الجديد في النبي (ص) - ج3

الجديد في النبي - المجلد الثالث

< صفحة > 1 < / صفحة >
< صفحة > 2 < / صفحة >
< صفحة > 3 < / صفحة >
المجلد الثالث
الطبعة الأولى
1443-2022
< صفحة > 4 < / صفحة >
الجديد في النبي صلى الله عليه وآله
المؤلف: علي الكَوراني
الناشر: دارالمعروف، قم المقدّسة.
الطبعة : الأولی.
تاریخ النشر: 1443 - 2022
المطبعة : باقری - قم المقدّسة.
عدد المطبوع : 2000 نسخة.
شابك: 6-53-8916-600-978
شابك دوره: 2-51-8916-600-978
< صفحة > 5 < / صفحة >

الفصل الحادي والسبعون : من احتجاجات النبي صلى الله عليه وآله ومناظراته

الإحتجاج والجدال والحوار في القرآن

  1. الإحتجاج والمجادلة والمحاورة والمناظرة ، بمعنى واحد ، وبينها فروق .
    فاحتج عليه: أقام له الحجة . وحجه: أي ألزمه الحجة وغلبه .
    وجادله: من جدلَ الحبلَ وأحكمه ، فهو يجادل في الأمر ليحكمه ، وربما كان فيها معنى يُجَدِّل خصمه أي يصرعه .
    وحاوره: راجعه في الكلام . والحَوَر: الرجوع إلى الشيئ وعنه . وكل شيئ تغير من حال إلى حال . (العين: 3/287).
    والحوَر: شدة بياض العين في شدة سوادها.والحور العين: عيونهن كبيرة شديد بياضها وسوادها ، وهو في البشرة البيضاء فقط. (مقاييس: 2/115).
    أماالمناظرة: فهي مجادلة النظيرين ، أي المتساويين ، فهي تسمية لاباعتبار المضمون بل باعتبارالمتجادلين وتساويهم وهي التسمية السائدة في عصرنا . ولا علاقة لها بالنظر والمشاهدة . ولذا أعرض عنها القرآن ولم يستعملها .
    < صفحة > 6 < / صفحة >
  2. استعمل القرآن المجادلة كثيراً، فأمر الله رسوله صلى الله عليه وآله أن يجادل الناس بالتي هي أحسن قال: أُدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ .
  3. وقال للمسلمين: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
  4. وذم الذين يكثرون الجدل فقال: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَشَيْئ جَدَلًا.
  5. وقال عن المجادلين بعد تمام الحجة: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ .
  6. وذم الذين يجادلون بغير علم فقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ . وقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ . كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ .
  7. وذم المجادلين البدريين الذين جادلوا النبي صلى الله عليه وآله وكرهوا مواجهة قريش في بدر ثم ذهبوا كالمجبرين فقال: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ . يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ .
  8. وقال عن جدل نوح عليه السلام مع قومه: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَاللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ .
    وقال: وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ . وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ . وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ. قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ
    < صفحة > 7 < / صفحة >
    مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ . وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .
  9. وقال عن جدل الإنسان وحده عن نفسه يوم القيامة: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ .
  10. واستعمل القرآن الإحتجاج فقال عن إبراهيم عليه السلام : وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّشَيْئ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ . وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ . وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ .
  11. وقال عن احتجاج الرسل عليهم السلام : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا. قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ.

تعليم القرآن للنبي صلى الله عليه وآله الأجوبة للمشركين ومناظرتهم

كان المشركون يُكذبون النبي صلى الله عليه وآله ويتهمونه، وكان يجيبهم ويناظرهم ، وتنزل الآيات تعلم النبي صلى الله عليه وآله إجابتهم مثل قوله تعالى:
قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُاللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ .
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّشَيْئوَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ
قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
< صفحة > 8 < / صفحة >
قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمر فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ .
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.

  • *

أكثر كلام للنبي صلى الله عليه وآله حوار ومناظرة

إذا عرفنا المناظرة والحوار بأنهما إنصاف المخاطب ومراجعته في الحوار ، فأكثر القرآن وأكثر كلام النبي صلى الله عليه وآله حوار مع الطرف الآخر لإقناعه بالحق .

أهم الكتب المؤلفة في المناظرات

تجد في عامة مصادر السيرة والتاريخ فصولاً وأخباراً عن الإحتجاج والجدل والمناظرة، وأجلُّ كتاب لعلمائنا المتقدمين في ذلك ، كتاب: الإحتجاج على أهل اللجاج ، لأحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي ، المتوفي نحو560 هجرية وقد عدوه من مشايخ ابن شهراشوب ، وله كتاب تاريخ الأئمة وفضائل فاطمة الزهراء عليها السلام ، لم يصلا الينا . (أعلام الزركلي: 1/173).
واشتهر بنسبة الطبرسي صاحب تفسير مجمع البيان ، وتفسير جمع الجوامع ، وإعلام الورى بأعلام الهدى ، وهو متوفى 548 هجرية .
والطبرسي نسبة الى تفرش ، فقد عربوها طبرس ، وهي مدينة بين قم وأراك . ولا علاقة لها بطبرستان في شمال إيران ، التي ينسب اليها الطبري وغيره ، ولا بالطبري صاحب جوامع الحديث، بل هو من أهل طبرية في بلاد الشام .
< صفحة > 9 < / صفحة >
وكتاب الإجتجاج من أجل الكتب وأكثرها نفعاً في السيرة والعقائد ، قال مؤلفه الطبرسي قدس سره : ( ثم إن الذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب عدول جماعة من الأصحاب عن طريق الحجاج جدا وعن سبيل الجدال وإن كان حقاً ، وقولهم إن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام لم يجادلوا قط ولا استعملوه ولا للشيعة فيه إجازة بل نهوهم عنه وعابوه ، فرأيت عمل كتاب يحتوي على ذكر جمل من محاوراتهم في الفروع والأصول مع أهل الخلاف وذوي الفضول ، قد جادلوا فيها بالحق من الكلام وبلغوا غاية كل مرام ، وأنهم عليهم السلام إنما نهوا عن ذلك الضعفاء والمساكين من أهل القصور عن بيان الدين ، دون المبرزين في الإحتجاج الغالبين لأهل اللجاج ، فإنهم كانوا مأمورين من قبلهم بمقاومة الخصوم ومداولة الكلام، فعلت بذلك منازلهم وارتفعت درجاتهم وانتشرت فضائلهم . وأنا ابتدئ في صدر الكتاب بفصل ينطوي على ذكر آيات من القرآن التي أمر الله تعالى بذلك أنبياءه بمحاجة ذوي العدوان. ويشتمل أيضاً على عدة أخبار في فضل الذابين عن دين الله القويم وصراطه المستقيم ، بالحجج القاهرة والبراهين الباهرة .
ثم نشرع في ذكر طرف من مجادلات النبي والأئمة عليهم السلام وربما يأتي في أثناء كلامهم كلام جماعة من الشيعة حيث تقتضي الحال ذكره ، ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده إما لوجود الإجماع عليه أو موافقته لما دلت العقول إليه ، أو لاشتهاره في السير والكتب بين المخالف والمؤالف ، إلا ما أوردته عن أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام فإنه ليس في الإشتهار على حد ما سواه وإن كان مشتملاً على مثل الذي قدمناه ، فلأجل ذلك ذكرت إسناده في أول جزء من ذلك دون غيره ، لأن جميع ما رويت عنه عليه السلام إنما رويته بإسناد واحد من جملة الأخبار التي ذكرها في تفسيره عليه السلام )
ثم ذكر رحمه الله آيات في الجدال بالتي هي أحسن ، وذكر حديثاً للنبي صلى الله عليه وآله يقول:
نحن المجادلون في دين الله على لسان سبعين نبياً .
< صفحة > 10 < / صفحة >
وذكر حديثاً عن أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام أنه قال: أشد من يتم اليتيم الذي انقطع من أمه وأبيه ، يتم يتيم انقطع عن إمامه ولا يقدر على الوصول إليه ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلى به من شرائع دينه ، ألا فمن كان من شيعتنا عالماً بعلومنا ، وهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره ، ألا فمن هداه وأرشده وعلمه شريعتنا كان معنا في الرفيق الأعلى) .
وروى عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: (علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته ، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته والنواصب ، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة لأنه يدفع عن أديان محبينا وذلك يدفع عن أبدانهم ).
وعن الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام أنه قال: (من تكفل بأيتام آل محمد المنقطعين عن إمامهم المتحيرين في جهلهم الأسارى في أيدي شياطينهم وفي أيدي النواصب من أعدائنا فاستنقذهم منهم وأخرجهم من حيرتهم وقهر الشياطين برد وساوسهم وقهر الناصبين بحجج ربهم ودلائل أئمتهم ليحفظوا عهد الله على العباد بأفضل الموانع بأكثر من فضل السماء على الأرض والعرش والكرسي والحجب على السماء ، وفضلهم على العباد كفضل القمر ليلة البدر على أخفى كوكب في السماء ).
وعن الإمام الهادي عليه السلام أنه قال: (لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم عليه السلام من العلماء الداعين إليه والدالين عليه والذابين عن دينه بحجج الله والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته ومن فخاخ النواصب لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله ، ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة كمايمسك صاحب السفينة سكانها.أولئك هم الأفضلون عند الله عزوجل).
وقال أبو محمد العسكري عليه السلام : قالت فاطمة عليها السلام ، وقد اختصم إليها امرأتان فتنازعتا في شئ من أمر الدين إحداهما معاندة والأخرى مؤمنة، ففتحت على المؤمنة حجتها فاستظهرت
< صفحة > 11 < / صفحة >
على المعاندة ، ففرحت فرحاً شديداً ، فقالت فاطمة: إن فرح الملائكة باستظهارك عليها أشد من فرحك ، وإن حزن الشيطان ومردته بحزنها عنك أشد من حزنها ، وإن الله عز وجل قال للملائكة: أوجبوا لفاطمة بما فتحت على هذه المسكينة الأسيرة من الجنان ألف ألف ضعف مما كنت أعددت لها ، واجعلوا هذه سنة في كل من يفتح على أسير مسكين فيغلب معاندا مثل ألف ألف ما كان له معداً من الجنان) .
وقال أبو محمد العسكري عليه السلام : قال جعفر بن محمد الصادق عليه السلام : (من كان همه في كسر النواصب عن المساكين من شيعتنا الموالين حمية لنا أهل البيت يكسرهم عنهم ويكشف عن مخازيهم ويبين عوارهم ، ويفخم أمر محمد وآله جعل الله تعالى همة أملاك الجنان في بناء قصوره ودوره ، يستعمل بكل حرف من حروف حججه على أعداء الله أكثر من عدد أهل الدنيا أملاكاً ، قوة كل واحد يفضل عن حمل السماوات والأرضين ، فكم من بناء وكم من نعمة وكم من قصور ، لا يعرف قدرها إلا رب العالمين) .
وقال أبو محمد عليه السلام : قال علي بن موسى الرضا عليه السلام : (أفضل ما يقدمه العالم من محبينا وموالينا أمامه ليوم فقره وفاقته وذله ومسكنته أن يغيث في الدنيا مسكيناً من محبينا من يد ناصب عدو لله ولرسوله ، يقوم من قبره والملائكة صفوف من شفير قبره إلى موضع محله من جنان الله ، فيحملونه على أجنحتهم يقولون له: مرحباً طوباك طوباك يا دافع الكلاب عن الأبرار ، ويا أيها المتعصب للأئمة الأخيار ).

خلاصة فهرس كتاب الإحتجاج

فصل في ذكر طرف مما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله من الجدال والمحاجة والمناظرة وما يجرى مجرى ذلك مع من خالف الإسلام وغيرهم .
احتجاجه صلى الله عليه وآله على من اجتمع عنده من ممثلي الأديان الخمسة اليهود ، والنصارى ، والدهرية ، والثنوية ، ومشركي العرب.
احتجاجه صلى الله عليه وآله على جماعة من المشركين .
< صفحة > 12 < / صفحة >
جوابه صلى الله عليه وآله رسالة أبي جهل ، وإخباره بواقعة بدر ومن يقتل فيها من المشركين قبل حدوثها .
احتجاجه صلى الله عليه وآله على المنافقين في طريق تبوك ، وكيدهم له بالليل على العقبة. احتجاج النبي صلى الله عليه وآله يوم الغدير على الخلق كلهم وفي غيره من الأيام بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام ومن بعده ومن ولده من الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين .
احتجاجه صلى الله عليه وآله على اليهود في جواز نسخ الشرايع .
ذكر طرف مما جرى بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله من اللجاج والحجاج في أمر الخلافة من قبل من استحقها ومن لم يستحق ، والإشارة إلى شئ من إنكار من أنكر على من تأمر على علي ابن أبي طالب عليه السلام تأمره ، وكيد من كاده من قبل ومن بعد وخروج النبي صلى الله عليه وآله متوكأ على علي والعباس ، وأمره صلى الله عليه وآله بتجهيز جيش أسامة ، وقصة السقيفة واختلاف المهاجرين والأنصار في أمر الخلافة وبيعة أبي بكر.
احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام عليهم بأحقيته بالخلافة ومناشدته لهم أن يشهدوا بما سمعوه يوم غدير خم من قول رسول الله صلى الله عليه وآله : من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، وقول زيد بن أرقم: فشهد اثنا عشر رجلاً بذلك وكنت ممن سمع القول فكتمته فدعا علي فذهب بصري !
الاثنا عشر الذين أنكروا على أبي بكر في المسجد وهو على المنبر .
الهجوم على دار علي عليه السلام وإكراهه على البيعة .
احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على أبي بكر وعمر لما منعا فاطمة الزهراء عليها السلام فدكاً.
ثم اختار المؤلف مجموعة من احتجاجات الأئمة عليهم السلام وأصحابهم وأنصارهم وعقد لكل منهم فصلاً أوفصولاً .
وأكمل ذلك باحتجاجات الإمام المهدي صلوات الله عليه في تواقيعه . وبعض احتجاجات سفرائه، والشيخ المفيد والسيد المرتضى رضي الله عنهم.

كتاب المناظرات في الإمامة

< صفحة > 13 < / صفحة >
أما في كتب المتأخرين فأجل كتاب رأيته كتاب: المناظرات في الإمامة تأليف العلامة الشيخ عبد الله الحسن في مجلد كبير ، جمع فيه اثنين وسبعين مناظرة للأئمة عليهم السلام وعلماء شيعتهم وأنصارهم .
بدأها باحتجاجات أمير المؤمنين عليه السلام في الخلافة ومطالبته بحقه صلى الله عليه وآله روى فيها نحو عشر احتجاجات ، ثم ثلاثة احتجاجات للزهراء عليها السلام
ثم احتجاج الإمام الحسن والحسين وبقية المعصومين عليهم السلام ، وشخصيات عديدة من شيعتهم لإثبات إمامة أمير المؤمنين عليه السلام .

كتاب المناظرات في العقائد والأحكام

لمؤلفه العلامة الشيخ عبد الله الحسن أيضاً ، جمع فيه ثمانياً وسبعين مناظرة في العقائد والأحكام للأئمة عليهم السلام وتلاميذهم وعلماء شيعتهم وأنصارهم. مع قدرية ، وملاحدة ، وأئمة مذاهب ، وخلفاء ، وفقهاء .

  • *
    < صفحة > 14 < / صفحة >

نماذج من مناظرات نبينا صلى الله عليه وآله

أكثر مناظرات نبينا صلى الله عليه وآله مع اليهود

والسبب أن اليهود هم أصحاب المادة العلمية والتاريخية ، وهم يزعمون أن دينهم الحق وأن على كل الناس أن يتبعوهم كدين وكأمة ! وأنهم كانوا يبادرون الى مناظرة النبي صلى الله عليه وآله فكان أحبارهم يأتونه فرادى أو جماعة للمناظرة .
وقد كانوا متواجدين حول النبي صلى الله عليه وآله أكثر من النصارى ، فقد هاجر اليهود الى الحجاز بعد المسيح عليه السلام لأن أنبياءهم أخبروهم أن النبي الخاتم عظيم الأنبياء سيظهر من مكة ويهاجر الى يثرب ، فسكنوا في وادي القرى وفي خيبر وقرب يثرب ، وفي مكة ، ينتظرون النبي الموعود صلى الله عليه وآله .
فلما بعث النبي صلى الله عليه وآله من أبناء إسماعيل شمخوا بآنافهم واستكبروا أن يؤمنوا بنبي من غير أبناء يعقوب وإسحاق . وقد كتب النبي صلى الله عليه وآله بينه وبينهم معاهدات تعايش ومواطنة وشرط أن لا يناصروا أعداءه . وكان له معهم مناظرات مفحمة .

أسماء أشهر اليهود الذين رفعوا راية العداء لنبينا صلى الله عليه وآله

ذكر ابن هشام(2/358) أسماء اليهود الذين نصبوا العداء للنبي صلى الله عليه وآله وكان ابن إسحاق خبيراً بهم، قال: « ونصبت عند ذلك أحبار يهود لرسول الله العداوة بغياً وحسداً وضغناً. وكانت أحبار يهودهم الذي يسألون رسول الله (ص) ويتعنتونه ويأتونه باللبس ليلبسوا الحق بالباطل ، فكان القرآن ينزل فيهم وفيما يسألون عنه .
منهم: حَيِيّ بن أخطب ، وأخواه أبو ياسر بن أخطب ، وجدي بن أخطب ، وسلام بن مشكم ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، وسلام بن أبي الحقيق ، وأخوه سلام بن الربيع… والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق ، وعمرو بن جحاش ، وكعب بن الأشرف وهو من طيئ (بالتحالف) ثم أحد بني نبهان ، وأمه من بني النضير ، والحجاج بن عمرو،
< صفحة > 15 < / صفحة >
حليف كعب بن الأشرف وكردم ابن قيس ، حليف كعب بن الأشرف فهؤلاء من بني النضير . ومن بني ثعلبة بن الفطيون: عبد الله بن صوريا الأعور ، ولم يكن بالحجاز في زمانه أعلم بالتوراة منه ، وابن صلويا ، ومخيريق وكان حبرهم ، أسلم .
ومن بني قينقاع: زيد بن اللصيت.. وسعد بن حنيف ، ومحمود بن سيحان ، وعزيز بن أبي عزيز ، وعبد الله بن صيف . قال ابن إسحاق: وسويد بن الحارث ، ورفاعة بن قيس، وفنحاص ، وأشيع ، ونعمان بن أضا ، وبحري بن عمرو ، وشاس بن عدي ، وشاس بن قيس ، وزيد بن الحارث ، ونعمان بن عمرو ، وسكين بن أبي سكين ، وعدي بن زيد، ونعمان بن أبي أوفى ، أبو أنس ، ومحمود بن دحية ، ومالك بن صيف.. وكعب بن راشد، وعازر ، ورافع بن أبي رافع ، وخالد ، وإزار بن أبي إزار.. ورافع بن حارثة ، ورافع بن حريملة ، ورافع بن خارجة ، ومالك بن عوف ، ورفاعة بن زيد بن التابوت ، وعبد الله بن سلام بن الحارث ، وكان حبرهم وأعلمهم ، وكان اسمه الحصين ، فلما أسلم سماه رسول الله عبد الله ، فهؤلاء من بني قينقاع .
ومن بني قريظة: الزبير بن باطا بن وهب ، وعزال بن شمويل ، وكعب بن أسد ، وهو صاحب عقد بني قريظة الذي نقضه عام الأحزاب ، وشمويل بن زيد ، وجبل بن عمرو بن سكينة ، والنحام بن زيد ، وقردم بن كعب ، ووهب بن زيد ، ونافع بن أبي نافع ، وأبو نافع ، وعدي بن زيد ، والحارث بن عوف ، وكردم بن زيد ، وأسامة بن حبيب ، ورافع بن رميلة ، وجبل بن أبي قشير ، ووهب بن يهوذا ، فهؤلاء من بني قريظة .
ومن يهود بني زريق: لبيد بن أعصم الذي زعمت عائشة أنه سحر النبي.
ومن يهود بني حارثة: كنانة بن صورياء . ومن يهود بني عمرو بن عوف: قردم بن عمرو. ومن يهود بني النجار: سلسلة بن برهام .
< صفحة > 16 < / صفحة >
فهؤلاء أحبار اليهود ، وأهل الشرور والعداوة لرسول الله (ص).
أما المسيحيون فكانوا قلة في جزيرة العرب ، وكانت ثقافتهم عيالاً على اليهود ، وإن كانوا يحتقرون اليهود . وكانت قاعدتهم وعاصمتهم نجران ، وكان قيصر يهتم بهم اهتماماً خاصاً فجعل لعلمائهم رواتب واهتم بتحسين أوضاعهم فصارت نجران ولاية مزدهرة وغنية.وقد أرسل لهم النبي صلى الله عليه وآله فجاؤوه للمناظرة والمباهلة.

اجتمع النصارى واليهود في مباهلة نبينا صلى الله عليه وآله ومناظرته

في تفسير فرات/89 ، عن علي عليه السلام قال: « لما قدم وفد نجران على النبي صلى الله عليه وآله قدم فيهم ثلاثة من النصاري من كبارهم العاقب وقيس والأسقف ، فجاؤوا إلى اليهود وهم في بيت المدراس فصاحوا بهم: يا إخوة القردة والخنازير هذا الرجل بين ظهرانيكم قد غلبكم ! إنزلوا إلينا. (هكذا احتقار المسيحيين لليهود)!
فنزل إليهم ابن صوريا اليهودي وكعب بن الأشرف اليهودي ، فقالوا لهم: أحضروا غداً نمتحنه . قال: وكان النبي صلى الله عليه وآله إذا صلى الصبح قال: ها هنا من الممتحنة أحد؟ فإن وجد أحداً أجابه وإن لم يجد أحداً قرأ على أصحابه ما نزل عليه في تلك الليلة . فلما صلى الصبح جلسوا بين يديه فقال له الأسقف: يا أبا القاسم فداك أبي: موسى من أبوه؟ قال: عمران . قال: فيوسف من أبوه؟ قال: يعقوب . قال: فأنت فداك أبي وأمي من أبوك؟ قال: عبد الله بن عبد المطلب. قال: فعيسى من أبوه ؟ قال: فسكت النبي صلى الله عليه وآله وكان رسول الله ربما احتاج إلى شئ من المنطق فينقض عليه جبرئيل عليه السلام من السماء السابعة فيصل له منطقه في أسرع من طرفة عين ، فذاك قول الله تعالى: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ. قال: فجاء جبرئيل عليه السلام فقال: هو روح الله وكلمته .
< صفحة > 17 < / صفحة >
فقال له الأسقف: يكون روح بلا جسد ؟ قال: فسكت النبي صلى الله عليه وآله . قال: فأوحى إليه: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ .الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ، قال: فنزا الأسقف نزوة إعظاماً لعيسى عليه السلام أن يقال له: من تراب . ثم قال: ما نجد هذا يامحمد في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا نجد هذا إلا عندك !
قال: فأوحى الله إليه: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ. فقالوا: أنصفتنا يا أبا القاسم فمتى موعدك؟ قال: بالغداة إن شاء الله . قال: فانصرف اليهود وهم يقولون: لا إله إلا الله ، ما نبالي أيهما أهلك الله: النصرانية أو الحنيفية » .
وفي سيرة ابن هشام (2/390): « قال ابن إسحاق: ولما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وآله أتتهم أحبار اليهود فتنازعوا عند رسول الله فقال رافع بن حريملة: ما أنتم على شئ ، وكفروا بعيسى وبالإنجيل ، فقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شئ ، وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة . فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شيئٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شيئٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ . أي كل يتلو في كتابه تصديق ما كفر به ، أي يكفراليهود بعيسى وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى عليه السلام بالتصديق بعيسى عليه السلام ، وفى الإنجيل ما جاء به عيسى عليه السلام من تصديق موسى عليه السلام وما جاء به من التوراة من عند الله ، وكل يكفر بما في يد صاحبه » .
وفي سيرة ابن هشام(2/35): «قال أبو رافع القرظي: حين اجتمعت الأحبار من يهود والنصارى من أهل نجران ، عند رسول الله صلى الله عليه وآله ودعاهم إلى الإسلام: قالوا: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ وقال رجل من أهل نجران نصراني ، يقال له الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا ، أو كما قال . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :
< صفحة > 18 < / صفحة >
معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره ، فما بذلك بعثني الله ولا أمرني . فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ . وَلا يَأمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » .
وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام (1/217) عن علي عليه السلام قال: « قال رسول الله صلى الله عليه وآله لا ترفعوني فوق حقي ، فإن الله تبارك تعالى اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً. قال الله تبارك وتعالى: ما كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ . وعندما وصلوا أمهلهم النبي صلى الله عليه وآله ثلاثاً ثم ناظرهم.
وفي الإقبال/343: « ثم أمهلهم وأمهلوه ثلاثاً فلم يدعهم ولم يسألوه ، لينظروا إلى هديه ويعتبروا ما يشاهدون منه مما يجدون من صفته .
فلما كان بعد ثالثة دعاهم إلى الإسلام فقالوا: يا أبا القاسم ما أخبرتنا كتب الله عز وجل بشئ من صفة النبي المبعوث بعد الروح عيسى عليه السلام إلا وقد تعرفناه فيك ، إلا خلة هي أعظم الخلال آية ومنزلة وأجلاها أمارة ودلالة .
قال صلى الله عليه وآله : وما هي؟ قالوا: إنا نجد في الإنجيل من صفة النبي الغابر من بعد المسيح أنه يصدق به ويؤمن به وأنت تسبه وتكذب به وتزعم أنه عبد ! قال: فلم تكن خصومتهم ولا منازعتهم للنبي إلا في عيسى عليه السلام فقال النبي صلى الله عليه وآله : لا ، بل أصدقه وأصدق به وأؤمن به ، وأشهد أنه النبي المرسل من ربه عز وجل وأقول: إنه عبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً . قالوا: وهل يستطيع العبد أن يفعل ما كان يفعل؟ وهل جاءت الأنبياء بما جاء به من القدرة القاهرة ؟ ألم يكن يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ، وينبئهم بما يكنون في صدورهم وما يدخرون في بيوتهم؟ فهل يستطيع هذا إلا الله عزو جل أو ابن الله ؟ وقالوا في الغلو فيه وأكثروا تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً!
< صفحة > 19 < / صفحة >
فقال صلى الله عليه وآله : قد كان عيسى أخي كما قلتم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ، ويخبر قومه بما في نفوسهم وبما يدخرون في بيوتهم ، وكل ذلك بإذن الله عز وجل ، وهو لله عز وجل عبد ، وذلك عليه غير عار ، وهو منه غير مستنكف ، فقد كان لحماً ودماً وشعراً وعظماً وعصباً وأمشاجاً ، يأكل الطعام ويظمأ وينصب . بارؤه وربه الأحد الحق الذي ليس كمثله شئ وليس له ند . قالوا: فأرنا مثله من جاء من غير فحل ولا أب؟ قال: هذا آدم أعجب منه خلقاً جاء من غير أب ولا أم وليس شئ من الخلق بأهون على الله عز وجل في قدرته من شئ ولا أصعب: إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . وتلا عليهم: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . قالا: فما نزداد منك في أمر صاحبنا إلا تبايناً ، وهذا الأمر الذي لا نقر لك فهلم فلنلاعنك أينا أولى بالحق ، فنجعل لعنة الله على الكاذبين فإنها مثلة وآية معجلة . فأنزل الله عز وجل آية المباهلة على رسول الله صلى الله عليه وآله : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ.فتلى عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله ما نزل عليه في ذلك من القرآن فقال صلى الله عليه وآله : إن الله قد أمرني أصير إلى ملتمسكم وأمرني بمباهلتكم إن أقمتم وأصررتم على قولكم . قالا: وذلك آية ما بيننا وبينك إذا كان غداً باهلناك ! ثم قاما وأصحابهما من النصارى معهما ، فلما أبعدا وقد كانوا أنزلوا بالحرة ، أقبل بعضهم على بعض فقالوا: قد جاءكم هذا بالفصل من أمره وأمركم ، فانظروا أولاً بمن يباهلكم بكافة أتباعه أم بأهل الكتاب من أصحابه ، أو بذوي التخشع والتنسك والصفوة ديناً وهم القليل منهم عدداً . فإن جاءكم بالكثرة وذوي الشدة منهم ، فإنما جاءكم مباهياً كما يصنع الملوك ، فالفلج إذاً لكم دونه ، وإن أتاكم بنفر قليل من ذوي تخشع ، فهؤلاء سجية الأنبياء وصفوتهم وموضع بهلتهم ، فإياكم والإقدام إذاً على مباهلتهم ، فهذه لكم أمارة ، وانظروا حينئذ ما تصنعون ما بينكم وبينه ، فقد أعذر من أنذر .
< صفحة > 20 < / صفحة >
فأمرالنبي صلى الله عليه وآله بشجرتين فقصدتا وكسح ما بينهما ، وأمهل حتى إذا كان من الغد أمر بكساء أسود رقيق فنشر على الشجرتين ، فلما أبصر السيد والعاقب ذلك خرجا بولديهما صبغة المحسن وعبد المنعم وسارة ومريم ، وخرج معهما نصارى نجران وركب فرسان بني الحرث بن الكعب في أحسن هيئة . وأقبل الناس من أهل المدينة من المهاجرين والأنصار وغيرهم من الناس ، في قبائلهم وشعارهم من راياتهم وألويتهم، وأحسن شارتهم وهيئتهم ، لينظروا ما يكون من الأمر !
ولبث رسول الله صلى الله عليه وآله في حجرته حتى متع النهار ، ثم خرج آخذاً بيد علي والحسن والحسين أمامه وفاطمة من خلفهم عليهم السلام فأقبل بهم حتى أتى الشجرتين فوقف من بينهما من تحت الكساء على مثل الهيئة التي خرج بها من حجرته ، فأرسل إليهما يدعوهما إلى ما دعاه إليه من المباهلة ، فأقبلا إليه فقالا: بمن تباهلنا يا أبا القاسم؟ قال: بخير أهل الأرض وأكرمهم على الله عز وجل ، بهؤلاء وأشار لهما إلى علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام .
قالا: فما نراك جئت لمباهلتنا بالكبر ولا من الكثرة ولا أهل الشارة ممن نرى ممن آمن بك واتبعك ، وما نرى هاهنا معك إلا هذا الشاب المرأة والصبيين ، أفبهؤلاء تباهلنا ؟ قال صلى الله عليه وآله : نعم ، أوَلم أخبركم بذلك آنفاً ، نعم بهؤلاء أمرت والذي بعثني بالحق أن أباهلكم . فاصفارَّت حينئذ ألوانهما وكرَّا وعادا إلى أصحابهما وموقفهما ، فلما رأى أصحابهما ما بهما وما دخلهما قالوا: ما خطبكما ؟ فتماسكا ، وقالا: ما كان ثمة من خطب فنخبركم ، وأقبل عليهم شاب كان من خيارهم قد أوتي فيهم علماً فقال: ويحكم لا تفعلوا ، واذكروا ما عثرتم عليه في الجامعة من صفته ، فوالله إنكم لتعلمون حق العلم إنه الصادق ، وإنما عهدكم بإخوانكم حديث من قد مسخوا قردة وخنازير ، فعلموا أنه قد نصح لهم فأمسكوا .
< صفحة > 21 < / صفحة >
قال: وكان للمنذر ين علقمة أخ أسقفهم أبي حارثة حظ من العلم فيهم يعرفونه له وكان نازحاً عن نجران في وقت تنازعهم ، فقدم وقد اجتمع القوم على الرحلة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فشخص معهم ، فلما رأى المنذر انتشار أمر القوم يومئذ وترددهم في رأيهم ، أخذ بيد السيد والعاقب على أصحابه فقال: أخلوني وهذين فاعتزل بهما . ثم أقبل عليهما فقال: إن الرائد لا يكذب أهله ، وأنا لكما جد شفيق فإن نظرتما لأنفسكما نجوتما ، وإن تركتما ذلك هلكتما وأهلكتما . قالا: أنت الناصح جيباً المأمون عيباً فهات ، قال: أتعلمان أنه ما باهل يوم نبياً قط إلا كان مهلكم! إن محمداً أبا القاسم هذا هو الرسول الذي بشرت به الأنبياء وأفصحت ببيعتهم وأهل بيتهم الأمناء ! وأخرى أنذركما بها فلا تعشوا عنها ، قالا: وما هي يا أبا المثنى؟ قال: أنظرا إلى النجم قد استطلع إلى الأرض والى خشوع الشجر وتساقط الطير بأزائكما لوجوههما قد نشرت على الأرض أجنحتها وقاءت ما في حواصلها وما عليها لله عز وجل من تبعة ، ليس ذلك إلا ما قد أظل من العذاب ، وانظرا إلى اقشعرار الجبال والى الدخان المنتشر وقزع السحاب ، هذا ونحن في حمارة القيظ وأبان الهجير! وانظرا إلى محمد صلى الله عليه وآله رافعاً يده والأربعة من أهله معه ، إنما ينتظر ما تجيبان به ، ثم اعلموا إنه إن نطق فوه بكلمة من بهلة لم نتدارك هلاكاً ، ولم نرجع إلى أهل ولا مال . فنظرا فابصرا أمراً عظيما فأيقنا أنه الحق من الله تعالى ، فزلزت أقدامها وكادت أن تطيش عقولهما واستشعرا أن العذاب واقع بهما ، فلما أبصر المنذر بن علقمة ما قد لقيا من الخيفة والرهبة قال لهما: إنكما إن أسلمتها له سلمتما في عاجله وآجله وإن آثرتما دينكما وغضارة ملتكما وشححتما بمنزلتكم من الشرف في قومكما ، فلست أحجر عليكما الضنين بما نلتما من ذلك ، ولكنكما بدهتما محمداً بتطلب المباهلة وجعلتماها حجازاً وآية بينكما وبينه ، وشخصتما من نجران ، وذلك من تاليكما ، فأسرع محمد إلى ما بغيتما منه والأنبياء إذا أظهرت بأمر لم ترجع إلا بقضائه وفعله ، فإذ نكلتما عن ذلك ، وإذ هلتكما مخافة ما تريان ، فالحظ في
< صفحة > 22 < / صفحة >
النكول لكما ، فالوحا يا إخوتي الوحا ، صالحا محمداً وارضياه ولا ترجيا ذلك ، فإنكما وأنا معكما بمنزلة قوم يونس لما غشيهم العذاب .
قالا: فكن أنت يا أبا المثنى أنت الذي تلقى محمداً بكفالة ما يبتغيه لدينا والتمس لنا إليه ابن عمه هذا ليكون هو الذي يبرم الأمر بيننا وبينه ، فإنه ذو الوجه والزعيم عنده ، ولا تبطئن به ما ترجع إلينا به .
وانطلق المنذر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: السلام عليك يا رسول الله: أشهد أن لا إله إلا الله الذي بعثك وأنك وعيسى عبدان لله عز وجل مرسلان ، فأسلم وبلغه ما جاء له ، فأرسل رسول الله عليا عليه السلام لمصالحة القوم ، فقال علي عليه السلام : بأبي أنت على ما أصالحهم ؟ فقال له: رأيك يا أبا الحسن فيما تبرم معهم معه رأيي ، فصار إليهم فصالحاه على ألف حلة وألف دينار خرجاً في كل عام يؤديان شطر ذلك في المحرم وشطراً في رجب .
فصار علي عليه السلام بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ذليلين صاغرين وأخبره بما صالحهما عليه وأقرا له بالخرج والصغار ، فقال له رسول صلى الله عليه وآله : قد قبلت ذلك منكم ، أما إنكم لو باهلتمونى بمن تحت الكساء لأضرم الله عليكم الوادي ناراً تأجج ، ثم لساقها الله عز وجل إلى من ورائكم في أسرع من طرف العين ، فحرقهم تأججاً .
فلما رجع النبي صلى الله عليه وآله بأهل بيته وصار إلى مسجده هبط عليه جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إن الله عز وجل يقرؤك السلام ويقول: إن عبدي موسى عليه السلام باهل عدوه قارون بأخيه هارون وبنيه ، فخسفت بقارون وأهله وماله وبمن آزره من قومه ، وبعزتي أقسم وبجلالي ، يا أحمد لو باهلت بك وبمن تحت الكساء من أهلك أهل الأرض والخلائق جميعا لتقطعت السماء كسفاً والجبال زبراً ولساخت الأرض فلم تستقر أبداً ، إلا أن أشاء ذلك .
فسجد النبي صلى الله عليه وآله ووضع على الأرض وجهه ثم رفع يديه حتى تبين للناس عفرة إبطيه فقال: شكراً للمنعم ، قالها ثلاثاً ، فسئل النبي صلى الله عليه وآله عن سجدته ومما رأى من تباشير السرور في وجهه،
< صفحة > 23 < / صفحة >
فقال: شكراً لله عز وجل لما أبلاني من الكرامة في أهل بيتي ، ثم حدثهم بما جاء به جبرئيل). هذا وستأتي بقية مناظراته صلى الله عليه وآله في عيسى عليه السلام .

استعان المشركون على النبي صلى الله عليه وآله بيهود نجران

في تفسير القمي (2/31): (عن الإمام الصادق عليه السلام قال: كان سبب نزولها يعني سورة الكهف أن قريشاً بعثوا ثلاثة نفر إلى نجران ، النضر بن الحارث بن كلدة ، وعقبة بن أبي معيط ، والعاص بن وائل السهمي ، ليتعلموا من اليهود والنصارى مسائل يسألونها رسول الله صلى الله عليه وآله ، فخرجوا إلى نجران إلى علماء اليهود فسألوهم فقالوا: سلوه عن ثلاث مسائل فإن أجابكم فيها على ما عندنا فهو صادق ، ثم سلوه عن مسألة واحدة فإن ادعى علمها فهو كاذب قالوا: وما هذه المسائل ؟
قالوا: سلوه عن فتية كانوا في الزمن الأول فخرجوا وغابوا وناموا وكم بقوا في نومهم حتى انتبهوا ، وكم كان عددهم ، وأي شئ كان معهم من غيرهم وما كان قصتهم؟ واسألوه عن موسى حين أمره الله أن يتبع العالم ويتعلم منه من هو ، وكيف تبعه ، وما كان قصته معه ؟
واسألوه عن طايف طاف من مغرب الشمس ومطلعها حتى بلغ سد يأجوج ومأجوج، من هو وكيف كان قصته ؟
ثم أملوا عليهم أخبار هذه الثلاث مسائل وقالوا لهم: إن أجابكم بما قد أملينا عليكم فهو صادق ، وإن أخبركم بخلاف ذلك فلا تصدقوه .
قالوا: فما المسألة الرابعة ؟ قال: سلوه متى تقوم الساعة ، فإن ادعى علمها فهو كاذب، فإن قيام الساعة لا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى .
< صفحة > 24 < / صفحة >
فرجعوا إلى مكة واجتمعوا إلى أبي طالب عليه السلام فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك يزعم أن خبر السماء يأتيه ونحن نسأله عن مسائل فإن أجابنا عنها علمنا أنه صادق ، وإن لم يجبنا علمنا أنه كاذب !
فقال أبو طالب: سلوه عما بدا لكم ، فسألوه عن الثلاث مسائل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : غداً أخبركم ولم يستثن، فاحتبس الوحي عليه أربعين يوماً حتى اغتم النبي صلى الله عليه وآله وشك أصحابه الذين كانوا آمنوا به وفرحت قريش واستهزؤوا وآذوا، وحزن أبو طالب ، فلما كان بعد أربعين يوماً نزل عليه بسورة الكهف ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا جبرئيل لقد أبطأت؟فقال: إنا لا نقدر أن ننزل إلا بإذن الله فأنزل: أَمْ حَسِبْتَ يا محمد أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً . ثم قص قصتهم فقال: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا. فقال الصادق عليه السلام : إن أصحاب الكهف والرقيم كانوا في زمن ملك جبار عات ، وكان يدعو أهل مملكته إلى عبادة الأصنام فمن لم يجبه قتله ، وكان هؤلاء قوماً مؤمنين يعبدون الله عز وجل ، ووكل الملك بباب المدينة وكلاء ولم يدع أحداً يخرج حتى يسجد للأصنام ، فخرج هؤلاء بحيلة الصيد ، وذلك أنهم مروا براع في طريقهم فدعوه إلى أمرهم فلم يجبهم وكان مع الراعي كلب فأجابهم الكلب وخرج معهم !
فقال الصادق عليه السلام : فلا يدخل الجنة من البهائم إلا ثلاثة ، حمار بلعم بن باعوراء ، وذئب يوسف ، وكلب أصحاب الكهف .
فخرج أصحاب الكهف من المدينة بحيلة الصيد هرباً من دين ذلك الملك ، فلما أمسوا دخلوا ذلك الكهف والكلب معهم ، فألقى الله عليهم النعاس كما قال الله تعالى: فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ، فناموا حتى أهلك الله ذلك الملك وأهل مملكته وذهب ذلك الزمان وجاء زمان آخر وقوم آخرون ثم انتبهوا فقال بعضهم لبعض: كم نمنا ها هنا؟ فنظروا إلى الشمس قد ارتفعت فقالوا: نمنا يوماً أو بعض يوم، ثم قالوا لواحد
< صفحة > 25 < / صفحة >
منهم خذ هذا الورق وادخل المدينة متنكراً لا يعرفوك ، فاشتر لنا طعاماً فإنهم إن علموا بنا وعرفونا يقتلونا، أو يردونا في دينهم ، فجاء ذلك الرجل فرأى مدينة بخلاف الذي عهدها ورأي قوماً بخلاف أولئك لم يعرفهم ولم يعرفوا لغته ولم يعرف لغتهم ، فقالوا له: من أنت ومن أين جئت ؟ فأخبرهم فخرج ملك تلك المدينة مع أصحابه والرجل معهم حتى وقفوا على باب الكهف ، وأقبلوا يتطلعون فيه فقال بعضهم: هؤلاء ثلاثة ورابعهم كلبهم ، وقال بعضهم: خمسة وسادسهم كلبهم وقال بعضهم: هم سبعة وثامنهم كلبهم ، وحجبهم الله عز وجل بحجاب من الرعب ، فلم يكن أحد يقدم بالدخول عليهم غير صاحبهم فإنه لما دخل إليهم وجدهم خائفين أن يكون أصحاب دقيانوس شعروا بهم ، فأخبرهم صاحبهم أنهم كانوا نائمين هذا الزمن الطويل ، وأنهم آية للناس ، فبكوا وسألوا الله تعالى أن يعيدهم إلى مضاجعهم نائمين كما كانوا . ثم قال الملك: ينبغي أن نبني هاهنا مسجداً ونزوره ، فإن هؤلاء قوم مؤمنون فلهم في كل سنة نقلتان، ينامون ستة أشهر على جنوبهم اليمنى وستة أشهر على جنوبهم اليسرى ، الكلب معهم قد بسط ذراعيه بفناء الكهف ، وذلك قوله: وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ..الخ.).
وفي الكافي(7/448) عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (وقد قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله في الكتاب: وَلاتَقُولَنَّ لِشَئٍْ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ الله أن لا أفعله فتسبق مشيئة الله في أن لا أفعله فلا أقدر على أن أفعله ، قال: فلذلك قال الله عز وجل: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ، أي استثن مشيئة الله في فعلك).

مناظرة النبي صلى الله عليه وآله مع أهل الأديان الخمسة

في الإجتجاج(1/16): (عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه اجتمع يوماً عند رسول الله صلى الله عليه وآله أهل خمسة أديان: اليهود ، والنصارى ، والدهرية ، والثنوية ، ومشركوا العرب . فقالت اليهود: نحن نقول عزير ابن الله ، وقد جئناك يا محمد لننظر ما تقول فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى
< صفحة > 26 < / صفحة >
الصواب منك وأفضل ، وإن خالفتنا خصمناك . وقالت النصارى: نحن نقول إن المسيح ابن الله اتحد به ، وقد جئناك لننظر ما تقول ، فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل، وإن خالفتنا خصمناك .
وقالت الدهرية: نحن نقول إن الأشياء لا بدو لها وهي دائمة ، وقد جئناك لننظر فيما تقول ، فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل ، وإن خالفتنا خصمناك .
وقالت الثنوية: نحن نقول إن النور والظلمة هما المدبران . وقد جئناك لننظر فيما تقول فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك ، وإن خالفتنا خصمناك .
وقال مشركو العرب: نحن نقول إن أوثاننا آلهة ، وقد جئناك لننظرفيما تقول فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل ، وإن خالفتنا خصمناك .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : آمنت بالله وحده لاشريك له ، وكفرت بالجبت والطاغوت وبكل معبود سواه . ثم قال لهم:إن الله تعالى قد بعثني كافة للناس بشيراً ونذيراً، وحجة على العالمين، وسيرد كيد من يكيد دينه في نحره.
ثم قال لليهود: أجئتموني لأقبل قولكم بغير حجة؟ قالوا: لا. قال: فما الذي دعاكم إلى القول بأن عزيراً ابن الله؟ قالوا: لأنه أحيا لبني إسرائيل التوراة بعد ما ذهبت ولم يفعل بها هذا إلا لأنه ابنه .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : فكيف صار عزير ابن الله دون موسى عليهما السلام وهو الذي جاء لهم بالتوراة ، ورؤي منه من المعجزات ما قد علمتم !
ولئن كان عزير بن الله لما ظهر من إكرامه بإحياء التوراة فلقد كان موسى بالبنوة أولى وأحق ، ولئن كان هذا المقدار من إكرامه لعزير يوجب له أنه ابنه فأضعاف هذه الكرامة لموسى توجب له منزلة أجل من البنوة ، لأنكم إن كنتم إنما تريدون بالبنوة الدلالة على
< صفحة > 27 < / صفحة >
سبيل ما تشاهدونه في دنياكم من ولادة الأمهات الأولاد بوطئ آبائهم لهن فقد كفرتم بالله وشبهتموه بخلقه وأوجبتم فيه صفات المحدثين ، فوجب عندكم أن يكون محدثاً مخلوقاً وأن يكون له خالق صنعه وابتدعه .
قالوا:لسنا نعني هذا فإن هذا كفر كما دللت لكنا نعني أنه ابنه على معنى الكرامة وإن لم يكن هناك ولادة ، كما قد يقول بعض علمائنا لمن يريد إكرامه وإبانته بالمنزلة من غيره يا بني وإنه ابني ، لا على إثبات ولادته منه لأنه قد يقول ذلك لمن هو أجنبي لانسب له بينه وبينه ، وكذلك لما فعل الله تعالى بعزير ما فعل كان قد اتخذه ابناً على الكرامة لا على الولادة .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : فهذا ما قلته لكم إنه إن وجب على هذا الوجه أن يكون عزير ابنه فإن هذه المنزلة بموسى أولى ، وأن الله يفضح كل مبطل بإقراره ويقلب عليه حجته ، إن ما احتججتم به يؤديكم إلى ما هو أكثر مما ذكرته لكم ، لأنكم قلتم إن عظيماً من عظمائكم قد يقول لأجنبي لانسب بينه وبينه: يا بني: وهذا ابني،لا على طريق الولادة فقد تجدون أيضاً هذا العظيم لأجنبي آخر: هذا أخي، ولآخر: هذا شيخي، وأبي ،ولآخر: هذا سيدي . ويا سيدي، على سبيل الإكرام ، وإن من زاده في الكرامة زاده في مثل هذا القول ، فإذاً يجوز عندكم أن يكون موسى أخاً لله أو شيخاً له أو أباً أو سيداً لأنه قد زاده في الإكرام مما لعزير، كما أن من زاد رجلاً في الإكرام فقال له يا سيدي ويا شيخي ويا عمي ويا رئيسي على طريق الإكرام ، وأن من زاده في الكرامة زاده في مثل هذا القول ، أفيجوز عندكم أن يكون موسى أخاً لله أو شيخاً أو عماً أو رئيساً أو سيداً أو أميراً لأنه قد زاده في الإكرام على من قال له يا شيخي أو يا سيدي أو يا عمي أو يا رئيسي أو يا أميري ؟
قال: فبهت القوم وتحيروا وقالوا: يا محمد أجلنا نتفكر فيما قد قلته لنا. فقال : انظروا
< صفحة > 28 < / صفحة >
فيه بقلوب معتقدة للإنصاف يهدكم الله .
ثم أقبل على النصارى فقال لهم: وأنتم قلتم إن القديم عز وجل اتحد بالمسيح ابنه ، فما الذي أردتموه بهذا القول ، أردتم أن القديم صار محدثاً لوجود هذا المحدث الذي هو عيسى عليه السلام ، أو المحدث الذي هو عيسى صار قديماً كوجود القديم الذي هو الله ، أو معنى قولكم إنه اتحد به أنه اختصه بكرامة لم يكرم بها أحداً سواه ، فإن أردتم أن القديم صار محدثاً فقد أبطلتم ، لأن القديم محال أن ينقلب فيصير محدثاً ، وإن أردتم أن المحدث صار قديماً فقد أحلتم لأن المحدث أيضاً محال أن يصير قديماً ، وإن أردتم أنه اتحد به بأنه اختصه واصطفاه على سائر عباده فقد أقررتم بحدوث عيسى وبحدوث المعنى الذي اتحد به من أجله ، لأنه إذا كان عيسى محدثاً وكان الله اتحد به بأن أحدث به معنى صار به أكرم الخلق عنده ، فقد صار عيسى وذلك المعنى محدثين ، وهذا خلاف ما بدأتم تقولونه .
فقالت النصارى: يا محمد إن الله لما أظهر على يد عيسى من الأشياء العجيبة ما أظهر فقد اتخذه ولداً على جهة الكرامة .
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله : فقد سمعتم ما قلته لليهود في هذا المعنى الذي ذكرتموه ، ثم أعاد صلى الله عليه وآله ذلك كله ، فسكتوا إلا رجلاً واحداً منهم فقال له: يا محمد أو لستم تقولون إن إبراهيم خليل الله ؟ قال: قلنا ذلك . قال: فإذا قلتم ذلك فلم منعتمونا من أن نقول إن عيسى ابن الله ؟
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنهما لن يشتبها ، لأن قولنا إبراهيم خليل الله فإنما هو مشتق من الخلة والخلة إنما معناها الفقر والفاقة ، فقد كان خليلاً إلى ربه فقيراً وإليه منقطعاً وعن غيره متعففاً معرضاً مستغنياً ، وذلك لما أريد قذفه في النار فرمي به في المنجنيق فبعث الله
< صفحة > 29 < / صفحة >
جبرئيل فقال له: أدرك عبدي ، فجاء فلقيه في الهواء فقال له: كلفني ما بدا لك فقد بعثني الله لنصرتك .
فقال إبراهيم: حسبي الله ونعم الوكيل إني لا أسأل غيره ولا حاجة لي إلا إليه ، فسماه خليله أي فقيره ومحتاجه والمنقطع إليه عمن سواه ، وإذا جعل معنى ذلك من الخلة وهو أنه قد تخلل معانيه ووقف على أسرار لم يقف عليها غيره كان الخليل معناه العالم به وبأموره ، ولا يوجب ذلك تشبيه الله بخلقه . ألا ترون أنه إذا لم ينقطع إليه لم يكن خليله وإذا لم يعلم بأسراره لم يكن خليله وأن من يلده الرجل وإن أهانه وأقصاه لم يخرج عن أن يكون ولده ، لأن معنى الولادة قائم به .
ثم إن وجب لأنه قال لإبراهيم خليلي عليه السلام أن تقيسوا أنتم فتقولوا بأن عيسى ابنه وجب أيضاً كذلك أن تقولوا لموسى عليه السلام إنه ابنه ، فإن الذي معه من المعجزات لم يكن بدون ما كان مع عيسى، فقولوا إن موسى أيضاً ابنه ، وإن يجوز أن تقولوا على هذا المعنى إنه شيخه وسيده وعمه ورئيسه وأميره كما قد ذكرته لليهود . فقال بعضهم لبعض:وفي الكتب المنزلة إن عيسى قال: أذهب إلى أبي وأبيكم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : فإن كنتم بذلك الكتاب تعملون فإن فيه: أذهب إلى أبي وأبيكم . فقولوا إن جميع الذين خاطبهم عيسى كانوا أبناء الله كما كان عيسى ابنه من الوجه الذي كان عيسى ابنه !
ثم إن ما في هذا الكتاب مبطل عليكم هذا الذي زعمتم أن عيسى من وجهة الإختصاص كان ابناً له ، لأنكم قلتم إنما قلنا إنه ابنه لأنه اختصه بما لم يختص به غيره ، وأنتم تعلمون أن الذي خص به عيسى لم يخص به هؤلاء القوم الذين قال لهم عيسى: أذهب إلى أبي وأبيكم ، فبطل أن يكون الإختصاص لعيسى ، لأنه قد ثبت عندكم بقول عيسى لمن لم يكن له مثل اختصاص عيسى ، وأنتم إنما حكيتم لفظة عيسى وتأولتموها
< صفحة > 30 < / صفحة >
على غير وجهها ، لأنه إذا قال: أذهب إلى أبي وأبيكم ، فقد أراد غيرما ذهبتم إليه ونحلتموه ، وما يدريكم لعله عنى أذهب إلى آدم أو إلى نوح وأن الله يرفعني إليهم ويجمعني معهم وآدم أبي وأبيكم وكذلك نوح ، بل ما أراد غير هذا .
قال: فسكت النصارى وقالوا: ما رأينا كاليوم مجادلاً ولا مخاصماً مثلك ، وسننظر في أمورنا .
ثم أقبل رسول الله على الدهرية فقال: وأنتم فما الذي دعاكم إلى القول بأن الأشياء لا بدوَ لها ، وهي دائمة لم تزل ولا تزال ؟
فقالوا: لأنا لا نحكم إلا بما نشاهد ولم نجد للأشياء حدثاَ فحكمنا بأنها لم تزل ، ولم نجد لها انقضاء وفناءً فحكمنا بأنها لا تزال .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أفوجدتم لها قدماً أم وجدتم لها بقاءً أبد الآبد . فإن قلتم أنكم وجدتم ذلك أنهضتم لأنفسكم أنكم لم تزالوا على هيئتكم وعقولكم بلا نهاية ولا تزالون كذلك ، ولئن قلتم هذا دفعتم العيان وكذبكم العالمون والذين يشاهدونكم .
قالوا: بل لم نشاهد لها قدماً ولا بقاء أبد الآبد ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : فلم صرتم بأن تحكموا بالقدم والبقاء دائماً لأنكم لم تشاهدوا حدوثها ، وانقضاؤها أولى من تارك التميز لها مثلكم ، فيحكم لها بالحدوث والإنقضاء والإنقطاع ، لأنه لم يشاهد لها قدماً ولا بقاءً أبد الآبد ، أوَلستم تشاهدون الليل والنهار وأحدهما بعد الآخر؟ فقالوا: نعم . فقال: أترونهما لم يزالا ولا يزالان ؟ فقالوا: نعم . فقال: أفيجوز عندكم اجتماع الليل والنهار؟ فقالوا: لا . فقال صلى الله عليه وآله فإذا منقطع أحدهما عن الآخر فيسبق أحدهما ويكون الثاني جارياً بعده . قالوا: كذلك هو . فقال: قد حكمتم بحدوث ما تقدم من ليل ونهار لم تشاهدوهما فلا تنكروا لله قدرته .
< صفحة > 31 < / صفحة >
ثم قال صلى الله عليه وآله : أتقولون ما قبلكم من الليل والنهار متناه أم غير متناه ، فإن قلتم إنه غير متناه فقد وصل إليكم آخر بلا نهاية لأوله ، وإن قلتم متناه فقد كان ولا شئ منهما . قالوا نعم . قال لهم: أقلتم إن العالم قديم غير محدث وأنتم عارفون بمعنى ما أقررتم به وبمعنى ما جحدتموه ؟ قالوا: نعم .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : فهذا الذي تشاهدونه من الأشياء بعضها إلى بعض يفتقر لأنه لا قوام للبعض إلا بما يتصل به ، كما نرى البناء محتاجاً بعض أجزائه إلى بعض وإلا لم يتسق ولم يستحكم ، وكذلك سائر ما نرى .
وقال أيضاً: فإذا كان هذا المحتاج بعضه إلى بعض لقوته وتمامه هو القديم فأخبروني أن لو كان محدثاً كيف كان يكون وماذا كانت تكون صفته ؟ قال: فبهتوا وعلموا أنهم لا يجدون للمحدث صفة يصفونه بها ، إلا وهي موجودة في هذا الذي زعموا أنه قديم ، فوجموا وقالوا: سننظر في أمرنا .
ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على الثنوية ، الذين قالوا النور والظلمة هما المدبران فقال: وأنتم فما الذي دعاكم إلى ما قلتموه من هذا ؟ فقالوا: لأنا وجدنا العالم صنفين خيراً وشراً ، ووجدنا الخير ضداً للشر ، فأنكرنا أن يكون فاعل واحد يفعل الشئ وضده بل لكل واحد منهما فاعل ، ألا ترى أن الثلج محال أن يسخن كما أن النار محال أن تبرد ، فأثبتنا لذلك صانعين قديمين ظلمة ونوراً . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله : أفلستم قد وجدتم سواداً وبياضاً وحمرة وصفرة وخضرة وزرقة ، وكل واحدة ضد لسائرها لاستحالة اجتماع مثلين منها في محل واحد كما كان الحر والبرد ضدين لاستحالة اجتماعهما في محل واحد؟ قالوا: نعم . قال: فهلا أثبتم بعدد كل لون صانعاً قديماً ليكون فاعل كل ضد من هذه الألوان غير فاعل الضد الآخر ؟ قال: فسكتوا .
< صفحة > 32 < / صفحة >
ثم قال: فكيف اختلط النور والظلمة ، وهذا من طبعه الصعود وهذه من طبعها النزول، أرأيتم لو أن رجلاً أخذ شرقاً يمشي إليه والآخر غرباً أكان يجوز عندكم أن يلتقيا ما داما سائرين على وجههما ؟ قالوا: لا . قال: فوجب أن لا يختلط النور والظلمة لذهاب كل واحد منهما في غير جهة الآخر ، فكيف وجدتم حدث هذا العالم من امتزاج ما هو محال أن يمتزج بل هما مدبران جميعا مخلوقان . فقالوا: سننظر في أمورنا .
ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على مشركي العرب فقال: وأنتم فلم عبدتم الأصنام من دون الله ؟ فقالوا: نتقرب بذلك إلى الله تعالى . فقال لهم: أو هي سامعة مطيعة لربها عابدة له حتى تتقربوا بتعظيمها إلى الله ؟ قالوا: لا. قال: فأنتم الذين نحتموها بأيديكم؟ قالوا: نعم . قال: فلئن تعبدكم هي لو كان يجوز منها العبادة أحرى من أن تعبدوها ، إذا لم يكن أمركم بتعظيمها من هو العارف بمصالحكم وعواقبكم والحكيم فيما يكلفكم .
قال: فلما قال رسول الله صلى الله عليه وآله هذا القول اختلفوا فقال بعضهم: إن الله قد حل في هياكل رجال كانوا على هذه الصورة فصورنا هذه الصور نعظمها لتعظيمنا تلك الصور التي حل فيها ربنا ، وقال آخرون منهم: إن هذه صور أقوام سلفوا كانوا مطيعين لله قبلنا فمثلنا صورهم وعبدناها تعظيماً لله ، وقال آخرون منهم: إن الله لما خلق آدم وأمر الملائكة بالسجود له فسجدو له تقرباً لله ،كنا نحن أحق بالسجود لآدم من الملائكة ، ففاتنا ذلك فصورنا صورته فسجدنا لها تقرباً إلى الله كما تقربت الملائكة بالسجود لآدم إلى الله تعالى ، وكما أمرتم بالسجود بزعمكم إلى جهة مكة ففعلتم ثم نصبتم في غير ذلك البلد بأيديكم محاريب سجدتم إليها وقصدتم الكعبة لامحاريبكم وقصدتم بالكعبة إلى الله عز وجل لا إليها .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أخطأتم الطريق وضللتم ، أما أنتم وهو صلى الله عليه وآله يخاطب الذين قالوا إن الله
< صفحة > 33 < / صفحة >
يحل في هياكل رجال كانوا على هذه الصورة التي صورناها فصورنا هذه الصور نعظمها لتعظيمنا لتلك الصور التي حل فيها ربنا، فقد وصفتم ربكم بصفة المخلوقات، أو يحل ربكم في شئ حتى يحيط به ذاك الشئ ، فأي فرق بينه إذا وبين سائر ما يحل فيه من لونه وطعمه ورائحته ولينه وخشونته وثقله وخفته ، ولم صار هذا المحلول فيه محدثاً قديماً دون أن يكون ذلك محدثاً وهذا قديماً ، وكيف يحتاج إلى المحال من لم يزل قبل المحال وهو عز وجل كان لم يزل ، وإذا وصفتموه بصفة المحدثات في الحلول فقد لزمكم أن تصفوه بالزوال ، وما وصفتموه بالزوال والحدوث فصفوه بالفناء ، لأن ذلك أجمع من صفات الحال والمحلول فيه ، وجميع ذلك متغير الذات ، فإن كان لم يتغير ذات الباري تعالى بحلوله في شئ جاز أن لا يتغير بأن يتحرك ويسكن ويسود ويبيض ويحمر ويصفر وتحله الصفات التي تتعاقب على الموصوف بها حتى يكون فيه جميع صفات المحدثين ويكون محدثا تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : فإذا بطل ما ظننتموه من أن الله يحل في شئ فقد فسد ما بنيتم عليه قولكم . قال: فسكت القوم وقالوا: سننظر في أمورنا .
ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على الفريق الثاني فقال: أخبرونا عنكم إذا عبدتم صور من كان يعبد الله فسجدتم لها وصليتم فوضعتم الوجوه الكريمة على التراب بالسجود لها فما الذي أبقيتم لرب العالمين ، أما علمتم أن من حق من يلزم تعظيمه وعبادته أن لايساوى به عبده ، أرأيتم ملكاً أو عظيماً إذا سويتموه بعبده في التعظيم والخضوع والخشوع أيكون في ذلك وضع من الكبير كما يكون زيادة في تعظيم الصغير؟ فقالوا: نعم . قال: أفلا تعلمون أنكم من حيث تعظمون الله بتعظيم صور عباده المطيعين له تزرون على رب العالمين . قال: فسكت القوم بعد أن قالوا: سننظر في أمرنا .
< صفحة > 34 < / صفحة >
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله للفريق الثالث: لقد ضربتم لنا مثلاً وشبهتمونا بأنفسكم ولسنا سواء ، وذلك إنا عباد الله مخلوقون مربوبون نأتمر له فيها أمرنا وننزجر عما زجرنا ونعبده من حيث يريده منا ، فإذا أمرنا بوجه من الوجوه أطعناه ولم نتعد إلى غيره مما لم يأمرنا ولم يأذن لنا ، لأنا لا ندري لعله إن أراد منا الأول فهو يكره الثاني ، وقد نهانا أن نتقدم بين يديه ، فلما أمرنا أن نعبده بالتوجه إلى الكعبة أطعناه ، ثم أمرنا بعبادته بالتوجه نحوها في سائر البلدان التي تكون بها فأطعناه ، ولم نخرج في شئ من ذلك من اتباع أمره ، والله حيث أمر بالسجود لآدم لم يأمر بالسجود لصورته التي هي غيره ، فليس لكم أن تقيسوا ذلك عليه لأنكم لا تدرون لعله يكره ما تفعلون إذ لم يأمركم به . ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله أرأيتم لو أذن لكم رجل دخول داره يوماً بعينه ألكم أن تدخلوها بعد ذلك بغير أمره ، أو لكم أن تدخلوا داراً له أخرى مثلها بغير أمره ، أو وهب لكم رجل ثوباً من ثيابه أو عبداً من عبيده أو دابةً من دوابه ألكم أن تأخذوا ذلك ؟ قالوا: نعم . قال: فإن لم تأخذوه ألكم أخذ آخر مثله ؟ قالوا: لا لأنه لم يأذن لنا في الثاني كما أذن في الأول . قال صلى الله عليه وآله : فأخبروني الله أولى بأن لا يتقدم على ملكه بغير أمره أو بعض المملوكين ؟ قالوا: بل الله أولى بأن لا يتصرف في ملكه بغير إذنه ، قال: فلم فعلتم ومتى أمركم بالسجود أن تسجدوا لهذه الصور؟
قال فقال القوم: سننظر في أمورنا وسكتوا .
قال الصادق عليه السلام : فوالذي بعثه بالحق نبياً ما أتت على جماعتهم إلا ثلاثة أيام حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فأسلموا ، وكانوا خمسة وعشرين رجلاً من كل فرقة خمسة وقالوا: ما رأينا مثل حجتك يا محمد . نشهد أنك رسول الله ) !

مناظرة النبي صلى الله عليه وآله مع الحبر عبد الله بن سلام

< صفحة > 35 < / صفحة >

  1. قال ابن شهراشوب في المناقب (1/47): (الزجاج في المعاني ، والثعلبي في الكشف ، والزمخشري في الفايق ، والواحدي في أسباب نزول القرآن ، والثمالي في تفسيره واللفظ له ، أنه قال عثمان لابن سلام: نزل على محمد: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ، فكيف هذه؟ قال: يعرف نبي الله بالنعت الذي نعته الله إذا رأيناه فيكم كما يعرف أحدنا ابنه إذا رآه بين الغلمان . وأيم الله لأنا بمحمد أشد معرفة مني بابني لأني عرفته بما نعته الله في كتابنا ، وأما ابني فإني لا أدري ما أحدثت أمه .
    ابن عباس قال: كانت اليهود يستنصرون على الأوس والخزرج برسول الله قبل مبعثه فلما بعثه الله تعالى من العرب دون بني إسرائيل كفروا به ، فقال لهم بشر بن معرور ومعاذ بن جبل: إتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل الشرك ، وتذكرون أنه مبعوث!
    فقال سلام بن مسلم أخو بني النظير: ما جاءنا بشئ نعرفه ، وما هو بالذي كنا نذكر لكم ، فنزل: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ الله مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا .
    وكانت اليهود إذا أصابتهم شدة من الكفار يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة ، فلما قرب وقت خروجه قالوا:قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الْكَافِرِينَ . وهو المروي عن الصادق عليه السلام .
    وكان الأحبار من اليهود يعرفونه فحرفوا صفة النبي صلى الله عليه وآله في التوراة من الممادح إلى المقابح، فلما قالت عامة اليهود: كان محمداً هو المبعوث في آخر الزمان ، قالت الأحبار: كلا وحاشا وهذه صفته في التوراة .
    < صفحة > 36 < / صفحة >
    وأسلم عبد الله بن سلام وقال: يا رسول الله سل اليهود عني فإنهم يقولون هو أعلمنا فإذا قالوا ذلك قلت لهم إن التوراة دالة على نبوتك وإن صفاتك فيها واضحة ، فلما سألهم قالوا كذلك فحينئذ أظهر ابن سلام إيمانه فكذبوه فنزل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ الله وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
    الكلبي: قال كعب بن الأشرف ، ومالك بن الضيف ، ووهب بن يهودا وفنحاص ابن عازورا: يا محمد إن الله عهد الينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن زعمت أن الله بعثك الينا فجئنا به نصدقك فنزلت: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ الله مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الْكَافِرِينَ).
    وفي تفسير القمي(1/32): (عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: هذه الآية نزلت في اليهود والنصارى بقول الله تبارك وتعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ، يعني التورية والإنجيل، يَعْرِفُونَهُ، يعني رسول الله صلى الله عليه وآله كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُم ، لأن الله عز وجل قد أنزل عليهم في التورية والزبور والإنجيل صفة محمد وصفة أصحابه ومبعثه وهجرته وهو قوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ.
    هذه صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه في التورية والإنجيل فلما بعثه الله عرفه أهل الكتاب كما قال جل جلاله فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به !
    فكانت اليهود يقولون للعرب قبل مجئ النبي أيها العرب هذا أوان نبي يخرج بمكة ويكون هجرته بالمدينة وهو آخر الأنبياء وأفضلهم ، في عينيه حمرة وبين كتفيه خاتم النبوة يلبس الشملة ويجتزي بالكسرة والتميرات ويركب الحمار عرية ، وهو الضحوك القتال يضع سيفه على عاتقه ولايبالي بمن لاقى يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر ،
    < صفحة > 37 < / صفحة >
    وليقتلنكم الله به يا مشعر العرب قتل عاد ، فلما بعث الله نبيه بهذه الصفة حسدوه وكفروا به كما قال الله: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ).
    أقول: مدح رواة الخلافة عبد الله سلام كثيراً ، ونتحفظ على ذلك وعلى كل مديحهم لحاخامات اليهود وأحبارهم الذين ساروا مع السلطة !

مناظرته صلى الله عليه وآله مع ابن صوريا أعلم الحاخامات

في الإحتجاج(1/48): (لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة أتوه بعبد الله بن صوريا فقال: يا محمد كيف نومك فإنا قد أخبرنا عن نوم النبي الذي يأتي في آخر الزمان ؟ فقال: تنام عيني وقلبي يقظان. قال: صدقت يا محمد . ثم قال: أخبرني عن ربك ما هو؟ فنزلت: قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ..إلى آخرها. فقال ابن صوريا: صدقت . خصلة بقيت لي إن قلتها آمنت بك واتبعتك: أي ملك يأتيك بما تقوله عن الله ؟ قال: جبرئيل . قال ابن صوريا: ذاك عدونا من بين الملائكة ينزل بالقتل والشدة والحرب ، ورسولنا ميكائيل يأتي بالسرور والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك آمنا بك ،لأن ميكائيل كان مسدد مُلكنا وجبرئيل كان مهلك ملكنا ، فهو عدونا لذلك .
فقال له سلمان الفارسي رضي الله عنه : وما بدء عداوته لكم؟قال: نعم يا سلمان عادانا مراراً كثيرة ، وكان من أشد ذلك علينا أن الله أنزل على أنبيائه أن بيت المقدس يخرب على يد رجل يقال له بخت نصروفي زمانه ، وأخبرنا بالحين الذي يخرب فيه ، والله يحدث الأمر بعد الأمر فيمحو ما يشاء ويثبت ، فلما بلغنا ذلك الخبر الذي يكون فيه هلاك بيت المقدس بعث أوائلنا رجلاً من أقوياء بني إسرائيل وأفاضلهم نبياً كان يعد من أنبيائهم يقال له دانيال في طلب بخت نصر، ليقتله فحمل معه وقر مال لينفقه في ذلك ، فلما انطلق في طلبه لقيه ببابل غلاماً ضعيفاً مسكيناً ليس له قوة ولا منعة ، فأخذه صاحبنا ليقتله فدفع عنه جبرائيل وقال لصاحبنا:إن كان ربكم هو الذي أمر بهلاككم فإن الله لايسلطك
< صفحة > 38 < / صفحة >
عليه ، وإن لم يكن هذا فعلى أي شئ تقتله ، فصدقه صاحبنا وتركه ورجع إلينا فأخبرنا بذلك ، وقويَ بخت نصر وملك وغزانا وخرب بيت المقدس ، فلهذا نتخذه عدواً !
فقال سلمان: يا ابن صوريا فبهذا العقل المسلوك به غير سبيله ظلمتم ، أرأيتم أوائلكم كيف بَعثوا من يقتل بخت نصر وقد أخبرالله تعالى في كتبه على ألسنة رسله أنه يملك ويخرب بيت المقدس، أرادوا تكذيب أنبياء الله في إخبارهم ، أو اتهموهم في إخبارهم أو صدقوهم في الخبر عن الله ، ومع ذلك أرادوا مغالبة الله ، هل كان هؤلاء ومن وجهوه إلا كفاراً بالله ، وأي عداوة يجوز أن يعتقد لجبرئيل عليه السلام وهو يصده عن مغالبة الله عز وجل، وينهى عن تكذيب خبر الله تعالى . فقال ابن صوريا: قد كان الله تعالى أخبر بذلك على ألسن أنبيائه ولكنه يمحو ما يشاء ويثبت .
قال سلمان: فإذا لا تثقون بشئ مما في التوراة من الأخبار عما مضى وما يستأنف فإن الله يمحو مايشاء ويثبت ، وإذا لعل الله قد كان عزل موسى وهارون عن النبوة وأبطلا في دعواهما ،لأن الله يمحو ما يشاء ويثبت ! ولعل كلما أخبراكم به عن الله أنه يكون لا يكون ! وما أخبراكم به أنه لا يكون لعله يكون! وكذلك ما أخبراكم أنه لم يكن لعله كان ، ولعل ما وعده من الثواب يمحوه ولعل ما توعد به من العقاب يمحوه فإنه يمحو ما يشاء ويثبت!! إنكم جهلتم معنى يمحو الله ما يشاء ويثبت ، فلذلك أنتم بالله كافرون ولأخباره عن الغيوب مكذبون ، وعن دين الله منسلخون .
ثم قال سلمان: فإني أشهد أنه من كان عدواً لجبرئيل فإنه عدو لميكائيل وأنهما جميعاً عدوان لمن عاداهما مسالمان لمن سالمهما ، فأنزل الله تعالى عند ذلك موافقاً لقول سلمان رضي الله عنه : قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ . مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّاللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ).
قال أبو محمد الحسن العسكري عليه السلام :(قال جابر بن عبد الله الأنصاري: سأل رسول الله صلى الله عليه وآله عبد الله بن صوريا ، غلام يهودي أعور، تزعم اليهود أنه أعلم يهودي بكتاب الله وعلوم أنبيائه ،عن مسائل كثيرة يُعَنته فيها (يفحمه) فأجابه عنها رسول الله صلى الله عليه وآله بما لم يجد إلى إنكار
< صفحة > 39 < / صفحة >
شئ منه سبيلاً .
فقال له: يا محمد من يأتيك بهذه الأخبار عن الله ؟ قال: جبرئيل. قال: لو كان غيره يأتيك بها لآمنت بك ، ولكن جبرئيل عدونا من بين الملائكة ، فلو كان ميكائيل أو غيره سوى جبرئيل يأتيك لآمنت بك . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لم اتخذتم جبرئيل عدواً ؟ قال: لأنه ينزل البلاء والشدة على بني إسرائيل ، ودفع دانيال عن قتل بخت نصر حتى قوي أمره وأهلك بني إسرائيل ، وكذلك كل بأس وشدة لا ينزلها إلا جبرئيل ، وميكائيل يأتينا بالرحمة ! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ويحك أجهلت أمر الله، وما ذنب جبرئيل إلا أن أطاع الله فيما يريده بكم؟ أرأيتم ملك الموت هل هو عدوكم وقد وكله الله بقبض أرواح الخلق ، أرأيتم الآباء والأمهات إذا أوجروا الأولاد الدواء الكريه لمصالحهم أيجب أن يتخذهم أولادهم أعداء من أجل ذلك ، لا ولكنكم بالله جاهلون ، وعن حِكَمه غافلون. أشهد أن جبرئيل وميكائيل بأمر الله عاملان وله مطيعان ، وأنه لايعادي أحدهما إلا من عادى الآخر ، وأن من زعم أنه يحب أحدهما ويبغض الآخر فقد كفر وكذب ، وكذلك محمد رسول الله وعلي أخوَان كما أن جبرئيل وميكائيل أخوان فمن أحبهما فهو من أولياء الله ومن أبغضهما فهو من أعداء الله ، ومن أبغض أحدهما وزعم أنه يحب الآخر فقد كذب وهما منه بريئان، والله تعالى وملائكته وخيار خلقه منه برآء .
وقال أبو محمد عليه السلام : كان سبب نزول قوله تعالى: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ . ما كان من اليهود أعداء الله من قول سئ في جبرئيل وميكائيل ، ومن كان من أعداء الله النصاب من قول أسوأ منه في الله وفي جبرئيل وميكائيل وسائر ملائكة الله ، أما ماكان من النُّصَّاب فهو أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما كان لا يزال يقول في علي الفضائل التي خصه الله عز وجل بها والشرف الذي نحله الله تعالى وكان في كل ذلك يقول أخبرني به جبرئيل عليه السلام عن الله، ويقول في بعض ذلك جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره ويفتخر جبرئيل على ميكائيل في أنه عن يمين علي عليه السلام الذي هو أفضل من اليسار كما يفتخر نديم ملك عظيم في الدنيا يجلسه الملك عن يمينه على النديم
< صفحة > 40 < / صفحة >
الآخر الذي يجلسه على يساره ، ويفتخران على إسرافيل الذي خلفه بالخدمة وملك الموت الذي أقامه بالخدمة ، وأن اليمين واليسار أشرف من ذلك ، كافتخار حاشية الملك على زيادة قرب محلهم من ملكهم . وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في بعض أحاديثه: إن الملائكة أشرفها عند الله أشدها لعلي بن أبي طالب حباً ، وإنه قسم الملائكة فيما بينها والذي شرف علياً على جميع الورى بعد محمد المصطفى .
ويقول مرة: إن ملائكة السماوات والحجب ليشتاقون إلى رؤية علي بن أبي طالب كما تشتاق الوالدة الشفيقة إلى ولدها البار الشفيق آخر من بقي عليها بعد عشرة دفنتهم! فكان هؤلاء النصاب يقولون: إلى متى يقول محمد جبرئيل وميكائيل والملائكة كل ذلك تفخيم لعلي وتعظيم لشأنه ، ويقول الله تعالى لعلي خاص من دون سائر الخلق . برئنا من رب ومن ملائكة ومن جبرئيل ومن ميكائيل هم لعلي بعد محمد مفضلون ! وبرئنا من رسل الله الذين هم لعلي بعد محمد مفضلون !
ثم ذكر قول سلمان لابن صوريا ، وفيه:ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا سلمان إن الله صدق قيلك ووافق رأيك ، وإن جبرئيل عن الله تعالى يقول: يا محمد سلمان والمقداد أخوان متصافيان في ودادك ووداد علي أخيك ووصيك وصفيك ، وهما في أصحابك كجبرائيل وميكائيل في الملائكة عدوان لمن أبغض أحدهما وليان لمن والى محمداً وعلياً عدوان لمن عادى محمداً وعلياً وأولياء هما ، ولو أحب أهل الأرض سلمان والمقداد كما تحبهما ملائكة السماوات والحجب والكرسي والعرش لمحض ودادهما لمحمد وعلي وموالاتهما لأوليائهما ، ومعاداتهما لأعدائهما ، لما عذب الله أحداً منهم بعذاب البتة ).
أقول: يظهر أنهم أخذوا موافقات الله تعالى المزعومة لعمر من هذا الحديث !

طلب اليهود من النبي صلى الله عليه وآله المعجزة

وقال أبو محمد الحسن العسكري عليه السلام : (لما نزلت هذه الآية: قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ
< صفحة > 41 < / صفحة >
أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ، في حق اليهود والنواصب فغلظ على اليهود ما وبخهم به رسول الله ، فقال جماعة من رؤسائهم وذوي الألسن والبيان منهم: يا محمد إنك تهجونا وتدعي على قلوبنا ما الله يعلم منها خلافه ، إن فيها خيراً كثيراً نصوم ونتصدق ونواسي الفقراء .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنما الخير ما أريد به وجه الله وعمل على ما أمر الله تعالى ، وأما ما أريد به الرياء والسمعة ومعاندة رسول الله صلى الله عليه وآله وإظهار الغنى له والتمالك والتشرف عليه ، فليس بخير بل هو الشر الخالص ووبال على صاحبه ، ويعذبه الله به أشد العذاب.
فقالوا له: يا محمد أنت تقول هذا ونحن نقول بل ما نلفقه إلا لإبطال أمرك ودفع رياستك ولتفريق أصحابك عنك ، وهو الجهاد الأعظم نأمل به من الله الثواب الأجل العظيم ، فأقل أحوالنا إنك تساوينا في الدعاوى فأي فضل لك علينا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا إخوة اليهود إن الدعاوى يتساوى فيها المحقون والمبطلون ، ولكن حجج الله ودلائله تفرق بينهم فتكشف عن تمويه المبطلين وتبين عن حقائق المحقين ، ورسول الله محمد لايغتم بجهلكم ولا يكلفكم التسليم له بغير حجة ، ولكن يقيم عليكم حجة الله التي لا يمكنكم دفاعها ولا تطيقون الإمتناع عن موجبها ، ولو ذهب محمد ويريكم آية من عنده لشككتم وقلتم إنه متكلف مصنوع محتال فيه معمول أو متواطئ عليه ، وإذا اقترحتم أنتم فأراكم ما تقترحون لم يكن لكم أن تقولوا معمول أو متواطأ عليه أو متأت بحيلة أو مقدمات ، فما الذي تقترحون فهذا رب العالمين قد وعدني أن يظهر لكم ما تقترحون ليقطع معاذيرالكافرين منكم ويزيد في بصائر المؤمنين منكم .
قالوا: قد أنصفتنا يا محمد فإن وفيت بما وعدت من نفسك من الإنصاف فأنت أول راجع عن دعواك للنبوة وداخل في غمار الأمة ومسلم لحكم التوراة لعجزك عما نقترحه عليك وظهور باطل دعواك فيما ترومه من حجتك . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : الصدق ينبئ عنكم لا الوعيد ، اقترحوا ما تقترحون ليقطع معاذيركم فيما تسألون . فقالوا له: يا محمد زعمت أنه ما في قلوبنا شئ من مواساة الفقراء ومعاونة الضعفاء والنفقة في إبطال الباطل وإحقاق الحق وأن الأحجار ألين من قلوبنا وأطوع لله منا ، وهذه الجبال
< صفحة > 42 < / صفحة >
بحضرتنا فهلم بنا إليها أو إلى بعضها فاستشهدها على تصديقك وتكذيبنا ، فإن نطقت بتصديقك فأنت المحق يلزمنا اتباعك وإن نطقت بتكذيبك أو صمتت فلم ترد جوابك فاعلم بأنك المبطل في دعواك المعاند لهواك .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : نعم هلموا بنا إلى أيما جبل شئتم استشهدوه ليشهد لي عليكم ، فخرجوا إلى أوعر جبل رأوه فقالوا: يا محمد هذا الجبل فاستشهده . فقال رسول الله للجبل: إني أسألك بجاه محمد وآله الطيبين الذين بذكر أسمائهم خفف الله العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن لم يقدروا على تحريكه وهم خلق كثير لا يعرف عددهم غير الله عز وجل ، وبحق محمد وآله الطيبين الذين بذكر أسمائهم تاب الله على آدم وغفر خطيئته وأعاده إلى مرتبته ، وبحق محمد وآله الطيبين الذين بذكر أسمائهم وسؤال الله بهم رفع إدريس في الجنة مكاناً علياً لما شهدت لمحمد بما أودعك الله بتصديقه على هؤلاء اليهود في ذكر قساوة قلوبهم وتكذيبهم في جحدهم لقول محمد رسول الله .
فتحرك الجبل وتزلزل وفاض عنه الماء ونادى: يا محمد أشهد أنك رسول رب العالمين وسيد الخلق أجمعين ، وأشهد أن قلوب هؤلاء اليهود كما وصفت أقسى من الحجارة لا يخرج منها خير كما قد يخرج من الحجارة الماء سيلاً أو تفجراً ، وأشهد أن هؤلاء كاذبون عليك فيما به يقرفونك من الفرية على رب العالمين .ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : وأسألك أيها الجبل أمرك الله بطاعتي فيما ألتمسه منك بجاه محمد وآله الطيبين الذين بهم نجى الله نوحاً من الكرب العظيم وبرد الله النار على إبراهيم وجعلها عليه برداً وسلاماً ، ومكنه في جوف النار على سرير وفراش وثير ، لم ير تلك الطاغية مثله لأحد من ملوك الأرض أجمعين ، وأنبت حواليه من الأشجار الخضرة النظرة النزهة وعما حوله من أنواع التور مما لا يوجد إلا في فصول أربعة من جميع السنة ؟ قال الجبل: بلى أشهد لك يا محمد بذلك، وأشهد أنك لو اقترحت على ربك أن يجعل رجال الدنيا قروداً وخنازير لفعل ، أو يجعلهم ملائكة لفعل ، أو يقلب النيران جليداً أو الجليد نيراناً لفعل ، أو يهبط السماء إلى الأرض أو يرفع الأرض إلى السماء لفعل ، أو يصير أطراف المشارق والمغارب
< صفحة > 43 < / صفحة >
والوهاد كلها صرة كصرة الكيس لفعل ، وأنه قد جعل الأرض والسماء طوعك ، والجبال والبحار تتصرف بأمرك ، وسائر ما خلق من الرياح والصواعق وجوارح الإنسان وأعضاء الحيوان لك مطيعة وما أمرتها به من شئ ائتمرت .
فقالت اليهود: يا محمد علينا تلبِّس وتشبه ، قد أجلست مردة من أصحابك خلف صخور من هذا الجبل فهم ينطقون بهذا الكلام ونحن لا ندري أنسمع من الرجال أم من الجبل ، لا يغتر بمثل هذا إلا ضعفاؤك الذين تبجبج في عقولهم فإن كنت صادقاً فتنح عن موضعك هذا إلى ذلك القرار وأمر هذا الجبل أن ينقلع من أصله فيسير إليك إلى هناك ، فإذا حضرك ونحن نشاهده فأمره أن ينقطع نصفين من ارتفاع سمكه ، ثم يرتفع السفلى من قطعيته فوق العليا ، وتنخفض العليا تحت السفلى ، فإذا تجعل أصل الجبل قلته وقلته أصله لنعلم أنه من الله ، لا يتفق مثله بمواطأة ولا بمعاونة مموهين متمردين . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وأشار إلى حجر فيه قدر خمسة أرطال فقال: يا أيها الحجر تدحرج ، فتدحرج ثم قال لمخاطبة: خذه وقربه من أذنك فسيعيد عليك ما سمعت ، فإن هذا جزء من ذلك الجبل ، فأخذه الرجل فأدناه إلى إذنه فنطق الحجر بمثل ما نطق به الجبل أولا من تصديق رسول الله صلى الله عليه وآله فيما ذكره عن قلوب اليهود ومما غبر به من أن نفقاتهم في دفع أمر محمد صلى الله عليه وآله باطل ووبال عليهم .
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله أسمعت هذا؟! أخلف هذا الحجر أحد يكلمك ويوهمك أن الحجر يكلمك ؟! قال: فأتني بما اقترحت في الجبل فتباعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى فضاء واسع ثم نادى الجبل وقال: يا أيها الجبل بحق محمد وآله الطيبين بجاههم ومساءلة عباد الله بهم أرسل الله على قوم عاد ريحاً صرصراً عاتية تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل خاوية، وأمر جبرئيل أن يصيح صيحة هائلة في قوم صالح حتى صاروا كهشيم المحتضر ، لما انفصلت من مكانك بإذن الله وجئت إلى حضرته هذه ، ووضع يده على الأرض بين يديه . فتزلزل الجبل وصار كالفارع الهملاج حتى دنا من إصبعه أصله فلزق بها ووقف ونادى: ها أنا سامع لك مطيع يا رسول رب العالمين وإن رغمت أنوف هؤلاء المعاندين، مرني بأمرك
< صفحة > 44 < / صفحة >
.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن هؤلاء اقترحوا على أن آمرك أن تنقلع من أصلك فتصير نصفين ثم ينحط أعلاك ويرتفع أسفلك فتصير ذروتك أصلك وأصلك ذروتك . فقال الجبل: أتأمرني بذلك يا رسول رب العالمين ؟ قال: بلى . فانقطع نصفين وانحط أعلاه إلى الأرض وارتفع أسفله فوق أعلاه فصار فرعه أصله وأصله فرعه ، ثم نادى الجبل: يا معاشر اليهود هذا الذي ترون دون معجزات موسى الذين تزعمون أنكم به مؤمنون؟!
فنظر اليهود بعضهم إلى البعض ، فقال بعضهم: ما عن هذا محيص ، وقال آخرون منهم: هذا رجل منجوت مؤتى له ما يريد. والمنجوت يتأتى له العجائب ، فلا يغرنك ما تشاهدون . فناداهم الجبل: يا أعداء الله قد أبطلتم بما تقولون نبوة موسى، هلا قلتم لموسى إن قلب العصا ثعباناً وانفلاق البحر طرقاً ووقوف الجبل كالظلة فوقكم ، إنما تأتي لك لأنك مؤتى لك أتيٌّ يأتيك بالعجائب فلا يغرنا ما نشاهده ، فألقمتهم الجبال بمقالتها والصخور ولزمتهم حجة رب العالمين .

