بطون قريش ، دراسة مواجهة بطون قريش للنبي والإسلام إلى يومنا هذا

بطون قريش
دراسة مواجهة بطون قريش للنبي والإسلام إلى يومنا هذا

بقلم
علي الكوراني العاملي

الطبعة الأولى
1445هجرية- 2024 ميلادية

سرشناسه : کورانی، علی، ‏ ۱۳۳۰ -‏
‏عنوان و نام پديدآور : بطون قریش: دراسه مواجهه بطون قریش للنبی والاسلام/ بقلم علی الکورانی‌العاملی.
‏مشخصات نشر : قم: نشر معروف‏ ، ۱۴۴۵ق. ‏ = ۱۴۰۲.
‏مشخصات ظاهری : ‏ ۴۷۲ص.
‏شابک : 8-62-8916-600-978
‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا
‏يادداشت : زبان: عربی.
‏عنوان دیگر : دراسه مواجهه بطون قریش للنبی والاسلام.
‏موضوع : ‏قریش (قبیله عرب)
Quraysh (Arab tribe)
‏ قریش (قبیله عرب) -- تاریخ
Quraysh (Arab tribe) -- History
‏رده بندی کنگره : DS۲۱۹
‏رده بندی دیویی :‮ ۹۳۹/۴۷ ‬‬‬‬
‏شماره کتابشناسی ملی : ۹۵۹۴۲۸۵
‏اطلاعات رکورد کتابشناسی : فیپا
المؤلف: علي‌الکَوراني العاملي
الناشر: نشر المعروف
الطبعة :‌ ‏‫‬‏الأولی‬‬‬‬
تاریخ النشر: 1445 هـ.ق - 2024 م
المطبعة :‌ ‏‫‬‏باقری - قم المقدّسة.‬‬‬‬
عدد المطبوع :‌ ‏‫‬‏2000 نسخة.‬‬‬‬
ردمك: 8-62-8916-600-978
نشر معروف
إيران - قم المقدّسة - مجتمع ناشران - رقم 316 - تلفون : 0257842370 (0098)
جمیع الحقوق محفوظة ومسجلة للمؤلف

المقدمة

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم السلام
على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
و بعد، فقد سميت هذا الكتاب في أول عملي فيه: حقيقة قريش في القرآن والسنة ، ثم فكرت في أن أسميه: الحزب القرشي في القرآن والسنة، وهي تسمية علمية صحيحة ، لأن قبائل قريش كان فيها كل شروط الحزب، وقد سمى الله عز وجل الذين هاجموا المدينة: بالأحزاب ، وسمى سورة بإسمهم ، وعلى رأسهم الحزب القرشي وحزب اليهود، وسمى كل قبيلة حزباً.
لكن لايمكن أن نسمي بني هاشم حزباً لأنهم دين ورسالة تختلف دوافعهم وموازينهم عن الأحزاب، فالصراع بينهم وبين قريش من طرف قريش صراع قبلي، لكنه من طرف بني هاشم ليس قبلياً بل هو صراع بين أحزاب ورسالة إلهية. وهذا ما أثبته المقريزي في كتابه: النزاع والتخاصم بين بني أمية وبني هاشم. فبطون قريش أحزاب قبلية مقابل وحي ودين.
ثم رأيت أن الأجدر بهذا البحث أن أسميه: بطون قريش ، وأبحث مواجهتها للنبي صلى الله عليه وآله وللإسلام ولبني هاشم ، وجرائمها العالمية بمنعها النبي صلى الله عليه وآله أن يوصي أمته بما يضمن عزتها ومجدها ، ويضمن كرامة شعوب العالم ورفاهيتها الى يوم القيامة ! وقد واجهته البطون في مرض وفاته صلى الله عليه وآله بخشونة، وأخذت منه قيادة أمته ووضعتها في طريق الصراعات والضعف والإنحطاط الى يومنا هذا، وأوقعت بالعالم أكبر خسارة، لأنها حرمته من عدالة الإسلام وخيراته !

*
فالغرض من الكتاب أن نكشف أن تعصب بطون قريش ضد النبي صلى الله عليه وآله وبني هاشم سببه الحسد، وكان ذلك معروفاً من زمن هاشم وعبد المطلب اللذين قدما خدمات كبرى لقريش منها رحلة الشتاء والصيف! وقد حسدتهم قريش وتحالفت ضدهم مع قبيلة كنانة في حلف سمته حلف لعقة الدم، وتحالف عبد المطلب مقابلهم مع قبيلة خزاعة سماه: حلف المطيبين.
وقد صرح علي عليه السلام بأن سبب عداء قريش لهم الحسد فقال(نهج البلاغة:1/82): (مالي ولقريش! والله لقد قاتلتهم كافرين ولأقاتلنهم مفتونين. وإني لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم. والله ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم فأدخلناهم في حَيِّزنا ، فكانوا كما قال الأول:
أدمت لعمري شُرْبَك المحضَ صابحاً * و أكلك بالزُّبد المقشـرةَ البُجْرَا
ونحن وهبناك العلاء ولم تكن * علياً وحُطْنَا حولك الجُرد والسمرا).

*
وقال الإمام الباقر عليه السلام :(نحن الناس المحسودون على ما آتانا الله من الإمامة دون خلق الله أجمعين: فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا. يقول: جعلنا منهم الرسل والأنبياء والأئمة، فكيف يُقِرُّونَ به في آل إبراهيم وينكرونه في آل محمد صلى الله عليه وآله ! قلتُ: وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا؟ قال: الملك العظيم أن جعل فيهم أئمة من أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم عصى الله، فهو الملك العظيم). (الكافي:1/206).
فالحسد هو سبب تكذيب قريش للنبي صلى الله عليه وآله وعدائها له ولعترته ، ولكل بني هاشم حتى بعد أن أخذوا منهم الخلافة وعزلوهم !
قال الإمام الصادق عليه السلام : (نحن قوم فرض الله عز وجل طاعتنا، لنا الأنفال ولنا صفوا المال. ونحن الراسخون في العلم، ونحن المحسودون الذين قال الله عز وجل: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ). (الكافي:1/186).

*
فحسد قريش القبلي لبني هاشم، هو أصل الشر في العالم الى عصرنا! فلو أنها لم تواجه النبي صلى الله عليه وآله في مرض وفاته وقبلت وصيته، لجرى التاريخ بمجرى آخر، ولعمرت الأرض وعمها نور الإسلام وعدله من الأول !
قال الإمام الصادق عليه السلام : خطب الناس سلمان الفارسي رحمة الله عليه بعد أن دفن النبي صلى الله عليه وآله بثلاثة أيام، فقال فيها: (ألا أيها الناس، إسمعوا من حديثي ثم اعقلوا عني،فقد أوتيت علماً كثيراً ولو أخبرتكم بكل ما أعلم من فضايل أمير المؤمنين لقالت طائفة مجنون وقالت طائفة أخرى اللهم اغفر لقاتل سلمان ! ألا إن لكم منايا تتبعها بلايا ، وإن عند علي علم المنايا وعلم الوصايا وفصل الخطاب ، على منهاج هارون بن عمران. قال له رسول الله صلى الله عليه وآله :أنت وصيي وخلفيتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى، ولكنكم أصبتم سنتكم (القبلية) وأخطأتم سنة نبيكم! والذي نفس سلمان بيده لتركبن طبقاً عن طبق، سنة بني إسرائيل، القذة بالقذة.
أما والله لو وليتموها علياً لأكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم، ولو دعوتم الطير في جو السماء لأجابتكم ، ولو دعوتم الحيتان من البحار لأتتكم ، ولما عال ولي الله ولا طاش لكم سهم من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله، ولكن أبيتم فوليتموها غيره، فأبشروا بالبلاء واقنطوا من الرخاء، وقد نابذتكم على سواء، فانقطعت العصمة فيما بيني وبينكم من الولاء!
عليكم بآل محمد فإنهم القادة إلى الجنة ، والدعاة إليها الى يوم القيامة.
عليكم بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فوالله لقد سلمنا عليه بالولاية وإمرة المؤمنين مراراً جمة مع نبينا ، كل ذلك يأمرنا به ويؤكده علينا ، فما بال القوم عرفوا فضله فحسدوه؟ وقد حسد قابيل هابيل فقتله. فأمر هذه الأمة كأمر بني إسرائيل، فأين يُذهب بكم !
أيها الناس، ويحكم! ما نحن وأبو فلان وفلان؟ أجهلتم أم تجاهلتم أم حسدتم أم تحاسدتم! والله لترتدن كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف، يشهد الشاهد على الناجي بالهلكة ، ويشهد الشاهد على الكافرين بالنجاة. ألا وإني أظهرت أمري وسلمت لنبيي، واتبعت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة علياً أميرالمؤمنين، وسيد الوصيين، وقائد الغر المحجلين، وإمام الصديقين ، والشهداء والصالحين. أما والله لوأني أدفع ضيماً أو أعز لله ديناً، لوضعت سيفي على عاتقي ، ثم لضربت به قدماً قدماً).(الكشي/77 ، والإحتجاج: 1/151).
فلوأطاعت قريش النبي صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام ، أو أطاعت أي واحد من الأئمة الإثني عشر من أهل بيته عليهم السلام لقادوها الى العزة والرفعة والهدى والعلم، ولطوروا الحياة كلها على وجه الأرض.
لكن الله تعالى بنى الحياة في الأرض على السماح للشر أن يقاوم الخير وقد يغلبه، حتى يبعث المهدي وينزل عيسى عليهما السلام فيضع الله حداً للظالمين!

*

الفصل الأول - قبائل قريش ومكة

قرشهم قصي وجمعهم في مكة

قُصَيُّ بن كُلاب بن مُرَّة، توفي أبوه وهو طفل، فتزوجت أمه رجلاً من بني عذرة من الشام وأخذته معها، وكان اسمه زيداً فسمته قُصَياً. ولما كبر عاد الى مكة وكانت تحكمها خزاعة ورئيسهم حليل بن حبشية فأعجبه قُصي وزوجه بنته حبَّى وأوصى له بسدانة البيت.(اليعقوبي:1/237).
وبعث قصي إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة العذري فأتاه بمن قدر عليه من قضاعة ، فأعان أخاه وسيطروا على موسم الحج وحكم مكة.
قال اليعقوبي (1/240):(فولي قصي البيت وأمر مكة والحكم، وجمع قبائل قريش، فأمر لهم بأبطح مكة ، وكان بعضهم في الشعاب ورؤوس الجبال فقسم منازلهم بينهم ، فسميَ مُجَمِّعاً. وكان قصي أول من أعز قريشاً، وظهر به فخرها ومجدها وسناها. وتقرشها فجمعها وأسكنها مكة، وكانت قبل متفرقة الدار ، قليلة العز ذليلة البقاع ، حتى جمع الله ألفتها وأكرم دارها وأعز مثواها. وكانت قريش كلها بالأبطح خلا بني محارب والحارث ابنيْ فهر، ومن بني تيم بن غالب وهو الأدرم، وبني عامر بن لؤي فإنهم نزلوا الظواهر.
ولما حاز قصي شرف مكة كلها ، وقسمها بين قريش، واستقامت له الأمور. وكانت قريش في حياته ، وبعد وفاته يرون أمره كالدين المتبع).

