

وتحريم كل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطير ، وتحريم الطحال فإنه دم، والجري والطافي والمارماهي والزمير ، وكل شئ لا يكون له قشور . ومن الطير ما لا تكون له قانصة ، ومن البيض كل ما اختلف طرفاه فحلال أكله وما استوى طرفاه فحرام أكله .

واجتناب الكبائر، وهي قتل النفس التي حرم الله ، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف ، وأكل مال اليتامى ظلماً، وأكل الميتة ، والدم، ولحم الخنزير ، وما أهل به لغير الله من غير ضرورة به.وأكل الربا والسحت بعد البينة والميسر. والبخس في الميزان والمكيال. وقذف المحصنات ، والزنا ، واللواط ، وشهادات الزور، واليأس من روح الله ، والأمن من مكرالله، والقنوط من رحمة الله ، ومعاونة الظالمين والركون إليهم ، واليمين الغموس، وحبس الحقوق من غير عسر. والكبر، والكفر، والإسراف، والتبذير، والخيانة ، وكتمان الشهادة ، والملاهي التي تصد عن ذكر الله ، مثل الغناء وضرب الأوتار، والإصرار على الصغاير من الذنوب .

فهذه أصول الدين . والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبيه وآله وسلم تسليماً.

أقول: لم يذكر ابن شعبة سند هذه الرواية مع الأسف ، وفيها أحكام تخالف المجمع عليه عند فقهائنا ، مثل أقل النفاس وأكثره ، فقد أفتوا بأنه لا حدَّ لأقله ، وأن أكثره عشرة أيام لا يزيد عن أكثر الحيض. لكن فيها عشرون يوماً وهو مذهب عدد من أئمة السنة . فقد يكون بعض رواة هذه الرسالة غير فيها لتوافق مذهبه !

فلا يمكن الفتوى بما فيها ، لكنها تعطي صورة عن معالم الإسلام، وأن الفضل بن سهل بثقافته المجوسية العلمانية أراد أن يعرفها فكتبها له الإمام الرضا عليه السلام ولذلك أوردناها.

مؤامرة الفضل على الإمام عليه السلام لقتله !

في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/177): (روي أنه قصد الفضل بن سهل مع هشام بن إبراهيم الرضا عليه السلام فقال له: يا ابن رسول الله جئتك في سر فأخْلِ لي المجلس ، فأخرج الفضل يميناً مكتوبة بالعتق والطلاق ومالا كفارة له ، وقالا له: إنما جئناك لنقول كلمة حق وصدق وقد علمنا أن الإمرة أمرتكم والحق حقكم يا ابن رسول الله ، والذي نقوله بألسنتنا عليه ضمائرنا ، وإلا ينعتق ما نملك والنساء طوالق وعليَّ ثلاثون حجة راجلاً: إنا على أن نقتل المأمون وتخلص لك الأمر حتى يرجع الحق إليك !

فلم يسمع منهما وشتمهما ولعنهما وقال لهما: كفرتما النعمة ، فلا تكون لكما السلامة ولا لي إن رضيت بما قلتما . فلما سمع الفضل ذلك منه مع هشام علماً أنهما أخطآ فقصدا المأمون ، بعد أن قالا للرضا عليه السلام أردنا بما فعلنا أن نجربك ، فقال لهما الرضا عليه السلام : كذبتما فإن قلوبكما على ما أخبرتماني به، إلا إنكما لم تجداني كما أردتما !

فلما دخلا على المأمون قالا:يا أميرالمؤمنين إنا قصدنا الرضا وجربناه وأردنا أن نقف ما يضمره لك فقلنا وقال.. فقال المأمون وفقتما !

فلما خرجا من عند المأمون قصده الرضا عليه السلام وأخليا المجلس وأعلمه ما قالا وأمره أن يحفظ نفسه منهما ، فلما سمع ذلك من الرضا علم أن الرضا عليه السلام هو الصادق).

المأمون يرتكب جريمة سم الرضا عليه السلام قبل عودته الى بغداد!

كان المأمون يعلم أن الإمام الرضا عليه السلام إمامٌ من الله تعالى ، ويعلم أنه لا غرض له من الدنيا إلا خدمة دين جده المصطفى صلى الله عليه وآله .

وقد رأى حرصه على صون منصب الخلافة أياً كان الخليفة لأنه يمثل رأس الهرم في سلطة المسلمين ، مع أنه يرى أن الخلافة مغصوبة .

ورأى المأمون حرص الإمام عليه السلام عليه شخصياً لأنه منصبه رمز لكيان الأمة.

ولمس وقوفه الى جنبه في صراعه مع الفضل وحزبه الذين جعلوه كالدمية في أيديهم ، وحجبوا عنه وضع الأمة وظلامتها ونقمتها عليه ، فهو مدينٌ للإمام عليه السلام في إيقاظه وتقويته ، ليتخلص من براثن الفضل وحزبه .

الصحيح أن وفاته عليه السلام في الحادي وعشرين من رمضان

مع كل خدمات الإمام الرضا عليه السلام وفضله على المأمون سيطرت عليه الرغبة في إرضاء العباسيين والعودة الى بغداد ، ومن أول التقرب اليهم أن يتخلص من الفضل، وقد فعل ذلك وقتله في شهر شعبان سنة 203، وأن يتخلص من ولي عهده الإمام الرضا عليه السلام فأخذ يخطط لقتله بالسم ، ليعود الى بغداد ويقول لهم: لم يبق شيئ مما تنقمون به عليَّ ! فقد مات الفضل ومات الرضا !

فقتله بالسم في شهر رمضان سنة 203، أي بعد قتله للفضل بشهر، وهذا هو الصحيح في شهادته عليه السلام وليس رواية أنه قتله في صفر، لأنه استعان به في شعبان لتفريق أنصار الفضل الذين قصدوه ليقتلوه به .

قال أبو الفداء في تاريخه(2/24) وغيره: (ولما مات كتب المأمون إلى أهل بغداد يعلمهم بموت علي الرضا وقال: إِنما نقمتم علي بسببه وقد مات)!

قال ابن حبان (2/196): (وقد سُمَّ من ماء الرمان وأسقيه من المأمون).

وقال السمعاني في الأنساب (3/74):(وقد سم في ماء الرمان وأسقاه المأمون).

فالصحيح ما اخناره الصدوق (العيون:2/274) (قال: حدثنا الحاكم أبو علي الحسين بن أحمد البيهقي قال: حدثني محمد بن يحيى الصولي قال: حدثنا أبو ذكوان قال: سمعت إبراهيم بن العباس يقول:كانت البيعة للرضا عليه السلام لخمس خلون من شهر رمضان سنة إحدى ومأتين وزوجه ابنته أم حبيب في أول سنة اثنتين ومأتين وتوفي سنة ثلاث ومأتين بطوس والمأمون متوجه إلى العراق.. والصحيح أنه عليه السلام توفي في شهر رمضان لتسع بقين منه يوم الجمعة سنة ثلاث ومأتين من هجرة النبي صلى الله عليه وآله ).