سأل اليهود النبي صلى الله عليه وآله هل هو أفضل أم موسى ؟

في أمالي الصدوق/287: (سمعت أبا عبد الله الصادق عليه السلام يقول: أتى يهودي النبي صلى الله عليه وآله فقام بين يديه يحد النظر إليه ، فقال: يا يهودي ، ما حاجتك ؟ قال: أنت أفضل أم موسى بن عمران النبي الذي كلمه الله ، وأنزل عليه التوراة والعصا ، وفلق له البحر، وأظله بالغمام ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وآله : إنه يكره للعبد أن يزكي نفسه ولكني أقول: إن آدم عليه السلام لما أصاب الخطيئة كانت توبته أن قال: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد ، لما غفرت لي فغفرها الله له ، وإن نوحاً عليه السلام لما ركب في السفينة وخاف الغرق قال: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما أنجيتني من الغرق فنجاه الله منه ، وإن إبراهيم عليه السلام : لما ألقي في النار قال:
< صفحة > 45 < / صفحة >
اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد ، لما أنجيتني منها، فجعلها الله عليه برداً وسلاماً . وإن موسى عليه السلام لما ألقى عصاه وأوجس في نفسه خيفة قال: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما أمنتني منها ، فقال الله جل جلاله: لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى . يا يهودي: إن موسى لو أدركني ثم لم يؤمن بي وبنبوتي ، ما نفعه إيمانه شيئاً ، ولا نفعته النبوة . يا يهودي ، ومن ذريتي المهدي ، إذا خرج نزل عيسى بن مريم لنصرته فقدمه وصلى خلفه ).

مناظرة النبي صلى الله عليه وآله مع أربعين حاخاماً يهودياً

(عن ابن عباس قال: خرج من المدينة أربعون رجلاً من اليهود قالوا: إنطلقوا بنا إلى هذا الكاهن الكذاب حتى نوبخه في وجهه ونكذبه ، فإنه يقول أنا رسول رب العالمين ، وكيف يكون رسولاً وآدم خير منه ونوح خير منه وذكروا الأنبياء عليهم السلام فقال النبي صلى الله عليه وآله لعبد الله بن سلام: التوراة بيني وبينكم فرضيت اليهود بالتوراة ،فقال اليهود: آدم خير منك لأن الله عز وجل خلقه بيده ونفخ فيه من روحه . فقال النبي صلى الله عليه وآله : آدم النبي أبي وقد أعطيت أنا أفضل مما أعطي آدم . قال اليهود: وما ذاك؟ قال: إن المنادي ينادي كل يوم خمس مرات: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . ولم يقل آدم رسول الله ، ولواء الحمد بيدي يوم القيامة وليس بيد آدم . فقال اليهود: صدقت يا محمد وهو مكتوب في التوراة . قال: هذه واحدة .
قالت اليهود: موسى خير منك . قال النبي صلى الله عليه وآله ولم ؟ قالوا: لأن الله عز وجل كلمه بأربعة آلاف كلمة ولم يكلمك بشئ . فقال النبي صلى الله عليه وآله : لقد أعطيت أنا أفضل من ذلك. قالوا: وما ذاك ؟ قال: هو قوله عز وجل: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ . وحملت على جناح جبرائيل حتى انتهيت إلى السماء السابعة فجاوزت سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ، حتى تعلقت بساق العرش فنوديت من ساق العرش: إني أنا الله لا إله إلا أنا السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الرؤف
< صفحة > 46 < / صفحة >
الرحيم: ورأيته بقلبي وما رأيته بعيني ، فهذا أفضل من ذلك .
قالت اليهود: صدقت يا محمد وهو مكتوب في التوراة .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : هذه اثنتان . قالوا: نوح أفضل منك . قال النبي صلى الله عليه وآله : ولم ذاك ؟ قالوا: لأنه ركب السفينة فجرت على الجودي. قال النبي صلى الله عليه وآله : لقد أعطيت أنا أفضل من ذلك . قالوا: وما ذاك ؟ قال: إن الله عز وجل أعطاني نهرا في السماء مجرية من العرش وعليه ألف ألف قصر لبنة من ذهب ولبنة من فضة حشيشها الزعفران ورضراضها الدر والياقوت وأرضها المسك الأبيض ، فذلك خير لي ولأمتي ، وذلك قوله تعالى إنا أعطيناك الكوثر . قالوا: صدقت يا محمد هو مكتوب في التوراة وهذا خير من ذلك . قال النبي صلى الله عليه وآله هذه ثلاثة .
قالوا: إبراهيم خير منك . قال: ولم ذاك ؟ قالوا: لأن الله اتخذه خليلاً. قال النبي صلى الله عليه وآله : إن كان إبراهيم خليله فأنا حبيبه محمد .
قالوا: ولم سميت محمداً ؟ قال: سماني الله محمداً وشق إسمي من اسمه ، هو المحمود وأنا محمد ، وأمتي الحامدون على كل حال . فقالت اليهود: صدقت يا محمد هذا خير من ذلك.
قال النبي صلى الله عليه وآله هذه أربعة.
قالت اليهود: عيسى خير منك . قال: ولم ذاك ؟ قالوا: إن عيسى بن مريم كان ذات يوم بعقبة بيت المقدس فجاءه الشياطين ليحملوه فأمر الله جبرائيل أن اضرب بجناحك الأيمن وجوه الشياطين والقهم في النار ، فضرب بأجنحته وجوههم وألقاهم في النار .
فقال رسول الله: لقد أعطيت أنا أفضل من ذلك . قالوا: وما هو؟ قال: أقبلت يوم بدر من قتال المشركين وأنا جائع شديد الجوع ، فلما وردت المدينة استقبلتني امرأة يهودية وعلى رأسها جفنة وفي الجفنة جدي مشوي وفي كمها شئ من سكر فقالت: الحمد لله الذي منحك السلامة وأعطاك النصر والظفر على الأعداء ، وإني قد كنت نذرت لله نذراً إن أقبلت سالماً غانماً من غزاة بدر لأذبحن هذا الجدي ولأشوينه ولأحملنه إليك لتأكله.
< صفحة > 47 < / صفحة >
فقال النبي صلى الله عليه وآله : فنزلت عن بغلتي الشهباء فضربت بيدي إلى الجدي لآكله فاستنطق الله الجدي فاستوى على أربع قوائم وقال: يا محمد لا تأكلني فإني مسموم . قالوا: صدقت يا محمد هذا خير من ذلك .
قال النبي صلى الله عليه وآله : هذه خمسة .
قالوا: بقيت واحدة ثم نقوم من عنك . قال: هاتوا . قالوا: سليمان خير منك. قال: ولم ذاك ؟ قالوا: لأن الله عز وجل سخر له الشياطين والإنس والجن والطير والرياح والسباع . فقال النبي صلى الله عليه وآله : فقد سخر الله لي البراق وهو خير من الدنيا بحذافيرها ، وهي دابة من دواب الجنة وجهها مثل وجه آدمي وحوافرها مثل حوافر الخيل وذنبها مثل ذنب البقر ، فوق الحمار ودون البغل ، وسرجه من ياقوتة حمراء ، وركابه من درة بيضاء، مزمومة بألف زمام من ذهب عليه جناحان مكللان بالدر والياقوت والزبرجد. مكتوب بين عينيه: لا إله الله وحده لا شريك له وإن محمداً رسول الله . قالت اليهود: صدقت يا محمد وهو مكتوب في التوراة وهذا خير من ذلك .
يا محمد نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله : لقد أقام نوح في قومه ودعاهم ألف سنة إلا خمسين عاماً ثم وصفهم الله عز وجل فقللهم فقال: وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ. ولقد تبعني في سنيي القليلة وعمري اليسير ما لم تتبع نوحاً في طول عمره وكبر سنة ، وإن في الجنة عشرين ومائة صف أمتي منها ثمانون صفاً ، وأن الله عز وجل جعل كتابي المهيمن على كتبهم الناسخ لها ، ولقد جئت بتحليل ما حرموا وبتحريم بعض ما أحلوا . من ذلك أن موسى جاء بتحريم صيد الحيتان يوم السبت حتى أن الله تعالى قال من اعتدى منهم في صيدها يوم السبت كونوا قردة خاسئين فكانوا ، ولقد جئت بتحليل صيدها حتى صار صيدها حلالاً. قال الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ. وجئت بتحليل الشحوم كلها وكنتم لا تأكلونها .ثم إن الله عز وجل صلى علي في كتابه العزيز ، قال الله عز وجل: إِنَّاللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .
< صفحة > 48 < / صفحة >
ثم وصفني الله عزو جل بالرأفة والرحمة وذكر في كتابه: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ . وأنزل الله تعالى أن لا يكلموني حتى يتصدقوا بصدقة وما كان ذلك لنبي قط ، قال الله عز وجل: الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً . ثم وضعها عنهم بعد أن افترضها عليهم برحمته ومنه) .
وفي علل الشرائع (1/127): (الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام : جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأله أعلمهم فيما سأله فقال:لأي شئ سميت محمداً وأحمد وأبا القاسم وبشيراً ونذيراً وداعياً ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله : أما محمد فإني محمود في الأرض ، وأما أحمد فإني محمود في السماء ، وأما أبو القاسم فإن الله عز وجل يقسم يوم القيامة قسمة النار فمن كفر بي من الأولين والآخرين ففي النار، ويقسم قسمة الجنة فمن آمن بي وأقر بنبوتي ففي الجنة ، وأما الداعي فإني أدعو الناس إلى دين ربي عز وجل، وأما النذير فإني أنذر بالنار من عصاني ، وأما البشير فإني أبشر بالجنة من أطاعني) .

سألوا النبي صلى الله عليه وآله عن علة فرض الصوم ؟

في علل الشرائع (2/378): ( عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأله أعلمهم عن مسائل فكان فيما سأله أن قال له: لأي شئ فرض الله عز وجل الصوم على أمتك بالنهار ثلاثين يوماً وفرض على الأمم السالفة أكثر من ذلك ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله إن آدم لما أكل من الشجرة بقي في بطنه ثلاثين يوماً ففرض الله على ذريته ثلاثين يوماً الجوع والعطش والذي يأكلونه تفضل من الله تعالى عليهم ، وكذلك كان على آدم ففرض الله ذلك على أمتي ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .
< صفحة > 49 < / صفحة >
قال اليهودي ، صدقت يا محمد فما جزاء من صامها ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله ما من مؤمن يصوم شهر رمضان احتساباً إلا أوجب الله سبع خصال: أولها يذوب الحرام من جسده ، والثانية يقرب من رحمة الله ، والثالثة يكون قد كفر خطيئة أبيه آدم عليه السلام ، والرابعة يهون الله عليه سكرات الموت ، والخامسة أمان من الجوع والعطش يوم القيامة ، والسادسة يعطيه الله براءة من النار ، والسابعة يطعمه الله من طيبات الجنة ، قال صدقت يا محمد).
< صفحة > 50 < / صفحة >

سألوه عن أربع مسائل

ابن هشام(2/383): (قال ابن إسحاق: عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفراً من أحبار يهود جاءوا رسول الله(ص) فقالوا: يا محمد ، أخبرنا عن أربع نسألك عنهن ، فإن فعلت ذلك اتبعناك وصدقناك وآمنا بك . قال: فقال لهم رسول الله(ص): عليكم بذلك عهد الله وميثاقه لئن أنا أخبرتكم بذلك لتصدقنني ؟ قالوا: نعم ، قال: فاسألوا عما بدا لكم ، قالوا: فأخبرنا كيف يشبه الولد أمه ، وإنما النطفة من الرجل؟ قال: فقال لهم رسول الله(ص): أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمون أن نطفة الرجل بيضاء غليظة ، ونطفة المرأة صفراء رقيقة ، فأيتهما علت صاحبتها كان لها الشبه ؟ قالوا: اللهم نعم ، قالوا: أخبرنا كيف نومك ؟ فقال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمون أن نوم الذي تزعمون أني لست به تنام عينه وقلبه يقظان ؟ فقالوا: اللهم نعم ، قال: فذلك نومي ، تنام عيني وقلبي يقظان ، قالوا: فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه، قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمون أنه كان أحب الطعام والشراب إليه ألبان الإبل ولحومها وأنه اشتكى شكوى ، فعافاه الله منها ، فحرم على نفسه أحب الطعام والشراب إليه شكرا لله ، فحرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها ؟ قالوا: اللهم نعم . قالوا: فأخبرنا عن الروح؟ قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمونه جبريل وهو الذي يأتيني؟ قالوا: اللهم نعم ولكنه يا محمد لنا عدو ، وهو ملك إنما يأتي بالشدة وبسفك الدماء ، ولولا ذلك لاتبعناك ، قال: فأنزل الله عز وجل: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ .إلى قوله تعالى: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ .
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ .
أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ . وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُون .
قال ابن إسحاق: وذلك أن رسول الله (ص) فيما بلغني لما ذكر سليمان بن داود في
< صفحة > 51 < / صفحة >
المرسلين، قال بعض أحبارهم: ألا تعجبون من محمد ، يزعم أن سليمان بن داود كان نبياً ، والله ما كان إلا ساحراً . فأنزل تعالى في ذلك من قولهم: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ).
في أمالي الصدوق/254: (عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا محمد ، أنت الذي تزعم أنك رسول الله ، وأنك الذي يوحى إليك كما أوحي إلى موسى بن عمران عليه السلام ؟ فسكت النبي صلى الله عليه وآله ساعة ، ثم قال: نعم ، أنا سيد ولد آدم ولا فخر ، وأنا خاتم النبيين ، وإمام المتقين ورسول رب العالمين . قالوا: إلى من إلى العرب أم إلى العجم أم إلينا ؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية: قُلْ يامحمد يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا).
في مسند أحمد (1/278): (قال ابن عباس: حضرت عصابة من اليهود الى نبي الله (ص) يوماً فقالوا يا أبا القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي. قال: سلوني عما شئتم ولكن إجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب عليه السلام على بنيه لئن حدثتكم شيئاً فعرفتموه لتتابعُنِّي على الإسلام . قالوا: فذلك لك . قال: فسلوني عما شئتم . قالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ، وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل كيف يكون الذكر منه ، وأخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم ومن وليه من الملائكة؟ قال: فعليكم عهد الله وميثاقه لئن أنا أخبرتكم لتتابعُني؟ قال فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق . قال: فأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب عليه السلام مرض مرضاً شديداً وطال سقمه فنذر لله نذراً لئن شفاه الله تعالى من سقمه ليحرمن أحب الشراب إليه ، وأحب
< صفحة > 52 < / صفحة >
الطعام إليه ، وكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل ، وأحب الشراب إليه ألبانها ؟
قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد عليهم ، فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ وأن ماء المرأة أصفر رقيق فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله ، إن علا ماء الرجل على ماء المرأة كان ذكراً بإذن الله وإن علا ماء المرأة على ماء الرجل كان أنثى بإذن الله . قالوا: اللهم نعم . قال اللهم اشهد عليهم .
فأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قبله؟ قالوا: اللهم نعم . قال: اللهم اشهد . قالوا: وأنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة فعندها نجامعك أو نفارقك؟ قال: فإن وليي جبريل عليه السلام ولم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه . قالوا: فعندها نفارقك لو كان وليك سواء من الملائكة لتابعناك وصدقناك ،قال فما يمنعكم من أن تصدقوه قالوا إنه عدونا. قال: فعند ذلك قال الله عز وجل: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ .. الى قوله تعالى: وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ الله مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ الله وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ … فَبَاؤُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَللَّكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ).

قصة الزانيين الخيبريين

قال في تفسيرالتبيان(3/525): (قال أبو جعفر الطبري وجماعة من المفسرين ذكرنا أسماءهم: إن امرأة من خيبر في شرف منهم زنت وهي محصنة فكرهوا رجمها ، فأرسلوا إلى يهود المدينة يسألون النبي صلى الله عليه وآله طمعاً أن يكون أتى برخصة فسألوه فقال: هل ترضون بقضائي؟ قالوا: نعم، فأنزل الله عليه الرجم فأبوه، فقال جبرائيل: سلهم عن ابن صوريا، ثم اجعله بينك وبينهم فقال: تعرفون شاباً أبيض أعور أمرد يسكن فدكاً يقال
< صفحة > 53 < / صفحة >
له ابن صوريا؟ قالوا: نعم هو أعلم يهودي على ظهر الأرض بما أنزل الله على موسى. قال: فأرسلوا إليه فأرسلوا فأتى ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : أنت عبد الله بن صوريا . قال: نعم. قال: أنت أعلم اليهود قال: كذلك يقولون . قال رسول الله صلى الله عليه وآله : فاني أناشدك الله الذي لا إله إلا هو القوي إله بني إسرائيل الذي أخرجكم من أرض مصر ، وفلق لكم البحر فأنجاكم وأغرق آل فرعون ، وظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم المن والسلوى ، وأنزل عليكم كتابه فيه حلاله وحرامه ، هل تجدون في كتابكم الذي جاء به موسى الرجم على من أحصن؟ قال عبد الله بن صوريا: نعم ، والذي ذكرتني لولا مخافتي من رب التوراة أن يهلكني إن كتمت ما اعترفت لك به ! فأنزل الله فيه: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ . فقام ابن صوريا فوضع يديه على ركبتي رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: هذا مقام العائذ بالله وبك أن تذكر لنا الكثير أمرت أن تعفو عنه ، فأعرض النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك.
ثم سأله ابن صوريا عن نومه وعن شبه الولد بأبيه وأمه وما حظ الأب من أعضاء المولود وما حظ الأم ؟ فقال: تنام عيناي ولا ينام قلبي ، والشبه يغلبه أي المائين على ، وللأب العظم والعصب والعروق ، وللأم اللحم والدم والشعر . فقال: أشهد أن أمرك أمر نبي وأسلم ، فشتمه اليهود .
فقال المنافقون لليهود: إن أمركم محمد بالجلد فاقبلوه وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا . وهو قوله: يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ يعني الجلد ، وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا هذا فخذوه . وسلاه عن ذلك بقوله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ .
< صفحة > 54 < / صفحة >
فلما أرادوا الإنصراف تعلقت قريظة بالنضير، فقالوا يا أبا القاسم وكانوا يكرهون أن يقولوا يا محمد لئلا يوافق ذلك ما في كتابهم من ذكره: هؤلاء إخواننا بنوا النضير إذا قتلوا منا قتيلاً لايعطونا القود وأعطونا القود وأعطونا سبعين وسقاً من تمر ، وإن قتلنا منهم قتيلاً أخذوا القود ومعه سبعون وسقاً من تمر ، وإن أخذوا الدية أخذوا منا مئة وأربعين وسقاً . وكذلك جراحاتنا على أنصاف جراحاتهم! فأنزل الله تعالى: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. فحكم بينهم بالسواء ، فقالوا:لا نرضى بقضائك فأنزل الله: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.
ثم قال: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ. وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ .فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني بني النضير لما قالوا لا تقبل حكمك . فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ . وهو إجلاؤهم من ديارهم).
وقال في فتح الباري(12/148) ملخصاً: (زنا رجل من اليهود بامرأة فقال بعضهم لبعض إذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله ، وقلنا فتيا نبي من أنبيائك ، قال فانطلق قوم من قريظة والنضير منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسد وسعيد بن عمرو ومالك بن الصيف وكنانة بن أبي الحقيق وشاس بن قيس ويوسف بن عازوراء فسألوا النبي(ص)وكان رجل وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا واسم المرأة بسرة وكانت خيبر حينئذ حرباً فقال لهم: إسألوه فنزل جبريل على النبي(ص)فقال إجعل بينك وبينهم ابن صوريا فخلا النبي(ص) بابن صوريا الخ.) ونحوه تفسير الطبراني (2/395) .
< صفحة > 55 < / صفحة >

مناظرته مع عبد الله بن أبي أمية أخ أم سلمة

في الإحتجاج(1/26): (قال الإمام الحسن العسكري عليه السلام : قلت لأبي علي بن محمد عليه السلام : هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله يناظر اليهود والمشركين إذا عاتبوه ويحاجهم؟ قال: بلى مراراً كثيرة ، منها ما حكى الله من قولهم: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا . أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا . وقالوا: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ .
وقوله عز وجل: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا. أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ.. ثم قيل له في آخر ذلك: لو كنت نبياً كموسى أنزلت علينا كسفاً من السماء ونزلت علينا الصاعقة في مسألتنا إليك لأن مسألتنا أشد من مسائل قوم موسى لموسى عليه السلام .
قال عليه السلام : ومن ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قاعداً ذات يوم بمكة بفناء الكعبة إذ اجتمع جماعة من رؤساء قريش منهم الوليد بن المغيرة المخزومي وأبو البختري ابن هشام وأبو جهل والعاص بن وائل السهمي وعبد الله بن أبي أمية المخزومي ، وكان معهم جمع ممن يليهم كثير ورسول الله صلى الله عليه وآله في نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب الله ، ويؤدي إليهم عن الله أمره ونهيه .
فقال المشركون بعضهم لبعض:لقد استفحل أمر محمد وعظم خطبه ، فتعالوا نبدأ بتقريعه وتبكيته وتوبيخه والإحتجاج عليه وإبطال ما جاء به ليهون خطبه على أصحابه ويصغر قدره عندهم ، فلعله ينزع عما هو فيه من غيه وباطله وتمرده وطغيانه ، فإن انتهى وإلا عاملناه بالسيف الباتر .
قال أبو جهل: فمن ذا الذي يلي كلامه ومجادلته؟قال عبد الله بن أبي أمية المخزومي: أنا
< صفحة > 56 < / صفحة >
إلى ذلك ، أفما ترضاني له قرناً حسيباً ومجادلا كفياً ؟ قال أبو جهل بلى ، فأتوه بأجمعهم فابتدأ عبد الله بن أبي أمية المخزومي فقال: يا محمد لقد ادعيت دعوى عظيمة وقلت مقالاً هائلاً ، زعمت أنك رسول الله رب العالمين ، وما ينبغي لرب العالمين وخالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسوله بشر مثلنا تأكل كما نأكل وتشرب كما نشرب ، وتمشي في الأسواق كما نمشي ، فهذا ملك الروم وهذا ملك الفرس لايبعثان رسولاً إلا كثير المال عظيم الحال له قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدام ، ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم فهم عبيده ، ولو كنت نبياً لكان معك ملك يصدقك ونشاهده ، بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبياً لكان إنما يبعث إلينا ملكاً لا بشراً مثلنا ، ما أنت يا محمد إلا رجل مسحور ولست بنبي!
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : هل بقي من كلامك شئ ؟
قال: بلى ، لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولاً لبعث أجل من فيما بيننا أكثره مالاً وأحسنه حالاً ، فهلا أنزل هذا القرآن الذي تزعم أن الله أنزله عليك وابتعثك به رسولاً على عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ، إما الوليد بن المغيرة بمكة وإما عروة بن مسعود الثقفي بالطائف.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : هل بقي من كلامك شئ يا عبد الله ؟
فقال: بلى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا، بمكة هذه ، فإنها ذات أحجار وعروة وجبال ، تكسح أرضها وتحفرها وتجرى فيها العيون ، فإننا إلى ذلك محتاجون.أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا خلال تلك النخيل والأعناب تفجيراً،أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ، فإنك قلت: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ . فلعلنا نقول ذلك .ثم قال: أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ، تأتي به وبهم وهم لنا مقابلون. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ ،تعطينا منه وتغنينا به
< صفحة > 57 < / صفحة >
فلعلنا نطغى ، وإنك قلت لنا: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى.أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى .
ثم قال: أو ترقى في السماء أي تصعد في السماء . وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ: من الله العزيز الحكيم إلى عبد الله بن أبي أمية المخزومي ومن معه بأن آمنوا بمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب فإنه رسولي وصدقوه في مقالة أنه من عندي ، ثم لا أدري يا محمد إذا فعلت هذا كله أؤمن بك أو لا أؤمن بك ، بل لو رفعتنا إلى السماء وفتحت أبوابها وأدخلتناها لقلنا إنما سكرت أبصارنا وسحرتنا . (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عبد الله أبقي شئ من كلامك ؟
قال: يا محمد أوليس فيما أوردته عليك كفاية وبلاغ ، ما بقي شئ فقل ما بدا لك وأفصح عن نفسك ، إن كان لك حجة وأتنا بما سألناك به .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : اللهم أنت السامع لكل صوت ، والعالم بكل شئ تعلم ما قاله عبادك ، فأنزل الله عليه: يا محمد وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا . أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا .
ثم قال الله تعالى: أُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا .
ثم قال: يا محمد: تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا .
وأنزل عليه: يا محمد: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلّ ِشَيْئ وَكِيلٌ .
وأنزل الله عليه: يا محمد: قَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمر ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ . وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ .
< صفحة > 58 < / صفحة >
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عبد الله أما ذكرت من أني آكل الطعام كما تأكلون وزعمت أنه لا يجوز لأجل هذا أن أكون لله رسولاً فإنما الأمر لله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وهو محمود . وليس لك ولا لأحد الإعتراض عليه بلم وكيف، ألا ترى أن الله كيف أفقر بعضاً وأغنى بعضاً وأعز بعضاً وأذل بعضاً ، وأصح بعضاً وأسقم بعضاً ، وشرف بعضاً ووضع بعضاً. وكلهم ممن يأكل الطعام . ثم ليس للفقراء أن يقولوا: لم أفقرتنا وأغنيتهم، ولا للوضعاء أن يقولوا: لم وضعتنا وشرفتهم. ولا للزمنى والضعفاء أن يقولوا: لم أزمنتنا وأضعفتنا وصححتهم . ولا للأذلاء أن يقولوا: لم أذللتنا وأعززتهم ولا لقباح الصور أن يقولوا: لم قبحتنا وجملتهم . بل إن قالوا ذلك كانوا على ربهم رادين، وله في أحكامه منازعين ، وبه كافرين ، ولكان جوابه لهم: أنا الملك الخافض الرافع ، المغني المفقر ، المعز المذل ، المصحح المسقم ، وأنتم العبيد ، ليس لكم إلا التسليم لي ، والإنقياد لحكمي، فإن سلمتم كنتم عباداً مؤمنين ، وإن أبيتم كنتم بي كافرين ، وبعقوباتي من الهالكين .
ثم أنزل الله عليه: يا محمد: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ . يعني آكل الطعام. يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ . يعني قل لهم أنا في البشرية مثلكم ولكن ربي خصني بالنبوة دونكم كما يخص بعض البشر بالغنى والصحة والجمال دون بعض من البشر ، فلا تنكروا أن يخصني أيضاً بالنبوة دونكم .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : وأما قولك: هذا ملك الروم وملك الفرس لا يبعثان رسولاً إلا كثير المال عظيم الحال ،له قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدام ، ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم فهم عبيده ، فإن الله له التدبير والحكم لا يفعل على ظنك وحسبانك ، ولا باقتراحك ، بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وهو محمود .
< صفحة > 59 < / صفحة >
يا عبد الله إنما بعث الله نبيه ليعلم الناس دينهم ، ويدعوهم إلى ربهم ، ويكد نفسه في ذلك آناء الليل ونهاره . فلو كان صاحب قصور يحتجب فيها وعبيد وخدم يسترونه عن الناس أليس كانت الرسالة تضيع والأمور تتباطأ ، أوَما ترى الملوك إذا احتجوا كيف يجري الفساد والقبائح من حيث لا يعلمون به ولا يشعرون .
يا عبد الله إنما بعثني الله ولا مال لي ، ليعرفكم قدرته وقوته ، وأنه هو الناصر لرسوله ولا تقدرون على قتله ولا منعه في تبليغ رسالاته ، فهذا بين في قدرته وفي عجزكم وسوف يظفرني الله بكم فأسعكم قتلاً وأسراً ، ثم يظفرني الله ببلادكم ويستولي عليها المؤمنون من دونكم ودون من يوافقكم على دينكم . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : وأما قولك لي:لو كنت نبياً لكان معك ملك صدقك ونشاهده ، بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبياً لكان إنما يبعث ملكاً بشراً مثلنا، فالملك لا تشاهده حواسكم لأنه من جنس هذا الهواء لاعيان منه ، ولو شاهدتموه بأن يزاد في قوى أبصاركم لقلتم ليس هذا ملكاً بل هذا بشر، لأنه إنما كان يظهر لكم على صورة البشر الذي ألفتموه لتفهموا عنه مقالته وتعرفوا خطابه ومراده ، فكيف كنتم تعلمون صدق الملك وأن ما يقوله حق بل إنما بعث الله بشراً وأظهر على يده المعجزات التي ليست في طبائع البشر الذين قد علمتم ضمائر قلوبهم ، فتعلمون بعجزكم عما جاء به أنه معجزة وأن ذلك شهادة من الله بالصدق له ، ولو ظهر لكم ملك وظهر على يده ما تعجزون عنه ويعجز عنه جميع البشر، لم يكن في ذلك ما يدلكم أن ذلك ليس في طبائع سائر أجناسه من الملائكة حتى يصير ذلك معجزاً.
ألا ترون أن الطيور التي تطير ليس ذلك منها بمعجز لأن لها أجناساً يقع منها مثل طيرانها ، ولو أن آدمياً طار كطيرانها كان ذلك معجزاً ، فإن الله عز وجل سهل عليكم
< صفحة > 60 < / صفحة >
الأمر وجعله بحيث تقوم عليكم حجته ، وأنتم تقترحون عمل الصعب الذي لا حجة فيه .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : وأما قولك: ما أنت إلا رجل مسحور ، فكيف أكون كذلك وقد تعلمون أني في صحة التميز والعقل فوقكم ، فهل جربتم علي منذ نشأت إلى أن استكملت أربعين سنة خزية أو زلة أو كذبة أو خيانة أو خطأ من القول أو سفهاً من الرأي ، أتظنون أن رجلاً يعتصم طول هذه المدة بحول نفسه وقوتها أو بحول الله وقوته، وذلك ما قال الله: أُنْظُرْكَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا . إلى أن يثبتوا عليك عمىً بحجة أكثر من دعاويهم الباطلة التي تبين عليك تحصيل بطلانها .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : وأما قولك: لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ: الوليد بن المغيرة بمكة أو عروة بن مسعود الثقفي بالطائف فإن الله ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه أنت ولا خطر له عنده كما له عندك ، بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة لما سقى كافراً به مخالفاً له شربة ماء ، وليس قسمة الله إليك ، بل الله هو القاسم للرحمات ، والفاعل لما يشاء في عبيده وإمائه ، وليس هو عز وجل ممن يخاف أحداً كما تخافه أنت لما له وحاله فعرفته بالنبوة لذلك ، ولا ممن يطمع في أحد في ماله أو في حاله كما تطمع أنت فتخصه بالنبوة لذلك ، ولا ممن يحب أحداً محبة الهوى كما تحب أنت ، فتقدم من لا يستحق التقديم . وإنما معاملته بالعدل ، فلا يؤثر إلا بالعدل لأفضل مراتب الدين وجلاله إلا الأفضل في طاعته والأجد في خدمته ، وكذلك لا يؤخر في مراتب الدين وجلاله إلا أشدهم تباطأ عن طاعته ، وإذا كان هذا صفته لم ينظر إلى مال ولا إلى حال ، بل هذا المال والحال من تفضله ، وليس لأحد من عباده عليه ضربة لازب ، فلا يقال له إذا تفضلت بالمال على عبد فلا بد أن تتفضل عليه بالنبوة أيضاً ،لأنه ليس لأحد
< صفحة > 61 < / صفحة >
إكراهه على خلاف مراده ، ولا إلزامه تفضلاً لأنه تفضل قبله بنعمه .
ألا ترى يا عبد الله كيف أغنى واحداً وقبح صورته ، وكيف حسن صورة واحد وأفقره، وكيف شرف واحداً وأفقره ، وكيف أغنى واحداً ووضعه . ثم ليس لهذا الغني أن يقول: هلا أضيف إلى يساري جمال فلان. ولا للجميل أن يقول: هلا أضيف إلى جمالي مال فلان.ولا للشريف أن يقول: هلا أضيف إلى شرفي مال فلان . ولا للوضيع أن يقول: هلا أضيف إلى ضعتي شرف فلان ؟ولكن الحكم لله يقسم كيف يشاء ويفعل كما يشاء ، وهو حكيم في أفعاله محمود في أعماله ، وذلك قوله تعالى: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم . قال الله تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ يا محمد. نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، فأحوجنا بعضاً إلى بعض ، أحوج هذا إلى مال ذلك ، وأحوج ذلك إلى سلعة هذا وإلى خدمته . فترى أجل الملوك وأغنى الأغنياء محتاجاً إلى أفقر الفقراء في ضرب من الضروب: إما سلعة معه ليست معه ، وإما خدمة يصلح لها لا يتهيأ لذلك الملك أن يستغني إلا به وإما باب من العلوم والحكم هو فقير إلى أن يستفيدها من هذا الفقير ، فهذا الفقير يحتاج إلى مال ذلك الملك الغني ، وذلك الملك يحتاج إلى علم هذا الفقير أو رأيه أو معرفته .
ثم ليس للملك أن يقول هلا اجتمع إلى مالي علم هذا الفقير، ولا للفقير أن يقول: هلا اجتمع على رأيي وعلمي وما أتصرف فيه من فنون الحكمة مال هذا الملك الغني. ثم قال الله: وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا . ثم قال: يا محمد قل لهم: وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ .أي ما يجمعه هؤلاء من أموال الدنيا .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : وأما قولك: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا.. إلى آخر ما قلته ، فإنك قد اقترحت على محمد رسول الله أشياء منها ما لو جاءك به لم يكن
< صفحة > 62 < / صفحة >
برهاناً لنبوته ورسول الله صلى الله عليه وآله يرتفع عن أن يغتنم جهل الجاهلين ويحتج عليهم بما لا حجة فيه ، ومنها ما لو جاءك به كان معه هلاكك ، وإنما يؤتى بالحجج والبراهين ليلزم عباد الله الإيمان بها لا ليهلكوا بها ، فإنما اقترحت هلاكك ورب العالمين أرحم بعباده وأعلم بمصالحهم من أن يهلكهم كما تقترحون، ومنها المحال الذي لا يصح ولا يجوز كونه ورسول رب العالمين يعرفك ذلك ويقطع معاذيرك ، ويضيق عليك سبيل مخالفته، ويلجؤك بحجج الله إلى تصديقه حتى لا يكون لك عنه محيد ولا محيص . ومنها ما قد اعترفت على نفسك أنك فيه معاند متمرد ، لا تقبل حجة ولا تصغي إلى برهان ، ومن كان كذلك فدواؤه عذاب الله النازل من سمائه أو في جحيمه ، أو بسيوف أوليائه .
فأما قولك يا عبد الله: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا بمكة هذه فإنها ذات أحجار وصخور وجبال تكسح أرضها وتحفرها وتجري فيها العيون فإننا إلى ذلك محتاجون . فإنك سألت هذا وأنت جاهل بدلائل الله . يا عبد الله ، أرأيت لو فعلت هذا أكنت من أجل هذا نبياً؟ قال: لا.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أرأيت الطائف التي لك فيها بساتين أما كان هناك مواضع فاسدة صعبة أصلحتها وذللتها وكسحتها وأجريت فيها عيوناً استنبطتها ؟ قال: بلى . قال: وهل لك في هذا نظراء؟ قال: بلى. قال: فصرت أنت وهم بذلك أنبياء ؟ قال: لا . قال: فكذلك لايصير هذا حجة لمحمد لو فعله على نبوته ، فما هو إلا كقولك: لن نؤمن لك حتى تقوم وتمشي على الأرض كما يمشي الناس ، أو حتى تأكل الطعام كما يأكل الناس .
وأما قولك يا عبد الله: أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا. أوليس لك ولأصحابك جنات من نخيل وعنب بالطائف تأكلون وتطعمون منها وتفجرون الأنهار خلالها تفجيراً ، أفصرتم أنبياء بهذا ؟ قال: لا. قال: فما بال اقتراحكم على رسول
< صفحة > 63 < / صفحة >
الله صلى الله عليه وآله أشياء لو كانت كما تقترحون لما دلت على صدقه ، بل لو تعاطاها لدل تعاطيها على كذبه لأنه يحتج بما لا حجة فيه ، ويختدع الضعفاء عن عقولهم وأديانهم ، ورسول رب العالمين يجل ويرتفع عن هذا .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عبد الله وأما قولك: أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا، فإنك قلت: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ . فإن في سقوط السماء عليكم هلاككم وموتكم ، فإنما تريد بهذا من رسول الله أن يهلكك ورسول رب العالمين أرحم من ذلك ، لايهلكك ولكنه يقيم عليك حجج الله ، وليس حجج الله لنبيه وحده على حسب اقتراح عباده ، لأن العباد جهال بما يجوز من الصلاح وما لا يجوز منه من الفساد، وقد يختلف اقتراحهم ويتضاد حتى يستحيل وقوعه ، والله عز وجل طبيبكم لا يجري تدبيره على ما يلزم به المحال .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : وهل رأيت يا عبد الله طبيباً كان دواؤه للمرضى على حسب اقتراحهم ، وإنما يفعل به ما يعلم صلاحه فيه، أحبه العليل أو كرهه ، فأنتم المرضى والله طبيبكم ، فإن انقدتم لدوائه شفاكم ، وإن تمردتم عليه أسقمكم .
وبعد ، فمتى رأيت يا عبد الله مدعي حق من قبل رجل أوجب عليه حاكم من حكامهم فيما مضى بينة على دعواه على حسب اقتراح المدعى عليه !
إذاً ما كان يثبت لأحد على أحد دعوى ولاحق ، ولا كان بين ظالم ومظلوم ولا بين صادق وكاذب فرق .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عبد الله وأما قولك: أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ، يقابلوننا ونعاينهم، فإن هذا من المحال الذي لا خفاء به ، وأن ربنا عز وجل ليس كالمخلوقين يجيئ ويذهب ويتحرك ويقابل شيئاً حتى يؤتى به، فقد سألتم بهذا المحال ، وإنما هذا الذي دعوت إليه
< صفحة > 64 < / صفحة >
صفة أصنامكم الضعيفة المنقوصة التي لاتسمع ولا تبصر ولاتعلم ولاتغني عنكم شيئاً ولاعن أحد.
يا عبد الله أوليس لك ضياع وجنان بالطائف وعقار بمكة وقوام عليها؟ قال: بلى. قال أفتشاهد جميع أحوالها بنفسك أو بسفراء بينك وبين معامليك؟ قال: بسفراء . قال: أرأيت لو قال معاملوك وأكرتك وخدمك لسفرائك لا نصدقكم في هذه السفارة إلا أن تأتونا بعبد الله بن أبي أمية لنشاهده فنسمع ما تقولون عنه شفاهاً ، كنت تسوغهم هذا أو كان يجوز لهم عندك ذلك ؟ قال: لا. قال: فما الذي يجب على سفرائك أليس أن يأتوهم عنك بعلامة صحيحة تدلهم على صدقهم ، يجب عليهم أن يصدقوهم ؟ قال: بلى.قال: يا عبد الله أرأيت سفيرك لو أنه لما سمع منهم هذا عاد إليك وقال لك قم معي فإنهم قد اقترحوا على مجيئك معي أليس يكون هذا لك مخالفاً ،وتقول له إنما أنت رسول لا مشير ولا آمر ؟ قال: بلى .
قال: فكيف صرت تقترح على رسول رب العالمين ما لا تسوغ لأكرتك ومعامليك أن يقترحوه على رسولك إليهم ، وكيف أردت من رسول رب العالمين أن يستذم إلى ربه بأن يأمر عليه وينهى ، وأنت لا تسوغ مثل هذا على رسولك إلى أكرتك وقوامك ، هذه حجة قاطعة لإبطال جميع ما ذكرته في كل ما اقترحته يا عبد الله .
وأما قولك يا عبد الله: أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ ، وهو الذهب. أما بلغك أن لعظيم مصر بيوتاً من زخرف؟ قال: بلى. قال: أفصار بذلك نبياً؟ قال: لا. قال: فكذلك لايوجب لمحمد صلى الله عليه وآله نبوة لو كان له بيوت ، ومحمد لا يغتنم جهلك بحجج الله .
وأما قولك يا عبد الله: أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ، ثم قلت: وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ. يا عبد الله ، الصعود إلى السماء أصعب من النزول عنها ، وإذا اعترفت على نفسك أنك
< صفحة > 65 < / صفحة >
لا تؤمن إذا صعدت فكذلك حكم النزول ، ثم قلت حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه من بعد ذلك ، ثم لا أدري أؤمن بك أو لا أؤمن بك ،فأنت يا عبد الله مقر بأنك تعاند حجة الله عليك ، فلا دواء لك إلا تأديبه لك على يد أوليائه من البشر ، أو ملائكته الزبانية .
وقد أنزل الله عليَّ حكمة بالغة جامعة لبطلان كل ما اقترحته فقال عز وجل: قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا. ما أبعد ربي عن أن يفعل الأشياء على ما يقترحه الجهال مما يجوز ومما لا يجوز، وهل كنت إلا بشراً رسولاً لا يلزمني إلا إقامة حجة الله التي أعطاني، وليس لي أن آمر على ربي ولا أنهى ولا أشير فأكون كالرسول الذي بعثه ملك إلى قوم من مخالفيه ، فرجع إليه يأمره أن يفعل بهم ما اقترحوه عليه .
فقال أبو جهل: يا محمد هاهنا واحدة: ألست زعمت أن قوم موسى احترقوا بالصاعقة لما سألوه أن يريهم الله جهرة ؟ قال: بلى . قال: فلو كنت نبياً لاحترقنا نحن أيضاً ، فقد سألنا أشد مما سأل قوم موسى ، لأنهم كما زعمت قالوا: فَقَالُوا أَرِنَااللهَ جَهْرَةً ، ونحن نقول: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً، لن نؤمن لك حتى تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ، نعاينهم .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أبا جهل أما علمت قصة إبراهيم الخليل لما رفع في الملكوت وذلك قول ربي: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، قوَّى الله بصره لما رفعه دون السماء حتى أبصر الأرض ومن عليها ظاهرين ومستترين ، فرأى رجلاً وامرأة على فاحشة فدعا عليهما بالهلاك فهلكا ، ثم رأى آخرين فدعا عليهما بالهلاك فهلكا ، ثم رأى آخرين فدعا عليهما بالهلاك فهلكا ، ثم رأى آخرين فهم بالدعاء عليهما فأوحى الله إليه:يا إبراهيم أكفف دعوتك عن عبادي وإمائي فإني أنا الغفور الرحيم الجبار الحليم ،لايضرني ذنوب عبادي كما لا تنفعني طاعتهم ، ولست أسوسهم بشفاء الغيظ كسياستك ، فاكفف دعوتك عن عبادي وإمائي ، فإنما أنت عبد نذير لا شريك في الملك ولا مهيمن علي ولا عبادي ، وعبادي معي بين خلال ثلاث: إما تابوا إلي فتبت
< صفحة > 66 < / صفحة >
عليهم وغفرت ذنوبهم وسترت عيوبهم ، وإما كففت عنهم عذابي لعلمي بأنه سيخرج من أصلابهم ذريات مؤمنون فأرفقُ بالآباء الكافرين ، وأتأنَّى بالأمهات الكافرات ، وأرفع عنهم عذابي ليخرج ذلك المؤمن من أصلابهم ، فإذا تزايلوا حل بهم عذابي وحاق بهم بلائي ، وإن لم يكن هذا ولا هذا فإن الذي أعددته لهم من عذابي أعظم مما تريده بهم ، فإن عذابي لعبادي على حسب جلالي وكبريائي .
يا إبراهيم خلِّ بيني وبين عبادي ، فأنا أرحم بهم منك ، وخل بيني وبين عبادي ، فإني أنا الجبار الحليم العلام الحكيم ، أدبرهم بعلمي وأنفذ فيهم قضائي وقدري .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أبا جهل فانظر إلى السماء ، فنظر فإذا أبوابها مفتحة وإذا النيران نازلة منها مسامتة لرؤوس القوم تدنو منهم ! حتى وجدوا حرها بين أكتافهم ، فارتعدت فرائص أبي جهل والجماعة !
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :لاتَرُوعنَّكم فإن الله لا يهلككم بها وإنما أظهرها عبرة .
ثم نظروا إلى السماء وإذا قد خرج من ظهور الجماعة أنوار قابلتها ورفعتها ودفعتها حتى أعادتها في السماء كما جاءت منها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن بعض هذه الأنوار أنوار من قد علم الله أنه سيسعده بالإيمان بي منكم من بعد وبعضها أنوار ذرية طيبة ستخرج من بعضكم ممن لا يؤمن وهم يؤمنون) .

ملاحظتان

  1. عبد الله بن أبي أمية الذي ناظر النبي صلى الله عليه وآله نيابة عن قريش ، هو أخ أم سلمة ، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب ، وقد جاءتهما الفصاحة والبلاغة من أخوالهما بني عبد المطلب، وكان عبد الله هذا من أشد قريش عداء للنبي صلى الله عليه وآله ، ولما فتح النبي صلى الله عليه وآله مكة جاءه عبد الله معتذراً وتوسطت له أم سلمة: قالت بأبي أنت وأمي يا رسول الله سعد بك جميع الناس إلا أخي من بين قريش رددت إسلامه وقبلت إسلام الناس كلهم .
    فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أم سلمة إن أخاك كذبني تكذيباً لم يكذبني أحد من الناس ،
    < صفحة > 67 < / صفحة >
    هوالذي قال لي: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً الآيات.. قالت أم سلمة بأبي أنت وأمي يا رسول الله ألم تقل الإسلام يجبُّ ما كان قبله ؟قال: نعم ، فقبل رسول الله إسلام أخي أم سلمة ».(القصاص للكاشاني/70).
    وفي تقسيم غنائم حنين أعطاه النبي صلى الله عليه وآله مائة بعير مثل شخصيات قريش المؤلفة قلوبهم. (الإرشاد: 1/145).وقد أثرت أم سلمة على ابنه عبد الله وأرسلته لنصرة أمير المؤمنين عليه السلام . (الإصابة: 4/10). قالت: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: علي مع القرآن والقرآن مع علي لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، ولقد بعثت ابني عمر وابن أخي عبد الله بن أبي أمية وأمرتهما أن يقاتلا مع علي من قاتله؟ ولولا أن رسول الله أمرنا أن نَقُر في حجالنا وفي بيوتنا لخرجت حتى أقف في صف علي). (كشف الغمة: 1/146).
    ولذلك مدح رواة الخلافة الأب وقالوا إن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا له ، وذموا الإبن لأنه قاتل مع علي عليه السلام !
  2. أكمل رواية لهذه المناظرة رواية الإمام الصادق عليه السلام التي أوردناها . وقد روت بقية المصادر أجزاء منها ، مثل سيرة ابن هشام(1/193).

جواب النبي صلى الله عليه وآله على رسالة أبي جهل قبيل معركة بدر

في الإجتجاج(1/40): (رسالة لأبي جهل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله لما هاجر إلى المدينة، والجواب عنها بالرواية عن أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام : وهي أن قال: يا محمد إن الخيوط التي في رأسك هي التي ضيقت عليك مكة ورمت بك إلى يثرب ، وإنها لا تزال بك تنفرك وتحثك على ما يفسدك ويتلفك إلى أن تفسدها على أهلها وتصليهم حر نار جهنم وتعديك طورك ، وما أرى ذلك إلا وسيؤول إلى أن تثور عليك قريش ثورة رجل واحد لقصد آثارك ودفع ضرك وبلائك ، فتلقاهم بسفهائك المغترين بك ويساعدك على ذلك من هو كافر بك مبغض لك ، فيلجئه إلى مساعدتك ومظافرتك خوفه لأن لا يهلك بهلاكك ويعطب عياله بعطبك ويفتقر هو ومن يليه بفقرك وبفقر شيعتك ، إذ يعتقدون
< صفحة > 68 < / صفحة >
أن أعداءك إذا قهروك ودخلوا ديارهم عنوة لم يفرقوا بين من والاك وعاداك ، واصطلموهم باصطلامهم لك وأتوا على عيالاتهم وأموالهم بالسبي والنهب كما يأتون على أموالك وعيالك ، وقد أعذر من أنذر وبالغ من أوضح .
وأَدَّيت هذه الرسالة إلى محمد وهو بظاهر المدينة بحضرة كافة أصحابه وعامة الكفار من يهود بني إسرائيل ، وهكذا أمر أبو جهل رسوله ليجبِّن المؤمنين ويغري بالوثوب عليه سائر من هناك من الكافرين .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للرسول: قد أطريت مقالتك واستكملت رسالتك ؟ قال: بلى. قال: فاسمع الجواب ، إن أبا جهل بالمكاره والعطب يتهددني ورب العالمين بالنصر والظفر يعدني، وخبر الله أصدق والقبول من الله أحق ، لن يضرمحمداً من خذله أو يغضب عليه بعد أن ينصره الله ويتفضل بجوده وكرمه عليه ، قل له: يا أبا جهل إنك واصلتني بما ألقاه في خلدك الشيطان ، وأنا أجيبك بما ألقاه في خاطري الرحمن ، إن الحرب بيننا وبينك كائنة إلى تسع وعشرين يوماً ، وإن الله سيقتلك فيها بأضعف أصحابي ، وستلقى أنت وشيبة وعتبة والوليد وفلان وفلان ، وذكر عدداً من قريش ، في قليب بدر مقتولين أقتل منكم سبعين وآسر منكم سبعين، وأحملهم على الفداء الثقيل.
ثم نادى جماعة من بحضرته من المؤمنين واليهود وسائر الأخلاط: ألا تحبون أن أريكم مصارع هؤلاء المذكورين؟ قالوا: بلى . قال: هلموا إلى بدر فإن هناك الملتقى والمحشر وهناك البلاء الأكبر لأضع قدمي على مواضع مصارعهم ، ثم ستجدونها لا تزيد ولا تنقص ولا تتغير ولا تتقدم ولا تتأخر لحظة ولا قليلاً ولا كثيراً فلم يخف ذلك على أحد منهم ولم يجبه إلا علي بن أبي طالب وحده قال: نعم بسم الله . فقال الباقون: نحن نحتاج إلى مركوب وآلات ونفقات ولا يمكننا الخروج إلى هناك وهو مسيرة أيام . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لسائر اليهود: فأنتم ماذا تقولون ؟ فقالوا: نحن نريد أن نستقر في بيوتنا ولا حاجة لنا في مشاهدة ما أنت في ادعائه محيل !
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا نَصَبَ لكم في المسير إلى هناك أخطوا خطوة واحدة فإن الله يطوي
< صفحة > 69 < / صفحة >
الأرض لكم ويوصلكم في الخطوة الثانية إلى هناك .
قال المسلمون: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله فلنشرف بهذه الآية ، وقال الكافرون والمنافقون: سوف نمتحن هذا الكذاب لينقطع عذر محمد وتصير دعواه حجة عليه وفاضحة له في كذبه .
قال: فخطا القوم خطوة ثم الثانية فإذا هم عند بئر بدر، فتعجبوا فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إجعلوا البئر العلامة واذرعوا من عندها كذا ذراع ، فذرعوا فلما انتهوا إلى آخرها قال: هذا مصرع أبي جهل يجرحه فلان الأنصاري ويجهز عليه عبد الله بن مسعود أضعف أصحابي .
ثم قال: إذرعوا من البئر من جانب آخر ثم من جانب آخر ثم من جانب آخر ، كذا وكذا ذراعاً وذراعاً وذكر أعداد الأذرع مختلفة ، فلما انتهى كل عدد إلى آخره قال رسول الله صلى الله عليه وآله : هذا مصرع عتبة ، وهذا مصرع شيبة ، وذاك مصرع الوليد ، وسيقتل فلان وفلان إلى أن سمى سبعين منهم بأسمائهم ، وسيؤسر فلان وفلان إلى أن ذكر سبعين منهم بأسمائهم وصفاتهم ونسب المنسوبين إلى أمهاتهم وآبائهم ، ونسب الموالي منهم إلى مواليهم .
ثم قال صلى الله عليه وآله : أوَقفتم على ما أخبرتكم به ؟ قالوا: بلى . قال: إن ذلك لحق كائن بعد ثمانية وعشرين يوماً في اليوم التاسع والعشرين وعداً من الله مفعولاً وقضاءً حتماً لازماً .. تمام الخبر .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا معشر المسلمين واليهود أكتبوا بما سمعتم . فقالوا: يا رسول الله قد سمعنا ووعينا ولا ننسى . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : الكتابة أذكر لكم . فقالوا: يا رسول الله فأين الدواة والكتف ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ذلك للملائكة . ثم قال: يا ملائكة ربي أكتبوا ما سمعتم من هذه القصة في الكتاب واجعلوا في كم كل واحد منهم كتفاً من ذلك .
ثم قال: يا معشر المسلمين تأملوا أكمامكم وما فيها وأخرجوها واقرأوها ، فتأملوها وإذا
< صفحة > 70 < / صفحة >
في كم كل واحد منهم صحيفة قرأوها وإذا فيها ذكر ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك سواء لا يزيد ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر .
فقال: أغيضوها في أكمامكم تكن حجة عليكم وشرفاً للمؤمنين منكم وحجة على أعدائكم فكانت معهم ، فلما كان يوم بدر جرت الأمور كلها ببدر كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لا يزيد ولا ينقص ، قابلوها في كتبهم فوجدوها كما كتبها الملائكة لا تزيد ولا تنقص ولا تتقدم ولا تتأخر ، فقبل المسلمون ظاهرهم ووكلوا باطنهم إلى خالقهم ) .

آيات في الرد على أصناف من المشركين

(قال الصادق عليه السلام : قال أمير المؤمنين عليه السلام : أنزل الله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ . وكان في هذه الآية رد على ثلاثة أصناف منهم لما قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فكان ردا على الدهرية الذين قالوا: إن الأشياء لا بَدْوَ لها وهي دائمة . ثم قال: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ، فكان رداً على الثنوية الذين قالوا إن النور والظلمة هما مدبران . ثم قال: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. فكان رداً على مشركي العرب الذين قالوا: إن أوثاننا آلهة . ثم أنزل الله: قُلْ هُوَ الله أحَد . إلى آخرها ، فكان رداً على من ادعى من دون الله ضداً أو نداً .
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه: قولوا: إيَّاكَ نَعْبُد ، أي نعبد واحداً لا نقول كما قالت الدهرية إن الأشياء لا بدو لها وهي دائمة ، ولا كما قالت الثنوية إن النور والظلمة هما المدبران ، ولا كما قال مشركو العرب إن أوثاننا
آلهة ! فلا نشرك بك شيئاً، ولا ندعو من دونك إلهاً كما يقول هؤلاء الكفار ولا نقول كما قالت اليهود والنصارى إن لك ولداً تعاليت عن ذلك .
قال: فذلك قوله: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ، وقالت طائفة غيرهم من هؤلاء الكفار ما قالوا ، قال الله تعالى يا محمد: تِلْكَ أمانيُّهُم التي يُمنونها بلا حجة: قُل
< صفحة > 71 < / صفحة >
هاتُوا بُرْهَانَكم وحجتكم على دعواكم إن كنتم صادقين . كما أتى محمد ببراهينه التي سمعتموها.
ثم قال: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ تعالى يعني كما فعل هؤلاء الذين آمنوا برسول الله لما سمعوا براهينه وحجته: وَهُوَ مُحْسِنٌ وهو محسن في علمه: فَلَهُ أَجْرُهُ فله أجره وثوابه: عِنْدَ رَبِّهِ يوم فصل القضاء . وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ حين يخاف الكافرون مما يشاهدون من العقاب. وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عند الموت لأن البشارة بالجنات تأتيهم). (الإحتجاج: 1/16).
< صفحة > 72 < / صفحة >
< صفحة > 73 < / صفحة >

الفصل الثاني والسبعون : الإسلام دين التفاؤل وتحسين الأسماء

أمر النبي صلى الله عليه وآله بتسمية الأبناء والبنات بأسماء حسنة

( قال علي عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن أول ما يَنْحَل به أحدكم ولده الإسم الحسن ، فليحسن أحدكم إسم ولده ). (النوادر/96). ونحله: أعطاه وحباه.

الميزان النبوي في التسمية

في تفسير القرطبي (14/165): «وكان اسم جحش بن رئاب بُرَّة بضم الباء ، فقالت زينب لرسول الله صلى الله عليه وآله : يا رسول الله غَيِّرْ اسم أبي فإن البُرة صغيرة ! (والبُرَّة: حلقة توضع في أنف البعير ويربط بها الحبل أو الخيط(لسان العرب(11/174) فقيل إن رسول الله قال لها: لو كان أبوك مسلماً لسميته باسم من أسمائنا أهل البيت ، ولكني قد سميته جحشاً والجحش أكبر من البرة ! ذكر الحديث مسنداً في كتاب المؤتلف والمختلف أبو الحسن الدارقطني» . ورواه القرطبي في أحكام القرآن/3534 ، والروض الأنف: 2/292، والسيرة الحلبية: 2/483 .
ففي اختيار النبي صلى الله عليه وآله للإسم دلالة على شخصية المسمى، ودلالة أيضاً بالعلم النبوي على
< صفحة > 74 < / صفحة >
مستقبل المسمى وعاقبته ، خيراً أو شراً .
وقد يريد بالتسمية تخليد أذى قريش وعداءها للإسلام كتسمية مسلم نجا من قريش: ناجية . (الإكمال: 2/388).

أسماء أهل البيت عليهم السلام نزلت من الله تعالى !

أما إسم النبي صلى الله عليه وآله فألهمه الله لأبويه ولجده عبد المطلب ، فسموه محمداً .
وأما إسم علي عليه السلام فألهمه الله لرسوله صلى الله عليه وآله ولأبويه عليهم السلام .
وأما إسم فاطمة فأوحاه الله الى أبيها صلى الله عليه وآله .
كما أن إسم الحسن والحسين أو حى به الله تعالى الى رسوله صلى الله عليه وآله .
قال الإمام زين العابدين عليه السلام (أمالي الطوسي/167): (حدثتني أسماء بنت عميس الخثعمية قالت: قَبِلْتُ (كنت قابلة) جدتك فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله بالحسن والحسين عليهما السلام فلما ولد الحسن جاء النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا أسماء هاتي ابني ، قالت: فدفعته إليه في خرقة صفراء، فرمى بها وقال: ألم أعهد إليكن ألا تلفوا المولود في خرقة صفراء؟ ودعا بخرقة بيضاء فلفه فيها ، ثم أذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى ، وقال لعلي عليه السلام : بمَ سميت ابنك هذا ؟ قال: ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله . قال: وأنا ما كنت لأسبق ربي عز وجل. قال: فهبط جبرئيل فقال: إن الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول لك: يا محمد علي منك بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدك ، فسم ابنك باسم ابن هارون . قال النبي صلى الله عليه وآله يا جبرئيل وما اسم ابن هارون ؟ قال جبرئيل: شبر قال: وما شبر؟ قال: الحسن. قالت أسماء: فسماه الحسن .
قالت أسماء: فلما ولدت فاطمة الحسين نفستها به فجاءني النبي صلى الله عليه وآله فقال: هلمي ابني يا أسماء ؟ فدفعته إليه في خرقة بيضاء ، ففعل به كما فعل بالحسن قالت: وبكى رسول
< صفحة > 75 < / صفحة >
الله صلى الله عليه وآله ثم قال: إنه سيكون لك حديث ، اللهم العن قاتله ، لا تعلمي فاطمة بذلك. قالت: فلما كان يوم سابعه جاءني النبي صلى الله عليه وآله : هلمي ابني فأتيته به ، ففعل به كما فعل بالحسن وعقَّ عنه كما عق عن الحسن كبشاً أملح ، وأعطى القابلة رجلاً ، وحلق رأسه، وتصدق بوزن الشعر ورقاً (فضة) وخلَّق رأسه بالخلوق ، وقال: إن الدم من فعل الجاهلية . قالت: ثم وضعه في حجره ، ثم قال: يا أبا عبد الله ، عزيز عليَّ ، ثم بكى! فقلت: بأبي أنت وأمي فعلت في هذا اليوم وفي اليوم الأول ، فما هو؟ فقال: أبكي على ابني هذا ، تقتله فئة باغية كافرة من بني أمية ، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة ، يقتله رجل يثلم الدين ويكفر بالله العظيم ، ثم قال: اللهم إني أسألك فيهما ما سألك إبراهيم في ذريته ، اللهم أحبهما وأحب من يحبهما ، والعن من يبغضهما ملء السماء والأرض ) .
وفي أمالي الصدوق/198: (أنه لما ولد الحسين عليه السلام هبط جبرئيل فهنأه من الله تبارك وتعالى، ثم قال: إن علياً منك بمنزلة هارون من موسى ، فسمه باسم ابن هارون . قال: وما اسمه؟ قال: شبير. قال: لساني عربي . قال: سمه الحسين ، فسماه الحسين ) .
وفي علل الشرائع ( 1/229 ): (كان الزهري إذا حدث عن علي بن الحسين قال: حدثني زين العابدين علي بن الحسين ، فقال له سفيان بن عيينة: ولمَ تقول له زين العابدين ؟ قال: لأني سمعت سعيد بن المسيب يحدث عن ابن عباس أن رسول الله قال: إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين زين العابدين فكأني أنظر إلى ولدي علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يخطرُ بين الصفوف ) .
وفي تاريخ اليعقوبي(2/320): ( وكان يسمى أبا جعفر الباقر لأنه بقر العلم . قال جابر بن عبد الله الأنصاري: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله : إنك ستبقى حتى ترى رجلاً من ولدي أشبه الناس بي اسمه على اسمي ، إذا رأيته لم يخف عليك ، فاقرئه مني السلام ! فلما كبرت سنُّ جابر وخاف الموت جعل يقول: يا باقر يا باقر أين أنت ؟ حتى رآه فوقع عليه يقبل
< صفحة > 76 < / صفحة >
يديه ورجليه ، وهو يقول: بأبي وأمي ، شبيه أبيه رسول الله ! إن أباك يقرؤك السلام ) .
وفي عقد الدرر للسلمي(1/80): (عن علي بن الحسين عن أبيه أن رسول الله (ص) لفاطمة عليها السلام : المهدي من ولدك ).
في معجم البلدان(5/430): (يثرب مدينة رسول الله (ص) سميت بذلك لأن أول من سكنها عند التفرق يثرب بن قانية ، بن مهلائيل ، بن إرم ، بن عبيل، بن عوض ، بن إرم، بن سام بن نوح عليه السلام ، فلما نزلها رسول الله(ص)سماها طيبة وطابة كراهية للتثريب).
أقول: ولما خالف الأنصار معاوية سماها معاوية ويزيد وبنو أمية: الخبيثة والنتنة ! (راجع: مروج الذهب: 3/78، ودلائل البيهقي: 6/475) .

من الأسماء التي غيرها النبي صلى الله عليه وآله

ابن سلام كان إسمه الحصين وسماه رسول الله صلى الله عليه وآله عبد الله.(البدء والتاريخ: 5/118).
كثير بن الصلت بن معد يكرب الكندي كان إسمه قليل ، فسماه النبي صلى الله عليه وآله كثيراً . (عمدة القاري: 25/56).
إبراهيم بن صالح ، كان اسمه نعيم بن النحام ، وسماه رسول الله (ص) صالحاً. (الآحاد والمثاني: 2/66)
طيّب بن البراء ، أخو أبى هند الداريّ لأمه ، قدم على النبي(ص)منصرفه من تبوك ، وكان أحد الوفد الداريين فأسلم ، وسمّاه رسول (ص) عبد الله . (الإستيعاب: 2/777).
كان اسمه عبيد ، وفي بدر أسر أربعة وقرنهم فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله لقد أعانك عليهم ملك كريم ، وسماه مقرناً . (الإستيعاب: 3/1015).
< صفحة > 77 < / صفحة >
زيد الخيل وفد على النبي صلى الله عليه وآله في وفد طيئ ، فأعجبه وقال له: ما ذكر لي رجل من العرب إلا رأيته دون ما ذكر لي ، إلا ما كان من زيد ، فإنه لم يبلغ كل ما فيه وسماه زيد الخير ). (ابن سعد: 1/321).
عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان أحد بني ضبيعة ، تنصر في زمن النبي صلى الله عليه وآله وذهب الى قيصر فأمده وتسمى أبا عامر الراهب ، وجمع من يعادي النبي صلى الله عليه وآله فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله : أبا عامر الفاسق .(الدرر/147).
جعيل بن سراقة ، سماه رسول الله صلى الله عليه وآله عَمْراً . (ابن سعد: 4/246).
كان اسمه أسود فسماه النبي صلى الله عليه وآله : أبيض . (عون المعبود: 8/219).
أصرم رجل من بني شقرة ، سماه رسول الله صلى الله عليه وآله : زرعة. (ابن سعد: 9/77).
ذكوان بن كعب بن جندب الأسلمي ،كان اسمه ذكوان فغيره رسول الله ، وسماه: ناجية، إذ نجا من قريش .(غاية المقال للكنوي/97)
(نبيشة بن عمرو بن سلمة الهذلي: بالنون المضمومة ، والباء الموحدة ، وياء التصغير ، سماه رسول الله صلى الله عليه وآله : نبيشة الخير . ( المفهم: 9/143).
يزيد بن قيس بن الخطيم خرج يوم أحد فأصابته اثنتا عشرة جراحة وسماه رسول الله حاسراً ، وجعل يقول يا حاسر أقبل يا حاسر أدبر وهو يضرب بسيفه بين يديه ، وشهد بعدها المشاهد (تاريخ دمشق: 11/137).
< صفحة > 78 < / صفحة >
العاص بن الأسود بن حارثة بن نضلة بن عبد العزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج ، كان اسمه العاص ، فسماه النبي مطيعاً .(البلاذري: 3/453).
عزيز والد خيثمة ، سماه النبي صلى الله عليه وآله عبد الرحمن .(الإستيعاب: 4/1579).
الطيب بن ذر الجذيمي سماه رسول الله صلى الله عليه وآله عبد الله ، وعزيز بن مالك بن
سواد بن جذيمة ، سماه عبد الرحمن .
كان اسمه عبد عمرو فسماه النبي صلى الله عليه وآله عبد الرحمن (تاريخ دمشق: 65/125).
كان اسم زوجته جويرية بنت الحارث برة ، فحول النبي(ص) إسمها ، فسماها جويرية ، كره أن يقول خرج من عند برة . (فتح الباري: 10/475)

سمى النبي صلى الله عليه وآله عام وفاة أبي طالب وخديجة عليهما السلام : عام الحزن

في عمدة القاري (8/180) ومناقب آل أبي طالب(1/150): فكان النبي صلى الله عليه وآله يسمي ذلك العام عام الحزن. وفي شرح الأخبار «3/17»: «وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما اغتممت بغم أيام حياة أبي طالب وخديجة ، لمِا كان أبو طالب يدفعه عنه ، وخديجة تعزيه وتصبره وتهون عليه ما يلقاه في ذات الله عز وجل ».
وفي الكافي «1/440»: «فلما فقدهما رسول الله صلى الله عليه وآله شنئ المقام بمكة ، ودخله حزن شديد، وشكا ذلك إلى جبرئيل عليه السلام فأوحى الله تعالى إليه: أخرج من القرية الظالم أهلها ، فليس لك بمكة ناصر بعد أبي طالب ، وأمره بالهجرة ».
وفي أمالي الطوسي/463: «كان الله عز وجل يمنع نبيه صلى الله عليه وآله بعمه أبي طالب ، فما كان يخلص إليه من قومه أمر يسوؤه مدة حياته ، فلما مات أبو طالب نالت قريش من رسول
< صفحة > 79 < / صفحة >
الله صلى الله عليه وآله بغيتها وأصابته بعظيم من الأذى حتى تركته لِقىً! فقال صلى الله عليه وآله :لأسرع ما وجدنا فقدك يا عم وصلتك رحم،فجزيت خيراً ياعم. ثم ماتت خديجة بعد أبي طالب بشهر فاجتمع بذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله حزنان حتى عرف ذلك فيه . قال هند: ثم انطلق ذووا الطول والشرف من قريش إلى دار الندوة ، ليأتمروا في رسول الله صلى الله عليه وآله وأسروا ذلك بينهم..الخ.).

سمى النبي صلى الله عليه وآله مشركي قريش الطلقاء ولم يعتقهم !

فتح النبي صلى الله عليه وآله مكة وأخضعهم وكان له الحق أن يقتلهم أو يتخذهم عبيداً أو يطلب منهم الفداء . كما قال تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً .
فكان من حقه صلى الله عليه وآله أن يقتل القرشيين أو يسترقهم أو يمن عليهم ويطلقهم ، وقد من عليهم نصف منة فأطلقهم ولم يعتقهم، وأما ثقيف فقد أعتقهم ، لكنه أخرج قريشاً وثقيفاً من أمته كلياً فقال صلى الله عليه وآله : « المهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لبعض، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض ، إلى يوم القيامة». روته مصادر السنيين بأسانيد فيها الصحيح على شرط الشيخين ، كأحمد (4/363) ، بروايتين ، ومجمع الزوائد (10/15).
فصارت أمة النبي صلى الله عليه وآله تتكون من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم ، وأخرج منها النبي صلى الله عليه وآله طلقاء قريش وعتقاء ثقيف وذرياتهم إلى يوم القيامة !
وعليه ، فإن النبي صلى الله عليه وآله استرقَّ ثقيفاً وقريشاً ، ثم أعتق ثقيفاً فكان ولاؤهم له ولآله عليهم السلام بينما أبقى قريشاً وأهل مكة بين الإسترقاق والعتق ! وهو حكم خاص بهم كمن يقول لعبيده: إذهبوا فعلاً ، فيبقون في ملكه هم وذراريهم .
وقد أفتى عمر بأن الحكم محرم على الطلقاء ، ولم يدخل العباس في الشورى لأنه من الطلقاء . قال عمر كما في الطبقات(3/342): «هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد ،
< صفحة > 80 < / صفحة >
ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد وفي كذا وكذا ، وليس فيها لطليق ، ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شئ » .

سماهم رسول الله صلى الله عليه وآله : العصاة !

قال الباقر عليه السلام : سافر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ذي خشب وهي مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان أربعة وعشرون ميلاً ، فقصر وأفطر، فصارت سنة، وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وآله قوماً صاموا حين أفطر العصاة . قال فهم العصاة إلى يوم القيامة ، وإنا لنعرف أبناءهم إلى يومنا . (زبدة البيان/120).

سمى طيوراً وحشرات وحيوانات مؤذية: الفواسق

روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: خمس فواسق يُقتلن حتى في الحل والحرم: الغراب ، والحدأة ، والعقرب ، والفأرة ، والكلب العقور. (تذكرة الفقهاء: 7/278).

النبي صلى الله عليه وآله دائماً مع التفاؤل وضد التشاؤم

نهى النبي صلى الله عليه وآله عن التطير والتشاؤم

في جواهر الكلام(33/193): (وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : كفارة الطيرة التوكل. وقال الصادق عليه السلام : الطيرة على ما تجعلها ، إن هونتها تهونت وإن شددتها تشددت ، وإن لم تجعلها شيئاً لم تكن شيئاً ).
وروى الحاكم (1/18) وصححه: (عن النبي (ص) قال: الطيرة من الشرك ، وما منا إلا [تطير] ولكن الله يذهبه بالتوكل ).
< صفحة > 81 < / صفحة >
وفي الروض الأنف(5/304): (والطيرة تكون في المحبوب والمكروه . وفي الحديث أنه نهى عن الطيرة وقال: خيرها الفأل ، فدل على أنها تكون على وجوه والفأل خيرها . ولفظها يعطي أنها تكون في الخير والشر لأنها من الطير تقول العرب: جرى له الطائر بخير وجرى له بشر . وفي التنزيل: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ).
وتشاؤم العرب بالمرأة ورد ذلك أهل البيت عليهم السلام
قال الله تعالى: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ .
وفي صحيح البخاري(7/26): (عن ابن عمر أن رسول الله (ص)قال: لا عدوى ولا طيرة. والشؤم في ثلاث ، في المرأة ، والدار ، والدابة).
وقد رد أهل البيت مقولة أن الشؤم في المرأة وقالوا إن النبي صلى الله عليه وآله قال: (يا علي إن كان الشؤم في شئ ، ففي لسان المرأة . (من لا يحضره الفقيه: 4/364).
وردت عائشة هذه المقولة أيضاً ، فقالت (الحاكم: 2/479): (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول كان أهل الجاهلية يقولون إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار. ثم قرأت: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ).