عدد سكان مكة

كان عدد كل قبائل قريش لما بعث النبي صلى الله عليه وآله نحو أربعين ألفاً، لأن غاية ما استطاعوا تجنيده في حرب الأحزاب أربعة آلاف.(عمدة القاري:17/176) فلو حسبنا من كل عشرة أشخاص مقاتلاً يكون عددهم أربعين ألفاً.
وكانت بطون قريش نحو عشرين قبيلة أشهرها: بنو هاشم بن عبد مناف بن قصي، وبنو أمية بن عبد شمس ، وبنو عبد الدار بن قصي ، وبنو مخزوم بن يقظة بن مرة ، وبنو زهرة بن كلاب ، وبنو أسد بن عبد العزى، وبنو الحارث بن فهر بن مالك، وبنو عامر بن لؤي ، وبنو سهم بن عمرو، وبنو جمح بن عمرو، وبنو أنمار بن بغيض، وبنو تيم بن مرة بن كعب ، وبنو عدي.. لكن التأثيرلبضع قبائل فقط والباقي تبعٌ لها ، فقد وصف ابن هشام (2/331) اجتماعهم في دار الندوة لبحث (مشكلة) محمد صلى الله عليه وآله فقال: (اجتمع فيها أشراف قريش: من بني عبد شمس: عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب. ومن بني نوفل بن عبد مناف: طعيمة بن عدي ، وجبير بن مطعم ، والحارث بن عامر بن نوفل. ومن بني عبد الدار بن قصي: النضر بن الحارث بن كلدة. ومن بني أسد بن عبد العزى: أبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود بن المطلب ، وحكيم بن حزام. ومن بني مخزوم:أبو جهل ابن هشام. ومن بني سهم: نبيه ومنبه ابنا الحجاج. ومن بني جمح: أمية بن خلف..ومن كان معهم غيرهم ممن لا يعد من قريش ، فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم ، فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأياً…).
وكان هذا الإجتماع بعد اكتمال السنة الثالثة ، لأن أبا جهل صار زعيماً لمخزوم بعد هلاك الوليد بن المغيرة في أول السنة الرابعة من البعثة.
وكانت القبائل الأهم الخمسة تمثل الجميع ولذا ارتضوا أن تضع الحجر الأسود مكانه، وهم: بنو هاشم ومثلهم النبي صلى الله عليه وآله وقال: يأتي من كل ربع من قريش رجل، فكانوا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، والأسود بن المطلب من بني أسد بن عبد العزى، وأبو حذيفة بن المغيرة من بني مخزوم ، وقيس بن عدي من بني سهم ، فرفعوه ووضعه النبي صلى الله عليه وآله في موضعه).(الكافي:4/218).
وأهم الجميع: بنو هاشم وبنو أمية، ولذا تراهم واصلوا صناعة أحداث التاريخ وبقية قريش تبعٌ لهم. وقد أخبرالنبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام أن مستقبل الأمة الصراع بين بني أمية وبني هاشم.
قال الإمام الصادق عليه السلام ( معاني الأخبار/346): (إنا وآل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في الله ! قلنا صدق الله وقالوا كذب الله! قاتل أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقاتل معاوية علي بن أبي طالب ، وقاتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي، والسفياني يقاتل القائم).

أوصى قصي لابنه عبد مناف وأوصى عبد مناف لابنه هاشم

قال المؤرخ محمد بن حبيب في المنمق/331: (كانت الرئاسة لعبد مناف بن قصـي وكان القائم بأمور قريش والمنظور إليه منها.ثم أفضى ذلك بعده إلى هاشم ابنه فولي ذلك بحسن القيام فلم يكن له نظير من قريش ولا مساوٍ ثم صارت الرئاسة لعبد المطلب وفي كل قريش رؤساء ، غير أنهم كانوا يعرفون لعبد المطلب فضله وتقدمه وشرفه).

أخذ هاشم مرسوم عدم التعرض من قيصر

قال اليعقوبي (1/242): (وكان أول من سن الرحلتين: رحلة الشتاء إلى الشام ورحلة الصيف إلى الحبشة إلى النجاشي. وذلك أن تجارة قريش لا تعدو مكة فكانوا في ضيق، حتى ركب هاشم إلى الشام فنزل بقيصرفكان يذبح في كل يوم شاة ويضع جفنة بين يديه ويدعو من حواليه. وكان من أحسن الناس وأجملهم ، فذكر لقيصر فأرسل إليه فلما رآه وسمع كلامه أعجبه وجعل يرسل إليه فقال هاشم:أيها الملك إن لي قوماً وهم تجارالعرب فتكتب لهم كتاباً يؤمنهم ويؤمن تجاراتهم، حتى يأتوا بما يستطرف من أدم الحجاز وثيابه ففعل قيصرذلك وانصرف هاشم فجعل كلما مر بحيٍّ من العرب أخذ من أشرافهم الإيلاف أن يأمنوا عندهم وفي أرضهم، فأخذوا الإيلاف من مكة والشام).
أقول: معنى هذه الرواية كان قيصر في الشام أو حمص، لكن رواية ابن سعد (1/62) ومعجم القبائل(3/1207) قالت إنه ذهب الى أنقرة: (كان أول من سن الرحلتين لقريش ، يرحل إحداهما في الشتاء إلى اليمن وإلى الحبشة إلى النجاشي فيكرمه ويحبوه ، ورحلة في الصيف إلى الشام إلى غزة ، وربما بلغ أنقرة فيدخل على قيصرفيكرمه ويحبوه).
فيبدو أنه قصد قيصر في أنقرة أيضاً ، وكان قيصر يرسل اليه ليأتيه ويراه. ومعنى تأسيسه رحلتي الشتاء والصيف ، أنه أخذ مرسوماً من قيصر والملوك والقبائل التي تمر فيها قوافلهم بين مكة واليمن ، ومكة والشام وفلسطين ومصر ، بعدم التعرض لها وحمايتها !
وقد مَنَّ الله على قريش بفعل هاشم فقال:لإيلافِ قُرَيْشٍ.إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ.. لكن قريشاً لا تشكر نعم ربها ولذلك كان النبي صلى الله عليه وآله يقرأ السورة فيقول: ويل أمكم قريش ، رحلة الشتاء والصيف)! كما في رواية أحمد:6/460 ، وتاريخ دمشق: 23/ 228، والطبراني: 24/178.

شارك هاشم الملوك في التجارة

قال الجاحظ في رسائله (1/413): (ومما هو مذكور في القرآن عدا حديث الفيل قوله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، ولقد أجمعت الرواة على أن أول من أخذ الإيلاف لقريش هاشم بن عبد مناف. فلما مات قام أخوه المطلب مقامه فلما مات قام عبد شمس مقامه ، فلما مات قام نوفل مقامه وكان أصغرهم. والإيلاف هو أن هاشماً كان رجلاً كثير السفر والتجارة فكان يسافر في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام، وشرك في تجارته رؤساء القبائل من العرب ومن ملوك اليمن نحو العباهلة باليمن واليكسوم من بلاد الحبشة ، وملوك الروم بالشام ، فجعل لهم معه ربحاً فيما يربح ، وساق لهم إبلاً مع إبله فكفاهم مؤونة الأسفار على أن يكفوه مؤونة الأعداء في طريقه ومنصرفه ، فكان في ذلك صلاح عام للفريقين ، وكان المقيم رابحاً والمسافر محفوظاً.فأخصبت قريش بذلك وحملت معه أموالها وأتاها الخير من البلاد السافلة والعالية،وحسنت حالها وطاب عيشها).

أسس هاشم إطعام الحجاج

في تاريخ الطبري(2 / 8 9) واليعقوبي(1/245): وكان مناف وصَّى إلى هاشم ، ودفع إليه مفتاح البيت ، وسقاية الحاج وقوس إسماعيل).
(أصاب الناس سنة جدب شديد فخرج هاشم إلى الشام ، وقيل بلغه ذلك وهو بغزة من الشام ، فاشترى دقيقاً وكعكاً ، وقدم به مكة في الموسم فهشم الخبز والكعك ونحر الجزر ، وجعله ثريداً وأطعم الناس حتى أشبعهم ، فسمى بذلك هاشماً ، وكان يقال له: أبو البطحاء ، وسيد البطحاء).
وسمي هاشماً لأنه هشم الثريد للحاج ، وفيه يقول مطرود بن كعب الخزاعي:
عمرو العلى هَشَم الثريد لقومه * ورجالُ مكةَ مُسْنِتُونَ عجافِ

وهو من أبيات نسبت الى مطرود بن كعب هذا ، ونسبت الى ابن الزِّبَعْرَى:
كانت قريشٌ بيضةً فتفلَّقَتْ
* فالمخُّ خالصُها لعبد مُناف

الرايشون وليس يوجد رايشٌ
* والقائلونَ هلمَّ للأضياف

والخالطونَ فقيرهم بغنيهم
* حتى يكون فقيرهم كالكافي

عمرو العلى هشمَ الثريد لقومه
* ورجالُ مكة مسنتون عجافِ

وقال وهب بن عبد قصي في ذلك (ابن سعد:1/61):
تحمل هاشم ما ضاق عنه * وأعيا أن يقوم به ابن بيض
أتاهم بالغرائر مثقلات * من ارض الشام بالبر النفيض
فأوسع أهل مكة من هشيم * وشاب الخبز باللحم الغريض
فظل القوم بين مكللات
* من الشيزاء حائرها يفيضِ).

ونلاحظ أن القافية جاءت مكسورة  ، وجاءت عجاف في الثالث مرفوعة ، وفي شعر وهب قافية البيت الأخير مرفوعة. ومعناه أن العرب تجوِّز للشاعر ذلك لضرورة الشعر.

رتب هاشم حراسة مكة

قال في شرح النهج (15/202): (قال أبو عثمان الجاحظ: قالوا إن هاشماً جعل على رؤساء القبائل ضرائب يؤدونها إليه ليحمي بها أهل مكة ، فإن ذؤبان العرب وصعاليك الأحياء وأصحاب الغارات وطلاب الطوائل ، كانوا لا يؤمَنون على الحرم ، لاسيما وناس من العرب كانوا لايرون للحرم حرمة ، ولا للشهرالحرام قدراً ، مثل طيئ وخثعم وقضاعة وبعض بلحارث بن كعب ، وكيفما كان الإيلاف فإن هاشماً كان القائم به دون غيره من إخوته).

لم يعبد آباء النبي صلى الله عليه وآله الأصنام

وكانت قريش عامة تدين بالوثنية مع بقايا الحنيفية ، إلا عبد المطلب وآباءه وبنيه فكانوا على حنيفية أبيهم إبراهيم عليه السلام .
قال أمير المؤمنين عليه السلام (كمال الدين/ 174): (والله ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنماً قط ! قيل له: فما كانوا يعبدون؟ قال: كانوا يصلون إلى البيت على دين إبراهيم عليه السلام متمسكين به).

حسدَ أمية بن عبد شمس عمه هاشماً

رووا كلهم أن ابن أخيه أمية بن عبد شمس حسده وعاداه ودعاه إلى المنافرة ! ومعنى المنافرة أن يدعي أحدٌ أنه أفضل من الآخر ، ويطلب أن يحتكما إلى كاهن أو حكيم ، ويقبلان بحكمه!
قال الطبري(2/13) والطبقات (1/75) وعامة مصادر التاريخ بعد أن ذكروا مناقب هاشم: (فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وكان ذا مال ، فتكلف أن يصنع صنيع هاشم فعجز ، فشمت به ناس من قريش فغضب ونال من هاشم ودعاه إلى المنافرة ! فكره هاشم ذلك لسنه وقدره ، ولم تَدَعْهُ قريش وأحفظوه فقال: فإني أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحرها ببطن مكة ، والجلاء عن مكة عشر سنين. فرضي بذلك أمية وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، فنفَّر هاشماً عليه (حكم لهاشم) فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضره وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين).
قال الطبري (2 / 13): (تنافر عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أمية إلى النجاشي الحبشي فأبى أن ينفر بينهما ، فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب فقال لحرب: يا أبا عمرو أتنافر رجلاً هو أطول منك قامة وأعظم منك هامة وأوسم منك وسامة ، وأقل منك لامة وأكثر منك ولداً ، وأجزل منك صفداً ، وأطول منك مذوداً ؟! فنفره عليه ، فقال حرب: إن من انتكاث الزمان أن جعلناك حكماً).
وفي الكامل (2/16):(وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي وهو جد عمرو بن الحمق ومنزله بعسفان. وكان مع أمية همهمة بن عبد العزى الفهري وكانت ابنته عند أمية، فقال الكاهن: والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر، من منجد وغائر، لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر، أول منه وآخر، وأبوهمهمة بذلك خابر.
فقضى لهاشم بالغلبة وأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها، وغاب أمية بالشام عشر سنين. وكان يقال لهاشم والمطلب البدران لجمالهما).

طعن المؤرخون جميعاً في نسب بني أمية !