وهذا ينسجم مع قولهم: والمأمون متوجه إلى العراق: (دخل بغداد يوم السبت لثمان عشرة ليلة خلت من صفر سنة 204) . (التنبيه والإشراف/303 وعامة المؤرخين ). ورواية الطبري (7/155) أن رجوع المأمون الى لبس السواد كان يوم السبت لسبع بقين من صفر).

وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب(7/587): (قال الحاكم في تاريخ نيسابور: أشخصه المأمون من المدينة إلى البصرة ثم إلى الأهواز ثم إلى فارس ثم إلى نيسابور ، إلى أن أخرجه إلى مرو ، وكان ما كان يعني من قصة استخلافه ، قال: وسمع علي بن موسى أباه وعمومته إسماعيل وعبد الله وإسحاق وعلي بني جعفر وعبد الرحمن بن أبي الموالي وغيرهم من أهل الحجاز وكان يفتي في مسجد رسول الله(ص) وهو بن نيف وعشرين سنة. روى عنه من أئمة الحديث آدم بن أبي إياس،ونصـربن علي الجهضمي، ومحمد بن رافع القشيري ، وغيرهم . استشهد علي بن موسى بسنا آباد من طوس لتسع بقين من شهر رمضان ليلة الجمعة من سنة203 ).

وفي ذيل تاريخ بغداد(4/142): (أنبأنا عبد الوهاب الأمين قال: كتب إليَّ هبة الله بن حمزة العلوي ، أنبأنا أبو عبد الرحمن الشاذياخي قراءة عليه قال: سمعت أبا عبد الله الحاكم يقول: استشهد علي بن موسى الرضا بسناباذ من طوس لتسع بقين من شهر رمضان ليلة الجمعة من سنة ثلاث ومائتين ، وهو ابن تسع وأربعين سنة وستة أشهر ، منها مع أبيه موسى تسعاً وعشرين سنة وشهرين ، وبعد أبيه عشرون وأربعة أشهر). ونحوه المنتظم (10/120).

 

 

 

الفصل العاشر

الصراع الصامت بين المأمون والإمام عليه السلام !

بدأ الصراع من أول قدوم الإمام عليه السلام

1. روى الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/265):(حدثنا تميم بن عبد الله بن تميم القرشي قال: حدثنا أبي عن أحمد بن علي الأنصاري قال:سألت أبا الصلت الهروي فقلت له: كيف طابت نفس المأمون بقتل الرضا عليه السلام مع أكرامه ومحبته له ، وما جعل له من ولاية العهد بعده ؟! فقال: إن المأمون إنما كان يكرمه ويحبه لمعرفته بفضله وجعل له ولاية العهد من بعده ليرى الناس أنه راغب في الدنيا فيسقط محله من نفوسهم ! فلما لم يظهر منه في ذلك للناس إلا ما زداد به فضلاً عندهم ومحلاً في نفوسهم جلب عليه المتكلمين من البلدان طمعاً في أن يقطعه واحد منهم فيسقط محله عند العلماء ويشتهر نقصه عند العامة ، فكان لايكلمه خصم من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والبراهمة والملحدين والدهرية ، ولا خصمٌ من فرق المسلمين المخالفين إلا قطعه وألزمه الحجة، وكان الناس يقولون: والله إنه أولى بالخلافة من المأمون ، وكان أصحاب الأخبار يرفعون ذلك إليه فيغتاظ من ذلك ويشتد حسده له، وكان الرضا عليه السلام لا يحابي المأمون من حق وكان يجيبه بما يكره في أكثر أحواله ، فيغيظه ذلك ويحقده عليه ولا يظهره لهفلما أعيته الحيلة في أمره اغتاله فقتله بالسم )!

2. قال المفيد في الإرشاد(2/269): (وكان الرضا علي بن موسى صلى الله عليه وآله يكثر وعظ المأمون إذا خلا به ويخوفه بالله ويقبِّح له ما يرتكبه من خلافه ، فكان المأمون يظهر قبول ذلك منه ويتبطن كراهته واستثقاله .

ودخل الرضا عليه السلام يوماً عليه فرآه يتوضأ للصلاة والغلام يصب على يده الماء فقال :لا تشرك يا أمير المؤمنين بعبادة ربك أحداً ، فصرف المأمون الغلام وتولى تمام وضوئه بنفسه وزاد ذلك في غيظه ووجده )!

وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/171): (قال له الرضا عليه السلام : يا أمير المؤمنين إتق الله في أمة محمد صلى الله عليه وآله وما ولاك الله من هذا الأمروخصك به فإنك قد ضيعت أمور المسلمين وفوضت ذلك إلى غيرك يحكم فيهم بغير حكم الله وقعدت في هذه البلاد وتركت بيت الهجرة ومهبط الوحي ، وأن المهاجرين والأنصار يظلمون دونك ولا يرقبون في مؤمن ولا ذمة ، ويأتي على المظلوم دهر يتعب فيه نفسه ويعجز عن نفقته ، ولا يجد من يشكو إليه حاله ولايصل إليك ، فاتق الله يا أمير المؤمنين في أمور المسلمين وارجع إلى بيت النبوة ومعدن المهاجرين والأنصار ، أما علمت يا أميرالمؤمنين أن والي المسلمين مثل العمود وسط الفسطاط ، من أراده أخذه !

قال المأمون يا سيدي فما ترى؟قال أرى أن تخرج من هذه البلاد وتتحول إلى موضع آبائك وأجدادك ، وتنظر في أمور المسلمين ، ولا تكلهم إلى غيرك ، فإن الله تعالى سائلك عما ولاك ، فقام المأمون فقال: نٍعْمَ ما قلت يا سيدي! هذا هو الرأي).

وكان هذا سبب شدة عداوة الفضل بن سهل للإمام عليه السلام .

3. قال الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/164): (وكان هشام بن إبراهيم الراشدي الهمداني من أخص الناس عند الرضا عليه السلام من قبل أن يُحمل (الإمام الى طوس)وكان عالماً أديباً لبيباً ، وكانت أمور الرضا عليه السلام تجري من عنده وعلى يده وتصيره الأموال من النواحي كلها إليه، قبل حمل أبي الحسن عليه السلام فلما حمل أبو الحسن اتصل هشام بن إبراهيم بذي الرياستين وقربه ذو الرياستين وأدناه ، فكان ينقل أخبار الرضا عليه السلام إلى ذي الرياستين والمأمون فحظي بذلك عندهما ، وكان لا يخفي عليهما من أخباره شيئاً، فولاه المأمون حجابة الرضا فكان لا يصل إلى الرضا عليه السلام إلا من أحب ، وضيق على الرضا عليه السلام وكان من يقصده من مواليه لا يصل إليه وكان لا يتكلم الرضا عليه السلام في داره بشئ إلا أورده هشام على المأمون وذي الرياستين ، وجعل المأمون العباس ابنه في حجر هشام وقال له: أدبه ، فسمي هشام العباسي لذلك! قال: وأظهر ذوالرياستين عداوة شديدة لأبي الحسن الرضا عليه السلام وحسده على ما كان المأمون يفضله ).