يتفاءل بالإسم الحسن ويأمر بتغييرالتسميات غير الحسنة

في هداية الأمة(5/91): في استحباب ترك التطيّر والخروج يوم الأربعاء ونحوه خلافاً على أهل الطَّيَرة ، وتوكَّلا على الله ، والدعاء بدفعها ).
وفي مستدرك سفينة البحار(6/619): (ويكره الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء ، وهي التشأم، واشتقاق التطير من الطير ، لأن أصل الزجر في العرب كان من الطير كصوت الغراب، فألحق به غيره .
< صفحة > 82 < / صفحة >
قال الدميري: إنما أحب النبي صلى الله عليه وآله الفال لأن الإنسان إذا أمل فضل الله كان على خير ، وإن قطع رجاءه من الله كان على شر، والطيرة فيها سوء ظن وتوقع للبلاء ، وقالوا: يا رسول الله لا يسلم أحد منا من الطيرة والحسد والظن فما نصنع ؟ قال: إذا تطيرت فامض ، وإذا حسدت فلا تبغ ، وإذا ظننت فلا تتحقق ).
وقال ابن عبد البر في التمهيد (24/72): ( أن رسول الله (ص) قال: خير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن وحارث وهمام . حارث يحرث لدنياه ، وهمام يهم بالخير .وشر الأسماء حرب ، ومرة . وكان يعجبه الإسم الحسن والفأل الحسن وكان يكره الإسم القبيح لأنه كان يتفاءل بالحسن من الأسماء ..
عن يعيش الغفاري قال دعا النبي (ص) يوماً بناقة فقال من يحلبها فقام رجل فقال: ما اسمك قال: مرة ، قال أقعد ، ثم قام آخر فقال ما اسمك؟ قال: جمرة . قال: أقعد . ثم قام رجل فقال ما اسمك؟ قال: يعيش ، قال إحلبها .
عن بكر بن عبد الله المزني أن رسول الله (ص) كان إذا توجه لحاجة يحب أن يسمع يا نجيح يا راشد يا مبارك .. عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كان النبي (ص) لا يتطير، ولكن كان يتفاءل .
في مغازي الواقدي(2/639) ونحوه معجم البلدان (5/102): (قال رسول الله (ص) لحسيل: إمض أمامنا حتى تأخذنا صدور الأودية حتى نأتي خيبر من بينها وبين الشام فأحول بينهم وبين الشام وبين حلفائهم من غطفان . فقال حسيل: أنا أسلك بك ، فانتهى به إلى موضع له طرق فقال له: يا رسول الله إن لها طرقاً يؤتى منها كلها فقال رسول الله (ص): سمها لي ! وكان رسول الله (ص) يحب الفأل الحسن والإسم الحسن ويكره الطيرة والإسم القبيح . فقال الدليل: لها طريق يقال لها حزن . قال: لا تسلكها ! قال: لها طريق
< صفحة > 83 < / صفحة >
يقال لها شاش. قال لا تسلكها ! قال: لها طريق يقال لها حاطب . قال: لا تسلكها! قال: لها طريقٌ واحدةٌ لم يبق غيرها . إسمها مرحب . قال رسول الله (ص): نعم أسلكها ! وبعث رسول الله (ص) عباد بن بشر في فوارس طليعةً فأخذ عيناً لليهود من أشجع فقال: من أنت قال: باغٍ أبتغي أبعرةً ضلت لي أنا على أثرها . قال له عباد: ألك علمٌ بخيبر قال: عهدي بها حديث فيم تسألني عنه قال: عن اليهود . قال: نعم كان كنانة بن أبي الحقيق وهوذة بن قيس ساروا في حلفائهم من غطفان فاستنفروهم وجعلوا لهم تمر خيبر سنةً فجاءوا معدين مؤيدين بالكراع والسلاح يقودهم عتبة بن بدر ودخلوا معهم في حصونهم وفيها عشرة آلاف مقاتل وهم أهل الحصون التي لا ترام وسلاحٌ وطعامٌ كثير لو حصروا لسنين لكفاهم ، وماءٌ وأتنٌ ، يشربون في حصونهم ما أرى لأحدٍ بهم طاقة .
فرفع عباد بن بشر السوط فضربه ضربات وقال: ما أنت إلا عينٌ لهم أصدقني وإلا ضربت عنقك! فقال الأعرابي: أفتؤمني على أن أصدقك ؟ قال عباد: نعم . فقال الأعرابي: القوم مرعوبون منكم خائفون وجلون لما قد صنعتم بمن كان بيثرب من اليهود وإن يهود يثرب بعثوا ابن عمٍّ لي وجدوه بالمدينة قد قدم بسلعةٍ يبيعها فبعثوه إلى كنانة بن أبي الحقيق يخبرونه بقلتكم وقلة خيلكم وسلاحكم ويقولون له: فاصدقوهم الضرب ينصرفوا عنكم فإنه لم يلق قوماً يحسنون القتال ! وقريش والعرب قد سروا بمسيره إليكم لما يعلمون من موادكم وكثرة عددكم وسلاحكم وجودة حصونكم ! وقد تتابعت قريش وغيرهم ممن يهوى هوى محمداً تقول قريش: إن خيبر تظهر ! ويقول آخرون: يظهر محمد فإن ظفر محمد فهو ذل الدهر !
قال الأعرابي: وأنا أسمع كل هذا فقال لي كنانة: إذهب معترضاً للطريق فإنهم لا يستنكرون مكانك واحزرهم لنا وادن منهم كالسائل لهم ما تقوى به ثم ألق إليهم كثرة
< صفحة > 84 < / صفحة >
عددنا ومادتنا فإنهم لن يدعوا سؤالك وعجل الرجعة إلينا بخبرهم.. فأسلم الأعرابي وخرج الدليل يسير برسول الله (ص)حتى انتهى به فيسلك بين حياض والسرير فاتبع صدور الأودية حتى هبط به الخرصة ثم نهض به حتى سلك بين الشق والنطاة ) .
< صفحة > 85 < / صفحة >

الفصل الثالث والسبعون : الذين بشرهم النبي صلى الله عليه وآله بالجنة

بشر النبي عترته بالجنة علياً وفاطمة والحسنين عليهم السلام

قلنا في كتاب: الولادات الثلاث/402: (تفاوتت النصوص في عدد درجات الجنة ومواصفاتها ، مما يدل على كثرتها وتنوعها ، لكنها اتفقت على أن أعلى الجنان هي جنة الفردوس ، وأعلى درجاتها درجة الوسيلة .
والمفهوم من الروايات أن تفاوت الدرجات مستويات معيشة أهل الدنيا ، مع الفارق الكبير الذي قال عنه الله تعالى: وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا .
ومستويات نعيم الجنة ودرجاتها كلها بحق واستحقاق ، بينما مستويات الدنيا قد تكون بحق أو باطل .
وقال أمير المؤمنين عليه السلام (نهج البلاغة (1/149): ( درجات متفاضلات ، ومنازل متفاوتات ، لا ينقطع نعيمها ، ولا يظعن مقيمها ، ولا يهرم خالدها ، ولا يبأس ساكنها ) .
< صفحة > 86 < / صفحة >
وزعمت بعض رواياتهم أن درجة الوسيلة لشخص واحد من الخلق، وأن النبي صلى الله عليه وآله طلب من أمته أن يدعوا أن تكون له !
فصوروا المسألة كأنها مسابقة وتنافس بين الأنبياء عليهم السلام وهي فكرة يهودية !
قال مسلم (2/4) قال النبي (ص): ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً ، ثم سلوا الله لي الوسيلة ، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة ) ! ورواه أبو داود: 1/ 128 ، والترمذي: 5/ 247 ، والبيهقي: 1/ 409 وأحمد: 2/ 167 والترمذي: 5/ 46 2 .
وروى البخاري ( 3/ 202 و: 8/ 176 ) أن النبي (ص) قال: ( إن في الجنة مائة درجة ، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ، وفوقه عرش الرحمن ) .
والصحيح ما قاله أهل البيت عليهم السلام من أن درجة الوسيلة للنبي وآله وإبراهيم وآله ، وأن الدعاء للنبي صلى الله عليه وآله بذلك دعاءٌ بأمر محقق كصلاتنا عليه .
ففي مسائل علي بن جعفر( 345 ) عن الكاظم عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وصف زفاف فاطمة عليها السلام من المحشر الى جنة الفردوس ، وفيه: (وهي جنة الفردوس التي سقفها عرش الرحمان ، وفيها قصران قصر أبيض وقصر أصفر، من لؤلؤة على عرق واحد. في القصر الأبيض سبعون ألف دار مساكن محمد وآل محمد وفي القصرالأصفر سبعون ألف دار، مساكن إبراهيم وآل إبراهيم عليهم السلام .
ثم يبعث الله ملكاً لها لم يُبعث لأحد قبلها ولا يبعث لأحد بعدها فيقول: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول: سليني . فتقول: هو السلام ، ومنه السلام ، قد أتم علي نعمته وهنأني كرامته ، وأباحني جنته ، وفضلني على سائر خلقه ، أسأله ولدي وذريتي ، ومن
< صفحة > 87 < / صفحة >
ودهم بعدي وحفظهم فيَّ . فيوحي الله إلى ذلك الملك من غير أن يزول من مكانه ، أخبرها أني قد شفعتها في ولدها وذريتها ومن ودهم فيها وحفظهم بعدها ، فتقول: الحمد لله الذي أذهب عني الحزن وأقر عيني فيقر الله بذلك عين محمد صلى الله عليه وآله ) .
وفي كمال الدين/ 262: «عن سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت سلمان الفارسي رضي الله عنه يقول: كنت جالساً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضته التي قبض فيها ، فدخلت فاطمة صلى الله عليه وآله فلما رأت ما بأبيها من الضعف بكت حتى جرت دموعها على خديها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله : مايبكيك يا فاطمة؟ قالت: يا رسول الله أخشى على نفسي وولدي الضيعة بعدك . فاغرورقت عينا رسول الله بالبكاء ، ثم قال: يا فاطمة أما علمت أنا أهل بيت اختار الله عز وجل لنا الآخرة على الدنيا وإنه حتم الفناء على جميع خلقه..إلى أن قال صلى الله عليه وآله : وليس في الجنة درجة أقرب إلى الله من درجتي ودرجة أبي إبراهيم ) .
وفي مناقب آل أبي طالب(1/204): (ابن ماجة في السنن وأبو يعلى الموصلي في المسند ، قال أنس: كانت فاطمة عليها السلام تقول لما ثقل النبي صلى الله عليه وآله : أتاه جبرئيل ينعاه ، فقالت فاطمة: يا أبتاه من ربه ما أدناه ، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه ، يا أبتاه أجاب ربا دعاه ). والصحيح أن هذه ندبتها لأبيها صلى الله عليه وآله .
وفي مناقب ابن المغازلي/202: (قال رسول الله (ص): في الجَنَّة درجة تُسَمَّى الوسيلة وهي لِنَبِيٍّ وأرجو أن أكون أنَا، فإذا سألتُموها فاسْألوها لي ، فقالوا: من يَسْكُنُ معك فيها يا رسول الله؟ قال: فاطمة وبعلها والحسن والحسين) .
وروى الصدوق في معاني الأخبار/116: (قال رسول الله (ص): إذا سألتم الله لي فسلوه الوسيلة . فسألنا النبي صلى الله عليه وآله عن الوسيلة فقال: هي درجتي في الجنة وهي ألف مرقاة ، ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس الجواد شهراً ، وهي ما بين مرقاة جوهر ، إلى مرقاة
< صفحة > 88 < / صفحة >
زبرجد ، إلى مرقاة ياقوت إلى مرقاة ذهب إلى مرقاة فضة . فيؤتى بها يوم القيامة حتى تنصب مع درجة النبيين ، فهي في درجة النبيين كالقمر بين الكواكب ، فلا يبقى يومئذ نبي ولاصديق ولا شهيد ، إلا قال طوبى لمن كانت هذه الدرجة درجته . فيأتي النداء من عند الله عز وجل يسمع النبيين وجميع الخلق: هذه درجة محمد . فأقبل أنا يومئذ متزراً بريطة من نور ، عليَّ تاج الملك وإكليل الكرامة ، وعلي بن أبي طالب أمامي ، وبيده لوائي وهو لواء الحمد ، مكتوب عليه: لا إله إلا الله ، المفلحون هم الفائزون بالله . فإذا مررنا بالنبيين قالوا: هذان ملكان مقربان لم نعرفهما ولم نرهما ، وإذا مررنا بالملائكة قالوا: نبيين مرسلين، حتى أعلو الدرجة وعليٌّ يتبعني ، حتى إذا صرت في أعلى درجة منها وعلي أسفل مني بدرجة فلا يبقى يومئذ نبي ولا صديق ولا شهيد إلا قال: طوبى لهذين العبدين ما أكرمهما على الله تعالى! فيأتي النداء من قبل الله عز وجل يسمع النبيين والصديقين والشهداء والمؤمنين: هذا حبيبي محمد ، وهذا وليي علي ، طوبى لمن أحبه وويل لمن أبغضه وكذب عليه. فلا يبقى يومئذ أحد أحبك يا علي إلا استروح إلى هذا الكلام وابيضَّ وجهه وفرح قلبه ، ولايبقى أحد ممن عاداك أو نصب لك حرباً ، أو جحد لك حقاً ، إلا اسْوَدَّ وجهه واضطربت قدماه ) .
ومن أحاديث في درجة الوسيلة ، ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله بسبعة أيام، كما في الكافي (8/24) وهي عن الخلافة، وفيها عن درجة الوسيلة قوله: (ألا وإن الوسيلة على درج الجنة وذروة ذوائب الزلفة ، ونهاية غاية الأمنية ، لها ألف مرقاة ، ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس الجواد مائة عام . وما بين مرقاة درة إلى مرقاة جوهرة ، إلى مرقاة زبرجدة ، إلى مرقاة لؤلؤة ، إلى مرقاة ياقوته ، إلى مرقاة زمردة ، إلى مرقاة مرجانة ، إلى مرقاة كافور ، إلى مرقاة عنبر ، إلى مرقاة يلنجوج ، إلى مرقاة ذهب ، إلى مرقاة غمام ، إلى مرقاة هواء ، إلى مرقاة نور ! قد أنافت على كل الجنان ، ورسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ قاعد عليها
< صفحة > 89 < / صفحة >
، مرتد بريطتين ، ريطة من رحمة الله ، وريطة من نور الله ، عليه تاج النبوة وإكليل الرسالة ، قد أشرق بنوره الموقف ، وأنا يومئذ على الدرجة الرفيعة وهي دون درجته ، وعلي ريطتان ، ريطة من أرجوان النور ، وريطة من كافور . والرسل والأنبياء ، قد وقفوا على المراقي، وأعلام الأزمنة وحجج الدهور ، عن أيماننا وقد تجللهم حلل النور والكرامة ، لا يرانا ملك مقرب ولا نبي مرسل ، إلا بهت بأنوارنا وعجب من ضيائنا وجلالتنا . وعن يمين الوسيلة عن يمين الرسول صلى الله عليه وآله غمامة بسطة البصر ، يأتي منها النداء: يا أهل الموقف طوبى لمن أحب الوصي وآمن بالنبي الأمي العربي ، ومن كفر فالنار موعده..الخ.) !
وقد وافقتنا بعض المصادر على أن درجة الوسيلة للنبي صلى الله عليه وآله وعترته عليهم السلام : فروى ابن مردويه عن النبي (ص) قال: ( في الجنة درجة تدعى الوسيلة ، فإذا سألتم الله فسلوا لي الوسيلة . قالوا: يا رسول الله ، من يسكن معك فيها ؟ قال: علي وفاطمة والحسن والحسين ) . ( كنز العمال: 12/ 103 و: 13/ 639 ) .
أقول: هذا المقام للنبي وآله صلى الله عليه وآله منطقي وطبيعي،لأنهم المطهرون من المعاصي ومن كل عيب ، قال الله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا. ولأنهم أول المؤمنين الذين قال الله تعالى فيهم: إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا . خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا.وقال فيهم: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ. الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .
وتدل الرواية الصحيحة على أن المؤمنين المختارين مساكنهم جنة الفردوس أيضاً ، فقد روى الشيخ الأقدم الصفار في المحاسن (1/294) عن الإمام الصادق عليه السلام أنه شبههم بالفردوس فهم فيها ، قال: (قال الله تبارك وتعالى: إنما أقبل الصلاة لمن يتواضع لعظمتي، ويكف نفسه عن الشهوات من أجلى ويقطع نهاره بذكرى ، ولا يتعظم على
< صفحة > 90 < / صفحة >
خلقي ، ويطعم الجايع ، ويكسو العاري ، ويرحم المصاب ، ويؤوى الغريب ، فذلك يشرق نوره كمثل الشمس ، أجعل له في الظلمات نوراً ، وفي الجهالة علماً ، أكلؤه بعزتي، وأستحفظه بملائكتي ، يدعوني فألبيه ، ويسألني فأعطيه ، مثل ذلك عندي كمثل جنات الفردوس لا تيبس ثمارها ، ولا يتغير حالها) .

من تشتاق اليهم الجنة

قد يشعر الإنسان بتناغم بينه وبين مكانه ومحيطه الذي يعيش فيه . وكأن للمحيط نفساً ترتاح الى ساكنه ، ولساناً يكلمه .
أما الجنة فلها روح ولسان ومنطق ، فهي مخلوقة ليسكن فيها أناس عظماء تعرفهم وتشتاق اليهم وهم ما زالوا في الأرض يكملون امتحانهم .
أما كيف يعرف جبرئيل عليه السلام أنها مشتاقة الى أشخاص بعينهم فقد أخبره الله تعالى بشوقها الى أحبابها ، وقد تكون هي كلمته!
فقد ثبت في مصادر الطرفين أن جبرئيل عليه السلام أخبر النبي صلى الله عليه وآله عن عدد من الصحابة بأسمائهم ، أن لهم مقاماً كبيراً عند الله تعالى وأن الجنة تشتاق إليهم ! والملاحظ أنهم كلهم من أهل البيت عليهم السلام ، أو من شيعتهم .
روى العلامة في كشف اليقين/328: (عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الجنة تشتاق إلى أربعة من أهلي قد أحبهم الله وأمرني بحبهم: علي بن أبي طالب والحسن والحسين ، والمهدي الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم .
(وعن أنس قال: قال رسول الله: ثلاثة تشتاق الجنة إليهم: علي وعمار وسلمان). ( أبو يعلى في المسند: 3/ 12 ).
< صفحة > 91 < / صفحة >
وفي مجمع الزوائد (9/307): (عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (ص): إن الجنة تشتاق إلى أربعة: علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وسلمان الفارسي والمقداد بن الأسود . قلت: رواه الترمذي من غير ذكر المقداد ).
وفي كشف اليقين للعلامة/275: (عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن الجنة مشتاقة إلى أربعة من أمتي . فهبت أن أسأله . فأتيت أبا بكر فقلت: إن النبي قال: إن الجنة تشتاق إلى أربعة من أمتي فسأله من هم؟ فقال: أخاف إلا أكون منهم فتعيرني به بنو تيم . فأتيت عمر فقلت له مثل ذلك . فقال: أخاف ألا أكون منهم فتعيرني به بنو عدي. فأتيت عثمان فقلت له مثل ذلك . فقال: أخاف إلا أكون منهم فتعيرني به بنو أمية .فأتيت علياً وهو في ناضح له فقلت له إن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الجنة مشتاقة إلى أربعة من أمتي فسله من هم؟ فقال: والله لأسألنه . فإن كنت منهم لأحمدن الله عز وجل وإن لم أكن منهم لأسألن الله أن يجعلني منهم وأودهم . فجاء وجئت معه إلى النبي صلى الله عليه وآله فدخلنا عليه ورأسه في حجر دحية الكلبي . فلما رآه دحية قام إليه وسلم عليه وقال: خذ برأس ابن عمك يا أمير المؤمنين فأنت أحق به . فاستيقظ النبي ورأسه في حجر علي فقال له: يا أبا الحسن ما جئتنا إلا في حاجة . قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله دخلت ورأسك في حجر دحية الكلبي فقام إلي وقال: خذ برأس ابن عمك إليك فأنت أحق به مني يا أمير المؤمنين . فقال له النبي: فهل عرفته؟ فقال: هو دحية الكلبي. فقال له: ذاك جبريل .
فقال له: بأبي وأمي يا رسول الله أعلمني أنس أنك قلت: الجنة مشتاقة إلى أربعة من أمتي فمن هم؟ فأومأ إليه بيده فقال: أنت والله أولهم ، أنت والله أولهم ، أنت والله أولهم. فقال: بأبي أنت وأمي فمن الثلاثة ؟ فقال له: المقداد وسلمان وأبو ذر ).وروى
< صفحة > 92 < / صفحة >
الخوئي(13/283)عن الخصال:(قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : الجنة تشتاق إليك ، وإلى عمار ، وسلمان ، وأبي ذر ، والمقداد ).

من بغض عائشة لعلي عليه السلام قالت إن النبي بشره بالنار !

روى عبد الرزاق في مصنفه (7/424) عن الزهري عن عروة قال: (حدثتني عائشة قالت: كنت عند النبي(ص)إذ أقبل العباس وعلي فقال: يا عائشة إن سرك أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا ! فنظرت فإذا العباس وعلي بن أبي طالب ) .
وقالت: كنت عند رسول الله (ص) إذ أقبل العباس وعلي فقال: يا عائشة إن هذين يموتان على غير ملتي) !
وروى عبد الرزاق عن معمر قال: ( كان عند الزهري حديثان عن عروة عن عائشة في علي، فسألته عنهما يوماً فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما ، والله أعلم بهما ! إني لأتهمهما في بني هاشم) !( شرح النهج: 4/64، والفصول المهمة: 1/ 53 ) .
وكان جد الزهري مع المشركين في بدر ، وكان أحد الذين تعاقدوا على قتل النبي صلى الله عليه وآله ! وكان أبوه مع مصعب بن الزبير .
وقد اعترف الزهري بأنه يكتم أحاديث النبي صلى الله عليه وآله في فضائل علي عليه السلام فقد روى في أسد الغابة(1/307) عن الزهري عن أبي جنيدة الأنصاري قال: ( فلما نزل غدير خم قام في الناس خطيباً وأخذ بيد علي وقال: من كنت وليه فهذا وليه . اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . قال عبيد الله فقلت للزهري: لا تحدث بهذا بالشام وأنت تسمع ملء أذنيك سب علي ! فقال: والله إن عندي من فضائل علي ما لو تحدثت به لقتلت ! أخرجه الثلاثة ) !
< صفحة > 93 < / صفحة >
وروى أحمد في فضائل الصحابة(2/591) والطبري في الرياض النضرة/420، بسند صحيح عن معمر قال: (سألت الزهري: من كان كاتب الكتاب يوم الحديبية؟ فضحك وقال هو علي، ولو سألت هؤلاء يعني بي أمية قالوا: عثمان ) .
وروى في مجمع الزوائد (5/243)عن ابن عمرو العاص عن أبيه: قال رسول الله: (أول من يطلع من هذا الباب رجل من أهل النار فطلع فلان).وأصله فطلع علي!

بل قال لها: من سره أن ينظر الى سيد العرب !

في تاريخ بغداد(11/91): (عن جعفر عن سلمة بن كهيل قال: مر علي أبي طالب على النبي (ص) وعنده عائشة فقال لها: ( إذا سرك أن تنظري إلى سيد العرب فانظري إلى علي بن أبي طالب. فقالت: يانبي الله ألست سيد العرب؟ فقال: أنا إمام المسلمين ، وسيد المتقين، إذا سرك أن تنظري إلى سيد العرب فانظري إلى علي بن أبي طالب ) .
وفي مناقب محمد بن سليمان (1/208): « يا أنس إنطلق أدع لي سيد العرب يعني علياً ، فقالت له عائشة: يا رسول الله ألست سيد العرب؟ قال: أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب . فلما جاء علي أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الأنصار فأتوه فقال: يا معشرالأنصار ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي؟ قالوا: بلى يا رسول الله . قال: هذا علي فأحبوه لحبي وأكرموه لكرامتي ، فإن جبرئيل أخبرني بالذي قلت لكم عن الله تبارك وتعالى » .
ورواه الحاكم (3/124)عن عائشة وابن أبي شيبة: (7/474) وبغية الباحث/283 ، وأوسط الطبراني: 2/127 ، وتفسير الرازي: 6/212 ، وتاريخ بغداد: 11/90).
< صفحة > 94 < / صفحة >

كثيرون بشرهم النبي صلى الله عليه وآله بالجنة

أو أخبرهم أنهم من أهل الجنة وهو بشارة ، ويصعب استقصاؤهم جميعاً ، فنكتفي بذكر أمثلة منهم .
ففي الإختصاص للمفيد/81، بسند صحيح عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: (شهد مع علي بن أبي طالب عليه السلام من التابعين ثلاثة نفر بصفين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وآله بالجنة ولم يرهم: أويس القرني ، وزيد بن صوحان العبدي ، وجندب الخير الأزدي ، رحمة الله عليهم ) .

أويس بن عامر القرني المرادي رضي الله عنه

وقد بحثنا سيرته بالتفصيل في أول المجلد الرابع من العقائد الإسلامية .
ومما قلناه ورويناه: من المتفق عليه بين الجميع أن النبي صلى الله عليه وآله أخبر عن أويس القرني وبشر بأنه يأتي بعده ، وأنه من كبار أولياء الله تعالى ، وأنه مستجاب الدعوة ، وأنه يشفع عند الله تعالى لمئات الألوف ، أو ملايين الناس !
قال المفيد في الإرشاد (1/315): في حديث عن علي عليه السلام أنه قال: (الله أكبر أخبرني حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله أني أدرك رجلاً من أمته يقال له أويس القرني يكون من حزب الله ورسوله ، يموت على الشهادة ، يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر) ! ونحوه في الخرائج والجرائح: 1/ 200 ، وإعلام الورى/ 170 ، والثاقب في المناقب/266 ، وبحار الأنوار: 37/ 299 و38/ 147 .
وفي الفضائل لابن شاذان/107: مما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: (تفوح روائح الجنة من قبل قرن الشمس ، واشوقاه إليك يا أويس القرني ، ألا من لقيه فليقرأه عني السلام. فقيل: يا رسول الله ومن أويس القرني ؟
فقال صلى الله عليه وآله : إن غاب لم يفقدوه ، وإن ظهر لم يكترثوا له ، يدخل في شفاعته إلى الجنة مثل ربيعة ومضر ، آمن بي وما رآني ، ويقتل بين يدي خليفتي علي بن أبي طالب في صفين)!
< صفحة > 95 < / صفحة >
وفي الإختصاص/6: ذكر السابقين المقربين من أمير المؤمنين عليه السلام : (حدثنا جعفر بن الحسين، عن محمد بن جعفر المؤدب: الأركان الأربعة: سلمان ، والمقداد ، وأبو ذر ، وعمار ، هؤلاء الصحابة .ومن التابعين: أويس بن أنيس القرني ، الذي يشفع في مثل ربيعة ومضر ) .
وفي اختيار معرفة الرجال(1/314): (كان أويس من خيار التابعين لم ير النبي ولم يصحبه، فقال النبي صلى الله عليه وآله ذات يوم لأصحابه: أبشروا برجل من أمتي يقال له أويس القرني ، فإنه يشفع لمثل ربيعة ومضر .
روى يحيى بن آدم ، عن شريك ، عن ابن أبي زياد ، عن ابن أبي ليلى عبد الرحمن ، قال: خرج رجل بصفين من أهل الشام فقال: فيكم أويس القرني؟ قلنا نعم. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: خير التابعين ، أو من خير التابعين أويس القرني ، ثم تحول إلينا ).
و كان أويس أسمر اللون جسيماً مهيباً ، وكان شعاره الجد في أمر الله تعالى، روى الحاكم(3/ 405): ( عن يزيد البكري: قال أويس القرني: كن في أمر الله كأنك قتلت الناس كلهم ).
أي يجب أن يكون خوف الله تعالى في نفس المؤمن بدرجة عالية ، كأن في رقبته قتل الناس كلهم، فيكون حذراً متقياً ، يشعو بالمسؤولية أمام الله تعالى .
وفي طرائف المقال(2/592): (عن غوث المتأخرين السيد محمد النور بخشي نور الله مرقده في شجرة الأولياء قال: أويس القرني المجذوب قدس سره هو الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله بالولاية ، وقال: إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن .
وفيه أيضاً في أوائل الكتاب: محمد بن قولويه ، عن سعد بن عبد الله ، عن علي بن سليمان بن داود الرازي ، عن علي بن أسباط ، عن أبيه أسباط بن سالم ، قال قال أبو الحسن
< صفحة > 96 < / صفحة >
موسى بن جعفر عليهما السلام : إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين حواري محمد بن عبد الله الذين لم ينقضوا العهد ومضوا إليه ؟
فيقوم سلمان والمقداد وأبو ذر . ثم ينادي المنادي: أين حواري علي بن أبي طالب عليه السلام وصي رسول الله صلى الله عليه وآله ، فيقوم عمرو بن الحمق ، ومحمد بن أبي بكر ، وميثم التمار مولى بني أسد ، وأويس القرني … الحديث ).
ولما رأى المسلمون أويساً بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله استبشروا وتبركوا به ، وكانوا يحرصون على الفوز بدعاء منه ، ولو بكلمة: غفر الله لك ! وقد حاول الخلفاء أن يتقربوا إليه ، ولكنه هرب منهم ، وفضل أن يعيش مغموراً مع الفقراء من شيعة علي عليه السلام ، حتى إذا وصلت الخلافة لعلي عليه السلام نهض معه ، وشارك في حروبه ، واستشهد تحت رايته في صفين. وقبره هناك إلى جانب قبر عمار بن ياسر ، في مدينة الرقة السورية ، وقد وفقنا الله لزيارته .
وقد حاول علماء السلطة أن يخفوا امتناعه من الدعاء لعمر والإقامة عنده ، فوضعوا أحاديث عن لقائه به ، يناقض بعضها بعضاً !
كما حاولوا أن ينفوا بشارة النبي صلى الله عليه وآله بأويس ومكانته المميزة عند الله تعالى ! ثم حاولوا أن ينفوا أنه قتل في صفين ، وادعوا أنه توفي في الشام ، وجعلوا له في الشام قبراً ومزاراً ! وكل هذه المحاولات بسبب بغضهم لعلي عليه السلام !
وفي حلية الأولياء: 2/83و87: (كان إذا أمسى تصدق بما في بيته من الفضل من الطعام والثياب ، ثم يقول: اللهم من مات جوعا فلا تؤاخذني به .
عن الشعبي قال: مر رجل من مراد على أويس القرني فقال: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت أحمد الله عز وجل . قال: كيف الزمان عليك؟ قال: كيف الزمان على رجل إن أصبح ظن أنه لا يمسي ، وإن أمسى ظن أنه لا يصبح ، فمبشر بالجنة أو مبشر بالنار . يا
< صفحة > 97 < / صفحة >
أخا مراد إن الموت وذكره لم يترك لمؤمن فرحاً ..الخ . وكان إذا أمسى تصدق بما في بيته من الفضل من الطعام والشراب ، ثم قال: اللهم من مات جوعاً فلا تؤاخذني به ، ومن مات عرياً فلا تؤاخذني به ).
أقول: هذه النصوص تكشف عن الفقر الشديد الذي كانت تعيشه طبقة واسعة من المجتمع الإسلامي ، وأن أموال الفتوحات سرقت في الطريق قبل أن تصل إليها ، فكان بعضها لا يملك حتى ثوبين مناسبين يتستر بهما ، بل كان فيهم من يموت من الجوع ! ولذلك كان أويس يدعو الله تعالى أن لا يؤاخذه بعري العارين وجوع الجائعين ، لأنه لا يملك إلا ثوبيه ، ولا يملك إلا ما في بطنه من طعام ، وكل ما يحصل عليه من عمله ومن هدايا الناس ، كان يعطيه لهؤلاء للفقراء ! !
وهي تدل أيضاً على أن زهد أويس كان زهداً واعياً يحمل هم الفقراء ، وكان يحمل مسؤولية فقرهم وبؤسهم للخليفة والدولة ، والطبقة المترفة التي كونت ثروتها من الفتوحات ، وكانت تنقم من أويس أنه يهتم بهم ، ويأمر من أجلهم بالمعروف وينهى عن المنكر. ولذلك حاربوه !

ومنهم: زيد بن صوحان العبدي

قال في مناقب آل أبي طالب(1/95):« ذكر النبي صلى الله عليه وآله زيد بن صوحان فقال: زيد وما زيد!يسبقه عضو منه إلى الجنة!فقطعت يده في يوم نهاوند في سبيل الله » .
وفي الطبقات ( 6/ 123 ) أنه كان يحدث قبل نهاوند أن النبي صلى الله عليه وآله أخبره بأن يده تقطع في سبيل الله ، فشكك الأعرابي فقال له زيد: صدق الله: الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ».
روى ابن سعد (6/124) عن أبي قدامة: « أنه كان في جيش عليهم سلمان الفارسي ، فكان يؤمهم زيد بن صوحان ، يأمره بذلك سلمان » .
< صفحة > 98 < / صفحة >
وفي فتوح ابن أعثم(2/460): (فلما قدم الحسن بن علي وعمار بن ياسر إلى الكوفة استنفرا أهلها ، وثب أبو موسى الأشعري وهو يومئذ عامل عليها فقال: يا أهل الكوفة ! إتقوا الله وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا.وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ .
قال: فغضب عمار بن ياسر ، ثم وثب أبو موسى فأسكته ، فقام رجل من بني تميم إلى عمار بن ياسر فقال: أسكت أيها الرجل الأجدع ! بالأمس كنت مع غوغاء مصر على عثمان واليوم تسكت أميرنا ، قال: فوثب زيد بن صوحان وأصحابه مع شيعة علي بالسيوف وقالوا: من لم يطع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فما له عندنا إلا السيف ، فقال أبو موسى: أيها الناس! اسكتوا واسمعوا كلامي ، هذا كتاب عائشة إلي تأمرني فيه أن أقرأه إن أقر الناس في منازلهم إلى أن يأتيهم ما يحبون من صلاح أمر المسلمين ، فقال له عمار بن ياسر: يا أبو موسى! إن عائشة أمرت بأمر وأمرنا بغيره ، أمرت أن تقر في بيتها ، وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة ، فأمرتنا هي بما أمرت وركبت ما أمرنا به ! قال: فكثر الكلام يومئذ بين الناس ، فوثب زيد بن صوحان العبدي فقال: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أل.م. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ .وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ . أيها الناس! سيروا إلى أمير المؤمنين وانفروا إليه أجمعين تصيبوا الحق راشدين ).
ثم شارك زيد رضي الله عنه مع علي عليه السلام في معركتي الجمل الصغرى والكبرى ، فأبلى بلاء حسناً واستشهد فيها ، قتله عميرة بن يثربي فارس بني ضبة ، وكان عميرة قاضي عثمان على البصرة (الطبقات: 7/149)وقَتَل ثلاثة من أصحاب علي عليه السلام : زيد بن صوحان العبدي، وعلباء بن الهيثم السدوسي، وهند بن عمرو بن جدراة الجملي.وأخذ يرتجز ويقول ( أنساب الأشراف/ 244 ):
< صفحة > 99 < / صفحة >
إني لمن أنكرني ابن يثربي
قاتل علباء وهند الجملي
ثم ابن صوحان على دين علي
«وأخذ ابن يثربي برأس الجمل وهو يرتجز.. فناداه عمار: لقد لعمري لُذْتَ بحريز ، وما إليك سبيل!( أي احتميت بعائشة) فإن كنت صادقاً فاخرج من هذه الكتيبة إليَّ ، فترك الزمام في يد رجل من بني عدي حتى كان بين أصحاب عائشة وأصحاب علي ، فزحم الناس عماراً حتى أقبل إليه فضربه فاتقاه عمار بدرقته فأنتشب سيفه فيها ، فعالجه فلم يخرج ، فخرج عمار إليه لا يملك من نفسه شيئاً فأسفَّ عمار لرجليه فقطعهما فوقع على استه».(الجمل للضبي/162) .
« ثم أخذ برجله يسحبه حتى انتهى به إلى علي عليه السلام ».( شرح النهج: 1/259).
وفي تاريخ دمشق(43/464): « فبرز له عمار وهو ابن ثلاث وتسعين ، عليه فروة مشدودة الوسط بشريط ، حمائل سيفه نسعة ، فانتقضت ركبتاه فجثى على ركبتيه فأخذه أسيراً ، فأتى به علياً » .

ومنهم: جندب الخير بن عبد الله الأزدي

قال ابن عبد البر (الإستيعاب:2/556):( قال النبي صلى الله عليه وآله : زيد وما زيد! جندب وما جندب! فسئل عن ذلك فقال: رجلان من أمتي أما أحدهما فتسبقه يده ، أو قال: بعض جسده إلى الجنة ، ثم يتبعه سائر جسده . وأما الآخر فيضرب ضربة يفرق بها بين الحق والباطل . قال أبو عمر: أصيبت يد زيد يوم جلولاء ثم قتل يوم الجمل مع علي بن أبي طالب . وجندب قاتل الساحر ) .
أقول: هذا مقام عظيم لهما رضي الله عنهما ، وتقدم ذكر زيد ، أما ضربة جندب فكانت في زمن عثمان لما ولَّى أخاه من الرضاعة الوليد بن عقبة الأموي على العراق ، ويسمى
< صفحة > 100 < / صفحة >
الوليد الفاسق ، لأنه نزل فيه قول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ . وقد جاء الوليد بساحر هندي وكان يقيم له العروض في الكوفة ! ولعل غرضه أن يصدق الناس بقدرة السحرة ثم يقول لهم إن محمداً صلى الله عليه وآله ساحر! ولهذا كانت ضربة جندب رضي الله عنه فاصلة ، بين حق النبوة وباطل السحر .
قال السيوطي في الخصائص (2/140): ( فلما ولي الوليد بن عقبة الكوفة في زمن عثمان أجلس رجلاً يَسْحَر ، يُريهم أنه يُحيى ويميت ، فأتى جندب بسيف فضرب به عنق الساحر ، وقال: أحي نفسك الآن ) !
وقال في شرح النهج (2/20): ( فقتله وقال له: أحي نفسك إن كنت صادقاً ، وأن الوليد أراد أن يقتله بالساحر حتى أنكر الأزد ذلك عليه ، فحبسه وطال حبسه ، حتى هرب من السجن ) .
وذكر المسعودي في مروج الذهب (2/339 ) أن الوليد أراد قتله: (فمنعته الأزد فحبسه، وأراد قتله غيلة ونظرالسجان إلى قيامه ليله إلى الصبح ، فقال له: أنْجُ بنفسك ، فقال له جندب: تقتل بي ، قال: ليس ذلك بكثير في مرضاة الله والدفع عن ولي من أولياء الله ، فلما أصبح الوليد دعا به وقد استعدَّ لقتله فلم يجده ، فسأل السجان فأخبره بهربه فضرب عنق السجان ، وصلبه بالْكناسة) !
كان جندب صديق الأشتر وشبيهه رضي الله عنهما ، وبقي مخلصاً لأمير المؤمنين وللحسن عليهما السلام . وقد وقع في قلبه في قتال الخوارج لأنهم معلموا قرآن وأهل عبادة ، فانفرد عن جيش أمير المؤمنين عليه السلام قبيل الحرب ، فعرف ذلك أمير المؤمنين عليه السلام بإلهام الله تعالى ، وأراه آية أنهم لم يعبروا ولن يعبروا حتى يقتلوا ، فزال عن قلبه الشك !
< صفحة > 101 < / صفحة >
وروى البلاذري ( 2/ 245 ) أن جندباً شد على طلحة يوم الجميل: (فلما أمكنه أن يطعنه تركه كراهة لأن يقتله ) ! فلعله تركه لأنه يعلم من أمير المؤمنين عليه السلام أن مروان سيقتله !
وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج (1/263): (قال أبو مخنف: وانتهى الحارث بن زهيرالأزدي من أصحاب علي عليه السلام إلى الجمل ورجل آخذ بخطامه لا يدنو منه أحد إلا قتله ، فلما رآه الحارث بن زهير مشى إليه بالسيف وارتجز ، فقال لعائشة:
يا أمنا أعق أم نعلمُ
والأمُّ تغذو وُلْدها وترحمُ
أما ترين كم شجاع يُكْلَم
وتختلى هامته والمعصم !
فاختلف هو والرجل ضربتين فكلاهما أثخن صاحبه .
قال جندب بن عبد الله الأزدي: فجئت حتى وقفت عليهما وهما يفحصان بأرجلهما حتى ماتا .قال فأتيت عائشة بعد ذلك أسلم عليها بالمدينة فقالت: من أنت ؟ قلت: رجل من أهل الكوفة ، قالت: هل شهدتنا يوم البصرة ؟ قلت: نعم ، قالت: مع أي الفريقين ؟ قلت: مع علي ، قالت: هل سمعت مقالة الذي قال: يا أمنا أعق أم نعلم! قلت: نعم وأعرفه ، قالت: ومن هو ؟ قلت: ابن عم لي . قالت: وما فعل ؟ قلت: قُتل عند الجمل وقَتَل قاتله ، قال فبكت حتى ظننت والله أنها لا تسكت ، ثم قالت: لوددت والله أنني كنت مت قبل ذلك اليوم بعشرين سنة ) !
وفي مناقب آل أبي طالب ( 2/ 104 ): ( أصحاب التفسير: عن جندب بن عبد الله الأزدي: لما نزل أمير المؤمنين عليه السلام النهروان فانتهينا إلى عسكرالقوم ، فإذا لهم دوي كدوي النحل من قراءة القرآن ، وفيهم أصحاب البرانس ، فلما أن رأيتهم دخلني من ذلك ، فتنحيت وقمت أصلي وأنا أقول: اللهم إن كان قتال هؤلاء القوم لك طاعة ، فأذن فيه ، وإن كان ذلك معصية فأرني ذلك ، فأنا في ذلك إذ أقبل علي عليه السلام فلما حاذاني قال: نعوذ بالله يا جندب من الشك ! ثم نزل يصلي إذ جاءه فارس فقال: يا أمير المؤمنين قد عبر القوم وقطعوا
< صفحة > 102 < / صفحة >
النهر ، فقال عليه السلام : كلا ما عبروا ، فجاء آخر فقال: قد عبر القوم ، فقال: كلا ما فعلوا ، قال: والله ما جئت حتى رأيت الرايات في ذلك الجانب والأثقال ، فقال عليه السلام : والله ما فعلوا وإنه لمصرعهم ومهراق دمائهم . وفي رواية لا يبلغون إلى قصر بوري بنت كسرى، فدفعنا إلى صفوف فوجدنا الرايات والأثقال كما هي . قال: فأخذ بقفاي ودفعني ثم قال: يا أخا الأزد ما تبين لك الأمر ؟ فقلت: أجل يا أمير المؤمنين ) !
والشريف الرضي في خصائص الأئمة عليهم السلام /60، والقطب الراوندي في الخرائج ( 2/755)

ومنهم: مالك بن نويرة رضي الله عنه

في الفضائل لشاذان بن جبرئيل/75: «قال البراء بن عازب بينا رسول الله صلى الله عليه وآله جالس في أصحابه إذا أتاه وافد من بني تميم مالك بن نويرة ، فقال: يا رسول الله علمني الإيمان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : تشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله، وتصلي الخمس ، وتصوم رمضان، وتؤدي الزكاة، وتحج البيت ، وتوالي وصيي هذا من بعدي، وأشار إلى علي عليه السلام بيده ، ولا تسفك دماً ولا تسرق ، ولا تخون ، ولا تأكل مال اليتيم ، ولا تشرب الخمر ، وتوفى بشرائعي وتحلل حلالي ، وتحرم حرامي ، وتعطي الحق من نفسك للضعيف والقوي ، والكبير والصغير ، حتى عد عليه شرائع الإسلام .
فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله أعِدْ عليَّ فإني رجلٌ نَسَّاء ، فأعاد عليه فعقدها بيده وقام وهو يجر إزاره وهو يقول: تعلمت الإيمان ورب الكعبة !
فلما بعد من رسول الله قال صلى الله عليه وآله : من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا الرجل ! فقال أبو بكر وعمر: إلى من تشير يا رسول الله ؟ فأطرق إلى الأرض ، فجدَّا في السير فلحقاه فقالا: لك البشارة من الله ورسوله بالجنة ! فقال: أحسن الله تعالى بشارتكما إن كنتما ممن يشهد بما شهدت به فقد عَلمتما ما علمني النبي محمد صلى الله عليه وآله ، وإن لم
< صفحة > 103 < / صفحة >
تكونا كذلك فلا أحسن الله بشارتكما !فقال أبو بكر: لا تقل فأنا أبو عائشة زوجة النبي صلى الله عليه وآله ! قال: قلت ذلك ، فما حاجتكما ؟ قالا: إنك من أصحاب الجنة فاستغفر لنا ، فقال: لا غفر الله لكما تتركان رسول الله صاحب الشفاعة ، وتسألاني أستغفر لكما ! فرجعا والكآبة لائحة في وجهيهما ، فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وآله تبسم وقال: أفي الحق مغضبة؟! فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله ورجع بنو تميم إلى المدينة ومعهم مالك بن نويرة فخرج لينظر من قام مقام رسول الله صلى الله عليه وآله ، فدخل يوم الجمعة وأبو بكر على المنبر يخطب بالناس فنظر إليه وقال: أخو تيم؟ قالوا: نعم . قال: فما فعل وصي رسول الله صلى الله عليه وآله الذي أمرني بموالاته ؟ قالوا: يا أعرابي الأمر يحدث بعده الأمر! قال: بالله ما حدث شئ وإنكم قد خنتم الله ورسوله ! ثم تقدم إلى أبي بكروقال: من أرقاك هذا المنبر ووصي رسول الله صلى الله عليه وآله جالس؟ فقال أبو بكر: أخرجوا الأعرابي البوال على عقبيه من مسجد رسول الله! فقام إليه قنفذ بن عمير وخالد بن الوليد فلم يزالا يلكزان عنقه حتى أخرجاه ، فركب راحلته وأنشأ يقول:
أطعنا رسول الله ما كان بيننا
فيا قوم ما شأني وشأن أبي بـكر
إذا مات بكر قام عمرٌو ومقامه
فتلك وبيت الله قاصمة الظهر
يدب ويغشاه العشار كأنما
يجاهد جماً أو يقوم على قبر
فلو قام فينا من قريش عصابة
أقمنا ولكن القيام على جمر
قال: فلما استتم الأمر لأبي بكر وجه خالد بن الوليد وقال له: قد علمت ما قاله مالك على رؤس الأشهاد ، ولست آمن أن يفتق علينا فتقاً لا يلتئم ، فاقتله ! فحين أتاه خالد ركب جواده وكان فارساً يعد بألف ، فخاف خالد منه فآمنه وأعطاه المواثيق ، ثم غدر به بعد أن ألقى سلاحه فقتله وأعرس بامرأته في ليلته ! وجعل رأسه في قدر فيها لحم جزور لوليمة عرسه وبات ينزو عليها نزو الحمار » !
< صفحة > 104 < / صفحة >
أقول: مالك بن نويرة رضي الله عنه صحابي جليل شهد له النبي صلى الله عليه وآله بالجنة كما رأيت ، فأمر أبو بكر خالداً فقتله غدراً !
والغدرأسلوب خالد بدل المبارزة ، وقد غدر بمالك وبني يربوع بعد أن أمَّنَهم! كما كان غدر ببني جذيمة بعد أن أمَّنَهم.
وكان خالد يجيد الفرار كما فعل في مؤتة ! وينكص عن المبارزة ، كما في معركة اليرموك ! ولم يخض مبارزة أبداً !
قال الطبري(2/ 503 ) يصف قتله مالك بن نويرة: « لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل ، فأخذ القوم السلاح قال فقلنا إنا لمَسلمون! فقالوا ونحن مسلمون ! قلنا: فما بال السلاح معكم؟ قالوا لنا: فما بال السلاح معكم ؟ قلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح قال فوضعوه ثم صلينا وصلوا » !
وقال اليعقوبي(2/131): «وكتب إلى خالد بن الوليد أن ينكفئ إلى مالك بن نويرة اليربوعي فسار إليهم فأتاه مالك بن نويرة يناظره واتبعته امرأته ، فلما رآها خالد أعجبته فقال(في نفسه): والله لا نلت ما في مثابتك حتى أقتلك » !
قال المحامي أحمد حسين يعقوب في الخطط السياسية/409: «مالك بن نويرة كان شاعراً وفارساً من فرسان بني يربوع في الجاهلية ، ومن أشرافهم ، فلما أسلم مالك عيَّنه رسول الله أميراً على صدقات قومه ، ومات الرسول وهو على إمارته فلما توفي النبي أمسك الصدقة ووزعها على قومه وقال:
فقلت خذوا أموالكم غير خائف
ولا ناظر في ما يجئ من الغد
فإن قام بالدين المخوف قائم
أطعنا وقلنا الدين دين محمد
فغزاه خالد بن الوليد ، وقال له ولقومه: ضعوا السلاح فوضعوا سلاحهم ، وقالوا لخالد نحن مسلمون ! وفي وفيات الأعيان وفوات الوفيات وتاريخ أبي الفداء وابن
< صفحة > 105 < / صفحة >
شحنة: أن مالك قال لخالد: يا خالد إبعثنا لأبي بكر فيكون هو الذي يحكم بنا وفينا ، فإنك بعثت إليه غيرنا من جرمه أكبر من جرمنا !
فقال خالد: لا أقالني الله إن لم أقتلك ، ثم أمر ضرار بن الأزور ليضرب عنقه ! فقال مالك: أنا على الإسلام ! فقال خالد: يا ضرار إضرب عنقه ! وتزوج خالد امرأة مالك بن نويرة بنفس الليلة !
وفي رواية الطبري عن عبد الرحمن بن أبي بكر: فلما بلغ عمر بن الخطاب تكلم فيه عند أبي بكر ، وقال عمر: عدو الله ، عدا على امرئ مسلم فقتله ثم نزا على امرأته ! فلما أقبل خالد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من لأمته وحطمها ، ثم قال: أرياءً ! قتلت امرءا مسلماً ثم نزوت على امرأته ! والله لأرجمنك بأحجارك ! فدخل خالد فاعتذر لأبي بكر فقبل عذره ، واعتبر خالد مجتهداً ومأجوراً ، لأنه قتل صاحب رسول الله وأميره ! أما مالك فلا أجر له مع أنه صحابي لأن قاتله خالد بن الوليد من أهل الطاعة !
قال ابن تيمية في منهاجه السنة(3/19): « وأكثر هذه الأمور لهم فيها معاذير تخرجها عن أن تكون ذنوباً ، وتجعلها من موارد الإجتهاد التي إن أصاب المجتهد فيها فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد ! وقال ابن حزم في المحلى وابن التركماني في الجوهر النقي: لا خلاف بين أحد من الأمة بأن عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليا إلا متأولاً مجتهداً ، مقدراً أنه على صواب !
فيكون المقتول علياً عليه السلام كالقاتل عبد الرحمن بن ملجم ، وكلاهما مأجور لأنه مجتهد! والقاتل أبو لؤلؤة مثل المقتول عمر وكلاهما مأجور لأنه مجتهد » !

حديث العشرة المبشرة من قريش مكذوب بامتياز !

قبل حرب الجمل راسل علي صلى الله عليه وآله الزبير وطلحة وعائشة مراراً ، ونصحهم بعدم الحرب، وطلب أن يلقا ه الزبير وطلحه بين الصفين ، وخرج راكباً بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وهو بلا
< صفحة > 106 < / صفحة >
سلاح ، فجاءه الزبير حتى اعتنقت دابتاهما ، فقال له: يازبير عرفتني في الحجاز وأنكرتني في العراق فما عدا مما بدا ؟! كيف تقاتلني وقد بايعتي ، وقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله كذا وكذا ..
وفي الإحتجاج (1/237): ( فخرج الزبير ومعه طلحة ، فقال لهما: والله إنكما لتعلمان وأولوا العلم من آل محمد وعائشة بنت أبي بكرأن كل أصحاب الجمل ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وآله ، وقد خاب من افترى! قالا: كيف نكون ملعونين ونحن أصحاب بدر وأهل الجنة! فقال عليه السلام : لو علمت أنكم من أهل الجنة لما استحللت قتالكم ، فقال له الزبير: أما سمعت حديث سعيد بن عمرو بن نفيل، وهو يروي أنه سمع رسول الله يقول: عشرة من قريش في الجنة ؟ قال علي عليه السلام : سمعته يحدث بذلك عثمان في خلافته ! فقال الزبير: أفتراه كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله !
فقال له علي عليه السلام : لستُ أخبرك بشئ حتى تسميهم؟ قال الزبير: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح ، وسعيد بن عمرو بن نفيل.
فقال له علي عليه السلام : عددتَ تسعة فمن العاشر؟قال له: أنت ! قال علي عليه السلام : قد أقررتَ أني من أهل الجنة ، وأما ما ادعيت لنفسك وأصحابك فأنا به من الجاحدين الكافرين! قال له: أفتراه كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله ! قال عليه السلام : ما أراه كذب ، ولكنه والله اليقين! فقال علي عليه السلام : والله إن بعض من سميته لفي تابوتٍ في شِعْبٍ في جُبٍّ في أسفل دركٍ من جهنم، على ذلك الجُب صخرة إذا أراد الله أن يسعر جهنم رفع تلك الصخرة ! سمعت ذلك من رسول الله وإلا أظفرك الله بي وسفك دمي على يديك! وإلا أظفرني الله عليك وعلى
< صفحة > 107 < / صفحة >
أصحابك وسفك دماءكم على يدي، وعجل أرواحكم إلى النار! فرجع الزبير إلى أصحابه وهو يبكي ) !
أقول: سألوا الزبير عما قال له علي عليه السلام فقال: لا أقول لكم حتى لا أفتَّ في عضدكم! فهو يريدهم أن يواصلوا الحرب! وروي أنه شق جيش علي عليه السلام وهو منسحب فقال علي عليه السلام أفرجوا له ، فقتل في طريقه اثنين من جيش علي عليه السلام !
وكلام علي عليه السلام له مباهلة بأنه إن انتصر عليه وقُتل يكونون من أهل النار ، وتكون العشرة المبشرة كما أخبر عنهم عليه السلام سعيد . وإن انتصروا عليها فالحديث صحيح .
وروى البلاذري(2/251) انسحاب الزبير ومقتل طلحة بشكل آخر ، فقال ملخصاً: (فلما تواقفوا قال عليّ لطلحة: خبأت عرسك في خدرها وجئت بعرس رسول الله صلى الله عليه وآله تقاتل بها ! ويحك أما بايعتني؟ قال بايعتك والسيف على عنقي. ثم قال علي للزبير: ويحك يا زبير أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لي: أما إن ابن عمتك هذا سيبغي عليك ويريد قتالك ظالماً ؟ قال: اللهم بلى . فرجع عن قتاله وسار من البصرة ليلة فنزل ماء لبني مجاشع فأتبعه عمرو بن جرموز وفضيل بن عابس ونفيل بن حابس من بني تميم فركضوا أفراسهم في أثره ، وقد كان النعر بن زمام المجاشعي لقيه فأجاره ، وأجاره أيضاً رجل من بني سعد يكنى أبا المضرحي، فلما لحقه ابن جرموز وصاحباه خرجا هاربين فقال لهما الزبير: إلى أين؟ إلي إنما هم ثلاثة ونحن ثلاثة فأسلماه ولحقه القوم فعطف عليهم فحمل عليه ابن جرموز ، فنصب له الزبير فانصرف عنه وحمل عليه الإثنان من ورائه فالتفت إليهما ، وحمل عليه ابن جرموز فطعنه فوقع فاعتوروه فقتلوه ، واحتز ابن جرموز رأسه فجاء به إلى الأحنف ، ثم أتاه علياً فقال قولوا لأمير المؤمنين: قاتل الزبير بالباب . فقال: بشروا قاتل ابن صفية بالنار ! وجاءه ابن جرموز بسيفه فقال علي: سيف طال ما جلى به الكرب
< صفحة > 108 < / صفحة >
عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله ولكنه الحين ومصارع السوء . ثم أقبل علي وولده يبكون ، فقال ابن جرموز: ظننت أني قتلت عدواً له ، ولم أظن أني إنما قتلت له ولياً حميماً )!
< صفحة > 109 < / صفحة >

الفصل الرابع والسبعون : كيف يشعر نبينا صلى الله عليه وآله بالله تعالى ويتعامل معه ؟

يتحدث عن ربه بيقين وحضور بين يديه

عندما تسمع رجلاً عادياً يتكلم عن الله ، فأنت تسمع من يتكلم عن غائب .
أما عندما تسمع النبي صلى الله عليه وآله يتكلم عن ربه عز وجل فيقول أمرني ربي ، وقال لي ربي ، فإنك تشعر بوجوده عز وجل أمامك ، ويهتز قلبك ويخشع .
لأن قلب النبي صلى الله عليه وآله يفيض باليقين ، ويتكلم عن غائب حاضر سبحانه .
هكذا كان من أول نشأته ، يعيش حضور الله عز وجل ، ويتحدث عنه بجلال ويقين ، لا فرق في تعامله معه وحضوره بين صغره وتقدمه في السن، ولا بين السراء والضراء ، والسلم والحرب ، والأمن والخوف .
وهذا الشعور الدائم العميق بالله تعالى ليس غريباً على شخص جعل الله معه الروح القدس من فطامه ، وأمر جبرئل أن يرافقه ويعلمه !
قال أمير المؤمنين عليه السلام «نهج البلاغة: 2/158»: (ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن أن كان فطيماً أعظم
< صفحة > 110 < / صفحة >
ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ، ويعلمه محاسن أخلاق العالم ليله ونهاره . ولقد كنت أتبعه اتِّبَاع الفصيل أثر أمه ، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه عَلَماً ويأمرني بالإقتداء به .
ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشم ريح النبوة ).
وقال الإمام الصادق عليه السلام للمفضل بن عمر (الكافي: 1/272): (يا مفضل إن الله تبارك وتعالى جعل في النبي صلى الله عليه وآله خمسة أرواح ، روح الحياة فبه دب ودرج ، وروح القوة فبه نهض وجاهد ، وروح الشهوة فبه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال ، وروح الإيمان فبه آمن وعدل . وروح القدس فبه حمل النبوة ، فإذا قبض النبي صلى الله عليه وآله انتقل روح القدس إلى الإمام. وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو . والأربعة الأرواح تنام وتغفل وتزهو وتلهو . وروح القدس كان يرى به ).
كما أن جبرئيل عليه السلام كان كثير النزول عليه، يجلس معه مختصراً أو مطولاً ويبقى معه في مقاطع من حروبه ، وعند خطبه ، ويوجهه ويجيب على أسئلته.
حتى روي أنه نزل عليه في نبوته اثنتي عشر ألف مرة ، وروي أربعاً وعشرين ألف مرة، وقيل ستين ألف مرة ، ولم أجد في ذلك نصاً لكنه تقدير المفسرين .
قال ابن شهراشوب في المناقب (1/44): سمعت مذاكرة أنه نزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله ستين ألف مرة .
< صفحة > 111 < / صفحة >
وكان جبرئيل عليه السلام يوجه النبي صلى الله عليه وآله في قتاله فكان في بدر يقاتل شوطاً ثم يرجع الى مركزه ويدعو . وبعد أن ألقى كف الحصى على المشركين ، واصل الدعاء حتى وقعت الهزيمة ، قال علي عليه السلام : « لما كان يوم بدر قاتلت شيئاً من قتال ، ثم جئت مسرعاً لأنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ما فعل . فجئت فإذا هو ساجد يقول: يا حي يا قيوم ، يا حي يا قيوم ، لا يزيد عليها . فرجعت إلى القتال ، ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضاً . فذهبت إلى القتال ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك ، حتى فتح الله عليه ». «الصحيح من السيرة: 5/68 ».
ويحضر معه عندما يغضبه المنافقون ويحتاج الى إخبار بالمغيبات ، قد عقد الهيثمي باباً «مجمع الزوائد: 8/215» في كرامة أصل النبي صلى الله عليه وآله روى فيه غضب النبي صلى الله عليه وآله لقول أحدهم: « إن مثل محمد في بني هاشم مثل الريحانة في وسط النتن! وقوله: إنما مثل محمد نخلة نبتت في الكَبا«المزبلة»!
فقال صلى الله عليه وآله : أيها الناس من أنا ؟ قالوا أنت رسول الله ، قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب . ألا أن الله عز وجل خلق خلقه ، ثم فرقهم فرقتين فجعلني في خير الفريقين ، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة ، ثم جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً ، فأنا خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً ».
ورد على حقد القرشيين رداً عنيفاً قاصماً ، فقال لهم وهو على المنبر: فليسألني الطاعن بأسرتي: إبنُ مَن هو؟! فسأله صحابي عن أبيه ، فقال له: إن أباك فلان الراعي! وكانت أول مرة يَجْبَهُ فيها أحداً بمثل هذا !
لكن القرشيين لا يرتدعون ولا تنكسر أعينهم، فقد أصروا على الإنتقاص من آبائه صلى الله عليه وآله لينفوا وراثتهم لإبراهيم عليه السلام ! راجع: العقائد الإسلامية »3/275«.
< صفحة > 112 < / صفحة >
وقال في مجمع الزوائد(7/188): (عن أنس قال خرج رسول الله (ص)وهو غضبان ! فخطب الناس فقال: لا تسألوني عن شئ اليوم إلا أخبرتكم به ، ونحن نرى أن جبريل عليه السلام معه ! قلت فذكر الحديث إلى أن قال فقال عمر: يا رسول الله إنا كنا حديثي عهد بجاهلية فلا تبد علينا سوآتنا ، فاعف عفا الله عنك ! رواه أبو يعلي ورجاله رجال الصحيح )!
ومما يجعل النبي صلى الله عليه وآله دائم الحضور بين يدي الله تعالى في فكره ومشاعره وتعامله ، أن الله عرج به مئة وعشرين مرة فأراه الله من آياته الكبرى من ملكوت السماوات والأرض . وعبر به الحجب السبع وقربه وكلمه مباشرة .
فقد صح عن أهل البيت عليهم السلام قول الإمام الصادق عليه السلام : «عرج بالنبي صلى الله عليه وآله إلى السماء مائة وعشرين مرة . ما من مرة إلا وقد أوصى الله النبي صلى الله عليه وآله بولاية علي والأئمة عليهم السلام من بعده، أكثر مما أوصاه بالفرايض». «بصائر الدرجات/99، والخصال/600 ، والمحتضر/44 والفوائد الطوسية/140 ».
فالذي يعيش في هذا الجو مع الملائكة ، والذي رأى الكون كله وعبر السماوات السبع وما فوقها ، واختص بالصعود في حجب النور السبع ، حتى كلمه ربه مباشرة وأراه آياته الكبرى ، كيف لا يكون الله تعالى حاضراً في عمق عقله ومشاعره وسلوكه ، ويكون كل عمره بين يدي الله تعالى !
وهذا التقرير كاف لأن نؤمن بأنه صلى الله عليه وآله إنسان مميز في جوه المادي وجوه الفكري والعقلي والروحي . ونؤمن بأنه بالله لعليم وأن الله في صدره لعظيم.
وأن ما نسبه الجاهلون اليه من الغفلة والسهو والنسيان لا يمكن أن يصح، وأن حجتنا بقوله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى، حجة قاصمة لأن الله نفى أن يكون
< صفحة > 113 < / صفحة >
أي شيئ من منطقه عن هوى بل كله بالوحي ، وبطريق أولى عمله وتصرفه فلا يكون عن شيئ من الهوى بل هو عن وحي .
وهذا أقوى من حجتهم: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ. التي قرأها لي وهابي فقلت له: أكملها فقرأ: يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ.. فقلت له يعني: مثلنا بجسده الظاهر ، ويُوحَى إِلَيَّ: يعني مفتوحة لي نوافذ الغيب ، فهو ليس مثلنا ياغبي!
لاحظ كلامه مع أبي طالب بعد ثلاث سنين ونصف من حصارهم في الشعب ، فأخبر الله رسوله بأنه بعث الأرضَة على الصحيفة وأنهى الحصار!
قال ابن إسحاق في سيرته«2/142»: « فأخبر الله عز وجل بذلك رسوله «ص» فأخبر أبا طالب ، فقال أبو طالب: يا ابن أخي من حدثك هذا ، وليس يدخل الينا أحد ولاتخرج أنت إلى أحد ، ولست في نفسي من أهل الكذب؟ فقال له رسول الله «ص» أخبرني ربي هذا ! فقال له عمه: إن ربك لحق وأنا أشهد أنك صادق . فجمع أبو طالب رهطه ولم يخبرهم ما أخبره به رسول الله كراهية أن يفشوا ذلك الخبر فيبلغ المشركين فيحتالوا للصحيفة بالخبث والمكر ، فانطلق أبو طالب برهطه حتى دخلوا المسجد والمشركون من قريش في ظل الكعبة ، فلما أبصـروه تباشروا به وظنوا أن الحصر والبلاء حملهم على أن يدفعوا إليهم رسول الله «ص» فيقتلوه ! فلما انتهى إليهم أبو طالب ورهطه رحبوا بهم وقالوا: قد آن لك أن تطيب نفسك عن قتل رجل في قتله صلاحكم وجماعتكم ، وفي حياته فرقتكم وفسادكم !
فقال أبو طالب: قد جئتكم في أمر لعله يكون فيه صلاح وجماعة فاقبلوا ذلك منا . هلموا صحيفتكم التي فيها تظاهركم علينا ، فجاؤوا بها ولا يشكون إلا أنهم سيدفعون رسول الله إليهم إذا نشروها ، فلما جاؤوا بصحيفتهم قال أبو طالب: صحيفتكم بيني وبينكم،
< صفحة > 114 < / صفحة >
وإن ابن أخي قد خبرني ولم يكذبني أن الله عز وجل قد بعث على صحيفتكم الأرَضة فلم يدع إلا إسماً لله فيها إلا أكلته من الظلم والقطيعة والبهتان ، فإن كان كاذباً فلكم عليَّ أن أدفعه إليكم تقتلونه ، وإن كان صادقاً فهل ذلك ناهيكم عن تظاهركم علينا؟ فأخذ عليهم المواثيق وأخذوا عليه)!وأظهر الله صدق نبيه، وأنهى أبو طالب الحصار .
لاحظ يقين النبي صلى الله عليه وآله بربه ، ويقين أبي طالب بالله ورسوله صلى الله عليه وآله !
في تفسير القرطبي(3/256): «ودعا يوم بدر حتى سقط رداؤه عن منكبيه يستنجز الله وعده» .
وقال عبد الله ابن مسعود: «ما سمعنا مناشداً ينشد حقاً له أشد مناشدة من محمد صلى الله عليه وآله يوم بدر يقول: اللهم إني أنشدك ما وعدتني ، إن تهلك هذه العصابة لاتعبد . ثم التفت كأن وجهه القمر فقال: كأني أنظر إلى مصارع القوم عشية ».«الزوائد: 6/82».
وهذا يدل على شدة ارتباطه صلى الله عليه وآله بربه تعالى وامتثاله لأمره بالدعاء والإلحاح عند الشدة . وفي صحيح البخاري (6/54): « فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك)! وقوله تصرف عامي خشن مع النبي صلى الله عليه وآله !
ومثال آخر ، يقين النبي صلى الله عليه وآله في الحديبية لما أمره الله تعالى أن يوقع صلحاً مع مشركي قريش، فوثب عمر واعترض على النبي صلى الله عليه وآله وألح في اعتراضه وقال لماذا نعطيهم الدنية والذل ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : (أنا عبد الله ورسوله لا أخالف أمره ولن يضيعني! وجعل عمر يردد الكلام فقال له أبو عبيدة بن الجراح: ألا تسمع ياابن الخطاب رسول الله يقول ما يقول!تعوذ من الشيطان)! (مغازي الواقدي: 1/606).
< صفحة > 115 < / صفحة >
وتأمل في كلامه المطيع البليغ مع ربه تعالى لما رفض أهل الطائف دعوته وآذوه: « فعمد لحائط من كرومهم ، وجلس مكروباً فقال: اللهم إني أشكو إليك غربتي وكربتي ، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين . أنت رب المستضعفين ، أنت رب المكروبين. اللهم إن لم يكن لك عليَّ غضبٌ فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي . أعوذ بك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، وبك منك . لا أحصي الثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ، لك الحمد حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ». (مناقب آل أبي طالب: 1/61، والدرر/62 ، وابن هشام: 2/285).
وهذا دأبه صلى الله عليه وآله مع ربه عز وجل الى آخر لحظة من حياته الشريفة . وقد حرصنا على إبراز هذا البعد في شخصيت صلى الله عليه وآله في الكتاب ، فيمكنك تصفح عناوين فصوله لهذا الغرض.
< صفحة > 116 < / صفحة >

حضور الله تعالى في العقيدة والشريعة

الله في الإسلام يختلف عنه في اليهودية والنصرانية والوثنيات
الله في اليهودية.. منزهٌ أحياناً مثل تنزيهه في الإسلام ، ومجسم أحياناً كالأصنام يتغالب مع النبي يعقوب من المغرب الى الصبح !
وهو إله محب لليهود خاصة ، وقد فضلهم على الشعوب كلها ..
لكنه أيضاً غضوب يغضب فينتقم ويبطش بدون حساب ! قالوا إنه غضب مرة على بني إسرائيل فاستولى عليه الطيش! فحلف بحرمانهم من الحياة الأبدية ، ولكنه ندم على ذلك بعد أن هدأ غضبه ، ولم ينفذ قسمه ، لأنه عرف أنه فعل فعلاً ضد العدالة). (مقارنة الأديان للدكتور شلبي: 1/267).
والله في المسيحية .. عطوف وحنون لكنه جسم له ولد هو المسيح عليه السلام !
والله في الوثنية البوذية مثلاً.. روح يحل في كل شيئ ، ويتجسد في أصنام منحوتة ، وصور مرسومة !
وفي جميع هذه الأديان يخضع الله تعالى لقوانين الزمان والمكان ويتأثر بها .
والله في الإسلام.. خالق المكان والزمان فهو كما قال النبي صلى الله عليه وآله أين الأين وكيف الكيف، ولا يخضع لقوانينهما ، وليس كمثله شيئ ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار .
وهو منزه عن الحاجة الى الظلم فهو العادل المطلق ، ومنزه عن العجز فهو على كل شيئ قدير ، ومنزه عن الحاجة الى حركة فهو فوق المكان ، وعن الغضب لأنه منزه عن الإنفعال مثلنا .
والله غني بالمطلق ، وقد خلق الخلق ليرحمهم ، وليس ليؤنسوه من وحشة ، أو ليعرفوه من أجله ، بل ليرحمهم عن طريق معرفته والإيمان به وبأنبيائه والعمل بشرائعه ، فيتكامل
< صفحة > 117 < / صفحة >
الناس ويكونوا أهلاً للخلود في جنان النعيم ، أو يسقطوا في الإمتحان فيكونوا من أهل النار !
والله في الإسلام .. حاضر في الكون والمجتمع فهو خالق الكون ومنشؤه .
وهو ممونه بالوجود والإستمرار.، وهو ممسكه أن يزول: إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا .
وهو المالك للسماوات والأرض وليوم الدين: لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَالَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.
وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ .
وهو مالك المجتمع البشري في حياته في الأرض وبعدها: اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ . إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ .
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ.
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ .
والله في الإسلام .. حاضر في الشريعة.. فهو المشرع الوحيد والمحاسب:
ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمر فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ .
تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ .
والله في الإسلام .. حاضر في حياة المؤمنين ليلهم ونهارهم:
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَاللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
< صفحة > 118 < / صفحة >
وفي تفاصيل حياة الإنسان وإدارته:
وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ.
وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوااللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْئ عَلِيمٌ.
وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ.
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى .
ولا تجد هذا التوحيد والتنزيه والحضور لله تعالى في الأديان الأخرى ، بل إن اليهود حذفوا من توراتهم كل آيات الآخرة والحساب والجنة والنار !
< صفحة > 119 < / صفحة >

الفصل الخامس والسبعون : الذين قتلهم النبي صلى الله عليه وآله بيده

أراد الله حفظ شخصية رسوله صلى الله عليه وآله على أوسع نطاق من الناس

ولذلك لم يكن يقتل بيده إلا في حالة الدفاع عن النفس ، وكان يوكل القتل والخشونة الواجبة في كل حياته الى علي عليه السلام وذلك بأمر ربه عز وجل.
ولهذا تراكم على علي عليه السلام حقد أعداء الإسلام أكثر من النبي صلى الله عليه وآله لأنه المباشر وإن كان النبي صلى الله عليه وآله هو الأمر .
في شرح الأخبار(2/205) وتفسير فرات/547: (أن النبي صلى الله عليه وآله أرسل علياً أيام هجرة المسلمين إلى الحبشة في مهمة ، فتأخر فذهبت خديجة تبحث عنه !
قال صلى الله عليه وآله : غاب علي منذ اليوم فما أدري ما صنع به ، وقد أعطاني الله عز وجل فيه ثلاثاً في الدنيا ، وثلاثاً في الآخرة: لا أخاف معها عليه أن يموت ولا يقتل حتى يعطيني الله موعده إياي ، إلا أني أخاف عليه واحدة . قالت: يا رسول الله ، وما الثلاث الذي
< صفحة > 120 < / صفحة >
أعطاكها الله في الدنيا ؟ وما الثلاث الذي أعطاكها الله في الآخرة ، وما الواحدة التي تخشاها عليه ؟
قال: يا خديجة ، إن الله عز وجل أعطاني في علي لدنياي أنه يَقتل أربعة وثمانين مبارزاً قبل أن يموت أو يقتل، وأنه يواري عورتي عند موتي ، وأنه يقضي ديني وعداتي من بعدي. وأعطاني في علي لآخرتي أنه صاحب مفتاحي يوم أفتح أبواب الجنة، وأنه صاحب لوائي يوم القيامة ، وأنه صاحب حوضي.
والتي أخافها عليه ضغائن له في قلوب قوم . فخرجت خديجة في الليل تلتمس خبر علي عليه السلام فوافقته فأعلمته باغتمام رسول الله صلى الله عليه وآله بغيبته ، وألفته مقبلاً إليه ، فسبقته تبشره ، فقام قائماً فحمد الله تعالى رافعاً يديه ).
أقول: هؤلاء الأربع وثمانون ، الذين يقتلهم علي عليه السلام مبارزة ، غير الذين يقتلهم في حملاته في حروب رسول الله صلى الله عليه وآله ثم في حروبه ، فهم أضعاف ذلك . فقد قتل في بدر مبارزة وفي حملاته فيها نحو أربعين ، وفي أحد نحو ذلك ، وقتل في حرب الأحزاب عمرو بن ود وابنه وبضعة نفر ، وفي حرب بني قريظة عشرة ، وأسر في الحديبية نحو مائة ولم يقتلهم لحفظ حرمة البيت ، وطالب بهم سهيل بن عمرو فأطلقهم النبي صلى الله عليه وآله .
وقتل أميرالمؤمنين عليه السلام في حنين نحو أربعين أصحاب الرايات ، ونحو ستين من غيرهم ، وفي خيبر نحو ثلاثين ، وفي سراياه نحو ثلاثين .
وقتل عليه السلام في حرب الجمل بضعة نفر مبارزة وعشرات في حملاته ، وقتل في حرب صفين المئات مبارزة وفي حملاته ، وفي النهروان مئات من الخوارج .
وقد اتفق الرواة على أنه عليه السلام مبارز لا نظيرله في سرعة ملاحظته وسرعة عمله ، فكان عليه السلام ينظرالى من يبارزه فيعرف مكان ضربته . ومن خصوصياته أن ضرباته كانت
< صفحة > 121 < / صفحة >
وتراً ، فلا تحتاج إلى ضربة ثانية ، وكان إذا علا قَدَّ وإذا اعترض قَطّ ! كما كان عليه السلام يتقدم جيشه ولا يحتمي به كبعض القادة الذين يختارون وسط الجيش أو آخره . وكان يبرز ويقاتل أمامهم ، ولا يقعد ويقاتل بغيره كخالد بن الوليد . ولايستمد قوته ومعنوياته من جيشه ، بل يعطي لجيشه ببطولته ويقينه قوة معنوية كبيرة ..إلى آخر صفاته القيادية عليه السلام .
وقد تميز عليه السلام بصرخته الحيدرية التي يرتعب منها الفرسان ، وبعضهم كان يولي هارباً ! فقد جاء في فتح اليمن: ( فقام خالد بن سعيد قال له: دعني يا أبا الحسن بأبي أنت وأمي أبارزه ( يقصد عمرو بن معدي كرب)فقال له أمير المؤمنين: إن كنت ترى أن لي عليك طاعة فقف مكانك فوقف ، ثم برز إليه أمير المؤمنين عليه السلام فصاح به صيحة فانهزم عمرو)!(الإرشاد: 1/ 160 ) .
وفي مناقب علي عليه السلام لمحمد بن سليمان(1/304): « فلما رأت ذلك خديجة قالت: يا رسول الله أنا أعلم لك علمه ، فشدت على بعيرها ثم ركبت فلقيت علي بن أبي طالب فقالت له: إركب وائت رسول الله صلى الله عليه وآله فإنه بك مغتم فقال: ما كنت لأجلس في مجلس زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله بل إمضي فأخبري رسول الله وأنا قادم على أثرك قالت خديجة: فمضيت فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا هو قائم يقول: اللهم فرج غمي بأخي علي ، فإذا بعلي قد جاء فتعانقا ، قالت خديجة: ولم أكن أجلس إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله قائماً ، فما افترقا متعانقين حتى ضربتا عليَّ قدماي) . أي تعبت من الوقوف وهي تنتظر النبي صلى الله عليه وآله وهو واقف يتحدث مع علي عليه السلام .

اتفقوا على أنه قتل بيده ابن خلف وفي روايتنا ومسجع بن عوف

وكان أبٌّي من عتاة قريش وأثريائهم وفراعنتهم ، هو وأخوه أمية بن خلف الذي قتل في بدر ، ففي تفسير القمي(2/323): (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيئٌ عَجِيبٌ . أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ . قال نزلت في أبي بن خلف ، قال لأبي جهل تعال
< صفحة > 122 < / صفحة >
إليَّ لأعجبك من محمد ، ثم أخذ عظماً ففتَّه ثم قال: يزعم محمد أن هذا يُحيى! فقال الله: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ، يعني مختلفاً ، ثم احتج عليهم وضرب للبعث والنشور مثلاً فقال: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ. وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ.أي حسن .تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ .وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ. قال كل حب يحصد . وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ . أي مرتفعات لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ . يعنى بعضه على بعض. رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ.جواباً لقولهم: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ . فقال الله: كما أن الماء أنزلناه من السماء فخرج به النبات من الأرض كذلك أنتم تخرجون من الأرض) .

كيف قتل النبي صلى الله عليه وآله أبي بن خلف ؟

في مناقب آل أبي طالب(1/102): (كان أبيُّ بن خلف يقول: عندي رمْكة (فرس) أعلفها كل يوم فرق (صاع ) ذرة أقتلك عليها . فقال النبي: أنا أقتلك إن شاء الله ، فطعنه النبي صلى الله عليه وآله يوم أحد في عنقه وخدشه خدشة فتدهدى عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور، فقالوا له في ذلك فقال: لو كانت الطعنة بربيعة ومضر لقتلتهم . أليس قال لي: أقتلك. فلو بزق علي بعد تلك المقالة قتلني! فمات بعد يوم ، فقال حسان:
لقد ورث الضلالة عن أبيه
أبي حين بارزه الرسول
أتيت إليه تحمل منه عضوا
وتوعده وأنت به جهول
وقد قتلت بنو النجار منكم
أمية إذ يغوث يا عقيل).
وفي شرح الأخبار(1/278): (قالوا: وانتهى أنس بن النضروهو عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار منصرفين إلى المدينة
< صفحة > 123 < / صفحة >
قد ألقوا بأيديهم ، فقال: مالكم؟ قالوا: قتل رسول الله ! قال: فما تصنعون بالحياة بعده..)
وفي تفسير البيضاوي(2/98): (روي أنه لما رمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله (ص) بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه ، فذب عنه مصعب بن عمير وكان صاحب الراية حتى قتله ابن قميئة ، وهو يرى أنه قتل النبي(ص) فقال قد قتلت محمداً وصرخ صارخ ألا إن محمداً قد قتل ، فانكفأ الناس.. وقال بعضهم ليت ابن أبيّ بن سلول يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان .وقال ناس من المنافقين: لو كان نبياً لما قتل إرجعوا إلى إخوانكم ودينكم! فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: ياقوم إن كان قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت وما تصنعون بالحياة بعده فقاتلوا على ما قاتل عليه . ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقولون وأبرأ إليك منه ، وشد بسيفه فقاتل حتى قتل فنزلت ( ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله قالوا: وأتي أبي بن خلف ، عدو الله إلى رسول الله وهو يقول: أين محمد؟لا نجوت إن نجا ! فقال علي: يا رسول الله ، هذا أبي بن خلف أقوم إليه؟ فقال بل أنا أقوم إليه ! فأمسكه علي ومن معه إشفاقاً عليه فانتفض من بينهم انتفاضة تطايروا منها حوله ، وأخذ حربة كانت بيد أحدهم ثم استقبله ، فطعنه بها طعنة في عنقه كاد أن يسقط لها عن فرسه وولى هارباً .
وكان قد لقي رسول الله بمكة فقال: يا محمد ، والله لئن لم تنته عما أنت عليه لأقتلنك ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إليه ، وقال: بل أنا والله أقتلك يا أبي فلما لحق بأصحابه جعل يتغاشى فقالوا له: ما بك ، وما الذي أرعب فؤادك ؟وإنما هو خدش . قال: ويحكم ، إنه قال لي بمكة: أنا أقتلك . فوالله لو بصق علي لقتلني . فمات عدو الله بسرف وهم قافلون إلى مكة ).
< صفحة > 124 < / صفحة >

الذين تعاقدوا على قتل النبي صلى الله عليه وآله في أحد

وكان عبد الله بن شهاب الزهري جد محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، وعتبة بن أبي وقاص ( أخو سعد بن أبي وقاص ) ، وابن قميئة الأدرمي من بنى تيم بن غالب، وأبيّ بن خلف الجمحي ، وعبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ ، تعاقدوا على قتل رسول الله (ص) . فأما ابن شهاب فأصاب جبهته ، وأما عتبة بن أبي وقاص فرماه بأربعة أحجار فكسر رباعيته اليمنى وشقّ شفته السفلى . وأما ابن قميئة الأدرمي فكلم وجنتيه وغيب حلق المغفر فيها ، وعلاه بالسيف فلم يقطع ، وسقط رسول الله ص فجحشت ركبته .
وأما أبيّ بن خلف فشدّ عليه بحربة فأعانه الله عليه فقتله ، فكان أبيّ يقول: قتلني محمد، فسقط ومات في الطريق . وأما عبد الله بن حميد فأقبل يريد رسول الله(ص) فشدّ عليه أبو دجانة فضربه وقال: خذها وأنا ابن خرشة . فقال رسول الله(ص): اللهم ارض عن ابن خرشة ، فإني عنه راض).
هذا وقد زعمت روايات السلطة ، وجود وجود عمر وأبي بكر وطلحة وسعد بن وقاص ، وغيرهم من عشرة قريش مع النبي صلى الله عليه وآله وهو لا يصح ، وقد رأيت أن أنس بن النضر رآهم وكلمهم فوق الصخرة على جبل أحد ، وتبرأ من قولهم لو كان نبياً ما قتل، ونزل فقاتل حتى استشهد .
والصحيح أنهم لم يرجعوا إلا بعد أن انسحب المشركون وصلى النبي صلى الله عليه وآله على الشهداء. وقالت عائشة إن أباها كان من أول من رجع !
< صفحة > 125 < / صفحة >

أبي بن خلف غير ابن قميئة؟

قال ابن سعد (2/42): (فحملوا على من بقي من الرماة فقتلوهم وقتل أميرهم عبد الله بن جبير وانتقضت صفوف المسلمين واستدارت رحاهم وحالت الريح فصارت دبوراً وكانت قبل ذلك صباً . ونادى إبليس لعنه الله إن محمداً قد قتل واختلط المسلمون فصاروا يقتتلون على غير شعار ويضرب بعضهم بعضاً ما يشعرون ، به من العجلة والدهش ).
وقال في شرح النهج(15/3): (كان ابن قميئة أدرم ناقص الذقن،ولم يذكر اسمه ولا ذكره الواقدي أيضاً . قلت: سألت النقيب أبا جعفر عن إسمه فقال: عمرو ، فقلت له: أ هو عمرو بن قميئة الشاعر؟ قال: لا هو غيره .
فقلت له: ما بال بني زهرة في هذا اليوم فعلوا الأفاعيل برسول الله ص وهم أخواله ، ابن شهاب وعتبة بن أبي وقاص! فقال: يا بن أخي، حركهم أبو سفيان وهاجهم على الشر لأنهم رجعوا يوم بدر من الطريق إلى مكة فلم يشهدوها، فاعترض عيرهم ومنعهم عنها ، وأغرى بها سفهاء أهل مكة فعيروهم برجوعهم ، ونسبوهم إلى الجبن وإلى الإدهان في أمر محمد ص ، واتفق أنه كان فيهم مثل هذين الرجلين ، فوقع منهما يوم أحد ما وقع .
وقال: قال الواقدي: أقبل ابن قميئة يومئذ وهو يقول: دلوني على محمد ، فوالذي يحلف به ، لئن رأيته لأقتلنه ، فوصل إلى رسول الله ص فعلاه بالسيف ورماه عتبه بن أبي وقاص في الحال التي جلله ابن قميئة فيها السيف وكان صلى الله عليه وآله فارساً وهو لابس درعين مثقل بهما ، فوقع عن الفرس في حفرة كانت أمامه . قال الواقدي: أصيب ركبتاه جحشتا لما وقع في تلك الحفرة ، وكانت هناك حفر حفرها أبو عامر الفاسق كالخنادق للمسلمين،
< صفحة > 126 < / صفحة >
وكان رسول الله ص واقفاً على بعضها وهو لايشعر فجحشت ركبتاه ، ولم يصنع سيف ابن قميئة شيئاً إلا وهَز الضربة بثقل السيف ).

كيف قتل النبي صلى الله عليه وآله مسجع بن عوف؟

قال أمير المؤمنين عليه السلام (كتاب سُليم/247): (ألا إن العجب كل العجب من جهال هذه الأمة وضلالها وقادتها وساقتها إلى النار ! لأنهم قد سمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول عوداً وبدءاً: ما ولت أمة رجلاً قط أمرها وفيهم أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا ! فولوا أمرهم قبلي ثلاثة رهط ما منهم رجل جمع القرآن ولا يدعي أن له علماً بكتاب الله ولا سنة نبيه . وقد علموا يقيناً أني أعلمهم بكتاب الله وسنة نبيه وأفقههم وأقرأهم لكتاب الله ، وأقضاهم بحكم الله .
وإنه ليس رجل من الثلاثة له سابقة مع رسول الله صلى الله عليه وآله ولا غَناء معه في جميع مشاهده ، فلا رمى بسهم ولا طعن برمح ولا ضرب بسيف ، جبناً ولؤماً ورغبة في البقاء . وقد علموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قاتل بنفسه فقتل أبي بن خلف وقتل مسجع بن عوف ، وكان من أشجع الناس وأشدهم لقاء وأحقهم بذلك . وقد علموا يقيناً أنه لم يكن فيهم أحد يقوم مقامي ، ولا يبارز الأبطال ولا يفتح الحصون غيري ، ولا نزلت برسول الله صلى الله عليه وآله شديدة قط ولا كربة أمر ولا ضيق ومستصعب من الأمر إلا قال: أين أخي علي، أين سيفي ، أين رمحي ، أين المفرج غمي عن وجهي ، فيقدمني فأتقدم فأفديه بنفسي ويكشف الله بيدي الكرب عن وجهه . ولله عز وجل ولرسوله بذلك المن والطول حيث خصني بذلك ووفقني له ).
< صفحة > 127 < / صفحة >
فالنص على أن النبي صلى الله عليه وآله قتله بيده صحيح ، وهو من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في رواية سليم بن قيس الصحيحة، لكن لم يرد عنه أي تفصيل ، ولم أجد له ولا وجد غيري أي ذكر في عشرات المصادر التي راجعناها .
وعبارة أميرالمؤمنين عليه السلام : (قاتل بنفسه فقتل أبي بن خلف وقتل مسجع بن عوف ، وكان من أشجع الناس وأشدهم لقاء ، وأحقهم بذلك).
ولا بد أن يكون مسجع قد قصد قتل النبي صلى الله عليه وآله فضربه دفاعاً عنه فهلك .

روايات صحيحة تنفي قتل النبي صلى الله عليه وآله غير ابن خلف ومسجع

قال الجاحظ في العثمانية/45: (لأن النبي لم يقتل بيده إلا رجلاً واحداً) .
وفي السيرة الحلبية(2/413): (لم يقتل بيده الشريفة قط أحد إلا أبي بن خلف ، لا قبله ولا بعده ).
وقال العلامة في تذكرة الفقهاء (9/157): (ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام : لم يقتل رسول الله صلى الله عليه وآله رجلاً صبراً قط غير رجل واحد عقبة بن أبي معيط ، وطعن ابن أبي خلف فمات بعد ذلك ) .
أما المؤرخ محمد بن حبيب فقال في المنمق/388: (وأبي بن خلف قتله رسول الله (ص) بيده يوم أحد طعنه بالحربة. ولم يقتل بيده غير أبي هذا ، وأبو عزة ضرب عنقه بيده (ص) يوم أحد وقد كان أسره يوم بدر فشكى إليه العيال والفاقة فرق له (ص) ومنَّ عليه وأخذ عليه عهداً أن لا يخرج عليه ، فخرج يوم أحد يحض على رسول الله (ص) فضرب رسول الله عنقه بيده .
والنضر بن الحارث بن كلدة أخو بني عبد الدار ، وقتله رسول الله(ص) أيضاً صبراً وكان له مؤذياً ).
< صفحة > 128 < / صفحة >
وقد نقض كلامه في أبيّ بكلامه في أبي عزة ، وأشار بكلامه عن النضر أنه قتله بيده أيضاً ، ولا يصح ذلك ، وقد وقع التوهم لبعضهم من قولهم قتله صبراً .
قال الواقدي في المغازي(1/138): (عقبة بن أبي معيط قتل صبراً بالصفراء قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح بأمر النبي(ص) وكان الذي أسره عبد الله بن سلمة العجلاني).
أما عندنا فلم يقتل أبا عزة ولا ابن معيط بيده بل أمر علياً عليه السلام بذلك ، ووافقتنا في ذلك بعض روايات المخالفين ، ففي الأغاني: 1/49، وتفسير أبي حيان (2/571): فقتل عقبة يوم بدر صبراً ، أمر علياً فضرب عنقه ).