قال ابن قتيبة في المعارف/319: (كان أمية بن عبد شمس خرج إلى الشام فأقام بها عشر سنين، فوقع على أمة للخم يهودية من أهل صفورية يقال لها ترنا ، وكان لها زوج من أهل صفورية يهودي ، فولدت له ذكوان فادعاه أمية واستلحقه وكناه أبا عمرو ثم قدم به مكة ، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وآله لعقبة يوم أمر بقتله: إنما أنت يهودي من أهل صفورية).
وفي المنمق/97: (فخلف أبو عمرو على امرأة أبيه بعده فأولدها أبان ، وهو أبو معيط ! ويقال استلحق ذكوان أيضاً أبان).
راجع: الطبري: 1 /371 و2 /13 ، وأنساب الأشراف/ 39 ، والطبقات:1 /75 ، والمنمق / 97.

استمع معاوية الى وصف هاشم وأمية !

قال أبو حاتم في كتاب المعمرين/ 34 ، وابن عساكر( 9/220): (قال معاوية: إني لأحب أن ألقى رجلاً قد أتت عليه سن وقد رأى الناس يخبرنا عما رأى ، فقال بعض جلسائه: ذلك رجل بحضرموت ! فأرسل إليه ، فأتيَ به فقال له…فأخبرْني هل رأيت هاشماً؟ قال: نعم رأيته رجلاً طوالاً حسن الوجه بين عينيه غرة بركة. قال: فهل رأيت أمية ؟ قال: نعم رأيته رجلاً قصيراً أعمى يقال إن في وجهه لشراً أو شؤماً ! قال: فهل رأيت محمداً ؟ قال: من محمد ؟ قال: رسول الله، قال: ويحك ألا فخَّمته كما فخمه الله فقلت رسول الله! قال: فأخبرني ما كانت صناعتك؟ قال:كنت رجلاً تاجراً. قال: فما بلغت تجارتك؟ قال:كنت لا أشتري عيباً ولا أرد ربحاً ! قال له: سلني، قال: أسألك أن تدخلني الجنة ، قال ليس ذاك بيدي ولا أقدر عليه. قال أسألك أن ترد علي شبابي ، قال ليس ذاك بيدي ولا أقدر عليه. قال لا أرى بيديك شيئاً من أمرالدنيا ولا من أمرالآخرة! قال: فردني حيث جئت قال: أما هذا فنعم).

الحسد أصل الكفر والجريمة !

روينا في الصحيح قول الإمام الصادق عليه السلام (الكافي:8/9): (وإياكم أن يحسد بعضكم بعضاً فإن الكفر أصله الحسد).
وقال عليه السلام (الكافي:2/289): (أصول الكفر ثلاثة: الحرص ، والإستكبار ، والحسد ، فأما الحرص فإن آدم عليه السلام حين نهي عن الشجرة ، حمله الحرص على أن أكل منها ، وأما الإستكبار فإبليس حيث أمر بالسجود لآدم فأبى ، وأما الحسد فابنا آدم حيث قتل أحدهما صاحبه).
وقال عليه السلام (الكافي:2/327): (يقول إبليس لجنوده: ألقوا بينهم الحسد والبغي فإنهما يعدلان عند الله الشرك).
وفي هامش مسائل علي بن جعفر/337: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله :(ألا إنه قد دب إليكم داء الأمم من قبلكم، وهو الحسد، ليس بحالق الشعر، لكنه حالق الدين ! وينجي منه أن يكف الإنسان يده ويخزن لسانه ، ولا يكون ذا غمز على أخيه المؤمن).
وقال صلى الله عليه وآله (الكافي:2/307):(كاد الفقرأن يكون كفراً وكاد الحسد أن يغلب القدر).
وقال صلى الله عليه وآله (قرب الإسناد/29): (ولا تتحاسدوا ، فإن الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب اليابس).
وفي (الكافي:8/95):(قال الباقر عليه السلام : إن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عن قول الله عز وجل: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا. فقال: يا علي إن الوفد لا يكون إلا ركباناً أولئك رجال اتقوا الله فأحبهم الله واختصهم ورضي أعمالهم فسماهم المتقين ، ثم قال له: يا علي أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنهم ليخرجون من قبورهم وإن الملائكة لتستقبلهم بنوق من نوق العز عليها رحائل الذهب مكللة بالدر والياقوت وجلائلها الإستبرق والسندس وخطمها جدل الأرجوان ، تطير بهم إلى المحشر مع كل رجل منهم ألف ملك من قدامه وعن يمينه وعن شماله يزفونهم زفاً حتى ينتهوا بهم إلى باب الجنة الأعظم وعلى باب الجنة شجرة إن الورقة منها ليستظل تحتها ألف رجل من الناس ، وعن يمين الشجرة عين مطهرة مزكية قال: فيسقون منها شربة فيطهر الله بها قلوبهم من الحسد ويسقط من أبشارهم الشعر ، وذلك قول الله عز وجل: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا، من تلك العين ، قال: ثم ينصرفون إلى عين أخرى عن يسار الشجرة فيغتسلون فيها وهي عين الحياة فلا يموتون أبداً).
ومعناه أن المؤمن المتقي قد يكون في قلبه شيئ من الحسد ، لكنه يمنع تأثيره في سلوكه وهو الحسد المرفوع في حديث: وضع عن أمتي تسع خصال ، الخطأ ، والنسيان ، وما لا يعلمون ، وما لايطيقون ، وما اضطروا إليه ، وما استكرهوا عليه ، والطيرة ، والوسوسة في التفكر في الخلق ، والحسد ما لم يظهر بلسان أو يد).(الكافي:2/463).
والتطهر بهذه العين يزيل إمكانية أن يحسد المؤمن في الجنة أحداً حتى بدرجة طفيفة.

ورَّث أمية أولاده الأضغان والحسد !

ورَّث أمية حسده وعداوته لأبنائه، واشتهر حسدهم حتى قال الناس إنهما توأمٌ وقد ولدا ورِجْلُ هاشم ملتصقة بجبهة عبد شمس !
وقد وصف أمير المؤمنين عليه السلام الضغن والبغضاء بأنه يغلي في الصدر كمرجل الحداد ، قال:(وأما فلانة فأدركها رأي النساء، وضغنٌ غلى في صدرها كمرجل القيْن). فالحسد سمٌّ يغلي في الصدر كالمرجل وينفثه صاحبه !(نهج البلاغة: 2/48)

أسس بنو عبد المطلب حلف الفضول لمنع الظلم على الحجاج

قال في شرح النهج (15/202) ورسائل الجاحظ(1/414): (ثم حلف الفضول وجلالته وعظمته ، وهو أشرف حلف كان في العرب كلها ، وأكرم عقد عقدته قريش في قديمها وحديثها قبل الإسلام لم يكن لبني عبد شمس فيه نصيب.
قال النبي صلى الله عليه وآله وهو يذكر حلف الفضول:لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً لودعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت. ويكفي في جلالته وشرفه أن رسول الله صلى الله عليه وآله شهده وهو غلام ، وكان عتبة بن ربيعة يقول: لو أن رجلاً خرج مما عليه قومه لدخلت في حلف الفضول، لما أرى من كماله وشرفه ، ولما أعلم من قدره وفضيلته. قال: ولفضل ذلك الحلف وفضيلة أهله سمي حلف الفضول، وسميت تلك القبائل الفضول ، فكان هذا الحلف في بني هاشم ، وبني المطلب ، وبني أسد بن عبد العزى ، وبني زهرة ، وبني تيم بن مرة ، تعاقدوا في دار ابن جدعان في شهر حرام قياماً يتماسحون بأكفهم صعداً ليكونن مع المظلوم حتى يؤدوا إليه حقه ما بل بحر صوفة ، وفي التأسي في المعاش والتساهم بالمال. وكانت النباهة في هذا الحلف للزبير بن عبد المطلب ولعبد الله بن جدعان ، أما ابن جدعان فلأن الحلف عقد في داره ، وأما الزبير فلأنه هو الذي نهض فيه ودعا إليه وحث عليه وهو الذي سماه حلف الفضول. وذلك لأنه لما سمع الزبيدي المظلوم ثمن سلعته قد أوفى على أبي قبيس قبل طلوع الشمس رافعاً عقيرته وقريش في أنديتها قائلاً:
يا للرجال لمظلوم بضاعته
* ببطن مكة نائي الحي والنفر

إن الحرام لمن تمت حرامته
* ولا حرام لثوبي لابس الغدر

حميَ وحَلَفَ ليعقدن حلفاً بينه وبين بطون من قريش يمنعون القوي من ظلم الضعيف ، والقاطن من عنف الغريب ثم قال:
حلفت لنعقدن حلفاً عليهم
* وإن كنا جميعاً أهل دار

نسميه الفضول إذا عقدنا
* يعز به الغريب لدى الجوار

ويعلم من حوالي البيت أنا
* أباة الضيم نهجر كل عار

فبنو هاشم هم الذين سموا ذلك الحلف حلف الفُضول ، وهم كانوا سببه ، والقائمين به دون جميع القبائل العاقدة له والشاهدة لأمره ، فما ظنك بمن شهده ولم يقم بأمره! قال أبو عثمان: وكان الزبير بن عبد المطلب شجاعاً أبياً ، وجميلاً بهياً ، وكان خطيباً شاعراً ، وسيداً جواداً ، وهو الذي يقول:
ولولا الحمس لم يلبس رجال
* ثياب أعزة حتى يموتوا

ثيابهم شمال أو عباء
* بها دنس كما دنس الحميت

قال: وبنو هاشم هم الذين ردوا على الزبيدي ثمن بضاعته وكانت عند العاص بن وائل، وأخذوا للبارقي ثمن سلعته. وفي ذلك يقول البارقي:
ويأبى لكم حلف الفضول ظلامتي
* بني جمح والحق يؤخذ بالغصب

وهم الذين انتزعوا من نبيه بن الحجاج قتول الحسناء بنت التاجر الخثعمي ، وكان كابره عليها حين رأى جمالها)!

وحسدت قريش عبد المطلب فتحالفت ضده !

قال اليعقوبي (1/247): (ولما رأت قريش أن عبد المطلب قد حاز الفخر طلبت أن يحالف بعضها بعضاً ليعزوا ، وكان أول من طلب ذلك بنو عبد الدار لما رأت حال عبد المطلب ، فمشت بنو عبد الدار إلى بني سهم فقالوا: إمنعونا من بني عبد مناف ! فلما رأى ذلك بنو عبد مناف اجتمعوا خلا بني عبد شمس ، فإن الزبيري قال: لم يكن ولد عبد شمس في حلف المطيبين ، ولا ولد عبد مناف ، وإنما كان فيهم هاشم وبنو المطلب وبنو نوفل. وقال آخرون: كانت بنو عبد شمس معهم فأخرجت لهم أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب طيباً في جفنة ثم وضعتها في الحجر فتطيب بنو عبد مناف وأسد وزهرة ، وبنو تيم ، وبنو الحارث بن فهر، فسموا حلف المطيبين ، فلما سمعت بذلك بنو سهم ذبحوا بقرة ، وقالوا: من أدخل يده في دمها ولعق منه فهو منا! فأدخلت أيديها بنو سهم وبنو عبد الدار وبنو جمح وبنو عدي وبنو مخزوم ، فسموا اللعقة  ! وكان تحالف المطيبين ألا يتخاذلوا، ولايسلم بعضهم بعضاً ، وقالت اللعقة: قد أعتدنا لكل قبيلة قبيلة).

أوصى عبد المطلب بالرئاسة لابنه أبي طالب !

برز أبو طالب زعيماً في قريش والعرب ، لكن قريشاً أبرزت مع أبي طالب شخصيات قرشية ، منهم حرب بن أمية بن عبد شمس رئيساً لبني عبد شمس، وأبو أحيحة سعيد بن العاص بن أمية رئيساً لبني أمية ، وعبد يزيد بن هاشم بن المطلب رئيساً لبني المطلب ، والمطعم بن عدي بن نوفل رئيساً لبني نوفل بن عبد مناف، وخويلد بن أسد ، وعثمان بن الحويرث بن أسد رئيسين لبني أسد بن عبد العزى ، والوليد بن المغيرة رئيساً لبني مخزوم ، وعمرو بن نفيل رئيساً لبني عدي ، وأمية بن خلف رئيساً لبني سهم وبني جمح ، وعمرو بن عبد شمس رئيساً لبني عامر بن لؤي ،وعكرمة بن هاشم بن عبد مناف رئيساً لبني عبد الدار ، ومخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف رئيساً لبني زهرة ، وعبد الله بن جدعان بن عمرو رئيساً لتيم بن مرة ، وضرار بن الخطاب بن مرداس رئيساً لبني محارب بن فهر ، وعبد الله أبو أبي عبيدة بن الجراح رئيساً لبني الحارث بن فهر). ( المنمق لابن حبيب/331).