4. بعدما ظهر من اللإمام عليه السلام في صلاة الإستسقاء ، وبعد أن عجزحميد بن مهران عن مناظرة الإمام عليه السلام وأهلكه الله ، وقد ذكر ابن النديم(1/179) أنه كان كاتباً للبرامكة الى أن زالوا . بعد هذا ، قرر المأمون أن يضيق على الإمام عليه السلام فأرسل من يطرد المجتمعين أمام منزله ويقبض عليه ويأتيه به !

روى الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/184)بسند صحيح:(عن إبراهيم بن هاشم، عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: رُفع إلى المأمون أن أبا الحسن علي بن موسى عليه السلام يعقد مجالس الكلام والناس يفتتنون بعلمه ! فأمر محمد بن عمرو الطوسي حاجب المأمون ، فطرد الناس عن مجلسه وأحضره فلما نظر إليه المأمون زبره واستخف به ! فخرج أبو الحسن عليه السلام من عنده مغضباً وهو يدمدم بشفتيه ويقول: وحق المصطفى والمرتضى وسيدة النساء لأستنزلن من حول الله عزّ وجلّ بدعائي عليه ما يكون سبباً لطرد كلاب أهل هذه الكورة إياه ، واستخفافهم به وبخاصته وعامته!

ثم إنه عليه السلام انصرف إلى مركزه واستحضر الميضأة وتوضأ وصلى ركعتين وقنت في الثانية فقال:اللهم يا ذا القدرة الجامعة والرحمة الواسعة والمنن المتتابعة والآلاء المتوالية، والأيادي الجميلة ، والمواهب الجزيلة ، يا من لا يوصف بتمثيل ، ولا يمثل بنظير، ولا يغلب بظهير .

يا من خلق فرزق ، وألهمَ فأنطق ، وابتدع فشرع ، وعلا فارتفع ، وقدر فأحسن، وصور فأتقن ، وأجنح فأبلغ ، وأنعم فأسبغ ، وأعطى فأجزل.

يا من سما في العز ففات خواطف الأبصار ، ودنا في اللطف فجاز هواجس الأفكار، يا من تفرد بالملك فلا ند له في ملكوت سلطانه ، وتوحد بالكبرياء فلا ضد له في جبروت شانه ، يا من حارت في كبرياء هيبته دقائق لطائف الأوهام ، وحسرت دون إدراك عظمته لطائف أبصار الأنام ، يا عالم خطرات قلوب العارفين وشاهد لحظات أبصار الناظرين ، يا من عنت الوجوه لهيبته ، وخضعت الرقاب لجلالته ، ووجلت القلوب من خيفته وارتعدت الفرائص من فرَقه ، يا بدئ يا بديع ، يا قوي يا منيع ، يا علي يا رفيع ، صل على من شرفت الصلاة بالصلاة عليه ، وانتقم لي ممن ظلمني واستخف بي وطرد الشيعة عن بابي ، وأذقه مرارة الذل والهوان كما أذاقنيها ، واجعله طريد الأرجاس وشريد الأنجاس !

قال أبو الصلت: فما استتم مولاي دعاءه حتى وقعت الرجفة في المدينة وارتج البلد ، وارتفعت الزعقة والصيحة ، واستفحلت النعرة ، وثارت الغبرة ، وهاجت القاعة ، فلم أزايل مكاني إلى أن سلم مولاي عليه السلام فقال لي: يا أبا الصلت إصعد السطح فإنك سترى امرأة بغية غثة رثة مهيجة الأشرار متسخة الأطمار ، يسميها أهل هذه الكورة سمانة لغباوتها وتهتكها ، وقد أسندت مكان الرمح إلى نحرها قصباً ، وقد شدت وقاية لها حمراء إلى طرفه مكان اللواء ، فهي تقود جيوش القاعة ، وتسوق عساكر الطغام إلى قصر المأمون ومنازل قواده ، فصعدت السطح فلم أرَ إلا نفوساً تزعزع بالعصي وهامات ترضخ بالأحجار ، ولقد رأيت المأمون متدرعاً ، قد برز من قصر شاهجان متوجهاً للهرب ، فما شعرت إلا بشاجرد الحجام قد رُمِيَ من بعض أعالي السطوح بلبنة ثقيلة ، فضرب بها رأس المأمون فأسقطت بيضته بعد أن شقت جلد هامته ، فقال لقاذف اللبنة بعض من عرف المأمون: ويلك هذا أمير المؤمنين فسمعت سمانة تقول: أسكت لا أم لك ليس هذا يوم التميز والمحاباة ، ولايوم إنزال الناس على طبقاتهم ، فلو كان هذا أمير المؤمنين لما سلط ذكور الفجار على فروج الأبكار ! وطُرد المأمون وجنوده أسوأ طرد ، بعد إذلال واستخفاف شديد ).

وزاد في مناقب آل أبي طالب(3/456): ونهبوا أمواله ، فصلب المأمون أربعين غلاماً ودهقان مرو ، وأمر أن يطول جدرانهم . وعَلِمَ أن ذلك من استخفافه بالرضا عليه السلام ، فانصرف ودخل عليه وحلفه أن لا يقوم له ، وقبل رأسه وجلس بين يديه ...).

5. ضاق صدر الإمام عليه السلام بمكائد المأمون ، فكان يدعو الله تعالى: اللهم إن كان فرجي مما أنا فيه بالموت فعجل لي الساعة !(العيون:2/247).

6. تقدم في فصل مداولات ولاية العهد بسند صحيح أن الإمام الرضا عليه السلام صارح المأمون مصارحة تامة بما معناه: أن الخلافة ليست لك حتى تعرضها عليَّ ، بل هي لنا وأنت غاصب لها ، وأنك كاذب في عرضها عليَّ ، وأنك تريد من قبولي ولاية العهد أن تُسقط مكانتي عند المسلمين تريد بذلك أن يقول الناس: إن علي بن موسى لم يزهد في الدنيا ، بل زهدت الدنيا فيه ، ألاترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة . إنه كان كاذباً في زهده !وأنا ما زهدت يوماً في الدنيا للدنيا! وأنت تزعم أنك تريد أن تنصف أولاد علي عليه السلام فتجعل فيهم ولاية العهد وتنقل الخلافة اليهم، وأنت كاذب لأنك ستقتلني بالسم ، وتدفنني عند قبر أبيك !

وفي المقابل: غضب المأمون فقال للإمام الرضا عليه السلام : إنك تتلقاني أبداً بما أكرهه وقد أمنت سطواتي ، فبالله أقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلا أجبرتك على ذلك ، فإن فعلت وإلا ضربت عنقك !