وتحمل علي وبنو هاشم مسؤولية عمل النبي صلى الله عليه وآله

قال عمر لابن عباس في محاورته الشهيرة في الخلافة: «كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة،فتجخفوا جخفاً (تكبراً) فنظرت قريش لنفسها فاختارت ووفقت فأصابت.. أبت قلوبكم يا بني هاشم إلا غشاً في أمر قريش لا يزول..» ! ( تاريخ الطبري: 3/ 288).
وقال عبد الله بن عمر لعلي عليه السلام : « كيف تحبك قريش وقد قتلت في يوم بدر وأحُد من ساداتهم سبعين سيداً » ! ( مناقب آل أبي طالب: 3/ 21 ) .
وقال عثمان لعلي عليه السلام : « ما أصنع إن كانت قريش لاتحبكم وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين، كأن وجوههم شنوف الذهب » ! ( نثر الدرر/ 259).
فحاكم الدولة الإسلامية عمر وبعده عثمان ، يعرفان أنه لولا قتل بني هاشم مشركي قريش في بدر لما كانت دولة النبي صلى الله عليه وآله التي يتنعمان بحكمها ! ويعرفان أن قتلى بدر طغاة عملوا لقتل النبي صلى الله عليه وآله في بدر وقبلها . ويعرفان أن على المسلم أن يتبرأ من الشرك والمشركين ! ومع ذلك يعطيان قريشاً الحق في كره بني هاشم ومطالبتهم بدماء مشركيها! فاعجب لخليفة يتعمد إدانة منطق الإسلام الذي يحكم به ويلبس ثوبه !
< صفحة > 129 < / صفحة >
ويتناقض في منطقه فيرى قتل مشركي بدر جريمة يتحملها عليٌّ لأنه الآن شيخ بني هاشم !
فبدل أن تشكره قريش وتعرف حقه ، أسست نظام خلافتها على الثأر لقتلى بدر من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ، وقتلت بهم علياً والعترة والأئمة من ذريتهم عليهم السلام !وما زالت تضطهد شيعتهم الى يومنا هذا !
سألت أم سلمة فاطمة الزهراء عليها السلام : « كيف أصبحت يا بنت رسول الله ؟ فقالت: أصبحت بين كمد وكرب ! فُقد النبي ، وظُلم الوصي وهُتك والله حجابه ، وأصبحت إمامته مقتصة على غير ما شرع الله في التنزيل ، وسنها النبي صلى الله عليه وآله في التأويل ! ولكنها أحقاد بدرية وتِراتٌ أحدية ، كانت عليها قلوب النفاق مكتمنة ، فلما استهدف الأمر أرسلت علينا شآبيب الآثار ، من مخيلة الشقاق» . (المناقب: 2/49).
وقال علي عليه السلام لقريش: « وإني لصاحبكم بالأمس ، لعمر أبي وأمي لن تحبوا أن يكون فينا الخلافة والنبوة ، وأنتم تذكرون أحقاد بدر وثارات أحد ! أما والله لو قلت ما سبق الله فيكم ، لتداخلت أضلاعكم في أجوافكم ، كتداخل أسنان دوارة الرحى ! فإن نطقت يقولون حسداً ، وإن أسكت فيقال ابن أبي طالب جزع من الموت ! هيهات هيهات ، الساعة يقال لي هذا ! وأنا المميت المائت ، وخواض المنايا في جوف ليل حالك ». (الإحتجاج: 1/ 127 ) .
< صفحة > 130 < / صفحة >

مجموع القتلى في حروب النبي صلى الله عليه وآله

قال صديقنا الكاتب القدير المحامي أحمد حسين يعقوب الأردني إن جميع القتلى من كل حروب النبي صلى الله عليه وآله من الطرفين ، لا تزيد على 589 قتيلاً .
ولو زدنا على هذا الرقم وبلغ القتلى ألف قتيل لكانت خسائر قليلة في عملية تأسيس أمة ودولة ، ولكانت المدة التي استغرقها التأسيس عشر سنين مدة قياسية أيضاً ، فيصح القول إن المدة التي تم فيها تأسيس الأمة والدولة الإسلامية ، والكلفة التي دفعها الناس مؤمنون وكافرون كلفة قياسية .
< صفحة > 131 < / صفحة >

الفصل السادس والسبعون : زواج النبي صلى الله عليه وآله كله بأمر ربه وكذا تعامله مع زوجاته

ما ينطق عن الهوى.. ولا يفعل إلا ما يؤمر

وهذا الحكم جارٍ في النبي صلى الله عليه وآله من صغره لأن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ، ويعلمه محاسن أخلاق العالم ليله ونهاره ).
ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى، فنفي الهوى عن منطقه يستوجب نفيه عن فعله .
ويدل عليه قوله صلى الله عليه وآله عن علي عليه السلام في حديث بريدة الصحيح عند الجميع، لما أرسله خالد من اليمن ليشتكي على علي عليه السلام ، قال بريدة: ( وكنت رجلاً إذا تكلمت طأطأت رأسي حتى أفرغ من حاجتي ، فطأطأت رأسي وتكلمت فوقعت في علي حتى فرغت ، ثم رفعت
< صفحة > 132 < / صفحة >
رأسي فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله قد غضب غضباً لم أره غضب مثله قط إلا يوم قريظة والنضير! فنظر إليَّ فقال: يا بريدة إن علياً وليكم بعدي ! فأحب علياً فإنه لايفعل إلا ما يؤمر !
قال فقمت وما أحد من الناس أحب إلي منه!وقال عبد الله بن عطاء: حدثت بذلك أبا حرب بن سويد بن غفلة فقال: كتمك عبد الله بن بريدة بعض الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: أَنافَقْتَ بَعْدي يا بريدة !) .
(مسند أحمد: 5/351، والحاكم: 2/129وتاريخ دمشق: 42/196 ، وأسد الغابة: 1/176 ، ومجمع الزوائد: 9/ 127 ، وسنن النسائي: 5/ 136 ، وخصائص علي للنسائي/102).
فإذا كان علي تلميذ النبي صلى الله عليه وآله لايفعل إلا ما يؤمر من نبيه أو بإلهام ربه ، فالنبي بطريق أولى لا يفعل إلا ما يؤمر ، ولا يتزوج بزوجة إلا أن يؤمر بذلك .
وأمره بالزواج من امرأة يعني وجود مصلحة مهمة لدعوته في الزواج منها ، ولايدل على صلاحها بحال ، فقد تكون المصلحة تقليل شر قومها !

خديجة عليها السلام ولا مثل خديجة .. عاش معها نحو عشرين سنة

إن إصرار النبي صلى الله عليه وآله على عمه أبي طالب رضي الله عنه أن يأخذه معه الى الشام كان بأمر ربه ، والآيات التي ظهرت له في الطريق كانت من ربه ، واكتشاف بحيرا الراهب له كان بتدبير ربه.. وكله تمهيد لنبوته .
ثم عمله في تجارة خديجة كان بأمر ربه ، والآيات التي رآها منه ميسرة كانت من ربه ، وخطبة خديجة له كان من تدبير ربه .
في سيرة ابن إسحاق (2/59) وابن هشام (1/121): «فلما أخبرها ميسرة عما أخبرها به بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله .. يا ابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك مني ، وشرفك في قومك ، وسطتك فيهم ، وأمانتك عندهم ، وحسن خلقك ، وصدق حديثك ».
< صفحة > 133 < / صفحة >

كذبوا على خديجة عليها السلام ليرفعو درجة عائشة بنت الرئيس

فقالوا إن النبي صلى الله عليه وآله تزوج خديجة وهي كبيرة السن ، وأنها كان تزوجت قبل النبي صلى الله عليه وآله وقالوا إن بنات أختها اللواتي ربتهم بناتها !
وقالوا إن الذي بشرها به جبرئيل عليه السلام في الجنة بيت من قصب !لأنها لم تُصَلِّي ، أما بيت عائشة فهو من جواهر لأنها صلت !
وقالوا وقالوا.. ومستند هذه الأقوال مصدرٌ واحد هو عائشة ، التي كانت تجاهر بأنها تغار من خديجة لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يمدحها ، وكان النبي صلى الله عليه وآله يرد عائشة بشدة ، وذات مرة سد حلقها بيده حتى لا تتكلم !
قال ابن حجر في الإصابة «8/103»: «أثنى النبي«ص» على خديجة ما لم يثن على غيرها ، وذلك في حديث عائشة قالت: كان رسول الله «ص»لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة ، فيحسن الثناء عليها ، فذكرها يوماً من الأيام فأخذتني الغيرة فقلت: هل كانت إلا عجوزاً قد أبدلك الله خيراً منها ! فغضب ثم قال: لا والله ما أبدلني الله خيراً منها ، آمنت بي إذ كفر الناس ، وصدقتني إذ كذبني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ، ورزقني منها الله الولد ، دون غيرها من النساء ».
وفي الخصال/405، عن الإمام الصادق عليه السلام أن عائشة انتقصت خديجة فبكت فاطمة عليهما السلام .. فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: (مه يا حميرا ، فإن الله تبارك وتعالى بارك في الولود الودود.. وأنت ممن أعقم الله رحمه ، فلم تلدي شيئاً » !
ومعناه أن الله تعالى كما يتدخل في أمره بالزواج منهن ، يتدخل في إعقام أرحامهن ، أو ينعم عليهن فيكنَّ أمهات أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله .
< صفحة > 134 < / صفحة >

كانت خديجة عليها السلام عذراء باكراً لم تتزوج قبله

قال ابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب (1/138): (روى أحمد البلاذري ، وأبو القاسم الكوفي في كتابيهما ، والمرتضى في الشافي ، وأبو جعفر في التلخيص أن النبي صلى الله عليه وآله تزوج بها وكانت عذراء ، يؤكد ذلك ما ذكر في كتابي الأنوار والبدع أن رقية وزينب كانتا ابنتي هالة أخت خديجة ) .
ويؤيده أن ابن عمر قارن بين علي وعثمان فوصف علياً عليه السلام بأنه صهر النبي صلى الله عليه وآله ولم يصف عثمان بذلك(صحيح البخاري: 5/157): (فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أما عثمان فكان الله عفا عنه، وأما أنتم فكرهتم أن تعفوا عنه. وأما علي فابن عم رسول الله (ص)وختنه،وأشار بيده فقال: هذا بيته حيث ترون ) . أي بيته الى جانب بيت النبي صلى الله عليه وآله ، وهو ختنه أي صهره على ابنته ، ولم يذكر ذلك لعثمان ، لأنه صهره على ربيبته !

اصطفاها الله مع ثلاث نساء في العالم عليهم السلام

في الخصال/225، عن الإمام الكاظم عليه السلام : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله تبارك وتعالى اختار من كل شئ أربعة: اختار من الملائكة جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام ، واختار من الأنبياء أربعة للسيف: إبراهيم وداود وموسى وأنا ، واختار من البيوتات أربعة ، فقال: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. واختار من البلدان أربعة فقال عز وجل: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ. وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ. فالتين المدينة والزيتون بيت المقدس وطور سينين الكوفة وهذا البلد الأمين مكة. واختار من النساء أربعاً: مريم وآسية وخديجة وفاطمة ».
< صفحة > 135 < / صفحة >

لم يتزوج النبي صلى الله عليه وآله أكثر من واحدة إلا في عشر سنوات هجرته ؟

والسبب في اعتقادي أنه لم يكن محتاجاً في مكة للزواج لأنه في مرحلة تأسيس دعوة وأمة، وكان عنده زوجة لا يحتاج أن يتزوج عليها .
أما في المدينة فكان في مرحلة تأسيس دولة وعلاقات مع قبائل وشعوب . وقد قال الله تعال له: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا .
تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا . لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْئ رَقِيبًا ).
فالهدف من اختصاصه صلى الله عليه وآله بأحكام في الزواج عن غيره من المسلمين منصوص عليه: لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ. وهذا التعليل لكل الأحكام التي خصه الله بها ، وليس لبعضها كما فسرها بعضهم .
وهذا الحرج المنفي لم يكن موجوداً في مكة ، لكنه موجود بعد الهجرة لحاجة النبي صلى الله عليه وآله الى ترضيات ومصاهرات سياسية .

لم يتزوج النبي صلى الله عليه وآله برأيه بل بأمر ربه

في الخصال/419: (فأولهن خديجة بنت خويلد ، ثم سودة بنت زمعة ، ثم أم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية ، ثم أم عبد الله عائشة بنت أبي بكر ، ثم حفصة بنت عمر ، ثم زينب بنت خزيمة بن الحارث أم المساكين ، ثم زينب بنت جحش ، ثم أم حبيبة رملة
< صفحة > 136 < / صفحة >
بنت أبي سفيان ، ثم ميمونة بنت الحارث ، ثم زينب بنت عميس ، ثم جويرية بنت الحارث ، ثم صفية بنت حيي بن أخطب . والتي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وآله خولة بنت حكيم السلمي، وكان له سريتان يقسم لهما مع أزواجه: مارية ، وريحانة الخندفية ، والتسع اللاتي قبض عنهن: عائشة ، وحفصة ، وأم سلمة ، وزينب بنت جحش ، وميمونة بنت الحارث ، وأم حبيبة بنت أبي سفيان ، وصفية بنت حيي بن أخطب ، وجويرية بنت الحارث ، وسورة بنت زمعة . وأفضلهن خديجة بنت خويلد ، ثم أم سلمة، ثم ميمونة بنت الحارث ).
وفي الكافي(5/390): (وكانت عائشة من تيم ، وحفصة من عدي ، وأم سلمة من بني مخزوم ، وسودة من بني أسد بن عبد العزى ، وزينب بنت جحش من بني أسد وعدادها في بني أمية ، وأم حبيبة بنت أبي سفيان من بني أمية ، وميمونة بنت الحارث من بني هلال ، وصفية بنت حي بن أخطب من بني إسرائيل . ومات صلى الله عليه وآله عن تسع نسوة ).

خؤولة النبي صلى الله عليه وآله في بني زهرة القرشيين

فأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ، وبنو زهرة من القبائل الأساسية في قريش. وقد افتخر النبي صلى الله عليه وآله بأنه استرضع في بني زهرة فقال: أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش ، واسترضعت في بني زهرة ، ونشأت في بني سعد . (شرح اللمعة (5/165) والمسالك(1/376).
وكانت العرب تعتبر ابن البنت منها وكثيراً ما انضم أبناء البنات الى أخوالهم وتركوا أعمامهم ، وربما حاربوا أعمامهم الى جنب أخوالهم .
كما تعتبر العرب الصهر حليفاً لها أو كالحليف ، وتؤمِّن له قدراً من الحماية .
ولذلك وسع النبي صلى الله عليه وآله بأمر ربه مصاهراته وعدد زوجاته .
< صفحة > 137 < / صفحة >

صاهر النبي صلى الله عليه وآله بني أسد بن عبد العزى القرشيين

وكان خويلد بن أسد رئيسهم وكان تاجراً صاحب ثروة يسافر الى الشام ومصر ، وتوفي مبكراً وورثت ماله ابنته خديجة .
وقد رأى خويلد في مصر العوام فأعجب واشتراه غلاماً ثم أعتقه وحالفه .
قال في شرح النهج (11/68) وابن معصوم في الدرجات الرفيعة/361 ): (قالوا إن آل الزبير بن العوام من أرض مصر من القبط وليسوا من بني أسد بن عبد العزى. قال الهيثم بن عدي في كتاب مثالب العرب إن خويلد بن أسد بن عبد العزى كان أتى مصر ثم انصرف منها بالعوام فتبناه …وإنما سمي العوام لأنه يعوم في نيل مصر ويخرج ما يغرق فيه من متاع ، واشتراه خويلد فنزل بمكة ، ثم إن خويلداً تبناه وشرط عليه إن هو جنى عليه جناية رده في الرق . وكان يقال له العوام بن خويلد ، وقال حسان يهجو آل الزبير بن العوام:
بني أسد ما بال آل خويلدٍ
يحنون شوقاً كل يوم إلى القِبْطِ
إذا ذكرت هيفاء حنوا لذكرها
وللرمَث المـقرون والسمك الرَّقط
أحمراً بني العوام إن خويلداً
غداة تبناه ليوثِق في الشـرط
بأنك إن تجني عليَّ جناية
أردك عبداً للنهايا وللقبط).
كما صاهر بني زهرة وأسد عبد العزى فتزوج في المدينة سودة بنت زمعة .

صاهر النبي صلى الله عليه وآله بني مخزوم القرشيين

كان بنو مخزوم قبيلة قرشية قوية تأتي بعد بني هاشم وبني أمية ، وكان رئيسها الوليد بن المغيرة المشهور بكفره وعدائه للنبي صلى الله عليه وآله والذي نزلت في الآيات من سورة المدثر . وبعد هلاكه صار رئيس بني مخزوم عمرو بن هشام وكان يدعى أبا الحكم وسماه رسول الله صلى الله عليه وآله أبا جهل .
< صفحة > 138 < / صفحة >
وأم سلمة إسمها هند ، وهي بنت أبي أمية واسمه حذيفة ، بن المغيرة ، وهو من رؤساء بني مخزوم .وقد خصصنا لها فصلاً ، أوردنا في نقاطاً مهمة عنها .

صاهر النبي صلى الله عليه وآله بني أمية وعمل لفصلهم عن قريش

خطط النبي صلى الله عليه وآله بتوجيه ربه عز وجل لأن يجذب بني أمية اليه ويفصلهم عن قريش ، لأنهم مع بني هاشم من بني عبد مناف .
فكان ليناً معهم ، وزوج ربيبته الى عثمان بن عفان الأموي ، وكانت أم حبيبة بنت أبي سفيان زوجة مسلم مهاجر الى الحبشة فتنصر وطلقها ، فبعث النبي وخطبها وجاؤوا بها اليه .
ولما فتح مكة جاءه أبو سفيان الى مركز قيادته ، ورجع الى أهل مكة يقول لا طاقة لنا بحربه سلموا له مكة ، فاتهمته قريش بأنه تآمر مع النبي صلى الله عليه وآله علىها !
وعين النبي صلى الله عليه وآله حاكماً لمكة من بني أمية ، فاجتمع رؤساء قريش وقرروا عدم طاعة الحاكم من قبل النبي صلى الله عليه وآله وعزلوا أبا سفيان عن قيادتهتم ، وعينوا قائداً لهم شديداً على النبي صلى الله عليه وآله هوسهيل بن عمر .
وذهب أبو سفيان الى المدينة معزولاً فعينه النبي صلى الله عليه وآله جابياً لصدقات نجران!
والسؤال هنا: هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله يأمل حقاً بهداية بني أمية وهو القائل: ( لو لم يبق لبني أمية إلا عجوز درداء ، لبغت دين الله عوجاً).(الخرائج: 2/574).
والجواب: كلا لم يكن يأمل هدايتهم إلا أفراداً منهم أخبره الله أنهم سيهتدون ، لكن هناك عدة أهداف في التعامل معهم منها إجبارهم على قبول الإسلام ولو شكلياً ، ومنها تخفيف شرهم بشعورهم بأن النبي صلى الله عليه وآله لينٌ معهم وأنه ابن عمهم !
< صفحة > 139 < / صفحة >
ولذلك ادعى بنو أمية أنهم كانوا من الأول مع النبي صلى الله عليه وآله ولم يكونوا ضده ، وأنه ابن عمهم وأن معاوية كان كاتب الوحي ، وأن النبي صلى الله عليه وآله صهرهم على أم حبيب بنت أبي سفيان . وأنهم أصهاره بعثمان .
هكذا كان جوهم الظاهر وهو ما عمل النبي صلى الله عليه وآله للوصول اليه ، أما حقيقة موقفهم فكان الكفر والنفاق ، لا يستطيعون إعلانه ، لكنه يفلت منهم أحياناً !
من ذلك: قول أبي سفيان لما وصلت الخلافة الى عثمان: تلقفوها يابني أمية .. فقد قالها سراً في بيت مقفل لم يكن فيه إلا أموي ، لكنها خرجت منهم !
قال أبو الفداء في تاريخه/349: ( حتى امتلأت بهم الدار ثم أغلقوها عليهم ، فقال أبو سفيان بن حرب: أعندكم أحد من غيركم ، قالوا: لا ، قال: يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة فوالذي يحلف به أبو سفيان ، ما من عذاب ولا حساب ولا جنة ولانار ولا بعث ولا قيامة! قال: فانتهره عثمان وساءه بما قال وأمر بإخراجه) !
ومن ذلك: ما أسربه معاوية لصديقه المغيرة فأفشاه ، قال(شرح النهج: 5/129): (روى الزبير بن بكار في الموفقيات، وهو غير متهم على معاوية ، ولا منسوب إلى اعتقاد الشيعة، لما هو معلوم من حاله من مجانبة علي والإنحراف عنه: قال المطرف بن المغيرة بن شعبة: دخلت مع أبي على معاوية فكان أبي يأتيه فيتحدث معه ثم ينصرف إليَّ فيذكر معاوية وعقله ويعجب بما يرى منه ، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء ، ورأيته مغتماً فانتظرته ساعة وظننت أنه لأمر حدث فينا ، فقلت: ما لي أراك مغتماً منذ الليلة؟ فقال: يا بني ، جئت من عند أكفر الناس وأخبثهم !
قلت: وما ذاك! قال: قلت له وقد خلوت به: إنك قد بلغت سناً يا أمير المؤمنين فلو أظهرت عدلاً وبسطت خيراً فإنك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم
< صفحة > 140 < / صفحة >
فوصلت أرحامهم فوالله ما عندهم اليوم شئ تخافه ، وإن ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه.
فقال: هيهات هيهات ، أيُّ ذكر أرجو بقاءه ! مَلكَ أخو تيْمٍ فعدل وفعل ما فعل فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره ، إلا أن يقول قائل: أبو بكر ! ثم ملك أخو عدي ، فاجتهد وشمر عشر سنين فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره ، إلا أن يقول قائل: عمر . وإن ابن أبي كبشة ليُصاح به كل يوم خمس مرات: أشهد أن محمداً رسول الله ! فأي عمل لي يبقى، وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أباً لك ! لا والله إلا دفناً دفناً ) !
وهذا الكفر قاله معاوية سراً فأفشاه ابن المغيرة ، لكن معاوية أمام الناس يتشهد الشهادتين ويصلي ويمدح النبي صلى الله عليه وآله فهو مجبور على ذلك ! وهذا ما عمل له النبي صلى الله عليه وآله وإلا لسيطرت قريش من بعده وأنكرت نبوته !
وقال أميرالمؤمنين(شرح النهج: 20/298) إن قريشاً تمسكت بالنبوة لأنها وسيلة للحكم والثروة ! قال عليه السلام : « اللهم إني أستعديك على قريش ، فإنهم أضمروا لرسولك ضروباً من الشر والغدر فعجزوا عنها ، وحِلْتُ بينهم وبينها ، فكانت الوجبةُ بي والدائرةُ عليَّ..ولولا أن قريشاً جعلت إسمه صلى الله عليه وآله ذريعة إلى الرياسة ، وسُلَّماً إلى العز والإمرة لما عَبَدت الله بعد موته يوماً واحداً ، ولارتدَّت في حافرتها ، وعاد قارحها جذعاً ، وبازلها بكراً !
ثم فتح الله عليها الفتوح فأثْرَتْ بعد الفاقة ، وتمولت بعد الجَهد والمخمصة ، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سَمِجاً ، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطرباً وقالت: لولا أنه حق لما كان كذا !
ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها ، وحسن تدبير الأمراء القائمين بها ، فتأكد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين ، فكنا نحن ممن خَمِل ذكرُه ، وخَبَتْ نارُه ، وانقطع صوته
< صفحة > 141 < / صفحة >
وصِيتُه حتى أكل الدهر علينا وشرب ، ومضت السنون والأحقاب بما فيها، ومات كثير ممن يعرف ونشأ كثير ممن لا يعرف»!

وصاهر النبي صلى الله عليه وآله بني هلال من عامر بن صعصعة

فقد تزوج ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهرم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة (الحاكم: 4/30)وهي أخت لبابة أم الفضل زوجة عمه العباس ، ويقال إن العباس وصفها له وأنها تأيمت من أبي رهم فتزوجها النبي صلى الله عليه وآله في ذي القعدة سنة سبع. وقد مدحها الأئمة عليهم السلام فقالوا إنها أفضل نساء النبي صلى الله عليه وآله بعد خديجة وأم سلمة .
وعامر بن صعصعة أقوى القبائل النجدية ، ومنها سليم بن قيس الهلالي صاحب كتاب سليم المعروف ، وهي قبيلة أم البنين زوجة أمير المؤمنين عليه السلام ، وأم أبي الفضل العباس وإخوته عليهم السلام . وعم أبيها لبيد الشاعر المعروف الذي قال النبي صلى الله عليه وآله فيه: أصدق بيت قالته العرب ، قول لبيد:
وألا كل شئ ما خلا الله باطل
وكل نعيـم لا محالـة زائـل
وهو الذي أنشد أمام النعمان بن المنذر (عمدة الطالب/324):
نحن بنو أم البنين الأربعه
الضاربون الهام وسط المعمعه
والمطعمون القصعة المدعدعه
ونحـن خير عامر بن صعصعه).

وصاهر النبي صلى الله عليه وآله اليهود فتزوج من بنات هارون عليه السلام

صفية بنت حي بن أخطب من اليهود من ذرية هارون عليه السلام . اصطفاها النبي صلى الله عليه وآله من سبايا خيبر ، وخيرها بين أن يعتقها فتكون زوجته أو تلحق بأهلها فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته .
وكان اليهود متوفرون في المدينة وحولها ، فقد هاجرته نخبتتهم بعد رفع عيسى عليه السلام الى الحجاز ينتظرون النبي الذي هو خاتم الأنبياء عليهم السلام لأنه سيبعث في جبال فاران أي مكة
< صفحة > 142 < / صفحة >
ويهاجر الى يثرب .. فنزلت مجموعاتهم في وادي القرى وفدك وخيبر ونزل أبناء هارون وهم رؤساؤهم في المدينة ، وهم بنو قريظة وبنو النضير ، ومعهم بنو قينقاع الذين يعملون في الذهب . لقد شاء الله عز وجل أن يكون اليهود قرب النبي صلى الله عليه وآله وأن يقيم الحجة عليهم .
ففي الكافي (8/310) عن إسحاق بن عمار قال: (سألت أبا عبد الله الصادق عليه السلام عن قول الله تبارك وتعالى: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ؟ قال: كانوا قوماً فيما بين محمد وعيسى صلى الله عليهما ، وكانوا يتوعدون أهل الأصنام بالنبي صلى الله عليه وآله ويقولون: ليخرجن نبي فليكسرن أصنامكم وليفعلن بكم وليفعلن ، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله كفروا به » .
وقال علي بن إبراهيم القمي في تفسيره (1/168): (وأما قوله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ..الآية.. فإنه كان سبب نزولها أنه كان في المدينة بطنان من اليهود من بني هارون ، وهم النضير وقريظة ، وكانت قريظة سبع مائة والنضير ألفاً ، وكانت النضير أكثر مالاً وأحسن حالاً من قريظة ، وكانوا حلفاء لعبد الله بن أبي ، فكان إذا وقع بين قريظة والنضير قتل وكان القاتل من بني النضير قالوا لبني قريظة لا نرضى أن يكون قتيل منا بقتيل منكم ، فجرى بينهم في ذلك مخاطبات كثيرة حتى كادوا ان يقتتلوا حتى رضيت قريظة وكتبوا بينهم كتاباً على أنه أي رجل من اليهود من النضير قتل رجلاً من بني قريظة أن يجنيه ويحمم ، والتجنية أن يقعد على جمل ويولى وجهه إلى ذنب الجمل ويلطخ بالحماة ويدفع نصف الدية ، وأيما رجل من بني قريظة قتل رجلاً من بني النضير أن يدفع إليه دية كاملة ويقتل به .
فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة ودخلت الأوس والخزرج في الإسلام ضعف أمر اليهود فقتل رجل من بني قريظة رجلاً من بني النضير فبعثوا إليهم بنو النضير إبعثوا
< صفحة > 143 < / صفحة >
الينا فدية المقتول وبالقاتل حتى نقتله ، فقالت قريظة ليس هذا حكم التوراة وإنما هو شئ غلبتمونا عليه ، فإما الدية وإما القتل وإلا فهذا محمد بيننا وبينكم فهلموا لنتحاكم إليه ، فمشت بنو النضير إلى عبد الله بن أبي وقالوا سل محمداً أن لاينقض شرطنا في هذا الحكم الذي بيننا وبين بني قريظة في القتل ، فقال عبد الله بن أبيّ إبعثوا معي رجلاً يسمع كلامي وكلامه ، فإن حكم لكم بما تريدون وإلا فلا ترضوا به ، فبعثوا معه رجلاً فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: يا رسول الله إن هؤلاء القوم قريظة والنضير قد كتبوا بينهم كتاباً وعهداً وثيقاً تراضوا به ، والآن في قدومك يريدون نقضه ، وقد رضوا بحكمك فيهم فلاتنقض عليهم كتابهم وشرطهم فإن بني النضير لهم القوة والسلاح والكراع، ونحن نخاف الغوائل والدوائر فاغتم لذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يجبه بشئ ، فنزل عليه جبرئيل بهذه الآيات: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ .. يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا. يعني عبد الله بن أبي حيث قال لبني النضير: إن لم يحكم لكم بما تريدون فلا تقبلوا ).
وأول من نقض العهد مع النبي صلى الله عليه وآله بنو قينقاع فسار إليهم النبي صلى الله عليه وآله بعد عشرين يوماً من وقعة بدر فتحصنوا فحاصرهم خمسة عشر يوماً حتى نزلوا على حكمه فأوثقهم كتافاً، ووهبهم لحليفهم المنافق بن سلول ، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ، فخرجوا إلى أذرعات الشام ، وكانوا ست مئة مقاتل .
وأما بنو النضير ، فتآمروا على قتل النبي صلى الله عليه وآله ونزلت فيهم سورة الحشر ، فبعث إليهم أن أخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها ، فأرسل إليهم عبد الله بن أبي أن لاتخرجوا من دياركم ، فإن معي ألفين يموتون دونكم ، وينصركم بنو قريظة وحلفاؤكم غطفان، فبعث رئيسهم حيي بن أخطب إلى النبي صلى الله عليه وآله إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك!
< صفحة > 144 < / صفحة >
فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وكبر أصحابه! وأمر علياً عليه السلام بالمسير إليهم فحاصرهم وقتل نخبة من فرسانهم ، ولم ينصرهم عبد الله بن أبيّ ولا بنو قريظة ولاحلفاؤهم من غطفان !
وبعد حصارهم قالوا للنبي صلى الله عليه وآله : نخرج من بلادك فأعطنا أموالنا، فقال: لاولكن تخرجون ولكم ما حملت الإبل، فخرجوا إلى وادي القرى والشام .
وأما بنو قريظة ، فبقوا على صلحهم مع النبي صلى الله عليه وآله ثم ذهب زعماؤهم ومعهم من غيرهم إلى مكة وتحالفوا مع أبي سفيان لغزو المدينة في حرب الأحزاب ، ثم جالوا على قبائل العرب يحثونهم على حرب النبي صلى الله عليه وآله ووعدوهم بتمر خيبر . وعندما حاصرالأحزاب المدينة نقض بنو قريظة عهدهم مع النبي وطلبوا من الأحزاب رهائن حتى لايتركوهم وحدهم مقابل النبي صلى الله عليه وآله إن انسحبوا فلم يعطوهم. ولما انهزم الأحزاب سار إليهم النبي صلى الله عليه وآله فحاصرهم حتى نزلوا على حكم حليفهم سعد بن معاذ ، فحكم بقتل من حرض منهم على حرب النبي صلى الله عليه وآله ، وكانوا نحو ثلاث مئة فقتلهم النبي صلى الله عليه وآله .
وأما يهود خيبر فكانوا أكبر قوة لليهود ، وشاركوا في مؤامرات اليهود على النبي صلى الله عليه وآله فقصدهم في السنة السابعة للهجرة ، وأخضعهم وانتصر عليهم ، وأخذ منهم سبايا ومنهم صفية بنت حي بن أخطب ، وقد اختارت الإسلام وأن تكون زوجة النبي صلى الله عليه وآله . وقد فضلها القرآن على عائشة وحفصة لما سخرتا منها قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ .. فقد قال المحدثون: (نزلت في صفية بنت حي بن أخطب وكانت زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وذلك أن عائشة وحفصة كانتا تؤذيانها وتشتمانها وتقولان لها يا بنت اليهودية ! فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لها: ألا تجيبنهما؟ فقالت بماذا يا رسول الله؟ قال قولي: أبي هارون نبي الله ، وعمي موسى كليم الله ، وزوجي محمد رسول الله فما تنكران مني؟فقالت لهما فقالتا: هذا علمك رسول الله! فأنزل الله في ذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا
< صفحة > 145 < / صفحة >
يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الإسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمان وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ . رواه الحاكم: 4/29، وعمدة القاري: /122، والأحوذي: 10/267، وأوسط الطبراني: 8/236، وتفسير القمي: 2/321».
وقال النووي في رياض الصالحين/589: (عن عائشة قالت: قلت للنبي: حسبك من صفية كذا وكذا. فقال:لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته )! رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح .ومعنى مزجته: خالطته مخالطة يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها وقبحها ، وهذا الحديث من أبلغ الزواجر عن الغيبة ).
وقال في الأذكار/338: (وما أعلم شيئاً من الأحاديث يبلغ في الذم لها هذا المبلغ: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى.إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى. نسأل الله الكريم لطفه والعافية من كل مكروه ).
أقول: لابد أن مصاهرة النبي صلى الله عليه وآله لليهود ومدحه لصفية ولأنبياء بني إسرائيل عليهم السلام كان عاملاً في إسلام من أسلم من اليهود .

وصاهر النبي صلى الله عليه وآله الأقباط فتزوج مارية القبطية أم إبراهيم عليهما السلام

ومارية القبطية الجارية التي أهداها المقوقس ملك مصر الى النبي صلى الله عليه وآله فأعتقهتا وتزوجها وأنجبت له ابنه إبراهيم. وكانت مصاهرته للأقباط عاملاً مؤثراً في دخول المصريين الإسلام وتحبيبهم بنبيه صلى الله عليه وآله .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله (مناقب آل أبي طالب: 1/95):(ستفتحون مصر فإذا فتحتموها فاستوصوا بالقبط خيراً فان لهم رحماً وذمة ، يعني أن أم إبراهيم عليه السلام منهم).
< صفحة > 146 < / صفحة >

ما هي الحكمة من مصاهرة النبي صلى الله عليه وآله لأبي بكر وعمر ؟

يقول السنة الذين يقدسون أبا بكر وعمر.. إن النبي صلى الله عليه وآله تزوج ابنتيهما عائشة وحفصة لمكانة أبي بكر وعمر عنده ، وليُعرف الناس بهما وبمقامهما .
كما تزوجهما لمصاهرة قبيلتيهما فقد كانت قبيلة تيم مهمة واشتهر منها عبد الله بن جدعان الذي كان بيته في مكة مفتوحاً ومائدته منصوبة . وكذلك بنو عدي كانوا قليلين لكنهم مؤثرون ، ويكفي أنه نبغ منهم عمر بن الخطاب .
ويقول الشيعة: إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله بالزواج من عائشة وحفصة ليمتحن الناس بهما وبأبويهما ! فليس لهما عشيرة تذكر حتى يتقرب اليها بالمصاهرة ، فبنو تيم قبيلة صغيرة مغمورة ، وبنو عدي أصغر وأقل شأناً ، فقد سرقوا جملاً فأخرجوهم من مكة الى منطقة صخرية مقابل غار ثور ، وقد رأيتها وهي صخور كبار ليس فيها مسكن ولا محل بناء مسكن ، تسمى الحثمة ، ويسمونها ربع سيدنا عمر .
ويقول السنة: إن اختيارالنبي صلى الله عليه وآله لهما يدل على فضلهما وفضل أبويهما لقوله تعالى: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ.
ويجيب الشيعة: الآية لاتدل على ذلك أبداً ، فقد اختار نوح ولوط زوجتيهما، وقال الله عنهما: ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ.
ونوح ولو طيبان وزوجتاهما خبيثتان . أما الطيبات للطيبين فلا بد أن يكون ذلك في الجنة ، أما في الدنيا فقد تكون خبيثة مع طيب ، أو خبيث مع طيبة !
ويقول السنة:إذا قلتم إن عائشة وحفصة شريرتان ، وإن النبي صلى الله عليه وآله لايفعل إلا ما يؤمر، فما هي الحكمة من أمر الله تعالى نبيه بالزواج منهما؟
ويجيب الشيعة: بأن الحكمة امتحان الناس بهما ، وهي نفس الحكمة من إنزال إبليس الى الأرض مع آدم عليه السلام . وقد نص القرآن على أن الله جعل مع كل نبي عدواً له يضل الناس . ألا ترى قوله تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا. يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا
< صفحة > 147 < / صفحة >
خَلِيلًا. لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا. وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا.وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا .
فهذا الصحابي الذي يعض أصابعه كان مع النبي صلى الله عليه وآله وكان مقرباً منه . وقد وصفه الله في الآية الأخيرة بأنه عدو مجرم مضل ، لكنه ضرورة لكل نبي ، فالنبي يهدي وهذا يُضل فيُمتحن به الناس .
أقول: هذه قضية الخلاف في شخصية أبي بكر وعمر وبنتيهما ، بين من يرى أنهم خالفوا النبي صلى الله عليه وآله وأبعدوا عترته عن الحكم واضطهدوهم ، وبين من يقدسهم ويوالي الناس ويعاديهم من أجلهم ، بل يحاربهم ويقتلهم من أجل أنهم لم يقدسوا هؤلاء الأربعة ، وقد بلغ عدد من قتلوهم من أجلهم في الحروب وفرادى الملايين !
< صفحة > 148 < / صفحة >
< صفحة > 149 < / صفحة >

الفصل السابع والسبعون : لماذا حصر الله ذرية نبينا صلى الله عليه وآله في فاطمة الزهراء عليها السلام

الأسرة الربانية المختارة

قال الله تعالى: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .
وقال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا..
وهذه الأسرة تشبه في ظاهرها الأسرالحاكمة من الملوك والقياصرة والجبابرة لكنها تختلف عنها في الجوهر بأن الله عز وجل اختارهم وعلمهم وعصمهم، فالفرق بينهم وبين الأسرالدنيوية كفرق السماء عن الأرض والتراب عن الذهب! فتلك أسرمفروضة من أناس يريدون علواً في الأرض وفساداً ، وهذه أسرة مصطفاة من رب رحيم يريد مصلحة الناس وأمنهم ورفاهيتهم.
< صفحة > 150 < / صفحة >

سنة الله أن يكون للأنبياء عليهم السلام أزواجٌ وذرية

قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ .
ومعناه جعلنا لمن قبلك أزواجاً وذرية فلماذا يعجبون أن جعلنا لك أزواجاً وذرية ! فأين ذريته إن لم تكن الحسن والحسين ؟!
ولما توفي ابناه القاسم والطاهروقال المشركون إنه أبتر ليس له ذرية ، فقال له تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ . إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ .
قال له: أعطيناك ذرية كثيرة ، فأين هي ذريته إن لم تكن الحسن والحسين ؟!
ولما أمره الله أن يدعو النصارى للمباهلة فقال له: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ.
فأين هم أبناؤه إن لم يكونا اللذين أخذهم معه للمباهلة: الحسن والحسين؟!
ولما أمرالله المسلمين أن يقرنوا معه آله في صلواتهم عليه ، فيقولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد ، فمن هم آله إن لم يكن الحسن والحسين من أولهم ؟!
وعندما قال الله لمن عاصروا النبي صلى الله عليه وآله : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا . فمن هم المحسودون الذين آتاهم الله الكتاب والملك إن لم يكونوا الحسن والحسين ؟!
وعندما فرض الله الخمس لقرباه فقال: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيئٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى..فمن قربى الرسول صلى الله عليه وآله إن لم يكونوا الحسن والحسين؟!
وعندما جعل الله مودتهم أجر تبليغ الرسالة فقال: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى . فمن القربى الذين حبهم أجر رسوله إلا الحسن والحسين؟!
< صفحة > 151 < / صفحة >
هذه الحقائق وغيرها.. دليل لمن كان له قلب على أن للنبي صلى الله عليه وآله قربى وآلاً وذرية ، وأن الله فرض لهم على الأمة واجبات ، أولها حبهم وطاعتهم .

شاء الله أن تكون ذرية نبينا صلى الله عليه وآله من ابنته الزهراء عليها السلام

قدر الله وقضى أن يكون نسل نبينا صلى الله عليه وآله من ابنته الطاهرة المباركة . والحكمة في ذلك أن يظهر للناس قيمة المرأة . والأحاديث متظافرة عند السنة والشيعة في أن الله تعالى حصـر ذرية رسوله صلى الله عليه وآله في فاطمة وعلي عليهما السلام .
وروى الصدوق في الأمالي/345، في كلام الله تعالى لعيسى عليه السلام : « يا عيسى ، جِدَّ في أمري ولاتهزل ، واسمع وأطع ، يا ابن الطاهرة الطهر البكر البتول ، صدقوا النبي الأمِّيَّ صاحب الجمل والمدرعة .. ذو النسل القليل ، إنما نسله من مباركة ، لها بيت في الجنة، لا صخب فيه ولا نصب ».
وقد كانت نظرة التحقير للمرأة سائدة عند العرب بل عند كل الشعوب ، ولعل ذلك جاء من اليهود فقد نشروا ثقافتهم التي تزعم أن حواء عليها السلام هي المسؤولة عن معصية آدم عليه السلام وخروجهما من الجنة ، فكانوا يعتقدون أن المرأة شر لا بد منه . ولذلك لاتجد في اليهودية امرأة مقدسة ، إلا الراقصة إستير التي سمي سفر من التوراة باسمها ، وتقديسها أنها استطاعت أن تصل الى قلب شاه إيران وتنجي اليهود من القتل ! بل نجد أنهم رغم الآيات والمعجزات التي أقامها لهم عيسى عليه السلام اتهموا أمه مريم الطاهرة عليها السلام !
أما المسيحيون فعندهم قديسات متعددات لأن نظرتهم الى المرأة أصح ، وأول النساء المقدسات عندهم هيلانه زوجة قيصر التي آمنت على يد بطرس ، أي شمعون الصفا عليه السلام مبعوث عيسى عليه السلام الى روما .
وأما السنيون فليس عندهم امرأة مقدسة أبداً إلا عائشة ، وطابع تقديسهم لها التحزب
< صفحة > 152 < / صفحة >
والتعصب ، وليس الروحانية والكرامات .
وأما تقديس المصريين للسيدة زينب والسيدة نفيسة عليهما السلام وغيرهما فهو أمر ورثوه من الفاطميين الشيعة .
وأما الشيعة فالنساء المقدسات عندهم كثيرات من فاطمة الزهراء وزينب الكبرى عليهما السلام وكثير من الوليات الصالحات من ذرية العترة الطاهرة .
وذلك لأن عقيدة الشيعة تبرئة حواء ومريم عليها السلام مما نسبه اليهما اليهود ، وأن المرأة قد تبلغ درجة القداسة كالرجل، بل قد تكون أفضل من ألوف الرجال.
ومن أمثلتها مشهد فاطمة بنت موسى بن جعفر عليهم السلام في قم بإيران ، الذي يزوره عامة الشيعة من عجم وعرب .
وقد روينا تعظيم النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام للبنات والثواب العظيم الذي جعله الله في تربيتهم وإكرامهن ، وأن البنت قد تكون خيراً من الصبي .
وروينا في الغلام الذي أمر الله الخضر بأن يقتله وقال عنه: وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا . فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا.فأبدله الله به بنتاً كان من نسلها سبعون نبياً.(حلية الأولياء: 10/103).
والحكمة الأكبر في جعل ذرية النبي صلى الله عليه وآله من ابنته عليها السلام أن يبقى النبي صلى الله عليه وآله محفوظاً فلايقع الإضطهاد بعده على ابنه المباشر، وإن وقع على بنته وأبنائها .
والهدف من ذلك عدم الضغط على قريش لئلا ترتد بعده فيرتد العرب ويزول الإسلام ! ذلك أن قريشاً كان تكره بني هاشم كرهاً شديداً عميقاً ! وتقول: الموت خيرلها من أن يحكمها بنو هاشم، حتى لو كان ذلك بأمر الله ! وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ! وكلمة فأمطر تدل على أنهم طلبوا هطول
< صفحة > 153 < / صفحة >
الموت عليهم بمطر وليس مجرد نزول الموت! ومنه نعرف كم كان حكم النبي صلى الله عليه وآله صعباً عليها حتى لو كانت نبوته حقاً من الله تعالى ! وكانت ترى أنها قد أجبرت أن يحكمها النبي صلى الله عليه وآله لكنها لاتقبل بحال أن يحكمها بعده أولاده وعترته عليهم السلام .
وقد قال النبي لأهل بيته عليهم السلام إنكم المضطهدون بعدي، وأخبرهم بمحنتهم من قريش ، وأخذ عليهم العهد أن يتحملوا مادامت قريش تظهرالإيمان بنبوته وقرآنه.فلو كان للنبي صلى الله عليه وآله ابن مباشر لجرى عليه ما جرى على عترته !
وقد سئل أمير المؤمنين عليه السلام (شرح النهج: 20/298): ( قال له قائل: يا أمير المؤمنين أرأيت لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله ترك ولداً ذكراً قد بلغ الحلم وآنس منه الرشد، أكانت العرب تسلم إليه أمرها؟ قال: لا ، بل كانت تقتله إن لم يفعل ما فعلت ، ولولا أن قريشاً جعلت إسمه صلى الله عليه وآله ذريعة إلى الرياسة ، وسلماً إلى العز والأمرة ، لما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً ، ولارتدت في حافرتها ، وعاد قارحها جذعاً ، وبازلها بكراً ، ثم فتح الله عليها الفتوح فأثْرت بعد الفاقة ، وتمولت بعد الجَهد والمخمصة ، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجاً ، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطرباً ، وقالت: لولا أنه حق لما كان كذا ، ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها وحسن تدبير الأمراء القائمين بها ، فتأكد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين ، فكنا نحن ممن خمل ذكره وخبت ناره ، وانقطع صوته وصيته ، حتى أكل الدهر علينا وشرب ، ومضت السنون والأحقاب بما فيها ، ومات كثير ممن يعرف ، ونشأ كثير ممن لا يعرف . وما عسى أن يكون الولد لو كان ! إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقربني بما تعلمونه من القُرْب للنسب واللحمة ، بل للجهاد والنصيحة ، أفتراه لو كان له ولد هل كان يفعل ما فعلت! وكذاك لم يكن يَقْرُب ما قَرُبْتُ ، ثم لم يكن عند قريش والعرب سبباً للحظوة والمنزلة ، بل للحرمان والجفوة .
< صفحة > 154 < / صفحة >
اللهم إنك تعلم أني لم أرد الأمرة ولا علو الملك والرياسة ، وإنما أردت القيام بحدودك، والأداء لشرعك ، ووضع الأمور في مواضعها ، وتوفير الحقوق على أهلها ، والمضي على منهاج نبيك ، وإرشاد الضال إلى أنوار هدايتك ) .
أمام هذا الواقع ، لما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه في مرض وفاته وأمرهم أن يأتوه بدواة وقرطاس ليكتب لهم عهده ووصيته ، ثارت ثائرة قريش وواجهوه بوقاحة وقالوا: لا نريد أن تكتب لنا شيئاً ، حسبنا كتاب الله ! وقالوا إن نبيكم خرفان يهجر فاستفهموه وامتحنوه لنثبت لكم ذلك وأنه يريد الملك لبني هاشم ، وكان جبرئيل عليه السلام الى جنبه فأمره أن يطردهم لئلا يعلنوا الردة ، وقال له: ما أنت فيه خير مما يدعونك اليه ! وقد رواه البخاري في سبع مواضع، منها(1/36): « عن ابن عباس قال: لما اشتد بالنبي وجعه قال: إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده . قال عمر: إن النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا ! فاختلفوا وكثر اللغط قال صلى الله عليه وآله : قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع! فخرج ابن عباس يقول: إن الرزيئة كل الرزيئة ما حال بين رسول الله وبين كتابه .
وفي رواية ثانية: فقالوا هجر رسول الله ! قال النبي: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه ! وفي رواية ثالثة: فقالوا: إن رسول الله يهجر .
وفي رواية رابعة: قال عمر بن الخطاب: إن النبي غلبة الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا ! فاختلفوا وأكثروا اللغط! قال النبي: قوموا عني !
وفي رواية خامسة: فقالوا: ما شأنه أهجر؟ استفهموه . فذهبوا يرددون عليه فقال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه ).
أقول: واجهوه برفض أمره جهاراً ، ورفعوا في وجهه القرآن فقالوا له: حسبنا كتاب الله ! لا نريد أن تكتب لنا أطيعوا بعدي علياً ، ثم أولاد ابنتي فاطمة حسناً ثم حسيناً ، ثم تسعة من ذرية الحسين ! وصاحوا بالحاضرين: لا تقربوا له دواة ولا قرطاساً ! فغضب النبي صلى الله عليه وآله وطردهم وقال
< صفحة > 155 < / صفحة >
لهم: قوموا عني فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه ! إنكم تدعوني لأن أصرَّ عليكم ، فتعلنوا الردة !
ولم يفسر أحد من السنة قول النبي صلى الله عليه وآله : ما أنا فيه خير مما تدعونني إليه ! ولا تفسير له إلا أنهم دعوه لأن يصر على كتابة عهده فيعلنوا أنه يهجر وأنه يريد تثبيت الملك لبني هاشم ، كملك كسرى وقيصر ، فليس هو بنبي !
فكان الأمر يدور بين أن يقبل النبي صلى الله عليه وآله بقيادة عمر لأمته ومن صاح معه من الطلقاء ، أو يصر عليهم فتعلن قريش الردة ، فأمره جبرئيل عليه السلام عن ربه عز وجل بأن يقبل بوضعهم الفعلي ويطردهم ! ووضعهم أنهم يقبلون نبوته والقرآن ، ويرفضوا ذمه لزعماء قريش ومدحه لبني هاشم ، لأنه بزعمهم منه وليس من الله !
وبهذا فسيجبرون أهل بيته عليهم السلام على بيعتهم ويضطهدونهم ، ويقتلون من قاومهم منهم ! وهذا ما كان ووقع حرفياً كما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله .

أعطاني الله منها الولد وأنت ممن أعقم الله رحمه !

روى أحمد (6/117)عن عائشة ، وقالوا عنه حديث حسن ، قالت: (كان النبي إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء ، قالت: فغرت يوماً فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق قد أبدلك الله عز وجل بها خيراً منها . قال: ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها . قد آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء ).
وتقدم قول النبي صلى الله عليه وآله لعائشة: (مه يا حميرا ، فإن الله تبارك وتعالى بارك في الولود الودود..وأنت ممن أعقم الله رحمه ، فلم تلدي شيئاً » . (الخصال/405).

أعطاه الله الكوثر بثلاث معان

قال الله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ . فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ . إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ .
والكوثر: كثرة الذرية ، وحوض الكوثر في المحشر ، ونهر الكوثر في الجنة .
< صفحة > 156 < / صفحة >
ونلاحظ أن الله تعالى بارك في ذرية النبي صلى الله عليه وآله من الحسن والحسين عليهما السلام فكانوا تسعين بالمئة من أسرته وعشيرته بني هاشم ، والباقون عشرة بالمئة أو أقل !
وعندما توفي ابنا النبي صلى الله عليه وآله القاسم والطاهر ، قال العاص بن وائل ومشركوا قريش: إن محمداً أبتر لا يعيش له أولاد يقومون بدعوته بعده ! فأنزل الله تعالى سورة الكوثر.. وبارك في ذرية نبيه صلى الله عليه وآله وجعلهم من ابنته الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام . قال صلى الله عليه وآله : « كل بني أنثى فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا بنى فاطمة فإني أنا عصبتهم وأنا أبوهم» . ( مجمع الزوائد: 4/ 224).
وقد تكاثر السادة من ذرية علي وفاطمة عليهما السلام رغم سياسة الأمويين والعباسيين الخبيثة في إبادتهم وتقتيلهم ، بل زاد عددهم على كل بني أمية ، وهم اليوم في العالم أكثر من ثلاثين مليوناً ! ويسميهم الشيعة: السادة ، وهي جمع سيد وكذا أسياد ، وجمع الجمع سادات . ومعنى السيد: الماجد ، الشريف ، رئيس القوم. وذكر ابن شهرآشوب أن الناس يسمون أبناء النبي صلى الله عليه وآله : أهل البيت ، وآل محمد ، وعترة النبي ، وأولاد الرسول، وآل طه ، وآل ياسين ، ويلقبون كلاًّ منهم بالسيد والشريف . ( المناقب: 1/ 374 ) . وجمعه شُرَفاء وأشراف ، ويستعملونه مقترناً بالسيد فيقولون: السيد الشريف . ويطلق السيد عند الشيعة على العلويين من بني هاشم . (جامع الأنساب/33 ).
والحسنيون: ذرية الإمام الحسن السبط ، وقد أعقب عليه السلام : ستة عشر ولداً: زيد والحسن المثنى والحسين وطلحة وإسماعيل وعبد الله وحمزة ويعقوب وعبد الرحمن وأبو بكر وعمر والقاسم وأم الحسين الخير وأم الحسن وفاطمة وأم سلمى وأم عبد الله ورقية . وأعقب من ولد الحسن أربعة: زيد والحسن والحسين الأثرم وعمر ، إلاّ أن الحسين وعمر توفيا وانقطع نسلهما ، وانحصر عقب الإمام الحسن بزيد والحسن المثنى .
والحسينيون: أولاد الإمام الحسين عليه السلام وهم: علي الأكبر وعلي الأصغر، وجعفر ، وعبد الله
< صفحة > 157 < / صفحة >
، وفاطمة ، وسكينة . والعقب من ذريته من ابنه زين العابدين عليه السلام ، فقد أعقب تسعة أولاد وسبع بنات:الإمام محمد الباقر ، وعبد الله الباهر، وزيد الشهيد ، وعمر الأشرف، والحسين الأصغر، وعلي).

نبينا أفضل من إبراهيم صلى الله عليه وآله وآل محمد أفضل من آل إبراهيم عليهم السلام

قال أمير المؤمنين عليه السلام (نهج البلاغة: 1/82): (والله ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم، فأدخلناهم في حيِّزنا ، فكانوا كما قال الأول:
أدمتَ لعمري شُرْبَـك المـحْضَ صابحاً
وأكلـك بالـزبد المقشـرةَ البُجْـرا
ونحن وهبناك العلاءَ ولم تكن
علياً وحُطنا حولك الجُرْدَ والسُّمْرا
وقال عليه السلام : (أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا، كذباً وبغياً علينا أن رفعنا الله ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم وأدخلنا وأخرجهم! بنا يُستعطى الهدى ويُستجلى العمى. إن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم لاتصلح على سواهم ولاتصلح الولاة من غيرهم).(نهج البلاغة: 2/ 27).
وقال الإمام الباقر عليه السلام : في قوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً: (نحن الناس المحسودون على ما آتانا الله من الإمامة دون خلق الله أجمعين . فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عظيماً ، يقول جعلنا منهم الرسل والأنبياء والأئمة ، فكيف يقرون به في آل إبراهيم وينكرونه في آل محمد صلى الله عليه وآله !قال الراوي بريد العجلي قلت: وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً؟ قال: الملك العظيم أن جعل فيهم أئمةً مَن أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم عصى الله فهو الملك العظيم).( الكافي: 1/205).
< صفحة > 158 < / صفحة >
وفي طريق عودة النبي صلى الله عليه وآله من تبوك بعد فشل مؤامرتهم لقتله صلى الله عليه وآله ، وفشل مؤامرتهم في المدينة لقتل علي عليه السلام ، بلغ النبي صلى الله عليه وآله أن جماعة يتكلمون على علي عليه السلام وعلى عترته عليهم السلام ، فأمر أن يعملوا له منبراً كمنبر غدير خم ، وخطب في المسلمين وأبلغ رسالة ربه ، وأتم عليهم الحجة !
قال أنس بن مالك ( أمالي الطوسي/308 ): « رجعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله قافلين من تبوك ، فقال لي في بعض الطريق: ألقوا لي الأحلاس والأقتاب، ففعلوا فصعد رسول الله فخطب فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: معاشر الناس ، مالي إذا ذكر آل إبراهيم تهللت وجوهكم ، وإذا ذكر آل محمد كأنما يفقأ في وجوهكم حب الرمان! فوالذي بعثني بالحق نبياً لو جاء أحدكم يوم القيامة بأعمال كأمثال الجبال ولم يجئ بولاية علي بن أبي طالب ، لأكبه الله في النار » !
ولم يذكر أنس أن مناسبة هذه الخطبة فشل مؤامرة العقبة لقتل النبي صلى الله عليه وآله وفشل مؤامرة المدينة لقتل علي عليه السلام ! وقد بحثنا ذلك في مسألة 59 من ألف سؤال وإشكال .

أراد عمر الزواج ببنت علي عليه السلام لأن نسب النبي صلى الله عليه وآله لا ينقطع

قال ابن حجر في الصواعق/157: (في رواية أن عمر صعد المنبر فقال: أيها الناس إنه والله ما حملني على الإلحاح على علي في ابنته إلا أني سمعت رسول الله يقول كل: سبب ونسب وصهر ينقطع إلا سببي وصهري ، وإنهما يأتيان يوم القيامة فيشفعان لصاحبهما .
ثم ذكر ابن حجر أنه تزوجها وولدت له زيداً ، ونحن نقول لم يتزوجها وزيد بن عمر أمه أم كلثوم بنت جرول ونص المؤرخون على أنها كانت زوجة عمر في مكة .
وفي نيل الأوطار للشوكاني(6/38): (عن عمر بن الخطاب رفعه:كل وُلْدِ أم فإن عصبتهم لأبيهم ، ما خلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم .
< صفحة > 159 < / صفحة >
قال السخاوي في رسالته الموسومة بالإسعاف بالجواب على مسألة الأشراف ، بعد أن ساق حديث جابر بلفظ: إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه ، وإن الله جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب ، ما لفظه: وقد كنت سئلت عن هذا الحديث وبسطت الكلام عليه ، وبينت أنه صالح للحجة ).
< صفحة > 160 < / صفحة >
< صفحة > 161 < / صفحة >

الفصل الثامن والسبعون : الألطاف الربانية للنبي صلى الله عليه وآله في أسرته بني هاشم

اصطفاء الله تعالى لبني هاشم

اتفق الجميع على تصحيح حديث أن الله اصطفى بني هاشم على غيرهم ، ثم اصطفى منهم عبد المطلب وبنيه ، ثم اصطفى منهم رسول الله صلى الله عليه وآله . وقد روته عامة المصادر الى اصطفاء بني هاشم ، وأكملته بعض رواياتها . وأصله: (عن واثلة بن الأسقع: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله اصطفى إسماعيل من ولد إبراهيم ، واصطفى كنانة من بني إسماعيل ، واصطفى قريشاً من بني كنانة ، واصطفى هاشماً من قريش ، واصطفاني من هاشم). (أمالي الطوسي/246). ورواه مسلم (7/58) والترمذي(5/244) وعشرات المصادر .

الإصطفاء في القرآن كله بالمعنى الحقيقي

فقد قال الله تعالى: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . فاصطفى آدم اصطفاء حقيقياً وفضله على غيره . ولم يقل آله لأن فيهم قابيل.
< صفحة > 162 < / صفحة >
ولا قال آل نوح لأن فيهم ابنه الكافر . وقال وآل إبراهيم أي المباشرين ، ولا يشمل أحفاده إخوة يوسف . وآل عمران وهم مريم فقط .
وقال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ . جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ .
وقد فسرها كعب الأحبار بأن المصطفين الذي أورثهم الله الكتاب هم كل الأمة ، وكلها في الجنة ! وتبعه عمر وعثمان وعائشة وأئمة المذاهب !

افتراء كعب على الله تعالى وتبناه عمر وأئمة المذاهب !

قال السيوطي في الدر المنثور(5/252): ( وأخرج عبد بن حميد عن صالح أبي الخليل قال قال كعب: يلومني أحبار بني إسرائيل أني دخلت في أمة ، فرقهم الله ثم جمعهم ثم أدخلهم الجنة ! ثم تلا هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ . جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ. قال قال: فأدخلهم الله الجنة جميعاً .
عن عبد الله بن الحارث أن ابن عباس سأل كعباً عن قوله: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا.. الآية ؟ قال: نجوا كلهم . ثم قال: تحاكت مناكبهم ورب الكعبة ، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم .
وقال كعب: دخلوها ورب الكعبة . وفي لفظ قال: كلهم في الجنة ، ألا ترى على أثره والذين كفروا لهم نار جهنم فهؤلاء أهل النار .
وقلده عمر بن الخطاب كما روى عبد بن منصور ، وابن أبي شيبة ، وابن المنذر ، والبيهقي في البعث عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا نزع بهذه الآية قال: ألا إن سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له ) .
< صفحة > 163 < / صفحة >
أقول: وعن عمر وكعب أخذت عامة المذاهب ، فصارت الأمة كلها مصطفاة في الجنة ! وفيها الظلمة والفسقة والذين نص الله ورسوله صلى الله عليه وآله عليهم أنهم في النار !
وزعم الخولاني وهو من تلامذة كعب أنه قرأ ذلك في كتب اليهود !
قال السيوطي في نفس المصدر:(أخرج عبد بن حميد عن أبي مسلم الخولاني قال: قرأت في كتب الله أن هذه الأمة تصنف يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف منهم يدخلون الجنة بغير حساب ، وصنف يحاسبهم الله حساباً يسيراً ويدخلون الجنة ، وصنف يوقفون ويؤخذ منهم ما شاء الله ، ثم يدركهم عفو الله وتجاوزه ) .
ثم اتبع عثمان بن عفان كعباً على تفسيره وفتواه ، فكان يقول كما قال عمر !
واتبعتهم عائشة، فقد روى الحاكم(2/426)وصححه عن عقبة بن صهبان الحراني قال قلت لعائشة: يا أم المؤمنين أرأيت قول الله عز وجل: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير؟ فقالت عائشة: أما السبَّاق فمن مضى في حياة رسول الله فشهد له بالحياة والرزق . وأما المقتصد فمن اتبع آثارهم فعمل بأعمالهم حتى يلحق بهم. وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك ومن اتبعنا ، وكل في الجنة) !
ولم أجد من خالف كعباً وعمر في وراثة الكتاب إلا الحسن البصري! فقد ذكر له ذلك فقال: أبت ذلك عليهم الواقعة ! يقصد التقسيم الثلاثي للمسلمين الذي ورد في سورة الواقعة في قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً . فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ . وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ . وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ .
فاتضح أن عمر وعثمان وعائشة أخذوا في هذه المسألة المصيرية بتفسير كعب وفتواه ، وجعلوا قوله حجة بدون أن يستند الى آية أو حديث ! وتبعهم في ذلك عامة أئمة المذاهب ! ورد كلامهم أئمة العترة الطاهرة عليهم السلام .
< صفحة > 164 < / صفحة >
قال ابن شعبة الحراني في تحف العقول/25: (لما حضر علي بن موسى عليه السلام مجلس المأمون وقد اجتمع فيه جماعة علماء أهل العراق وخراسان، فقال المأمون: أخبروني عن معنى هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا.. الآية؟ فقالت العلماء: أراد الله الأمة كلها. فقال المأمون: ما تقول يا أبا الحسن ؟ فقال الرضا عليه السلام : لا أقول كما قالوا ولكن أقول: أراد الله تبارك وتعالى بذلك العترة الطاهرة . فقال المأمون: وكيف عنى العترة دون الأمة؟فقال الرضا عليه السلام لنفسه: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ، ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير . ثم جعلهم كلهم في الجنة فقال عز وجل: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ، فصارت الوراثة للعترة الطاهرة لا لغيرهم .
ثم قال: هم الذين وصفهم الله في كتابه فقال: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ، وهم الذين قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، يا أيها الناس لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم .
قالت العلماء: أخبرنا يا أبا الحسن عن العترة هم الآل أو غير الآل ؟
فقال الرضا عليه السلام : هم الآل. فقالت العلماء: فهذا رسول الله يؤثر عنه أنه قال أمتي آلي ، وهؤلاء أصحابه يقولون بالخبر المستفيض(!) الذي لا يمكن دفعه: آل محمد أمته ! فقال الرضا عليه السلام : أخبروني هل تحرم الصدقة على آل محمد ؟ قالوا: نعم . قال عليه السلام : فتحرم على الأمة ؟ قالوا: لا .
قال عليه السلام : هذا فرق بين الآل وبين الأمة ، ويحكم أين يذهب بكم ، أضربتم عن الذكر صفحاً أم أنتم قوم مسرفون ، أما علمتم أنما وقعت الرواية في الظاهر على المصطفين المهتدين دون سائرهم !
< صفحة > 165 < / صفحة >
قالوا: من أين قلت يا أبا الحسن ؟ قال: من قول الله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ .
فصارت وراثة النبوة والكتاب في المهتدين دون الفاسقين .
أما علمتم أن نوحاً سأل ربه فقال: فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وذلك أن الله وعده أن ينجيه وأهله ، فقال له ربه تبارك وتعالى: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ .فقال المأمون: فهل فضل الله العترة على سائر الناس ؟ فقال الرضا عليه السلام :إن الله العزيز الجبار فضل العترة على سائر الناس في محكم كتابه.
قال المأمون: أين ذلك من كتاب الله ؟قال الرضا عليه السلام : في قوله تعالى: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ .
وقال الله في موضع آخر: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً . ثم رد المخاطبة في أثر هذا إلى سائر المؤمنين فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمر مِنْكُمْ ، يعني الذين أورثهم الكتاب والحكمة وحسدوا عليهما بقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ، يعني الطاعة للمصطفين الطاهرين والملك هاهنا الطاعة لهم.
قالت العلماء: هل فسرالله تعالى الإصطفاء في الكتاب ؟فقال الرضا عليه السلام : فسر الإصطفاء في الظاهر سوى الباطن في اثني عشر موضعاً .
فأول ذلك قول الله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين . وهذه منزلة رفيعة وفضل عظيم وشرف عال حين عنى الله عز وجل بذلك الآل فهذه واحدة .
< صفحة > 166 < / صفحة >
والآية الثانية في الإصطفاء قول الله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً . وهذا الفضل الذي لا يجحده معاند ، لأنه فضل بين .
والآية الثالثة، حين ميز الله الطاهرين من خلقه أمر نبيه في آية الإبتهال فقال قل يا محمد: تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ . فأبرز النبي صلى الله عليه وآله علياً والحسن والحسين وفاطمة عليها السلام فقرن أنفسهم بنفسه.. إلى آخر الرواية ) .

أصح تفسير للآية تفسير الشريف المرتضى قدس سره

قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ . جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ .
فالفهم الأولي للآية أن الله ورث الكتاب لمن اصفاهم ومنهم ظالم لنفسه ومعتدل وسابق بالخيرات. والصحيح أن الذين أورثوا الكتاب هم السابقون بالخيرات فقط ، وليس منهم الظالم لنفسه والمقتصد ، بل هم من عبادنا .
قال الشريف المرتضى في رسائله (3/102): (والذي أعتمده وأعول عليه ، أن يكون: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ من صفة عِبَادِنَا ، أي أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ،ومن عبادنا ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ، أي فليس كل عبادنا ظالماً لنفسه ، ولا كلهم مقتصداً ولا كلهم سابقاً بالخيرات ، فكان الذين أورثوا الكتاب السابقون بالخيرات دونهما ).
ويؤيده صحيح بصائر الدرجات/67والكافي: 1/226: (محمد بن حماد عن أخيه أحمد بن حماد عن إبراهيم عن أبيه عن أبي الحسن الأول عليه السلام قال قلت له: جعلت فداك أخبرني عن النبي صلى الله عليه وآله ورث من النبيين كلهم؟ قال لي: نعم . قلت: من لدن آدم ال أن انتهت إلى نفسه؟
< صفحة > 167 < / صفحة >
قال: ما بعث الله نبياً إلا وكان محمد صلى الله عليه وآله أعلم منه. قال قلت: إن عيسى بن مريم كان يحيى الموتى بإذن الله. قال صدقت . قلت وسليمان بن داود كان يفهم منطق الطير. هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقدر على هذه المنازل ؟ قال فقال: إن سليمان بن داود قال للهدهد حين فقده وشك في أمره فقال: مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ . وغضب عليه فقال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ .وإنما غضب عليه لأنه كان يدله على الماء فهذا وهو طير فقد أعطي ما لم يعط سليمان ، وقد كانت الريح والنمل والجن والإنس والشياطين والمردة له طائعين ، ولم يكن له يعرف الماء تحت الهواء ، فكان الطير يعرفه .
الله وتعالى يقول في كتابه: وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأمر جَمِيعًا. وقد ورثنا هذا القرآن ففيه ما يقطع به الجبال ويقطع المداين به ، ويُحيى به الموتى ، ونحن نعرف الماء تحت الهواء !
وإن في كتاب الله لآيأت ما يراد بها أمر إلى أن يأذن الله به ،مع ما قد يأذن الله مما كتبه الماضون ، جعله الله في أم الكتاب ، إن الله يقول في كتابه: وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ. ثم قال: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا. فنحن الذين اصطفانا الله فورثنا هذا الذي فيه تبيان كل شئ ).
وتؤيد ذلك رواية الكافي(1/215): ( عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا.فقال: أي شئ تقولون أنتم؟ قلت نقول إنها في الفاطميين؟ قال: ليس حيث تذهب ليس يدخل في هذا من أشار بسيفه ودعا الناس إلى خلاف . فقلت: فأي شئ الظالم لنفسه ؟ قال: الجالس في بيته لايعرف حق الإمام ، والمقتصد: العارف بحق الإمام ، والسابق بالخيرات: الإمام ) .
ورواية الفصول المهمة للحر العاملي(1/515)عن عبد الله بن جعفر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث في نشأن الأئمة عليهم السلام : (أهل الأرض كلهم في تيه غيرهم وغير شيعتهم لا يحتاجون إلى أحد من
< صفحة > 168 < / صفحة >
الأمة في شئ من أمر دينهم والأمة يحتاجون إليهم. وهم الذين قال الله: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) .

التفسيرالشيعي الثاني أن المصطفين كل أولاد فاطمة عليها السلام

وأنهم جميعاً أورثهم الله الكتاب حسب ، واستثنت منهم رواية من حمل سيفه ليطيعه الناس ، ومنهم ظالم لنفسه ومقتصد ، وسابق بالخيرات وهم الأئمة عليهم السلام . فتكون الوراثة لجميعهم بنحو من المجاز أو النسبية ، وللأئمة عليهم السلام على نحو الحقيقة .
واستدل على ذلك ببعض الروايات كرواية سالم (الكافي(1/214): (قال: سألت أبا جعفر عليه السلام قول اللَّه تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ؟ قال: السابق بالخيرات الإمام والمقتصد العارف للإمام والظالم لنفسه الذي لا يعرف الإمام ».
لكن الرواية ليست صريحة في ذلك ، خاصة أن الكليني قدس سره جعل عنوان الباب: (في أن من اصطفاه الله من عباده وأورثهم كتابه هم الأئمة عليهم السلام : وهو ظاهر في الحصر، وموافق لتفسير المرتضى الذي اخترناه ، وسبب اختيارنا له أن الإصطفاء يتنافى مع ظلم النفس ، فلا يصح أن يعود ضمير فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ.. الى المصطفيْن ، بل لا بد أن يعود الى عبادنا كما قال المرتضى رحمه الله .
نعم تدل على هذا التفسير الثاني رواية الصدوق في معاني الأخبار/105، لكنها تفسر الظالم لنفسه بغير المشهور: (عن أبي حمزة الثمالي قال: كنت جالساً في المسجد الحرام مع أبي جعفر عليه السلام إذ أتاه رجلان من أهل البصرة فقالا له: يا ابن رسول الله إنا نريد أن نسألك عن مسألة فقال لهما: إسألا عما جئتما . قالا: أخبرنا عن قول الله عز وجل: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ.. الآيتين . قال: نزلت فينا أهل البيت . قال أبو حمزة فقلت: بأبي أنت وأمي فمن الظالم لنفسه ؟ قال: من
< صفحة > 169 < / صفحة >
استوت حسناته وسيئاته منا أهل البيت فهو ظالم لنفسه . فقلت: من المقتصد منكم ؟ قال: العابد لله ربه في الحالين حتى يأتيه اليقين . فقلت: فمن السابق منكم بالخيرات ؟ قال: من دعا والله إلى سبيل ربه ، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ولم يكن للمضلين عضدا ً، ولا للخائنين خصيماً، ولم يرض بحكم الفاسقين إلا من خاف على نفسه ودينه ولم يجد أعواناً ).
وإن صح السند أمكن قبولها لأن الظلم فيها بمعنى مجازي لا يتنافى مع الإصطفاء .

قريش تفضل الموت على طاعة بني هاشم !

  1. وقد نص على ذلك القرآن فقال تعالى: وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ !
    فالموت والإبادة عندهم خير من أن يكون نبي من بني هاشم يحكمهم ، لأنهم يكرهون بني هاشم كرهاً قديماً شديداً عميقاً ولايقبلون أن يتميزوا عليهم حتى لو كان تميزهم بالنبوة حقاً بأمر الله ! فهم يطلبون من الله الذي أرسل نبياً هاشمياً أن يمطر عليهم الموت مطراً ويبيدهم !
    وقال الجاحظ في البيان والتبيين(3/291) والأبشيهي في المستطرف(1/58): ( قال معاوية لرجل من اليمن: ما كان أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة ! فقال: أجهل من قومي قومك الذين قالوا حين دعاهم رسول الله: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، أو ائتنا بعذاب أليم ، ولم يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ، فاهدنا إليه ) .
    كان هذا موقفهم في الجاهلية فتحالفوا ضد عبد المطلب . ثم لما سمعوا أن النبي صلى الله عليه وآله قال إن الله أرسله سارعوا الى المطالبة بتسليمه لهم ليقتلوه !
    < صفحة > 170 < / صفحة >
    وواصلوا محاولاتهم ليل نهار لقتله ثلاث عشرة سنة حتى هاجر ، وحاربوه ثمان سنين حرباً بعد حرب حتى دخل مكة فاتحاً وأجبرهم على خلع سلاحهم والتسليم له ، لكنهم خضعوا موقتاً مجبرين !
    وبقي موقفهم من حكم النبي صلى الله عليه وآله وبني هاشم هو هو! اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ .
  2. بعد فتح مكة عزلت قريش أبا سفيان لأنه برأيها أخذته المنافية فتآمر مع النبي على قريش ، فعزلوه وأمَّروا سهيل بن عمر ، ثم تحالف سهيل مع أبي بكر وعمر وكان يأتي الى المدينة فينزل عند عمر ويطالب النبي صلى الله عليه وآله باستقلال قريش ومكة ويؤيده الشيخان ! وفي الفصل الخمسين بحثنا تحالف عمر وأبي بكر وسهيل.
    قال في شرح نهج البلاغة (12/78): (وروى ابن عباس قال: خرجت مع عمر إلى الشام في إحدى خرجاته ، فانفرد يوماً يسير على بعيره فاتبعته فقال لي: يا بن عباس ، أشكو إليك ابن عمك ، سألته أن يخرج معي فلم يفعل ولم أزل أراه واجداً ، فيم تظن موجدته؟
    قلت: يا أمير المؤمنين إنك لتعلم ، قال أظنه لا يزال كئيباً لفوت الخلافة . قلت: هو ذاك، إنه يزعم أن رسول الله أراد الأمر له ، فقال: يا ابن عباس ، وأراد رسول الله الأمر له فكان ماذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك ! إن رسول الله أراد أمراً وأراد الله غيره ، فنفذ مراد الله تعالى ولم ينفذ مراد رسوله ! أوَكلما أراد رسول الله كان ! إنه أراد إسلام عمه ولم يرده الله فلم يسلم !
    وقد روى معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ وهو قوله: إن رسول الله أراد أن يذكره للأمر في مرضه ، فصددته عنه خوفاً من الفتنة وانتشار أمر الإسلام ، فعلم رسول الله ما في نفسي وأمسك ، وأبى الله الا إمضاء ما حتم) !
    < صفحة > 171 < / صفحة >
    وقال السيد المؤيدي القاسمي، الملقب بالهادي الثاني ، وهو من أكابر علماء الزيدية في كتابه التحفة العسجدية/144: قال عمر: (ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعته من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام . ورب هذه البنية لاتجتمع عليه قريش أبداً، ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها ! فعلم رسول الله أني علمت ما في نفسه فأمسك ، وأبى الله إلا إمضاء ما حتم! ذكر هذا الخبر أحمد بن أبي طاهرصاحب كتاب تاريخ بغداد في كتابه مسنداً).
    أقول: أحمد ابن أبي طاهر مؤرخ موثوق ، له عدة مؤلفات ينقل منها المؤرخون ، وقد طبع بعض المستشرقين جزءً من كتابه تاريخ بغداد .
    والعجيب قول عمر: (ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعته!
    فمن أنت ياعمر حتى تمنع رسول الله صلى الله عليه وآله من عمل مصيري كهذا ؟
    ومن أنت حتى تزايد على رسول الله صلى الله عليه وآله وتكون أحرص على أمته منه ؟!
    وأعجب منه قوله: أراد رسول الله الأمرله فكان ماذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك! فمن أنت يا عمر حتى تجعل منعك للنبي صلى الله عليه وآله إرادة الله ! وتزعم أنك غلبت بها إرادة النبي صلى الله عليه وآله ، والنبي لاينطق إلا وحياً يوحى !
    فهل أوحى لك الله تعالى برد ما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟!
    وأعجب منه قول عمر: أن الناس قبلوا منه مواجهته للنبي صلى الله عليه وآله وافتخروا بها ! وكان ينبغي أن يصف ما حدث فيقول: أراد النبي في مرض وفاته أن نلتزم له بعهده الذي يريد أن يكتبه ، وفيه أن الإمامة بعده لعلي والأحد عشر من عترته ، فتصديت له وخلفي كل قريش وهددناه بالردة وصاح الطلقاء: القول ما قاله عمر، حسبنا كتاب الله ، لا نريد أن تكتب لنا شيئاً ! فاضطر النبي للتراجع وانتصر إسلام عمر وقريش على إسلام محمد وبني هاشم !
    < صفحة > 172 < / صفحة >
  3. في معركة بدر انتصرالنبي صلى الله عليه وآله على قريش وقتل منهم سبعين وأسرسبعين فتفاقم حقد قريش على بني هاشم أضعافاً مضاعفة ، وجعلوا قتلى بدر أعظم من (هولوكست) اليهود ، وكانوا لا يشربون خمراً ولا يجلسون مجلساً في مناسبة إلا رثوا قتلى بدر ، وتعهدوا بالثأر لهم !
    واستمر ذلك بعد أن خضعوا في فتح مكة وأعلنوا إسلامهم! واستمر بعد أن أخذوا خلافة النبي صلى الله عليه وآله ورئاسة دولته التي أسسها بانتصاره في بدر !
    قال عثمان لعلي عليه السلام : (ما أصنع إن كانت قريش لاتحبكم ، وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين، كأن وجوههم شنوف الذهب ، تشرب أنوفهم قبل شفاههم)! يقصد أن قتلى بدر المشركين وجوههم جميلة كأقراط الذهب ، وأنوفهم طويلة جميلة.(نثر الدرر/259 ، وشرح النهج (9/22) والمناقب(3/21).
    وقد أخذ عثمان صفات بني عبد المطلب فنسبها لقتلى بدر ! قال ابن سعد (1/94) والمنمق/35): (فلم يكن في العرب بنو أب مثل بني عبد المطلب أشرف منهم ولا أجسم! شُمُّ العرانين تشرب أنوفهم قبل شفاههم).
    وكان الأولى بعثمان أن يشكر النبي صلى الله عليه وآله وعلياً عليه السلام على قتلهم مشركي بدر لأنهم بذلك أسسوا دولة يحكمها هو ، لكن قريشاً تريد دولة النبي صلى الله عليه وآله وتريد الثأر لمن قتلهم لتأسيسها !
    فبطون قريش تعتقد أن لها ثأراً عند النبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام وبني هاشم ، إلى يوم القيامة! ولايمكنها أن تحب بني هاشم أبداً ، لأنهم قتلوا ساداتها يوم بدر!
    < صفحة > 173 < / صفحة >

من ألطاف الله لنبيه صلى الله عليه وآله نصرة أبي طالب وطاعة بني هاشم له !

لم يطع بنو هاشم إجماع بطون قريش على تسليمهم النبي صلى الله عليه وآله ليقتلوه ! فقد كان رئيسهم المطاع المهاب أبو طالب رضوان الله عليه ، ووقف موقفاً حاسماً في وجه قريش وأعلن حمايته للنبي صلى الله عليه وآله وثقته بصدقه . وجمع بني هاشم كلهم ما عدا أبي لهب ، وكانوا أربعين رجلاً ، وقرروا إطاعته في أن يحموا النبي صلى الله عليه وآله من بطون قريش ولو استلزم ذلك الحرب معهم !
وبقي النبي صلى الله عليه وآله ثلاث سنين بعد بعثته في حماية بني هاشم ولم يدع الناس الى الإسلام ، لأنه مرسل أولاً الى بني هاشم خاصة !
فقد تواتر حديث الدار المعروف لما نزل قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ . وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . حيث جمع بني هاشم وقال لهم: (والله الذي لا إله إلا هو ، إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة . والله لتموتن كما تنامون ، ولتبعثن كما تستيقظون ، ولتحاسبن بما تعملون ، ولتجزون بالإحسان إحساناً وبالسوء سوءً ، وإنها للجنة أبداً والنار أبداً ، وأنتم لأول من أُنذر . فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك ومرافدتك ، وأقبلنا لنصيحتك وأشد تصديقنا لحديثك وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون وإنما أنا أحدهم غير أني والله أسرعهم إلى ما تحب، فامض لما أمرت به فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك ).(البلاذري: 1/119وغيره ).

بنو هاشم أركان النبي صلى الله عليه وآله وعلى أكتافهم قامت دولة الإسلام

مع أن الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وآله من بني هاشم قلة ، فبعضهم توفي وبعضهم لم يُسلم. لكن هذه القلة كانت أركان النبي صلى الله عليه وآله وبهم تحقق النصر للإسلام في بدر ، فقد برز علي وحمزة وعبيدة بن الحارث لأبطال قريش ورؤسائها عتبة وشيبة والوليد ، وقتلوهم ، ثم أمعنوا قتلاً في قريش .
< صفحة > 174 < / صفحة >
وبرز من يومها إسم علي عليه السلام بطلاً مميزاً هابته الفرسان ، ثم كان النصر على يده في المرحلة الأولى من معركة أحد .
قال أمير المؤمنين عليه السلام (نهج البلاغة: 3/10): (فأراد قومنا قتل نبينا واجتياح أصلنا، وهموا بنا الهموم وفعلوا بنا الأفاعيل ، ومنعونا العذب ، وأحلسونا الخوف ، واضطرونا إلى جبل وعر ، وأوقدوا لنا نار الحرب ، فعزم الله لنا على الذب عن حوزته ، والرمي من وراء حرمته . مؤمننا يبغي بذلك الأجر ، وكافرنا يحامي عن الأصل . ومن أسلم من قريش خلوٌ مما نحن فيه ، بحلف يمنعه أو عشيرة تقوم دونه ، فهو من القتل بمكان أمن .
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا احمر البأس وأحجم الناس قدم أهل بيته فوقى بهم أصحابه حر السيوف والأسنة . فقتل عبيدة بن الحارث يوم بدر، وقتل حمزة يوم أحد ، وقتل جعفر يوم مؤتة . وأراد من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة ، ولكن آجالهم عجلت ومنيته أجلت ).