  • *

الفصل الثاني - قريش عند بعثة النبي صلى الله عليه وآله

نزل خبر بعثة النبي صلى الله عليه وآله كالصاعقة على زعماء قريش !

فبمجرد أن سمعوا أن ابن بني هاشم يقول إن الله أرسلني رسولاً، استشاطوا غضباً وغيضاً ، وثاروا وفاروا كالذئاب الكاسرة ، يريدون أن يقتلوا محمداً صلى الله عليه وآله ، لأن بني هاشم يريدون أن يأخذوا رئاسة قريش !
وذهبوا إلى أبي طالب وطلبوا منه أن يسلمهم النبي صلى الله عليه وآله ليقتلوه ! فردهم أبو طالب وأعلن حمايته للنبي صلى الله عليه وآله وهددهم إن مسوا منه شعرة ! وجمع بني هاشم لحمايته ، فقام القرشيون بحملة دعاية ضد النبي صلى الله عليه وآله وبني هاشم ، وأخذوا يترصدون الفرصة لقتل محمد صلى الله عليه وآله .
وبعد مدة ذهبوا الى أبي طالب مرة ثانية ، وأخذوا له عمارة بن الوليد بن المغيرة: (فقالوا له يا أبا طالب ، هذا عمارة بن الوليد ، أبهى فتى في قريش وأجمله ، فخذه إليك فاتخذه ولداً فهولك ، وأسلم لنا هذا ابن أخيك الذي قد خالف دينك ودين آبائك ، وفرق جماعة قومك لنقتله ، فإنما هو رجل برجل. فقال أبو طالب والله ما أنصفتموني ! تعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه ! هذا والله ما لا يكون أبداً ، فقال له المطعم بن عدي بن نوفل وكان له صديقاً مصافياً: والله يا أبا طالب ما أراك تريد أن تقبل من قومك شيئاً ! لعمري قد جهدوا في التخلص مما تكره وأراك لا تنصفهم ! فقال أبو طالب والله ما أنصفوني ولا أنصفتني، ولكنك قد أجمعت على خذلاني ومظاهرة القوم عليَّ فاصنع ما بدا لك! قال: فعند ذلك تنابذ القوم).(شرح النهج:14/56).

لماذا لم يطلب القرشيون من نبيهم دليلاً ولا معجرة ؟

الجواب: لأن موقفهم رفض نبوته صلى الله عليه وآله مهما جاء بآيات ومعجزات ، لأنهم يرفضون أن يتأمر عليهم بنو هاشم ! فموقفهم موقف قبلي معاند قبل الدليل والمعجزة ! وهو كموقف الأقباط العنصري الذين أعلنوا أنهم لا يخضعون لنبي من بادية فلسطين: وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. ثم تحججوا بأن الرسول صلى الله عليه وآله بشر وهم يريدون رسولاً من الملائكة، ولكنهم يكذبون فأصل رفضهم لأنهم لا يريدون الخضوع لرجل من قومية أخرى كالأقباط ، وبطون قريش مثلهم لا يريدون الخضوع لبني هاشم!
قال الله تعالى عن قريش: وَمَا تَأتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ.
وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ. لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ.
وقال تعالى عن الأمم السابقة: ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى الله وَاللَّهُ غَنِىٌّ حَمِيدٌ.

أخبر الله تعالى أن بطون قريش لن تؤمن لا الآن ولا في المستقبل !

فقد وصفهم الله عز وجل بأنهم أئمة الكفر، وأنهم فراعنة أسوأ من فرعون مصر! وحكم عليهم بأن أكثريتهم حق عليهم القول والعذاب ، فلن يؤمنوا ولن يعبدوا الله ، لا الآن ولا في المستقبل! قال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ.لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ. وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ. وقال تعالى: لِتُنْذِرَ قوماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ. لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.

  • *

الفصل الثالث - غضبت قريش من استخلاف النبي صلى الله عليه وآله علياً عليه السلام

استنفرت لما جمع النبي صلى الله عليه وآله بني هاشم واتخذ منهم وصياً

انتشرخبر بعثة النبي صلى الله عليه وآله فاستشاط زعماء قريش غضباً ، واتخذوا قراراً بقتله قبل أن يسمعوا حجته! وزاد غضبهم لما أمره ربه أن يدعو عشيرته الأقربين بني هاشم ويتخذ منهم وصياً، وقد روى الجميع حديث الدار في تفسير قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
فقد جمع النبي صلى الله عليه وآله بني هاشم وكانوا أربعين رجلاً ودعاهم الى الإسلام وطلب أن يتفرغ منهم رجل معه للدعوة فاستجاب له عليٌّ عليه السلام فأعلنه أخاً ووزيراً ووصياً وخليفة. فكان ذلك نبأ عظيماً على قريش وهوأن بني هاشم ادعى ابنهم النبوة ثم اختار ابن عمه وصيه وخليفته ، وكأن قبائل قريش لا وجود لها ! وأرادت بطون قريش أن تتأكد فأرسلت أبا سفيان ليستطلع الأمر ففي رواية بسند صحيح عندهم رواها في مناقب آل أبي طالب(2/ 276) من تفسير القطان عن وكيع ، عن سفيان ، عن السدي ، عن عبد خير ، عن علي قال: (أقبل صخر بن حرب حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد هذا الأمر بعدك لنا أم لِمَنْ ؟ قال: يا صخرالأمر بعدي لمن هو بمنزلة هارون من موسى!
قال: فأنزل الله تعالى: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ.عَنِ النَّبَإِ العَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ. منهم المصدق بولايته وخلافته ، ومنهم المكذب بها)!
وفي الصحيح في الكافي(1/207)عن الباقر عليه السلام قال أبو حمزة الثمالي:(قلت له: جعلت فداك إن الشيعة يسألونك عن تفسير هذه الآية: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ.عَنِ النَّبَإِ العَظِيمِ؟ قال: هي في أميرالمؤمنين صلوات الله عليه، كان أميرالمؤمنين يقول: ما لله عز وجل آية هي أكبر مني، ولا لله من نبأ أعظم مني).
وفي هذه السنوات الثلاث كانت آيات القرآن وسوره متواصلة وعلنية ، وكانت السِّرية فقط على أشخاص كتموا إسلامهم خوفاً من قريش كعمار ، أو كتموه حرصاً على نجاح الدعوة ، كأبي طالب وحمزة.
قال ابن إسحاق في سيرته (2/126): (ثم إن الله تعالى أمر رسوله (ص) أن يصدع بما جاء به وأن ينادي الناس بأمره وأن يدعو إلى الله تعالى ، وكان ربما أخفى الشئ واستسر به إلى أن أمر بإظهاره ثلاث سنين من مبعثه).
وقال ابن هشام(1/169): (وكان بين ما أخفى رسول الله (ص) أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين. ثم قال الله تعالى له: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ، إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ). والإستيعاب (1/34).
ولذا حسبَت بعض الأحاديث سنوات البعثة النبوية في مكة عشر سنوات.
وروى النسائي في خصائص علي عليه السلام /86: (يا بني عبد المطلب إني بعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة ، وقد رأيتم من هذه الآية ما قد رأيتم (إشباعهم من الطعام القليل) وأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي؟ فلم يقم إليه أحد ، فقمت إليه وكنت أصغر القوم فقال: اجلس. ثم قال ثلاث مرات ، كل ذلك أقوم إليه فيقول اجلس ، حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي. ثم قال: فبذلك ورثت ابن عمي دون عمي). وقد أخفوا حديث الدار ودعوة النبي صلى الله عليه وآله لعشيرته الأقربين ، واختياره علياً عليه السلام خليفة له بأمر ربه وأمرهم بطاعته ، وكيف سخر منه أبو لهب ، واتهمه بأنه سحرهم فأشبعهم من طعام قليل! وقال لأبي طالب إن محمداً يأمرك أن تسمع لابنك وتطيع !
ومع حرص الخلافة القرشية على إخفاء الحق ، بقيت منه أجزاء تدل على تفسير الآية الصحيح ، روتها مصادرهم مثل: مسند أحمد:1/159، ومجمع الزوائد:8/302 ، وشواهد التنزيل:1/547 ، وتفسير ابن كثير:3/363، وتاريخ دمشق:42/ 46 ، وطبقات ابن سعد:1/187 ، وتهذيب الكمال:9/147، والرياض النضرة/396.
ومن مصادرنا: مناقب آل أبي طالب:1/305 ، وسعد السعود/105، والتعجب لأبي الفتح الكراجكي/133، والمراجعات/299، والغدير:2/280. ومنهاج السنة للسيد الميلاني/287.

اسلام أبي ذر يعطي صورة عن إرهاب قريش في السنوات الأولى

فإن رواية إسلام أبي ذر، تصورالظروف المحيطة بالنبي صلى الله عليه وآله في هذه المرحلة.
قال الإمام الصادق عليه السلام ( الكافي: 8 / 297، وأمالي الصدوق / 567): (إن أبا ذر كان في بطن مَرّ (قرب مكة) يرعى غنماً له ، فأتى ذئب عن يمين غنمه فهشَّ بعصاه على الذئب ، فجاء الذئب عن شماله فهش عليه أبو ذر ، ثم قال له أبو ذر: ما رأيت ذئباً أخبث منك ولا شراً ! فقال له الذئب: شر والله مني أهل مكة بعث الله عز وجل إليهم نبياً فكذبوه وشتموه ! فوقع في أذن أبي ذر ! فقال لامرأته: هلمي مزودي وإداوتي وعصاي ، ثم خرج على رجليه يريد مكة ليعلم خبر الذئب وما أتاه به ! حتى بلغ مكة فدخلها في ساعة حارة وقد تعب ونصب ، فأتى زمزم وقد عطش فاغترف دلواً فخرج لبن ! فقال في نفسه: هذا والله يدلني على أن ما خبرني الذئب وما جئت له حق ، فشرب وجاء إلى جانب من جوانب المسجد فإذا حلقة من قريش فجلس إليهم فرآهم يشتمون النبي صلى الله عليه وآله كما قال الذئب ! فما زالوا في ذلك من ذكر النبي والشتم له حتى جاء أبو طالب من آخر النهار فلما رأوه قال بعضهم لبعض: كفوا فقد جاء عمه ! قال فكفوا فلما دنا منهم أكرموه وعظموه ، فلم يزل أبو طالب متكلمهم وخطيبهم إلى أن تفرقوا. فلما قام أبو طالب تبعته فالتفت إلي فقال: ما حاجتك ؟ فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم. قال: وما حاجتك إليه؟فقال له أبو ذر:أومن به وأصدقه وأعرض عليه نفسي ولا يأمرني بشئ إلا أطعته. فقال أبو طالب: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ قال فقلت: نعم ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقال: وتفعل؟ قلت: نعم. قال: فتعال غداً في هذا الوقت إلي حتى أدفعك إليه ، قال: بت تلك الليلة في المسجد حتى إذا كان الغد جلست معهم ، فما زالوا في ذكر النبي صلى الله عليه وآله وشتمه حتى إذا طلع أبو طالب ، فلما رأوه قال بعضهم لبعض: أمسكوا فقد جاء عمه ! فأمسكوا ، فلما قام أبو طالب تبعته فالتفت إلي فقال: ما حاجتك؟ فأعاد عليه ما قاله، فقال: قم معي فتبعته فدفعني إلى بيت فيه حمزة فسلمت عليه وجلست فقال لي: ما حاجتك؟ فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم؟ فقال: وما حاجتك إليه ؟ قلت: أومن به وأصدقه وأعرض عليه نفسي ولا يأمرني بشئ إلا أطعته. فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ؟ قال: فشهدت قال: فدفعني حمزة إلى بيت فيه جعفر فسلمت عليه وجلست فقال لي جعفر: ما حاجتك؟ فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم قال: وما حاجتك إليه؟فقلت:أومن به وأصدقه وأعرض عليه نفسي ولايأمرني بشئ إلا أطعته فقال:تشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمداً عبده ورسوله؟ قال فشهدت فدفعني إلى بيت فيه عليٌّ فسلمت وجلست فقال: ما حاجتك؟ فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم؟ قال: وما حاجتك إليه ؟ قلت: أومن به وأصدقه وأعرض عليه نفسي ولا يأمرني بشئ إلا أطعته ، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ قال: فشهدت فدفعني إلى بيت فيه رسول الله صلى الله عليه وآله فسلمت وجلست فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله : ما حاجتك؟ قلت: النبي المبعوث فيكم؟ قال: وما حاجتك إليه ؟ قلت: أومن به وأصدقه ولا يأمرني بشئ إلا أطعته، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ فقلت:أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أبا ذر انطلق إلى بلادك ، فإنك تجد ابن عم لك قد مات وليس له وارث غيرك ، فخذ ماله وأقم عند أهلك حتى يظهر أمرنا ! قال: فرجع أبو ذر فأخذ المال وأقام عند أهله حتى ظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وآله ).
وفي الاستيعاب 4/1654: (فقال له النبي صلى الله عليه وآله :إرجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري. قال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم ! فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكب عليه ، قال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجاركم إلى الشام فأنقذه منهم).
أقول: هذه ظروف حياة النبي صلى الله عليه وآله التي نزل فيها قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اَتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وقد بقيت ظروفه هكذا حتى نزل قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ، إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ. وكان نزولها في أول السنة الرابعة.
وفي رواية ابن سعد أن أبا ذر اقتص من قريش(4/222):(فانصرف فكان يكون بأسفل ثنية غزال يعترض لعيرات قريش فيقتطعها ، فيقول لا أرد إليكم منها شيئاً حتى تشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فإن فعلوا رد عليهم ما أخذ منهم ، وإن أبوا لم يرد عليهم شيئاً. فكان على ذلك حتى هاجر رسول  الله صلى الله عليه وآله ).