فقال الرضا عليه السلام : قد نهاني الله عزّ وجلّ أن ألقي بيدي إلى التهلكة ، فإن كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك ، وأنا أقبل ذلك على أني لا أولي أحداً ولا...

 

المأمون يُبهت بعلم الرضا عليه السلام ولذلك نوى قتله !

سمع المأمون الإمام الرضا مناظرات الإمام الرضا عليه السلام وكلامه عن عصمة الأنبياء عليهم السلام ومشكلات آيات القرآن ، فرأى فيض علمه الرباني، فخاف أن يفتتن الناس به فنوى قتله! وهذا نموذج من أسئلة المأمون له (عيون أخبار الرضا:1/174):

(علي بن محمدبن الجهم قال:حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا عليهما السلام فقال له المأمون: يا ابن رسول الله ، أليس من قولك إن الأنبياء معصومون؟ قال: بلى. قال: فما معنى قول الله عزّ وجلّ: فَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى؟

فقال عليه السلام : إن الله تبارك وتعالى قال لآدم: أُسْكُنْ أنْتَ وَزَوْجَكَ الجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ، وأشار لهما إلى شجرة الحنطة فَتَكونا مِنَ الظَّالِمينَ، ولم يقل لهما: لا تأكلا من هذه الشجرة ولا مما كان من جنسها .

فلم يقربا تلك الشجرة ، وإنما أكلا من غيرها ، لما أن وسوس الشيطان إليهما.وقال: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهَ الشَّجَرَةَ وإنّما نهاكما ان تقربا غيرها ولم ينهكما عن الأكل منها: إلاّ أنْ تَكونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكونا مِنَ الخالِدينَ. وَقاسَمَهُما إنِّي لَكُما مِنَ النَّاصِحينَ . ولم يكن آدم وحوّاء شاهدا قبل ذلك من يحلف بالله كاذباً: فَدَلاّهمابِغُرور ، فأكلا منها ثقةً بيمينه بالله. وكان ذلك من آدم قبل النبوة ، ولم يكن ذلك بذنب كبير استحق به دخول النار ، وإنما كان من الصغائر الموهوبة التي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم ، فلما اجتباه الله تعالى وجعله نبياً ، كان معصوماً لا يذنب صغيرة ولا كبيرة ، قال الله عزّ وجلّ: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى. ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ فَهَدى. وقال عزّ وجلّ: إنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنوحاً وَآلَ إبْراهيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمينَ.

فقال المأمون: أشهد أنك ابن رسول الله صلى الله عليه وآله حقاً ، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ في حق إبراهيم عليه السلام : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي. فقال الرضا عليه السلام :إن إبراهيم عليه السلام وقع إلى ثلاثة أصناف: صنف يعبد الزهرة ، وصنف يعبد القمر ، وصنف يعبد الشمس ، وذلك حين خرج من السرب الذي اختفى فيه ، فلما جن عليه الليل فرأى الزهرة قالَ هذا رَبَّي! على الإنكار والإستخبار فَلَمَّا أفَلَ الكوكب قالَ لا أُحِبُّ الآفِلينَ لأن الأُفول من صفات المحدث لا من صفات القديم. فَلَمَّا رَأى القَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي! على الإنكار والاستخبار، فَلَمَّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِني رَبِّي لأكونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضَّالِّينَ .

يقول لو لم يهدني ربي لكنت من القوم الضالين: فَلَمَّا أصبح و رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أكْبَرُ من الزهرة والقمر على الإنكار والإ ستخبار ، لا على الإخبار والإقرار، فَلَمَّا أفَلَتْ قالَ للأصناف الثلاثة من عبدة الزهرة والقمر والشمس: يا قَوْمِ إنِّي بَريءٌ مِمَّا تُشْرِكونَ إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذي فَطَرَ السَّماواتِ وَالأرْضَ حَنيفاً وَما أنا مِنَ المُشْرِكينَ .

وإنما أراد إبراهيم بما قال أن يبين لهم بطلان دينهم ، ويثبت عندهم أن العبادة لا تحق لمن كان بصفة الزهرة والقمر والشمس ، وإنما تحق العبادة لخالقها وخالق السماوات والأرض ، وكان ما احتج به على قومه مما ألهمه الله تعالى وآتاه ، كما قال الله عزّ وجلّ: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهيمَ عَلى قَوْمِهِ .

قال المأمون: بارك الله فيك يا أبا الحسن ، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: فَوَكَزَهُ موسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ . قال الرضا عليه السلام : إن موسى دخل مدينة من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها ، وذلك بين المغرب والعشاء ، فوجد فيها رجلين يقتتلان ، هذا من شيعته وهذا من عدوّه ، فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ، فقضى موسى على العدو بحكم الله تعالى ذكره فوكزه فمات فقال:هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ، يعني الإقتتال الذي كان وقع بين الرجلين ، لاما فعله موسى عليه السلام من قتله إنَّهُ يعني الشيطان عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبينٌ .

فقال المأمون:فما معنى قول موسى: رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسي فَاغْفِرْ لي؟قال يقول: إنّي وضعت نفسي غير موضعها بدخولي هذه المدينة فَاغْفِرْ لي ، أي استرني من أعدائك لئلاّ يظفروا بي فيقتلوني ، فَغَفَرِ لَهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيمُ. قالَ موسى: رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ من القوة حتى قتلت رجلاً بوكزة فَلَنْ أكونَ ظَهيراً لِلْمُجْرِمينَ ، بل أُجاهد في سبيلك بهذه القوة حتى ترضى. فَأصْبَحَ موسى في المَدينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخْهُ على آخر قالَ لَهُ موسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبينٌ، قاتلت رجلاً بالأمس وتقاتل هذا اليوم لأُؤدنبك وأراد أن يبطش به فَلَمَّا أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما، وهو من شيعته قالَ يَا مُوسى أتُريدُ أنْ تَقْتُلَني كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالأمْسِ إنْ تُريدُ إلاّ أنْ تَكونَ جَبَّاراً في الأرْضِ وَما تُريدُ أنْ تَكونَ مِنَ المُصْلِحينَ .

قال المأمون: جزاك الله عن أنبيائه خيراً يا أبا الحسن ، فما معنى قول موسى لفرعون: فَعَلْتُها إذاً وَأنا مِنَ الضَّالِّينَ؟ قال الرضا عليه السلام : إن فرعون قال لموسى لما أتاه: فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتي فَعَلْتَ وَأنْتَ مِنَ الكافِرينَ. قَالَ موسى فَعَلْتُها إذاً وَأنا مِنَ الضَّالِّينَ عن الطريق بوقوعي إلى مدينة من مدائنك فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَني مِنَ المُرْسَلينَ.