أحدث الله تحولاً في بطون قريش وفي بني هاشم !

نلاحظ في تاريخ الأسر فعل الله تعالى بارزاً في تكثيرها أو فنائها ، وفي كثرة نسائها أو رجالها، وصحتها وسقمها ، وفي التوجهات الفكرية ، والسلوكية الغالبة فيها ..الخ. وهذه سياسة ربانية في إدارة المجتمع والناس في الأرض ، لا يلتفت اليها إلا خواص الناس.
وقد ورد في تفسير قوله تعالى: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ . لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ، أن المعنى ليهلك طائفة منهم ، وأن الله أذن بهلاك بني عبد الدار وكانوا حملة راية قريش وفيهم العديد من الشجعان ، ولم يسلم منهم إلا مصعب بن عمير وغلام لهم ، وكانوا إذا صلى النبي صلى الله عليه وآله أحاطه منهم خمسة يصفرون ويصفقون،
< صفحة > 175 < / صفحة >
ليخربوا عليه صلاته ، وقد قتل بعضهم في بدر ، وقتل علي عليه السلام منهم تسعة أبطال في أحُد، ثم لا تسمع لهم في تاريخ الإسلام ذكراً !
وكذلك بنو مخزوم فلم يبق منهم إلا خالد بن الوليد ، وكان له ولد عبد الرحمن قائد جيش معاوية في صفين ، ثم قتله معاوية ، وله ولد آخر هو المهاجر ، كان شيعياً جلداً ويكاد ينحصر بنو مخزوم بذريته فقط .
وكذلك بنو سهم قبيلة سهيل بن عمرو فقد كان سهيل قوياً متعصباً لقريش ووقف في وجه النبي صلى الله عليه وآله بعد فتح مكة ، واتفق مع أبي بكر وعمر ونقل خمسة آلاف قرشي من الطلقاء الى المدينة ، شدوا ظهر عمر في رفضه أن يكتب النبي صلى الله عليه وآله عهده ، وساندوه في السقيفة وبعدها !
وكذلك بنو تيم قبيلة أبي بكر، فلم يظهر منها إلا ابنه عبد الرحمن وطلحة ، ثم انطفأت نارهم .
وبنوعدي قبيلة عمر ، فلم يظهر منها إلا عبيد الله بن عمر وقد قتل مع معاوية في صفين، وعبد الله بن عمر كان ضعيفاً ، فقد بايع معاوية ثم بايع يزيد وابن الزبير معاً ، وكان يتلقى العلم من كعب الأحبار ، ويطيع صهره الحجاج !

عمل اليهود لتصيرالخلافة الى حلفائهم بني أمية !

أذن الله تعالى ببقاء بني أمية فكثروا وبرز منهم كثيرون ، وذلك ليمتحن بهم الناس ، كما قال: وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا !
< صفحة > 176 < / صفحة >
وكان بنو أمية الحلفاء المفضلين لليهود فكان أبو سفيان يزورهم باستمرار ، ولما وضعوا خطة حرب الأحزاب جاء منهم خمسون راكباً هم أبرز الحاخامات ونزلوا عند أبي سفيان وأحضر من القرشيين بعددهم:
«قالوا جئنا لنحالفكم على عداوة محمد وقتاله . قال أبو سفيان: مرحباً وأهلاً أحبُّ الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد !
قال النفر: فأخرج خمسين رجلاً من بطون قريش كلها أنت فيهم ، وندخل نحن وأنت بين أستار الكعبة حتى نلصق أكبادنا بها ، ثم نحلف بالله جميعاً: لايخذل بعضنا بعضاً ، ولتكونن كلمتنا واحدة على هذا الرجل ما بقي منا رجل ! ففعلوا ، فتحالفوا على ذلك وتعاقدوا ، فاتعدوا لوقت وقَّتوه .
وفي رواية: لكن لانأمنكم إلا إن سجدتم لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ففعلوا !
فقال أبو سفيان: يامعشر اليهود أنتم أهل الكتاب الأول والعلم ، أخبرونا عما أصبحنا فيه نحن ومحمد ، ديننا خير أم دين محمد ؟ فنحن عُمار البيت وننحر الكوم « الناقة السمينة » ونسقي الحجيج ، ونعبدالأصنام ؟ قالوا: اللهم أنتم أولى بالحق ، إنكم لتعظمون هذا البيت ، وتقومون على السقاية وتنحرون البدن ، وتعبدون ما كان عليه آباؤكم ، فأنتم أولى بالحق منه . فأنزل الله في ذلك: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً ) .
ويظهر أن سبب اختيار اليهود بني أمية على بقية بطون قريش أن أمية كان عقيماً وذريته من عبده ذكوان اليهودي ، فيكونون يهوداً !
قال ابن قتيبة في المعارف/319: « كان أمية بن عبد شمس خرج إلى الشام فأقام بها عشر سنين ، فوقع على أمة للخم يهودية من أهل صفورية يقال لها ترنا ، وكان لها زوج من
< صفحة > 177 < / صفحة >
أهل صفورية يهودي ، فولدت له ذكوان فادعاه أمية واستلحقه وكناه أبا عمرو ، ثم قدم به مكة فلذلك قال النبي(ص) لعقبة يوم أمر بقتله: إنما أنت يهودي من أهل صفورية » !
وكان اليهود يوجهون بطون قريش ضد النبي صلى الله عليه وآله واتفقوا معهم سراً على عزل أهل بيته عليهم السلام ووعدهم القرشيون أن يطيعوهم، وفيهم قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمر وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ .
وكانت خلافة أبي بكر فلتة كما قال عمر، وقد قدموه لأنه شيبة ، وأراده اليهود هو وعمر محللاً لتصل الخلافة الى حلفائهم بني أمية! ولا يبعد أن يكون اليهود وراء سم أبي بكر وقتل عمر ووصيته لعثمان !

أحدث الله تغيراًً كبيراً في بني هاشم !

كان بنو هاشم الى قرب هجرة النبي صلى الله عليه وآله أربعين مقاتلاً شجاعاً تهابهم قريش. وفي مرة تحدى أبو طالب بهم بطون قريش وأهانهم فسكتوا أذلاء !
روى فخار بن معد في كتابه الحجة على الذاهب الى كفر أبي طالب/346 ، ورواه في المستطرف وفي الكافي(1/449) عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: « مر رسول الله صلى الله عليه وآله بنفر من قريش وقد نحروا جزوراً وكانوا يسمونها الظهيرة ويذبحونها على النصب فلم يسلم عليهم، فلما انتهى إلى دار الندوة قالوا:يمر بنا يتيم أبي طالب فلا يسلم علينا فأيكم يأتيه فيفسد عليه مصلاه؟ فقال عبد الله بن الزبعرى السهمي: أنا أفعل، فأخذ الفرث والدم فانتهى به إلى النبي صلى الله عليه وآله وهو ساجد فملأ به ثيابه ومظاهره ، فانصرف النبي صلى الله عليه وآله حتى أتى عمه أبا طالب فقال: يا عم من أنا ؟ فقال: ولمَ يا ابن أخ ؟ فقص عليه القصة ، فقال: وأين تركتهم؟فقال: بالأبطح فنادى في قومه: يا آل عبد المطلب ، يا آل هاشم ، يا آل عبد مناف ، فأقبلوا إليه من كل مكان مُلَبِّين قال: كم أنتم؟ قالوا: نحن أربعون . قال: خذوا
< صفحة > 178 < / صفحة >
سلاحكم فأخذوا سلاحهم وانطلق بهم حتى انتهى إلى أولئك النفر، فلما رأوه أرادوا أن يتفرقوا فقال لهم: ورب هذه البنية لايقومن منكم أحد إلا جللته بالسيف!
ثم أتى إلى صفاة كانت بالأبطح فضربها ثلاث ضربات حتى قطعها ثلاثة أفهار (أحجار ) ثم قال: يا محمد سألتني من أنت؟ثم أنشأ يقول ويومي بيده إلى النبي صلى الله عليه وآله :
أنت النبي محمدُ
قَرْمٌ أغَرُّ مسود
لمسوَّدين أكارمٍ
طابوا وطاب المولد
نعم الأرومة أصلها
عمرو الخضم الأوحد
هشم الربيكة في الجفان
وعيش مكة أنكد
فجرت بذلك سنة
فيها الخبيزة تثرد
ولنا السقاية للحجيج
بها يماث العنجد
والمأزمان وما حوت
عرفاتها والمسجد
أنى تضام ولم أمت
وأنا الشجاع العربد
وبطاح مكة لا يرى
فيها نجيع أسود
وبنو أبيك كأنهم
أسد العرين توقد
ولقد عهدتك صادقاً
في القول لا تتزيد
ما زلت تنطق بالصواب
وأنت طفل أمرد
ثم قال: يا محمد أيهم الفاعل بك؟ فأشار النبي صلى الله عليه وآله إلى عبد الله بن الزبعرى السهمي الشاعر ، فدعاه أبو طالب فوجأ أنفه حتى أدماها ، ثم أمر بالفرث والدم فأُمِرَّ على رؤس الملأ كلهم ! ثم قال: يا ابن أخي أرضيت؟
ثم قال: سألتني من أنت ؟ أنت محمد بن عبد الله ، ثم نسبه إلى آدم ، ثم قال: أنت والله أشرفهم حسباً وأرفعهم منصباً .
< صفحة > 179 < / صفحة >
يا معشر قريش: من شاء منكم يتحرك فليفعل أنا الذي تعرفوني » !
وفي رواية (الكافي: 1/449) عن الإمام الصادق عليه السلام : «ثم قال لحمزة: أمِرَّ السَّلى على سِبالهم (شواربهم ) ففعل ذلك حتى أتى على آخرهم! ثم التفت أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا ابن أخي هذا حسبك فينا » !
أقول: هذا العدد والشجاعة والقوة لبني هاشم شاء الله أن تزول بعد الهجرة.. فمات منهم من مات ولم يبق إلا حمزة وجعفر وعبيدة ، وقد استشهدوا ، وبقي علي وحده ، والعباس وعقيل !
سأل رجل الإمام الباقر عليه السلام : (أصلحك الله فأين كان عز بني هاشم وما كانوا فيه من العدد؟فقال أبو جعفر عليه السلام : ومن كان بقي من بني هاشم ، إنما كان جعفر وحمزة فمضيا وبقي معه رجلان ضعيفان ذليلان حديثا عهد بالإسلام: عباس وعقيل وكانا من الطلقاء . أما والله لو أن حمزة وجعفراً كانا بحضرتهما ما وصلا إلى ما وصلا إليه ، ولوكانا شاهديهما لأتلفا نفسيهما ). (الكافي: 8/190)
يقصد عليه السلام أن عقيلاً والعباس لم يكونا راسخين في الإسلام ولا صاحبي همة عالية ، ولو كان جعفر وحمزة حاضرين عند ظلامة علي وفاطمة عليهما السلام لنصراهما حتى الموت .
لقد أراد الله تعالى أن يمر بنو هاشم في فترة ضعف ، وأن لا يكون بينهم وبين قريش حرب في موجة قريش العاتية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله !
كما أراد أن ينقل ثقل بني هاشم الى ذرية الحسن والحسين كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله بذلك وقال:الحسن والحسين سبطان ، والسبط العشيرة. وقد صارا عشيرتين وصار ثقل بني هاشم فيهم ، وتكاثر عددهم فكانوا الكوثر كما وعد الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله . واليوم يبلغ عددهم نحو أربعين مليوناً ، وقد نصت الأحاديث على أنهم على اختلافهم سيلتفون حول المهدي عليه السلام وينصرونه !
< صفحة > 180 < / صفحة >

العباس والعباسيون موالي بني هاشم !

من عجائب صنع الله تعالى أنه جعل القرشيين موالي لرسوله وأهل بيته عليهم السلام فالطلقاء الذين خضعوا له في فتح مكة أطلقهم ولم يعتقهم فبقوا غلماناً له ولأهل بيته ، والعباسيون الذين حكموا بعدهم هم ضميمة لبني هاشم ، وغلمان للنبي وأهل بيته صلى الله عليه وآله فاسمع خبرهم:
روى في الخصال/454: (سمعت جعفر بن محمد يحدث عن أبيه عليهما السلام قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن ولد عبد المطلب فقال: عشرة ، والعباس) !
وقد فسر الإمام الصادق عليه السلام (الكافي: 8/259) قول النبي صلى الله عليه وآله : (عشرة والعباس) فقال: (توفي مولى لرسول الله صلى الله عليه وآله لم يخلف وارثاً فخاصم فيه ولد العباس أبا عبد الله جعفر الصادق عليه السلام وكان هشام بن عبد الملك قد حج في تلك السنة ، فجلس لهم فقال داود بن علي: الولاء لنا . وقال أبو عبد الله عليه السلام : بل الولاء لي . فقال داود بن علي: إن أباك قاتل معاوية ، فقال: إن كان أبي قاتل معاوية فقد كان حظ أبيك فيه الأوفر ثم فرَّ بخيانته ، وقال: والله لأطوقنك غداً طوق الحمامة فقال له داود بن علي: كلامك هذا أهون علي من بعرة في وادي الأزرق ، فقال: أما إنه واد ليس لك ولالأبيك فيه حق! قال فقال هشام: إذا كان غداً جلست لكم ، فلما أن كان من الغد خرج أبوعبد الله ومعه كتاب في كرباسة وجلس لهم هشام فوضع أبو عبد الله الكتاب بين يديه فلما أن قرأه قال: أدعوا لي جندل الخزاعي وعكاشة الضمري، وكانا شيخين قد أدركا الجاهلية فرمى بالكتاب إليهما فقال: تعرفان هذه الخطوط؟قالا: نعم، هذا خط العاص بن أمية ، وهذا خط فلان وفلان لفلان من قريش.وهذا خط حرب بن أمية . فقال هشام: يا أبا عبد الله أرى خطوط أجدادي عندكم؟ فقال: نعم قال: فقد قضيت بالولاء لك . قال: فخرج وهو يقول:
< صفحة > 181 < / صفحة >
إن عادت العقرب عدنا لها
وكانت النعل لها حاضرة
قال فقلت: ما هذا الكتاب جعلت فداك ؟ قال: فإن نتيلة كانت أمةً لأم الزبير وأبي طالب وعبد الله ، فأخذها عبد المطلب فأولدها فلاناً ، فقال له الزبير: هذه الجارية ورثناها من أمنا، وابنك هذا عبد لنا، فتحمل عليه ببطون قريش، قال فقال: قد أجبتك على خلة على أن لا يتصدر ابنك هذا في مجلس، ولايضرب معنا بسهم . فكتب عليه كتاباً وأشهد عليه فهو هذا الكتاب ) .
ومعناه: أن العباس وأولاده لاتحل لهم الخلافة لأنهم طلقاء ولأنهم عبيد لأبناء عبد المطلب الزبير وأبي طالب وعبد الله ، لأن أمه أمةً لأمهم المخزومية (دلائل النبوة/99) وقد أحلوها لأبيهم ولم يبيعوها فتزوجها ، فابنها ملك لهم تبعاً لأمه !
ومعروف عن ولد عبد المطلب أنهم لا يفرون ، وقد فرَّ القثم بن العباس والي من مكة من بُسر، وفرَّ عبيد الله والي اليمن ، وبقي ذلك عاراً على جبين العباسيين !
وقد حاول أمير المؤمنين عليه السلام وابن نمران الهمداني أن يثبِّتَ عبيد الله في اليمن ليقاوم بسراً ، فلم تنفع محاولتهما بسبب جبنه ، فقد هرب من كل اليمن وترك أولاده فذبحهم بسر بن أرطاة في غارته ، على درج صنعاء !
< صفحة > 182 < / صفحة >
< صفحة > 183 < / صفحة >

الفصل التاسع والسبعون : موقف النبي صلى الله عليه وآله من الطب والمعالجة

العلم علمان علم الأديان وعلم الأبدان

التقسيم الثنائي للعلم:
ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام عدة تقسيمات ثنائية للعلم، كالذي روي عن النبي صلى الله عليه وآله : العلم علمان علم الأديان وعلم الأبدان . (كنز الفوائد/239).
وعن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: العلم علمان: علم في القلب فذاك العلم النافع ، وعلم على اللسان فذاك حجة الله على العباد ). (الجامع الصغير: 2/193).
وفي تفسير مجمع البيان(4/244): (وقد حكي أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق ، فقال ذات يوم لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شئ، ! فقال له علي: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه ، وهو قوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا. وجمع نبينا صلى الله عليه وآله الطب في قوله: المعدة بيت الداء ، والحمية رأس كل دواء ، واعط كل بدن ماعودته . فقال الطبيب: ما ترك كتابكم ، ولا نبيكم لجالينوس طباً ).
< صفحة > 184 < / صفحة >
يقصد أن قرآنكم ونبيكم صلى الله عليه وآله ذكرا القواعد الأساسية للطب والمعالجة .
فمقولة: العلم علمان: علم الأديان ، وعلم الأبدان . إن لم يثبت أنها حديث شريف ، فإن مضمونها أقرته شريعة الإسلام .

قواعد طبية وصحية في الإسلام

قال الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا) . وهي قاعدة في الطب والوقاية .
أما الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأئمة العترة عليهم السلام في الطب والصحة فتبلغ مجلدات ، ونحن نأخد أهمها من كتاب: بحوث في الفقه المعاصر للشيخ حسن الجواهري(3/373) وكتاب: رمز الصحة للسيد محمود الأصفهاني/13، وكتاب: طب النبي لأبي العباس المستغفري/19:
( قال النبي صلى الله عليه وآله : « المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء » .
( وقال صلى الله عليه وآله : « لاتميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب ، فإن القلب كالزرع يموت إذا كثر عليه الماء » .
( وقال صلى الله عليه وآله : «ما ملأ ابنُ آدم وعاءً شراً من بطنه ، حسبُ ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنَفَسه .
( وقال صلى الله عليه وآله : « نحن قوم لا نأكل حتى نجوع ، وإذا أكلنا فلا نشبع.
( وقال صلى الله عليه وآله : إفتتحوا بالملح فإنه دواء من سبعين داء .
( وقال صلى الله عليه وآله : خير طعامكم الخبز وخير فاكهتكم العنب .
( وقال صلى الله عليه وآله : تخللوا فإنه من النظافة والنظافة من الايمان .
( وقال صلى الله عليه وآله : إذا اشتهيتم الماء فاشربوه مصاً ولاتشربوه عَبّاً أي بلا تنفس.
( نعم الشراب العسل ، يرعى القلب ، ويذهب برد الصدر .
< صفحة > 185 < / صفحة >
( وقال صلى الله عليه وآله : ليس يجزى مكان الطعام والشراب غير اللبن .
( نعم الإدام الخل .
( إذا شربتم اللبن فتمضمضوا فإن له دسماً.
( عليكم بالفواكه في اقبالها فإنها مصحة للأبدان مطردة للأحزان وألقوها في أدبارها فإنها داء الأبدان .
( اللبان يمسح الحر عن القلب كما يمسح الإصبع العرق عن الجبين. ويشد الظهر ويزيد في العقل ويذكي الذهن ويجلو البصر ويذهب النسيان .
( إدهنوا بالبنفسج فإنه بارد في الصيف حار في الشتاء .
( إذا ولدت امرأة فليكن أول ما تأكل الرطب الحلو أو التمر فإنه لو كان شئ أفضل منه أطعمه الله تعالى مريم حين ولدت عيسى عليهما السلام .
( وقال أمير المؤمنين عليه السلام : لابنه الحسن عليه السلام : يا بني ألا أعلمك أربع كلمات تستغني بها عن الطب ؟ فقال: بلي . قال: لا تجلس على الطعام إلا وأنت جائع ، ولا تقم عن الطعام إلا وأنت تشتهيه ، وجوِّد المضغ ، وإذا نمت فأعرض نفسك على الخلاء . فإذا استعملت هذا استغنيت عن الطب. وقال: إن في القرآن لآية تجمع الطب كله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا .
( في دعائم الإسلام(2/144): (روينا عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: تداووا فما أنزل الله داء إلا أنزل معه دواء ، إلا السام .يعني الموت ، فإنه لا دواء له ).
< صفحة > 186 < / صفحة >

لزوم بحث أسانيد الرويات الطبية ودلالاتها

الروايات الطبية عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام بالألوف .ويصح منها العشرات وهي ثروة علمية مهمة . ومع الأسف أنا لانجد دراسة لها من حيث السند والتصحيح والتضعيف، كما لا نجد دراسة تخصصية للمضامين الطبية المهمة الراقية فيها . ويلفتك فيها تعابير دقيقة ، مثل دباغ المعدة ، ونضوح المعدة الوارد في الرواية ، وفي تعبير فقهائنا:
قال في الجواهر(36/490): (أكل كل الرمان بشحمه يدبغ المعدة ويزيد في الذهن ، وخصوصاً المزمنة ويذهب الحَفْر، ويطيب النفس.ومن أكل رماناً عند منامه فهو آمن من نفسه إلى أن يصبح ودخان شجرالرمان ينفي الهوام .
والتفاح نضوح المعدة ، ويطفئ الحرارة ، ويذهب الحمى والوباء).
وقد جمعنا كل الروايات في برنامج مكتبة أهل البيت عليهم السلام بعنوان فقه الطب .

من المؤلفات في طب النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام

المؤلفات في طب النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام بالعشرات من علماء سنة وشيعة ، وأقدمها: كتاب طب الأئمّة عليهم السلام للحسين بن بسطام الزيات وأخيه عبد الله .
قال النجاشي في فهرس مصنفي الشيعة/39: (الحسين بن بسطام . وقال أبو عبد الله بن عياش: هو الحسين بن بسطام بن سابور الزيات ، له ولأخيه أبي عتاب كتاب جمعاه في الطب ، كثير الفوائد والمنافع ، على طريقة الطب ، في الأطعمة ومنافعها ، والرقى والعوذ).
وقد رويا فيه عن الإمام الصادق عليه السلام أو عن جابر بن حيان عن الصادق . فهما من علماء القرن الثاني .
ومن أقدمها طب النبي صلى الله عليه وآله للمستغفري،وطب النبي صلى الله عليه وآله للحافظ أبي نعيم.
قال الطهراني في الذريعة(15/143): (طب النبي صلى الله عليه وآله : للامام الخطيب الحافظ أبي العباس جعفر بن أبي علي محمد بن أبي بكر المعتز بن محمد بن المستغفر بن الفتح النسفي
< صفحة > 187 < / صفحة >
السمرقندي ، المتوفى سنة 432 ، صرح له بهذا اللقب المحقق الطوسي في آداب المتعلمين، وأمر بتعلم كتابه هذا والتبرك به .
طب النبي للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني المتوفى430 نسبه إليه الدميري في حياة الحيوان ).

الرسالة الذهبية للإمام الرضا عليه السلام

وهي قواعد للصحة والوقاية والمعالجة ، كتبها الإمام الرضا عليه السلام إجابة لطلب المأمون العباسي، وسميت الرسالة الذهبية لأن المأمون أمر أن تكتب بماء الذهب . وهي نافعة لكل زمان ، وخاصة لعصر المأمون وفئته المترفين .
كما توجد عدة كتب باسم الطب النبوي وطب النبي صلى الله عليه وآله ،وطب الأئمة عليها السلام .

كتاب من لايحضره الطبيب ومن لا يحضره الفقيه

قال الطهراني في الذريعة(22/232): (من لا يحضره الطبيب ، لمحمد بن زكريا الرازي الطبيب ، المتوفى 311 . أوله: الحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدينا الله.. والنسخة في خزانة سيدنا الحسن صدر الدين ، وفي موقوفة المولى محمد حسين القمشهي الكبير ).
وقال الزركلي في الأعلام (6/130) ملخصاً:
(محمد بن زكريا الرازي( 251 - 313 ه‍ ): فيلسوف ، من الأئمة في صناعة الطب . من أهل الري ،ولد وتعلم بها، وسافر إلى بغداد بعد سن الثلاثين . يسميه كُتَّاب اللاتينية: رازيس Rhazes . أولع بالموسيقى والغناء ونظم الشعر في صغره . واشتغل بالسيمياء والكيمياء ، ثم عكف على الطب والفلسفة في كبره فنبغ واشتهر . وتولى تدبير مارستان الري ، ثم رياسة أطباء البيمارستان المقتدري في بغداد . قال أحد معاصريه: كان شيخاً كبير الرأس مسفطه . وكان يجلس في مجلسه ودونه تلاميذه ، ودونهم تلاميذهم ، ودونهم
< صفحة > 188 < / صفحة >
تلاميذ أخر ، فيجئ المريض فيذكر مرضه لأول من يلقاه ، فإن كان عندهم علم وإلا تعداهم إلى غيرهم فإن أصابوا وإلا تكلم الرازي في ذلك. وعمي في آخر عمره ومات ببغداد . له تصانيف سمى ابن أبي أصيبعة منها 232 كتاباً ورسالة منها: الحاوي في صناعة الطب وهو أجل كتبه ، ترجم إلى اللاتينية وطبع فيها ، والطب المنصوري طبع باللاتينية ، والفصول في الطب ويسمى المرشد نشر في مجلة معهد المخطوطات .
وتقاسيم العلل، والفاخر في علم الطب ، ومنافع الأغذية ودفع مضارها، وكتاب من لا يحضره الطبيب . وفي مكتبة Marciana بالبندقية مجموعة من رسائله في الطب ، رقم 157 = 107).
وجاء في مقدمة كتابه: تقاسيم العلل ملخصاً:
وصف الرازي أعراض وعلائم الجدري في كتاب التقسيم والتشجير كما وصفه في أماكن أخرى من مؤلفاته ، ووصفه جاء دقيقاً محيطاً بحيث لا نستطيع اليوم أن نضيف عليه ، أو نحذف منه علامة أو عرضاً ..
لا نعلم شيئاً عن نشأة الرازي ، ومن المرجح أنه لم ينشأ نشأة علمية ككثير من أمثاله العلماء ، لأن المصادر تقدمه أول ما تقدمه مغنياً وضارب عود ، ثم تقول إنه اشتغل بعلم الإكسير فرمدت عيناه بسبب أبخرة العقاقير المستعملة في الإكسير ، فذهب إلى طبيب ليعالجه ، فقال له الطبيب ، لا أعالجك حتى آخذ منك خمسمائة دينار ، فدفع ابن زكريا الدنانير إلى الطبيب وقال: هذا هو الكيمياء لا ما اشتغلت به ، فترك صناعة الإكسير واشتغل بعلم الطب حتى نسخت تصانيفه تصانيف من قبله من الأطباء المتقدمين .
ولما تقدم في هذا العلم وذاع صيته دبر بيمارستان الري، ثم انتدب لتدبير بيمارستان بغداد، ثم عاد أخيراً إلى الري حيث توفي عام 313 هـ ).
وقال الشيخ الصدوق رحمه الله في مقدمة من لايحضره الفقيه:
< صفحة > 189 < / صفحة >
(أما بعد فإنه لما ساقني القضاء إلى بلاد الغربة ، وحصلني القدر منها بأرض بلخ من قصبة إيلاق وردها الشريف الدين أبو عبد الله المعروف بنعمة وهو محمد بن الحسن بن إسحاق بن الحسن بن الحسين بن إسحاق بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام .
فدام بمجالسته سروري وانشرح بمذاكرته صدري ، وعظم بمودته تشرفي ، لأخلاق قد جمعها إلى شرفه من ستر وصلاح ، وسكينة ووقار ، وديانة وعفاف ، وتقوى وإخبات ، فذاكرني بكتاب صنفه محمد بن زكريا المتطبب الرازي وترجمه بكتاب: من لا يحضره الطبيب ، وذكر أنه شاف في معناه ، وسألني أن أصنف له كتاباً في الفقه والحلال والحرام، والشرايع والأحكام ، موفياً على جميع ما صنفت في معناه وأترجمه بكتاب من لا يحضره الفقيه ، ليكون إليه مرجعه وعليه معتمده وبه أخذه ، ويشترك في أجره من ينظر فيه ، وينسخه ويعمل بمودعه ، هذا مع نسخه لأكثر ما صحبني من مصنفاتي وسماعه لها ، وروايتها عني ، ووقوفه على جملتها، وهي مائتا كتاب وخمسة وأربعون كتاباً. فأجبته أدام الله توفيقه إلى ذلك ، لأني وجدته أهلاً له ، وصنفت له هذا الكتاب بحذف الأسانيد لئلا تكثر طرقه وإن كثرت فوائده ولم أقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه ، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته ، وأعتقد فيه أنه حجة فيما بيني وبين ربي تقدس ذكره وتعالت قدرته . وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة ، عليها المعول وإليها المرجع ، مثل كتاب حريز بن عبد الله السجستاني ، وكتاب عبيد الله بن علي الحلبي ، وكتب علي بن مهزيار الأهوازي ، وكتب الحسين بن سعيد ، ونوادر أحمد بن محمد بن عيسى، وكتاب نوادر الحكمة تصنيف محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري ، وكتاب الرحمة لسعد بن عبد الله ، وجامع شيخنا محمد بن الحسن
< صفحة > 190 < / صفحة >
بن الوليد رضي الله عنه ، ونوادر محمد بن أبي عمير ، وكتب المحاسن لأحمد بن أبي عبد الله البرقي، ورسالة أبي رضي الله عنه إلي وغيرها من الأصول والمصنفات التي طرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي وأسلافي رضي الله عنهم ، وبالغت في ذلك جهدي ، مستعيناً بالله ، ومتوكلاً عليه ، ومستغفراً من التقصير ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ، وهو حسبي ونعم الوكيل ).

من معالجات النبي صلى الله عليه وآله الرسولية

كانت معجزات النبي صلى الله عليه وآله ترافق أعماله وتصرفاته وأقواله ، فمن أول يوم لما أمره ربه: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ أَتَّبَعَكَ مِنَ أَلْمُؤْمِنِينَ . فأمر علياً عليه السلام أن يدعوهم وكانوا أربعين رجلاً ، وقال له: (فاصنع لنا صاعاً من طعام واجعل عليه رجل شاة ، واملأ لنا عساً من لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به، ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه . فلما اجتمعوا إليه دعا بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به فلما وضعته تناول ورسول الله صلى الله عليه وآله حذية من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصفحة ثم قال: خذوا بسم الله ، فأكل القوم حتى مالهم بشئ حاجة ، وما أرى إلا موضع أيديهم ، وأيم الله الذي نفس علي بيده إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم . ثم قال: إسق القوم فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا منه جميعاً. وأيم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله !).
ومعناه أن الصفحة أي الصينية كانت كبيرة يأكل منها أربعون رجلاً أو كانت عدة صفاح ، وأن علياً عليه السلام ثرد الخبز وجعل عليه المرق ورجل الشاة المطبوخة ، فشقها النبي صلى الله عليه وآله بيده وأسنانه شقين ووضعها على الثريد ، فأكل الجميع حتى شبعوا ، ثم شربوا
< صفحة > 191 < / صفحة >
جميعاً من عس أي طاسة كبيرة حتى رووا ، ولم ينقص شيئ من الطعام والشراب ! حتى قال أبو لهب: لقدماً ما سحركم صاحبكم! يعني هذه ليست أول معجزة يرونها من رسول الله صلى الله عليه وآله .
ومن هذا النوع أنه صلى الله عليه وآله في حفر الخندق أنه صلى الله عليه وآله أشبع نحو ألف رجل من طعام جابر الأنصاري وكان شاة واحدة ، وصاعاً من شعير.
وتواصلت معجزات النبي صلى الله عليه وآله كل حياته ، ومنها معجزات في المعالجة .
قال القطب الراوندي في الخرائج (1/50):
(ومنها: أن عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي يقول: إن النبي صلى الله عليه وآله تفل في رجل عمرو بن معاذ حين قطعت رجله ، فبرأ .
ومنها: أن معاذ بن عفراء جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يحمل يده في بدر، وكان قطعها أبو جهل، فبصق عليها النبي صلى الله عليه وآله فألصقها فلصقت .
ومنها: أن المدعوجرهد أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وبين يديه طبق ، فأدلى جرهد بيده الشمال ليأكل ، وكانت يده اليمنى مصابة ، فقال صلى الله عليه وآله : كل باليمين . قال: إنها مصابة . فنفث فيها رسول الله صلى الله عليه وآله فما اشتكاها بعد .
ومنها: أن أبيض بن حمال قال: كان بوجهي حزاز، يعني القوباء قد التمعت . فدعاه النبي صلى الله عليه وآله فمسح وجهه فذهب في الحال ، ولم يبق له أثر على وجهه) .
واشتهر منها معالجاته صلى الله عليه وآله لجروح علي عليه السلام :
قال ابن حمزة في الثاقب في المناقب/63، عن الإمام الصادق عليه السلام : «قَتَل علي بن أبي طالب عليه السلام يوم أحد أربعة عشر رجلاً، وقتل سائر الناس سبعة ، وأصابه يومئذ ثمانون جراحة ، فمسحها رسول الله عليه السلام فلم ينفح منها شئ » .
< صفحة > 192 < / صفحة >
وفي المناقب(3/85) عن زيد بن علي قال: « كسرت زند علي يوم أحد وفي يده لواء رسول الله صلى الله عليه وآله فسقط اللواء من يده ، فتحاماه المسلمون أن يأخذوه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : فضعوه في يده الشمال فإنه صاحب لوائي في الدنيا والآخرة . وفي رواية غيره: فرفعه المقداد وأعطاه علياً » .
ويظهر أن ذلك كان في الجولة الأولى بعد أن قتل عليه السلام أصحاب الألوية ، وقد واصل جهاده وكأنه لم يصبه شئ فقد مسح النبي صلى الله عليه وآله جراحه !
وفي تفسير القمي (1/115): ( فلم يزل أمير المؤمنين عليه السلام يقاتلهم حتى أصابه في وجهه ورأسه وصدره وبطنه ويديه ورجليه تسعون جراحة ، فتحاموه ) .
وفي مناقب آل أبي طالب(1/385 ): (قال أنس بن مالك:إنه أُتيَ رسول الله بعلي وعليه نيف وستون جراحة . قال أبان: أمر النبي صلى الله عليه وآله أم سليم وأم عطية أن تداوياه فقالتا قد خفنا عليه ، فدخل النبي صلى الله عليه وآله والمسلمون يعودونه وهو قرحة واحده ، فجعل النبي صلى الله عليه وآله يمسحه بيده ويقول: إن رجلاً لقي هذا في الله لقد أبلى وأعذر ، فكان يلتئم ، فقال علي: الحمد لله الذي لم أفر ولم أول الدبر ، فشكر الله تعالى له ذلك في موضعين من القرآن وهو قوله تعالى: وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ. وَسَيَجْزِي اللَّه الشَّاكِرِينَ . يعني بالشاكرين صاحبك علي بن أبي طالب ، والمرتدين على أعقابهم الذين ارتدوا عنه ) .
وعليه ، يجوز أن تضمد الرجل امرأة ، ما دامت تراعي الأحكام الشرعية .
هذا ، ومعالجات النبي صلى الله عليه وآله بالمسحة الرسولية كثيرة ، وكذا أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام . وما دام النبي صلى الله عليه وآله لاينطق عن الهوى فهو لايعالج عن الهوى ، وبهذا يجب أن نفسر معالجاته وعدم معالجاته ، فلا نعجب إذا رأيناه لم يعالج سعد بن معاذ رضوان الله عليه لما أصابه سهم في أكحله عبر الخندق ، وتفاقم جرحه ولم يعالجه النبي صلى الله عليه وآله وتركه للمقادير ، مع أنه يقول
< صفحة > 193 < / صفحة >
عنه: ( يرحمك الله يا سعد ، فلقد كنت شجىً في حلوق الكافرين، لو بقيت لكففت العجل الذي يراد نصبه في بيضة المسلمين كعجل قوم موسى. قالوا: يا رسول الله أوَعجلٌ يراد أن يتخذ في مدينتك هذه ! قال: بلى ، والله يراد ، ولو كان سعد فيهم حياً لما استمر تدبيرهم، ويستمرون ببعض تدبيرهم ثم الله تعالى يبطله . قالوا: أخبرنا كيف يكون ذلك؟ قال: دعوا ذلك لما يريد الله أن يدبره) ! (تفسير الإمام العسكري عليه السلام /481).
فلم يأمره الله بمعالجة سعد وربما أمره بتركها ، لأمر يريده عز وجل .

فكرة عن فقه الطب في الإسلام

في الطب والوقاية والمعالجة عشرات المسائل التي بحثها الفقهاء ، منها:

  1. متى تجب المعالجة ومتى لا تجب ؟
  2. شروط الطبيب ، ومعنى الطبيب الحاذق .
  3. لا يشترط في الطبيب الإسلام بل يشترط الخبرة والوثاقة .
  4. متى يجوز للرجل أن يعالج الأجنبية وبالعكس ؟
  5. متى يضمن الطبيب تضرر المريض أو وفاته ومتى لا يضمن .
  6. هل يجوز التداوي بما حرم الله تعالى كالخمر ولحم الخنزير .
  7. هل تكفي المعالجة بالطب التقليدي بدل الطب الحديث .
    الى عشرات المسائل الفقهية ، التي بحثها الفقهاء في الكتب الموسعة .
    < صفحة > 194 < / صفحة >

وجوب المعالجة:

قال الشيخ حسن الجواهري في بحوث في الفقه المعاصر(2/325 ) ملخصاً:
يسعى الإنسان بفطرته لإزالة آلامه وأسقامه ، وقد حث الإسلام على التداوي ، حيث ذكرت كتب الطب النبوي الأحاديث الشريفة المتواترة التي منها الصحيح والحسن والموثق والضعيف التي تحثّ على التداوي بصورة عامة أو خاصة ، حتى استخدام الحجامة والحبة السوداء والكمأة والحنّاء . فمن تلك الروايات:

  1. « قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله أتتداوى؟قال: نعم فتداووا فإنَّ الله لم ينزل داءً إلا وقد أنزل له دواء، وعليكم بألبان البقر فإنها ترعى من كل الشجر »
  2. عن محمد بن مسلم قال: « سألت الإمام الباقر عليه السلام هل يعالج بالكي؟ فقال: نعم ، إن الله جعل في الدواء بركة وشفاء وخيراً كثيراً » .
    وقد يكون التداوي مباحاً جائزاً ، أو واجباً ، أو مكروهاً ، أو محرماً كما في الأمراض المعدية كالسل والجذام والخناق والكُزاز ، وأشباهها .فلو لم يتداو المصاب بها لسبب مرض آخرين، وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله عن الضرر والضرار . ونهى الله تعالى عن إلقاء النفس في التهلكة: ولا تُلقُوا بأيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكة ، وهو يشمل إلقاء النفس بالتهلكة مباشرة أو تسبيباً بترك المعالجة .
    ومن الواضح أن التداوي لاينافي التوكل على الله سبحانه لأنه الله جعل الأسباب مقتضيات لمسبباتها ، فإن معنى التوكل اعتماد القلب على الله سبحانه في حصول ما ينفع العبد وما يضره ، وقد جعل الله قانون ذلك سلوك الأسباب ، فالتداوي لرفع الداء مثل دفع الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها .
    < صفحة > 195 < / صفحة >

لا تجوز المعالجة بشرب الحرام وأكله:

قال الشيخ الجواهري في بحوث في الفقه المعاصر(2/330 ) ملخصاً: (يجوز التداوي بالنجس كالدم والخمر والميتة وما شاكلها ، بغير الأكل والشرب ، ويحرم التداوي به بالأكل أو الشرب . حتى لو قالوا إن الالعلاج انحصربه .
ثم أورد روايات في ذلك مثل:
صحيحة عمر بن أذينة قال: كتبت إلى الإمام الصادق عليه السلام أسأله عن الرجل ينعت له الدواء من ريح البواسير ، فيشربه بقدر أسكرجة من نبيذ ، ليس يريد به اللذة ، إنما يريد به الدواء ؟ فقال عليه السلام : لا ولا جرعة ، ثم قال: إن الله عزّ وجلّ لم يجعل في شيئ مما حرم دواءً ولا شفاءً »
وصحيحة الحلبي قال: سألت الإمام الصادق عليه السلام عن دواء عجن بالخمر ؟ فقال: لا والله ما أُحبّ أن أنظر إليه ، فكيف أتداوى به ؟ إنّه بمنزلة شحم الخنزير أو لحم الخنزير وترون أُناساً يتداوون به » .
وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه (الإمام موسى بن جعفر عليه السلام قال: « سألته عن الدواء هل يصلح بالنبيذ ؟ قال: لا… إلى أن قال: وسألته عن الكحل يصلح أن يعجن بالنبيذ؟ قال: لا » .
كما أفتى الفقهاء بجواز التداوي بالنجس إذا استهلك في شيئ آخر؟ كالكحول المستهلكة في الدواء ، ومسحوق العظام المستعمل في تبييض السكر ونحوه .
< صفحة > 196 < / صفحة >

هل تبرأ الذمة بالمعالجة بالطب التقليدي؟

كان المرحوم الشيخ مرتضى الحائري قدس سره نجل مجدد الحوزة العلمية في قم ، يطرح هذه المسألة بقوة ويقول: لو كنت مبسوط اليد لأقفلت دكاكين هؤلاء المدعين للطب المداوين الناس بالأعشاب وبطب اليونان وما يسمون الطب الإسلامي .
فقيل له: لماذا؟ قال: لأني لو سلمت نفسي لأحدهم وعالجني فمت من معالجته لكنت قاتل نفسي، ولو سلمتها لطبيب متخصص ومت من معالجته لكنت معذوراً عند الله عز وجل ، لأنه أمرني أن أتعالج عند طبيب خبير حاذق وقد فعلت !
وفي مقابل رأيه يوجد رأي فقهي يقول: إن الشرع أمر بالمعالجة عند الطبيب الخبير ، ولم يشترط نوع الخبرة بالطب القديم أو الجديد. كما جعل تشخيص الخبير الى المكلف فلو اعتقد أن هذا طبيب الأعشاب أو بالطب اليوناني خبير يجوز له المعالجة عنده لكان معذوراً وبرأت ذمته لو مات بسبب معالجته.
ويؤيده رأي فقهي يقول: إن المعالجة ونوع الطبيب من الأحكام العقلية التي تركها الشرع للعقل ، ومادام العلاج عند الطبيب التقليدي أو المتخصص على الطب الجديد أمراً عقلائياً يقره العقلاء ، فهو جائز ومبرئ للذمة .

أذن النبي صلى الله عليه وآله بالعملية الجراحية

في دعائم الإسلام(2/144): (أن قوماً من الأنصار قالوا: يا رسول الله إن لنا جاراً اشتكى بطنه ، أفتأذن لنا أن نداويه ؟ قال: بماذا تداوونه ؟ قالوا: يهودي عندنا يعالج من هذه العلة ، قال: بماذا ؟ قالوا: يشق البطن فيستخرج منه شيئاً . فكره ذلك رسول الله ، فعاودوه مرتين أو ثلاثاً ، فقال: إفعلوا ما شئتم فدعوا اليهودي فشق بطنه ونزع منه رجرجاً كثيراً. ثم غسل بطنه ثم خاطه وداواه ، فصح ، فأخبروا النبي صلى الله عليه وآله فقال: إن الذي
< صفحة > 197 < / صفحة >
خلق الأدواء خلق لها دواء ، وإن خير الدواء الحجامة والفصاد والحبة السوداء يعني الشونيز) .
أقول: تبين من إجازة النبي صلى الله عليه وآله أن كراهيته أول الأمر لعدم ثقته بالطبيب ، ثم رآهم يريدون ذلك ، فأجازهم ، وأمضى عمل الطبيب وأيده .

الإستشفاء بالقرآن والأدعية

يستدل بعضهم بآيتين على أن القرآن شفاء وعلاج ، لكنهما منصرفتان الى الشفاء الفكري من الكفر والضلال، وهما قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ . وقوله تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى .
لكن الشفاء في آية: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ . عام يشمل الشفاء الفكري والبدني . كما أن الشفاء الوارد في العسل في قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ . خاص بالشفاء البدني .
أما السنة الشريفة عن النبي وآله صلى الله عليه وآله ففيها أحاديث كثيرة صحيحة متواترة بأن القرآن شفاء من كل داء ، وأنه يستشفى بكل آياته .
بل ورد: من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله . ومن لم يشفه القرآن فلا شفاه اللَّه . أليس اللَّه يقول: ونُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ .
وما اشتكى أحد من المؤمنين شيئاً قطُّ فقال بإخلاص: ونُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ، ومسح على العلَّة إلَّا شفاه الله . (هداية الأمة: 1/230).
< صفحة > 198 < / صفحة >

أنواع الإستشفاء بالقرآن وكيفيته

  1. الإستشفاء بأي آية منه لكل مرض ، من كل أحد مخلص ، أي معتقد بأن القرآن شفاء، وصادق في استشفائه ودعائه .
  2. أن يعالجه المعصوم عليه السلام بالقرآن .
  3. أن يرشده المعصوم عليه السلام الى آية أو آيات لمعالجة مرض معين ، أو أمراض.
    4.كيفية الإستشفاء بالقرآن بأن يقرأ آية أوآيات وينوي أن ذلك لشفاء كذا. أو يضع يده على مكان الألم أو المرض ويقرأ .
    أو يقرأ الآيات على ماء ويشربه ، أو يرشه على مكان المرض أو البدن كله .
    أو يكتب آيات القرآن ويبلها في الماء ويشربه .. أو بطرق أخرى .

نماذج من أحاديث الإستشفاء بالقرآن

  1. روى الحر العاملي في هداية الأمة (1/231) (عن الصادق عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كسل أو أصابته عين أو صداع، بسط يديه فقرأ فاتحة الكتاب والمعوذتين ، ثم يمسح بهما وجهه ، فيذهب عنه ما كان يجده ).
  2. كتبنا في خصائص النبي صلى الله عليه وآله : في دعائم الإسلام(2/146): ( اعتل الحسين فاشتد وجعه، فاحتملته فاطمة عليها السلام الى النبي صلى الله عليه وآله مستغيثةً مستجيرةً فقالت: يا رسول الله ، أدع الله لابنك أن يشفيه ووضعته بين يديه ، فقام النبي صلى الله عليه وآله حتى جلس عند رأسه ثم قال: يا فاطمة يابنية ، إن الله هو الذي وهبه لك هو قادر على أن يشفيه . فهبط على جبرئيل فقال: يا محمد ، إن الله لم ينزل عليك سورة من القرآن إلا فيها فاء ، ولا تكون الفاء إلا من آفة ما خلا الحمد لله فإنه ليس فيها فاء ، فادع بقدح من ماء فاقرأ فيه الحمد أربعين مرة ثم صبه عليه فإن الله يشفيه ، ففعل ذلك فكأنما أنشط من عقال ).
    < صفحة > 199 < / صفحة >
    فقد رأت الزهراء عليها السلام أن حالة ابنها خطيرة فحملته الى النبي صلى الله عليه وآله . ولما جلس عند رأسه ليدعو له رآه كالمحتضر، ففكر لعل الله تعالى بدا له في وعده بالحسين عليه السلام ويريد أن يميته! فتوقف عن الدعاء له وقال لها: بل أترك أمره لمقاديرالله تعالى ، ولا أتدخل في مقاديره عز وجل!
    والحديث يلفتنا الى تأثير تلاوة سورة الحمد في الماء لأنها بلا فاء ! ثم تأثير الماء في بدن المريض ، وتأثير التكرار سبع مرات أو عشراً أو أربعين !
    وهو يدل على أن معمارية القرآن حسبت للحرف أين يوضع وأين لايوضع! وأن في القرآن دلالة الحروف بوجودها وعدمها فوق دلالة الكلمات ، فهذا الحرف يدل على نوع من الأحداث، وهذا يدل على نوع وذاك على نوع آخر!
  3. وفي مناقب آل أبي طالب(2/161): (وأُبِينَت إحدى يدي هشام بن عدي الهمداني في حرب صفين فأخذ علي عليه السلام يده وقرأ شيئاً وألصقها فقال: يا أمير المؤمنين ما قرأت؟ قال: فاتحة الكتاب ، كأنه استقلها فانفصلت يده بنصفين فتركه علي ومضى! قال ابن مكي:
    رددتَ الكفَّ جهراً بعد قطعٍ
    كرد العين من بعد الذهاب
    وجمجمة الجلندي وهو عظمٌ
    رميم جاوبتك عن الخطاب).
  4. وفي مكارم الأخلاق/363، عن الإمام الكاظم عليه السلام قال: ( من استكفى بآية من القرآن من المشرق إلى المغرب ، كُفِيَ ، إذا كان بيقين ).
    وقد يقال إن معنى اليقين هنا: أن يعتقد بأن الله قادر على أن يشفيه بآية ، وليس معناه اليقين بالنتيجة والإستجابة ، لأنه غيب لا يعلمه المريض .
    ويمكن أن يكون المعنى اليقين بالشفاء ، ويستثني من ذلك بمشيئة الله تعالى .
    والصحيح أن قول الإمام الكاظم عليه السلام ليس في الإستشفاء بل في الإستكفاء أي يطلب من الله أن يكفيه عدوه وما يخافة ببركة القرآن .
    < صفحة > 200 < / صفحة >
    أما اليقين في الإستشفاء فقد روى في هداية الأمة(1/232): (عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: ما اشتكى أحد من المؤمنين شيئاً قطَّ ، فقال بإخلاص: ونُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ، ومسح على العلَّة إلَّا شفاه الله ).
    ومعنى الإخلاص هنا: أن يقطع الأمل بأسباب الشفاء كلها إلا فعل الله تعالى بسبب تلاوة الآية الشريفة .

حالات الناس في الإستشفاء بالقرآن

بعض الناس سريع التصديق ، وبعضهم بطيؤه ، وبعضهم قوي التصديق وبعضهم ضعيفه. نعرف ذلك ممن نعالجه من إصابة العين ، أو من التابعة من الجن التي يزعم أنها تتبعه . ويقول: لقد مرضنا بسبب العين والتابعة وساءت أخلاقنا ، وخسرنا خسارات كبيرة ، ورأينا مشكلات صعبة .
فنقول له: إن المعوذتين نزل بهما جبرئيل عليه السلام من عند رب العالمين عزو وجل وأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله أن يعوذ بهما الحسن والحسين عليهما السلام ، فهما يكسران أكبر إصابة عين أو تابع من الجن ، فاقرؤهما مرتين في النهار والليل. فيقرؤهما ثم بعد مدة يقول: الحمد لله لقد شفاني الله تعالى من المرض وسوء الخلق ، ورزقني . وبعضهم يقول قرأتهما مع آية الكرسي لمدة عشرة أيام ، فلم أستفد ! وبعضم لايقرؤهما ويقول: لا فائدة من ذلك مشكلتنا صعبة .
والنتيجة: أن الإستشفاء بالقرآن يرتبط بالحالة السيكلوجية لمن يستشفي به .
< صفحة > 201 < / صفحة >

الإستشفاء بالدعاء

قال الحر العاملي في هداية الأمة (1/231): (وأما الإستشفاء بالدعاء ونحوه ففيه اثنا عشر حديثاً .. ونذكر منها:
(قال الصادق عليه السلام : نزل جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله والنبي مصدّع فقال: يا محمّد عوذ صداعك بهذه العوذة ، يخفّف اللَّه عنك ، وقال: يا محمّد ، من عوّذ بهذه العوذة سبع مرّات على أيّ وجع يصيبه ، شفاه اللَّه بإذنه ، تمسح بيدك على الموضع وتقول: بسم الله ربنا الَّذي في السماء والأرض ، أمره نافذ ماض ، يأمن أمره في السماء ، إجعل رحمتك في الأرض ، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا يا رب الطيبين الطاهرين ، أنزل شفاء من شفائك، ورحمة من رحمتك على فلان بن فلان ، وتسمي اسمه .
وقال الصادق عليه السلام : حُمَّ النبي صلى الله عليه وآله فأتاه جبرئيل عليه السلام فعوذه فقال: بسم الله أرقيك يا محمد، وبسم الله أشفيك ، وبسم الله أداويك من كل داء يغنيك ، بسم الله والله شافيك، بسم الله والله شافيك.
وقال عليّ عليه السلام : من أصابه ألم في جسده فليعوذ نفسه وليقل: أعوذ بعزة الله وقدرته على الأشياء، أعيذ نفسي بجبار السماء ، أعيذ نفسي بمن لايضرمع اسمه سمٌّ ولا داء ، أعيذ نفسي بالَّذي اسمه بركة وشفاء . فإنه إذا قال ذلك ، لم يضره ألم ولا داء .
وقال الصادق عليه السلام : وقد شكى إليه رجل وجع رأسه: ضع يدك عليه وقل: بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيئ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ، اللهم إني أستجير بك بما استجار به محمد صلى الله عليه وآله لنفسه ، سبع مرّات ، فإنّه يسكن ذلك عنه بإذن الله تعالى وحسن توفيقه.
أقول: بعض هذه الأدعية كان النبي صلى الله عليه وآله يعوذ بها قبل نزول المعوذتين .
قال البخاري(4/119): ( كان النبي يعوذ الحسن والحسين ويقول إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة).
وروى ابن ماجة(2/1161): (فلما نزلت المعوذتان أخذهما وترك ما سواهما).
< صفحة > 202 < / صفحة >

بقية أنواع الإستشفاء

ومن أهمها الإستشفاء بتربة المدينة وتربة كربلاء ، فقد روى البخاري(7/24) عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله كان يأخذ من تربة المدينة ويضع عليها من ريقه ويقول للمريض: بسم الله ، تربة أرضنا ، بريقة بعضنا يشفي سقيمنا باذن ربنا).
وقد بحثنا الإستشفاء بتربة الحسين عليه السلام في كتاب: الجديد في الحسين عليه السلام .
< صفحة > 203 < / صفحة >

الفصل الثمانون : اتهموا النبي صلى الله عليه وآله بأنه شاعر وساحر ومجنون ومسحور

أدهشهم القرآن فقالوا إنه شاعر ثم قالوا ساحر

قال الله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ . قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ .أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ .
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ . فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ .
فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ .
ويَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَاركُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ . بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ
وقال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ . وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ .
وقال تعالى: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ . لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ .
وقد رد الله عليهم وتحداهم فقال لهم: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ .
أي وإن عجزوا فليعترفوا أنه من عند الله تعالى .
< صفحة > 204 < / صفحة >
وقد أخطأ المفسرون في تفسير: نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ . فجعلوا التربص لازماً وهو متعد ، وفسروه بقولهم: ننتظر به قلق الموت ! فجعلوا التربص مطلق الإنتظار مع أنه انتظار يوم ما ، كما جعلوا الريب مطلق الشك وهو هنا حدث الموت ، وجمعه الرِّيَبُ أي حوادث الزمان التي تؤدي الى الموت .
قال الخليل(7/120): (التربص: الإنتظار بالشيئ يوماً ).
وقال (8/276): (الريب: صرف الدهر وعرضه وحدثه ).

ثم أخذت قريش برأي المغيرة والد خالد فقالوا ساحر !

قال الله تعالى: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ .
وقال تعالى: وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ . أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ .
وقال تعالى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ . أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ .
في إعلام الورى(1/110) وتفسير القمي(2/ 393) والتسهيل(4/161): «كان رسول الله صلى الله عليه وآله لايكف عن عيب آلهة المشركين ويقرأ عليهم القرآن فيقولون هذا شعر محمد! ويقول بعض: بل هو كهانة ! ويقول بعضهم: بل هو خطب .
وكان الوليد بن المغيرة شيخاً كبيراً وكان من حكام العرب ، يتحاكمون إليه في الأمور وينشدونه الأشعار ، فما اختاره من الشعر كان مختاراً ، وكان له بنون لا يبرحون مكة ، وكان له عبيد عشرة عند كل عبد ألف دينار يتجر بها وملك القنطار في ذلك الزمان ، والقنطار جلد ثور مملوء ذهباً ، وكان من المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وآله ، وكان عم أبي جهل بن هشام ، فقالوا له: يا عبد شمس ما هذا الذي يقول محمد أسحرٌ أم كهانة أم خُطَب؟
< صفحة > 205 < / صفحة >
فقال: دعوني أسمع كلامه ! فدنا من رسول الله وهو جالس في الحجر فقال: يا محمد أنشدني من شعرك ! فقال: ما هو شعر ولكنه كلام الله الذي بعث أنبياءه ورسله . فقال: أتلُ عليَّ منه، فقرأ عليه رسول الله: بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فلما سمع الرحمن استهزأ فقال: تدعو إلى رجل باليمامة يسمى الرحمن؟ قال: لا ولكني أدعو إلى الله وهو الرحمن الرحيم. ثم افتتح: حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ . وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ . قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ . الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ . إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ . قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ . ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ . فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ . فلما بلغ إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ، وسمعه اقشعر جلده ، وقامت كل شعرة في رأسه ولحيته ، ثم قام ومضى إلى بيته ولم يرجع إلى قريش! فقالت قريش: يا أبا الحكم صبا أبو عبد شمس إلى دين محمد ! أما تراه لم يرجع إلينا ، وقد قبل قوله ومضى إلى منزله ! فاغتمت قريش من ذلك غماً شديداً وغدا عليه أبو جهل فقال: يا عم نكست برؤوسنا وفضحتنا ! قال: وما ذلك يا ابن أخي؟ قال: صبوت إلى دين محمد ! قال: ما صبوت وإني على دين قومي وآبائي ولكني سمعت كلاماً صعباً تقشعر منه الجلود . قال أبو جهل: أشعرٌ هو؟ قال: ما هو بشعر. قال: فخُطَب هي ؟ قال: لا إن الخطب كلام متصل وهذا كلام منثور ، لا يشبه بعضه بعضاً، له طلاوة . قال: فكهانة هو فكأنه هي؟ قال: لا. قال: فما هو؟ قال: دعني أفكر
< صفحة > 206 < / صفحة >
فيه . فلما كان من الغد ، قالوا: يا عبد شمس ما تقول ؟ قال: قولوا: هو سحر فإنه أخذ بقلوب الناس ، فأنزل الله تعالى فيه:
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا . وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُودًا . وَبَنِينَ شُهُودًا . ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا . ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ . كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا . سَأُرْهِقْهُ صَعُودًا . إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ . فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ نَظَرَ . ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ . ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ . فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ. سَأُصْلِيهِ سَقَرَ » .
وفي سيرة ابن هشام(1/242): (الوليد بن المغيرة ، قال: أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها ! ويترك أبو مسعود بن عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف ، ونحن عظيما القريتين !
فأنزل الله تعالى فيه فيما بلغني: وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ . وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ . أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ).
وفي سيرة ابن هشام(1/240): (قال ابن إسحاق: وجلس رسول الله (ص)يوماً فيما بلغني مع الوليد بن المغيرة في المسجد ، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم ، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش ، فتكلم رسول الله (ص) فعرض له النضر بن الحارث ، فكلمه رسول الله حتى أفحمه ، ثم تلى عليه وعليهم: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ . لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ. لهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ ) .
وفي الإمتاع للمقريزي(4/348 وابن هشام (1/174)): (جاء الوليد بن المغيرة إلى رسول الله(ص)فقال له: إقرأ عليَّ ، فقرأ عليه: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، قال: أعد ، فأعاد النبي(ص)فقال الوليد:
< صفحة > 207 < / صفحة >
والله إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وما يقول هذا بشر!
عن ابن عباس ، أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش وكان ذا سن فيهم ، وقد حضر الموسمُ فقال: إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأياً واحداً ، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً ، ويرد قول بعضكم بعضاً . فقالوا: أنت يا أبا عبد شمس ، فقل وأقم لنا رأياً نقوم به ، فقال: بل أنتم فقولوا أسمع ، فقالوا: نقول كاهن فقال ما هو بكاهن ، لقد رأيت الكهان فما هو بزمزمة الكاهن وسحره ، فقالوا: نقول مجنون ، فقال: ما هو بمجنون ، ولقد رأينا الجنون وعرفناه ، فما هو بخنقه ولا مخالجته ولا وسوسته ، قال: فنقول شاعر ، قال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر برجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه،فما هو بالشعر. قال: فنقول ساحر ، فما هو بساحر ، قد رأينا السحاروسحرهم ، فما هو بنفثه ولا عقده، قالوا: ما تقول يا أبا عبد شمس ؟ قال: والله إن لقوله حلاوة ، إن أصله لمغدق ، وإن فرعه لجني ، فما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول لأن تقولوا: ساحر ، فيقولوا: ساحر يفرق بين المرء وبين أبيه ، وبين المرء وبين أخيه ، وبين المرء وبين زوجه ، وبين المرء وبين عشيرته ، فيتفرقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون للناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه ، وذكروا لهم من أمره فأنزل الله تعالى في الوليد ابن المغيرة من قوله: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا . وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا . وَبَنِينَ شُهُودًا. وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا . ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ . كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا . سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا. إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ . فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ نَظَرَ . ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ . ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ . فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ. سَأُصْلِيهِ سَقَرَ .
< صفحة > 208 < / صفحة >
وأنزل الله في النفر الذين كانوا معه ويطيعون له القول في رسول الله فيما جاء به من هدى الله: كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ . الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ، أي أصنافاً . فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ .عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ . أولئك النفر الذين يقولون ذلك لرسول الله (ص) لمن أتوا من الناس. قال: وصدرت العرب من ذلك الموسم وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها) .

ثم قالوا إن النبي صلى الله عليه وآله مسحور !

قال الله تعالى: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا . وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا. نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا . انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا .
وتقدم في فصل مناظرات النبي صلى الله عليه وآله قول عبد الله بن أبي أمية المخزومي أخ أم سلمة: يا محمد لقد ادعيت دعوى عظيمة وقلت مقالاً هائلاً ، زعمت أنك رسول الله رب العالمين، وما ينبغي لرب العالمين وخالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسوله بشر مثلنا تأكل كما نأكل وتشرب كما نشرب ، وتمشي في الأسواق كما نمشي ، فهذا ملك الروم وهذا ملك الفرس لا يبعثان رسولاً إلا كثير المال عظيم الحال له قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدام ، ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم فهم عبيده ، ولو كنت نبياً لكان معك ملك يصدقك ونشاهده ، بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبياً لكان إنما يبعث إلينا ملكاً لا بشراً مثلنا ، ما أنت يا محمد إلا رجل مسحور ولست بنبي!
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : هل بقي من كلامك شئ .. ثم أجابه النبي صلى الله عليه وآله الخ..
< صفحة > 209 < / صفحة >

وقالت عائشة صدق المشركون إن النبي صلى الله عليه وآله مسحور !

وقلنا في فصل بذاءة قريش: قالت عائشة نعم لقد سُحِر النبي وأثَّرعليه السحر فكان يتخيل أنه فعل الشئ ولم يفعله ! وقالت إن يهودياً سَحَره فأخذ مشطه وبعض شَعره وجعل فيه سحراً ودفنه في بئر!
وقالت: إنه فقد حواسه وذاكرته وبقي على تلك الحالة ستة أشهر رجلاً مسحوراً ! حتى دلَّهُ رجلٌ أو ملَك على الشخص الذي سحره ، والبئر التي أودع فيها المشط والمشاطة من شعره ! فذهب إلى البئر، واستخرج المشط منها وفكَّ عقد خيط الجلد الذي لفَّه به ، وأمر بدفن البئر ولم يقتل الذي سحره لأنه لم يُرِدْ أن يثير فتنة !
وقد صدق أتباع عائشة ومحبوها هذه الفرية والخرافة وقبلوها من عائشة ، ورواها البخاري وهو أصح كتاب عندهم في خمسة مواضع!!
منها في (7/29) ، قالت: « كان رسول الله سُحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن! قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا » !
وفي: 7/88، قالت: «مكث النبي كذا وكذا يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتي » !
وفي: 4/68، قالت: « كان يُخَيَّلُ إليه أنه صنع شيئاً ولم يصنعه » !
ومنها في(4/91)قالت: «سُحر النبي حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشئ وما يفعله ، حتى كان ذات يوم دعا ودعا ثم قال: اُشْعِرتُ أن الله أفتاني فيما فيه شفائي، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال أحدهما للآخر: ما وجعُ الرجل؟ قال: مَطْبُوب! قال: ومن طَبَّهُ؟ قال: لبيد بن الأعصم . قال: في ماذا ؟ قال: في مشط ومشاطة وجَفِّ طلعةٍ ذكر ! قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذِروان! فخرج إليها النبي ثم رجع فقال لعائشة حين رجع: نخلها كأنها رؤوس الشياطين ! فقلت: استخرجتهُ ؟ فقال: لا ، أما أنا فقد شفاني الله، وخشيتُ أن يثير ذلك على الناس شراً ثم دُفِنَتْ البئر»!
< صفحة > 210 < / صفحة >
وكرره بخاري ذلك بروايات ( 7/ 28 و 164 ) وروته عامة مصادرهم !
وقال إمامهم ابن حجر في مدة بقاء النبي صلى الله عليه وآله مسحوراً مجنوناً معاذ الله: «ووقع في رواية أبي ضمرة عند الإسماعيلي: فأقام أربعين ليلة ، وفي رواية وهيب عن هشام عند أحمد: ستة أشهر ويمكن الجمع بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه ، والأربعين يوماً من استحكامه ! وقال السهيلي: لم أقف في شئ من الأحاديث المشهورة على قدر المدة التي مكث النبي فيها في السحر حتى ظفرت به في جامع معمر عن الزهري أنه لبث ستة أشهر! وقد وجدناه موصولاً بإسناد الصحيح فهو المعتمد» . ( فتح الباري: 10/ 192) .
أقول: يقصد السهيلي ما في مسند أحمد (6/63): « عن عائشة قالت: لبث رسول الله ستة أشهر يرى أنه يأتي نساءه ، ولا يأتي » !
ثم تقرأ تفاصيل فريتهم في سحر نبينا صلى الله عليه وآله وأن صبياً يهودياً مجهولاً سرق مشط النبي صلى الله عليه وآله ومشاطة شعره وأعطاها إلى اليهودي الشاب لبيد الأعصم ، فجعل معها خيطاً من جلد وعقده اثنتي عشرة عقدة ، ثم قرأ عليها السحر المجهول أيضاً ولفَّ الجميع في قماشة ، ثم دفنها تحت صخرة بئر ذروان الذي يقع خارج المدينة فصار ماء البئر بسبب السحر أحمر كالحنَّاء، وكان النخل الذي يسقى منه طلعه كأنه رؤوس الشياطين ! ثم بعد ستة أشهر قضاها النبي صلى الله عليه وآله نصف مجنون ! دلَّه الملك على البئر فذهب إليها أو أرسل علياً والزبير ، فاستخرجوا المشط وفكوا عقد الخيط ، فشفي النبي من السحر ! ( راجع المجموع: 12/ 243 ) .
ثم تجد تأكيد إمامهم الكبير ابن حجر على تأثير السحر على حواس النبي وبعض عقله! قال:« قوله: حتى كان رسول الله يخيَّل إليه أنه كان يفعل الشئ وما فعله . قال المازري: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها.. قال المازري: وهذا كله مردود ، لأن الدليل قد قام على صدق النبي فيما يبلغه عن الله تعالى.
< صفحة > 211 < / صفحة >
وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر كالأمراض فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له) !
أقول: هذا بعض كلامهم الظالم الطويل العليل! ليقنعوك بأن نبيك صلى الله عليه وآله كان لستة أو تسعة أشهر مسحوراً ، وأنه مرض من ذلك وانتثر شعر رأسه وصار أقرع ، وصار يذوب ولا يدري ما عراه ! وكان يتصور أنه يرى شيئاً وهو لا يراه ، وأنه أكل ولم يأكل، وأنه نام مع زوجته ولم يفعل ! وهذا المهم عندها !
ثم يريدون أن يطمئنوك بأن نبيك صلى الله عليه وآله بخير وعافية ، فالسحر قد تسلط على جسده وعلى قسم من عقله ، وليس على كل عقله !
ويقولون لك نعم إن نبيك معصوم لاينطق عن الهوى ، لكن عصمته إنما هي في تبليغه الرسالة فقط - ما عدا حديث الغرانيق طبعاً !
أما في غير التبليغ فقد يصاب بالسحر وبالجنون ، فيفقد المعرفة في الأمور الدنيوية ومنها استخلاف من يقود المسلمين بعده فيعهد الى عترته !
وكل دليلهم على ذلك أن عائشة قالته فقولها حجة ، ولو خالف القرآن !
إن الإفتراءات القرشية على نبينا صلى الله عليه وآله فاقت افتراءات بني إسرائيل على أنبيائهم عليهم السلام ! ولذا قال النبي صلى الله عليه وآله : ما أوذي نبي مثل ما أوذيت !

حكم الكاهن والساحر قد يصل الى القتل

بحث فقهاؤنا حكم الكاهن والساحر ، وحكموا بحرمة ما فيه إضرار بالآخرين ، وأفتوا بجواز تعلم السحر لرد السحر .
وقد ذكر القرآن أنه لما كثر السحر في بابل أنزل الله ملكين يعلمان الناس دفع السحر فتعلم بعض الناس منهم السحر ودفعه . ثم أساء بعضهم استعماله ، قال تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو
< صفحة > 212 < / صفحة >
الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.
وقال الشيخ الأنصاري(المكاسب: 2/34) ملخصاً:(المحكي عن الأكثر في تعريف الكاهن ما في القواعد ، من أنه من كان له رئي من الجن يأتيه الأخبار.. يقال: فلان رئي القوم ، أي صاحب رأيهم وقد يكسر راؤه اتباعاً. أقول: روى الطبرسي في الإحتجاج في الأسئلة التي سأل الزنديق عنها أبا عبد الله عليه السلام : قال الزنديق: فمن أين أصل الكهانة ، ومن أين يخبر الناس بما يحدث ؟ قال عليه السلام : إن الكهانة كانت في الجاهلية في كل حين فترة من الرسل ، كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الأمور بينهم ، فيخبرهم بأشياء تحدث ، وذلك في وجوه شتى: فراسة العين، وذكاء القلب ، ووسوسة النفس ، وفطنة الروح ، مع قذف في قلبه ، لأن ما يحدث في الأرض من الحوادث الظاهرة فذلك يعلمه الشيطان ويؤديه إلى الكاهن ، ويخبره بما يحدث في المنازل والأطراف .
وأما أخبار السماء ، فإن الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع إذ ذاك وهي لاتحجب ولا ترجم بالنجوم ، وإنما منعت من استراق السمع لئلا يقع في الأرض سبب يشاكل الوحي من خبر السماء ، فيلبِّس على أهل الأرض ما جاءهم عن الله تعالى لإثبات الحجة ونفي الشبهة ، وكان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من خبر السماء بما يحدث الله في خلقه فيختطفها ، ثم يهبط بها إلى الأرض ، فيقذفها إلى الكاهن ، فإذا قد زاد كلمات من عنده ، فيخلط الحق بالباطل ، فما أصاب الكاهن من خبر مما كان يخبر به فهو ما أداه إليه شيطانه مما سمعه ، وما أخطأ فيه فهو من باطل ما زاد فيه .
< صفحة > 213 < / صفحة >
ومنذ منعت الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة . واليوم إنما تؤدي الشياطين إلى كهانها أخباراً للناس من سارق سرق ، ومن قاتل قتل ، ومن غائب غاب ، وهم أيضاً بمنزلة الناس صدوق وكذوب.. الخبر.
وكيف كان ففي قوله: انقطعت الكهانة دلالة على أن الكهانة في العرب كانت قبل المبعث ، قبل منع الشياطين عن استراق السمع.
وفي المروي عن الخصال: من تكهن أو تُكهن له فقد برئ من دين محمد صلى الله عليه وآله
وروي في مستطرفات السرائر ، عن كتاب المشيخة للحسن بن محبوب ، عن الهيثم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إن عندنا بالجزيرة رجلاً ربما أخبر من يأتيه يسأله عن الشئ يسرق ، أو شبه ذلك ، فنسأله ؟ فقال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذاب يصدقه فيما يقول ، فقد كفر بما أنزل الله من كتاب ، الخبر .
وظاهر هذه الصحيحة أن الإخبار عن الغائبات على سبيل الجزم محرم مطلقاً سواء كان بالكهانة أو بغيرها ، لأنه عليه السلام جعل المخبر بالشئ الغائب بين الساحر والكاهن والكذاب، وجعل الكل حراماً) .
وقال العلامة في تذكرة الفقهاء (12/145): (تعلُّمُ السحر وتعليمه حرام . وهو كلام يتكلم به أو يكتبه أو رقية أو يعمل شيئاً يؤثّر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة. وهل له حقيقة ؟ قال الشيخ: لا ، وإنما هو تخييل.
وعلى كل تقدير لو استحله قُتل. ويجوز حل السحر بشيئ من القرآن أو الذكر والأقسام، لا بشيئ منه . روى إبراهيم بن هاشم قال: حدّثني شيخ من أصحابنا الكوفيين قال: دخل عيسى بن سيفي على الصادق عليه السلام وكان ساحراً يأتيه الناس ويأخذ على ذلك الأجر فقال له: جعلت فداك أنا رجل كانت صناعتي السحر وكنت آخذ عليه الأُجرة وكان
< صفحة > 214 < / صفحة >
معاشي ، وقد حججت ومَنَّ الله عليَّ بلقائك وقد تبت إلى الله تعالى فهل لي في شيئ منه مخرج؟قال فقال الصادق عليه السلام : حُلَّ ولا تعقد .
وكذا يحرم تعلم الكهانة وتعليمها ، والكاهن هو الذي له رئيٌّ من الجنّ يأتيه بالأخبار . ويُقتل ما لم يتب ).
< صفحة > 215 < / صفحة >

الفصل الحادي والثمانون : مدحَ النبي صلى الله عليه وآله الشعر الهادف والشعراء

مدح النبي صلى الله عليه وآله الشعر والشعراء المؤمنين

تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله قوله: ( إن من الشعر حكمة ، وإن من البيان سحراً).
وفي الأصول الستة عشر/305: (قال الكميت: لما أنشدت أبا جعفر عليه السلام مدائحهم ، قال لي: يا كميت ! طلبت بمدحك إيانا لثواب الدنيا أو لثواب الآخرة ؟ قال قلت: لا والله ما طلبت إلا ثواب الآخرة ، فقال: أما لو قلت: ثواب الدنيا ، قاسمتك مالي حتى النعل والبغل. الى أن قال: قلت جعلت فداك فما تأمرني في الشعر فيكم ؟ قال: لك ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لحسان بن ثابت: لن يزال معك روح القدس ما دمتَ تمدحنا أهلَ البيت).

لا يقول شاعر بيتاً في النبي وآله صلى الله عليه وآله إلا بمعونة روح القدس !

وذلك لأن قول بيت من الشعر في مدح النبي وآله صلى الله عليه وآله فوز عظيم يستحق به صاحبه بيتاً في الجنة ، وهذا لا يسمح به إلا لمن كان أهلاً لهذا الفوز ، ويدل علىه صحيح عيون أخبار
< صفحة > 216 < / صفحة >
الرضا عليه السلام (1/15) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (ما قال فينا قائل بيتاً من الشعر حتى يؤيد بروح القدس ).
ومعناه أن الشاعر لايتوفق ولا يسمح له بأن ينال هذا الشرف ويقول بيتاً واحداً في مدح النبي وآله صلى الله عليه وآله إلا بمعونة روح القدس !
أما كيف يساعد الروح القدس الشاعر ويؤيده ، فلا يبعد أنه يريه الأفكار والمعاني والألفاظ الشعرية ليصوغ منها شعره .
وليس في ذلك مبالغة فبإمكانك أن تقايس مدائح الشاعر للنبي وآله صلى الله عليه وآله ببقية شعره لترى الفرق الشاسع في المستوى والجزالة الشعرية .
وقد قايست قصيدة الفرزدق التي ارتجلها في مدح الإمام زين العابدين عليه السلام أمام هشام بن عبد الملك ، بكل شعر الفرزدق فرأيتها تفوق كل شعره !
روى في مناقب آل أبي طالب(3/306) وأبو نعيم في الحلية وغيرهما، قالوا: حج هشام بن عبد الملك فلم يقدر على الإستلام من الزحام فنصب له منبر وجلس عليه وأطاف به أهل الشام ، فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين وعليه إزار ورداء ، من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم رائحة ، بين عينيه سجادة كأنها ركبة عنز ، فجعل يطوف فإذا بلغ موضع الحجر تنحى الناس حتى يستلمه هيبة له ، فقال شامي: مَن هذا يا أمير ؟ فقال: لا أعرفه ، لئلا يرغب فيه أهل الشام ، فقال الفرزدق وكان حاضراً: لكني أنا أعرفه ، فقال الشامي: من هو يا أبا فراس؟ فأنشأ قصيدة . نأخذ منها:
يا سائلي أينَ حلَّ الجودُ والكرمُ
عندي بيانٌ إذا طلابُهُ قدموا
هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَهُ
والبيتُ يعرفُهُ والحلُّ والحَرَمُ
هذا ابنُ خَيْرِ عبادِ الله كلِّهِمُ
هذا التّقيُّ النقيُّ الطاهرُ العَلَمُ
هذا الذي أحمدُ المختارُ والدُه
صلى عليه إلهي ما جرى القلمُ
< صفحة > 217 < / صفحة >
لو يعلمُ الركنُ من قـد جـاء يلثِمُهُ
لَخَرَّ يَلْثِمُ منهُ ما وطى القَدَمُ
هذا عليٌّ رسولُ الله والدُه
أمست بنور هداه تهتدي الأمم
هذا الذي عـمُّه الطيـارُ جعفرُ والمَقـ
تولُ حمزةُ ليثٌ حُبُّهُ قَسَمُ
هذا ابنُ سيدة النسوانِ فاطمةٌ
وابنُ الوصيِّ الذي في سيفه نِقَمُ
إذا رأتهُ قريشٌ قال قائلُها
إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يكادُ يُمْسكُهُ عرفانُ راحتِهِ
ركنُ الحطيم إذا ما جاءُ يَستلم
وليسَ قولُك من هذا بِضَائِرِهِ
العُـرْبُ تعرفُ من أنكرتَ والعجم
يُنْمَـى إلى ذِرْوَةِ العـزِّ التي قَـصُرَتْ
عن نيلها عـربُ الإسلام والعجم
يُغْـضي حَيَـاءً ويُغْـضى من مَهَابَتِـهِ
فما يُكَلَّمُ إلا حينَ يَبْتَسٍمُ
يِنْجَابُ نُورُ الدُّجـى عـن نور غُـرَّتِـه
كالشمس يَنْجَابُ عن إشـراقها الظلـم
بكفِّهِ خَيْزَرَانٌ ريحُهُ عَبِقٌ
من كفِّ أورعَ في عِرْنِينِهِ شَمَمُ
ما قال لا قطُّ إلا في تشهدِه
لولا التشهدُ كانت لاءهُ نَعَمُ
مُشْتُقَّةٌ من رسولِ الله نَبْعَتُهُ
طابتْ عناصرُه والخِيمُ والشِّيَمُ)
حَمَّالُ أثقالِ أقوامٍ إذا فُدِحُوا
حُلْوُ الشمائل تحلو عنده نعم
إن قال قالُ بما يهوى جميعُهُمُ
وإن تكلمَ يوماً زانَهُ الكَلِمُ
هذا ابنُ فاطمةٍ إن كنتَ جاهلَهُ
بجدِّه أنبياءُ الله قد خُتموا
من معشرٍ حبُّـهُمْ ديـنٌ وبُغْـضُـهمُ
كفرٌ وقُرْبُهُمُ مَنْجىً ومُعْتَصَمُ
يُسْتَدْفَعُ السوءُ والبلوى بحبَّـهِمُ
ويُستزادُ به الإحسانُ والنِّعَم
مُقَدَّمٌ بعدَ ذكر الله ذكرُهُمُ
في كلِّ فرضٍ ومختومٌ به الكلِم
إن عُدَّ أهلُ التُّقَى كانوا أئمتَهُمْ
أو قيلَ من خيرُ أهلِ الأرضِ قيلَ هم
منْ يعرفْ اللهَ يعرفْ أوَّلِيَّةَ ذَا
فالدينُ من بيت هذا نالهُ الأمم
بيوتُهُمْ في قريش يُستضاءُ بها
في النائبـات وعنـد الحِلـم إن حلمـوا
< صفحة > 218 < / صفحة >
فجدُّه من قريش في أزمَّتِها
محمدٌ وعليٌّ بعدَه عَلَمُ
بدرٌ له شاهدٌ والشِّعبُ من أحُدٍ
والخندقان ويومَ الفتحِ قد عَلموا
وخَيْبَرٌ وحُنَيْنٌ يَشهدانِ له
وفي قُريْظةَ يومٌ صَيْلَمٌ قَتَمُ
مواطنٌ قد عَلَتْ في كلِّ نائبة
على الصحابة لم أكْتُمْ كمَا كَتَمُوا
فغضب هشام ومنع جائزته وقال: ألا قلت فينا مثلها؟ قال: هات جداً كجده وأباً كأبيه وأماً كأمه حتى أقول فيكم مثلها !
فحبسه بعسفان بين مكة والمدينة ، فبلغ ذلك علي بن الحسين عليه السلام فبعث إليه باثني عشر ألف درهم وقال: أعذرنا يا أبا فراس فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به ، فردها وقال: يا ابن رسول الله ما قلت هذا الذي قلت إلا غضباً لله ولرسوله صلى الله عليه وآله ، وما كنت لأرزأ عليه شيئاً ! فردها إليه وقال: بحقي عليك لمَّا قبلتها فقد رأى الله مكانك وعلم نيتك فقبلها ، فجعل الفرزدق يهجو هشاماً وهو في الحبس فكان مما هجاه به قوله:
أيحبسني بين المدينة والتي
إليها قلوب الناس تهوى منيبها
يقلب رأساً لم يكن رأسَ سيِّدٍ
وعيناً له حَوْلاءَ بادٍ عُيُوبها).
وفي روايةالخرائج (1/267): (فلما طال الحبس عليه وكان يوعده بالقتل! شكى إلى علي بن الحسين عليه السلام فدعا له فخلصه الله فجاء إليه وقال: يا ابن رسول الله إنه محا اسمي من الديوان . فقال: كم كان عطاؤك ؟ قال: كذا . فأعطاه لأربعين سنة وقال عليه السلام : لو علمت أنك تحتاج إلى أكثر من هذا لأعطيتك . فمات الفرزدق بعد أن مضى أربعون سنة ) !
أقول: كان هشام بن عبد الملك يومها ولي عهد أبيه ، وكان أحول ولا غضروف لأنفه بل كان جلدة مسدولة . وهو الذي سم الإمام زين العابدين عليه السلام .
< صفحة > 219 < / صفحة >
روى البيهقي في سننه(10/228) (عن أنس قال دخل رسول الله(ص)مكة فقام أهلها سماطين ينظرون إلى رسول الله(ص)وإلى أصحابه قال وابن رواحة يمشي بين يدي رسول الله(ص)فقال ابن رواحة:
خلـوا بنـي الكـفـار عـن سبيلـه
فاليـوم نضـربكـم على تنزيلـه
ضرباً يزيل الهام عن مقيله
ويذهل الخليل عن خليله
يـا رب إنـي مؤمـن بقيـلـه
فقال عمر: يا بن رواحة أفي حرم الله وبين يدي رسول الله تقول الشعر؟!! فقال رسول الله(ص): مه يا عمر ، فوالذي نفسي بيده لكلامه هذا أشد عليهم من وقع النبل ) !
في أمالي المفيد/302: ( جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: والله يا رسول الله لقد أتيناك وما لنا بعير يئط ، ولا غنم يغط ، ثم أنشأ يقول:
أتيناك يا خير البرية كلها
لترحمنا مما لقينا من الأزْل
أتيناك والعذراء يدمى لبانها
وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
وألقى بكفيه الفتى إستكانة
من الجـوع ضعفاً مـا يمر وما يحلي
ولا شئ مما يأكل الناس عندنا
سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل
وليس لنا إلا إليك فرارنا
وأين فرار الناس إلا إلى الرسل
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه: إن هذا الأعرابي يشكو قلة المطر وقحطاً شديداً ، ثم قام يجر رداءه حتى صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وكان مما حمد ربه أن قال: الحمد لله الذي علا في السماء فكان عالياً ، وفي الأرض قريباً دانياً ، أقرب إلينا من حبل الوريد . ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم اسقنا غيثاً ، مغيثاً ، مريئاً ، مريعاً ، غدقاً ، طبقاً ، عاجلاً غير رائث ، نافعاً غير ضائر ، تملأ به الضرع ، وتنبت به الزرع ، وتحيي به الأرض
< صفحة > 220 < / صفحة >
بعد موتها. فما ردَّ يديه إلى نحره حتى أحدق السحاب بالمدينة كالإكليل والتقت السماء بأردافها. وجاء أهل البطاح يضجون يا رسول الله: الغرق الغرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : اللهم حَوَالَيْنَا ولا علينا ، فانجاب السحاب عن السماء ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: لله در أبي طالب لو كان حياً لقرَّت عيناه ، من ينشدنا قوله؟ فقام عمر بن الخطاب فقال: عسى أردت يا رسول الله:
ومـا حملـتْ من ناقـة فـوقَ رحلهـا
أبرَّ وأوفى ذمَّةً من محمدِ
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ليس هذا من قول أبي طالب بل من قول حسان بن ثابت ، فقام علي فقال: كأنك أردت يا رسول الله قوله(المناقب: 1/142):
ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب
لدينا ، ولا يعبى بقول الأباطل
وأبيـض يستسقى الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يطوف به الهلَّاك من آل هاشم
فهم عنده في نعمة وفواضل
كذبتم وبيت الله نبزي محمداً
ولما نطاعن دونه ونقاتل
ونُسْلمه حتى نصـرَّعَ دونه
ونذهل عن أبنائنا والحلائل
لعمـري لقـد كلفـت وجـداً بأحمـد
وأحببتـه حـب الحبيـب المواصـل
وجـدت بنـفسـي دونـه وحميتـه
ودرَّأت عنه بالذرى والكلاكل
فلا زال في الدنيا جمالاً لأهلها
وشيناً لمن عادى وزين المحافل
حليمـاً رشيـداً حازمـاً غير طائـش
يوالي إله الحق ليس بماحل
فأيده رب العباد بنصـره
وأظهر ديناً حقه غير باطل.
فقال النبي صلى الله عليه وآله نعم أردت قوله هذا ).
هذا وسنخص شعراء النبي صلى الله عليه وآله بفصل من هذا الكتاب . ومن أبرزهم حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك ، والنابغة الجعدي ، وكعب بن زهير ، وقيس بن
< صفحة > 221 < / صفحة >
صرمة من بني النجار ، وعبد الله بن الزبعرى ، وأمية بن الصلت ، والعباس بن مرداس.. وآخرون.
وقد جمعهم ابن سيد الناس ورتبهم على حرف المعجم ، وقارب بهم المائتين وأشهرهم ثلاثة: حسان بن ثابت ، وعبد الله بن رواحة ، وكعب بن مالك .