الفصل الرابع - من آيات القرآن القاصعة في قريش !

1- نموت ولا نطيع رجلاً من بني هاشم حتى لو أرسله الله !

قال الله تعالى عن القرشيين: وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَالْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. وبذلك سجل القرشيون رقماً قياسياً في التعصب القبلي والتكبر والعناد ! وفاقوا غطرسة بني إسرائيل وعنادهم.
روى البلاذري(5/63): (قال معاوية لرجل من اليمن: ما كان أجهل قومك حين ملَّكوا عليهم امرأة ! فقال: أجهل من قومي قومك الذين قالوا حين دعاهم رسول الله: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ ! ولم يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه).
أي: لانقبل نبياً من بني هاشم حتى لو كان حقاً ، ونفضل الموت على ذلك ! فإن كنت ياربنا أرسلت نبياً منهم فأمطر علينا حجارة من السماء وأهلكنا فهو خير لنا !
فأجابهم الله عز وجل إنكم فراعنة أسوأ من فرعون: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً.
وقال لهم النبي صلى الله عليه وآله في بدر: (جزاكم الله من عصابة شراً لقد كذبتموني صادقاً وخونتموني أميناً ! ثم التفت إلى أبي جهل بن هشام فقال: إن هذا أعتى على الله من فرعون! إن فرعون لما أيقن بالهلاك وحَّدَ الله ، وهذا لما أيقن بالهلاك دعا باللات والعزى)! (أمالي الطوسي:1/316 و الزوائد: 6/91).
وأنزل الله فيهم: وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ. بينما أخذ الله فرعون وقومه بالسنين أي الجدب والقحط فطلبوا من موسى عليه السلام أن يدعو لهم ربه: وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ.
لكن قريشاً لم يتضرعوا ولم يدعوا الله تعالى ، ولا طلبوا من النبي صلى الله عليه وآله أن يدعو لهم. وأرسل النبي صلى الله عليه وآله لهم أحمالاً من المواد الغذائية رحمة بأطفالهم ، فقبلها بعضهم وردها العتاة منهم !

  • *

2- قريش لن تعبد الله في المستقبل !

قال الله عز وجل: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ. وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِي دِينِ.
والمخاطب به قريش ، فقد روى الجميع أن السورة نزلت جواباً على قولهم للنبي صلى الله عليه وآله : أعبد آلهتنا سنة ، ونعبد إلهك سنة ، فنزلت السورة.
قال الإمام الصادق عليه السلام :(كان سبب نزولها وتكرارها أن قريشاً قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله : تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة ، ونعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة. فأجابهم الله بمثل ما قالوا). (تفسير القمي:2/446).
وفي سيرة ابن هشام(1/243) وأمالي المفيد/247:(اعترض رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يطوف بالكعبة الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل السهمي ، وكانوا ذوي أسنان في قومهم فقالوا: يا محمد ، هلم فلنعبد ما تعبد ، وتعبد ما نعبد ، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيراً مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيراً مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه ، فأنزل الله تعالى فيهم: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ..).
فاتضح أن: وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. للزمن الحاضر، والثانية للمستقبل، فهي إخبار من الله تعالى بأن القرشيين ما آمنوا الآن ، ولن يؤمنوا في المستقبل، وتكذيب للخلافة القرشية بأنهم أسلموا وعبدوا الله تعالى وحسن إسلامهم!
قد يقال: إن المخاطب في السورة الكافرون، والمتيقن منهم من قالوا للنبي أعبد آلهتنا لنعبد إلهك ، وهم بعض قريش وليس كلها.
والجواب: نعم ، إن جو السورة يوحي بالعموم لكنها ليست نصاً على أن جميع قريش لن تعبد الله في المستقبل، لكن قوله تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ. لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. نصٌّ على أن أكثرهم حق عليهم القول: لَأمْلانَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. أي لا يؤمن الآن ولا في المستقبل، فيكون قوله تعالى: وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. لأكثرهم على الأقل.

  • *

3- طالما مكرت قريش لاغتيال رسول الله صلى الله عليه وآله فأحبط الله مكرها !

قال الله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
أي عملوا بأساليب ماكرة ليحبسوك ، أو يجرحوك جرحاً يقعدك عن الحركة ، أو يقتلوك ، أو يخرجوك من مكة. والله تعالى يمكر لك فيعلمك رد مكرهم، ويهيئ لك علياً عليه السلام فينام في فراشك، ثم يُجري الله مقاديره التي تحبط مكرهم.
وهكذا كان عمل قريش من بعثة النبي صلى الله عليه وآله الى هجرته ، وبعد هجرته !
وقد اتفق المفسرون على أن هذه الآية نزلت لما عرفت قريش ببيعة الأنصار له في منى فحاصروا النبي صلى الله عليه وآله في بيته وهو نائم ليقتلوه ، فأمره الله بالهجرة وأن يُبيت علياً عليه السلام في فراشه ، فخرج ولم يروه ، ورشَّ على رؤوسهم التراب.
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج (13/262): (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُالله وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ. أنزلت في ليلة الهجرة ، ومكرهم كان توزيع السيوف على بطون قريش ، ومكر الله تعالى هو منام علي عليه السلام على الفراش).
وفي تفسير القمي(1/275): (ونزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره أن قريشاً قد اجتمعت في دار الندوة يدبرون عليك، وأنزل عليه في ذلك:وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ. واجتمعت قريش أن يدخلوا عليه ليلاً فيقتلوه ، وخرجوا إلى المسجد يصفرون ويصفقون ويطوفون بالبيت ، فأنزل الله: وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً. فالمكاء التصفير، والتصدية صفق اليدين. وهذه الآية معطوفة على قوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا).
وهذه لمحة عن محاولات قريش اغتيال النبي صلى الله عليه وآله :
منها: إصرارهم على قتله في بدء الدعوة ، وعرضهم على أبي طالب أن يسلمهم إياه ليقتلوه ، ويعطوه بدله بعض فتيانهم. ثم تواصل إصرارهم ومحاولاتهم ، قبل محاصرتهم بني هاشم في الشعب ، وخلاله ، وبعده.
ومنها: محاولتهم قتله صلى الله عليه وآله في ليلة الهجرة ، على يد نحوعشرين رجلاً ، كل رجل من قبيلة ، فأنجاه الله منهم بعلي عليه السلام وبجنود لم تروها.
ومنها: محاولة اليهود بني النضير اغتيال النبي صلى الله عليه وآله بإلقاء حجر عليه من أعلى السطح ، فأخبره الله تعالى وترك مكانه ، فأحبط عملهم.
ومنها: محاولتهم في خيبر بطعام مسموم فكشف الله كيدهم وخيب ظنهم.
ومنها: في رجوعه من تبوك وستأتي في تفسير قوله تعالى: وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا.
ومنها: محاولتهم قتله صلى الله عليه وآله بالسم في مرض وفاته ، وقد نجحوا في ذلك ففي يوم الأحد اشتد مرضه ولدُّوه رغم نهيه ، وفي يوم الإثنين تفل دماً ، وتوفي عليه السلام .
وفي ذلك أحاديث عديدة أوردناها في كتاب: السيرة النبوية عند أهل البيت عليهم السلام .
ففي حديث البخاري(5/143): (قالت عائشة لددناه في مرضه فجعل يشيرالينا أن لا تلدوني فقلنا كراهية المريض للدواء فلما أفاق قال:ألم أنهكم أن تلدوني؟قلنا:كراهية المريض للدواء! فقال:لايبقى أحد في البيت إلا لُدَّ وأنا أنظر، إلا العباس فإنه لم يشهدكم). ومعناه: إني أتهم جميع الحاضرين غير بني هاشم !
وروينا عن الإمام الحسن عليه السلام أنه قال: (إني أموت بالسم كما مات رسول الله صلى الله عليه وآله قالوا: ومن يفعل ذلك ؟قال: امرأتي جعدة بنت الأشعث) !
ومثله قول ابن مسعود: (لئن أحلف تسعاً أن رسول الله صلى الله عليه وآله قتل قتلاً أحب إلي من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل). (مسند أحمد:1/408).
ومثله قول الشعبي(الحاكم:3/59): (والله لقد سُمَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسُم أبو بكر).

4- أخبر الله تعالى أن قريشاً ستحكم بعد النبي صلى الله عليه وآله وتفسد في الأرض

قال الله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ. طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ. فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ الله فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ. أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا. إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا للَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ الله سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ. فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ. أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ الله أَضْغَانَهُمْ. وَلَوْ نَشَاءُ لارَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ. وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ الله وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ.
وهؤلاء المفسدون قرشيون لأنهم حكام ولم يحكم بعد النبي صلى الله عليه وآله إلا قريش. وبدليل قوله الله تعالى عنهم: رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ.
وقال عنهم:كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ. يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ.
والذين كرهوا المضي الى بدر لما أفلتت القافلة أبو بكر وعمر، فقد استشار أصحابه لما جاءت قريش لحربهم، وأكد لهم وعد ربه بإحدى الطائفتين.
قال مسلم في صحيحه (5/170): (شاور أصحابه حين بلغه إقبال أبي سفيان فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ، ثم تكلم عمر فأعرض عنه).
والمفسدون بطون قريش بدليل أنهم قطعوا أرحامهم بني هاشم: قال ابن الجوزي في تذكرة الخواص (2/271): (حكى جدي أبوالفرج عن القاضي أبي يعلى ابن الفرّاء في كتابه: المعتمد في الأصول ، بإسناده إلى صالح بن أحمد بن حنبل قال قلت لأبي: إن قوماً ينسبوننا إلى توالي يزيد! فقال: يا بني ، وهل يتوالى يزيد أحد يؤمن بالله ؟ قلت وهل يجوز لعنه فقال: لم لا يلعن من لعنه الله في كتابه ؟ فقلت: وأين لعن الله يزيد في كتابه؟ فقال: في قوله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ؟أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ. فهل يكون فساد أعظم من القتل).

5 – (صحابة) قرشيون كفروا وخططوا لقتل النبي صلى الله عليه وآله !

قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ الله عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ. فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ. أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ.
فما هي كلمة الكفرالتي إذا قالها صحابي يرتد ويخرج من الملة ، ويحتاج الى التوبة والدخول في الإسلام من جديد !
ومَن هم الذين قالوا كلمة الكفر ، فارتدوا وخرجوا من الملة ؟
ومَن هم الذين همُّوا بقتل النبي صلى الله عليه وآله ليلة العقبة في رجوعه من تبوك ؟
لقد تفننت قريش وبذلت جهوداً وسخَّرت رواتها لتضييع أبطال كلمة الكفر ، ثم لتضييع أبطال مؤامرة ليلة العقبة !
فلو رجعت الى تفاسيرهم لوجدت غابة من الإحتمالات ، ووجدت المتهمين بكلمة الكفر والمتهمين بمحاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وآله أشخاصاً مجهولين من الأنصار ، وليس في المتهمين قرشي واحد !
فقد وجدوا رجلاً نكرة هو الجلاس بن الصامت الأنصاري، وكان من المتخلفين عن النبي صلى الله عليه وآله الى تبوك ، فقالوا: هو الذي قال كلمة الكفر ، وهو الذي اشترى فرساً ليغتنم الفرصة ويقتل النبي صلى الله عليه وآله !
وقد كشف كذبهم قوله تعالى: وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ، فقد نزل في مؤامرة قتل النبي صلى الله عليه وآله في عودته من تبوك ، والجلاس كان من المتخلفين ولم يذهب معه الى تبوك! ولا أسلم ليصدق عليه: وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ !
ثم إن الذين قالوا كلمة الكفر نفسهم أهل العقبة ، لأنهم قالوا كلمة الكفر وهمُّوا: وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا.
لكن بقيت رواية الجلاس كذبةً محببة عند المفسرين وكتَّاب السيرة ، لأنها تبعد الكفر والمؤامرة عن سادتهم زعماء بطون قريش!
وحقيقة القضية: ما رويناه نحن ،كما في تفسير القمي(1/175): (فلما نزل قال: ما بال أقوام تحالفوا في الكعبة إن مات محمد أو قتل ألا يردوا هذا الأمر في أهل بيته أبداً ! فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فحلفوا أنهم لم يقولوا من ذلك شيئاً ولم يريدوه ولم يكتموا شيئاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله ! فأنزل الله: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا، أن لا يردوا هذا الأمر في أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله ! وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا. من قتل رسول الله صلى الله عليه وآله . وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ الله عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ).
فالذين قالوا كلمة الكفر هم أنفسهم الذين هموا بما لم ينالوا ! لكن المفسرين خدام بطون قريش فصلوا بينهما ليبعدوا المؤامرة عن زعماء قريش !
والصحيح تفسير علماء الشيعة لقوله تعالى: وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا. قالوا لا نطيعه في عترته ، بل نعزلهم ونأخذ خلافته ، وأن القائلين كلمة الكفر هم الذين أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وآله .وهذا هو الأنسب بالآية وبمنطق الأمور. ولا عبرة بمن أصر على إبعادها عن قريش!
وقد كذب نافع بن جبيرالقرشي فقال: لم يخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بأسماء المنافقين الذين تحسسوه ليلة العقبة بتبوك غير حذيفة. وهم اثنا عشر رجلاً ليس فيهم قرشي ، وكلهم من الأنصار ومن حلفائهم ! ( الدر المنثور:2/259).
واضطربت كلماتهم في تفسيركلمة الكفر فقال بعضهم إنها الإكراه على الكفر. وقال بعضهم كمجاهد ومقاتل إنها كلمة قالها أنصاري مغمور هو الجلاس بن سويد الصامت ، قال: إن كان ما جاء به محمد حقاً لنحن أشر من الحمير !
وروى الطبري أن النبي صلى الله عليه وآله قال: والذي نفسي بيده لتنفقن كنوز كسرى وقيصر في سبيل الله. فقال أحدهم: مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا.
وقال الباقلاني:كلمة الكفر شتم رب العالمين.وقال عبد الرزاق وابن عطية وابن كثير: هي قول ابن أبي سلول: سمن كلبك يأكلك! وتبوك بعدوفاته !
وقال الواحدي والسمعاني والبغوي:هي سب الرسول صلى الله عليه وآله وطعنهم في الدين. وقال الزمخشري: هي قول بعضهم لاتنفروا مع رسول الله في الحر. وقال ابن العربي: وجملة ذلك اعتقادهم وقولهم إنه ليس بنبي.
وهذا التكثير للإحتمالات لتضييع معنى الآية ، وإبعادها عن قريش، وزعمائها !

6- وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا: كانت مؤامرة قرشية محكمة !

لما وصل في رجوعه من تبوك الى جبل كبير وعرفوا أن النبي صلى الله عليه وآله سيسلك مضيق العقبة وهو مضيق يتسع لبعير واحد ، ونادى منادي النبي صلى الله عليه وآله أن لا يمر أحد من العقبة ! فوضع المنافقون خطة محكمة أن يسبقوه ويكمنوا في أعلى الجبل فإذا وصل الى المكان المناسب ألقوا الصخورعلى ناقته ليسقط في الوادي فيقتلونه ويرجعون ويبكون علىه ، ويصفقون على يد أحدهم بخلافته !
وكانت نسبة النجاح في خطتهم عالية، لكن الله تعالى لطف بالنبي صلى الله عليه وآله فمرت الصخرة من جنب ناقته وثبتت الناقة ، ونزل جبرئيل فأخبر النبي صلى الله عليه وآله بهم وضرب بجناحه فأضاءت قمة الجبل عليهم فخاطبهم النبي صلى الله عليه وآله ولعنهم واحداً واحداً ، فلفوا رؤوسهم ونزلوا ، ورجعوا الى أماكنهم في الجيش.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله حذيفة بن اليمان وعماراً أن يحفظا أسماءهم ويسكتا ، فكان حذيفة لايصلي على جنازة أحد منهم ، وعرف عنه أنه لم يصلَّ على جنازة زعماء قريش الذين ماتوا في عصره.

وفي شذرات الذهب لابن العماد (1/44):(كان عمر لايصلي على ميت حتى يصلي عليه حذيفة ، يخشى أن يكون من المنافقين).
وقال ابن كثير في السيرة (4/35): (روينا عن أميرالمؤمنين عمر بن الخطاب أنه قال لحذيفة:أقسمت عليك بالله أأنا منهم؟قال:لا ، ولا أبرى بعدك أحداً)!
ولم يفكروا: ما سبب هذا السؤال ؟!
وفي صحيح مسلم(8 /123) وفتح الباري(8/338): (كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس فقال:أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة؟ قال فقال له القوم:أخبره إذ سألك ! قال: كنا نُخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر! وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)!
وفي تاريخ دمشق (32/93): (عن أبي تحيى حكيم قال: كنت جالساً مع عمار فجاء أبو موسى فقال: ما لي ولك ألست أخاك؟ قال: ما أدري ، إلا أني سمعت رسول الله يلعنك ليلة الجبل! قال: إنه قد استغفر لي! قال عمار: قد شهدت اللعن ولم أشهد الإستغفار !).
(وذكرت رواياتنا أن حذيفة كشف أسماءهم في خطبته في مرض وفاته في المدائن ، لما تحدث عن مؤامرة قريش على النبي صلى الله عليه وآله وعترته وقال في حديثه عن ليلة العقبة: (فنظرت والله إلى القوم فعرفتهم رجلاً رجلاً وإذا هم كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله ، وعدد القوم أربعة عشر رجلاً ، تسعة من قريش وخمسة من سائر الناس(من أتباعهم) فقال له: سمهم لنا يرحمك الله، فقال حذيفة:هم والله فلان وفلان وفلان..). (البحار: 28 /100).
وأمر الله رسوله صلى الله عليه وآله أن يكتم أسماءهم ، ولايعاقبهم حتى لاتعلن قريش الردة عن الإسلام ! قالوا: أفلا تأمر بهم يا رسول الله أن تُضرب أعناقهم؟ قال: أكره أن يتحدث الناس ويقولوا:إن محمداً قد وضع يده في أصحابه!
ولو قتلهم لا تخذت قريش هذا القول مبرراً لإعلان ردتها ! وإذا ارتدت قريش ارتدت معها قبائل العرب ، وهذا أضر على الإسلام من الصبر عليهم!

7- ثم عصت قريش النبي صلى الله عليه وآله في وادي المشقق !

وقد نهاهم النبي صلى الله عليه وآله عن الشرب منه إذا وصلوا قبله فخالفوه فلعنهم !
ففي معجم البلدان (5 / 135) وابن هشام(4/954) والطبري(2 / 373): (المشقَّق: قال ابن إسحاق في غزوة تبوك: وكان في الطريق ماء يخرج من وَشَل ما يروي الراكب والراكبين والثلاثة ، بواد يقال له المشقق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : من سبقنا إلى هذا الماء فلا يستقين منه شيئاً حتى نأتيه ، قال فسبقه إليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه ، فلما أتاه رسول الله وقف عليه فلم ير فيه شيئاً فقال: من سبقنا إلى هذا الماء ؟ فقيل له: يا رسول الله فلان وفلان ، فقال: أوَلم أنههم أن يستقوا منه شيئاً حتى آتيهم؟ ثم لعنهم رسول الله ودعا عليهم !
ثم نزل فوضع يده تحت الوشْل فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب ثم نضحه به ومسحه بيده ، ودعا رسول الله بما شاء أن يدعو به فانخرق من الماء كما يقول من سمعه أما إن له حساً كحس الصواعق فشرب الناس واستقوا حاجتهم فقال رسول الله: لئن بقيتم أو من بقي منكم لتسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه).
وفي إمتاع الأسماع (2 / 71): (وأقبل قافلاً حتى كان بين تبوك وواد يقال له وادي الناقة وهو وادي المشقق..فسبق إليه أربعة من المنافقين: معتب بن قشير والحارث بن يزيد الطائي حليف بني عمرو بن عوف ، ووديعة بن ثابت ، وزيد بن اللصيت فقال: ألم أنهكم؟ولعنهم ودعا عليهم ثم نزل).
وقد اخترعوا هؤلاء النكرات ليغطوا على القرشيين الذين عصوا وشربوا من الماء !
وقد أراد النبي صلى الله عليه وآله بنهيهم عن الشرب قبل وصوله أن يمتحنهم بالطاعة ، كما امتحنهم طالوت عليه السلام قومه بعدم شرب الماء في قوله تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ.
وقد أخفت الحكومات أسماء الذين عصوا ولعنهم النبي صلى الله عليه وآله ودعا عليهم ، وكانوا اثنين في رواية ، وقوماً في رواية ، ولا بد أنهم كانوا من كبار القرشيين فأخفوا اسماءهم ، وتدل الرواية على أنهم من أهل ليلة العقبة !
قال السيد شرف الدين في كتابه أبو هريرة /97: (وما كان للأمة أن تحتفظ بكرامة من لعنهم نبيها صلى الله عليه وآله لنفاقهم ونفاهم لإفسادهم ، فتضيع على أنفسها المصلحة التي توخاها صلى الله عليه وآله لها في لعنهم وإقصائهم ، وهم الذين دحرجوا الدباب ليلة العقبة لينفروا برسول الله فيطرحوه..
والعجب من المسلم ينتصر لهم وقد جرعوا النبي صلى الله عليه وآله كل غصة ، وقعدوا له في كل مرصد ، ووثبوا عليه وعلى أهل بيته عليهم السلام من بعده كل وثبة ! وما لعنهم إلا ليطردهم الله من رحمته ، ويجتنبهم المؤمنون من أمته ، جزاء وفاقاً ، لا ليقربهم إلى الله زلفى ، كما يخرِّفون).

8- قرشيون بعد النبي صلى الله عليه وآله سيعظون أيديهم ندماً !

قال الله تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِى اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً. يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلاً.لَقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ للَّإِنْسَانِ خَذُولاً.وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا. وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا.
وقلنا إنهم قرشيون لأنهم حكام والذين حكموا بعد النبي صلى الله عليه وآله هم الحزب القرشي فقط. والذي يعظُّ على يديه حاكمٌ جاء الى الحكم بطاعته لخليله الذي جرَّه الى معصية الرسول صلى الله عليه وآله وترْك سبيله ، وهجْر القرآن !
ثم قال الله تعالى في هذا الظالم: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ. فكشف أن هؤلاء المجرمين أعداء النبي صلى الله عليه وآله هم من قريش!