وقد قال الله عزّ وجلّ لنبيه محمد صلى الله عليه وآله : ألَمْ يَجِدْكَ يَتيماً فَآوى ، يقول: ألم يجدك وحيداً فآوى إليك الناس، وَوَجَدَكَ ضالاً يعني عند قومك فَهَدى ، أي هداهم إلى معرفتك ، وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأغْنى ، يقول أغناك بأن جعل دعاءك مستجاباً .

قال المأمون: بارك الله فيك يا ابن رسول الله ، فما معنى قول الله عزّ وجلّ: فَلَمَّا جاءَ موسى لِميقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِني أنْظُرُ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَراني وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ للَّجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَلُ الْمُؤْمِنِينَ. كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران عليه السلام لا يعلم أن الله تعالى ذكره لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال ؟

فقال الرضا عليه السلام : إن كليم الله موسى بن عمران علم أن الله تعالى غنيّ عن أن يُرى بالأبصار ، ولكنه لما كلمه الله عزّ وجلّ وقربه نجياً ، رجع إلى قومه فأخبرهم أن الله عزّ وجلّ كلمه وقربه وناجاه ، فقالوا: لن نؤمن لك حتّى نسمع كلامه كما سمعت ، وكان القوم سب عمائة ألف رجل ، فاختار منهم سبعين ألفاً ، ثمّ اختار سبعة آلاف ، ثمّ اختار منهم سبع مائة ، ثم اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربهم ، فخرج بهم إلى الطور ، وسأل الله تعالى أن يكلمه ويُسمعهم كلامه ، فكلمه الله تعالى ذكره وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام ، لأن الله عزّ وجلّ أحدثه في الشجرة الزيتونة ، وجعله منبعثاً منها حتّى سمعوه من جميع الوجوه ، فقالوا: لن نؤمن لك بأنّ هذا الذي سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرةً ، فلمّا قالوا هذا القول العظيم، واستكبروا وعَتَوا ، بعث الله عزّ وجلّ عليهم صاعقةً فأخذتهم بظلمهم فماتوا . فقال موسى: يا رب ، ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا إنك ذهبت بهم فقتلتهم لأنك لم تكن صادقاً فيما ادعيت من مناجاة الله تعالى إيّاك ، فأحياهم الله وبعثهم معه . فقالوا إنك لو سألت الله أن يريك تنظر إليه لأجابك ، وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حقّ معرفته .

فقال موسى: يا قوم ، إنّ الله تعالى لا يُرى بالأبصار ، ولا كيفية له ، وإنما يُعرف بآياته، ويُعلم بأعلامه . فقالوا: لن نؤمن لك حتّى تسأله . فقال موسى: يا ربّ ، إنّك قد سمعت مقالة بني إسرائيل ، وأنت أعلم بصلاحهم. فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى، سلني ما سألوك ، فلن أُؤاخذك بجهلهم . فعند ذلك قال موسى: رَبِّ أرِني أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَراني وَلكِنْ أُنْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنْ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ ، وهو يهوي فَسَوْفَ تَراني فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ بآية من آياته جَعَلَهُ دَكَّاً وَخَرَّ موسى صَعِقاً فَلَمَّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ ، يقول رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي ، وَأنا أوَّلُ المُؤْمِنينَ ، منهم بأنك لا تُرى .

فقال المأمون: لله درُّك يا أبا الحسن ، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ؟ فقال الرضا عليه السلام : لقد همت به ، ولولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها كما همت به ، لكنه كان معصوماً والمعصوم يهم بذنب ولا يأتيه ، ولقد حدثني أبي عن أبيه الصادق عليهما السلام أنه قال: همت بأن تفعل ، وهم بأن لا يفعل .

فقال المأمون: لله درُّك يا أبا الحسن ، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِى الْمُؤْمِنِينَ ؟ فقال الرضا عليه السلام : ذاك يونس بن متّى ذهب مغاضباً لقومه فَظَنَّ بمعنى استيقن أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ، أي لن نضيّق عليه ، ومنه قوله عزّ وجلّ: وَأمَّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ، أي ضيَّق وقتَّر .

فَنادى في الظُّلُماتِ أي ظلمة الليل وظلمة بطن الحوت، أنْ لا إلهَ إلاّ أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمينَ، بتركي مثل هذه العبادة التي قد فرّغتني لها في بطن الحوت . فاستجاب الله تعالى له ، وقال عزّ وجلّ: فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحينَ ، لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمَ يُبْعَثونَ.

فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن ، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: حَتَّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبوا جاءَهُمْ نَصْرُنا ؟قال الرضا عليه السلام : يقول الله عزّ وجلّ: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم ، وظنّ قومهم أن الرسل قد كذبوا ، جاء الرسل نصرنا .

فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن ، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: لَيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأخَّرَ؟قال الرضا عليه السلام : لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنباً من رسول الله صلى الله عليه وآله ، لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاث مائة وستين صنماً ، فلمّا جاءهم بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم وعظم ، وقالوا: أجَعَلَ الآلِهَةَ إلهاً واحِداً إنَّ هذا لَشَيئٌ عُجابٌ. وَانْطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ أنِ امْشوا وَاصْبِروا عَلى آلِهَتِكُمْ إنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ . ما سَمِعْنا بِهذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هذا إلاّ اخْتِلاق . فلما فتح الله عزّ وجلّ على نبيّه صلى الله عليه وآله مكّة قال له: يا محمد إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبيناً . لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأخَّرَ ، عند مشركي أهل مكّة بدعائك إلى توحيد الله فيما تقدم وما تأخر ، لأن مشركي مكة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة ، ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه ، فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفوراً بظهوره عليهم.

فقال المأمون: لله درّك يا أبا الحسن ، فأخبرني عن قول الله عزّوجلّ: عَفا اللهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ؟ قال الرضا عليه السلام : هذا ممّا نزل بإيّاكِ أعني واسمعي يا جارة ، خاطب الله عزّ وجلّ بذلك نبيه وأراد به أُمّته ، وكذلك قوله تعالى: لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبُطَنَّ عَمَلَكَ وَلَتَكونَنَّ مِنَ الخاسِرينَ ، وقوله عزّ وجلّ: وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئاً قَليلاً.