صدم القرآن الشعراء فقال إن الشاعر هو الأفاك الأثيم !

اعتقد العرب بوجود شيطان للشاعر والطبيب ينزل عليه وسموه الرئي !
قال الخليل(8/307): (الرَّئِيُّ: جني يتعرض للرجل يريه كهانة وطباً ).
وقد رد الله عليهم فقال إن الشياطين لاتتنزل على الشعراء بل على شعراء من نوع آخر هم أصحاب الخيال الباطل الذي يصد الناس عن سبيل الله !
قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ . تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ. وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ . أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ . وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ . إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوااللهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ .
وقال تعالى في سورة الجاثية: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ . يَسْمَعُ آَيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ . مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ .
ولما نزلت آية الشعراء جاء كبارهم الى النبي صلى الله عليه وآله يبكون ، فقال لهم لا تبكوا فلستم المقصودين ، إقرؤوا الإستثناء فأنتم منهم .
فقالوا له: هل نترك الشعر؟ فقال: لابد للمسلم أن يجاهد بنفسه ولسانه .
< صفحة > 222 < / صفحة >
ومعنى الآية: أن الشياطين أو الجن (وهما عند العرب واحد) لا سلطان لهم على الناس إلا على الأفاكين الذين يتخذون آلهة وأولياء من دون الله ويغوون الناس بهم فيتبعونهم، فهؤلاء يتولون الشياطين فتتنزل عليهم .
وسماهم الشعراء مجازاً لأنهم أصحاب خيال باطل كالشعراء الكافرين يهيمون في كل واد ، ويخالف فعلهم قولهم . ثم استثنى منهم المؤمنين .
والحكمة من هذه الصدمة المتعمدة: أن ينتبه الشاعر دائماً الى أن الأداة التي وهبها الله له خطيرة ، فيتقي الله في استعمالها ، وينتبه الناس فلا يقعوا تحت تأثير سحر الشعر ، فهو كما قيل: أعذبه أكذبه !
وقد نص القمي رحمه الله على هذا التفسير الذي اخترناه فقال في تفسيره (2/125): (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ . نزلت في الذين غيروا دين الله بآرائهم وخالفوا أمر الله . هل رأيتم شاعراً قط تبعه أحد؟إنما عنى بذلك الذين وضعوا ديناً بآرائهم فيتبعهم الناس على ذلك . ويؤكد ذلك قوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ. يعني يناظرون بالأباطيل ويجادلون بالحجج المضلة وفي كل مذهب يذهبون . وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ . قال يعظون الناس ولا يتعظون وينهون عن المنكر ولا ينتهون ويأمرون بالمعروف ولا يعملون . وهم الذين غصبوا آل محمد حقهم . ثم ذكر آل محمد عليهم السلام وشيعتهم المهتدين فقال: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوااللهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا . ثم ذكر أعداءهم ومن ظلمهم فقال: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ . هكذا والله نزلت).
أي هذا هو معناها المقصود لله تعالى. فالإستثناء في الآية منقطع، والشعراء فيها هم أصحاب الخيالات الذين يتخذون أولياء من دون الله وليسوا الشعراء المشهورين !
< صفحة > 223 < / صفحة >
ويؤيد هذا التفسير ما رواه عبد الرزاق(11/263): (أن كعب بن مالك قال للنبي صلى الله عليه وآله : إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل، قال: إن المؤمن يجاهد بنفسه ولسانه ، والذي نفسي بيده لكأنما ترمون فيهم به نضح النبل ) .
وفي تفسير الطبري (19/159): (لما نزلت: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ، جاء حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك إلى النبي(ص) وهم يبكون ، فقالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء ، فتلى النبي: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوااللهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا . وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ). يعني لستم أنتم المقصودين ، فواصلوا عملكم .
وفي جامع الشتات للميرزا القمي(1/328): (والأخبار الواردة في الترغيب في مدحهم ومراثيهم بالأشعار كثيرة فعن الصادق عليه السلام : من قال فينا بيت شعر بنى الله له بيتاً في الجنة ، وأيضاً قال: ما قال فينا قائل شعراً حتى يؤيد بروح القدس . بل في الأخبار أمر الشعراء بهجو الكفار قبالاً لهجائهم ، ففي مجمع البيان عن كعب بن مالك أنه قال: يا رسول الله ماذا تقول في الشعر؟ فقال إن المؤمن مجاهد بسيفه ولسانه ، والذي نفسي بيده لكأنما يرضحون بالنبل . قال وقال النبى صلى الله عليه وآله لحسان بن ثابت: أهجهم وروح القدس معك . وعن كتاب الكشي عن الصادق عليه السلام : يا معشر الشيعة علموا أولادكم شعر العبدي فإنه على دين الله ).

وقال المرزوقي في الأزمنة والأمكنة/407: ( أرسل إلى سطيح الغساني فإنه يخبرك ، فدعا سطيحاً فأتي به محمولاً ولم يكن له عظم ! كان مستلقياً دهره يفتي الناس يأتيه رئي من الجن بأخبار السماء وما يحدث في الأرض ولم تكن الشياطين ممنوعة من الإستراق إذ
< صفحة > 224 < / صفحة >
ذاك، وإنما رجمت بالنجوم وحجبت بعد مولد النبي(ص)، فالمسترق للسّمع الآن يرمى بنجم فيصيبه ولايقتل بل يبقى مخبولاً إلى يوم القيامة ).
< صفحة > 225 < / صفحة >

الفصل الثاني والثمانون : خلاصة عن شعراء النبي صلى الله عليه وآله

المؤلفات والفصول في شعراء النبي صلى الله عليه وآله

ألف عدد من المؤلفين كتباً خاصة في شعراء النبي صلى الله عليه وآله ، وكتب عامة المؤلفين في السيرة والحديث فصولاً في شعرائه صلى الله عليه وآله ، وحفلت مصادر السيرة والتاريخ والحديث بأخبار الشعراء مع النبي صلى الله عليه وآله .
قال الإدريسي الكتاني الفاسي في كتابه: نظام الحكومة النبوية (1/211): (الشعراء من الصحابة الذين مدحوه (ص) بين رجال ونساء جمعهم الحافظ فتح الدين محمد بن محمد الأندلسي المعروف بابن سيد الناس المتوفي عام 734 في قصيدة ميمية ، ثم شرحها في مجلد سماه: منح المدح أو فتح المدح ، ورتبهم على حروف المعجم ، قارب بهم المائتين .
ولعصرينا الأديب أبي الحسن علي بن شاكر الموستاري المعروف بجابي زاده نزيل الأستانة كتاب نفيس سماه: حسن الصحابة في شرح أشعار الصحابة يترجم الصحابي ويذكر أشعاره في التوحيد والثناء على الله ومدح المصطفى (ص) وبيان معجزاته ونحو
< صفحة > 226 < / صفحة >
ذلك أثبت فيه لأكثر من مائتي صحابي ما بين بيت مفرد وقصيد ثم شرح مفردات الجميع. وأما ما مدح به (ص) من شعراء أمته بعد الصحابة فشئ يجل عن الحصر ).
أقول: رأيت كتاب ابن سيد الناس طبعة دار الفكر ، وقد بلغ الذين عدهم من الصحابة وعدهم من شعراء النبي صلى الله عليه وآله 199رجلاً واثنتي عشرة امرأة.

ظلموا أبا طالب أعظم شعراء النبي صلى الله عليه وآله

وهذا من تربية بطون قريش وحكوماتهم على بغض بني هاشم ! وقد بحثنا شعر أبي طالب عليه السلام في الفصل الثامن من هذا الكتاب .

من فصول المؤلفين في شعراء النبي صلى الله عليه وآله

قال ابن شهراشوب في مناقب آل أبي طالب (1/142):
شعراؤه: كعب بن مالك ، قال:
وإنـي وإن عنفتمـونـي لقائـل
فـدىً لرسول الله نفسـي وماليـا
أطعناه لم نعد له فينا بغيره
شهاباً لنـا في ظلمة الليـل هاديـا
وقال:
وفينا رسول الله نتبع أمره
إذا قال فينا القول لا يتطلع
تدلى علىه الروح من عند ربه
ينزل من جو السماء ويرفع
وقال عبد الله بن رواحة:
وكذاك قد ساد النبي محمد
كل الأنام وكان آخر مرسل
وقال حسان بن ثابت:
ألم تر أن الله أرسل عبده
ببرهانه والله أعلى وأمجد
وشق له من اسمه ليجله
وذو العرش محمود وهذا محمد
نبي أتانا بعد يأس وفترة
من الرسـل والأوثـان في الأرض تعبـد
< صفحة > 227 < / صفحة >
تعاليت رب العرش من كل فاحش
فإياك نستهدي وإياك نعبد
وأمره النبي صلى الله عليه وآله أن يجيب أبا سفيان فقال:
ألا أبلغ أبا سفيان عني
مغلغلة وقد برح الخفاء
بأن سيوفنا تركتك عبداً
وعبد الدار سادتها الإماء
أتهجوه ولست له بند
فشـرُّكما لخيركما الفداء
هجوت محمداً براً حنيفاً
أمين الله شيمته الوفاء
أمن يهجو رسول الله منكم
ويمدحه وينصـره سواء
فإن أبي ووالدتي وعرضي
لعرض محمد منكم وقاء
وقال النابغة الجعدي:
أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى
ويتلو كتاباً كالمجرة نيرا
بلغنا السما في مجدنا وسنائنا
وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فقال النبي: إلى أين؟ قال: الجنة ، فقال صلى الله عليه وآله : أجل .
وقال كعب بن زهير:
إن الرسول لسيف يستضاء به
مهند من سيوف الله مسلول
في عصبة من قريش قال قائلهم
ببطن مكة لما أسلموا زولوا
شم العرانين أبطال لُبُوسهم
من نسج داود في الهيجا سرابيل
مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة
القرآن فيه مواعيد وتفصيل
لا تأخذنِّي بأقوال الوشاة ولم
أذنب ولو كثرت فيَّ الأقاويل
نُبَّئت أن رسول الله أوعدني
والعفو عند رسول الله مأمول
وقال قيس بن صرمة من بني النجار:
ثوى في قريـش بضـع عشـرة حجـة
يذكـر مـن يلقـى صديقـاً مواليـا
ويعرض في أهل المواسم نفسه
فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا
< صفحة > 228 < / صفحة >
فلما أتاها أظهر الله دينه
فأصبح مسـروراً بطيبة راضيا
وألقى صديقاً واطمأنت به النوى
وكـان له عونـاً مـن الله باديـا
يقص لنا ما قال نوح لقومه
ومـا قـال موسـى إذْ أجـاب المـناديا
ولم يقل لبيد بعد إسلامه إلا كلمة:
زال الشباب ولم أحفل به بالا
وأقبل الشيب بالإسلام إقبالا
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي
حتى لبسـت مـن الاسـلام سـربالا
وقال ابن الزبعري يعتذر من الهجاء فأمر له النبي بحلة:
يا رسول المليك إن لساني
راتقٌ ما فتقت إذ أنا بور
إذ أُجاري الشيطان في سنن
الغي ومن مال ميله مثبور
شهد اللحم والعظام بربي
ثم قلبي الشهيد أنت النذير
ولقد شهدت بأن دينك صادق
حقاً وأنك في العباد جسيم
والله يشهد أن أحمد مصطفى
مستقبل في الصالحين كريم
وله أيضاً:
فالآن أخضع للنبي محمد
بيد مطاوعة وقلب تائب
ومحمد أوفى البرية ذمة
وأعز مطلوب وأظفر طالب
هادي العباد إلى الرشاد وقائد
للمؤمنين بضوء نار ثاقب
إني رأيتك يا محمد عصمة
للعالمين من العذاب الواصب
وقال أمية بن الصلت:
وأحمد أرسله ربنا
فعاش الذي عاش لم يهتضم
وقد علموا أنه خيرهم
وفى بيته ذي الندى والكرم
نبي الهدى طيب صادق
رحيم رؤوف بوصل الرحم
< صفحة > 229 < / صفحة >
عطاء من الله أعطيته
وخص به الله أهل الحرم
وقال العباس بن مرداس:
رأيتك يا خير البرية كلها
نشـرت كتاباً جاء بالحق مُعلما
سننت لنا فيه الهدى بعد جورنا
عن الحق لما أصبح الحق مظلما
ونورت بالبرهان أمراً مدمساً
وأطفأت بالبرهان جمراً تضـرما
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجها
ودانت قديماً وجهها قد تهدما
وقال طفيل الغنوي:
فأبصـرت الهـدى وسمعت قولاً
كريماً ليس من سجع الأنام
فصدقت الرسول وهان قوم
علي رموه بالبهت العظام
وقال كعب بن نمط:
وما حملت من ناقة فوق رحلها
أبرَّ وأوفى ذمة من محمد
ولا وضعـت أنثـى لأحمـد مشبهـاً
من الناس في التقـوى ولا في التعبـد
وقال مالك بن عوف:
ما إن رأيت ولا سمعت بواحد
في الناس كلهم شبيه محمد
وقال قيس بن بحر الأشجعي:
رسولاً يضاهي البدر يتلو كتابه
ولما أتى بالحق لم يتلعثم
وقال عبد الله بن حرب الأسهمي:
فينا الرسول وفينا الحق نتبعه
حتى الممـات ونصـر غـير مجـذوذ
وقال أبو دهبل الجمحي:
إن البيوت معادن فنجاره
ذهب وكل بيوته ضخم
عقم النساء فلا يلدن شبيهه
إن النساء بمثله عقم
متهلل نعم بلا متباعد
سيان منه الوفر والعدم
وقال بحير بن أبي سلمى:
< صفحة > 230 < / صفحة >
إلى الله وجهـي والرسول ومن بَقَـم
إلى الله يوماً وجهه لا يخيب
وأتى الأعشى مكة فقالت قريش: إن محمداً يحرم الخمر والزنا، فانصرف فسقط عن بعيره ومات . ويقال إنه قال:
نبي يرى ما لا يرون وذكره
أغار لعمري في البلاد وأنجدا
ومن هُجَّائه: ابن الزبعرى السهمي وهبيرة بن أبي وهب المخزومي وشافع بن عبد مناف الجمحي وعمرو بن العاص وأمية بن الصلت ، وأبو سفيان بن أبي الحرث ومن قوله:
فأصبحـت قد راجعت حلمي وردني
إلى الله من طردت كل مطرد
أصد وأنأى جاهلاً عن محمد
وادعى وإن لم أنتسب من محمد
فضرب النبي صلى الله عليه وآله يده في صدره وقال: متى طردتني يا أبا سفيان ! ).
وقال المقريزي في الإمتاع(10/43): (فصل في ذكر شعراء رسول الله (ص): إعلم أن رسول الله(ص)مدحه بالشعر جماعة من الرجال والنساء ، ذكر من ذكر منهم الحافظ أبوعمر يوسف بن عبد الله بن عبد عبد البر نحو مائة وعشرين. وجمعهم الحافظ فتح الدين محمد بن محمد الأندلسـي المعروف بابن سيد الناس في قصيدة ميمية ، ثم شرحها في مجلد سماه مِنح المدح ، ورتبهم على حروف المعجم قارب بهم المائتين . وكان لرسول الله(ص)ثلاثة شعراء يناضلون عنه بشعرهم ويهجون كفار قريش ، وهم حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك ، وهم من الأنصار رضي الله تعالى عنهم ).
وقال الإدريسي في كتابه: نظام الحكومة النبوية (1/210): ( فصل في ذكر شعراء النبي صلى الله عليه وآله :كان شعراء المسلمين حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك . وأما شعراء المشركين فعمرو بن العاص وعبد الله بن الزبعرى وأبو سفيان بن الحارث. قال أبو عمر بن عبد البر: قيل لعلي بن أبي طالب أهج عنا القوم الذين يهجوننا فقال: إن أذن لي النبي(ص)فعلت . فقالوا يا رسول الله إيذن له . فقال: رسول الله (ص) إن علياً
< صفحة > 231 < / صفحة >
ليس عنده ما يراد في ذلك منه . ثم قال ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله(ص) بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم؟
قال ابن سيرين: وانتدب لهجو المشركين ثلاثة من الأنصار حسان وكعب وعبد الله بن رواحة فكان حسان وكعب يعرضان بهم في الوقائع والأيام والمآتم ويذكران مثالبهم . وكان عبد الله بن رواحة يعيرهم بعبادة ما لا ينفع، فكان قوله أهون عليهم يومئذ . وكان قول حسان وكعب أشد القول عليهم. فلما أسلموا وفقهوا كان أشد القول عليهم قول عبد الله بن رواحة).

أبرز شعراء النبي صلى الله عليه وآله

عبد الله بن رواحة

  1. كان حسان أقوى شعراء النبي صلى الله عليه وآله وكان عبد الله بن رواحة خيرهم إيماناً وجهاداً . وقد دعا النبي صلى الله عليه وآله لحسان بالتأييد بالروح القدس ما دمت معنا فشرط عدم انحرافه ، ودعا لعبد الله بن رواحة دعاء مطلقاً لأنه يعلم أنه ثابت لاينحرف ، وقد توفق ابن رواحة للشهادة في معركة مؤته مع جعفر بن أبي طالب عليه السلام . ولم يعش بعد النبي صلى الله عليه وآله حياة الترف والإنحراف كما عاش حسان وكعب بن مالك .
  2. كان من أجلاء نقباء الأنصار الإثني عشر الذين ضمنوا للنبي صلى الله عليه وآله وفاء الأنصار ببيعتهم . وكان مع سعد بن الربيع يكسـران أصنام الكفار من الخزرج في بدء لهجرة . وقد كسرصنم أخيه من أمه أبي الدرداء . وهو خال النعمان بن بشير . وقد اصطدم بعبد الله بن أبي رأس المنافقين فقال له: لحمار رسول الله أطيب ريحاً منك ومن أبيك فغضب قومه وأعان ابن رواحة قومه فتضاربا بالحديد والنعال ). (مستدركات علم رجال الحديث: 5/17).
    < صفحة > 232 < / صفحة >
    3.كان معتمداً عند النبي صلى الله عليه وآله استخلفه على المدينة في غزوة بدر الصغرى . (مستدركات علم رجال الحديث: 5/17)
    « آخى بين المقداد بن عمرو وعبد الله بن رواحة ».(تاريخ دمشق: 60/ 157)
    4.وكان بين يدي النبي صلى الله عليه وآله لما دخل مكة في عمرة القضاء ، فتحدى مشركي قريش فزجره عمر بن الخطاب ، فزجر النبي صلى الله عليه وآله عمر .
    ففي سنن الترمذي(4/217): « عن أنس أن النبي(ص) دخل مكة في عمرة القضاء ، وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول:
    خلـوا بني الكفار عن سبيلـه
    فاليـوم نضـربكم على تنزيلها
    ضربا يزيل الهام عن مقيله
    ويذهـل الخليـل عن خليلهـا
    فقال له عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله (ص) وفي حرم الله تقول الشعر! فقال رسول الله(ص): خلِّ عنه يا عمر فلهي أسرع فيهم من نضح النبل » ! وفي رواية البيهقي (10/228): « مه يا عمر فوالذي نفسي بيده لكلامه هذا أشد عليهم من وقع النبل ».
    وكان عمر رغم إسلامه متعصباً لقريش وزعمائها المشركين ضد بني هاشم والأنصار! ولا ننس أنه من قبيلة عدي الصغيرة وأنه نشأ على احترام زعماء البطون وإكبارهم ، فأراد أن يتقرب اليهم عند فتح مكة ! فزجره النبي صلى الله عليه وآله وقال له هؤلاء الفراعنة لايفهمون إلا لغة السيف ، وأن عمل عبد الله بن رواحة صحيحٌ ، لأنه أشد على أعداء الله من وقع النبل !
    وبقي عمر على حالته يتعصب لزعماء البطون مقابل بني هاشم والأنصار! فقد نهى حساناً عن إنشاد شعر معارك الإسلام في مسجد النبي صلى الله عليه وآله !
    «كان ينشد فمر به عمر بن الخطاب فلحظه فقال: أفي المسجد ! فقال: والله لقد أنشدت من هو خير منك ! قال: فخشـي أن يرميه برسول الله ، فأجاز وتركه ». (البيهقي: 2/48).
    < صفحة > 233 < / صفحة >
    ثم منعه من الإنشاد (وفاء الوفا: 1/497 )! وأخذت قريش تسب حساناً في كل مكان ومنعت عائشة سبه في حضورها فقط !
  3. عيَّن النبي صلى الله عليه وآله عبد الله بن رواحة والياً لقسمة غلة خيبر مع اليهود . ففي الكافي(5/267) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (إن النبي صلى الله عليه وآله لما افتتح خيبر تركها في أيديهم على النصف فلما بلغت الثمرة بعث عبد الله بن رواحة إليهم فخرص عليهم فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالوا له إنه قد زاد علينا فأرسل إلى عبد الله فقال ما يقول هؤلاء ؟ قال: قد خرصت عليهم بشئ فإن شاؤوا يأخذون بما خرصنا وإن شاؤوا أخدنا ، فقال رجل من اليهود: بهذا قامت السماوات والأرض)! أي كان قسم الحاصل قسمين ، فخيرهم بين أيهما، فقالوا يهذا أي بالعدل قامت السماوات والأرض .
  4. وظهرت بركة النبي صلى الله عليه وآله على تمرات جاءت بها أخت عبد الله بن رواحة ففي قرب الإسناد للحميري/328: ( ومن ذلك: أن أخت عبد الله بن رواحة الأنصاري مرت به أيام حفرهم الخندق ، فقال لها: إلى أين تريدين ؟ قالت: إلى عبد الله بهذه التمرات ، فقال: هاتيهن فنثرت في كفه ، ثم دعا بالأنطاع وفرقها عليها وغطاها بالأزر، وقام وصلى ففاض التمر على الأنطاع ثم نادى: هلموا وكلوا.فأكلوا وشبعوا وحملوا معهم ودفع ما بقي إليها ) .
  5. أمَّره النبي صلى الله عليه وآله على سرية لقتال اليهود . ففي طبقات ابن سعد(2/92): (سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير بن زارم اليهودي بخيبر في شوال سنة ست من مهاجر رسول الله (ص) . قالوا: لما قتل أبو رافع سلام بن أبي الحقيق أمرت يهود عليهم أسير بن زارم فسار في غطفان وغيرهم يجمعهم لحرب رسول الله (ص) وبلغ ذلك رسول الله فوجه عبد الله بن رواحة في ثلاثة نفر في شهر رمضان سراً فسأل عن خبره وغرته فأخبر بذلك فقدم على رسول الله (ص) فأخبره فندب رسول الله الناس فانتدب له ثلاثة رجال فبعث عليهم عبد الله بن رواحة فقدموا على أسير فقالوا نحن آمنون حتى نعرض عليك ما جئنا له قال نعم ولي منكم مثل ذلك ).
    < صفحة > 234 < / صفحة >
  6. وأمَّره النبي صلى الله عليه وآله على جيش مؤتة إن أصيب جعفر عليه السلام وزيد بن حارثة:
    روى الطوسي في أماليه بسنده عن الزهري ، قال: (لما قدم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من بلاد الحبشة ، بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى مؤتة ، واستعمل على الجيش معه زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة ، فمضى الناس معهم حتى كانوا بتخوم البلقاء ، فلقيهم جموع هرقل من الروم والعرب ، فانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة ، فالتقى الناس عندها واقتتلوا قتالاً شديداً ، وكان اللواء يومئذ مع زيد بن حارثة ، فقاتل به حتى شاط في رماح القوم ، ثم أخذه جعفر فقاتل به قتالاً شديداً ، ثم اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها وقاتل حتى قتل . قال: وكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر فرسه في الإسلام ، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل ، فأعطى المسلمون اللواء بعدهم خالد بن الوليد ، فناوش القوم وراوغهم حتى انحاز بالمسلمين منهزماً ونجا بهم من الروم ، وأنفذ رجلاً من المسلمين يقال له عبد الرحمن بن سمرة إلى النبي صلى الله عليه وآله بالخبر . فقال عبد الرحمن: فصـرت إلى النبي فلما وصلت إلى المسجد قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله : على رسلك يا عبد الرحمن . ثم قال: أخذ اللواء زيد فقاتل به فقتل ، رحم الله زيداً ، ثم أخذ اللواء جعفر وقاتل وقتل ، رحم الله جعفراً ، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة وقاتل وقتل ، فرحم الله عبد الله . قال: فبكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وهم حوله ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله : وما يبكيكم؟ فقالوا: وما لنا لا نبكي وقد ذهب خيارنا وأشرافنا ، وأهل الفضل منا ! فقال لهم: لاتبكوا ، فإنما مثل أمتي مثل حديقة قام عليها صاحبها ، فأصلح رواكبها ، وبنى مساكنها ، وحلق سعفها ، فأطعمت عاماً فوجاً ، ثم عاماً فوجاً ، ثم عاماً فوجاً ، فلعل آخرها طعماً أن يكون أجودها قنواناً، وأطولها شمراخاً. أما والذي بعثني بالحق نبياً ليجدن عيسى بن مريم في أمتي خلفاً من حواريه .
    وقال كعب بن مالك يرثي جعفر رضي الله عنه وعن المستشهدين بين يديه:
    هدت العيون ودمع عينك يهمل
    سخى كما وكف الضباب المخضل
    وكأنما بين الجوانح والحشا
    مما تأوبني شهاب مدخل
    < صفحة > 235 < / صفحة >
    وجداً على النفر الذين تتابعوا
    يوماً بمؤتة أسندوا لم يقفلوا
    فتغير القمر المنير لفقدهم
    والشمـس قـد كسفـت وكـادت تأفل
    قوم علا بنيانهم من هاشم
    فرع أشم وسؤدد ما ينقل
    قوم بهم نصـر الآلة عباده
    وعليهم نزل الكتاب المنزل
    وبهديهم رضي الإله لخلقه
    وبجدهـم نصـر النبـي المرسـل
    بيض الوجوه يرى بطون أكفهم
    تَندى إذا اغبرَّ الزمان الممحل
    وفي الثاقب في المناقب لابن حمزة/101: (وعن ابن شهاب مفصلاً ، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما بعث الجيش إلى مؤتة ، كان ذات يوم على المنبر ، فنظر إلى معركتهم فقال صلى الله عليه وآله : أخذ الراية زيد بن حارثة ، فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة الدنيا ، فقال: حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تحبب إلي الدنيا! فمضى قدماً حتى استشهد رضي الله عنه فقال صلى الله عليه وآله : إستغفروا له ، ودخل الجنة وهو يسعى .ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فجاءه الشيطان فمناه الحياة ، وكره إليه الموت فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تمنيني الدنيا! ثم مضى قدما حتى استشهد ، فصلى عليه ودعا له . ثم قال: إستغفروا لأخيكم جعفر فإنه شهيد ، لقد دخل الجنة ، وهو يطير بجناحين من ياقوت حيث يشاء في الجنة .
    ثم أخذ الراية بعده عبد الله بن رواحة فاستشهد ، ثم دخل الجنة معترَضاً فشق ذلك على الأنصار، فقيل: يا رسول الله ما اعترضه؟فقال: لما أصابه الجرح نكل ، فغابت نفسه فشُجِّع فدخل الجنة فسري عن قومه فقال صلى الله عليه وآله : إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معركتهم )!
    وقال السيد شرف الدين في النص والإجتهاد/28: (ولله ذو الجناحين جعفر إذ اشتد بمن معه على عدوه هرقل وهو في مئتي ألف وهو يقول:
    يا حبذا الجنة واقترابها
    طيبة وبارد شرابها
    والروم روم قد دنا عذابها
    كافرة بعيدة أنسابها
    < صفحة > 236 < / صفحة >
    علـيَّ إذ لاقيتــها ضرابـهـا
    فلما اشتد القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل القوم ، فقطعت يداه وقتل . وكان جعفر أول من عقر فرسه في الإسلام ، فوجدوا به بضعاً وثمانين جرحاً بين رمية وضربة وطعنة .
    ويؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: مر بي جعفر البارحة في نفر من الملائكة له جناحان مخضب القوادم بالدم .
    ولله موقف زيد بن حارثة وقد شاط في رماح القوم، أعلى الله مقامه كما شرف في الدنيا ختامه . وما أشرف موقف عبد الله بن رواحة إذ يشجع نفسه في مقابلة مئتي ألف من عدوه فيقول:
    يا نفس إن لم تقتلي تموتي
    هذا حمام الموت قد صليت
    وما تمنيت فقد أعطيت
    إن تفعلي فعلهما هديت
    أقسمت يا نفس لتنزلنه
    طائعة أو لا لتُكرهنه
    إن أجلب الناس وشدوا الرنه
    مالي أراك تكرهين الجنه
    قد طالما قد كنت مطمئنه
    هل أنت إلا نطفة في شنه
    ثم نزل عن فرسه وأتاه ابن عم له بعرق من لحم ، فقال له: شد بهذا صلبك فقد لقيت ما لقيت . فأخذه فانتهس منه نهسة ثم سمع الحطمة في ناحية العسكر فقال لنفسه: وأنت في الدنيا؟ ثم ألقاه وأخذ سيفه وتقدم فقاتل حتى قتل . وكان بعض المسلمين من هذا الجيش إذ علم أن عدوهم الناهد إليهم مئتا ألف رأى أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك ، فشجعهم عبد الله بن رواحة على المضي بقوله: والله ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين ، الذي أكرمنا الله تعالى به ، فانطلقوا فما هي إلا إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة. فقال الناس: صدق والله ، وساروا ).
    < صفحة > 237 < / صفحة >
    وفي فتح الباري ( 7/ 393 ): « عن عروة قال: ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فالتوى بها بعض الإلتواء ، ثم تقدم على فرسه ثم نزل فقاتل حتى قتل . ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم الأنصاري فقال: إصطلحوا على رجل فقالوا: أنت لها . قال: لا. فاصطلحوا على خالد بن الوليد . وروى الطبراني من حديث أبي اليسرالأنصاري قال: أنا دفعت الراية إلى ثابت بن أقرم لما أصيب عبد الله بن رواحة فدفعها إلى خالد بن الوليد » !
    أي لم يصطلح المسلمون على تأمير خالد وإنما كانوا في حالة فرار وخالد معهم !
    ويؤيده ماراواه ابن عساكر (68/ 87) عن رجل من بني مرة ، قال: « لما قتل ابن رواحة نظرت إلى اللواء قد سقط ، واختلط المسلمون والمشركون ، فنظرت إلى اللواء في يد خالد منهزماً ، واتبعناه فكانت الهزيمة » !
    في الإمتاع (1/341): «إن خالداً انهزم بالناس فعُيِّروا بالفرار ، وتشاءم الناس به » !
    وفي سيرة ابن هشام (3/836): « لما دنوا حول المدينة جعل الناس يَحْثُونَ على الجيش التراب ويقولون: يا فُرَّار فررتم في سبيل الله! قال فيقول رسول الله: ليسوا بالفرار ولكنهم الكُرار إن شاء الله تعالى..
    قالت أم سلمة لامرأة سلمة بن هشام: مالي لا أرى سلمة يحضـر الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومع المسلمين؟ قالت: والله ما يستطيع أن يخرج، وكلما خرج صاح به الناس يا فُرار فررتم في سبيل الله !حتى قعد في بيته فما يخرج ».
    أقول: روت هزيمة خالد عامة المصادر ، لكن رواة الخلافة أنكروها بعين يابسة ، وكذبوا عامدين متعمدين على رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال:«ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه.ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وآله إصبعه ثم قال: اللهم إنه سيف من سيوفك فانصره! فمن يومئذ سمي خالد بن الوليد سيف الله » ! قال في سبل الهدى(6/150): « رواه الإمام أحمد برجال ثقات ، ويزيده قوة ويشهد له بالصحة ما رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والبرقاني» .
    < صفحة > 238 < / صفحة >
    ثم كذب خالد كذبة كبيرة بأنه قاتل في مؤتة قتال الأبطال حتى كسّـَر تسعة سيوف على رؤوس الروم ، وتبنى كذبته البخاري فقال (5/87): « لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية»!

حسان بن ثابت

عاش حسان مئة وعشرين سنة !

قال ابن حجر في الإصابة(2/55): (حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو.. الأنصاري الخزرجي ثم النجاري شاعر رسول الله (ص) وأمه الفريعة بنت خالد بن حبيش بن لوذان خزرجية ..
قال أبو عبيدة فضل حسان على الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية ، وشاعر النبي(ص) في أيام النبوة وشاعر اليمن كلها في الإسلام.
وذكر بن إسحاق أن النبي(ص) قدم المدينة ولحسان ستون سنة وقيل عاش مائة وأربع سنين جزم به بن أبي خيثمة عن المدائني. وقال ابن سعد عاش في الجاهلية ستين وفي الاسلام ستين ومات وهو ابن عشرين ومائة).

كان هجاء حسان بن ثابت مضرب المثل في شدته !

كان أعداء النبي صلى الله عليه وآله يخافون من هجائه لأنه بليغ مقذع ينتشر في الناس ويرددونه . وكان لحسان صولات موفقة في هجاء أعداء النبي صلى الله عليه وآله خاصة من قريش. ( عن عائشة أن النبي كان يضع لحسان المنبر في المسجد يقوم عليه قائماً يهجو الذين كانوا يهجون النبي، فقال رسول الله (ص): إن روح القدس مع حسان ما دام ينافح عن رسول الله ). (الإصابة: 2/56).
< صفحة > 239 < / صفحة >

وكان حسان مشهوراً بالجبن !

قال اليعقوبي(2/48): ( وجاء يهودي حتى وقف على باب الأطم الذي فيه النساء وكان حسان بن ثابت معهن فصاح اليهودي: اليوم بطل السحر ، ثم ارتقى يصعد . فقالت صفية بنت عبد المطلب: يا حسان إنزل إليه . فقال: رحمك الله يا بنت عبد المطلب ، لو كنت ممن ينازل الأبطال خرجت مع رسول الله أقاتل . فأخذت صفية السيف وقيل: أخذت هراوة فضربت اليهودي حتى قتلته ، ثم قالت: إنزل فاسلبه . فقال: لا حاجة لي في سلبه )!
قال ابن حجر في الإصابة(2/55) وكان مع ذلك جباناً ! روى بن إسحاق في المغازي قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت قالت وكان حسان معنا فيه مع النساء والصبيان ، فمر بنا رجل يهودي فجعل يطيف بالحصن فقالت له صفية إن هذا اليهودي لا آمنه أن يدل على عوراتنا ، فانزل إليه فاقتله فقال يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا ! قالت صفية: فلما قال ذلك أخذت عموداً ونزلت من الحصن حتى قتلت اليهودي ، فقالت: يا حسان إنزل فاسلبه فقال ما لي بسلبه من حاجة )!

اتهم حسان عائشة فلم يعاقبه النبي صلى الله عليه وآله !

أقول: اتهم حسان عائشة لما تخلفت عن جيش النبي صلى الله عليه وآله وجاء بها في اليوم الثاني صفوان بن المعطل، فلقيه صفوان وضربه بالسيف فجرحه ، فاسترضاه النبي صلى الله عليه وآله وأكرمه ووهب له الجارية سيرين وهي أخت مارية أم إبراهيم . فلم يؤاخذه النبي صلى الله عليه وآله على اتهامه لها ، ورآه مظلوماً من ضربة صفوان فاسترضاه وأكرمه. ولم يثبت ادعاؤهم بأنه أقام عليه الحد بعد ذلك .
< صفحة > 240 < / صفحة >
( قال المقدسي في حديث الإفك/31: (فجاء حسان إلى النبي(ص)فاستعداه على صفوان في ضربه إياه ، فسأله النبي(ص)أن يهب له ضربة صفوان إياه ، فوهبها للنبي(ص) فعاضه عنها حائطاً من نخل عظيم وجارية رومية ، ويقال: قبطية تدعى سيرين ، فولدت لحسان ابنه عبد الرحمن الشاعر ).

من ردود حسان على قريش وهجائه لهم

كان حسان أقوى شعراء النبي صلى الله عليه وآله في مواجهة قريش وبني أمية:
قال الصحاري في الأنساب (2/546): (لما قدم رسول الله(ص)المدينة ، واتّبعه المهاجرون إليها ممن أسلم من قومه ، تناولته قريش بالهجاء ، وتناولت الأنصار ، وأغرت بهم أشراف قريش شعراءها . وغمّ ذلك رسول الله (ص) بتناولهم عرضه ، فمشت إليه رجال الأنصار وقالوا: يا رسول الله ، إن شعراء قومك قد تناولوا عرضك وأعراضنا ، وفينا شعراء . فقال: قولوا لشعرائكم فليصيبوا منهم كما أصابوا مني ومنكم . فأمروا كعب بن مالك فقال ولم يصنع شيئاً ، فأتوا عبد الله بن رواحة ، فقال ولم يصنع شيئاً .
فأتوا حسان بن ثابت فقالوا: رسول الله (ص) يأمرك أن تناضح وفي نسخة أن تنافح عنه وعن أحساب قومك . فقال: لا والله حتى آتيه فأسأله ، فأتى حسان النبي(ص) فسأله عن ذلك فقال: أجل ، فنافح ، وأت أبا بكر ، فاسأله عن معايب القوم ، فإنه أعلم قومه بقريش ، فإنه ينسب القوم بما فيهم وإنك لا تزال تعان بروح القدس ما ناضحت عن نبيك .
ثم أقبل عليه فقال: يا حسان ، كيف تصنع بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وهو ابن عمّي ؟ فقال: والذي بعثك بالحق لأسلنك من ذلك كما تسل الشعرة من العجين . فكان مما قال في ذلك اليوم:
< صفحة > 241 < / صفحة >
عفت ذات الأصابع فالجواء
إلى عذراء منزلها خلاء
ديار من بني الحسحاس قفر
تعفّيها الروامس والسماء
مغلغلة فقد برح الخفاء
هجوت محمداً فأجبت عنه
وعند الله فـي ذاك الجـزاء
هجوت مباركاً برّاً نقياً
أتهجوه ولست له بكفء
فشـرُّكما لخيركما الفداء
فإن أبي ووالده وعرضي
لعرض محمّد منكم وقاء
فسوف يجيبكم حسان عنه
يصوغ المحكمات كما يشاء
لساني صارم لا عيب فيه
ويجري لا تكدره الدّلاء
قال: فقال النبي(ص): أنت حسّان ، ولسانك حسام . فأخرج حسان لسانه فقال: ما يسرني به مِقول على ظهر الأرض ، وما زال بي حتى ظننت لو شئت لفريت به الأدم . وقال شاعر قريش ابن الزبعرى السهمي ( ابن هشام: 2/541):
ماذا على بدر وماذا حوله
من فتية بيض الوجوه كرام
تركوا نبيهاً خلفهم ومنبهاً
وابني ربيعة خير خصم فئام
والحارث الفياض يبرق وجهه
كالبدر جلى ليلة الإظلام
والعاصي بن منبه ذا مرة
رمحاً تميماً غير ذي أوصام
تنمى به أعراقه وجدوده
ومآثر الأخوال والأعمام
وقد اشتهرت قصيدة ابن الزبعرى في أحُد أكثر من غيرها:
يا غراب البين أسمعت فقل
إنما تنطق شيئاً قد فعل
أبلغن حسان عني آية
فقريـض الشعـر يشفـي ذا الغلـل
كم قتلنا من كريم سيد
ماجد الجدين مقدام بطل
فسل المهراس من ساكنه
بين أقحاف وهام كالحجل
< صفحة > 242 < / صفحة >
ليت أشياخي ببدر شهدوا
جزع الخزرج من وقع الأسل
حين حكت بقباء بركها
واستحر القتل في عبد الأشل
فقتلنا الضعف من أشرافهم
وعدلنا ميل بدر فاعتدل
بسيوف الهند تعلو هامهم
عَلَلاً تعلوهم يعد نهل
فأجابه حسان بن ثابت:
ذهبَتْ يا ابن الزِّبَعْرى وقعةٌ
كان منا الفضل فيها لو عدل
ولقد نلتم ونلنا منكم
وكذاك الحرب أحياناً دول
نضع الأسياف في أكتافكم
حيث تهوي عللاً بعد نهل
إذ تولون على أعقابكم
هرباً في الشعب أشباه الرَّسَل
إذ شددنا شدة صادقة
فأجأناكم إلى سفح الجبل
برجال لستم أمثالهم
أيدوا جبريل نصـراً فنزل
وعلونا يوم بدر بالتقى
طاعة الله وتصديق الرسل
وقتلنا كل رأس منهم
وقتلنا كل جحجاجٍ رفل
وتركنا في قريش عورة
يوم بدر وأحاديثَ المثل
ورسول الله حقاً شاهد
يوم بدر والتنابيل الهبل
نحن لا أمثالكم ولد استها
نحضـر البـأس إذا البـأس نـزل

ومن هجائه لهند بنت عتبة ومعاوية

روى القاضي النعمان في المناقب والمثالب/243: (عن محمد بن إسحاق ، وغيره: أن معاوية كان لغير رَشْدة ، وأن أمه هند بنت عتبة كانت من العواهر المعلمات ( ذوات العلم ) اللواتي كن يخترن على أعينهن ، وكان أحب الرجال إليها السود ، وكانت إذا علقت من أسود فولدت له قتلت ولدها منه !
< صفحة > 243 < / صفحة >
قالوا: وكان معاوية يُعْزَى (يُنسب) إلى ثلاثة: إلى مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس ، وإلى عمارة بن الوليد بن المغيرة ، وإلى العباس بن عبد المطلب ، وكان أبو سفيان يصحبهم وينادمهم ، ولم يكن أحد يصحبه إلا رُمِيَ بهند ، لما كان يعلم من عهرها. وكان مسافر جميلاً ، وكانت هند تختار على عينها فأعجبها فأرسلت إليه فوقع بها فحملت منه بمعاوية ، فجاء أشبه الناس به جمالاً وتماماً وحسناً ، وكان أبو سفيان دميماً قصيراً أخفش العينين ، فكل من رأى معاوية ممن رأى مسافراً ذكره به !
فأما الصباح فكان شاباً من أهل اليمن أسود له جمال في السودان ، وكان عسيفاً ( أجيراً) لأبي سفيان فوقع بها فجاءت منه بعتبة فلما قرب نفاسها خرجت إلى أجياد لتضعه هنالك وتقتله ، كما كانت تفعل بمن تحمل به من السودان ، فلما وضعته رأت البياض غلب عليه وأدركتها حِنَّةٌ فأبقته ، ولم تنبذه ، ولذلك يقول حسان بن ثابت:
لمن الصبيُّ بجانب البطحاء
ملقًى عليها غير ذي مَهْدِ
نَجَلت به بيضاءُ آنسةٌ
من عبد شمس صَلْتَةُ الخدِّ
غلبت على شَبَه الغلام وقد بدا
فيه السوادُ لحالك جعدِ)

ومن هجائه لعمرو بن العاص

قال الأميني في الغدير (2/122) ملخصاً:
(قال الكلبي في مثالب العرب: وأما النابغة أم عمرو بن العاص فإنها كانت بغيّاً قدمت مكة ومعها بنات لها ، فوقع عليها العاص بن وائل ، وأبو لهب ، وأمية بن خلف ، وهشام بن المغيرة ، وأبو سفيان بن حرب ، في طهر واحد فولدت عمراً فاختصم القوم جميعاً فيه كل يزعم أنه ابنه ، ثم إنه أضرب عنه ثلاثة وأكبَّ عليه اثنان: العاص بن وائل ، وأبو سفيان بن حرب فقال أبو سفيان: أنا والله وضعته في حر أمه. فقال العاص:ليس هو كما تقول هو ابني. فحكَّمَا أمه فيه فقالت: للعاص . فقيل لها بعد ذلك: ما حملك على ما
< صفحة > 244 < / صفحة >
صنعت وأبو سفيان أشرف من العاص؟ فقالت: إن العاص كان ينفق على بناتي ، ولو ألحقته بأبي سفيان لم ينفق عليَّ العاص شيئاً ، وخفت الضيعة .
وقال حسان بن ثابت لعمرو بن العاص ، رداً على هجائه لرسول الله صلى الله عليه وآله :
أبوك أبو سفيان لا شك قد بدت
لنا فيك منه بينات الدلائلِ
ففاخر به إما فخرت ولا تكن
تفاخـر بالعاص الهجـين بـن وائـلِ
وإن التـي في ذاك يا عمـرو حكمـت
فقالت رجاء عند ذاك لنائلِ
مـن العاص عمرو تخـبر الناس كلما
تجمعت الأقوام عند المحاملِ
ووصفوا أبا سفيان بأنه: دميمٌ قصيرٌ أخفش العينين . ( سمط اللآلي/ 332 ) .
ووصفوا عمرواً بأنه قصير عظيم الهامة ناتئ الجبهة ، واسع الفم ، عظيم اللحية عريض ما بين المنكبين ، عظيم الكفين والقدمين».(فتوح مصر للقرشي/133 ) .

ومن هجائه لمروان بن الحكم

قال البلاذري(6/255): (وكان الحكم أبو مروان مغموصاً عليه في إسلامه وكان إظهاره الإسلام في يوم فتح مكة ، فكان يمر خلف رسول الله(ص) فيخلج بأنفه ويغمز بعينيه فبقي على ذلك التخليج وأصابته خبلة ، فقال عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت لمروان:
إنّ اللَّعين أباك فارمِ عظامه
إن ترم ترم مخلَّجاً مجنونا
يضحى خميص البطن من عمل التّقى
ويظلّ من عمل الخبيث بطينا)

ومن هجائه للزبير وابنه عبد الله

في كشف الغمة(1/245): (حضر جماعة من قريش عند معاوية وعنده عدي بن حاتم وكان فيهم عبد الله بن الزبير فقالوا:يا أمير المؤمنين ذرنا نكلم عديًا فقد زعموا أن عنده جواباً، فقال: إني أحذركموه ، فقالوا:لا عليك دعنا وإياه ، فقال له ابن الزبير: يا أبا طريف متى
< صفحة > 245 < / صفحة >
فقئت عينك؟ قال: يوم فر أبوك وقتل شر قتلة وضربك الأشتر على إستك فوقعت هارباً من الزحف . وأنشد:
أمـا وأبـي يـا ابـن الزبيـر لـو اننـي
لقيتك يوم الزحف ما رمت لي سخطا
وكـان أبـى في طيـئٍ وأبو أبـي
صحيحـين لم تنـزع عروقهـما القبطـا
ولو رمت شتمي عند عدل قضاؤه
لرمـت بـه يا ابن الزبير مدى شحطـا
فقال معاوية: قد كنت حذرتكموه فأبيتم )!
وفي الدرجات الرفيعة للمدني/361: (حدث إسحاق بن جرير قال حدثني رجل من بني هاشم وكان نسابة لقريش قال: كان العوام أبا الزبير رجلاً من القبط من أهل مصر وكان مملوكاً لخويلد ، اشتراه من مصر وإنما سمي العوام لأنه يعوم في نيل مصر ويخرج ما يغرق فيه من متاع الناس ، واشتراه خويلد فنزل بمكة . ثم إن خويلداً تبناه وشرط عليه إن هو جنى عليه جناية رده في الرق . وقال: وكان يقال له العوام بن خويلد ، وقد قال حسان بن ثابت يهجو آل الزبير بن العوام ، ويقال إن عثمان بن الحويرث قالها:
بني أسد ما بال آل خويلد
يحنون شوقاً كل يوم إلى القبط
وللـرمث المقـرون والسمـك الرقـط
أحمري بني العوام إن خويلداً
غـداة تبنـاه ليوثـق في الشـرط
بأنك إن تجني علي جناية
أردك عبداً للنهايا وللقبط
قال فسألت الهاشمي كيف تزوج العوام صفية بنت عبد المطلب قال: نحن لم نزوجها . قلت: فمن زوجها؟ قال كان ظهر بصفية داء لا يراه منها إلا بعلها فخرجت إلى الطائف إلى الحرث بن كلدة الثقفي وكان طبيباً فوصفت له ما تجد ، فقال لها: إني لا أستطيع أن أداويك فإن هذا موضع لا يراه إلا بعل وكان العوام يومئذ بالطائف قد خرج إلى الحرث
< صفحة > 246 < / صفحة >
بن كلدة من داء كان به فعالجه حتى برئ ، فقال لها الحرث زوجي نفسك من العوام ، ولم تجد بداً من ذلك لما كان بها ، فكان الحرث يصف للعوام فيعالجها حتى تماثلت) .
أقول: في ديوان حسان بن ثابت(1/374)وقال يهجو بني العوام:
يحنّون شوقا كلّ يوم إلى القبط
إذا ذكرت قهقاء حنّوا لذكرها
وللـرّمـث المقـرون والسّمـك الرّقط
وأعينهم مثل الزجاج وضيعة
تخالف كعباً ، في لحى لهم ثطّ
ترى ذاك في الشبّان والمُرد منهم
مبيناً وفي الأطفال منهم وفي الشّمط
لعمرو أبي العوّام إنّ خويلدا
غـداة تبنّـاه ليوثـق في الشـّرط
وإنّك إن تجرر عليّ جريرة
رددتـك عبـدا في المهـانـة والعفـط).

كان حسان زمن النبي صلى الله عليه وآله محباً لعلي عليه السلام وبني هاشم !

وهكذا كان عامة الأنصار . قال حسان في رثاء جعفر بن أبي طالب عليه السلام :
رأيت خيار المسلمين تتابعوا
شعوباً وخلفاً بعدهم يتأخر
فلا يبعدون الله قتلى تتابعوا
جميعاً وأسباب المنية تخطر
وزيد وعبد الله حين تتابعوا
بمؤتة فيهم ذو الجناحين جعفر
غداة غدا بالمؤمنين يقودهم
إلى الموت ميمون النقيبة أزهر
أغرُّ كضوء البدر من آل هاشم
أبي إذا سم الضلامة مجسـر
فطاعن حتى مال غير موسد
بمعترك فيه القنا يتكسـر
وصار مع المستشهدين ثوابه
جنـان وملتـفُّ الحدائـق أخضــر
وكنا نرى في جعفر من محمد
وقاراً وأمراً حازماً حين يأمر
وما زال في الإسلام من آل هاشم
دعائم عز لا ترام ومفخر
< صفحة > 247 < / صفحة >
هم جبل الإسلام والناس حولهم
قيام إلى طود يروق ويبهر
بهاليلُ منهم جعفر وابن أمه
علي ومنهم أحمد المتخير
وحمزة والعباس منهم وفيهم
عقيل وماء العود من حيث يعصـر).
(شرح الأخبار: 3/208).

وقد مدح حسان علياً عليه السلام وبطولاته في حروب الإسلام

ففي خيبر: قال الطبري الشيعي في المسترشد/301: (قال جميع بن عمير: أتيت ابن عمر أسأله عن علي فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث عمر بن الخطاب إلى خيبر فرجع يقول له المسلمون ويقول لهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله : لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، ليس بفرار !
فتطاول لها أصحاب رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وآله : أين علي ؟ فأوتي به أرمد العين فتفل في عينيه ودعا له ، فما اشتكت عينه حتى قتل! ثم عقد له الراية ، فوالله ما صعد آخرنا حتى فتح الله خيبر ، فاستأذنه حسان بن ثابت أن يقول شعراً ، فقال: قل ، فأنشأ يقول:
وكان علي أرمد العين يبتغي
دواء فلما لم يحس مداويا
شفاه رسول الله منه بتفلة
فبورك مرقياً وبورك راقيا
فقال سأعطي الراية اليوم ضارباً
كمياً محباً للرسول مواليا
يحب الاله والاله يحبه
به يفتح الله الحصون الأوابيا
فخص بهد دون البرية كلها
علياً وسماه الوزير المؤاخيا )
وفي يوم قريظة: فيما كان من أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الغزاة ، وقتله اليهودي الذي تسلل في الظلام ورمى خيمة النبي صلى الله عليه وآله بسهام ، فذهب علي عليه السلام وجاء برأسه ورفقائه التسعة ، يقول حسان بن ثابت (الإرشاد: 1/93):
لله أي كريهة أبليتها
ببني قريظة والنفوس تطلع
< صفحة > 248 < / صفحة >
أردى رئيسهم وآب بتسعة
طوراً يشلهم وطوراً يدفع
جزى الله خيراً والجزاء بكفه
أبا حسن عنا ومن كأبي حسن
سبقت قريشاً بالذي أنت أهله
فصدرك مشـروح وقلبك ممتحن
ولما تصدق علي عليه السلام بالخاتم ونزلت الآية ، قال: (مناقب آل أبي طالب: 2/211):
علي أمير المؤمنين أخو الهدى
وأفضل ذي نعل ومن كان حافيا
وأول من أدى الزكاة بكفه
وأول من صلى ومن صام طاويا
فلما أتاه سائل مد كفه
إليه ولم يبخل ولم يك جافيا
فدس إليه خاتماً وهو راكعٌ
وما زال أواهاً إلى الخير داعيا
فبشـر جبريل النبي محمداً
بذاك وجـاء الوحـي في ذاك ضاحيـا).

وبايع حسان علياً عليه السلام بالخلافة يوم الغدير !

في أمالي الصدوق/670، عن أبي سعيد قال: (لما كان يوم غدير خم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله منادياً فنادى الصلاة جامعة ، فأخذ بيد علي عليه السلام وقال: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه .فقال حسان: يا رسول الله أقول في علي شعراً ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : إفعل، فقال:
يناديهم يوم الغدير نبيهم
بخم وأكرم بالنبي مناديا
يقول فمن مولاكم ووليكم
فقالوا ولم يبدوا هناك التعاديا
إلهك مولانا وأنت ولينا
ولـن تجـدن منـا لك اليـوم عاصيـا
فقال له قم يا علي فإنني
رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليه
فكونـوا لـه أنصـار صـدق مواليـا
هناك دعا: اللهم وال وليه
وكـن للـذي عـادى عليـا معاديـا).
< صفحة > 249 < / صفحة >

لكن حساناً تخلف عن بيعة أميرالمؤمنين عليه السلام

فقد تخلف هو وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن عمر ، ومحمد بن مسلمة ، وأسامة بن زيد ، وتوقفوا عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام فلم يقبل أن يجبروا على البيعة ، وأمر بتركهم وعدم التعرض لهم .
قال أبو الفتح الكراجكي في التعجب من أغلاط العامة/74: (ثم بسطوا عذر الشاك في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام والممتنعين عن نصرته ، والخارجين عن وجوب طاعته..والخاذلين الناس عن نصرته ، وتولوهم تولي الصالحين ، وقطعوا لهم بالجنات والنعيم المقيم ، ولم يقنعوا بهذا حتى تولوا محاربيه ، ومستحلي دمه ودماء أهله وذريته ، الساعين في الأرض بالفساد ، والمقيمين الفتنة في البلاد ، الذين سعوا في قتل أمير المؤمنين عليه السلام وقرفوه بقتل عثمان ، وغصبوا الأموال ، وأقاموا عمود الضلال ، طلحة والزبير وعائشة ومن انضاف إليهم من الناس ، وقالوا: إن هؤلاء الثلاثة تابوا قبل الممات ، وإنهم يوم القيامة يحشرون مع أمير المؤمنين عليه السلام أصفياء له وأحباب ، وهذا من المكابرات التي لا يجوز استحسانها ذوو الديانات ).

وانحرف حسان عن علي عليه السلام وصار عثمانياً !

وقال النبي له: يا حسان لا تزال مؤيداً بروح القدس ما نافحت عنا بلسانك. قال المفيد: وإنما اشترط رسول الله في الدعاء له لعلمه بعاقبة أمره في الخلاف ولو علم سلامته في مستقبل الأحوال لدعا له على الإطلاق ، ومثل ذلك ما اشترط الله تعالى في مدح أزواج النبي…وبالجملة هو سيئ العاقبة ، نعوذ بالله تعالى منه ، له أشعار في مدح أبي بكر وأنه أول من أسلم ، وتخلف عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام ) .
< صفحة > 250 < / صفحة >

شمتَ حسان بقيس بن سعد لما عزله علي عليه السلام !

قال الثقفي في الغارات(1/221) والبلاذري(2/392):(ثم أقبل قيس حتى دخل المدنية فجاءه حسان بن ثابت شامتاً به وكان عثمانياً فقال له: نزعك علي بن أبي طالب وقد قتلت عثمان فبقي عليك الإثم، ولم يحسن لك الشكر !
فزجره قيس وقال له: يا أعمى القلب يا أعمى البصيرة والله لولا أن ألقي بين رهطي ورهطك حرباً لضربت عنقك ، أخرج عني .
ثم إن قيساً وسهل بن حنيف خرجا حتى قدما على علي الكوفة فخبره قيس الخبر وما كان بمصرفصدقه ، وشهد هو وسهل بن حنيف مع علي عليه السلام صفين . وكان قيس بن سعد طوالاً أطول الناس وأمدهم قامة وكان سناطاً أصلع شيخاً شجاعاً مجرباً مناصحاً لعلي وولده حتى توفي ).

ولم ينفع حسان تقربه الى قريش !

فلم تنفعه بيعته لأبي بكر وعمر وعثمان ولا مدحه لهم، ولا عداوته لعلي عليه السلام واتهامه بالشراكة في قتل عثمان ! فقد تمت سيطرة قريش على الدولة ، ورأى حسان أنه كلما أراد أن يقرأ شعره في مدح النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين وذم مشـركي قريش ، ثار القرشيون وأولهم عمر ، وأخيراً منعه عمر من إنشاد الشعر عن معارك الإسلام في المسجد أبداً ، إكراماً لعيون الطلقاء !
قال في أسد الغابة (2/5):(نهى عمر عن إنشاد الشعر لشيئ من مناقضة الأنصار ومشركي قريش قال: في ذلك شتم الحي والميت وتجديد الضغائن)!
ونبذ القرشيون حساناً وأخذوا يشتمونه أينما جلسوا ، لأنه يذم قريشاً فقالت عائشة إشتموه لكن ليس في مجلسي ! ( الحاكم: 3/487، وفاء الوفا: 1/497) .
< صفحة > 251 < / صفحة >

طبعوا ديوان شعر حسان على مذهب قريش وعمر !

فحذفوا منه أكثر مدح علي عليه السلام وبني هاشم ما استطاعوا ! فصار من اللازم استخراج ديوان حسان الكامل وطبعه ونشره ، ليعرف الناس الصورة الكاملة عنه ، ويكتشفوا بعض تحريفات أتباع السلطة القرشية في المصادر .

كعب بن مالك السلمي

قال ابن حجر في الإصابة (5/456): (كعب بن مالك بن أبي كعب. . أبو عبد الله الأنصاري السَّلَمي بفتحتين . قال البغوي: كانت كنية كعب بن مالك في الجاهلية أبا بشير ، فكناه النبي ص أبا عبد الله ، ولم يكن لمالك ولد غير كعب الشاعر المشهور ، وشهد العقبة وبايع بها ، وتخلف عن بدر وشهد أحداً وما بعدها ، وتخلف في تبوك ، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم .
وقال ابن سيرين: قال كعب بن مالك بيتين كانا سبب إسلام دوس، وهما:
قضينا من تهامة كل وتر
وخيبر ثم أغمدنا السيوفا
تخبرنا ولو نطقت لقالت
قواطعهن دوسا أو ثقيفا
فلما بلغ ذلك دوساً قالوا: خذوا لأنفسكم لا ينزل بكم ما نزل بثقيف !
وقال كعب يرثي جعفر بن أبي طالب(مقاتل الطالبيين/8):
سحـاً كما وكف الضباب المخضل
يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا
صلى الإ له عليهم من فتية
وسقى عظامهم الغمام المسبل
صبروا بمؤتة للإله نفوسهم
عند الحمام حفيظة أن ينكلوا
< صفحة > 252 < / صفحة >
إذ يهتدون بجعفر ولوائه
قدام أولهم ونعم الأول
حتى تفرقت الصفوف وجعفر
حيث التقى وعث الصفوف مجدل
فتغير القمر المنير لفقده
قوم بهم نصـر آلاء له عباده
وبجـدهم نصـر النبـي المرسـل
بيض الوجوه ترى بطون أكفهم
تنـدى إذا اعتـذر الزمـان الممحـل).

لما نزل ذم الشعراء ذهبوا الى النبي صلى الله عليه وآله

قال ابن عبد البر في التمهيد (22/195): ( جاءوا إلى رسول الله (ص) فقالوا يا رسول الله قد أنزل الله هذا في الشعراء فنزلت: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوااللهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ . فقال رسول الله(ص): أنتم هم . قال أبو عمر: وأما قوله(ص): لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير من أن يمتلئ شعراً ، فأحسن ما قيل في تأويله والله أعلم أنه الذي قد غلب الشعر عليه فامتلأ صدره منه دون علم سواه ولا شيئ من الذكر غيره ،ممن يخوض به في الباطل ويسلك به مسالك لاتحمد له كالمكثر من الهذر واللغط والغيبة وقبيح القول ولايذكر الله كثيراً).

أمسك كعب غريمه في المسجد وتصايحا

روى في الكافي(4/35): (عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال في يوم حار وحنى كفه: من أحب أن يستظل من فور جهنم؟ قالها ثلاث مرات ، فقال الناس في كل مرة: نحن يا رسول الله .
فقال: من أنظر غريماً أو ترك المعسر، ثم قال لي أبو عبد الله عليه السلام : قال لي عبد الله بن كعب بن مالك: إن أبي أخبرني أنه لزم غريماً له في المسجد فأقبل رسول الله فدخل بيته ونحن
< صفحة > 253 < / صفحة >
جالسان ثم خرج في الهاجرة فكشف رسول الله ستره وقال: يا كعب ما زلتما جالسين ! قال: نعم بأبي وأمي قال: فأشار رسول الله بكفه خذ النصف ، قال فقلت: بأبي وأمي ، ثم قال: إتبعه ببقية حقك ، قال: فأخذت النصف ، ووضعت له النصف).

تخلف كعب عن النبي صلى الله عليه وآله في تبوك وتاب الله عليه

قال الله تعالى: لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ . وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ . (التوبة: 117- 118).
في تفسير القمي(1/296وابن هشام: 4/957): «تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوم من المنافقين وقوم من المؤمنين مستبصرين لم يعثر عليهم في نفاق ، منهم كعب بن مالك الشاعر ، ومرادة بن الربيع ، وهلال بن أمية الواقفي ، فلما تاب الله عليهم قال كعب: ما كنت قط أقوى مني في ذلك الوقت الذي خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى تبوك ، وما اجتمعت لي راحلتان قط إلا في ذلك اليوم ، وكنت أقول أخرج غداً أخرج بعد غد ! فإني قوي وتوانيت ، وبقيت بعد خروج النبي صلى الله عليه وآله أياماً أدخل السوق فلا أقضي حاجة !
فلقيت هلال بن أمية ومرادة بن الربيع ، وقد كانا تخلفا أيضاً ، فتوافقنا أن نبكر إلى السوق ولم نقض حاجة ، فما زلنا نقول نخرج غداً وبعد غد ، حتى بلغنا إقبال رسول الله صلى الله عليه وآله فندمنا !
فلما وافى رسول الله صلى الله عليه وآله استقبلناه نهنؤه بالسلامة فسلمنا عليه فلم يرد علينا السلام وأعرض عنا ، وسلمنا على إخواننا فلم يردوا علينا السلام ! فبلغ ذلك أهلونا فقطعوا كلامنا ! وكنا نحضر المسجد فلا يسلم علينا أحد ، ولا يكلمنا ! فجئن نساؤنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلن: قد بلغنا سخطك على أزواجنا فتعتزلهم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لا تعتزلنهم
< صفحة > 254 < / صفحة >
ولكن لا يقربوكن ! فلما رأى كعب بن مالك وصاحباه ما قد حل بهم قالوا: ما يقعدنا بالمدينة ولا يكلمنا رسول الله صلى الله عليه وآله ولا إخواننا ولا أهلونا ! فهلموا نخرج إلى هذا الجبل فلا نزال فيه حتى يتوب الله علينا أو نموت ! فخرجوا إلى ذناب جبل بالمدينة فكانوا يصومون وكان أهلوهم يأتونهم بالطعام فيضعونه ناحية ثم يولون عنهم فلا يكلمونهم، فبقوا على هذا أياماً كثيرة يبكون بالليل والنهار ويدعون الله أن يغفر لهم . فلما طال عليهم الأمر قال لهم كعب: يا قوم قد سخط الله علينا ورسوله ، قد سخط علينا وأهلونا وإخواننا قد سخطوا علينا ، فلا يكلمنا أحد ، فلم لا يسخط بعضنا على بعض ! فتفرقوا في الليل وحلفوا أن لا يكلم أحد منهم صاحبه حتى يموت أو يتوب الله عليه ، فبقوا على هذه ثلاثة أيام ، كل واحد منهم في ناحية من الجبل لا يرى أحد منهم صاحبه ولا يكلمه ! فلما كان في الليلة الثالثة ورسول الله صلى الله عليه وآله في بيت أم سلمة نزلت توبتهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وقوله تعالى: لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ».
وفي تفسير أبي حمزة الثمالي/146 ، أن المتخلفين: كعب بن مالك من بني سلمة ، ومرارة بن ربيع من بني عمرو بن عوف ، وهلال بن أمية من بني واقف ).

آخى النبي صلى الله عليه وآله بينه وبين الزبير !

آخى بين الزبير وطلحة ، وبين الزبير وبين كعب بن مالك».(الطبقات: 3/102).
وهذا من علمه صلى الله عليه وآله بأن مصيرهما متشابه فقد ساءت عاقبتها .

كان هو وحسان والنعمان بن بشير مع عثمان

الإصابة (5/457): (واقتصرالبخاري في ذكر وفاته على أنه رثى عثمان . وقال البغوي: بلغني أنه مات بالشام في خلافة معاوية . وقد أخرج أبو الفرج أن حسان بن ثابت
< صفحة > 255 < / صفحة >
وكعب بن مالك والنعمان بن بشير ، دخلوا على علي فناظروه في شأن عثمان ، وأنشده كعب شعراً في رثاء عثمان ، ثم خرجوا من عنده فتوجهوا إلى معاوية فأكرمهم ).
وفي أمالي الطوسي/716: (قال كعب بن مالك: يا أمير المؤمنين ، إنه بلغك عنا معشر الأنصار ، ما لو كان غيرنا لم يقم معك ، والله ما كل ما رأينا حلالاً حلال ، ولا كل ما رأينا حراماً حرام ، وفي الناس من هو أعلم بعذر عثمان ممن قتله ، وأنت أعلم بحالنا منا، فإن كان قتل ظالما قبلنا ، وإن كان قتل مظلوماً فاقبل قولنا ، فإن وكلتنا فيه إلى شبهة فعجب ليقيننا وشكك ، وقد قلت لنا: عندي نقض ما اجتمعوا عليه ، وفصل ما اختلفوا فيه . وقال:
كان أولى أهل المدينة بالنصـ
ر علياً وآل عبد مناف
للذي في يديه من حرم الله
وقرب الولاء بعد التصافي
وكان كعب بن مالك شيعة لعثمان . وقام الأشتر إلى علي عليه السلام فكلمه بكلام بحضه على أهل الوقوف ، فكره ذلك علي عليه السلام حتى شكاه .
وكان من رأي علي عليه السلام ألا يذكرهم بشئ . فقال الأشتر: يا أمير المؤمنين ، إنا وإن لم نكن من المهاجرين والأنصار فإنا فيهم ، وهذه بيعة عامة ، والخارج منها عاص ، والمبطئ عنها مقصر ، فإن أدبهم اليوم باللسان وغداً بالسيف ، وما من ثقل عنك كمن خف معك ، وإنما أرادك القوم لأنفسهم فأردهم لنفسك . فقال علي عليه السلام : يا مالك دعني ، وأقبل علي عليه السلام عليهم فقال: أرأيتم لو أن من بايع أبا بكر أو عمر أو عثمان ثم نكث بيعته، أكنتم تستحلون قتالهم؟ قالوا: نعم . قال: فكيف تحرجون من القتال معي وقد بايعتموني؟ قالوا: إنا لا نزعم أنك مخطئ ، وأنه لا يحل لك قتال من بايعك ثم نكث بيعتك ، ولكن نشك في قتال أهل الصلاة .
< صفحة > 256 < / صفحة >
فقال الأشتر: دعني يا أمير المؤمنين ، أوقع بهؤلاء الذين يتخلفون عنك . فقال له علي عليه السلام : كف عني ، فانصرف الأشتر وهو مغضب )!

كعب بن زهير بن أبي سلمى

أبوه زهير صاحب إحدى المعلقات السبع

ومطلع معلقته:
أمن أمِّ أوفى دمنة لم تكلَّم
بحومانة الدراج فالمتثلَّم
ودار لها بالرقمتين كأنها
مراجيع وشم في نواشر معصم
ومنها:
سئمـت تكاليـف الحياة ومن يعـش
ثمانين حولاً لا أباً لك يسأم
وأعلم علم اليوم والأمس قبله
ولكنني عن علم ما في غد عمِ
ومن لا يصانع في أمور كثيرة
يضـرَّس بأنيـاب ويوطـأ بمنسـم
ومن يجعل المعروف من دون عرضه
يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله
على قومه يُستغن عنه ويُذمم
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه
يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
ومن هاب أسباب المنية يلقها
ولو رام أسباب السماء بسلم
وفي مناقب آل أبي طالب(1/72): (أن النبي صلى الله عليه وآله نظر إلى زهير بن أبي سلمى وله مائة سنة فقال: اللهم أعذني من شيطانه ، فما لاكَ بيتاً حتى مات)!
< صفحة > 257 < / صفحة >

هجا كعب بن زهير النبي صلى الله عليه وآله ثم تاب وأسلم

في جمهرة أشعار العرب/30: (ولم يزل النبي(ص)يعجبه الشعر ويمدح به فيثيب عليه ويقول: هو ديوان العرب .. قال رسول الله(ص): إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحراً .وقال: اللهم من هجاني فالعنه مكان كل هجاءٍ هجانية لعنةً .
وعن الشعبي قال: لما بلغ رسول الله(ص)أن كعب بن زهير بن أبي سلمى هجاه ونال منه أهدر دمه فكتب إليه أخوه بجير بن زهير وكان قد أسلم وحسن إسلامه ، يعلمه أن النبي(ص)قد قتل بالمدينة كعب بن الأشرف وكان قد شبب بأم الفضل بن العباس وأم حكيم بنت عبد المطلب، فلما بلغه كتاب أخيه ضاقت به الأرض ولم يدر فيما النجاة فأتى أبا بكر فاستجاره فقال: أكره أن أجير على رسول الله(ص)وقد أهدر دمك فأتى عمر فقال له مثل ذلك فأتى علياً فقال: أدلك على أمرٍ تنجو به . قال: وما هو قال: تصلي مع رسول الله (ص)فإذا انصرف فقم خلفه وقل: يدك يا رسول الله أبايعك !
فإنه سيناولك يده من خلفه فخذ يده فاستجره فإني أرجو أن يرحمك ففعل فلما ناوله رسول الله(ص)يده استجاره وأنشد قصيدته ).
قال المقريزي في حوادث السنة الثامنة من الهجرة (2/88): (ففي هذه السنة كان إسلام كعب بن زهير بن أبي سُلمى، فأسلم وقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة وأنشده القصيدة فكساه بُردة كانت عليه ، وقال ابن قتيبة: أعطى رسول الله كعب بن زهير راحلة وبُردًا ، فباع البُرد من معاوية بعشرين ألفاً ، فهو عند الخلفاء إلى اليوم ).
فعرفت بقصيدة البردة ، ونختار منها:
بانت سعاد فقلبـي اليوم متبول
متيم إثرها لم يجز مكبول
وما سعاد غداة البين اذ رحلوا
إلا أغـنُّ غضيض الطـرف مكحـول
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت
كأنه منهل بالراح معلول
< صفحة > 258 < / صفحة >
أمست سعـاد بـأرض لا يبلغهـا
إلا العتاق النجيبات المراسيل
ولن يبلغها إلا عذافرة
فيها على الأين إرقال وتبغيل
من كل نضاخة الذفرى اذا عرفت
عرضتها طامس الأعلام مجهول
نواحة رخوة الضبعين ليس لها
لما نَعى بكرها الناعون معقول
تفري اللبان بكفيها ومدرعها
مشقق عن تراقيها رعابيل
يسعـى الوشـاة بجنبيهـا وقـولهـم
إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول
وقال كل خليل كنت آمله
لا ألفينك أني عنك مشغول
فقلت خلوا طريقي لا أبالكم
فكل ما قدر الرحمن مفعول
كـل ابـن انثـى وإن طالـت سلامتـه
يوماً على آلة حدباء محمول
أنبئت أن رسول الله أوعدني
مهـلاً هداك الذي أعطـاك نافلة الـ
قرآن فيها مواعيظ وتفصيل
أذنب ولو كثرت عني الأوقايل
زالوا فما زال انكاس ولا كشف
عند اللقاء ولا ميل معازيل
شم العرانين أبطال لبوسهم
بيـض سـوابغ قـد شكـت لهـا حلـق
كأنها حلق القفعاء مجدول
يمشـون مشـي الجـمال الزهر يعصمهم
ضرب اذا عرد السود التنابيل
لا يفرحون إذا نالت رماحهم
قوماً وليسو مجازيعاً إذا نيلوا
لا يوقع الطعن إلا في نحورهم
ما إن لهم عن حياض الموت تهليل
< صفحة > 259 < / صفحة >

النابغة الجعدي: قيس بن عبد الله

قال الشريف المرتضى في أماليه(1/190): (ومن المعمرين النابغة الجعدي واسمه قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ويكني أبا ليلى . ثم ذكر الشريف أنه مات وهو ابن عشـرين ومائة سنة بأصبهان وكان ديوانه بها ).
وقيل بلغ المئتين ، وقال الأصمعي وابن قتيبة مئتين وثلاثين سنة . وديوانه بأصفهان أي معسكره وراتبه من أصفهان، ومعناه أنه شارك في فتوح إيران .
وفي غيبة الطوسي/118: (روي أنه كان يفتخر ويقول: أتيت النبي فأنشدته:
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا
فقال النبي صلى الله عليه وآله : أين المظهر يا أبا ليلى؟ فقلت: الجنة يا رسول الله ، فقال: أجل إن شاء الله تعالى ، ثم أنشدته:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له
بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له
حكيم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال له النبي صلى الله عليه وآله : لا يفضض الله فاك .
وقيل: إنه عاش مائة وعشرين سنة ولم يسقط من فيه سن ولا ضرس).

النوابغ عشرة

قال في الدرجات الرفيعة/534: ( فائدة: النوابغ العشـراء جماعة: الجعدي المذكور ، والنابغة الذبياني ، وعبد الله بن المخارق الشيباني ، ويزيد بن أبان الحارثي ، ونابغة بني رمد والنابغة بن لأي الغنوي ، والحرث بن بكر اليربوعي ، والحارث بن عدوان التغلبي ، والنابغة العدواني ، ولم يسم من قاله في القاموس) .
< صفحة > 260 < / صفحة >

كان النابغة الجعدي متألهاً على حنيفية إبراهيم عليه السلام

وفي أمالي المفيد/224: «كان النابغة الجعدي ممن يتأله في الجاهلية ، وأنكر الخمر والسكر ، وهجَر الأوثان والأزلام ، وقال في الجاهلية كلمته التي قال فيها:
الحمد لله لا شريك له
من لم يقلها لنفسه ظلما
وكان يذكر دين إبراهيم عليه السلام والحنيفية ويصوم ويستغفر ، ويتوقى أشياء لغوا فيها ، ووفد على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال:
ويتلو كتاباً كالمجرة نُشّـِرَا
وجاهدت حتى ما أحس ومن معي
سهيلاً إذا ما لاح ثم تغورا
وصـرت إلى التقـوى ولـم أخش كافراً
وكنت من النار المخوفة أزجرا
وقال: وكان النابغة علوي الرأي ، وخرج بعد رسول الله صلى الله عليه وآله مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى صفين ، فنزل ليلة فطاف به وهو يقول:
قد علم المصـران والعراقُ
إن علياً فحلها العتاقُ
أبيض جحجاحٌ له رواقُ
وأمه غالى بها الصداق
أكرم من شد به نطاق
إن الأولى جاروك لا أفاقوا
لكم سباق ولهم سباق
قد علمت ذلكم الرفاق
سقتم إلى نهج الهدى وساقوا
إلى التي ليس لها عراق
في مـلــة عادتــها النـفـــاق
وفي الأغاني (5/14): (دخل على الحسن والحسين ابني علي فودعهما فقالا له: أنشدنا من شعرك يا أبا ليلى ، فأنشدهما:
من لم يقلها فنفسه ظلما
< صفحة > 261 < / صفحة >
فقالا: يا أبا ليلى ما كنا نروي هذا الشعر إلا لأمية بن أبي الصلت ، فقال يا بني رسول الله إني لصاحب هذا الشعر وأول من قاله، وإن السروق لمن سرق شعر أمية).وقد يكون سبب ادعائه لهذا البيت أنه أحبه وكان يردده فصار يتصور أنه له!
وقد أكمل هذا البيت في الإسلام ، ففي رواية الدرجات الرفيعة/531:
المولج الليل في النهار وفى
النهار ليلاً يفرج الظلما
الخافض الرافع السماء على
الأرض ولم يبن تحتها دعما
ثم عظاماً أقامها عصباً
ثمة لحماً كساه فالتحما
من نطفة قدرها مقدرها
يخلق منها الإنسان والنسما
واللون والصوت والمعايش
والأرزاق شتى وفرق الكلما
ثمة لا أبدان سيجمعكم
والله جهداً شهادة قسما
فائتمروا الآن ما بدا لكم
واعتصموا ما وجدتم عصما
في هذه الأرض والسماء ولا
عصمة منه الا لمن عصما
وهي قصيدة طويلة يذكر فيها عقائد الإسلام: التوحيد والبعث والجزاء.
< صفحة > 262 < / صفحة >

أدان النابغة الجعدي عمل قريش في السقيفة

قال ابن حاتم في الدر النظيم/398: (وخرج النابغة الجعدي من منزله وسأل عن حال الناس يوم موت رسول الله صلى الله عليه وآله فلقيه عمران بن حصين وقيس بن صرمة وقد عادا من السقيفة ، فقال: ما وراءكما ؟ فقال عمران بن حصين:
إن كنت أدري فعلي بَدَنَهْ
مـن كثـرة التخليـط أدري مـن أنَـهْ).
وفي العقد النضيد والدر الفريد/164: (قيل لما سمع النابغة الجعدي اجتماع الناس في السقيفة فلقي قيسَ بن صرمة وعمران بن حصين فقال لهما: ما وراءكما ؟ فقال قيس بن صرمة:
أصبحت الأُمّة في أمر عجب
والأمر فيهم قد غدا لمن غلب
فقلت قولاً صادقاً غيرَ كذب
إن غداً يهلك أعلامُ العرب
ثمّ أخبراه فقال لهما: فما فعل عليّ بن أبي طالب ؟ قالا: إنه مشغولٌ بجهاز رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إحملا لي هذه الرسالة:
قولا لأصلع هاشم إن أنتما
لاقيتماه فقد حللت أُرومها
وإذا قريش بالفخار تساجلت
كنتَ الجدير بها وكنتَ زعيمها
وعليك سلّمت الغداة بإمرة
للمؤمنين فما رعت تسليمها
يا خير من حملته بعد محمد أنثى
وأكرم هاشم وعظيمها
نكثت بنو تيم ابن مرة عهده
فتبوأت نيرانها وجحيمها
وتخاصمت يوم السقيفة والذي
فيه الخصام غداً يكون خصيمها
وقال النعمان بن زيد صاحب راية الأنصار:
يا ناعي الإسلام قم فانعه
قد مات عرف وأتى منكر
ما لقريش لا علا كعبها
من قدموا اليوم ومن أخروا
مثل علي من خفي أمره
عليهم والشمس لا تنكر
< صفحة > 263 < / صفحة >
وليس يطوى علم باهر
سامٍ يد الله له تنشـر
حتى يزيلوا صدع ملمومة
والصدع في الصخرة لا يجبر
كبش قريش في وغى حربها
صديقها فاروقها الأكبر
وكاشف الكرب إذا خطه
أعيا على واردها المصدر
كبر الله وصلى وما
صلى ذووا الغيث ولا كبروا
تدبيرهم أدى إلى ما أتوا
تباً لهم يا بئس ما دبروا).