9 - أيات الشجرة الملعونة في القرآن تفسرالمضلين

قال الله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَاناً كَبِيراً.
وقد روى السنة تفسيرالنبي صلى الله عليه وآله الأئمة المضلين بأنهم من بني أمية كما في الزوائد (5/243) عن أبي يعلى ووثقه: (عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) رأى في منامه كأن بني الحكم ينزون على منبره وينزلون! فأصبح كالمتغيظ فقال: ما لي رأيت بني الحكَم ينزون على منبري نزو القردة ! قال: فما رؤي رسول الله مستجمعاً ضاحكاً بعد ذلك حتى مات) !
وفي مجمع الزوائد(5/240): (عن عبد الله بن عمرو وصححه قال: كنا جلوساً عند النبي وقد ذهب عمرو بن العاص يلبس ثيابه ليلحقني فقال(ص) ونحن عنده: ليدخلنَّ عليكم رجل لعين! فوالله ما زلت وجلاً أتشوَّف خارجاً وداخلاً ، حتى دخل فلان يعني الحكم).
وفي معجم الطبراني الكبير( 3 /90) أن الإمام الحسن عليه السلام قالَ لِمن اعترض على صلحه مع معاوية: (رحمك الله فإن رسول الله قد أريَ بني أمية يخطبون على منبره رجلاً فرجلاً فساءه ذلك ، فنزلت هذه الآية: إنَّا أعْطِيْنَاكَ الكَوْثَرْ. نهر في الجنة، ونزلت: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر ، تملكه بنو أمية ! قال القاسم: فحسبنا ذلك فإذا هو ألفٌ لايزيد ولا ينقص).
والبيهقي في فضائل الأوقات / 211 ، والترمذي: 5 / 115، والحاكم:3 /170، وصححه وروى غيره في: 3 /175، و 4: /74) !
وفي فتح الباري(8 /287): (أن ابن عباس سأل عمر عن آية:أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ؟ فقال مَن هم؟ قال: هم الأفجران من بني مخزوم وبني أمية ، أخوالي وأعمامك! فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر وأما أعمامك فأملى الله لهم إلى حين! وقال: وهو عند عبد الرزاق أيضاً ، والنسائي، وصححه الحاكم).
أقول: يقصد عمر بقوله: فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر، بني مخزوم ، وكان رئيسهم أبو جهل وقد نسب إليهم عمر أمه حنتمة ، وكان خالد بن الوليد لايقر بأن أم عمر مخزومية. ويشير عمر إلى قوله تعالى: لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِين.لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَئٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ.لكن معنى الآية: أن الإرادة الإلهية أن يُمهل بعض قبائل قريش ويقطع طرفاً منهم بقتل زعمائهم واستئصالهم سياسياً ، وإخراجهم من ساحة الصراع مع الإسلام ! لذلك لم نرَ لهم أيَّ دور مهم في التاريخ !
وهم: بنو عبد الدار، الذين كانوا أصحاب راية قريش ، وقد قَتَلَ علي عليه السلام منهم في بدر وأحُد بضعة عشر فارساً كلهم أبطال حَمَلةُ راية قريش !
وبنو المغيرة العائلة المالكة في بني مخزوم ، وقد انطفأوا بعد مقتل أبي جهل في بدر، وبرز منهم رجل واحد هو خالد بن الوليد ، وطمع ابنه عبد الرحمن بالخلافة فقتله معاوية ! وكذلك انتهت تيْمٌ وعديٌّ بعد أبي بكر وعمر، فلم يبق في الساحة السياسية إلا أمية وهاشم! وروت مصادرنا تأكيد الأئمة عليهم السلام على أن بطون قريش كلها بدلت نعمة الله كفراً! قال الإمام الصادق عليه السلام لأحدهم: (ماتقولون في ذلك؟ فقال:هما الأفجران من قريش بنوأمية وبنو المغيرة. فقال:بل هي قريش قاطبة!إن الله خاطب نبيه فقال:إني قد فضلت قريشاً على العرب وأتممت عليهم نعمتي وبعثت إليهم رسولاً فبدلوا نعمتي وكذبوا رسولي). (العياشي:2/229).
وفي الكافي( 8/345)عن الباقر عليه السلام قال:(أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله يوماً كئيباً حزيناً فقال له علي عليه السلام : ما لي أراك يا رسول الله كئيباً حزيناً ؟ فقال: وكيف لا أكون كذلك وقد رأيت في ليلتي هذه أن بني تيم وبني عدي وبني أمية يصعدون منبري هذا يردُّون الناس عن الإسلام القهقرى! فقلت: يا رب في حياتي أو بعد موتي؟ فقال: بعد موتك) !
هذا ، وقد روى السنيون أن الأئمة المضلين معاوية فما بعده ، واستثنوا من قبله ! واشتهر عندهم حديث: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم يأتي ملك عضوض. أي يعض المسلمين كالكلب ! (مسند أحمد: 4 / 273 ،والطيالسي / 31 ، والدارمي: 2 / 114 ، وأبو يعلى: 2 / 177 ، والطبراني الكبير 11 / 88 ، و فتح الباري: 8 / 61 ، وقال الذهبي في سيره: 1 / 421: هو متواتر عن النبي. وفي صحيحة الألباني: 1 / 742).

10 - محاولة إمام قريش الأكبر تحريف القرآن لمصلحة قريش !

أراد عمر أن يكون الأنصار أتباعاً لقريش ، فاخترع مع مساعديه حذف واو الأنصار من الآية ! وقرأ: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ ( وَ) الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ. بدون واو! فقال أبيُّ: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ. فقال عمر: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان، وقال عمر:أشهد أن الله أنزلها هكذا !! فقال أبيٌّ: أشهد أن الله أنزلها هكذا ولم يؤامر فيها الخطاب ولا ابنه !
فالآية في مدح المؤمنين المهاجرين من قريش وغيرها ، ومدح الأنصار ، ومدح من اتبع المهاجرين والأنصار ممن جاء بعدهم. فالأنصار مساوون للمهاجرين القرشيين وإن ذكروا بعدهم ، ومن اتبعهم أي اتبع الطرفين. لكن عمر يريد حذف الواو ليجعل الأنصار تابعين للقرشيين ، وأقسم أنها هكذا نزلت ! فكذبه أبيُّ بن كعب الذي أمر النبي صلى الله عليه وآله المسلمين أن يأخذوا القرآن منه ورفض تحريف عمر وقال له إن الله عندما أنزلها لم يستشر عمر ولا أباه !
وفي رواية الحاكم(3/305) أن عمر أراد من شخص تغييرها فلم يقبل منه فذهب معه إلى أبيّ وجرى بينهما هذا النقاش الحاد ، وقال له أبيّ بن كعب: تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وآله . قال عمر: أنت تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وآله ! قال: نعم أنا تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وآله . ثلاث مرات كل ذلك يقوله ، وفي الثالثة وهو غضبان: نعم والله ، لقد أنزلها الله على جبريل وأنزلها جبريل على محمد فلم يستأمر فيها الخطاب ولا ابنه ! فخرج عمر وهو رافع يديه وهو يقول: الله أكبر الله أكبر!). وكنز العمال (2/605 ، و:2/597) وفيه: ( فجعل كل واحد منهما يشير إلى أنف صاحبه بإصبعه). وفي الدر المنثور(3 / 269): فقال عمر: لقد كنت أرى أنا رُفعنا رفعةً لا يبلغها أحد بعدنا ! فقال أبيٌّ: تصديق ذلك في أول سورة الجمعة: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ). ومعناه أن عمر يرى أن قريشاً فوق الجميع ولا يجوز أن يساوى بها أحد ، وهذه الواو في الآية تجعل الأنصار مساوين لهم فيجب حذفها !
والعجيب أن أحداً من علماء المذاهب ومفسريهم لم يعترض على عمر بل صمتوا ! مع أنه حرَّف القرآن وحاول جاهداً أن يكتب تحريفه في نسخة القرآن !

  • *

الفصل الخامس - من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله القاصعة في قريش !

لا تنتهي قريش عن الكفر إلا تحت السيف !

لما دخل النبي صلى الله عليه وآله مكة فاتحاً خضعت له قريش وأعلنت إسلامها ، ونصب النبي صلى الله عليه وآله حاكماً قرشياً على مكة، لكن قريشاً لم تطع هذا الحاكم ، بل عزلت أبا سفيان عن رئاستها واتهمته بأنه تواطأ مع محمد صلى الله عليه وآله وسلمه مكة ! ونصبت سهيل بن عمرو رئيساً لقريش وصار هو حاكم مكة ، وأخذ يراسل النبي صلى الله عليه وآله ويطلب منه أن يُرجع من جاءه من قريش عملاً باتفاقية الحديبية ، قبل فتح مكة بسنتين ! ثم جاء سهيل الى النبي صلى الله عليه وآله في المدينة وجاء معه أبو بكر وعمر وطالبه بكل وقاحة أن يرجعهم ، وأيد مطلبه أبو بكر وعمر! فرفض النبي صلى الله عليه وآله طلبهم وغضب من تفكير قريش ووقاحتها ، وأعلن يأسه من أن تصلح ويحسن إسلامها وتخضع للحق ، إلا بقوة السيف! (فقال: ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا). أي يضرب أعناقكم لتسلموا !(الحاكم(2/125) وأبو داود(1 /611) والبيهقي (9 /229) !وهو تصريح بأنهم لم يسلموا وأنهم لن يسلموا إلا بالسيف! وقد هددهم بعلي بن أبي طالب الذي ترتعد منه فرائصهم لأنهم ذاقوا منه الأمرَّين ، فقد قتل أكثر من نصف أبطالهم في بدر! فهددهم النبي صلى الله عليه وآله بأنه قد يصدرالأمر غداً إلى علي بغزو مكة وقتل فراعنة قريش! وكان عمر يقول: إن قريشاً تنظر الى علي نظر الثور الى جازره ! (نثر الدر للآبي 2/91)
وكان النبي صلى الله عليه وآله أطلق هذا التهديد في مكة بعد فتحها مباشرةً ، وأمر علياً أن يعلنه ويكرره. قال في الزوائد (9/134): (وعن ابن عباس أن علياً كان يقول في حياة رسول الله: إن الله عز وجل يقول: أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ! والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله تعالى. والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت. لا والله. إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه فمن أحق به مني؟!
وروى في نفس المكان حديثاً آخر ينص على أن النبي صلى الله عليه وآله هدد قريشاً بعلي عليه السلام بعد فتح مكة مباشرةً ، قال: عن عبد الرحمن بن عوف(مجمع الزوائد (9 /134) قال: لما افتتح رسول الله (ص) مكة انصرف إلى الطائف فحاصرها سبع عشرة أو ثمان عشرة لم يفتتحها ، ثم أوغل روحةً أو غدوةً ، ثم نزل ثم هَجَّرَ فقال:يا أيها الناس إني فرطٌ لكم وأوصيكم بعترتي خيراً وإن موعدكم الحوض.والذي نفسي بيده ليقيموا الصلاة ، وليؤتوا الزكاة أو لأبعثن إليهم رجلاً مني أو كنفسي فليضربن أعناق مقاتليهم وليسبين ذراريهم. قال فرأى الناس أنه أبو بكر أو عمر، وأخذ بيد علي فقال: هذا هو. وهو تهديد نبوي (لمسلمة) الفتح يدل على أنهم لم يسلموا !
ثم أمر النبي صلى الله عليه وآله علياً عليه السلام أن يعلن في المسجد تهديده لقريش ولكل من يفكر بالردة بأنه سيقاتلهم إلى آخر نفس، وهو عملٌ وقائي لمنع قريش من الردة ! وكان علي عليه السلام يكرر ذلك في حياة النبي صلى الله عليه وآله وبعده.
قال ابن عباس: (إن علياً كان يقول في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله عز وجل يقول: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ! والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله تعالى. والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت! لا والله ، إني لأخوه ، ووليه ، وابن عمه ، ووارثه ، فمن أحق به مني)!
هذا ، وقد تحير فقهاء الخلافة في الوجه الشرعي لأخذ النبي صلى الله عليه وآله عبيد القرشيين وعدم إرجاعهم ! فمعناه أن ملكيتهم غيرمحترمة عنده لأنهم ليسوا مسلمين!
ولو كانوا مسلمين لشملتهم قاعدة: لايحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس! وقاعدة: إن أموالكم ودماءكم عليكم حرام.
والسؤال: هل سكتت قريش بعد هذه الحادثة ؟ كلا، لأن مسألة بني هاشم الذين يسميهم محمد صلى الله عليه وآله العترة ويطلق فيهم الأحاديث ، ويجعل لهم الخمس في ميزانية الدولة ، وينزل فيهم القرآن، أهم قضية عند قريش!
فهي مصرة على رفض بني هاشم ، ولايؤثر فيها أن النبي صلى الله عليه وآله أطلقها بالأمس من القتل والإسترقاق ، لأن غلبته لها بزعمهم كانت غير شرعية !