قال: صدقت يا ابن رسول الله ، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: إذْ تَقولُ لِلَّذي أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفي في نَفْسِكَ ما اللهُ مُبْديهِ وَتَخْشى النَّاسَ وَاللهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ؟ قال الرضا عليه السلام : إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قصد دار زيد بن حارثة الكلبي في أمر أراده فرأى امرأته تغتسل ، فقال لها: سبحان الذي خلقكِ ، وإنما أراد بذلك تنزيه الله تبارك وتعالى عن قول من زعم أنّ الملائكة بنات الله . فقال الله عزّ وجلّ: أفَأصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالبَنينَ وَاتَّخَذَ المَلائِكَةَ إناثاً إنَّكُمْ لَتَقولونَ قَوْلا عَظيماً، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله لما رآها تغتسل: سبحان الذي خلقكِ أن يتّخذ ولداً يحتاج إلى هذا التطهير والإغتسال . فلما عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجيئ رسول الله صلى الله عليه وآله وقوله لها: سبحان الذي خلقكِ ، فلم يعلم زيد ما أراد بذلك، وظنّ أنه قال ذلك لما أعجبه من حسنها ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال له: يا رسول الله ، إن امرأتي في خلقها سوء وإنّي أُريد طلاقها .

فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله : أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجُكَ وَاتَّقِ اللهَ ، وقد كان الله عزّ وجلّ عرّفه عدد أزواجه ، وأنّ تلك المرأة منهنّ ، فأخفى ذلك في نفسه ولم يُبدِه لزيد ، وخشي الناس أن يقولوا: إنّ محمّداً يقول لمولاه: إن امرأتك ستكون لي زوجة ، فيعيبونه بذلك ، فأنزل الله عزّ وجلّ: وَإذْ تَقولُ لِلَّذي أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ، يعني بالإسلام. وَأنْعَمْتَ عَلَيْهِ يعني بالعتق: أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهِ وَتُخْفي في نَفْسِكَ ما اللهُ مُبْديهِ وَتَخْشى النَّاسَ وَاللهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ .

ثمّ إنّ زيد بن حارثة طلقها واعتدت منه ، فزوجها الله عزّ وجلّ من نبيه محمّد صلى الله عليه وآله وأنزل بذلك قرآناً فقال عزّ وجلّ: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْلا يَكونَ عَلى المُؤْمِنينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أمْرُ اللهِ مَفْعولا. ثم علم عزّ وجلّ أن المنافقين سيعيبونه بتزويجها فأنزل: ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِنْ حَرَج فيما فَرَضَ اللهُ لَهُ .

فقال المأمون: لقد شفيت صدري يا بن رسول الله ، وأوضحت لي ما كان ملتبساً عليَّ ، فجزاك الله عن أنبيائه وعن الإسلام خيراً .

قال عليّ بن محمد بن الجهم: فقام المأمون إلى الصلاة ، وأخذ بيد محمد بن جعفر بن محمد ، وكان حاضر المجلس وتبعتهما . فقال له المأمون: كيف رأيت ابن أخيك ؟ فقال: عالم ، ولم نره يختلف إلى أحد من أهل العلم .

فقال المأمون: إن ابن أخيك من أهل بيت النبي الذين قال صلى الله عليه وآله فيهم: ألا إن أبرار عترتي وأطايب أرومتي أحلم الناس صغاراً ، وأعلم الناس كباراً ، لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم ، لا يخرجونكم من باب هدى ، ولا يدخلونكم في باب ضلال .

وانصرف الرضا عليه السلام إلى منزله ، فلما كان من الغد غدوت عليه ، وأعلمته ما كان من قول المأمون وجواب عمه محمد بن جعفر له ، فضحك عليه السلام ثمّ قال:يا ابن الجهم لايغرنك ما سمعته منه ، فإنه سيغتالني والله ينتقم لي منه).

وفي العيون(2/218): (قال المأمون:لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن فوالله ما يوجد العلم الصحيح إلا عند أهل البيت ، وإليك انتهت علوم آبائك فجزاك الله عن الاسلام وأهله خيراً. قال الحسن بن جهم: فلما قام الرضا عليه السلام تبعته فانصرف إلى منزله فدخلت عليه وقلت له: يا ابن رسول الله الحمد لله الذي وهب من جميل رأي أمير المؤمنين عليه السلام ما حمله ما أرى من إكرامه لك وقبوله لقولك . فقال عليه السلام يا ابن الجهم لا يغرنك ما ألفيته عليه من إكرامي والإستماع مني ، فإنه سيقتلني بالسم وهو ظالم !

ألا إني أعرف ذلك بعهد معهود إلي من آبائي عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، فاكتم هذا ما دمت حياً.قال الحسن بن الجهم: فما حدثت أحداً بهذا الحديث إلى مضى عليه السلام بطوس مقتولاً بالسم ، ودفن في دار حميد بن قحطبة الطائي ، في القبة التي فيها قبر هارون الرشيد إلى جانبه).

 

 

الفصل الحادي عشر

كيف قتل العفريت المستكبر الإمامَ الرضا عليه السلام

حاول المأمون قتل الإمام الرضا عليه السلام مرات!

أرسل من ضربوه بالسيوف فلم يؤثر فيه:

روى محمد بن جرير الطبري في دلائل الإمامة/360 ، وغيره : ( قال:حدثني أبو علي محمد بن زيد القمي ، قال: حدثني محمد بن منير ، قال: حدثني محمد بن خلف الطوسي ، قال: حدثني هرثمة بن أعين قال: قال لي صبيح: إعلم يا هرثمة ، أن المأمون دعاني وثلاثين غلاماً من ثقاته على سره وعلانيته ، في الثلث الأول من الليل ، فدخلت وقد صار نهاراً من الشموع وبين يديه سيوف مستلة مشحوذة مسمومة ، فدعا بنا غلاماً غلاماً ، فأخذ علينا العهد والميثاق بلسانه ، وليس بحضرته أحد من خلق الله غيرنا ، فقال لنا: إن هذا لازم لكم ، أنكم تفعلون ما آمركم به ولا تخلفوا عنه .