كان النابغة فارساً شارك في فتوح الشام وإيران

قال ابن قتيبة في الشعر والشعراء(1/283): (قال لامرأته حين خرج غازياً:
باتت تذكَّرنى بالله قاعدة
والدمـع ينهـلُّ من شأنيهـما سبـلا
يا بنـت عمـي كتـاب الله أخـرجنـى
كرهاً ، وهل أمنعن الله ما فعلا
فـإن رجعـت فـربُّ النـاس يرجعنـي
وإن لحقت بربي فابتغي بدلا
ما كنت أعرج أو أعمى فيعذرني
أو ضارعاً من ضنـى لم يستطع حولا)

انتقد النابغة معاوية فصادر أمواله !

قال أبو الفرج في الأغاني(5/35): (لما قدم معاوية الكوفة قام النابغة بين يديه فقال:
ألم تـأت أهـل المشـرقين رسـالتي
وأي نصيح لا يبيت على عتب
ملكتم فكان الشـر آخر عهدكم
لئـن لـم تدارككـم حلـوم بنـي حرب
وقد كان معاوية كتب إلى مروان فأخذ أهل النابغة وماله ، فدخل النابغة على معاوية وعنده عبد الله بن عامر ومروان ، فأنشده:
من راكـب يأتي ابـن هنـد بحاجتـي
عـلى النـأي والأنبـاء تنمـى وتجـلـب
ويخبر عني ما أقول ابن عامر
ونعم الفتى يأوي إليه المعصب
فإن تأخذوا أهلي ومالي بظنة
فإني لحراب الرجال محرب
< صفحة > 264 < / صفحة >
صبور على ما يكره المرء كله
سوى الظلم إني إن ظلمت سأغضب).

وتحين عامل معاوية فرصة فضرب النابغة !

قال في الأغاني(5/34): (عن الهيثم بن عدي قال: رعت بنو عامر بالبصـرة في الزرع فبعث أبو موسى الأشعري في طلبهم فتصارخوا يا آل عامر يا آل عامر فخرج النابغة الجعدي ومعه عصبة له فأتي به إلى أبي موسى الأشعري فقال له: ما أخرجك قال سمعت داعية قومي فضربه أسواطاً فقال النابغة:
رأيت البكر بكر بني ثمود
وأنت أراك بكر الأشعرينا
فإن يكن ابن عفان أمينا
فلم يبعث بك البر الأمينا
فيا قبر النبي وصاحبيه
ألا يا غوثنا لو تسمعونا
ألا صلى إلهكم عليكم
ولا صلى على الأمراء فينا).

ونفاه معاوية الى أصفهان فمات فيها في زمن عبد الملك

في الدرجات الرفيعة/534: (ذكر أبو نعيم في تاريخ أصبهان أن معاوية كان أخرج النابغة إلى أصبهان وكانت وفاته بها .
وفى تاريخ الإسلام للذهبي أن النابغة قال هذه الأبيات:
المرء يهوى أن يعيش
وطول عمر قد يضـره
وتتابع الأيام حتى
ما يرى شيئاً يسـره
تفنى بشاشته ويبقى
بعد حلو العيش مره
ثم دخل بيته فلم يخرج حتى مات في أيام عبد الملك بن مروان) .

مدح النابغة عبد الله بن الزبير فأكرمه !

قال ابن حجر في الإصابة (6/313): عبد الله بن عروة قال: ألحَّت السنة على نابغة بني جعدة فدخل على ابن الزبير في المسجد الحرام فأنشده:
حكيـت لنـا الصديـق لمـا وليتنـا
وعثمان والفاروق فارتاح معدم
< صفحة > 265 < / صفحة >
وسويت بين الناس في الحق
فاستووا فعاد صباحاً حالك الليل مظلم
أتاك أبو ليلى تجوب به الدجى
دجى الليل جواب الفلاة عرمرم
لتجبر منه جانباً دعدعت به
صروف الليالي والزمان المصمم
فقال بن الزبير: هون عليك يا أبا ليلى فإن الشعر أيسر وسائلك عندنا . لك في مال الله حقان حق لرؤيتك رسول الله وحق لشـركتك أهل الاسلام في فيئهم ، ثم أخذ بيده فدخل به دار النعم وأعطاه سبع قلائص وحملاً وخيلاً وأوقر الركاب براً وتمراً وثياباً فجعل النابغة يستعجل ويأكل الحب صرفاً فقال بن الزبير: ويح أبي ليلى لقد بلغ به الجهد .فقال النابغة: أشهد لسمعت رسول الله يقول: ما وليت قريش فعدلت واسترحمت فرحمت وحدثت فصدقت ووعدت خيراً فأنجرت فأناوالنبيون فأنا والنبيون فراط القادمين).
أقول: في الإستيعاب(4/1519): وذكر كلمة معناها أنهم تحت النبيين بدرجة في الجنة . ومعناه أن النابغة من طمعه تقرب الى ابن الزبير بمدحه ومدح قريش !
وهكذا هو في صعود ونزول. وقد صدق الفرزدق في وصفه حيث قال: بينا النابغة في كلام أسهل من الزلال وأشد من الصخر إذ لان فذهب).(أمالي المرتضى:1/195).

هؤلاء الخمسة أبرز شعراء النبي صلى الله عليه وآله

شعراء النبي صلى الله عليه وآله عشرات ، وهم مستويات مختلفة ، لكن هؤلاء الخمسة الذين ذكرناهم أهمهم وأبرزهم: حسان بن ثابت ، وعبد الله بن رواحة ، وكعب بن مالك ، وكعب بن زهير، والنابغة الجعدي .
< صفحة > 266 < / صفحة >
< صفحة > 267 < / صفحة >

الفصل الثالث والثمانون : فرضت قريش تقديس صحابتها بالحديد والنار!

كذبوا على لسان النبي صلى الله عليه وآله فجعلوا الصحابة بديل أهل البيت !

صعد النبي صلى الله عليه وآله المنبروأعلن أنه قد كثرت عليه الكذابة في حياته فمن كذب عليه فليتبوأ مقعده من النار ! وأخبر أن الكذابة من بعده سيكونون أكثر !
وأكد الأئمة عليهم السلام أن هذا ما حدث بالفعل بعد النبي صلى الله عليه وآله ، وقالوا إن أكذب الناس على رسول الله صلى الله عليه وآله أبو هريرة الدوسي ، وأنس بن مالك ، وكعب الأحبار ، وغيرهم وغيرهم.. لكن السلطة اعتبرتهم أصدق الصادقين لأنهم مدحوا أشخاصها ، وأعرضوا عن أهل البيت عليهم السلام أو عادوهم !
وبمقتضى كلام النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام يجب أن يكون كثير من الحديث النبوي الذي في أيدينا مكذوباً ، فأين هو المكذوب ؟
< صفحة > 268 < / صفحة >
نعم ألفوا كتباً لكشف الموضوعات ، ونصوا على أن بعض الأحاديث موضوعة ، لكن مجموع ذلك قد بضعة آلاف حديث ، وهي كمية قليلة من مجموع الأحاديث النبوية التي تزيد عن ميلون حديث !
نحن نقول إن أكثر المكذوبات في الكتب المتبناة عند أتباع المذاهب الأربعة ، وهم يقولون كلا بل في الكتب المتبناة من مذهب أهل البيت عليهم السلام .
ويبقى البحث هو الحكم ، ولايصح منع البحث في أحاديث أي كتاب كما قالوا في البخاري ، ولا في أي موضوع كما قالوا في الصحابة .

من بعد النبي صلى الله عليه وآله الى اليوم قتلو الملايين باسم الصحابة !

من يوم بايعت قريش خليفتها في السقيفة وعزلت عترة النبي صلى الله عليه وآله ، بدأت سياسة اضطهاد أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وتقتيلهم ، وشيعتهم !
قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة/19: (وإن أبا بكر تفقد قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي فبعث إليهم عمر ، فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها، فقيل له يا أبا حفص إن فيها فاطمة ، فقال وإن ! فخرجوا فبايعوا إلا علياً فإنه زعم أنه قال: حلفت أن لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن ، فوقفت فاطمة رضي الله عنها على بابها ، فقالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم ، تركتم رسول الله (ص)جنازة بين أيدينا ، وقطعتم أمركم بينكم ، لم تستأمرونا ، ولم تروا لنا حقاً !
فأتى عمر أبا بكر فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة … فأخرجوا علياً فمضوا به إلى أبي بكر فقالوا له: بايع فقال: إن أنا لم أفعل فمه؟ قالوا: إذاً والله الذي لا
< صفحة > 269 < / صفحة >
إله إلا هو نضرب عنقك ، فقال: إذاً تقتلون عبداً لله وأخَاً لرسوله! قال عمر: أما عبد الله فنعم وأما أخو رسوله فلا ، وأبو بكر ساكت لايتكلم ، فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك ! فقال: لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جنبه ! فلحق علي بقبر رسول الله (ص) يصيح ويبكي وينادي: ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي ! »

من يلعن أهل البيت فلا شيئ عليه وقد يكون من أوثق الثقات !

قال ابن حجر في تهذيب التهذيب(2/210) في الراوي المعروف حريز بن عثمان: (قال ابن حبان كان يلعن علياً بالغداة سبعين مرة وبالعشي سبعين مرة .. روى عنه البخاري والأربعة..قال صاحب تاريخ الحمصيين: لم يكن له كتاب إنما كان يحفظ لا يختلف فيه ثبت في الحديث .
وقال معاذ ابن معاذ حدثنا حريز بن عثمان ولا أعلم أني رأيت بالشام أحداً أفضله عليه. وقال الآجري عن أبي داود: شيوخ حريز كلهم ثقات .
قال وسألت أحمد بن حنبل عنه فقال: ثقة ثقة. وقال أيضاً: ليس بالشام أثبت من حريز..حدثنا إسماعيل بن عياش قال: سمعت حريز بن عثمان يقول: هذا الذي يرويه الناس عن النبي (ص) أنه قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، حق ولكن أخطأ السامع! قلت فما هو؟ فقال: إنما هو أنت مني بمنزلة قارون من موسى ! قلت: عمن ترويه؟ قال: سمعت الوليد بن عبد الملك (بن مروان) يقوله وهو على المنبر !
وقال ابن عدي: حريز من الأثبات الشاميين ويحدث عن الثقات ، وقد وثقه القطان وغيره ، وإنما وضع منه ببغضه لعلي .
< صفحة > 270 < / صفحة >
قال يزيد بن عبد ربه: مولده سنة 80 ومات سنة 163. قلت: وحكى الأزدي في الضعفاء أن حريز بن عثمان روى أن النبي (ص) لما أراد أن يركب بغلته جاء علي بن أبي طالب فحل حزام البغلة ليقع النبي(ص) !
وقال غنجار: قيل ليحيى بن صالح: لمَ لم تكتب عن حريز؟ فقال كيف أكتب عن رجل صليت معه الفجر سبع سنين فكان لايخرج من المسجد حتى يلعن علياً سبعين مرة . وقال ابن حبان: كان يلعن علياً بالغداة سبعين مرة وبالعشي سبعين مرة )!
فهم يعترفون أن حريزاً ناصبي مبغض لعلي عليه السلام ولا يثيرهم ذلك ، مع أنهم صححوا قول النبي صلى الله عليه وآله لايبغض علياً إلا منافق ! ولا يرون أن ذلك يطعن في وثاقته ، فيروون عنه ويأخذون منه معالم دينهم ويولون: ثقة ثقة !

أما من يمس بالصحابة فهو كافر يجب قتله !

قال ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب(8/173): (سنة تسع وعشرين وتسع مائة .. وفيها المولى ظهير الدين الأردبيلي الحنفي الشهير بقاضي زاده… ذكر العلائي أنه عزم على إظهار شعار الرفض واعتقاد الإمامية على المنبر حتى قال إن مدح الصحابة على المنبر ليس بفرض ولا يخل بالخطبة ، فقبض عليه مع أحمد باشا الوزير يوم الخميس عشري ربيع الثاني وقطع رأس صاحب الترجمة (ظهير الدين) وعلق على باب زويلة بالقاهرة) !
وقال ابن الجوزي في المنتظم(8/16): (وفي هذه السنة: أقيم الأذان في المشهد بمقابر قريش ومشهد العتيقة ومساجد الكرخ: بالصلاة خير من النوم ، وأزيل ما كانوا يستعملونه في الأذان: حي على خير العمل.وقلع جميع ما كان على أبواب الدور والدروب من: محمد وعلي خير البشر، ودخل إلى الكرخ منشدو أهل السنة من باب البصرة ، فأنشدوا الأشعار في مدح الصحابة ، وتقدم رئيس الرؤساء إلى ابن النسوي بقتل أبي عبد الله بن
< صفحة > 271 < / صفحة >
الجلاب شيخ البزازين بباب الطاق لما كان يتظاهر به من الغلو في الرفض ، فقتل وصلب على باب دكانه ، وهرب أبو جعفر الطوسي ، ونهبت داره )!
وقال ابن الجوزي في المنتظم(5/28): (وفي أول يوم من شوال حضر الموكب: النقباء والأشراف والقضاة والشهود ، فنهض بعض المتفقهة وأورد إخباراً في مدح الصحابة وقال: ما بال الجنائز تمنع من ذكر الصحابة عليها بمقابر قريش وربع الكرخ! والسنة ظاهرة ويد أمير المؤمنين قاهرة! فطولع بما قال فخرج التوقيع بما معناه: أنهيَ ما ارتكب بمقابر قريش من إخمال ذكر صاحبي رسول الله (ص) وتورطهم في هذه الجهالة ، واستمرارهم على هذه الضلالة ، التي استوجبوا بها النكال واستحقوا عظيم الخزي والوبال ، وإنما يتوجه العتب في ذلك نحو نقيب الطالبيين ، ولولا ما تدرَّع به من جلباب الحكم وأسباب يتوخاها لتقدم في فرضه ما يرتدع به الجهال ، فليؤجر بإظهار شغل السنة في مقابر باب التبن ورَبْع الكَرْخ من ذكر الصحابة على الجنائز ، وحثهم على الجمعة والجماعة ، والتثويب بالصلاة خير من النوم ، وذكرالصحابة على مساجدهم ومحاريبهم أسوة بمساجد السنة ، والتقدم بمكاتبة ابن مزيد(الشيعي حاكم الحلة والمشهدين النجف وكربلاء) ليجري على هذه السيرة في بلاده: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمره أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .
أقول: حيثية هذا المرسوم الخلافي بالعقوبة والقتل: إخمال ذكر الصحابة ، ومعناه أن الشيعة في مساجدهم يذكرون أهل البيت ولا شغل لهم بغيرهم ، فاعتبروا ذلك إخمالاً لذكر أبي بكر وعمر اللذين يجب إحياء ذكرهما !
وقوله: والسنة ظاهرة ويد أمير المؤمنين قاهرة ! ومعناه أنه كلما أمكن إجبار الناس على مدح الشيخين بالقوة وجب ذلك ! وقد كانت سياسة الحكومات إلى يومنا على هذا ، وقد أمعنوا في
< صفحة > 272 < / صفحة >
قتل الشيعة وتحريك الغوغاء عيهم ليقتلوهم وينهبوا ممتلكاتهم لأنهم مسوا بفلان وفلان من الصحابة أو أخملوا ذكرهم فلم يذكروهم!

قامت ثورة العباسيين على إنهاء تقديس صحابة قريش

قامت حركتهم في عهد قائدها بكير بن ماهان وأبي سلمة الخلال وأبي مسلم الخراساني وإمامهم إبراهيم بن محمد العباسي المسمى بالإمام، قامت على الدعوة إلى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وآله والبراءة من بني أمية وبني تيم وعدي !
لكن المنصور رأى أن للشيخين أبي بكر وعمر شعبية في أهل الحجاز ، وأن الحسنيين تبنوا الترضي عنهما فكسبا كثيراً من محبيهما ، فتبنى الترضي عنهما !
قال العلامة الحلي في منهاج الكرامة/69: « ابتدعوا أشياء اعترفوا بأنها بدعة ، وأن النبي صلى الله عليه وآله قال: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة فإن مصيرها إلى النار . وقال: من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو ردٌّ عليه !
ولو رُدُّوا عنها كرهته نفوسهم ونفرت قلوبهم ، كذكر الخلفاء في خطبتهم ، مع أنه بالإجماع لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وآله ولا في زمن أحد من الصحابة والتابعين ، ولا في زمن بني أمية ولا في صدر ولاية العباسيين ، بل هو شئ أحدثه المنصور لما وقع بينه وبين العلوية فقال: والله لأرغمن أنفي وأنوفهم ، وأرفعن عليهم بني تيم وعدي ، وذكر الصحابة في خطبته ، واستمرت هذه البدعة إلى هذا الزمان » !
فالخليفة مجبرعلى أن يرغم أنفه وأنوف العباسيين والعلويين ، فيعلي مقام الشيخين لأن الهدف الأهم عنده أن يواجه ثورات العلويين ، فأمر بإعادة الإعتبار للشيخين ، حتى لو ناقض بذلك نفسه ونقض مذهب بني العباس ! وعمم على خطباء الجمعة في أنحاء
< صفحة > 273 < / صفحة >
الدولة بأن يترضوا على أبي بكر وعمر في خطبة الصلاة ، وأمر الفقهاء أن يفتوا به ! وقد استمرت سنته الى يومنا هذا .

أهملوا الآيات والأحاديث القطعية في ذم الصحابة !

  1. رفعت بطون قريش الصحابة شعاراً مقابل العترة وفسـرت له الآيات ووضعت الأحاديث في مدحهم ، وكأن النبي صلى الله عليه وآله قال: إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وصحابتي . مع أن مودة العترة وطاعتهم فرض من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله على الصحابة كغيرهم من المسلمين !
    لقد أهملوا آيات وأحاديث ذم الصحابة ، أو فسروا الذم بالمدح ! ثم عاقبوا من يمس الصحابة بكلمة وهدروا دمه وقتلوه بالفعل . أما من يذم أهل البيت ويلعنهم فهو معفو عنه ، ولا مانع أن يرووا عنه الأحاديث ، ويأخذوا منه معالم دينهم .
  2. فقد اقترح عدد من الصحابة على النبي صلى الله عليه وآله في مكة أن يقاتل قريش ، لما رأوا بني هاشم أربعين رجلاً وقد تحدى بهم أبو طالب كل بطون قريش فهابوهم لشجاعتهم وتراجعوا يومها . فأراد هؤلاء الصحابة أن يقاتل النبي صلى الله عليه وآله وبنو هاشم بطون قريش وفي اعتقادهم أنهم يغلبونهم ويسيطرون على مكة ، فيكون لهم موقع اجتماعي جيد !
    فحثوا النبي صلى الله عليه وآله على قتالهم فلم يقبل وقال لم أؤمر بقتال ، لأنه لايريد أن يقاتل في الحرم ، ويريد أن يتم الحجة على قريش والناس .
    ولما كتب الله عليهم القتال في المدينة جبنوا فنزل فيهم قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا . أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمَالِ
    < صفحة > 274 < / صفحة >
    هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا . مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا .
    قال الرازي في تفسيره(10/184): «والأولى حمل الآية على المنافقين لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ.. ولا شك أن من هذا كلام المنافقين، فالمعطوف في المنافقين وجب أن يكون المعطوف عليه فيهم أيضاً». وروى الحاكم(2/66) تفسيرها بابن عوف وأصحابه ، وصححه على شرط بخاري . وكذا النسائي: 6/3 ، والبيهقي: 9/11 . وهو يدل على وجود منافقين في مكة ، لا كما ادعى القرشيون من حصر المنافقين بالمدينة ! كما يدل على جبن هؤلاء الصحابة الكبار! وقد سموا منهم سعد بن أبي وقاص ، وأخفوا الباقين !
  3. ومن ذلك أنهم أهملوا الآيات في الصحابة الذين لم يصدقوا وعد رسول الله صلى الله عليه وآله بالنصر في بدر ونصحوه بعدم مواجهة قريش ، وذهبوا معه مكرهين يسحبون سحباً ! فقال الله تعالى فيهم: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ . يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ . وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ.
    ثم جعلوا هؤلاء مثل المجاهدين المخلصين الذين قطفوا النصر في بدر !
  4. ومن ذلك أنهم أهملوا فرار الصحابة في أحد،وحملوا النبي صلى الله عليه وآله مسؤولية هزيمتهم وقالوا لو أخذ برأينا لما هزمنا ! فقال الله تعالى فيهم: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ . إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأمر مِنْ شَيْئ قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ
    < صفحة > 275 < / صفحة >
    لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ .
  5. ولما حاصر المشركون المدينة في حرب الخندق ستاً وعشرين يوماً تعب أكثر الصحابة وانهزموا نفسياً، حتى نافق بعضهم واتصل بالمشركين ليسلموهم النبي صلى الله عليه وآله وبني عبد المطلب،أو يفتحوا لهم طريقاً ليعبروا الخندق ويهاجموا المدينة ، وكفروا بوعد الله ورسوله صلى الله عليه وآله بالنصر وقالوا: مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ! ولم يثبت على الإيمان مع النبي صلى الله عليه وآله إلا قلة منهم !
    قال عبد الله بن عمر: « بعثني خالي عثمان بن مظعون لآتيه بلحاف فأتيت النبي فاستأذنته وهو بالخندق فأذن لي وقال: من لقيت فقل لهم إن رسول الله يأمركم أن ترجعوا ، وكان ذلك في برد شديد فخرجت ولقيت الناس فقلت لهم إن رسول الله يأمركم أن ترجعوا. قال: فلا والله ما عطف عليَّ منهم اثنان أو واحد » . (رواه الطبراني في الأوسط (5/275) ورجاله رجال الصحيح).
    وقال حذيفة(الحاكم: 3/31): « إن الناس تفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة الأحزاب فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً )!
    فقال الله فيهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا .إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا . وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا . وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا . وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا . وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوااللهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولًا . قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ
    < صفحة > 276 < / صفحة >
    الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا .قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا . قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا . أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا. يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا . لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُواللهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَاللهَ كَثِيرًا . وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا . مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوااللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّاللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا . وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا .
  6. في خيبر هرب عامة الصحابة مكرراً فغضب النبي صلى الله عليه وآله وقال: لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، كرار غير فرار ، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه . وهومتواتر.
    وفي رواية الحاكم(3/132): (رجلاً لا يخزيه الله أبداً) .
  7. وفي حنين هرب عامة الصحابة ، ولم يثبت مع النبي صلى الله عليه وآله إلا بنو هاشم ، فحموا النبي صلى الله عليه وآله وأخذ علي يقصد حملة الرايات حتى قتل أكثرهم وكان يأسر الواحد والإثنين ويأتي بهم الى مركز رسول الله صلى الله عليه وآله ! فما رجع الصحابة الفارون حتى وقعت الهزيمة في النجديين ، ورأوا الأسرى مكتفين عند النبي صلى الله عليه وآله .قال ابن هشام (4/ 896): « فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم، حتى وجدوا الأسارى مكتَّفين عند رسول الله صلى الله عليه وآله » !
    < صفحة > 277 < / صفحة >
  8. ومنهم من يلمز النبي صلى الله عليه وآله في الغنائم لأنهم لم يعطوا منها! فأنزل الله فيهم: قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ. وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ . فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ. وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ. لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ . وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ . إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ. أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِاللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ .
  9. وتخلف عامة الصحابة عن جيش أسامة وقد حث النبي صلى الله عليه وآله مكرراً أن يتحركوا ولعن من تخلف عن جيش أسامة . (الملل والنحل: 1/23).
  10. وكانوا يعقدون جلسات سرية ويتشاورون كيف يعصون النبي صلى الله عليه وآله :
    قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوااللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ .
  11. أخبر الله تعالى بأن من الصحابة من ينقلب على عقبيه ويرتد بعد موته ! قال تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّاللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِين.
    < صفحة > 278 < / صفحة >
    ويفسرها أن سنة الله اقتتال الأمم بعد رسلها عليهم السلام ، قال تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ، وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ، وَلَو شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ، وَلَو شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ .
    والآية صريحة في أن السنة الإلهية جارية في اختلاف الأمم بعد الرسل عليهم السلام إلى عيسى عليه السلام والى نبينا صلى الله عليه وآله وأن سببها بعض صحابة الرسول الذين يبغون على أهل الحق ويظلمونهم عن علم وعمد ، طمعاً في السلطة ، فتنقسم الأمة إلى مؤمن وكافر ، بالمعنى الأعم للإيمان والكفر !
    في الكافي(8/270): ( عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام إن العامة يزعمون أن بيعة أبي بكر حيث اجتمع الناس كانت رضاً لله جل ذكره ، وما كان الله ليفتن أمة محمد صلى الله عليه وآله من بعده ؟
    فقال أبو جعفر عليه السلام : أو ما يقرؤون كتاب الله أو ليس الله يقول: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شيئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ؟
    قال فقلت له: إنهم يفسرون على وجه آخر . فقال: أوليس قد أخبر الله عز وجل عن الذين من قبلهم من الأمم أنهم قد اختلفوا من بعدما جاءتهم البينات ، حيث قال: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ، وَلَو شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَر ، وَلَو شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ.)
    قال الكليني تعليقاً عليه: ( وفي هذا ما يستدل له على أن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله قد اختلفوا من بعده ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر ) .
    < صفحة > 279 < / صفحة >
    وبهذا تستطيع أن تفسر الحديث الصحيح عن أهل البيت عليهم السلام : ارتدَّ الناس إلا ثلاثة ! ففي الكافي (2/244) : عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام : جعلت فداك ما أقلَّنَا ، لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها ! فقال: ألا أحدثك بأعجب من ذلك ، المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا - وأشار بيده - ثلاثة ! قال حمران: فقلت: جعلت فداك ما حال عمار ؟ قال: رحم الله عماراً أبا اليقظان ، بايع وقتل شهيداً ، فقلت: في نفسي ما شئ أفضل من الشهادة ! فنظر إليَّ فقال: لعلك ترى أنه مثل الثلاثة ! أيْهات أيْهات ! )
    والكفر هنا ليس بمعنى الحكم بخروجهم عن الملة ، لأن أمير المؤمنين عليه السلام الذي استشهد بهذه الآية واستحل بها قتال البغاة ، عاملهم معاملة المسلمين .
  12. الأحاديث الصحيحة في ذم الصحابة أكثر من خمسين رووها في أصح كتبهم وهي تنص على أن الصحابة يدخلون النار ولا ينجو منهم إلا مثل همل النعم ! أي الأغنام المنفردة عن القطيع .
    قال البخاري(7/208): ( عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال: بينا أنا قائمٌ فإذا زمرةٌ حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمَّ ، فقلت أين ؟ قال إلى النار والله ! قلت: وما شأنهم ؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ! ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمَّ ! قلت: أين ؟ قال: إلى النار والله ! قلت: ما شأنهم ؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ! فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم ) !
    وقد صرحت روايات البخاري بأن هؤلاء المطرودين من الصحابة ، وفسرها شراحه بالصحابة ! فقد روى (2/975): ( يرد على الحوض رجالٌ من أصحابي فيحلؤون عنه فأقول يا رب أصحابي ! فيقول: فإنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنهم ارتدوا على أعقابهم القهقرى ) ! وشبيهاً به في: 8/ 86 . و:
    < صفحة > 280 < / صفحة >
    7/ 195 و207 و84 و 87 و: 8/ 86 و 87 ، ونحوه مسلم: 1/150 و: 7/66 وابن ماجة: 2/1440 وأحمد: 2/25 و 408 و: 3/ 28 و: 5/ 21 و 24 و 50 و: 6/ 16).
    هذا ، ونحتاج الى مجلد لو أردنا أن نستوفي آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله في ذم الصحابة وبيان ما فعلوه فاستحقوا هذا الذم ، ثم بيان أنواع الذم وبعضه شديد يخرج صاحبه من الإيمان والإسلام ويستوجب دخول النار !

كل مدح في القرآن والسنة مشروط إلا مدح أهل البيت عليه السلام !

قد يتصور البعض هذا الكلام إغراقاً أو تعصباً ، لكن بعد أن يفحص أنواع المديح يجده كلاماً صحيحاً ودقيقاً . فالله العليم بعواقب الأمور وعواقب الأشخاص ، لايمكن أن يطلق مدح شخص يمكن أن ينحرف على عمل صالح بدون شرط ولا قيد ، فلا بد أن يقيده ويشترط فيه كقوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا .
فهو مشروط بعدم نكث البيعة وبالوفاء بما تقتضيه .
أو يجعل ظرف المدح وقت العمل فقط كقوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا.
فلم يقل لقد رضي الله عن الذين يبايعونك ، بل ذكر شرط الإيمان وجعل الرضا وقت بيعتهم لا أكثر: إِذْ يُبَايِعُونَكَ !
قال النووي في شرح مسلم(13/2): (في رواية جابر ورواية معقل بن يسار: بايعناه يوم الحديبية على أن لا نفر . وفي حديث ابن عمر وعبادة: بايعنا على السمع والطاعة ، وأن لا ننازع الأمر أهله ).
< صفحة > 281 < / صفحة >
فالرضا عنهم إنما هو في وقت البيعة ، وشرطه أن لا يفروا ، وقد فروا بعد شهر في خيبرثم في حنين فنكثوا بيعتهم ، واستبدلوا الرضا عنهم بالغضب!
وقد يكون القيد بوصف يخرج غيرأهله من المدح كقوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .
فوصف السابقين بالأولين أخرج من كان بعدهم من الثانيين والثالثين. والأولون هم أول المسلمين بعد البعثة الى ثلاث سنين ، ففي أول السنة الرابعة أمره الله بإعلان دعوته وقال له: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ. وفي هذه المدة لم يسلم من غير بني هاشم إلا أبوذر وخباب ، وربما عمار ووالداه .
أو يذكر أوصافاً تعينهم وتخرج غيرهم كقوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا .
فقال: وَالَّذِينَ مَعَهُ ولم يقل آمنوا معه لأنهم مؤمنون من الأصل، بعثهم الله عوناً لنبيه صلى الله عليه وآله . ووصفهم بأنهم: رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ، والصحابة أشداء بينهم فقد ذموا بعضهم ولعنوا بعضهم وقاتلوا وقتلوا بعضهم بعضاً. وقال: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ، والشطأ أولاد الزرع والشجر ، والصحابة ليسوا أولاد النبي صلى الله عليه وآله .
وكذلك الأحاديث النبوية ، فالنبي صلى الله عليه وآله مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى بل بوحي ربه عز وجل ، فهو مسدد منه في منطقه وعمله، ولايطلق في مدحه إلا لمن يعلم حسن عاقبته ، ولذا قال لحسان بن ثابت: ( إن روح القدس مع حسان ما دام ينافح عن رسول الله ). (الإصابة: 2/56).
< صفحة > 282 < / صفحة >
وهكذا كل مديح نبوي تجد فيه قيوداً وشروطاً ، ولا تجده مطلقاً إلا في أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم ! ولك أن تتأمل فتخشع وتسبح الله تعالى .
< صفحة > 283 < / صفحة >

الفصل الرابع والثمانون : حب النبي صلى الله عليه وآله لخديجة عليها السلام ووفاؤه لها

لم تملأ امرأة فراغ خديجة من قلبه صلى الله عليه وآله !

الى سن الثالثة والخمسين من عمره الشريف لم يعرف النبي صلى الله عليه وآله امرأة غير خديجة عليهم السلام . وفي العشرسنوات بعد هجرته تزوج بالعديد من النساء لخدمة رسالته ، فلم يملأن فراغ خديجة في قلبه ووجدانه !
فبقي يذكرها ويشيد بها كل عمره ، ويتفقد صديقاتها ، وتجلى وفاؤه لها أنه لما فتح مكة لم ينزل في بيت أبداً ، بل نصب خيمته عند قبرها الشريف ! وكانت عائشة من بين أزواجه تنتقدها ، فيجيبها بجواب حاسم .

خديجة إحدى أربع أفضل نساء العالمين

روى أحمد في مسنده(1/316)، والصدوق في الخصال/205، وعامة مصادر السنة والشيعة عن ابن عباس قال: (خط رسول الله(ص) في الأرض أربعة خطوط قال: أتدرون ماهذا ؟ قالوا: الله ورسوله
< صفحة > 284 < / صفحة >
أعلم ، فقال رسول الله: أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ).
وفي سيرة ابن هشام(1/159) وتفسير العياشي(2/279) والاستيعاب(4/1821) عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن جبرئيل قال لي ليلة أسريَ بي: وحين رجعت فقلت: يا جبرئيل هل لك من حاجة ؟ فقال: حاجتي أن تقرأ على خديجة من الله ومني السلام . قالت حين لقَّاها نبي الله السلام: إن الله هو السلام ، ومنه السلام ، واليه السلام ، وعلى جبرئيل السلام » .
وفي الخصال / 225 ، عن الإمام الكاظم عليه السلام : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله تبارك وتعالى اختار من كل شئ أربعة: اختار من الملائكة جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام ، واختار من الأنبياء أربعة للسيف: إبراهيم وداود وموسى وأنا ، واختار من البيوتات أربعة فقال: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ . واختار من البلدان أربعة فقال عز وجل: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ . فالتين المدينة ، والزيتون بيت المقدس ، وطور سينين الكوفة ، وهذا البلد الأمين مكة .
واختار من النساء أربعاً: مريم ، وآسية ، وخديجة ، وفاطمة .
واختار من الحج أربعة: الثج والعج والإحرام والطواف ، فأما الثج فالنحر والعج ضجيج الناس بالتلبية .
واختار من الأشهر أربعة: رجب ، وشوال ، وذا القعدة ، وذا الحجة . واختار من الأيام أربعة: يوم الجمعة ويوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر ».

ومع ذلك فضلوا عليها عائشة !

فقد رفعوا مقام عائشة في زمن أبيها الى صف خديجة عليها السلام بل فضلوها عليها !
< صفحة > 285 < / صفحة >
قال ابن حجر في فتح الباري(7/84و106): (قال ابن تيمية جهات الفضل بين خديجة وعائشة متقاربة وكأنه رأى التوقف ! قلت: ومن صريح ما جاء في تفضيل خديجة ما أخرجه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم من حديث ابن عباس رفعه: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد . قال السبكي الكبير: لعائشة من الفضائل ما لا يحصـى ولكن الذي نختاره وندين الله به أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة ، واستدل لفضل فاطمة بما تقدم في ترجمتها أنها سيدة نساء المؤمنين.
قلت: وقال بعض من أدركناه: الذي يظهر أن الجمع بين الحديثين أولى وأن لا نفضل إحداهما على الأخرى!وسئل السبكي هل قال أحد إن أحداً من نساء النبي غير خديجة وعائشة أفضل من فاطمة؟ فقال:قال به من لا يعتد بقوله وهو من فضل نساء النبي على جميع الصحابة لأنهن في درجته في الجنة . قال وهو قول ساقط مردود ، وقائله هو أبو محمد بن حزم وفساده ظاهر.
قال السبكي: ونساء النبي(ص) بعد خديجة وعائشة متساويات في الفضل وهن أفضل النساء لقول الله تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ الآية.. ولايستثنى من ذلك إلا من قيل إنها نبية كمريم والله أعلم . ومما نبه عليه أنه وقع عند الطبراني من رواية أبي يونس عن عائشة أنها وقع لها نظير ماوقع لخديجة من السلام.والجواب: هي رواية شاذة والعلم عند الله تعالى).
قال الكراجكي في التعجب من أغلاط العامة/102: (ومن عجيب أمرهم: تفضيلهم عائشة بنت أبي بكر على جميع أزواج النبي ، وبهجتهم بتسميتها أم المؤمنين ، بدعواهم أنها حبيبة رسول الله ، وكثرة ترحمهم عليها ، وإظهارهم الخشوع والبكاء عند ذكرها ، ثم لا يذكرون خديجة بنت خويلد وفضلها متفق عليه ، وعلو قدرها لا شك فيه ، وهي أول
< صفحة > 286 < / صفحة >
من آمن برسول الله صلى الله عليه وآله ، وأنفقت عليه مالها ، وكان يكثر ذكرها ، ويحسن الثناء عليها ، ويقول: ما نفعني مال كمالها ، ورزقه الله الولد منها ، ولم يتزوج في حياتها إكراماً منه لها،
ولكثرة ما كان يذكرها قالت له عائشة يوماً: تكثر من ذكر خديجة وقد أبدلك الله من هو خير منها ؟ فقال صلى الله عليه وآله : كلا والله ما بدلت بها من هو خير منها ، صدقتني إذ كذبني الناس ، وآوتني إذ طردني الناس ، وأسعدتني بمالها ، ورزقني الله الولد منها ولم أرزق من غيرها). ( الإستيعاب لابن عبد البر: 4/1824).

كانت عائشة تجاهر بحسدها لخديجة عليها السلام !

كانت تقول: ماغرت على امرأة ما غرت على خديجة! (البخاري: 8 / 195 ) . وكان حسدها لأن الله تعالى بشرخديجة ببيت في الجنة!فقالت: ما حسدت امرأة قط ما حسدت خديجة حين بشرها النبي ببيت».(فتح الباري: 7 / 102).
وكانت تواجه بحسدها النبي صلى الله عليه وآله فيغضب عليها ويجيبها بأجوبة مفحمة ، وفي مرة طردها ، ومرة سد حلقها بيده ، ومرة قام وهو مغضب وذهب .
وكان النبي صلى الله عليه وآله يتعمد أن يذكر خديجة ويمدحها ليُعَرِّف المسلمين بقدرها ، فيغلي الحسد في قلب عائشة كالمرجل!
وفي السيرة الحلبية(3/401): « قالت له وقد مدح خديجة: ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيراً منها ! فغضب رسول الله (ص) وقال: والله ما أبدلني الله خيراً منها » ! ولم يكملوا كلام النبي صلى الله عليه وآله !
وفي الطبراني الكبير(23/11): (كان يكثر ذكر خديجة فقلت ما أكثر ما تكثر ذكر خديجة وقد أخلف الله لك خيراً من خديجة! عجوز حمراء الشدقين قد هلكت في الدهر فغضب
< صفحة > 287 < / صفحة >
رسول الله غضباً ما رأيته غضب مثله قط وقال: إن الله رزقها مني ما لم يرزق أحداً منكن! قلت يا رسول الله أعف عني عفا الله عنك ، والله لاتسمعني أذكر خديجة بعد هذا اليوم بشئ تكرهه)!
ولم تفِ عائشة بوعدها ، وظلت تحسد خديجة وتتكلم عليها الى آخر عمرها ، ولم يشاركها أحد من نساء النبي صلى الله عليه وآله في بغض خديجة .
وفي سيرة ابن إسحاق(5/228) عن أبي نجيح قال: « أهدي لرسول الله صلى الله عليه وآله جزور أو لحم ، فأخذ عظماً منها فتناوله بيده فقال له: إذهب به إلى فلانة ، فقالت له عائشة: لم غَمَرْتَ (دسَّمت) يدك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن خديجة أوصتني بها ، فغارت عائشة وقالت: لكأنه ليس في الأرض امرأة إلا خديجة! فقام رسول الله مغضباً فلبث ما شاء الله ، ثم رجع فإذا أم رومان فقالت: يا رسول الله ما لك ولعائشة إنها حَدَث ، وأنت أحق من تجاوز عنها فأخذ بشدق عائشة وقال: ألست القائلة كأنما ليس على الأرض امرأة إلا خديجة! والله لقد آمنت بي إذ كفر قومك ، ورزقت مني الولد وحرمتموه » !
وفي العمدة/394 ، أنه صلى الله عليه وآله طرد عائشة! « فقال صلى الله عليه وآله : قومي عني فقامت إلى ناحية من البيت» ولعلها تكلمت بعد قيامها فأخذ بشدقها ! ولم تبين الرواية هل سد شدقها ليسكتها فقط ، أم ضغط عليه تأديباً لها !
وفي الخصال/405 ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: « دخل رسول الله صلى الله عليه وآله منزله فإذا عائشة مقبلة على فاطمة تصايحها وهي تقول: والله يا بنت خديجة ما ترينَ إلا أن لأمك علينا فضلاً، وأي فضل كان لها علينا ما هي إلا كبعضنا ! فسمع مقالتها لفاطمة ، فلما رأت فاطمة رسول الله صلى الله عليه وآله بكت ، فقال: ما يبكيك يا بنت محمد ؟ قالت: ذكرت أمي فتنقصتها فبكيت ! فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: مه يا حميراء فإن الله تبارك وتعالى بارك في الودود الولود ، وإن خديجة ولدت مني وأنت ممن أعقم الله رحمه ، فلم تلدي شيئاً » !
< صفحة > 288 < / صفحة >
وصار حسد عائشة لخديجة عليها السلام بغضاً لابنتها فاطمة وزوجها وأولادها عليهم السلام ! ومن غريب سلوكها أنها كانت تحتجب عن الحسنين عليهما السلام وهما حفيدا زوجها ، بينما كانت ترفع حجابها عن شبان ترسلهم ليرضعوا من قريباتها !
لكن سلوك فاطمة الرباني عليها السلام فرض على عائشة احترامها حتى كانت تقول: « ما رأيت أحداً كان أصدق لهجة من فاطمة الا أن يكون الذي ولدها » . (الزوائد (9/ 201( وصححه. وأبو يعلى ( 8 / 153) وفيه: فقالت عائشة: يا رسول الله سلها فإنها لا تكذب !(

جعلت عائشة بيت خديجة في الجنة بيتاً من قصب !

روى عددٌ من مصادرهم حديث بيت خديجة عليها السلام بدون قصب !
ففي فضائل الصحابة للنسائي/75: « بشر رسول الله (ص) خديجة ببيت في الجنة لاصخب فيه ولا نصب ». وسنن النسائي(5/94) والجامع الصغير (2/ 247 ).
لكنه صار عند عائشة كوخاً من قصب ، قالت! « بشر خديجة ببيت من الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب » ! ( البخاري: 2 / 203 ) .
أما لماذا من قصب؟ فتقول عائشة: « توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة ، فقال رسول الله: أريتُ لخديجة بيتاً من قصب ، لا صخب فيه ولا نصب » .
وفي فتح الباري(1/27): « خرَّج المصنف بالإسناد في التاريخ حديث الباب عن عائشة ثم عن جابر بالإسناد المذكور هنا ، فزاد فيه:وماتت خديجة قبل أن تفرض الصلاة ، فقال النبي: رأيت لخديجة بيتاً من قصب لاصخب فيه ولا نصب » . وفي مسند أبي يعلى(4/41) من حديث المعراج: «وسئل عن خديجة لأنها ماتت قبل الفرائض وأحكام القرآن؟ فقال: أبصرتها على نهر من أنهار الجنة في بيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب» ! وفي الطبراني الأوسط: 8 / 120: « ماتت قبل الفرائض وأحكام القرآن». وصححه في الزوائد (9/416).
< صفحة > 289 < / صفحة >
فبيت خديجة عليها السلام بزعمها من قصب لأنها لم تصلِّ ، أما بيتها هي فمن لؤلؤ ، لأنها صلَّت! وهذا يسليها عن بيت خديجة وحب النبي لها!
وكلامها فضيحة لأن الصلاة فرضت في أول البعثة، لكن عائشة أخرت المعراج وفرض الصلاة الى ما بعد موت خديجة! وأراد محبوا عائشة ومنهم بخاري تغطية فضيحتها فجعلوا قصب عائشة بمعنى الذهب! لكن اللغة تأبى عليهم فهو النبات المعروف المجوف ، وبيوت الجنة من لؤلؤ وذهب !

وصف دخول النبي صلى الله عليه وآله الى مكة فاتحاً

نأخذ فقرات في الموضوع من سيرة ابن هشام (4/866) وتاريخ الطبري (2/337):
(فلما نزل رسول الله مرالظهران قال العباس بن عبد المطلب فقلت: واصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه ، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر. قال: فجلست على بغلة رسول الله البيضاء حتى جئت الأراك ، فقلت: لعلي أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة ، فيخبرهم بمكان رسول الله ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة . إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء قلت: ويحك يا أبا سفيان ، هذا رسول الله في الناس ، واصباح قريش والله ! ولئن ظفر بك ليضربن عنقك ، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله فأستأمنه لك ، قال: فركب خلفي فذهبت به إلى رحلي فبات عندي ، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله فلما رآه رسول الله قال:ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله ؟ قال: بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئاً بعد ، قال: ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! أما هذه
< صفحة > 290 < / صفحة >
والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئاً ، فقال له العباس: ويحك ! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن تضرب عنقك .
قال: فشهد شهادة الحق ، فأسلم ! فلما ذهب لينصرف قال رسول الله: يا عباس إحبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها . قال: فخرجت حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله أن أحبسه قال: ومرت القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال: يا عباس ، من هذه ؟ فأقول: سليم ، فيقول: مالي ولسليم، ثم تمر القبيلة فيقول: يا عباس ، من هؤلاء ؟ فأقول: مزينة ، فيقول: مالي ولمزينة ، حتى نفدت القبائل ، ما تمر به قبيلة إلا يسألني عنها ، فإذا أخبرته بهم ، قال: مالي ولبني فلان، حتى مر رسول الله في كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار ، لايرى منهم إلا الحدق من الحديد فقال: يا عباس ، من هؤلاء ؟ قال: قلت: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة ، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً! قلت: يا أبا سفيان ، إنها النبوة . قال: فنعم إذن .
قلت: النجاء إلى قومك ، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش ، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، فقامت إليه هند بنت عتبة ، فأخذت بشار به ، فقالت: أقتلوا الحميت الدسم الأحمس ، قُبح من طليعة قوم ! قال: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، قالوا: قاتلك الله ! وما تغني عنا دارك ، قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد .
< صفحة > 291 < / صفحة >
قال ابن إسحاق: إن رسول الله لما انتهى إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجراً بشقة ببرد حبرة حمراء ، وإن رسول الله ليضع رأسه تواضعاً لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح ، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل. أمر الزبير أن يدخل في بعض الناس من كدي ، وكان الزبير على المجنبة اليسرى ، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء ).
وفي الإرشاد(1/134): « ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله سعد بن عبادة بدخول مكة بالراية ، غلظ على القوم وأظهر ما في نفسه من الحنق عليهم ، ودخل وهو يقول: اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة !
فسمعها العباس فقال للنبي صلى الله عليه وآله : أما تسمع يا رسول الله ما يقول سعد بن عبادة ؟ إني لا آمن أن يكون له في قريش صولة ! فقال النبي صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام أدرك يا علي سعداً فخذ الراية منه ، وكن أنت الذي يدخل بها مكة ، فأدركه أمير المؤمنين فأخذها منه » .
وفي الإمتاع(8/386) أن أبا سفيان شكى إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال له: يا أبا سفيان اليوم يوم المرحمة، اليوم يعز الله قريشاً ، وأرسل إلى سعد فأخذ الراية منه » .
قال ابن إسحاق: إن رسول الله أمر خالد بن الوليد ، فدخل من الليط ، أسفل مكة ، في بعض الناس ، وكان خالد على المجنبة اليمنى ، وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب ، وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله ودخل رسول الله من أذاخر في كتيبته الخضراء ، وعليه عمامة سوداء وقد أرخى طرفها بين كتفيه وهو على ناقته القصواء ، فاستشرفه الناس فوضع رأسه على رحله متخشعاً وقد طأطأ رأسه تواضعاً لله تعالى ، وهو يقرأ سورة الفتح يرجع بها صوته ، ثم قال:اللهم إن العيش عيش الآخرة . ومضى فدخل من أذاخر
< صفحة > 292 < / صفحة >
بأعلى مكة يوم الإثنين. وكان أبو رافع قد ضرب له قبة من أدم بالحجون ، فأقبل حتى انتهى إلى القبة ، ومعه أم سلمة وميمونة زوجتاه . وسأله أسامة: يا رسول الله أنَّى تنزل غداً ، تنزل في دارك ؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دار! وقيل للنبي صلى الله عليه وآله : ألا تنزل منزلك من الشعب ؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل منزلاً ؟ وكان عقيل قد باع منزل رسول الله صلى الله عليه وآله ومنزل إخوته من الرجال والنساء بمكة ، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وآله : فانزل في بعض بيوت مكة غير منازلك ، فأبى وقال: لا أدخل البيوت ! وبقي في قبته بالحجون، وكان يأتي المسجد لكل صلاة .
فلما انتهى إلى الكعبة ومعه المسلمون، تقدَّم على راحلته واستلم الركن بمحجنه (عصاه) وكبَّر ، فكبَّر المسلمون بتكبيره فارتجت مكة تكبيراً ، حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وآله يشيرإليهم أن اسكتوا والمشركون فوق الجبال ينظرون!
وطاف رسول الله صلى الله عليه وآله بالبيت ، وأقبل على الحجر فاستلمه ، ونزل عن راحلته ، فأخرجوها وأناخوها بالوادي ، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المقام فصلى ركعتين ، ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها فنزع له الحرث بن عبد المطلب دلواً فشرب منه وتوضأ، والمسلمون يبتدرون وضوء رسول الله يصبونه على وجوههم، والمشركون ينظرون إليهم ويتعجبون ويقولون: ما رأينا ملكاً قط أبلغ من هذا ، ولا سمعنا به !
وفي تاريخ الطبري (2/337): (عن قتادة السدوسي أن رسول الله قام قائماً حين وقف على باب الكعبة ثم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده . ألا كل مأثرةٍ أو دم أو مال يدَّعى ، فهو تحت قدمي هاتين ، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج .
< صفحة > 293 < / صفحة >
يا معشر قريش: إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء . الناس من آدم وآدم خلق من تراب .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّاللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ .
يا معشر قريش ويا أهل مكة: ما ترون أني فاعلٌ بكم!
قالوا: خيراً ، أخ كريم ، وابن أخ كريم .
ثم قال: إذهبوا فأنتم الطلقاء ! فأعتقهم رسول الله وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوةً، وكانوا له فَيْئاً ، فبذلك يسمى أهل مكة الطلقاء ) .
أقول: لايتحقق إطلاق الأسير أوعتقه إلا بعد أسره واسترقاقه . فالنبي صلى الله عليه وآله استرقهم ، ثم أطلقهم ( إطلاقاً ) ولم يعتقهم كما تصور الطبري !وهذا الإطلاق لا يعرفه الفقهاء في أحكام الأسرى ! لأن الأسير إما أن يقتل أو يمن عليه ويعتق ، أو يفادى ، أما الإطلاق بدون عتق ولا مفاداة ، فهو خاص ببطون قريش في فتح مكة ! وهو يعني أنه أطلقهم وظلوا في ملكه !
وكان حول الكعبة ثلاث مائة وستون صنماً مرصعة بالرصاص، لكل حي من أحياء العرب صنم ، وكان هبل أعظمها وهو وجاه الكعبة ، وإساف ونايلة حيث ينحرون ويذبحون الذبائح ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله كفاً من حصى فرماها وفي يده عود فجعل كلما مر بصنم منها يشير إليه ويطعن في عينه أو في بطنه ويقول: جَاء الحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ، فما يشير إلى صنم إلا سقط لوجهه من غير أن يمسه ! فأمر بها فأخرجت من المسجد فطرحت فكسرت .
< صفحة > 294 < / صفحة >
قال علي عليه السلام : انطلق رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أتى بي الكعبة فقال: أجلس فجلست بجنب الكعبة فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله على منكبي فقال: إنهض فنهضت فلما رأى ضعفي تحته قال: أجلس فجلست ثم قال: يا علي ، إصعد على منكبي ففعلت ، فلما نهض بي خيل إلي لو شئت نلت أفق السماء ! فصعدت فوق الكعبة وتنحى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ألق صنمهم الأكبر ، فألقى الأصنام ولم يبق إلا صنم خزاعة وكان من نحاس موتد بأوتاد من حديد إلى الأرض ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : عالجه: جَاء الحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ، فلم أزل أعالجه حتى استمكنت منه فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله : إقذف به فقذفت به فتكسر كما تتكسر القوارير .
ثم إن علياً عليه السلام أراد أن ينزل فألقى نفسه من صوب الميزاب ، تأدباً وشفقة على النبي صلى الله عليه وآله ، ولما وقع على الأرض تبسم فسأله النبي صلى الله عليه وآله عن تبسمه؟ فقال لأني ألقيت نفسي من هذا المكان الرفيع وما أصابني ألم ! قال: كيف يصيبك ألم ، وقد رفعك محمد وأنزلك جبريل !
قال الزبير لأبي سفيان: يا أبا سفيان ، قد كسر هبل! أما إنك قد كنت منه يوم أحد في غرور ، حين تزعم أنه قد أنعم ! فقال أبو سفيان: دع هذا عنك يا ابن العوام ، فقد أرى لو كان مع إله محمد غيره لكان غير ما كان !
< صفحة > 295 < / صفحة >

من وفاء النبي صلى الله عليه وآله لخديجة عليها السلام أنه نصب خيمته عند قبرها !

لا أسكن في بيت في مكة أبداً !

روى الواقدي بسند صحيح (2/829) وطبعة (2/261): (حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله، عن أبيه ، عن أبي رافع قال: قيل للنبي(ص): ألا تنزل منزلك من الشعب قال: فهل ترك لنا عقيلٌ منزلاً . وكان عقيل قد باع منزل رسول الله (ص) ومنزل إخوته من الرجال والنساء بمكة .
فقيل لرسول الله (ص): فانزل في بعض بيوت مكة في غير منازلك ! فأبى رسول الله(ص)وقال: لا أدخل البيوت . فلم يزل مضطرباً (أي ضارباً خيمته) بالحجون لم يدخل بيتاً ، وكان يأتي إلى المسجد من الحجون .
فاضطرب بالأبطح في عمرة القضية وعام الفتح وفي حجته . وكان أبو رافع قد ضرب لرسول الله (ص) قبة بالحجون من أدم ، فأقبل رسول الله (ص) حتى انتهى إلى القبة ، ومعه أم سلمة وميمونة .
قالت أم هاني: فكنت أكون مع النبي(ص) في خبائه بالأبطح حتى خرج إلى حنين . قالت: فأتى آت إلى رسول الله(ص) فقال: يا رسول الله ، الحارث بن هشام وابن أبي ربيعة جالسان في ناديهما متفضلان في الملاء المزعفر! فقال رسول الله(ص): لا سبيل إليهما، قد آمناهما !
ومكث رسول الله(ص)في منزله ساعة من النهار واطمأن واغتسل ، ثم دعا براحلته القصواء فأدنيت إلى باب قبته ، ولبس السلاح والمغفر على رأسه ، وقد صف له الناس، فركب براحلته والخيل تمعج بين الخندمة إلى الحجون ،
ولما انتهى إلى الكعبة فرآها ومعه المسلمون ، تقدم على راحلته فاستلم الركن بمحجنه ، وكبر فكبر المسلمون لتكبيره ، فرجعوا التكبير حتى ارتجت مكة تكبيرا حتى جعل
< صفحة > 296 < / صفحة >
رسول الله(ص)يشير إليهم: اسكتوا ! والمشـركون فوق الجبال ينظرون . ثم طاف رسول الله بالبيت على راحلته ، آخذ بزمامها محمد بن مسلمة ، وحول الكعبة ثلاث مائة صنم وستون صنماً مرصصة بالرصاص وكان هبل أعظمها ، وهو وجاه الكعبة على بابها ، وإساف ونائلة حيث ينحرون ويذبحون الذبائح ، فجعل رسول الله(ص)كلما مر بصنم منها يشير بقضيب في يده ويقول: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا، فيقع الصنم لوجهه . فطاف سبعاً على راحلته يستلم الركن الأسود بمحجنه في كل طواف فلما فرغ نزل عن راحلته، وجاء معمر بن عبد الله بن نضلة فأخرج راحلته، ثم انتهى رسول الله(ص)إلى المقام ، وهو يومئذ لاصق بالكعبة والدرع عليه والمغفر وعمامته بين كتفيه ، فصلى ركعتين ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها وقال: لولا أن يغلب بنو عبد المطلب لنزعت منها دلواً . فنزع له العباس بن عبد المطلب دلواً فشرب منه .
قالوا: ثم انصرف رسول الله(ص) فجلس ناحية من المسجد والناس حوله .

هل حرم على نفسه السكن في بيت بعد بيت خديجة ؟!

كثرت تفسيراتهم لامتناع النبي صلى الله عليه وآله أن ينزل في بيت في مكة بعد هجرته ، والتفسير الصحيح لامتناعه أنه قرر بعد أن فقد خديجة عليها السلام وفقد بيتها ، أن لا ينزل في بيت في مكة بعد هجرته ، وأن ينزل قرب قبرها الشريف !
< صفحة > 297 < / صفحة >

لماذا نزل النبي صلى الله عليه وآله بالحجون باكياً ؟!

روى السيوطي في الحاوي (2/278): (عن عائشة قالت: حج بنا رسول الله حجة الوداع فمر بي على عقبة بالحجون وهو باك حزين مغتم ، فنزل فمكث عني طويلاً ثم عاد إلي وهو فرح مبتسم ، فقلت له فقال: ذهبت لقبر أمي فسألت الله أن يحييها فأحياها فآمنت بي وردها الله » .
وفي رواية وهو باك حزين فأقام به ما شاء الله ثم رجع مسروراً قال يخاطب عائشة: سألت ربي فأحيا لي أمي فآمنت بي ثم ردها !
أقول: رد النقاد هذا الحديث لأن أبوي عندهم كانا كافرين ! لكن رده لأن قبر أمه في الأبواء قرب المدينة وليس في الحجون .
والأصح: أن النبي صلى الله عليه وآله زار قبر خديجة عليها السلام ، لكن عائشة لغيرتها جعلته قبرأمه !
وبكاؤه كان على خديجة وقد يكون طلب من الله تعالى أن يحييها ليراها فأحياها !

لم يدخل بيتاً في مكة إلا بيت أم هاني !

في مجمع الزوائد(6/175): « دخل رسول الله (ص) على أم هانئ بنت أبي طالب يوم الفتح وكان جائعاً. وقال هل عندك من طعام نأكله ؟ فقالت: ليس عندي إلا كسر يابسة وإني لأستحي أن أقدمها إليك ! فقال: هلمي بهن فكسرهن في ماء وجاءت بملح فقال: هل من إدام ؟ فقالت ما عندي يا رسول الله إلا شئ من خل . فقال: هلميه فصبيه على الطعام فأكل منه ثم حمد الله ثم قال: نعم الإدام . الخل يا أم هانئ لا يفتقر بيت فيه خل».
وذخائر العقبى / 223 ، ومعجم الطبراني الصغير(2 / 67).
لكن عامة المصادر التابعة للخلافة سرقت هذا الحديث فجعلته لعائشة بدل أم هاني ، وجعلته في المدينة بدل مكة . وكذلك يفعلون !
< صفحة > 298 < / صفحة >
< صفحة > 299 < / صفحة >

الفصل الخامس والثمانون : مقامات النبي صلى الله عليه وآله ومكانته في القيامة

(1)

مراحل القيامة قبل افتتاح محكمة المحشر !

تدل الأحاديث الشريفة على أن مراحل الحشر من البرزخ الى محكمة المحشر عديدة:
فالمرحلة الأولى: البرزخ: قال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
ثم مرحلة زرع ذراتهم في الأرض، فتنمو أبدانهم حسب أعمالهم، ثم ترجع اليها أرواحهم. قال تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا. ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا.
ثم مرحلة إخراجهم من الأرض الى المحشر ، قال تعالى: وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ .
وقال تعالى: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ . خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ .
وقال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ . قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ . إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ .
< صفحة > 300 < / صفحة >
وقال تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْئ نُكُرٍ. خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ. مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ .
وقال تعالى: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلاً .
وقال أمير المؤمنين عليه السلام (نهج البلاغة: 1/135): (حتى إذا تصرمت الأمور وتقضت الدهور وأزف النشور ، أخرجهم من ضرائح القبور وأوكار الطيور، وأوجرة السباع ، ومطارح المهالك ، سراعاً إلى أمره ، مهطعين إلى معاده ، رعيلاً صموتاً قياماً صفوفاً ، ينفذهم البصر، ويُسمعهم الداعي، عليهم لبوس الإستكانة ، وضرع الإستسلام والذلة ، قد ضلت الحيل، وانقطع الأمل ، وهوت الأفئدة كاظمة، وخشعت الأصوات مهينمة ، وألجم العرق، وعظم الشفق، وأرعدت الأسماع لزبرة الداعي إلى فصل الخطاب ، ومقايضة الجزاء ، ونكال العقاب ، ونوال الثواب .
عباد مخلوقون اقتداراً، ومربوبون اقتساراً، ومقبوضون احتضاراً، ومضمنون أجداثاً، وكائنون رفاتاً، ومبعوثون أفراداً ، ومدينون جزاء ).
ثم مرحلة التصنيف ، قال تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا.

تفسير أهل البيت عليهم السلام للآية طبيعي منطقي !

  1. قال الإمام الصادق عليه السلام : ( نزلت في أمة محمد صلى الله عليه وآله خاصة ، في كل قرن منهم إمام منا شاهد عليهم ، ومحمد صلى الله عليه وآله شاهد علينا ). (الكافي: 1/190).
    وقال عليه السلام :إمامهم الذي بين أظهرهم وهو قائم أهل زمانه). (الكافي: 1/190).
  2. قال الإمام الباقر عليه السلام : (لما نزلت هذه الآية: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ، قال المسلمون: يا رسول الله ألست إمام الناس كلهم أجمعين؟ فقال صلى الله عليه وآله : أنا رسول الله إلى الناس أجمعين، ولكن سيكون من بعدي أئمة على الناس من الله من أهل بيتي يقومون في الناس
    < صفحة > 301 < / صفحة >
    فيُكَذَّبون ويظلمهم أئمة الكفر والضلال وأشياعهم ، فمن والاهم واتبعهم وصدقهم فهو مني ومعي وسيلقاني، ألا ومن ظلمهم وكذبهم فليس مني ولا معي وأنا منه برئ ) (الكافي: 1/213).
  3. قال الإمام الصادق عليه السلام لمالك الجهني: (إنه ليس من قوم ائتموا بإمامهم في الدنيا إلا جاء يوم القيامة يلعنهم ويلعنونه ، إلا أنتم ). (المحاسن: 1/143) .

هرب المفسرون السنة من هذه الآية !

لاتتعب نفسك فلن تجد تفسيراً للآية في البخاري ومسلم ولا كافة كتب الحديث المعروفة . فقد أجمعوا على رواية كلام ركيك من أبي هريرة قالوا هذا تفسير الآية ، قال الترمذي(4/365): (عن أبي هريرة عن النبي (ص) في قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ، قال: يدعى أحدهم ، فيعطى كتابه بيمينه ، ويمد له في جسمه ستون ذراعاً على صورة آدم ، ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ ، فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعد ، فيقولون: اللهم ائتنا بهذا ، وبارك لنا في هذا ، حتى يأتيهم فيقول لهم: أبشروا، لكل رجل منكم مثل هذا . وأما الكافر فيسود وجهه ويمد له في جسمه ستون ذراعاً على صورة آدم ، ويلبس تاجاً ، فيراه أصحابه فيقولون: نعوذ بالله من شر هذا ، اللهم لا تأتنا بهذا . قال: فيأتيهم فيقولون: اللهم اخزه فيقول: أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم مثل هذا )!
وقد رواه عامتهم كابن حبان(16/346) والحاكم وابن حجر وأبي يعلى والمنذري وغيرهم ، وقدموه لك على أنه تفسير الآية ، زاعمين أن إمامه كتابه !
وهوتفسيرمفسري الدولة الأموية كقتادة ومجاهد ومقاتل والحسن البصري ، فقالوا: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ، أي بنبيهم، أو بكتابهم ، أو بأعمالهم .
< صفحة > 302 < / صفحة >
أما الفخر الرازي فتفلسف في الهرب فقال(21/17):(الداعي إلى الأفعال الظاهرة من تلك الأخلاق الباطنة ، فذلك الخلق الباطن كالإمام له والملك المطاع) .
ومن أقدم من وافقنا وخالف علماء السلطة الطبري فقال (15/159): (وأولى هذه الأقوال عندنا بالصواب قول من قال: معنى ذلك: يوم ندعو كل أناس بإمامهم الذي كانوا يقتدون به ويأتمون به في الدنيا ، لأن الأغلب من استعمال العرب الإمام فيما ائتم واقتدي به ، وتوجيه معاني كلام الله إلى الأشهر أولى ما لم تثبت حجة بخلافه يجب التسليم لها ).
وابن أبي الحديد حيث قال في شرح النهج(9/154): (وأصحابنا كافة قائلون بصحة هذه القضية، وهي أنه لا يدخل الجنة إلا من عرف الأئمة ، ألا ترى أنهم يقولون: الأئمة بعد رسول الله (ص) فلان وفلان ، ويعدونهم واحداً واحداً ، فلو أن إنساناً لا يقول بذلك ، لكان عندهم فاسقاً ، والفاسق لا يدخل الجنة عندهم أبداً ، أعني من مات على فسقه ).
ثم الواحدي النيسابوري فقال في تفسيره (2/642): (ثم يقال هاتوا متبعي الشيطان هاتوا متبعي رؤساء الضلالة ! وهذا معنى قول ابن عباس: إمام هدى وإمام ضلالة ).
ثم الثعلبي فروى في تفسيره (6/115)عن علي عليه السلام قال: ( قال رسول الله (ص): يدعى كل قوم بإمام زمانهم ، وكتاب ربهم ، وسنة نبيهم ) .
وبعد التصنيف والإصطفاف تأتي مرحلة العرض على الله ، قال تعالى: وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا .
وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ . وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ . يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ .
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ .
< صفحة > 303 < / صفحة >
وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ .
والعرض على الله تعالى أوسع مما نفهم من لفظ العرض ، لأنه يعني عرض الإنسان بكل أعماله على ربه عز وجل !
ففي نهج البلاغة (4/104): (قال عليه السلام : الغنى والفقر بعد العرض على الله ) .
أي لا تقل لأحد هو غني أو فقير حتى يتبين أمره بعد العرض على الله تعالى ، لأن العرض يكشف حاله ويعين مصيره .
وبعد مرحلة العرض تبدأ مرحلة التناصف إذ يأمر الله الناس بالتراضي مع بعضهم ، قبل أن يذهبوا الى ساحة المحشر! والتناصف مرحلة مفصلة !
ثم مرحلة العبور من عقبة المحشـر الى ساحة المحشـر ومحكمته ، قال الله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ .
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ .
ثم مرحلة الخشوع والسكوت من الهيبة ، قال الله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا. يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا . يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا . وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا .
(2)

ثم يفتتح نبينا صلى الله عليه وآله المحشر بخطبة فريدة

وقد وَصَفَتْ مصادر الجميع مرحلة الخشوع والسكوت التي تعم المحشر ، ورواها البخاري وفيها نسبة الغضب الى الله تعالى والمعصية الى الأنبياء عليهم السلام !
< صفحة > 304 < / صفحة >
قال في صحيحه (2/225) ملخصاً: (قال النبي(ص): يجمع الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصـر ، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لايطيقون فيقول الناس: ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم ؟ عليكم بآدم، فيأتون آدم عليه السلام فيقولون له: أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا لك ، إشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ، فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم عضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته . نفسي ، نفسي، إذهبوا إلى غيري إذهبوا إلى نوح.
فيذهبون إلى نوح عليه السلام فيعتذر لهم بأنه: كانت لي دعوة دعوتها على قومي! إذهبوا إلى إبراهيم ، فيعتذر بأنه: قد كنت كذبت ثلاث كذبات ! إذهبوا إلى موسى ، فيعتذر لهم بأنه: قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها ! ويقول إذهبوا إلى عيسى فيقول لهم: إذهبوا إلى محمد . فيأتون محمداً فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء ، إشفع لنا إلى ربك! فَأَنْطَلِقُ فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي عز وجل ، ثم يفتح الله عليَّ من محامده ، وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي ، ثم يقال: يا محمد ، إرفع رأسك ، سل تعطه واشفع تشفع . فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب ، أمتي يا رب ، فيقال: يا محمد ، أدخل من أمتك من لاحساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة ، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ).
وهي رواية تطعن في نوح وإبراهيم عليهما السلام ، وتنسب إلى الله تعالى الغضب بدون سبب ! وهي موظفة لمصلحة قريش وأن النبي( ص ) يدخلهم كلهم الجنة !
والصحيح في افتتاح المحشـر ما روته مصادرنا كرواية فرات في تفسيره/437: (قال النبي صلى الله عليه وآله : إن الله تبارك وتعالى إذا جمع الناس يوم القيامة ، وعدني المقام المحمود وهو وافٍ
< صفحة > 305 < / صفحة >
لي به ، إذا كان يوم القيامة نُصب لي منبر له ألف درجة لا كمراقيكم ، فأصعد حتى أعلو فوقه ، فيأتيني جبرئيل بلواء الحمد ، فيضعه في يدي ويقول: يا محمد هذا المقام المحمود الذي وعدك الله تعالى فأقول لعلي: إصعد ، فيكون أسفل مني بدرجة ، فأضع لواء الحمد في يده . ثم يأتي رضوان بمفاتيح الجنة فيقول: يا محمد هذا المقام المحمود ، الذي وعدك الله تعالى ، فيضعها في يدي ، فأضعها في حجر علي بن أبي طالب . ثم يأتي مالك خازن النار فيقول: يا محمد هذا المقام المحمود الذي وعدك الله تعالى ، هذه مفاتيح النار ، أدخل عدوك وعدو ذريتك وعدو أمتك النار ، فآخذها وأضعها في حجر علي بن أبي طالب . فالنار والجنة يومئذ أسمعُ لي ولعلي من العروس لزوجها ، فهو قول الله تبارك وتعالى في كتابه: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ. ألق يا محمد ويا علي عدوكما في النار .
ثم أقوم فأثني على الله ثناء لم يُثْنَ عليه أحد قبلي ، ثم أثني على الملائكة المقربين ، ثم أثني على الأنبياء والمرسلين، ثم أثني على الأمم الصالحين ، ثم أجلس فيثني الله عليَّ، ويثني عليَّ ملائكته ويثني عليَّ أنبياءه ورسله ويثني عليَّ الأمم الصالحة .
ثم ينادي مناد من بطنان العرش: يا معشر الخلائق غضوا أبصاركم حتى تمر بنت حبيب الله إلى قصرها ، فتمر فاطمة بنتي عليها ريطتان خضراوان ، حولها سبعون ألف حوراء»!
وفي رواية العياشي(2/314) عن الإمام الصادق عليه السلام : (وسأله رجل عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله : أنا سيد ولد آدم ولا فخر . قال عليه السلام : نعم يأخذ صلى الله عليه وآله حلقة باب الجنة فيفتحها فيخر ساجداً فيقول الله: إرفع رأسك ، إشفع تشفع ، أطلب تُعط ، فيرفع رأسه ثم يخر ساجداً فيقول الله: إرفع رأسك إشفع تشفع واطلب تُعط، ثم يرفع رأسه فيشفع فيشفع ، ويطلب فيعطى ) .
< صفحة > 306 < / صفحة >
وقال النبي صلى الله عليه وآله (الخصال/580): (ياعلي إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش:أين سيد الأنبياء ، فأقوم.ثم ينادي أين سيد الأوصياء فتقوم) .
وفي بصائر الدرجات/436 ، بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وآله يقول: إذا سألتم الله فسلوه الوسيلة. قال: فسألنا النبي صلى الله عليه وآله عن الوسيلة قال: هي درجتي في الجنة ، وهي ألف مرقاة ، ما بين مرقاة إلى مرقاة جوهرة ، إلى مرقاة زبرجدة ، إلى مرقاة ياقوتة ، إلى مرقاة لؤلوة ، إلى مرقاة ذهبة ، إلى مرقاة فضة ، فيؤتى بها يوم القيمة حتى تنصب مع درجة النبيين ، فهي في درجة النبيين كالقمر بين الكواكب ، فلا يبقى يومئذ نبي ولاصديق ولا شهيد إلا قالوا طوبى لمن له هذه الدرجة فيأتي النداء من عند الله تبارك وتعالى يسمع النبيين والصديقين والشهداء والمؤمنين: هذه درجة محمد . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أُقْبِلُ أنا يومئذ متزراً بريطة من نور ، على تاج الملك وإكليل الكرامة ، وعلي بن أبي طالب أمامي ، بيده لوائي وهو لواء الحمد ، مكتوب عليه: لا إله إلا الله المفلحون هم الفائزون بالله . فإذا مررنا بالنبيين قالوا: هذان ملكان مقربان ، وإذا مررنا بالملائكة قالوا هذا نبيان مرسلان ، وإذا مررنا بالمؤمنين قالوا نبيان لم نرهما و لم نعرفهما ، حتى أعلو تلك الدرجة وعليٌّ يتبعني، فإذا صرت في أعلى الدرجة وعليٌّ أسفل مني بدرجة ، وبيده لوائي فلا يبقى يومئذ ملك ولا نبي ولا صديق ولا شهيد ولا مؤمن إلا رفعوا رؤوسهم إلينا ويقولون: طوبى لهذين العبدين ما أكرمهما على الله . فيأتي النداء من عند الله يسمع النبيين والخلايق: هذا محمد حبيبي ، وهذا علي وليي ، طوبى لمن أحبه ، وويل لمن أبغضه وكذب عليه ).

خلط رجل بين مراحل المحشر فتصور أن القرآن متناقض !

فقد روى الصدوق في التوحيد/254: (عن أبي معمر السعداني ، أن رجلاً أتى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين ، إني قد شككت في كتاب الله المنزل!
قال له عليه السلام : ثكلتك أمك ، وكيف شككت في كتاب الله المنزل !
< صفحة > 307 < / صفحة >
قال: لأني وجدت الكتاب يكذب بعضه بعضاً ، فكيف لا أشك فيه !
فقال علي عليه السلام : إن كتاب الله ليصدق بعضه بعضاً ، ولا يكذب بعضه بعضاً ولكنك لم ترزق عقلاً تنتفع به! فهات ما شككت فيه من كتاب الله عز وجل! قال له الرجل: إني وجدت الله يقول: فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا . وقال أيضاً: نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ . وقال: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا . فمرة يخبر أنه ينسى ، ومرة يخبر أنه لا ينسى ، فأنَّى ذلك يا أمير المؤمنين؟
قال: هات ما شككت فيه أيضاً.فذكر عدة آيات.. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : هات ويحك ما شككت فيه . قال: وأجد الله عز وجل يقول: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ . إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ . ويقول: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَيُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . ويقول: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى .
قال عليه السلام : هات أيضاً ويحك ، ما شككت فيه .قال: وأجد الله جل ثناؤه يقول: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا . وقال: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَلَ مَرَّةٍ . وقال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَاتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ . وقال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَاتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَاتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَاتِى بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا. فمرة يقول: يوم يأتي ربك ، ومرة يقول: يوم يأتي بعض آيات ربك ، فأنى ذلك يا أمير المؤمنين ، وكيف لا أشك فيما تسمع!
قال: هات ويحك ما شككت فيه . . فذكر آيات حتى أكملها:
فقال علي عليه السلام : قُدُّوسٌ رَبُّنَا قُدُّوس ، تبارك وتعالى علواً كبيراً ، نشهد أنه هو الدائم الذي لا يزول ولا نشك فيه ، وليس كمثله شئ وهو السميع البصير ، وأن الكتاب حق والرسل حق ، وأن الثواب والعقاب حق . فإن رزقت زيادة إيمان أو حرمته فإن ذلك
< صفحة > 308 < / صفحة >
بيد الله إن شاء رزقك وإن شاء حرمك ذلك . ولكن سأعلمك ما شككت فيه ولا قوة إلا بالله .
أما قوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا . وقوله: وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ . وقوله: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا . وقوله: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ . وقوله: قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ . وقوله: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ . فإن ذلك في موطن غير واحد من مواطن ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة ، يجمع الله عز وجل الخلائق يومئذ في مواطن ، ويكلم بعضهم بعضاً ، ويستغفر بعضهم لبعض ، أولئك الذين كان منهم الطاعة في دار الدنيا . ويلعن أهل المعاصي الرؤساء والأتباع الذين بدت منهم البغضاء ، وتعاونوا على الظلم والعدوان في دار الدنيا ، المستكبرين والمستضعفين، يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضاً . والكفر في هذه الآية البراءة ، يقول: يبرأ بعضهم من بعض .
ونظيرها في سورة إبراهيم قول الشيطان: إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ . وقول إبراهيم خليل الرحمن: كَفَرْنَا بِكُمْ . يعني تبرأنا منكم .
ثم يجتمعون في موطن آخر يبكون فيه ، فلو أن تلك الأصوات بدت لأهل الدنيا لأذهلت جميع الخلق عن معائشهم ، ولتصدعت قلوبهم إلا ما شاء الله فلا يزالون يبكون الدم .
ثم يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيه فيقولون: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْـرِكِينَ ، فيختم الله تبارك وتعالى على أفواههم ، ويستنطق الأيدي والأرجل والجلود فتشهد بكل معصية كانت منهم .
< صفحة > 309 < / صفحة >
ثم يرفع عن ألسنتهم الختم فيقولون لجلودهم: لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَئٍ .
ثم يجتمعون في موطن آخر فيُستنطقون ، فيَفِرُّ بعضهم من بعض ، فذلك قوله عز وجل: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ . فيُستنطقون فـ: لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ، فيقوم الرسل صلى الله عليهم فيشهدون في هذا الموطن ، فذلك قوله: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا .
ثم يجتمعون في موطن آخر ، يكون فيه مقام محمد صلى الله عليه وآله وهو المقام المحمود ، فيثني على الله تبارك وتعالى بما لم يُثْنَ عليه أحد قبله ، ثم يثني على الملائكة كلهم ، فلا يبقى ملك إلا أثنى عليه محمد صلى الله عليه وآله ، ثم يثني على الرسل بما لم يثن عليهم أحد قبله ، ثم يثني على كل مؤمن ومؤمنة ، يبدأ بالصديقين والشهداء ثم بالصالحين ، فيحمده أهل السماوات والأرض . فذلك قوله: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا . فطوبى لمن كان له في ذلك المقام حظ ، وويل لمن لم يكن له في ذلك المقام حظ ولا نصيب .
ثم يجتمعون في موطن آخر ويدال بعضهم من بعض. وهذا كله قبل الحساب فإذا أخذ في الحساب شغل كل إنسان بما لديه ، نسأل الله بركة ذلك اليوم .
قال: فرجت عني فرج الله عنك يا أمير المؤمنين ، وحللت عني عقدة فعظم الله أجرك . فقال عليه السلام : فأما قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ . إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ . فإن ذلك في موضع ينتهي فيه أولياء الله عز وجل بعد ما يفرغ من الحساب ، إلى نهر يسمى الحيوان فيغتسلون فيه ويشربون منه ، فتنضُـر وجوههم إشراقاً ، فيذهب عنهم كل قذى ووَعَث ، ثم يؤمرون بدخول الجنة ، فمن هذا المقام ينظرون إلى ربهم كيف يثيبهم ، ومنه يدخلون الجنة ، فذلك قوله عز وجل من تسليم الملائكة عليهم: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ . فعند ذلك أيقنوا بدخول الجنة والنظر إلى ما وعدهم ربهم فذلك قوله: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ . وإنما النظر إليه النظر
< صفحة > 310 < / صفحة >
إلى ثوابه تبارك وتعالى.. إلى أن قال عليه السلام : وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا جبرئيل هل رأيت ربك ؟ فقال جبرئيل: إن ربي لا يرى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : فمن أين تأخذ الوحي؟ فقال: آخذه من إسرافيل فقال: ومن أين يأخذه إسرافيل ؟ قال: يأخذه من ملك فوقه من الروحانيين قال: فمن أين يأخذه ذلك الملك ؟ قال: يقذف في قلبه قذفاً فهذا وحي ، وهوكلام الله عز وجل ، وكلام الله ليس بنحو واحد ، منه ما كلم الله به الرسل ، ومنه ما قذفه في قلوبهم ، ومنه رؤيا يريها الرسل ، ومنه وحي وتنزيل يتلى ويقرأ ، فهو كلام الله.فاكتفِ بما وصفت لك من كلام الله ، فإن معنى كلام الله ليس بنحو واحد، فإن منه ما يبلغ به رسل السماء رسل الأرض. قال: فرجت عني فرج الله عنك ، وحللت عني عقدة ، فعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين ) .
فمواقف القيامة قبل المحاكمة متعددة ، وقد ذكر أمير المؤمنين عليه السلام ستة منها .
< صفحة > 311 < / صفحة >
(3)

لواء الحمد ورئاسة المحشر لنبينا صلى الله عليه وآله

في أمالي الصدوق/178، قال النبي صلى الله عليه وآله : (فأُقبلُ وأنا يومئذ متزر بريطة من نور، عليَّ تاج الملك وإكليل الكرامة ، وعلي بن أبي طالب أمامي ، وبيده لوائي وهو لواء الحمد ، مكتوب عليه: لا إله إلا الله ، المفلحون هم الفائزون بالله .
ثم قال أبو عبد الله: ما من نبي من ولد آدم إلى محمد صلوات الله عليهم إلا وهم تحت لواء محمد صلى الله عليه وآله ) .
وفي الخصال/415: «عن زيد بن أرقم: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : أعطيت فيك يا علي تسع خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة واثنتان لك وواحدة أخافها عليك ، فأما الثلاثة التي في الدنيا فإنك وصيي وخليفتي في أهلي وقاضي ديني ، وأما الثلاث التي في الآخرة فإني أعطى لواء الحمد فأجعله في يدك ، وآدم وذريته تحت لوائي ، وتعينني على مفاتيح الجنة ، وأحكمك في شفاعتي لمن أحببت ، وأما اللتان لك فإنك لن ترجع بعدي كافراً ولا ضالاً . وأما التي أخافها عليك فغدرة قريش بك بعدي » .
وفي أمالي الصدوق/402: (ألا وإني أخبرك يا علي أن أمتي أول الأمم يحاسبون يوم القيامة، ثم أبشرك يا علي أن أول من يدعى يوم القيامة يدعى بك ، هذا لقرابتك مني ومنزلتك عندي ، فيدفع إليك لوائي ، وهو لواء الحمد ، فتسير به بين السماطين ، وإن آدم وجميع من خلق الله يستظلون بظل لوائي يوم القيامة ، وطوله مسيرة ألف سنة ، سنانه ياقوتة حمراء ، قضيبه فضة بيضاء ، زُجُّهُ درة خضراء ، له ثلاث ذوائب من نور ذوابة في المشرق ، وذؤابة في المغرب ، وذؤابة في وسط الدنيا مكتوب عليها ثلاثة أسطر، الأول: بسم الله الرحمن الرحيم ، والآخر: الحمد لله رب العالمين ، والثالث: لا إله إلا الله ، محمد رسول الله . طول كل سطر مسيرة ألف سنة ، وعرضه مسيرة ألف سنة.
< صفحة > 312 < / صفحة >
فتسير باللواء والحسن عن يمينك والحسين عن يسارك ، حتى تقف بيني وبين إبراهيم في ظل العرش ، فتكسي حلة خضراء من حلل الجنة ، ثم ينادي مناد من عند العرش: نعم الأب أبوك إبراهيم ونعم الأخ أخوك علي، ألا وإني أبشرك ياعلي أنك تدعى إذا دعيت ، وتكسى إذا كسيت ، وتحيا إذا حييت ).
(4)

الأعراف مركز رئاسة المحشر

  1. قال الله تعالى: وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ . وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ . وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ .
    وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ . أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ لاخَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ . وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ . الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ .
  2. قال في الصحاح (4/1401): (العُرْف والعُرُف: الرمل المرتفع ).
    والأعراف في المحشر منطقة مرتفعة تسمى الأعراف وهي كثبان مسك ، مركز رئاسة المحشر وموقف النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام ، ويرى منها الصـراط والجنة والنار، بنظام الرؤية هناك . وذكر رواة السلطة كثيب المسك ، وأنه يقف عليه المؤذن ، وإمام الجماعة ، والعبد المستضعف ، لكن لم يذكروا فيه النبي وآله صلى الله عليه وآله ! (الترمذي: 3/239، وأحمد: 2/26، وشعب الإيمان: 3/120، والترغيب (3/26 ).
    وقد استوفيناه في الولادات الثلاث .
    ورجال الأعراف بأسانيد صحيحة مستفيضة هم النبي وآله صلى الله عليه وآله ، فقد أسند الحديث التالي إلى الإمام الصادق عليه السلام بنحو القطع كلٌّ من الشيخ الطوسي في التبيان(4/410) والطبرسي في
    < صفحة > 313 < / صفحة >
    الجوامع(1/659، و: 4/261) وابن إدريس في المنتخب(1/319 ) قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام : الأعراف كثبان بين الجنة والنار ، فيوقف كل نبي وخليفته مع المذنبين من أهل زمانه ، كما يقف صاحب الجيش مع الضعفاء من جنده ، وقد سبق المحسنون إلى الجنة ، فيقول ذلك الخليفة للمذنبين الواقفين: أنظروا إلى إخوانكم المحسنين قد سبقوا إلى الجنة . فيسلمون عليهم وذلك قوله: وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ . أصحاب الجنة أن سلام عليكم . ثم أخبر سبحانه أنهم: لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ، يعني هؤلاء المذنبين لم يدخلوا الجنة، وهم يطمعون أن يدخلوها بشفاعة النبي والإمام ، وينظر هؤلاء المذنبون إلى أهل النار فيقولون: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .
  3. سئل الإمام الباقر عليه السلام عن رجال الأعراف فقال: (هم أكرم الخلق على الله). (بصائر الدرجات/520). أما أصحاب الأعراف فهم جماعة من شيعتهم استوت حسناتهم وسيآتهم ، ولم يدخلوا الجنة وهم يطمعون بشفاعتهم .
    وفي تفسيرالقمي(1/231) بسند صحيح عن الإمام الصادق عليه السلام : (قال: الأعراف كثبان بين الجنة والنار، والرجال الأئمة صلوات الله عليهم ، يقفون على الأعراف مع شيعتهم ، وقد سيق المؤمنون إلى الجنة بلا حساب ، فيقول الأئمة لشيعتهم من أصحاب الذنوب: أنظروا إلى إخوانكم في الجنة قد سِيقوا إليها بلاحساب، وهو قوله تبارك وتعالى: سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ. ثم يقال لهم: أنظروا إلى أعدائكم في النار، وهو قوله: وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لاتَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ . في النار: قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ. في الدنيا: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ.ثم يقولون لمن في النار من أعدائهم: أهؤلاء شيعتي وإخواني الذين كنتم أنتم تحلفون في
    < صفحة > 314 < / صفحة >
    الدنيا أن لا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ. ثم يقول الأئمة لشيعتهم: اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ).
    وقد ورد ذكر كَثِيبُ المِسْك في المحشر وأنه مركز قيادة النبي صلى الله عليه وآله ، في حديث مجئ نوح عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله (الكافي: 8/267): (فيخرج نوح عليه السلام فيتخطى الناس حتى يجئ إلى محمد صلى الله عليه وآله ، وهو على كثيب المسك ، ومعه علي عليه السلام ).
    وهو يؤيد مارواه البخاري (5/151): (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يدعى نوح يوم القيامة ، فيقول لبيك وسعديك يا رب. فيقول: هل بلغت ؟ فيقول: نعم. فيقال لأمته: هل بلغكم؟فيقولون: ما أتانا من نذير! فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته ، فيشهدون أنه قد بلغ ) .
    وفي شعب الإيمان (1/248): (فيؤتى بكم فتشهدون أنه قد بلغ ، وذلكم قول الله عز وجل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) .
    والذين يشهدون من أمته صلى الله عليه وآله يختارهم هو ويرسلهم الى المحكمة للشهادة .
    (5)

يعطي الله لنبينا صلى الله عليه وآله مفاتيح الجنة والنار

وخبره مستفيض في مصادرنا ومعناه أن الله تعالى يجعل نبيه صلى الله عليه وآله الآمرالناهي فيهما ويسلم أمرهما اليه ، فيدخل من أراد الجنة ومن أراد النار . وطبيعي أن يكون عمل النبي صلى الله عليه وآله بقوانين حق وضعها الله تعالى .
وظاهر روايته أن المفاتيح شيئ مادي ، ولا يجب أن تكون مفاتيح حقيقية ، فقد تكون مرسوماً إلهياً بالإمرة على النار والجنة ، فتسمعان وتطيعانه .
< صفحة > 315 < / صفحة >
وعدد من رواياته بسند صحيح كرواية بصائر الدرجات/436: (عن أبي سعيد الخدري قال كان النبي صلى الله عليه وآله يقول إذا سألتم الله فسلوه الوسيلة قال فسألنا النبي صلى الله عليه وآله عن الوسيلة.. الخ. وقد تقدم.
وحديث النبي صلى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام (أمالي الصدوق/524): (يا فاطمة لا تبكين ، إذا كان يوم القيامة ينادي مناد في أهوال ذلك اليوم: يا محمد ، نعم الجد جدك إبراهيم خليل الرحمن، ونعم الأخ أخوك علي بن أبي طالب .يا فاطمة ، علي يعينني على مفاتيح الجنة ، وشيعته هم الفائزون يوم القيامة غدا في الجنة) .
وحديث المنصور الدوانيقي المفصل في فضل أمير المؤمنين والحسنين عليهم السلام (أمالي الصدوق/520). وحديث زيد بن أرقم (الخصال/415): (قال: رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : أعطيت فيك يا علي تسع خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة واثنتان لك وواحدة أخافها عليك ، فأما الثلاثة التي في الدنيا فإنك وصيي وخليفتي في أهلي وقاضي ديني ، وأما الثلاث التي في الآخرة فاني اعطى لواء الحمد فأجعله في يدك وآدم وذريته تحت لوائي ، وتعينني على مفاتيح الجنة ، وأحكمك في شفاعتي لمن أحببت ، وأما اللتان لك فإنك لن ترجع بعدي كافرا ولا ضالا ، وأما التي أخافها عليك فغدرة قريش بك بعدي يا علي ).ورواه من السنة ابن عساكر ( 42/ 331) .
وروى نحوه في سبل الهدى (10 /389) عن أبي نعيم عن ابن عباس قال: ( قال رسول الله (ص): أرسلت إلى الجن والإنس والى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم دون الأنبياء ، وجعلت لي الأرض كلها مسجداً وطهوراً ، ونصرت بالرعب أمامي شهراً ، وأعطيت خواتم سورة البقرة ، وكانت من كنوز العرش ، وخصصت بها دون الأنبياء ، وأعطيت المثاني مكان التوراة والمئين مكان الإنجيل ، والحواميم مكان الزبور ، وفصلت بالمفصل
< صفحة > 316 < / صفحة >
وأنا سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة ، ولا فخر ، وأنا أول من تنشق الأرض عني ، وعن أمتي ولا فخر بيدي لواء الحمد يوم القيامة ، وجميع الأنبياء تحته ولا فخر ، والي مفاتيح الجنة يوم القيامة ولا فخر ، وبي تفتح الشفاعة ولا فخر ، وأنا سابق الخلق إلى الجنة ولا فخر ، وأنا أمامهم وأمتي بالأثر ) .
وقد رد ذلك المتعصبون على علي عليه السلام كابن حجر، فقال في لسان الميزان (4/266): (عن علي بن هلال الأحمسي عن شريك عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس .. ثم قال: فهذا المتن مركب على هذا الإسناد ولا يحتمل شريك هذا ، ولا أحد من رجاله . فالآفة من علي بن هلال فيما أرى).
(6)

نبينا صلى الله عليه وآله صاحب حوض الكوثر !