قال: فحلفنا له فقال:يأخذ كل واحد منكم من الأسياف سيفاً بيده ، وامضوا حتى تدخلوا على علي بن موسى في حجرته ، فإن وجدتموه قائماً أو قاعداً أو نائماً ، فلا تكلموه وضعوا أسيافكم هذه عليه فرضوه رضاً بها ، حتى تخلطوا لحمه ودمه وشعره وعظمه ومخه ، ثم أدرجوا عليه بساطه ، وامسحوا أسيافكم وصيروا إلي ، فقد جعلت لكل واحد منكم على هذا الفعل وكتمانه عشرة آلاف درهم ، وعشر ضياع منتخبة ، والحظوة مني ما حييت وبقيت. قال: فأخذنا الأسياف بأيدينا ، ودخلنا عليه في حجرته ، فوجدناه مضطجعاً يقلب طرفه ويده ، ويتكلم كلاماً لا نعقله.قال: فبادرت الأسياف إليه حتى فعل ذلك ثم طووا عليه بساطه ، ومسحوا أسيافهم، وخرجوا حتى دخلوا على المأمون فقال: ما الذي صنعتم؟فقالوا:ما أمرتنا به يا أميرالمؤمنين. وأنا أظن أنهم سيقولون إني ما ضربت معهم بسيفي ولا أقدمت إليه . قال: فقال: أيكم كان أسرع إليه بسيفه قالوا: صبيح الديلمي يا أمير المؤمنين فجزاني خيراً . ثم قال: لا تعيدوا شيئاً مما جرى فتبخسوا حظكم مني ، وتعجلوا الفناء ، وتخسروا الآخرة والأولى. قال: فلما كان انبلاج الفجر خرج المأمون فجلس في مجلسه ، مكشوف الرأس ، محلول الأزرار ، وأظهر الحزن ، وقعد للتعزية ، وقبل أن يصل إليه الناس قام حافياً فمشى إلى الدار لينظر إليه ، وأنا بين يديه فلما دخل في حجرته سمع همهمة فارتعد ثم قال: من عنده ؟ فقلنا: لا علم لنا به يا أمير المؤمنين . قال: أسرعوا. قال صبيح: فأسرعنا إليه فإذا نحن بسيدي جالس في محرابه مواصل تسبيحه فقلنا: يا أميرالمؤمنين ، هو ذا نرى شخصاً جالساً في محرابه يصلي ويسبح. قال: فانتفض المأمون وارتعد ، ثم قال: غدرتم لعنكم الله! قال: ثم التفت إلي من بينهم فقال: يا صبيح، أنت تعرفه ، فانظر من المصلي عنده. قال صبيح: فدخلت وولى المأمون راجعاً، فلما صرت بعتبة الباب قال لي: يا صبيح! قلت: لبيك يا مولاي، وسقطت لوجهي. فقال: قم رحمك‌الله فارجع ‌وقل له : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَالله بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. فرجعت إلى المأمون فوجدت وجهه كقطع الليل المظلم ، فقال لي: يا صبيح، ما وراءك ؟ فقلت: جالس في محرابه ، وقد ناداني باسمي وقال لي كيت وكيت. قال: ثم شد أزراره وأمر برد أثوابه ، وقال قولوا: إنه قد كان غشي عليه وقد أفاق من غشيته.

قال هرثمة: فدخلت على سيدي الرضا عليه السلام ، فلما رآني قال: يا هرثمة ، لا تحدث بما حدثك به صبيح الديلمي إلا من قد امتحن الله قلبه بمحبتنا ووالانا ، فقلت: نعم يا سيدي . وقال لي: يا هرثمة ، والله لايضرنا كيدهم شيئا حتى يبلغ الكتاب أجله ).

وحاول قتله عن طريق الفضل بن سهل:

قال المفيد في الإرشاد(2/269): (وكان عليه السلام يزري على الحسن والفضل ابني سهل عند المأمون إذا ذكرهما ويصف له مساوئهما وينهاه عن الإصغاء إلى قولهما ، وعرفاً ذلك منه فجعلا يحطان عليه عند المأمون ويذكران له عنه ما يبعده منه ويخوفانه من حمل الناس عليه، فلم يزالا كذلك حتى قلبا رأيه ، وعمل على قتله عليه السلام ، فاتفق أنه أكل هو والمأمون يوماً طعاماً ، فاعتل منه الرضا عليه السلام وأظهرالمأمون تمارضاً ).

الذين رووا شهادة الإمام الرضا عليه السلام

1- هرثمة بن أعين ويظهر أنه كان شيعياً موثوقاً عند الإمام عليه السلام كما كان موثوقاً عند المأمون وقد روى تفاصيل شهادته ومنها مجيئ الجواد عليه السلام لتغسيله ولم يرو أنه تكلم مع الجواد عليه السلام .

2- أبو الصلت الهروي كان من خواص الإمام عليه السلام وكان يعرف ذلك المأمون. روى شهادته بتفاصيلها ومنها مجيئ الإمام الجواد عليه السلام وكلامه معه .

4- عبد الرحمن بن يحيى، وهو من خدمة المأمون وكان كاتباً للرضا عليه السلام .

5- ياسر الخادم وهو قمي وكان خادم المأمون ، وقد قبل روايته ووثقه العلماء .

6- وروى قسماً منها ابنه الإمام الجواد عليه السلام والأئمة من ولده عليهم السلام .

 

رواية هرثمة بن أعين شهادة الإمام عليه السلام

قال الصدوق رحمه الله في العيون (2/275):(باب ما حدث به أبو حبيب هرثمة بن أعين من ذكر وفاة الرضا عليه السلام وأنه سم في العنب والرمان جميعاً .

1 - حدثنا تميم بن عبد الله بن تميم القرشي رضي الله عنه قال: حدثنا أبي (من مشايخ الصدوق المقبولين) قال: حدثني محمد بن يحيى(موثق شيخ القميين) قال: حدثني بن خلف الطاطري (موثق) قال: حدثني هرثمة بن أعين قال: كنت ليلة بين يدي المأمون حتى مضى من الليل أربع ساعات ، ثم أذن لي في الإنصراف فانصرفت ، فلما مضى من الليل نصفه قرع قارع الباب ، فأجابه بعض غلماني فقال له: قل لهرثمة أجب سيدك ، قال: فقمت مسرعاً وأخذت على أثوابي وأسرعت إلى سيدي الرضا عليه السلام فدخل الغلام بين يدي ودخلت وراءه فإذا أنا بسيدي عليه السلام في صحن داره جالس فقال لي: يا هرثمة ، فقلت: لبيك يا مولاي فقال لي: أجلس فجلست فقال لي: إسمع وعه يا هرثمة ، هذا أوان رحيلي إلى الله تعالى ولحوقي بجدي وآبائي عليهم السلام وقد بلغ الكتاب أجله ! وقد عزم هذا الطاغي على سمي في عنب ورمان مفروك ، فأما العنب فإنه يغمس السلك في السم ويجذبه بالخيط بالعنب ، وأما الرمان فإنه يطرح السم في كف بعض غلمانه ويفرك الرمان بيده ليتلطخ حبه بذلك السم وأنه سيدعوني في اليوم المقبل، ويقرب إلي الرمان والعنب ويسألني أكلها فآكلها ثم يَنفذ الحكم ويَحضر القضاء ، فإذا أنا مت فسيقول أنا أغسله بيدي ، فإذا قال ذلك فقل له عني بينك وبينه:إنه قال لي: لا تتعرض لغسلي ولا لتكفيني ولا لدفني ، فإنك إن فعلت ذلك عاجلك من العذاب ما أخر عنك ، وحل بك أليم ما تحذر فإنه سينتهي. قال فقلت: نعم يا سيدي قال: فإذا خلى بينك وبين غسلي حتى ترى ، فيجلس في علو من ابنيته مشرفاً على موضع غسلي لينظر ، فلا تتعرض يا هرثمة لشئ من غسلي حتى ترى فسطاطاً أبيض قد ضرب في جانب الدار، فإذا رأيت ذلك فاحملني في أثوابي التي أنا فيها فضعني من وراء الفسطاط وقف من ورائه ، ويكون من معك دونك ، ولا تكشف عني الفسطاط حتى تراني فتهلك . فإنه (المأمون) سيشرف عليك ويقول لك: يا هرثمة أليس زعمتم أن الإمام لايغسله إلا إمام مثله ، فمن يغسل أبا الحسن علي بن موسى وابنه محمد بالمدينة من بلاد الحجاز ، ونحن بطوس!