وظيفة حوض الكوثر

قلنا في الولادات الثلاث: يخرج الناس من قبورهم فيصنفون ويعرضون على الله تعالى ويعين لكل واحد منهم مكان يسكن وينام فيه ، ويرجع اليه من عمله، ويفجر منه عيناً أو ساقية ، يغتسل فيها ويشرب منها .
أما طعامه فمن تراب الأرض، ويكون تراباً نقياً كالخبزة البيضاء طيب الطعم يتمثل كله في بدن الإنسان ولا تكون له فضلات ، فأهل المحشر وأهل الجنة لايتغوطون ولايبولون ، ولا ثقوب لهم من الخلف ، وفضلات أبدانهم عرق كالماء ، وقد يجري عرقهم على الأرض .
< صفحة > 317 < / صفحة >
قال الباقر عليه السلام :(إن الله عز وجل يقول:يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ. فيحشر الناس يوم القيامة على الأرض،وتكون لهم كالخبزة النقية يأكلون منها وأنهار متفجرة يشربون منها، إلى أن يفرغ من حسابهم) . (شرح الأخبار: 3 /280).
لذلك فإن حوض النبي صلى الله عليه وآله في المحشر أو حوض الكوثر له وظيفة أخرى غير شرب أهل المحشر ، وقد ورد وصفه بأن من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً ، ومعناه أن تركيب بدنه وخلاياه تتغير، فيكون أهلاً لدخول الجنة ومن يحرم منه لايكون من أهلها.
أما قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ . فمعناه: أعطيناك حوض الكوثر في المحشـر ، ونهر الكوثر في الجنة ، وكوثر الذرية من فاطمة سلام الله عليها وعليهم .

وصف حوض الكوثر

قال الصدوق في الإعتقادات/43: (إعتقادنا في الحوض: أنه حق ، وأن عرضه ما بين أيلة وصنعاء ، وهو للنبي صلى الله عليه وآله ، والساقي عليه يوم القيامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، يسقي منه أولياءه ويذود عنه أعداءه ، ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً ).
وأيلة في فلسطين وبينها وبين صنعاء نحو ألفي كيلو متر ، وقد يكون ذكرها وذكر صنعاء من باب التمثيل ، والمعنى أن حوض الكوثر كبير عريض طويل .
وفي أمالي الطوسي/228: ( عن أبي أيوب الأنصاري: أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عن الحوض فقال: أما إذا سألتموني عنه فأخبركم أن الحوض أكرمني الله به وفضلني على من كان قبلي من الأنبياء ، وهو ما بين أيلة وصنعاء ، فيه من الآنية عدد نجوم السماء ، يسيل فيه خليجان من الماء ، ماؤه أشد بياضاً من اللبن ، وأحلى من العسل ، حصاه الزمرد والياقوت ، بطحاؤه مسك أذفر شرطٌ مشروط من ربي ، لا يرده أحد من أمتي إلا النقية
< صفحة > 318 < / صفحة >
قلوبهم ، الصحيحة نياتهم ، المسلمون للوصي من بعدي ، الذين يعطون ما عليهم في يسر ، ولا يأخذون ما عليهم في عسر ، يذود عنه يوم القيامة من ليس من شيعته كما يذود الرجل البعير الأجرب من إبله ، من شرب منه لم يظمأ أبداً ) .
وفي كامل الزيارة/204: ( وإن المتوجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته فرحة لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتى يرد علينا الحوض . وإن الكوثر ليفرح بمحبنا إذا ورد عليه حتى أنه ليذيقه من ضروب الطعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه . يا مِسْمَع ، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً ، ولم يستق بعدها أبداً ، وهو في بَرْدِ الكافور ، وريح المسك، وطعم الزنجبيل . أحلى من العسل ، وألين من الزبد ، وأصفى من الدمع ، وأذكى من العنبر . يخرج من تسنيم ، ويمر بأنهار الجنان ، يجري على رضراض الدر والياقوت . فيه من القدحان أكثر من عدد نجوم السماء ، يوجد ريحه من مسيرة ألف عام ، قدحانه من الذهب والفضة وألوان الجوهر . يفوح في وجه الشارب منه كل فائحة ، حتى يقول الشارب منه: يا ليتني تُركت هاهنا ، لا أبغي بهذا بدلاً ، ولا عنه تحويلاً . أما إنك يا كردين ممن تُرْوَى منه ، وما من عين بكت لنا إلا نعمت بالنظر إلى الكوثر ، وسقت منه من أحبنا . وإن الشارب منه ليعطي من اللذة والطعم والشهوة له أكثر مما يعطاه من هو دونه في حبنا .
وإن على الكوثر أمير المؤمنين عليه السلام وفي يده عصا من عوسج يحطم بها أعداءنا فيقول الرجل منهم: إني أشهد الشهادتين . فيقول: إنطلق إلى إمامك فلان فاسأله أن يشفع لك. فيقول: يتبرأ مني إمامي الذي تذكره ، فيقول: إرجع إلى ورائك فقل للذي كنت تتولاه وتقدمه على الخلق ، فاسأله إذا كان خير الخلق عندك أن يشفع لك ، فإن خير الخلق
< صفحة > 319 < / صفحة >
حقيق أن لا يرد إذا شفع ! فيقول: إني أهلك عطشاً . فيقول له: زادك الله ظمأ ، وزادك الله عطشاً ) .
وقال علي عليه السلام (الخصال/624): (أنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومعي عترتي وسبطاي على الحوض، فمن أرادنا فليأخذ بقولنا وليعمل عملنا ، فإن لكل أهل بيت نجيباً ولنا شفاعة ، ولأهل مودتنا شفاعة ، فتنافسوا في لقائنا على الحوض ، فإنا نذود عنه أعداءنا ونسقي منه أحباءنا وأولياءنا ، ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً . حوضنا مُترع ، فيه مَثْعَبان ينصبَّان من الجنة ، أحدهما من تسنيم والآخر من معين ، على حافتيه الزعفران ، وحصاه اللؤلؤ والياقوت ، وهو الكوثر) .
وقال الثعلبي في تفسيره(10/ 309): ( جاء في الأخبار أن رسول الله(ص)وصف حوض الكوثر فقال: حصباؤه الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر والدر والمرجان وحمأتهُ المسك الأذفر وترابه الكافور ، وماءه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأبرد من الثلج ، يخرج من أصل السدرة عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب ، حافتاه الزعفران وقباب الدر والمرجان ، من دخله أمن من الغرق ، ولا يشرب منه أحد فيظمأ ، ولا يتوضأ منه أحد فيشعث ، فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر ) .
وفي البخاري(7 /207): (قال النبي (ص): حوضي مسيرة شهر ، ماؤه أبيض من اللبن ، وريحه أطيب من المسك ، وكيزانه كنجوم السماء ، من شرب منه فلا يظمأ أبداً ).

الممنوعون من الورود على الحوض

روى البخاري(7/206): (عن النبي(ص)قال: أنا فرطكم على الحوض وليرفعن رجال منكم ثم ليختلجن دوني فأقول يا رب أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)!
< صفحة > 320 < / صفحة >
وروى البخاري(7/208): (قال النبي(ص): بينا أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمَّ ، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله! قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى. ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم قلت: أين؟ قال: إلى النار والله! قلت ما شأنهم؟ قال إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ! فلا أراه يخلص منهم إلا مِثْلُ هَمَل النَّعَم) .
أي يؤمر بالصحابة الى النار لأنهم انحرفوا ، ولا ينجو منهم إلا أقل القليل !

ندم أئمة المذاهب على روايتهم طرد الصحابة عن الحوض!

قال الصديق المغربي في فتح الملك العلي/151: (حكي عن مالك أنه قال: ما ندمت على حديث أدخلته في الموطأ إلا هذا الحديث !
وعن الشافعي أنه قال: ما علمنا في كتاب مالك حديثاً فيه إزراء على الصحابة إلا حديث الحوض ، ووددنا أنه لم يذكره )!
ومعنى كلامهما أنهما أعلنا الندم على رواية أحاديث النبي صلى الله عليه وآله في طرد الصابة عن الحوض ، وتمنيا أنهمايطمساها حتى لا يفتحا باب الطعن على الصحابة !
فاعجب لإمامي مذهبين يتأسفان لأنهما لم يتوفقا لإخفاء الحق وطمسه ، وتحريف الدين ، والله أعلم كم أخفيا وطمسا من ذم الصحابة وانحرافهم !

لم يؤمن الأمويون بحوض النبي صلى الله عليه وآله

كان بعض الحكام الأمويون يسخر من أحاديث حوض محمد صلى الله عليه وآله ، وأن آمر السقاية عليه علي عليه السلام ! وكان عبيد الله بن زياد حاكم العراق وإيران يتجاهر بالتكذيب بالحوض! قال الحاكم(1/75 )إن أبا سبرة سمع ابن زياد يسأل عن الحوض حوض محمد فقال: ما أراه حقاً ! وبعد ما سأل أبا برزة الأسلمي ، والبراء بن عازب ، وعائذ بن عمرو ، قال: ما أصدق هؤلاء ! الخ .
< صفحة > 321 < / صفحة >
ويظهر أن السخرية الأموية أثرت في الناس ، فبعد نصف قرن ، أراد عمر بن عبد العزيز أن يتثبت من صحة أحاديث الحوض! فأرسل إلى المدينة في إحضار صحابي كبير السن، لكي يسمع منه الحديث مباشرة !
فقد روى البيهقي في شعب الإيمان ( 8 / 243 ): ( أن عمر بن عبد العزيز بعث إلى أبي سلام الحبشي ، وحمل على البريد حتى قدم عليه فقال: إني بعثت إليك أشافهك حديث ثوبان في الحوض! فقال أبو سلام: سمعت ثوبان يقول سمعت رسول الله (ص) يقول: حوضي من عدن أبين إلى عمان البلقاء ، أكوازه مثل عدد نجوم السماء ، ماؤه أحلى من العسل ، أشد بياضاً من اللبن ، من شرب منه شَربة لم يظمأ بعدها أبداً ، أول من يرد علي فقراء أمتي ) .
وهذا يدل على تأثير التشكيك الأموي حتى على متدينيهم كابن عبد العزيز !
(7)

الصراط جسر من الأرض الى الجنة يمر فوق النار

روى الجميع في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا . ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا . أن جسراً ينصب من أرض المحشر إلى الجنة ، ويؤمر الناس بالعبور عليه، فيعبر المؤمنون إلى الجنة ، ويتساقط المجرمون من الجسر إلى مكان ما من جهنم ، ثم يساقون اليها زمراً .
قال الصدوق في الإعتقادات/70:(إعتقادنا في الصراط أنه حق وأنه جسرجهنم وأن عليه ممر جميع الخلق..والصراط في وجه آخر: إسم حجج الله ، فمن عرفهم في الدنيا وأطاعهم أعطاه الله جوازاًعلى الصراط .
وقال النبي صلى الله عليه وآله لعلي: يا علي إذا كان يوم القيامة أقعد أنا وأنت وجبرئيل على الصراط ، فلا يجوز على الصراط إلا من كانت معه براءة بولايتك ) .
< صفحة > 322 < / صفحة >
وروى ابن عباس وأنس عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا كان يوم القيامة ونُصب الصراط على جهنم ، لم يَجُزْ عليه إلا من معه جواز فيه ولاية علي بن أبي طالب ، وذلك قوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ » . (المناقب: 2/7 ، وأمالي الطوسي/290 ) .
وأورد السيد الميلاني في نفحات الأزهار ( 20 / 382 ) مصادر هذا الحديث عن البيهقي والحاكم وأبي نعيم وغيرهم ، وصححه ورد نقد بعضهم لسنده ومتنه .
وفي تفسير القمي( 1 / 29 ) عن الإمام الصادق عليه السلام في وصف الصراط: (هو أدق من الشعر ، وأحد من السيف ، فمنهم من يمر عليه مثل البرق ، ومنهم من يمر عليه مثل عَدْوِ الفرس ، ومنهم من يمر عليه ماشياً ، ومنهم من يمر عليه حبواً،ومنهم من يمر عليه متعلقاً فتأخذ النار منه شيئاً وتترك منه شيئاً).
وفي أمالي الصدوق/301: (عن عبد الرحمن بن سمرة قال:كنا عند رسول الله يوماً فقال: إني رأيت البارحة عجائب. قال فقلنا: يا رسول الله وما رأيت ، حدثنا به فداك أنفسنا وأهلونا وأولادنا. ورأيت رجلاً من أمتي على الصراط يرتعد كما ترتعد السعفة في يوم ريح عاصف ، فجاءه حسن ظنه بالله ، فسكَّن رعدته ومضى على الصراط . ورأيت رجلاً من أمتي على الصراط ، يزحف أحياناً ، ويحبو أحياناً ، ويتعلق أحياناً ، فجاءته صلاته عليَّ فأقامته على قدميه ومضى على الصراط ) .
الآمر على الصراط النبي صلى الله عليه وآله والمنفذ علي عليه السلام
في أمالي الطوسي/628: ( عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة يأمر الله عز وجل فأقعد أنا وعلي على الصراط ويقال لنا: أدخلا الجنة من آمن بي وأحبكما ، وأدخلا النار من كفر بي وأبغضكما !
ثم قال أبو سعيد: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما آمن بالله من لم يؤمن بي ، ولم يؤمن بي من لم يتول أو قال لم يحب علياً ، وتلا: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ) !
< صفحة > 323 < / صفحة >
وفي فضائل الشيعة للصدوق/4: ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ألا ومن أحب علياً جاز على الصراط كالبرق الخاطف . ألا ومن أحب علياً كُتب له براءة من النار ، وجوازٌ على الصراط ، وأمانٌ من العذاب ) .
وفي بشارة المصطفى/311: ( عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة أمرني الله عز وجل وجبرئيل فنقف على الصراط ، فلا يجوز أحد إلا بجواز من علي ) .
وقال السيد الحميري:
قولُ عليٍّ لحارثٍ عجبٌ
كمْ ثَمَّ أعجوبةٌ لهُ حملا
يا حار همدان من يَمُتْ يرني
من مؤمن أو منافق قُبَلا
يعرفني طرفُهُ وأعرفُه
بنعتهِ واسْمِهِ ومَا فَعَلا
وأنت عند الصـراط تعرفُني
فلا تخف عثرةً ولا زللا
وفي أمالي الصدوق/350: (عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قالت فاطمة عليها السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله : يا أبتاه ، أين ألقاك يوم الموقف الأعظم ، ويوم الأهوال ، ويوم الفزع الأكبر ؟ قال: يا فاطمة ، عند باب الجنة ، ومعي لواء الحمد ، وأنا الشفيع لأمتي إلى ربي . قالت: يا أبتاه ، فإن لم ألقك هناك ؟ قال: إلقيني على الحوض وأنا أسقي أمتي . قالت: يا أبتاه ، فإن لم ألقك هناك ؟ قال: إلقيني على الصـراط وأنا قائم أقول: رب سلم أمتي ، قالت: فإن لم ألقك هناك ؟ قال: إلقيني وأنا عند الميزان أقول: رب سلم أمتي . قالت: فإن لم ألقك هناك ؟ قال: القيني عند شفير جهنم أمنع شررها ولهبها عن أمتي . فاستبشرت فاطمة عليها السلام بذلك ) .
أقول: أشك في صحة هذا الحديث لأن مكانة الزهراء صلوات الله عليها في القيامة ليست كبنت تبحث عن أبيها ! فهي على الأعراف وهي مع أبيها النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام .
< صفحة > 324 < / صفحة >
وجعلوا حديث فاطمة لأنس ! فقد رواه الترمذي وأحمد (3/178): (عن أنس قال سألت نبي الله أن يشفع لي يوم القيامة قال أنا فاعل قال فأين أطلبك يوم القيامة يا نبي الله قال أطلبني أول ما تطلبني على الصـراط قال قلت فإذا لم ألقك على الصراط قال فأنا عند الميزان . قال قلت فإن لم ألقك عند الميزان ، قال: فأنا عند الحوض .لا أخطئ هذه الثلاث مواطن يوم القيامة )
وجعلوا شبيهه لعائشة قالت (مسند أحمد: 6/110): (قلت يا رسول الله هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال يا عائشة أما عند ثلاث فلا ، وذكر الميزان وتطاير الكتب وخروج عنق من النار) .

ملحمة الأعمش مع المنصور الدوانيقي

لسليمان الأعمش رحمه الله مع الطاغية المنصور الدوانيقي أخبار وأحاديث منها موقفه لما أرسل له المنصور أبا حنيفة لينصحه بأن يكف عن رواية أحاديث فضائل أمير المؤمنين عليه السلام .
فقد روى الطوسي في أماليه/628 ، عن (شريك بن عبد الله القاضي قال: حضرت الأعمش في علته التي قبض فيها ، فبينا أنا عنده إذ دخل عليه ابن شبرمة وابن أبي ليلى وأبو حنيفة، فسألوه عن حاله فذكر ضعفاً شديداً ، وذكر ما يتخوف من خطيئاته ، وأدركته رقة فبكى! فأقبل عليه أبو حنيفة فقال: يا أبا محمد إتق الله وانظر لنفسك فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة ، وقد كنت تحدث في علي بن أبي طالب بأحاديث لو رجعت عنها كان خيراً لك ! قال الأعمش: مثل ماذا يا نعمان ؟ قال: مثل حديث عباية: أنا قسيم النار . قال: أوَلمثلي تقول هذا يا يهودي؟ أقعدوني سندوني أقعدوني: حدثني والذي إليه مصيري موسى بن طريف ، ولم أر أسدياً كان خيراً منه
< صفحة > 325 < / صفحة >
قال: سمعت عباية بن ربعي إمام الحي قال: سمعت علياً أمير المؤمنين عليه السلام يقول: أنا قسيم النار ، أقول هذا وليي دعيه وهذا عدوي خذيه !
وحدثني أبو المتوكل الناجي في إمرة الحجاج وكان يشتم علياً شتماً مقذعاً يعني الحجاج، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة يأمر الله عز وجل فأقعد أنا وعلي على الصراط ويقال لنا: أدخلا الجنة من آمن بي وأحبكما ، وأدخلا النار من كفر بي وأبغضكما ! ثم قال أبو سعيد: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما آمن بالله من لم يؤمن بي ، ولم يؤمن بي من لم يتول أو قال لم يحب علياً ، وتلا: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ! قال: فجعل أبو حنيفة إزاره على رأسه وقال: قوموا بنا ، لا يجيؤنا أبو محمد بأطمَّ من هذا )!
أما عامة مفسري مذاهب الخلافة فقالوا إن المخاطب ب‍ ( ألقيا ) شخص مفرد وهو القرين ، أو مالك خازن النار ، وأن الأمر جاء بصيغة المثنى للتأكيد ، كأنك قلت ( ألقِ، ألقِ ) ! وقالوا إن العرب تستعمل المثنى للمفرد . وهو ادعاءٌ باطل فليس في كلام العرب استعمال المثنى مكان المفرد ! وهو يتنافى مع صدقية النص القرآني الدقيق دائماً، وقد كرر الله المثنى في الآية لاحظها مع سياقها: وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ . أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ . مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ . الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ .
فقرينه يحضره الى جهنم ولوكان هو المخاطب لقال له: ألق في جهنم.. والمخاطب شخصان: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ . ثم أكد عليهما أين يلقيانه: فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ . ومن علامة نصبهم أنهم رأو رواية أبي سعيد والأعمش وغيرهما أن المخاطب بالآية محمد وعلي صلوات الله عليهما ثم أصروا على التمحل وتفسير المثنى بغير المعقول !
وقد أحس الفخر الرازي بأن تفسيرهم غير معقول ففسرها بالمثنى الحقيقي وقال إن المخاطب السائق والشهيد. وهو تفسير صحيح لو جاءت به رواية ، ولكنها جاءت بتفسير المخاطب بالنبي وعلي صلى الله عليه وآله .
< صفحة > 326 < / صفحة >
(8)

الميزان يوم القيامة

في ثواب الأعمال للصدوق/155: (عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أنا عند الميزان يوم القيامة ، فمن ثقلت سيئاته على حسناته جئت بالصلاة عليَّ حتى أثقل بها حسناته ).
وفي مناقب آل أبي طالب(2/3): (عن ابن عباس قال:إذا كان يوم القيامة أمر الله مالكاً أن يسعر النيران السبع وأمر رضوان أن يزخرف الجنان الثمانية ويقول: يا ميكائيل مد الصراط على متن جهنم ، ويقول يا جبرئيل أنصب الميزان تحت العرش وناد: يا محمد قرب أمتك للحساب .
عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ.
قال: الرسل والأئمة من أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله ، قال الحميري:
وقوله الميزان بالقسط وما
غير علي في غد ميزانه
ويل لمن خف لديه وزنه
وفاز من أسعده رجحانه).
وفي منهاج البراعة(6/5): (وفي النبوي قال صلى الله عليه وآله : ثلاث مواطن لايذكر أحد أحداً: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أو يثقل ، وعند تطاير الصحف حتى يعلم أيقع كتابه في يمينه أم شماله أم من وراء ظهره ، وعند الصـراط إذا وضع بين ظهر جهنم حتى يجوز).
وفي أمالي الصدوق/416: (قال سلمان الفارسي: كنت ذات يوم جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وآله إذ أقبل علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له: يا علي ألا أبشرك؟ قال: بلى يا رسول الله قال: هذا حبيبي جبرئيل يخبرني عن الله جل جلاله أنه قد أعطى محبيك وشيعتك سبع خصال: الرفق عند الموت ، والأنس عند الوحشة ، والنور عند الظلمة ، والأمن عند الفزع ، والقسط عند الميزان والجواز على الصراط، ودخول الجنة قبل سائرالناس من الأمم بثمانين عاماً).
< صفحة > 327 < / صفحة >
وقال المجلسي رحمه الله (7/252): (سبق بعض الأخبار الدالة على أن ليس المراد الميزان الحقيقي، فبتلك العلة يمكن القول بذلك ، وإن أمكن تأويل بعض الأخبار بأن الأنبياء والأوصياء عليهم السلام هم الحاضرون عند الميزان الحاكمون عليها ، فنحن نؤمن بالميزان ، ونرد علمه إلى حملة القرآن ، ولا نتكلف علم ما لم يوضح لنا بصريح البيان ).
أقول:ومن مكذوباتهم أنهم حشروا أبا بكر وعمر مع علي عليه السلام فجعلوهما حاكمين في المحشر واقفين عند باب الجنة وعند الميزان !
ففي الرياض النضرة (1/54): (عن ابن عباس قال قال رسول الله (ص)ينادي مناد يوم القيامة من تحت العرش أين أصحاب محمد فيؤتي بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي فيقال لأبي بكر قف على باب الجنة فأدخل من شئت برحمة الله ودع من شئت بعلم الله ويقال لعمر بن الخطاب قف عند الميزان فثقل من شئت برحمة الله وخفف من شئت بعلم الله. ويكسى عثمان حلتين ويقال له ألبسهما فإني خلقتهما أو ادخرتهما حين أنشأت خلق السماوات والأرض .
ويعطى علي بن أبي طالب عصا عوسج من الشجرة التي غرسها الله تعالى بيده في الجنة فيقال ذد الناس عن الحوض، فقال بعض أهل العلم لقد ساوى الله تعالى بينهم في الفضل والكرامة . رواه ابن غيلان ).
وروى أن عثمان يشفع يوم القيامة في سبعين ألفاً عند الميزان من أمتي ممن استوجبوا النار)! وهكذا يفعلون عند كل حديث فيه خصوصية لعلي عليه السلام !
في الختام: هذه المقامات الثمانية أبرز مقامات النبي صلى الله عليه وآله في القيامة ، ولعل أعظم مقاماته ودرجاته على الإطلاق الشفاعة ، ولذا خصصنا لها فصلاً .
< صفحة > 328 < / صفحة >
< صفحة > 329 < / صفحة >

الفصل السادس والثمانون : نبينا صلى الله عليه وآله صاحب الشفاعة الكبرى !

الشفاعة عقيدة أساسية في كل الأديان

قال في قاموس الكتاب المقدس/513: (والصلاة الشفاعية قديمة قدم نوح ( تك 8: 20 و 22 ) وإبراهيم ( تك 17: 18 و 23- 33 ) وموسى ( خر 15: 25 ) .
وقال المفيد في أوائل المقالات/185: (اتفق كافة فرق المسلمين على ثبوت الشفاعة لنبينا صلى الله عليه وآله لكنهم اختلفوا في معناها فذهبت المعتزلة إلى أن الشفاعة للمؤمن الطائع في زيادة المنافع دون العصاة المرتكبين للذنوب والكبائر. وأما سائر الفرق فقالوا إنها للعصاة والفساق من أهل الإيمان في سقوط العقاب عنهم).
وقال ابن حجر في فتح الباري (11/368): (جاءت الأحاديث في إثبات الشفاعة المحمدية متواترة ودل عليها قوله تعالى: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا . والجمهور على أن المراد به الشفاعة . وقال الطبري قال أكثر أهل التأويل المقام المحمود هو الذي يقومه النبي(ص) ليريحهم من كرب الموقف . ثم أخرج عدة أحاديث في بعضها التصريح بذلك
< صفحة > 330 < / صفحة >
وفي بعضها مطلق الشفاعة فمنها حديث سلمان قال: فيشفعه الله في أمته ، فهو المقام المحمود ).
وقال ابن شهراشوب في متشابه القرآن (2/119): (وقد تعلقت المعتزلة بقوله: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى، وبقوله: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ، وبقوله: ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ، وبقوله: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ. وبقوله: وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ .
ولا دلالة في شيئ من هذه الآيات على اختصاص الشفاعة بزيادة المنافع ، أما الآية الأولى فلأن المرتضى فيها محذوف فليسوا بأن يقدروا لمن ارتضـى جميع أفعاله بأولى منا إذا قدرنا لمن ارتضى أن يشفع له ، وأما الثانية فمختصة بنفي شفيع يطاع وهذا متفق عليه ، وإنما يكون لهم دلالة لو نفى شفيعاً يجاب ، لأنه قبول الشفاعة وقبولها ليس بطاعة ، وإنما هو إجابة . وأما الثالثة فصريحة في الكفار لأنهم قالوا فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وأما الرابعة ففاسد لأن النصرة غير الشهادة ، وإنما هي المدافعة والمغالبة ويقرن بالشفاعة خشوع وخضوع . وأما الخامسة والسادسة فغير نافعة لهم لأن الشفاعة في المؤمنين لا تكون على سبيل التقدم بين يدي الله تعالى . وأما السابعة فمتروكة الظاهر بالإجماع لأننا قد اتفقنا أن للنبي صلى الله عليه وآله شفاعة مقبولة نافعة وقد تلقت الأمة بالقبول قوله صلى الله عليه وآله : ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي.
وروى أصحابنا عن النبي صلى الله عليه وآله أني أشفَّعُ يوم القيامة فأشفع ، ويشفَّع علي فيشفع، ويشفَّع أهل بيتي فيشفعون . وإن أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع في أربعين رجلاً من إخوانه ، كل قد استوجب النار).
أما الوهابية فقد وسعوا في الشفاعة فجعلوها تشمل اليهود والنصارى وجميع الخلق على حد تعبير ابن تيمية ! وزعم أن المسلمين أجمعوا على ذلك !
< صفحة > 331 < / صفحة >
قال في مجموعة رسائله(1/10): (أجمع المسلمون على أن النبي(ص) يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك وبعد أن يأذن الله في الشفاعة . ثم أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفقت عليه الصحابة…أنه يشفع لأهل الكبائر ، ويشفع أيضا لعموم الخلق )!
ومادام النبي صلى الله عليه وآله يشفع لعموم الخلق كما قال ، فلم يبق لجهنم أهل ولا سكان !

جواب شبهة حول الشفاعة

يشكل بعضهم على أصل الشفاعة بأن رحمة الله تعالى ومغفرته تسع كل شئ وتتم بشكل مباشر، فلماذا يجعلها الله تعالى بواسطة الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ؟
والجواب: أن الرحمة الإلهية المباشرة أنواع كثيرة ، ومنها رحمة جعلها الله تعالى مرتبطة بشفاعة الأنبياء والأئمة عليهم السلام ليربط حياتنا بهم ويظهر كرامتهم عنده.
بل يمكن القول بأن الشفاعة ( قانون الإستفادة من الدرجات الإضافية ) كأن يقال للطالب الذي حصل على معدل عال: يمكنك أن تستفيد من النمرات الإضافية على معدل نجاحك فتعطيها إلى أصدقائك ، الأقرب فالأقرب من النجاح . وفي موضوعنا: يحتاج الإنسان لدخول الجنة إلى 51 درجة (من رجحت حسناته على سيئاته ) فالذي بلغ عمله 400 درجة يسمح له أن يوزع 349 درجة على أعزائه ، ولكن ضمن شروط ، مثل أن يكونوا من أقربائه القريبين وأن يكون عند أحدهم ثلاثين درجة فما فوق ، وذلك لتحقيق أفضل استفادة وأوسعها من هذه الدرجات الإضافية .
فشفاعة المؤمن على قدر عمله: (فيشفع الرجل في القبيلة ، ويشفع الرجل لأهل البيت ويشفع الرجل للرجلين على قدر عمله).(مناقب آل أبي طالب: 2/15).
< صفحة > 332 < / صفحة >
فالشفاعة مقننة بقوانين دقيقة حكيمة ككل أعمال الله تعالى ، وليست كما يتصورالبعض من نوع الوساطات والمحسوبيات الدنيوية .
قال أبو الصلاح الحلبي في الكافي/497: (إن قيل: فإذا كانت الإثابة والمعاقبة مختصتين به تعالى ، فكيف يصح لكم ما تذهبون إليه من الحوض واللواء والوقوف على الأعراف ، وقسمة النار وإدخال بعض إليها وإخراج بعض منها ، مع كون ذلك ثواباً وعقاباً ؟
قيل: لاشبهة في اختصاص أمور الآخرة أجمع به تعالى ، غير أنه تعالى ردها أورد منها إلى المصطفين من خلقه: رسول الله وأميرالمؤمنين والأئمة من آلهما صلوات الله عليهم ، فأوردوها عن أمره وأصدروها ).
هذا ، وقد بسطنا القول في مسائل الشفاعة في المجلد الثالث من العقائد الإسلامية ، وانتقدنا رأي البخاري المتأثر بالإسرائيليات حيث لم يرو أن النبي صلى الله عليه وآله سيد ولد آدم يوم المحشر ، ولا أنه يعطى لواء الحمد ، ولا أنه أول شافع ! لأنه قلد كعب الأحبار الذي أعطى مقام الشفاعة الأول لأنبياء اليهود فجعل الشفاعة أولاً لإبراهيم ثم لموسى ثم لعيسى ، وجعل نبينا الشفيع الرابع مع أنه أول شافع صلى الله عليه وآله .

لماذا صار نبينا صلى الله عليه وآله الشفيع الأكبر ؟

بلغ نبينا صلى الله عليه وآله في عمق عبوديته وشمول طاعته لربه عز وجل الرقم القياسي ، فلم يكن أحد من الأنبياء عليهم السلام أعمق منه عبودية ولا أشمل منه طاعة .
ولذلك فدرجاته أعلى الدرجات ويستطيع أن ينفق منها في الشفاعة . ولهذا كان الشخص المؤهل ليكون رئيس المحشر وشفيعه الأكبر .
< صفحة > 333 < / صفحة >
قال النيشابوري في روضة الواعظين/273: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا قمت المقام المحمود تشفعت في أصحاب الكبائر من أمتي فيشفعني الله فيهم ، والله لا تشفعت فيمن آذى ذريتي ).
وقال أبو الصلاح الحلبي في الكافي/91: (ولرسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، صلوات الله عليه وآله في ذلك اليوم المقام الأشرف والمحل الأعظم ، له اللواء المعقود لواء الحمد ، والحوض المورود ، والمقام المحمود ، والشفاعة المقبولة والمنزلة العلية ، والدرجة المنيعة على جميع النبيين وأتباعهم . وكل شئ خص به من التفضيل ورشح له من التأهيل، فأخوه وصنوه ووارث علمه ووصيه في أمته وخليفته على رعيته أمير المؤمنين وسيد المسلمين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب عليه السلام شريك فيه ، وهو صاحب الأعراف ، وقسيم الجنة والنار ، بنصه الصـريح وقوله الفصيح . وأعلام الأزمنة وتراجمة الملة بعدهما صلوات الله عليهم أعوان عليه ومساهمون فيه ، حسب ما أخبر به وأشار بذكره .
ولشيعتهم من ذلك الحظ الأوفر والقسط الأكبر ، لتحققهم بالإسلام ممن عداهم وتخصصهم بالإيمان دون من سواهم ) .
وقال المفيد في المقنعة/267: (وقال صلى الله عليه وآله : إني شافع يوم القيامة لأربعة أصناف ولو جاؤوا بذنوب أهل الدنيا: رجل نصر ذريتي ، ورجل بذل ماله لذريتي عند الضيق ، ورجل أحب ذريتي بالقلب واللسان ، ورجل سعى في حوائج ذريتي إذا طردوا وشردوا ).
وقال الإمام الباقر عليه السلام : (تفسير القمي: 2/64): (إذا كان يوم القيامة جمع الله الناس في صعيد واحد وهم حفاة عراة فيوقفون في المحشرحتى يعرقوا عرقاً شديداً وتشتد أنفاسهم فيمكثون في ذلك خمسين عاماً وهو قول الله: وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا، قال: فيقوم رسول الله صلى الله عليه وآله أمام الناس كلهم حتى ينتهي إلى حوض طوله ما بين أيلة
< صفحة > 334 < / صفحة >
وصنعاء فيقف عليه فينادى بصاحبكم فيقوم علي عليه السلام ثم يؤذن للناس فيمرون فبين وارد الحوض يومئذ وبين مصروف عنه ، فإذا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله من يصرف من محبينا يبكي ويقول: يا رب شيعة علي قال: فيبعث الله إليه ملكاً فيقول له: ما يبكيك يا محمد؟
فيقول: أبكي لأناس من شيعة علي أراهم قد صرفوا تلقاء أصحاب النار ومنعوا ورود حوضي قال فيقول الملك إن الله يقول قد وهبتهم لك يا محمد وصفحت لهم عن ذنوبهم بحبهم لك ولعترتك وألحقتهم بك وبمن كانوا يتولون به ، وجعلناهم في زمرتك فأوردهم حوضك. فكم من باك يومئذ وباكية ينادون يا محمداه إذا رأوا ذلك ولايبقى أحد يومئذ يتولانا ويحبنا ويتبرأ من عدونا إلا كانوا في حزبنا ومعنا ويردون حوضنا ).

من يحتاجون الى الشفاعة ومن لا يحتاجون ؟

من بديهيات الإسلام أن الشفاعة لمن غلبت سيئاته ، أما إذا غلبت حسناته فقد نجا ودخل الجنة ولا يحتاج الى شفاعة .وقد روى الصدوق في التوحيد/407: « عن محمد بن أبي عمير قال: سمعت موسى بن جعفر عليه السلام يقول: لا يخلد الله في النار إلا أهل الكفر والجحود وأهل الضلال والشرك ، ومن اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يسأل عن الصغائر ، قال الله تبارك و تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً . قال فقلت له: يا ابن رسول الله فالشفاعة لمن تجب من المذنبين؟ قال: حدثني أبي عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ، فأما المحسنون منهم فما عليهم من سبيل . قال ابن أبي عمير فقلت له: يا ابن رسول الله فكيف تكون الشفاعة لأهل الكبائر والله تعالى ذكره يقول: وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ، ومن يرتكب الكبائر لا يكون مرتضى !
فقال عليه السلام : يا أبا أحمد ما من مؤمن يرتك ذنباً إلا ساءه ذلك وندم عليه وقد قال النبي صلى الله عليه وآله : كفى بالندم توبة ، وقال صلى الله عليه وآله : من سرته حسنته وساءته سيئة فهو مؤمن ، فمن لم يندم على
< صفحة > 335 < / صفحة >
ذنب يرتكبه فليس بمؤمن ولم تجب له الشفاعة ، وكان ظالماً والله تعالى ذكره يقول: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ .
فقلت له: يا ابن رسول الله وكيف يكون مؤمناً من لم يندم على ذنب يرتكبه؟ فقال: يا أبا أحمد ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي وهو يعلم أنه سيعاقب عليها إلا ندم على ما ارتكب ومتى ندم كان تائباً مستحقاً للشفاعة ، ومتى لم يندم عليها كان مصراً ، والمصر لايغفر له لأنه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب ، ولو كان مؤمناً بالعقوبة لندم ، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله : لا كبيرة مع الإستغفار ، ولا صغيرة مع الإصرار » .
وفي الكافي(8 /162) قال الإمام الصادق عليه السلام : « يا سماعة إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم ، فما كان لهم من ذنب بينهم وبين الله عز وجل حتمنا على الله في تركه لنا فأجابنا إلى ذلك ، وما كان بينه وبين الناس استوهبناه منهم وأجابوا إلى ذلك وعوضهم الله عز وجل » .
< صفحة > 336 < / صفحة >
< صفحة > 337 < / صفحة >

الفصل السابع والثمانون : السابقون الأولون من المهاجرين !

معنى الأولية في القرآن

قال الله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا .
وقال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ .
وقال تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .
وقال: وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ .
وقال عن السحرة: إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ .
فأول المسلمين وأول من أسلم بمعنى الأولية الرتبية .
وأول المؤمنين بمعنى الأولية العددية أي من أصحاب الطور .
والأولية في السحرة فقط ، لأنه يوجد قبلهم مؤمنون بموسى عليه السلام .
< صفحة > 338 < / صفحة >

أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وآله علي وخديجة عليهما السلام وقيل كانا معه في حراء

عقدنا في السيرة النبوية عند أهل البيت(1/188)فصلاً في مقدمات بعثة النبي وفصلاً في كيفية بدء بعثته صلى الله عليه وآله ، وروينا أن علياً وخديجة كانا يصليان معه قبل البعثة بأربع سنين ، فقد كان جبرئيل عليه السلام يأتيه ويعلمه وكان نبياً ولم يكن رسولاً ، وفي الأربعين بعث رسولاً، مضافاً الى أن الله تعالى قرن به من فطامه ملكاً من أعظم ملائكته يسلك به سبيل المكارم ويعلمه محاسن أخلاق العالم ليله ونهاره ، كما قال علي عليه السلام .
وقال الفتال النيسابوري في روضة الواعظين/52: « إعلم أن الطائفة قد اجتمعت على أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان رسولاً نبياً مستخفياً ، يصوم ويصلي على خلاف ما كانت قريش تفعله ، مذ كلفه الله تعالى . فإذا أتت أربعون سنة أمرالله عز وجل جبرئيل عليه السلام أن يهبط إليه بإظهار الرسالة وذلك في يوم السابع والعشرين من شهر الله الأصم ).
قال الأصبغ بن نباتة (كمال الدين/174):« سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: والله ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب ولاهاشم ولا عبد مناف صنماً قط! قيل له: فما كانوا يعبدون؟قال: كانوا يصلون إلى البيت على دين إبراهيم عليه السلام متمسكين به » .
والظاهر أن قول أبي طالب لجعفر صل جناح ابن عمك ، كان قبل البعثة .
ففي أمالي الصدوق/598: (قال الصادق جعفر بن محمد عليه السلام أول جماعة كانت أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصلي وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام معه ، إذ مر أبو طالب به وجعفر معه ، فقال: يا بني صل جناح ابن عمك . فلما أحسه رسول الله صلى الله عليه وآله تقدمهما وانصرف أبو طالب مسروراً وهو يقول:
إن علياً وجعفراً ثقتي
عند مُلِمِّ الزمان والكُرَبِ
والله لا أخذل النبيَّ ولا
يخذله من بَنِيَّ ذو حسب
لاتخذلا وانصـرا ابن عمكما
أخي لأمي من بينهم وأبي)
< صفحة > 339 < / صفحة >
وقال أمير المؤمنين عليه السلام (نهج البلاغة:2/158): (ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله فقلت يا رسول الله ما هذه الرنة ؟ فقال هذا الشيطان أيس من عبادته ، إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي، ولكنك وزير وإنك لعلى خير).
والظاهرأن مقصوده بحين نزل عليه الوحي أول ما بدأ في غار حراء ، بقرينة يأس إبليس يومها من استمرار عبادته .
وقال الجاحظ في العثمانية/305: « فجاور في حراء في شهر رمضان ، ومعه أهله خديجة ، وعلي بن أبي طالب ، وخادم » .
وفي السيرة الحلبية (1/383): « كان يخرج لجواره ومعه أهله ، أي عياله التي هي خديجة ، إما مع أولادها أو بدونهم » .
وفي دلائل البيهقي(2/14) وإمتاع الأسماع (3/24): « وخرج معه بأهله » .
لكن مبغضي علي عليه السلام تعمدوا تغييب ذكر علي عليه السلام حتى عن أخذ الزاد له !
قال البخاري(8/67): « ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها » .
واستفاضت عندنا الأحاديث بأن علياً وخديحة عليهم السلام أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وآله قد واكبا النبي صلى الله عليه وآله في مراحل نزول جبرئيل عليه السلام عليه قبل البعثة بسنوات وآمنا بصدقه ونبوته، وصليا معه كما علمه ربه عز وجل . وكذلك زيد بن حارثة وأم أيمن رضي الله عنهما، وعددٌ من بني هاشم، أولهم أبو طالب وابناه جعفر وطالب ، وزوجته فاطمة بنت أسد، وحمزة بن عبد المطلب ، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ، الذي استشهد في بدر .
ففي الأربعين من عمره لما أخبرهم بنزول الرسالة عليه ، لم يتردد أحد منهم في الإيمان به صلى الله عليه وآله وبأنه رسول من رب العالمين عز وجل.
< صفحة > 340 < / صفحة >
ثم أسلم أبو ذر ، وخالد بن سعيد ، وخباب . ولم نعدَّ منهم عماراً ووالديه ، لأن الوليد بن المغيرة رئيس مخزوم هلك في آخر السنة الثالثة ولم يذكر تعذيبه عماراً ووالديه ، ثم جاء بعده أبو جهل لرئاسة مخزوم وهو الذي عذبهم وقتل سمية رضوان الله عيها . ومن البعيد أنهم أسلموا في زمن الوليد بن المغيرة وكانوا يخفون إسلامهم عنه .
واستدلينا بالقرائن على أن حمزة بن عبد المطلب عليه السلام كان مع هذه المجموعة المؤمنة حول النبي صلى الله عليه وآله ومنها أنه كان من الحلقات الأمنية الخاصة حول النبي صلى الله عليه وآله فإذا أراد أحد أن يسلم حقق معه حمزة أولاً ثم جعفر ثم علي عليه السلام ثم أذنوا له بمقابلة النبي صلى الله عليه وآله ، كما ورد في قصة إسلام أبي ذر رضي الله عنه .
أما غضب حمزة من إهانة قريش للنبي صلى الله عليه وآله في قصته المعروفة لما عاد من الصيد ، وضربه أبا جهل، فكانت إعلاناً لإسلامه ومواجهة لقريش !
هذا وقد صدرت كتب جيدة والحمد لله في سيرة أمير المؤمنين وخديجة عليهما السلام . وأقل منها في سيرة أبي طالب وأخيه حمزة وابنه جعفر.
وقد اقتصـرت في هذا الكتاب على ترجمة السابقين الأولين من المهاجرين ، ثم بعض السابقين الأولين من الأنصار .

سياسة الحكومات: طمس دورالعترة والأنصار وتضخيم دور الصحابة!

قامت كتب السيرة والحديث وكل ما كتبه أتباع السلطة القرشية على تقليل دورعترة النبي صلى الله عليه وآله وكبار شيعتهم ، أو تغييب أدوارهم كلياً ! وعلى طمس دور الأنصار أيضاًً وأولهم النقباء الإثنا عشر رضي الله عنهم .
وفي المقابل تضخيم دور الصحابة القرشيين في الإسلام ، بل واختراع أدوار لهم مكذوبة، والتغطية على أدرواهم السلبية !
< صفحة > 341 < / صفحة >
والمكذوب لهم دائماً هم أبو بكر وعمر وبنتاهما ، ثم عثمان وبنو أمية !
والمكذوب عليهم دائماً هم عترة النبي صلى الله عليه وآله علي وفاطمة والحسنان عليهم السلام وشيعتهم ، ومنهم الأنصار !

أبو ذر الغفاري رضي الله عنه رابع من أسلم

كان أبو ذر قبل الإسلام يصلي بهداية الله الفطرية ! قال ابن الصامت قال: «قال أبو ذر رضي الله عنه : صليت قبل الناس بأربع سنين ، قلت له: من كنت تعبد ؟ قال: إله السماء». ( دلائل النبوة للبيهقي: 4 / 1307 ) .
« قلت: يا أبا ذر أين كنت تتوجه؟ قال: كنت أتوجه حيث وجهني الله ، كنت أصلي من أول الليل» . ( الطبراني الأوسط: 3 / 246 ) .
وفي الكافي(8 / 297) عن الإمام الصادق عليه السلام : « قال لرجل من أصحابه: ألا أخبرك كيف كان سبب إسلام سلمان وأبي ذر رحمة الله عليهما ؟ فقال الرجل وأخطأ: أما إسلام سلمان فقد علمت ، فأخبرني كيف كان سبب إسلام أبي ذر؟ فقال أبو عبد الله الصادق عليه السلام : إن أبا ذر رحمه الله كان في بطن مُرّ (واد قرب مكة ) يرعى غنماً له ، فأتى ذئب عن يمين غنمه فهش بعصاه على الذئب ، فجاء الذئب عن شماله فهش عليه أبو ذر ، ثم قال له أبو ذر: ما رأيت ذئباً أخبث منك ولا شراً ! فقال له الذئب: شرٌّ والله مني أهل مكة بعث الله عز وجل إليهم نبياً فكذبوه وشتموه ! فوقع في أذن أبي ذر ! فقال لامرأته: هلمي مزودي وأداوتي وعصاي ، ثم خرج على رجليه يريد مكة ليعلم خبر الذئب وما أتاه به ! حتى بلغ مكة فدخلها في ساعة حارة وقد تعب ونصب ، فأتى زمزم وقد عطش فاغترف دلواً فخرج لبن ! فقال في نفسه: هذا والله يدلني على أن ما خبرني الذئب وما جئت له حق ، فشـرب وجاء إلى جانب من جوانب المسجد ، فإذا حلقة من قريش فجلس إليهم فرآهم
< صفحة > 342 < / صفحة >
يشتمون النبي صلى الله عليه وآله كما قال الذئب ! فما زالوا في ذلك من ذكر النبي صلى الله عليه وآله والشتم له حتى جاء أبو طالب من آخر النهار ، فلما رأوه قال بعضهم لبعض: كفُّوا فقد جاء عمه ! قال فكفوا فلما دنا منهم أكرموه وعظموه ، فلم يزل أبو طالب متكلمهم وخطيبهم إلى أن تفرقوا . فلما قام أبو طالب تبعته فالتفت إلي فقال: ما حاجتك؟ فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم . قال: وما حاجتك إليه ؟ فقال له أبو ذر: أؤمن به وأصدقه وأعرض عليه نفسـي ، ولا يأمرني بشئ إلا أطعته . فقال أبو طالب: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ؟ قال فقلت: نعم ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. قال: وتفعل؟ قلت: نعم قال: فتعال غداً في هذا الوقت إليَّ حتى أدفعك إليه ، قال: بتُّ تلك الليلة في المسجد حتى إذا كان الغد جلست معهم ، فما زالوا في ذكر النبي صلى الله عليه وآله وشتمه حتى إذا طلع أبو طالب ، فلما رأوه قال بعضهم لبعض: أمسكوا فقد جاء عمه ! فأمسكوا ، فلما قام أبو طالب تبعته فالتفت إلي فقال: ما حاجتك ؟ فأعاد عليه ما قاله ، فقال: قم معي فتبعته فدفعني إلى بيت فيه حمزة فسلمت عليه وجلست ، فقال لي: ما حاجتك؟ فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم ؟ فقال: وما حاجتك إليه ؟ قلت: أؤمن به وأصدقه وأعرض عليه نفسي ولا يأمرني بشئ إلا أطعته ، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ؟ قال: فشهدت قال: فدفعني حمزة إلى بيت فيه جعفر فسلمت عليه وجلست فقال لي جعفر: ما حاجتك؟ فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم قال: وما حاجتك إليه ؟ فقلت: أو من به وأصدقه وأعرض عليه نفسي ولا يأمرني بشئ إلا أطعته فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ؟ قال فشهدت فدفعني إلى بيت فيه علي سلمت وجلست فقال: ما حاجتك ؟ فقلت:هذا النبي المبعوث فيكم ؟ قال: وما حاجتك إليه ؟ قلت: أؤمن به وأصدقه وأعرض عليه نفسي ولا يأمرني بشئ إلا أطعته
< صفحة > 343 < / صفحة >
، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ؟ قال: فشهدت فدفعني إلى بيت فيه رسول الله فسلمت وجلست فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله : ما حاجتك؟ قلت: النبي المبعوث فيكم ؟ قال: وما حاجتك إليه ؟ قلت: أؤمن به وأصدقه ولا يأمرني بشئ إلا أطعته ، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ؟ فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أبا ذر انطلق إلى بلادك فإنك تجد ابن عم لك قد مات وليس له وارث غيرك ، فخذ ماله وأقم عند أهلك حتى يظهر أمرنا ! قال: فرجع أبو ذر فأخذ المال وأقام عند أهله حتى ظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وآله . فقال أبو عبد الله عليه السلام : هذا حديث أبي ذر وإسلامه رضي الله عنه ، وأما حديث سلمان فقد سمعته ! فقال: جعلت فداك حدثني بحديث سلمان فقال: قد سمعته ، ولم يحدثه لسوء أدبه » !
وفي رواية الصدوق: « قال أبو ذر: فانطلقت إلى بلادي فإذا ابن عم لي قد مات وخلف مالاً كثيراً في ذلك الوقت الذي أخبرني فيه رسول الله صلى الله عليه وآله فاحتويت على ماله وبقيت ببلادي حتى ظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فأتيته » .
وقال الراوندي/304: « فلما انصـرفت إلى قومي أخبرتهم بذلك فأسلم بعضهم وقال بعضهم: إذا دخل رسول الله أسلمنا، فلما قدم أسلم بقيتهم » .
أقول: يدل هذا الحديث على أن أبا طالب وحمزة وجعفراً وعلياً عليهم السلام قد أسلموا من أول الأمر وأحاطوا النبي صلى الله عليه وآله وحرسوه ، ودعوا الناس إلى الإيمان به بأساليب متنوعة تتناسب مع شخصية كل واحد منهم ودوره الذي حدده له النبي صلى الله عليه وآله . لكن زعماء قريش الذين عادوا النبي صلى الله عليه وآله وحاربوه حتى عجزوا أبعدوا عترته وأسرته عن خلافته وحكموا بإسمه ، وعملوا لحذف أي دور لهم في دعوته .
وقد روت مصادر السلطة إسلام أبي ذر رحمه الله بصيغ مختلفة ، أشهرها رواية البخاري (4/241) قال: « باب إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه . عن ابن عباس قال: لما بلغ أبا ذر مبعث النبي (ص )
< صفحة > 344 < / صفحة >
قال لأخيه: إركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخير من السماء ، واسمع من قوله ثم أئتني . فانطلق الأخ حتى قدمه وسمع من قوله ( ص ) ثم رجع إلى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق ، وكلاماً ما هو بالشعر . فقال: ما شفيتني مما أردت ! فتزود وحمل شنة له فيها ماء حتى قدم مكة فأتى المسجد ، فالتمس النبي(ص) ولا يعرفه وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل ، فرآه علي فعرف أنه غريب ، فلما رآه تبعه فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شئ حتى أصبح ، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد وظل ذلك اليوم ولا يراه النبي(ص) حتى أمسى فعاد إلى مضجعه ، فمر به عليٌّ فقال: أما نال للرجل أن يعلم منزله ! فأقامه فذهب به معه لايسأل واحد منهما صاحبه عن شئ ! حتى إذا كان يوم الثالث فعاد على على مثل ذلك فأقام معه ، ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهداً وميثاقاً لترشدنني فعلت ، ففعل فأخبره ، قال:فإنه حق وهو رسول الله ، فإذا أصبحت فاتبعني فإني إن رأيت شيئاً أخاف عليك فقمت كأني أريق الماء ، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي ففعل ، فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي(ص) ودخل معه ، فسمع من قوله وأسلم مكانه ، فقال له النبي(ص): إرجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري .
قال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم ! فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه ، وأتى العباس فأكب عليه قال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجاركم إلى الشام فأنقذه منهم ، ثم عاد من الغد لمثلها فضربوه وثاروا إليه ، فأكب العباس عليه » .
< صفحة > 345 < / صفحة >
وفي طبقات ابن سعد (4/222): (فكان يعترض لعيرات قريش فيقتطعها فيقول لا أرد إليكم منها شيئاً حتى تشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإن فعلوا رد عليهم ما أخذ منهم وإن أبو ا لم يرد عليهم شيئاً ، فكان على ذلك حتى هاجر رسول الله(ص)ومضى بدر وأحد ، ثم قدم فأقام بالمدينة).
وفي الكافي(2/587) عن الإمام الصادق قال:«إن أبا ذر أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده جبرئيل في صورة دحية الكلبي وقد استخلاه رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلما رآهما انصرف عنهما ولم يقطع كلامهما ، فقال جبرئيل: يا محمد هذا أبو ذر قد مرَّ بنا ولم يسلم علينا ، أما لو سلم لرددنا عليه ، يا محمد إن له دعاء يدعو به ، معروفاً عند أهل السماء ، فسله عنه إذا عرجتُ إلى السماء .
فلما ارتفع جبرئيل جاء أبو ذر إلى النبي فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : ما منعك يا أبا ذر أن تكون سلمت علينا حين مررت بنا ؟ فقال: ظننت يا رسول الله أن الذي معك دحية الكلبي قد استخليته لبعض شأنك فقال:ذاك جبرئيل عليه السلام يا أبا ذر وقد قال: أما لو سلم علينا لرددنا عليه.
فلما علم أبو ذر أنه كان جبرئيل دخله من الندامة حيث لم يسلم عليه ما شاء الله ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : ما هذا الدعاء الذي تدعو به ، فقد أخبرني جبرئيل أن لك دعاء تدعو به معروفاً في السماء ؟ فقال: نعم يا رسول الله أقول: اللهم إني أسألك الأمن والإيمان بك ، والتصديق بنبيك ، والعافية من جميع البلاء ، والشكر على العافية ، والغنى عن شرار الناس » .
هذا، وقد استوفينا سيرته رضي الله عنه في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسيرة أمير المؤمنين عليه السلام .

خالد بن سعيد بن العاص من السابقين الأولين

< صفحة > 346 < / صفحة >

  1. شاء الله عز وجل أن يجعل من أبناء أبي أُحَيْحَة مسلمين مؤمنين ! وأبو أحيحة هو سعيد بن العاص الأموي ، من كبار فراعنة قريش وأثريائهم ومعنى الأُحَيْحَة الضغينة في الصدر ، ويقال كان له ابن اسمه أحيحة توفي صغيراً . وكان له خمسة أولاد ذكور وقيل ثمانية ، والمعروف منهم ابنه الكبير العاص الذي شهد بدراً مع المشركين فقتله علي عليه السلام ، وخالد وعمرو وأبان ، الذين أسلموا وختم الله لهم بالشهادة ، وأفضلهم خالد الذي أكرمه الله برؤيا كانت سبب هدايته ! ففي طبقات ابن سعد(1/166) ، عن أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت: « لما كان قبيل مبعث النبي صلى الله عليه وآله بينا خالد بن سعيد ذات ليلة نائم قال: رأيت كأنه غشيت مكة ظلمة حتى لايبصر امرؤ كفه ، فبينا هو كذلك إذ خرج نور ثم علا في السماء فأضاء في البيت ، ثم أضاء مكة كلها ، ثم إلى نجد ، ثم إلى يثرب فأضاءها حتى أني لأنظر إلى البسر« التمر» في النخل ! قال فاستيقظت فقصصتها على أخي عمرو بن سعيد وكان جَزِلَ الرأي «راجحه » فقال: يا أخي إن هذا الأمر يكون في بني عبد المطلب ! ألا ترى أنه خرج من حفيرة أبيهم « زمزم » .قال خالد:فإنه لما هداني الله به للإسلام . قالت أم خالد: فأول من أسلم أبي ، وذلك أنه ذكر رؤياه لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا خالد أنا والله ذلك النور ، وأنا رسول الله ، فقص عليه ما بعثه الله به فأسلم خالد وأسلم عمرو » . ورواه في المنمق/292 ، وكنز الفوائد/93 وتاريخ دمشق ، وغيرها ، بروايات وتفاصيل .
    وروى الحاكم(3/248): « وأرسل أبوه في طلبه من بقي من ولده ممن لم يسلم ورافعاً مولاه، فوجده فأتوا به أباه أبا أحيحة ، فأنَّبه وبكَّته وضربه بصـريمة في يده حتى كسرها على رأسه ، ثم قال: اتبعت محمداً وأنت ترى خلاف قومه ، وما جاء به من عيب آلهتهم وعيبه من مضى من آبائهم !
    < صفحة > 347 < / صفحة >
    فقال خالد: قد صدق والله واتبعته . فغضب أبوه أبو أحيحة ونال منه وشتمه ، ثم قال: إذهب يا لكع حيث شئت ، والله لأمنعنك القوت !
    فقال خالد: إن منعتني فإن الله عز وجل يرزقني ما أعيش به !
    فأخرجه وقال لبنيه: لايكلمه أحد منكم إلا صنعت به ما صنعت به ، فانصرف خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فكان يكرمه ويكون معه » .
    وفي الطبقات(4/95): «فضربه أبو أحيحة بقراعة في يده حتى كسرها على رأسه ثم أمر به إلى الحبس وضيق عليه وأجاعه وأعطشه ، حتى لقد مكث في حر مكة ثلاثاً ما يذوق ماء ، فرأى خالد فُرجة فخرج فتغيب عن أبيه في نواحي مكة حتى حضر خروج أصحاب رسول الله إلى الحبشة » .
    «كان خالد جميلاً وسيماً ، قتل وهو ابن نحو خمسين» . (الآحاد والمثاني(1/387).
  2. في الإستيعاب(2/420): « هاجر إلى أرض الحبشة مع امرأته الخزاعية ، وولد له بها ابنه سعيد بن خالد ، وابنته أم خالد. قالت: وشهد أبي مع رسول الله عمرة القضاء وفتح مكة ، وحنيناً ، والطائف ، وتبوك ، وبعثه رسول الله على صدقات اليمن ، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي باليمن » .
  3. كان خالد وهو في الحبشة ، يتردد على النبي صلى الله عليه وآله ويكلفه بمهمات ، فقد أرسله النبي صلى الله عليه وآله إلى قيصر الروم ، فتأثر به الأساقفة. (تاريخ دمشق: 16 / 67).
    وكان يتاجر إلى اليمن فجاء النبي صلى الله عليه وآله بمنجنيق من جرش.(الإمتاع: 2 / 21) .
    وكان مع جعفر في الهجرة ورجع معه في السنة السابعة.(الإستيعاب:3 /1177).
    4.لما مات في الحبشة زوج أم حبيبة بنت أبي سفيان،كتب النبي صلى الله عليه وآله الى خالد أن يخطبها له فوكلت خالداً وخطبها النجاشي . (الإستيعاب: 4 / 1932).
    < صفحة > 348 < / صفحة >
  4. شارك سعيد بفعالية في حروب النبي صلى الله عليه وآله ، وأمَّره في فتح مكة على سرية وأرسله إلى ذي عَرَنة . (التنبيه والإشراف للمسعودي/ 233).
  5. كان يكتب للنبي صلى الله عليه وآله وهو أول من ابتدأ بالبسملة.« الدر المنثور: 1/11» . وتوسط للنبي صلى الله عليه وآله مع ثقيف وكتب عهدهم . (الدرر / 248).
  6. أرسله النبي صلى الله عليه وآله مع علي عليه السلام لفتح بقية اليمن فجعله علي قائد مقدمته ، وبرز إلى عمرو بن معدي كرب فنهاه علي عليه السلام وبرز هو اليه وصاح بعمرو فهرب ! ثم جاء عمرو واستأمن ، وأعطى سيفه المشهور الصمصامة إلى خالد . وذهب خالد بن الوليد بمن معه في اليمن إلى جهة، فنهاه علي عليه السلام فخالفه فبعث اليه خالد بن سعيد فأجبره على طاعة أميره.(كشف الغمة:1/229).
    8.ولاه النبي صلى الله عليه وآله على اليمن وكتب له كتاب الفرائض.(مكاتيب النبي:1/ 303).
  7. لما توفي النبي صلى الله عليه وآله رجع خالد إلى المدينة وتفاجأ ببيعة أبي بكرفغضب «وأتى بني هاشم فقال: أنتم الظهر والبطن والشعار دون الدثار والعصا دون اللحا، فإذا رضيتم رضينا وإذا أسخطتم سخطنا..
    ثم وجهه علي عليه السلام للعمل في إقامة الحجة على أهل السقيفة .
    ففي الاحتجاج(1/97) عن أبان بن تغلب قال: « قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق: جعلت فداك هل كان أحد في أصحاب رسول الله أنكر على أبي بكر فعله وجلوسه مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: نعم كان الذي أنكر على أبي بكر اثنا عشر رجلاً. من المهاجرين: خالد بن سعيد بن العاص وكان من بني أمية ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، والمقداد بن الأسود ، وعمار بن ياسر ، وبريدة الأسلمي . ومن الأنصار: أبو الهيثم بن التيهان ، وسهل وعثمان ابنا حنيف ، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، وأبيُّ
    < صفحة > 349 < / صفحة >
    بن كعب ، وأبو أيوب الأنصاري ، وغيرهم . فلما صعد المنبر تشاوروا بينهم في أمره فقال بعضهم: هلا نأتيه فننزله عن منبر رسول الله صلى الله عليه وآله . وقال آخرون: إن فعلتم ذلك أعنتم على أنفسكم وقال الله عز وجل: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الْتَّهْلُكَةِ ، ولكن إمضوا بنا إلى علي بن أبي طالب نستشيره ونستطلع أمره ، فأتوا علياً عليه السلام فقالوا: يا أمير المؤمنين ضيعت نفسك وتركت حقاً أنت أولى به ، وقد أردنا أن نأتي الرجل فننزله عن منبر رسول الله صلى الله عليه وآله فإن الحق حقك وأنت أولى بالأمر منه ، فكرهنا أن ننزله من دون مشاورتك ، فقال لهم علي: لو فعلتم ذلك ما كنتم إلا حرباً لهم ، ولا كنتم إلا كالكحل في العين أو كالملح في الزاد، وقد اتفقت عليه الأمة التاركة لقول نبيها والكاذبة على ربها! ولقد شاورت في ذلك أهل بيتي فأبوا إلا السكوت لما تعلمون من وَغَرِ صدور القوم وبغضهم لله عز وجل ولأهل بيت نبيه صلى الله عليه وآله ، وإنهم يطالبون بثارات الجاهلية ! والله لو فعلتم ذلك لشهروا سيوفهم مستعدين للحرب والقتال كما فعلوا ذلك حتى قهروني وغلبوني على نفسي ولببوني وقالوا لي: بايع وإلا قتلناك ، فلم أجد حيلة إلا أن أدفع القوم عن نفسي ، وذاك أني ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وآله : يا علي ، إن القوم نقضوا أمرك واستبدوا بها دونك وعصوني فيك ، فعليك بالصبر حتى ينزل الأمر ! ألا وإنهم سيغدرون بك لا محالة فلا تجعل لهم سبيلاً إلى إذلالك وسفك دمك ، فإن الأمة ستغدر بك بعدي ! كذلك أخبرني جبرئيل ، عن ربي تبارك وتعالى .
    ولكن إئتوا الرجل فأخبروه بما سمعتم من نبيكم صلى الله عليه وآله ، ولا تجعلوه في الشبهة من أمره ، ليكون ذلك أعظم للحجة عليه ، وأبلغ في عقوبته إذا أتى ربه وقد عصى نبيه صلى الله عليه وآله ، وخالف أمره » !
    < صفحة > 350 < / صفحة >
  8. قال علي عليه السلام : « فأتى رهط من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله يعرضون عليَّ النصرة منهم خالد وأبان ابنا سعيد بن العاص، والمقداد بن الأسود الكندي، وأبو ذر الغفاري ، وعمار بن ياسر ، وسلمان الفارسي ، والزبير بن العوام ، وأبو سفيان بن حرب ، والبراء بن مالك الأنصاري .
    فقلت لهم: إن عندي من نبي الله العهد وله الوصية ، وليس لي أن أخالفه ولست أجاوز أمره وما أخذه علي لله ! لو خزموا أنفي لأقررت سمعاً وطاعة لله عز وجل ، فبينا أنا على ذلك إذ قيل: قد انثال الناس على أبي بكر وأجفلوا عليه ليبايعوه ، وما ظننت أنه تخلف عن جيش أسامة إذ كان النبي صلى الله عليه وآله قد أمَّره عليه وعلى صاحبه وأمر أن يجهز جيش أسامة ، فلما رأيته قد تخلف وطمع في الأمارة ، ورأيت انثيال الناس عليه أمسكت يدي..
    فلبثت ما شاء الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام وأظهرت ذلك ، يدعون إلى محو دين الله ، وتغيير ملة محمد صلى الله عليه وآله !
    فخشيت إن لم أنصر الإسلام وقعدت أن أرى فيه ثلماً وهدماً تكون مصيبته علي أعظم من فوت ولاية أموركم ، التي إنما هي متاع أيام قلائل ، ثم يزول ما كان منها كمايزول السراب ، وينقشع كما ينقشع السحاب .
    ورأيت الناس قد امتنعوا بقعودي عن الخروج إليهم ، فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فتألفته ، ولولا أني فعلت ذلك لباد الإسلام ثم نهضت في تلك الأحداث حتى انزاح الباطل ، وكانت كلمة الله هي العليا ، ولو كره المشركون » . (المسترشد / 411).
  9. قال أبو بكر لخالد وإخوته: « ما أحد أحق بالعمل من عمال رسول الله إرجعوا إلى أعمالكم ، فقالوا: لا نعمل بعد رسول الله لأحد ! فخرجوا إلى الشام فقتلوا عن آخرهم»! (الحاكم: 3 / 249) .
    < صفحة > 351 < / صفحة >
  10. لما رأى أبو بكر رفض خالد للولاية ورغبته في الجهاد ، عقد له على جيش فتح الشام: « فأول لواء عقده لواء خالد بن سعيد بن العاص ، ثم عزله قبل أن يسيِّره ، وولى يزيد بن أبي سفيان فكان أول الأمراء الذين خرجوا إلى الشام .
    قال ابن عمرقال: لما عقد أبو بكر الأمراء على الشام كنت في جيش خالد بن سعيد بن العاص ، فصلى بنا الصبح بذي المروة وهو على الجيوش كلها ، فوالله إنا لعنده إذ أتاه آت فقال قدم يزيد بن أبي سفيان ، فقال خالد بن سعيد هذا عمل عمر بن الخطاب ، كلم أبا بكر في عزلي وولى يزيد بن أبي سفيان !
    فأرسل له أبو بكر كتاب عزله وهو في الطريق . قال ابن عمر فأردت أن أتكلم ، ثم عزم لي على الصمت . قال: فتحولنا إلى يزيد بن أبي سفيان وصار خالد كرجل منهم ، وقال محمد بن عمر: وهذا أثبت عندنا مما روي في عزل خالد وهو بالمدينة » . (تاريخ دمشق: 65 / 244) .
    قال الطبري (2 / 586).«واضطغنها عليه عمر، فلما ولاه أبو بكر الجند قال له عمر: أتولي خالداً وقد حبس عليك بيعته وقال لبني هاشم ما قال».
  11. بعد عزل أبي بكر له اختار خالد أن يذهب في جيش شرحبيل بن حسنة فأوصاه به أبو بكر، وربما كان ذلك بفعل تأنيب الضمير!
    ففي الطبقات(4/98): « لما عزل أبو بكر خالد بن سعيد أوصى به شرحبيل بن حسنة ، وكان أحد الأمراء فقال: أنظر خالد بن سعيد فاعرف له من الحق عليك مثل ما كنت تحب أن يعرفه لك من الحق عليه لو خرج والياً عليك ، وقد عرفت مكانه من الإسلام، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله توفي وهو له والٍ ، وقد كنت وليته ثم رأيت عزله وعسى أن يكون ذلك خيراً له في دينه .
    < صفحة > 352 < / صفحة >
    ما أغبط أحداً بالأمارة ! وقد خيرته في أمراء الأجناد فاختارك على غيرك على ابن عمه، فإذا نزل بك أمر تحتاج فيه إلى رأي التقي الناصح ، فليكن أول من تبدأ به أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل ، وليكن خالد بن سعيد ثالثاً ، فإنك واجد عندهم نصحاً وخيراً. وإياك واستبداد الرأي عنهم ، أو تطوي عنهم بعض الخبر .قال محمد بن عمر: فقلت لموسى بن محمد: أرأيت قول أبي بكر قد اختارك على غيرك ؟ قال: أخبرني أبي أن خالد بن سعيد لما عزله أبو بكر كتب إليه أي الأمراء أحب إليك؟ فقال: ابن عمي أحب إلي في قرابته وهذا أحب إلي في ديني ، فإن هذا أخي في ديني على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وناصري على ابن عمي ، فاستحبَّ أن يكون مع شرحبيل بن حسنة » .
    أقول: شرحبيل صحابي عرف باسم أمه حسنة . واسم أبيه المطاع من قبيلة غوث من كندة ، ولد ونشأ في مكة وتحالف مع بني زهرة ، وأسلم وهاجر إلى الحبشة وكان فارساً وصديقاً لخالد بن سعيد الفارس البطل يحترمه ويناصره ولذلك اختار خالد أن يكون معه فأعطاه قيادة الخيل ، وكانت كل خططه من خالد ، وكان الروم يجمعون فيها قواتهم فنزل شرحبيل مقابلهم، وكانت معركة أجنادين وكان خالد بطلها وبها بدأت هزيمة هرقل ، فقد توجه جيش المسلمين إلى الشام فاجتاحوا مدينة بصرى الشام بسهولة ، وصالحهم أهلها على الجزية وأن يكونوا تحت حكمهم .
    وكان هرقل يومها في حمص فأمر بتجميع الجيش لقتال المسلمين في أجنادين وهي في فلسطين قرب مدينة بيت جبرين ، وجعل القيادة لابنه وخليفته ، فجمعوا لهم تسعين ألف مقاتل .
    < صفحة > 353 < / صفحة >
    قال البلاذري(1/135): « ثم كانت وقعة أجنادين وشهدها من الروم زهاء مئة ألف سرَّب هرقل أكثرهم وتجمع باقوهم من النواحي ، وهرقل يومئذ مقيم بحمص » . « وعليهم تذارق أخو هرقل لأبويه » .
    وقال ابن عبد البر في الإستيعاب(1/64): « وكانت وقعة أجنادين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر الصديق ، قبل وفاة أبي بكر بدون شهر . وكان في إجنادين أمراء أربعة أبو عبيدة بن الجراح ، وعمرو بن العاص ، ويزيد أبي سفيان ، وشرحبيل بن حسنة ، كل على جنده » .
    « فتوافت جنود المسلمين والروم بأجنادين فالتقوا يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة ، فظهر المسلمون وهزم الله المشركين ، وقتل خليفة هرقل » . (تاريخ الطبري: 2 / 611).
    وفي رواية ابن عساكر(16/66): « فحملت لهم خيل على خالد بن سعيد ، وكان واقفاً في جماعة من المسلمين في ميمنة الناس يحرض الناس ويدعو الله عز وجل ، ثم يقبض عليهم، فحملت طائفة منهم عليهم فنازلهم فقاتلهم قتالاً شديداً » . وورد ذكر أخيه أبان بن سعيد: « ورُمِيَ أبان بن سعيد بن العاص بنشابة فنزعها وعصبها بعمامته فحمله أخواه خالد بن سعيد وعمرو بن سعيد فقال: لاتنزعوا عمامتي عن جرحي فإنكم إذا انتزعتموها عن جرحي تبعتها نفسي ، أما والله ما أحب أنها بأقصى حجر من البلاد مكاني ، فلما نزعوا العمامة مات رحمه الله » .« وانتهى خبر الوقعة إلى هرقل فنخِب قلبه، ومُلئ رعباً فهرب من حمص إلى أنطاكية ». (معجم البلدان:1/103).
  12. تعمد تاريخ السلطة أن يخفي بطولات الأبطال الذين حققوا النصر للمسلمين في هاتين المعركتين لمجرد أنهم من تلاميذ علي عليه السلام ! وفي طليعتهم خالد بن سعيد بن العاص بطل معركة أجنادين وأخواه عمرو وأبان ، ومالك الأشتر بطل معركة اليرموك ، وأبو
    < صفحة > 354 < / صفحة >
    ذر ، وهاشم بن عتبة المرقال ، وغيرهم . وكذلك دور حذيفة بن اليمان ، وحجر بن عدي ، وحبيب بن مظاهر ، وزهير بن القين ، أبطال فتوحات العراق وفارس وأرمينيا. وكذلك دور جعدة بن هبيرة قائد فتوح خراسان ، وما وراء النهر !
    كما أخفى تاريخ السلطة استغاثة أبي بكر وعمر بعلي عليه السلام في الشدائد ، ونهوضه فيها ، وإدارته أهم معارك الفتوحات !
  13. بعد انتصار المسلمين في أجنادين بقيادة خالد بن سعيد وبطولته ، ثم في معركة اليرموك ببطولة مالك الأشتر رضي الله عنهما ، انسحب هرقل إلى القسطنطينية وودع سوريا قائلاً: السلام عليك يا سوريا ! وسقطت الشام وفلسطين وقبرص بيد المسلمين.
  14. بعد انتصاره في أجنادين وما بعدها قُتل خالد بن سعيد ، في ظرف مريب ، وزاد من الريبة تناقض روايتهم فقالوا قتل في معركة أجنادين لكن ثبت أنه تزوج بأم حكيم الخزاعية بعد استشهاد زوجها عكرمة بن أبي جهل في أجنادين ، وقد اعتدت بعده أربعة اشهر وعشراً .
    وقالوا قتل في مرج الصفر ، في قرية بحوران، وقد تناقضت روايتهم بوجود معركة فيها، وفي وقتها !وقالوا خرج يستمطر في مرج الصفر بعد انتصاره في أجنادين، أي وقف تحت ماء المطر فباغته الروم فقتلوه ! (الطبري: 2 / 601) .
    وقالوا كان غيره يستمطر فقتلهم الروم ، فهرب هو بفئة من الجيش. )الطبري :2 / 104( لكنه لم يعرف عنه الهرب في المعارك !
    «وقالوا قتل الرومي خالد بن سعيد قلب ترسه وأسلم واستأمن! وقال مَن الرجل الذي قتلنا فإني رأيت له نوراً ساطعاً في السماء».« تاريخ دمشق: 16/ 83» . ولم يسموا ذلك الرومي! ومما يوجب زيادة الشك أنهم أشاعوا بعد قتل خالد بن سعيد ، أن عمر كان رضي عنه
    < صفحة > 355 < / صفحة >
    لحسن بلائه في الفتوحات ! ورضا عمر قد يكون قتلاً ، خاصة أن عمر تزوج زوجة خالد الخزاعية الجميلة !
  15. وقد ذكر الباحث الشيخ نجاح الطائي في كتابه اغتيال أبي بكر/64 ، بأن عمر اغت