فإذا قال ذلك فأجبه وقل له: إنا نقول إن الإمام لا يجب أن يغسله إلا إمام مثله ، فإن تعدى متعد فغسل الإمام لم تبطل إمامة الإمام لتعدي غاسله ، ولا بطلت إمامة الإمام الذي بعده بأن غلب على غسل أبيه، ولو ترك أبو الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام بالمدينة لغسله ابنه محمد ظاهراً مكشوفاً ولا يغسله الآن أيضاً إلا هو من حيث يخفى. فإذا ارتفع الفسطاط فسوف تراني مدرجاً في أكفاني فضعني على نعشي واحملني .

فإذا أراد أن يحفر قبري فإنه سيجعل قبر أبيه هارون الرشيد قبلة لقبري ولا يكون ذلك أبداً ، فإذا ضربت المعاول تَنْبُ عن الأرض ولم يحفر لهم منها شئ ولا مثل قلامة ظفر ، فإذا اجتهدوا في ذلك وصعب عليهم فقل له عني: إني أمرتك أن تضرب معولاً واحداً في قبلة قبر أبيه هارون الرشيد ، فإذا ضربت نفذ في الأرض إلى قبر محفور وضريح قائم ، فإذا انفرج القبر فلا تنزلني إليه حتى يفور من ضريحه الماء الأبيض فيمتلئ منه ذلك القبر حتى يصير الماء مساوياً مع وجه الأرض ، ثم يضطرب فيه حوت بطوله ! فإذا اضطرب فلا تنزلني إلى القبر إلا إذا غاب الحوت وغار الماء ، فأنزلني في ذلك القبر وألحدني في ذلك الضريح ، ولا تتركهم يأتوا بتراب يلقونه علي فإن القبر ينطبق من نفسه ويمتلئ .

قال قلت: نعم سيدي، ثم قال لي: إحفظ ما عهدت إليك واعمل به ولا تخالف . قلت: أعوذ بالله أن أخالف لك أمراً يا سيدي .

قال هرثمة: ثم خرجت باكياً حزيناً ، فلم أزل كالحبة المقلاة لا يعلم ما في نفسي إلا الله تعالى ، ثم دعاني المأمون فدخلت إليه فلم أزل قائماً إلى ضحى النهار ثم قال المأمون: إمض يا هرثمة إلى أبي الحسن عليه السلام فاقرأه مني السلام وقل له: تصير إلينا أو نصير إليك؟ فإن قال لك: بل نصير إليه فاسأله عني أن يقدم ذلك، قال: فجئته فلما اطلعت عليه قال: يا هرثمة أليس قد حفظت ما أوصيتك به قلت: بلى، قال: قدموا إلي نعلي فقد علمت ما أرسلك به قال فقدمت نعليه ومشى إليه ، فلما دخل المجلس قام إليه المأمون قائماً ، فعانقه وقبل ما بين عينيه وأجلسه إلى جانبه على سريره ، وأقبل عليه يحادثه ساعة من النهار طويلة ، ثم قال لبعض غلمانه: يؤتى بعنب ورمان .

قال هرثمة: فلما سمعت ذلك لم أستطع الصبر ورأيت النفضة قد عرضت في بدني فكرهت أن يتبين ذلك فيَّ فتراجعت القهقري حتى خرجت فرميت نفسي في موضع من الدار ، فلما قرب زوال الشمس أحسست بسيدي قد خرج من عنده ورجع إلى داره ، ثم رأيت الأمر قد خرج من عند المأمون باحضار الأطباء والمترفقين فقلت ما هذا ؟ فقيل لي: علة عرضت لأبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام وكان الناس في شك وكنت على يقين لما أعرف منه . قال:فما كان من الثلث الثاني من الليل حتى علا الصياح وسمعت الصيحة من الدار فأسرعت فيمن أسرع ، فإذا نحن بالمأمون مكشوف الرأس محلل الأزرار قائماً على قدميه ينتحب ويبكي !

قال: فوقفت فيمن وقف وأنا أتنفس الصعداء ثم أصبحنا فجلس المأمون للتعزية ، ثم قام فمشى إلى الموضع الذي فيه سيدنا عليه السلام فقال له: أصلحوا لنا موضعاً فإني أريد أن اغسله ، فدنوت منه فقلت له: ما قاله سيدي بسبب الغسل والتكفين والدفن فقال لي: لست أعرض لذلك . ثم قال: شأنك يا هرثمة قال: فلم أزل قائماً حتى رأيت الفسطاط قد ضرب فوقفت من ظاهره وكل من في الدار دوني ، وأنا أسمع التكبير والتهليل والتسبيح ، وتردد الأواني وصب الماء وتضوع الطيب ، لم أشم أطيب منه ، قال: فإذا أنا بالمأمون قد أشرف على بعض أعالي داره فصاح: يا هرثمة أليس زعمتم أن الإمام لا يغسله إلا إمام مثله؟ فأين محمد بن علي ابنه عنه وهو بمدينة رسول الله وهذا بطوس خراسان ! قال: فقلت له: يا أمير المؤمنين إنا نقول: إن الإمام لا يجب أن يغسله إلا إمام مثله فإن تعدى متعد فغسل الإمام لم تبطل إمامة الامام لتعدي غاسله ولا تبطل إمامة الإمام الذي بعده بأن غُلب على غسل أبيه ، ولو ترك أبو الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام بالمدينة لغسله ابنه محمد ظاهراً ولا يغسله الآن أيضاً إلا هو من حيث يخفى! قال: فسكت عني ثم ارتفع الفسطاط فإذا أنا بسيدي عليه السلام مدرج في أكفانه فوضعته على نعشه ثم حملناه فصلى عليه المأمون وجميع من حضر، ثم جئنا إلى موضع القبر فوجدتهم يضربون المعاول دون قبر هارون ليجعلوه قبلة لقبره ، والمعاول تنبو عنه حتى ما يحفر ذرة من تراب الأرض فقال لي: ويحك يا هرثمة أما ترى الأرض كيف تمتنع من حفر قبر له؟ فقلت له: يا أمير المؤمنين إنه قد أمرني أن أضرب معولاً واحداً في قبلة قبر أمير المؤمنين أبيك الرشيد ولا أضرب غيره .

قال: فإذا ضرب هرثمة يكون ماذا ؟ قلت إنه أخبر أنه لا يجوز أن يكون قبر أبيك قبلة لقبره ، فإذا أنا ضربت المعول الواحد نفذ إلى قبر محفور من غير يد تحفره ، وبان ضريح في وسطه ! قال المأمون:سبحان ا