أخشى ما أخشاه على أمتي الأئمة المضلون القرشيون

وقد عقدنا فصلاً للأئمة المضلين في المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي عليه السلام ، لأنهم سيحكمون قبل المهدي عليه السلام . فهم الخطر وليس الدجال! وهم من قريش حصراً لأنهم حكام ولم يحكم الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله إلا قريش! وأحاديثهم خطيرة ولايحبها رواة الخلافة القرشية ، وهي صحيحة متواترة ! منها: ما رواه أحمد في مسنده (4/123) عن شداد بن أوس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إن الله عز وجل زوى لي الأرض(جَمَعَها) حتى رأيت مشارقها ومغاربها ، وإن مُلك أمتي سيبلغ ما زويَ لي منها وإني أعطيت الكنزين الأبيض والأحمر ، وإني سألت ربي عز وجل أن لا يُهلك أمتي بِسِنِةٍ بعامة ، وأن لا يُسلط عليهم عدواً فيهلكهم بعامة، وأن لا يُلبسهم شيعاً ولايُذيق بعضهم بأس بعض. قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يُرد ، وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة، ولا أسلط عليهم عدواً ممن سواهم فيهلكوهم بعامة حتى يكون بعضهم يُهلك بعضاً وبعضهم يقتل بعضاً وبعضهم يسبي بعضاً !
وقال النبي صلى الله عليه وآله : إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة).ونحوه أحمد(5/278) ، ومسلم (4/2215) وأبو داود (4/97) والترمذي (4/410) والبيهقي (9/181) والزوائد (5 / 239)وصحيحه الألباني: 271 حـ 54.
وابن ماجة (2 / 1304) وزاد فيه: وستعبد قبائل من أمتي الأوثان ، وستلحق قبائل من أمتي بالمشركين ، وإن بين يدي الساعة دجالين كذابين ، قريباً من ثلاثين كلهم يزعم أنه نبي، ولن تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين لايضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله عز وجل.قال أبو الحسن (راوي ابن ماجة): لما فرغ ابن ماجة من هذا الحديث قال: ما أهْوَله!

الأئمة المضلون يسفكون دماء عترتي !

في أمالي الطوسي(2/126) عن علي عليه السلام : (كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وآله وهو نائم ورأسه في حجري فتذاكرنا الدجال فاستيقظ النبي محمراً وجهه فقال: غيرالدجال أخوف عليكم من الدجال: الأئمة المضلون ، وسفك دماء عترتي من بعدي ، أنا حربٌ لمن حاربهم وسلمٌ لمن سالمهم).
وروى الحاكم (3 / 149) عن أبي هريرة قال:(نظر النبي صلى الله عليه وآله إلى علي وفاطمة والحسن والحسين فقال: أنا حربٌ لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم. وصححه واستشهد له بحديث زيد بن أرقم ، وفيه أنا حربٌ لمن حاربتم وسلمٌ لمن سالمتم).
كما رووه عن ابن أرقم والخدري وأم سلمة وغيرهم، وأن النبي صلى الله عليه وآله قاله مكرراً لما نزلت آية التطهيرفكان يذهب أربعين صباحاً إلى باب دار علي فيدق عليهم الباب ويقرأ الآية ويقول هذا الكلام ، ورووا أنه قاله في حيٍّ في المدينة وفي مرض وفاته ، وفي مناسبات أخرى!
كما في مسند أحمد: 2 / 442 ، وابن ماجة: 1 / 52 ، والترمذي: 5 / 360 ، والزوائد: 9 / 169 ، وابن شيبة: 7 / 512 ، وأمالي المحاملي/447 ، وابن حبان: 15 / 434 ، وأوسط الطبراني: 3 / 179 ، و: 5 / 182 ، و: 7 / 197 ، والأصغر: 2 / 3 ، والأكبر: 3 / 40 ، و: 5 / 184 ، وفضائل سيدة النساء لعمر بن شاهين / 29 ، وموارد الظمآن: 7 / 201 ، وتفسير الثعلبي: 8 / 311 ، وشواهد التنزيل: 2 / 44 ، وتاريخ بغداد: 7 / 144 ، وتاريخ دمشق:13 / 218 ، و: 14 / 144 ، وسير الذهبي:2 / 122. ومن مصادرنا: تفسير الإمام العسكري عليه السلام / 376 ، وتفسير فرات الكوفي / 338.

وقد طبق أمير المؤمنين عليه السلام الأئمة المضلين على من حكم قبله !

فقال (نهج البلاغة: 2 /188): (وقد سأله سائل عن أحاديث البدع وعما في أيدي الناس من اختلاف الخبر؟ فقال عليه السلام : إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً وصدقاً وكذباً وناسخاً ومنسوخاً وعاماً وخاصاً ومحكماً ومتشابهاً وحفظاً ووهماً. ولقد كُذب على رسول الله على عهده حتى قام خطيباً فقال:من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار!وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس: رجلٌ منافق مظهر للإيمان متصنع بالإسلام لايتأثم ولا يتحرج ، يكذب على رسول الله متعمداً ! فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه ولم يصدقوا قوله ، ولكنهم قالوا صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله رأى وسمع منه ولقف عنه ، فيأخذون بقوله ! وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك ووصفهم بما وصفهم به لك ، ثم بقوا بعده صلى الله عليه وآله فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والبهتان فولَّوْهم الأعمال ، وجعلوهم حكاماً على رقاب الناس وأكلوا بهم الدنيا. وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله. فهذا أحد الأربعة..).

أطلق النبي صلى الله عليه وآله لعنته على من تولى غير عترته عليهم السلام !

أطلق النبي صلى الله عليه وآله لعنته على من ادعى الى غير أبيه ، وتولى غير مواليه، ومنع أجيراً أجره ، وفسر ذلك بأبوته صلى الله عليه وآله للأمة ، وولايته وعترته بعده ، وأن الله جعل مودتهم عليهم السلام أجر تبليغه الرسالة.
وقد أعلن النبي صلى الله عليه وآله هذا التحدي في حجة الوداع ! ثم أكده في مرض وفاته بعد أن منعوه من كتابة وصيته ! فقد روى ابن ماجة(2/905) أنه صلى الله عليه وآله خطب في حجة الوداع فقال: ومن ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه صَرفٌ ولا عَدْلٌ)! والبخاري: 2/221 ، و4/67، والترمذي: 2 / 293 ، وأحمد:4/239 ، والدارمي: 2 / 244 و 344.
وقد تعمد النبي صلى الله عليه وآله استعمال هذا الأسلوب لتنقله الأجيال ولا تطمسه قريش! وروت مصادرهم أنه كتبه في صحيفة صغيرة معلقة في ذؤابة سيفه الذي ورَّثه لعلي عليه السلام ، فرواه البخارى (4 / 67، ومسلم: 4 /115) بروايات !
ويقصد بذلك من تولى غيره وغير علي عليه السلام لأنهما الأبوان المعنويان لهذه الأمة ! ويدل عليه أن الولد الذي يهرب من أبيه وينتسب إلى شخص آخر ثم يتوب ، تقبل توبته! بينما هذا الذي لعنه النبي صلى الله عليه وآله لا يقبل منه صرف أي توبة ، ولا عدل أي فدية ! فهي عقوبة الردة والخروج من الملة ، وليست عقوبة ولد يدعو نفسه لغير أبيه ، ثم يتوب فيتوب الله عليه !
وقد رووا هذه اللعنة بعد وصية النبي صلى الله عليه وآله بأهل بيته ، وحقهم في الخمس. ففي مسند أحمد(4/ 186): (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وهو على ناقته فقال: ألا إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي ، وأخذ وبرة من كاهل ناقته ، فقال: ولا ما يساوى هذه أو ما يزن هذه.لعن الله من ادعى إلى غيرأبيه أو تولى غير مواليه)!
وفسرته بذلك مصادرنا وروت أن النبي صلى الله عليه وآله استعمله عندما كثر طلقاء قريش في المدينة ، وتصاعد عملهم ضد أهل بيته عليهم السلام وقالوا: إنما مثل محمد في بني هاشم كمثل نخلة نبتت في كبا ، أي مزبلة !
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله فغضب وأمر علياً عليه السلام أن يصعد المنبر ويجيبهم وقال له: يا علي انطلق حتى تأتى مسجدي ثم تصعد منبري ، ثم تدعو الناس إليك ، فتحمد الله تعالى وتثنى عليه وتصلي عَليَّ صلاة كثيرة ، ثم تقول: أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم وهو يقول لكم: إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين ولعنتي على من انتمى إلى غير أبيه ، أو ادعى إلى غير مواليه ، أو ظلم أجيراً أجره ! فأتيت مسجده وصعدت منبره ، فلما رأتني قريش ومن كان في المسجد أقبلوا نحوى فحمدت الله وأثنيت عليه ، وصليت على رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة كثيرة ثم قلت: أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم وهو يقول لكم: ألا إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين ولعنتي ، على من انتمى إلى غير أبيه ، أو ادعى إلى غير مواليه ، أو ظلم أجيراً أجره !
قال: فلم يتكلم أحد من القوم إلا عمر بن الخطاب فإنه قال: قد أبلغت يا أبا الحسن ولكنك جئت بكلام غير مفسر، فقلت: أُبْلِغُ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته الخبر فقال: إرجع إلى مسجدي حتى تصعد منبري فاحمد الله وأثن عليه وصل علي ثم قل: أيها الناس، ما كنا لنجيئكم بشئ إلا وعندنا تأويله وتفسيره ، ألا وإني أنا أبوكم، ألا وإني أنا مولاكم ألا وإني أنا أجيركم)! (أمالي المفيد / 353 والطوسي / 123).

ويل لقريش من تأويلهن ، ويل لقريش من تأويلهن !

في تفسير فرات/392 ، عن عطاء بن أبي رباح قال: (قلت لفاطمة بنت الحسين: أخبريني جعلت فداك بحديث أحدث وأحتج به على الناس. قالت: نعم ، أخبرني أبي أن النبي صلى الله عليه وآله كان نازلاً بالمدينة وأن من أتاه من المهاجرين عرضوا أن يفرضوا له فريضة يستعين بها على من أتاه ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وقالوا: قد رأينا ما ينوبك من النوائب ، وإنا أتيناك لتفرض فريضة تستعين بها على من أتاك. قال: فأطرق النبي صلى الله عليه وآله طويلاً ثم رفع رأسه فقال: إني لم أؤمر أن آخذ منكم على ما جئتم به شيئاً، إنطلقوا فإني لم أؤمر بشئ وإن أمرت به أعلمتكم. قال: فنزل جبرئيل فقال: يا محمد إن ربك قد سمع مقالة قومك وما عرضوا عليك وقد أنزل الله عليهم فريضة: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، قال فخرجوا وهم يقولون: ما أراد رسول الله إلا أن تذل الأشياء وتخضع الرقاب ما دامت السماوات والأرض لبنى عبد المطلب.
قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي بن أبي طالب أن إصعد المنبر وادع الناس إليك ثم قل: أيها الناس من انتقص أجيرا أجره فليتبوأ مقعده من النار ! ومن ادعى إلى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار! ومن انتفى من والديه فليتبوأ مقعده من النار! قال فقام رجل وقال: يا أبا الحسن ما لهن من تأويل؟ فقال: الله ورسوله أعلم. فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره فقال رسول الله: ويلٌ لقريش من تأويلهن ، ثلاث مرات! ثم قال: يا علي انطلق فأخبرهم أني أنا الأجير الذي أثبت الله مودته ، ثم أنا وأنت مولى المؤمنين ، وأنا وأنت أبوا المؤمنين) !
أقول: يظهرأن القائلين قرشيون جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وآله مع الأنصار، الذين طلبوا أن يفرضوا له فريضة في أموالهم ، فأجابهم بآية المودة في القربى !

تحذيرالنبي صلى الله عليه وآله قريشاً من أن تطغى بعده !

روى الحافظ الضحاك في الآحاد والمثاني(5/303): (أن النبي(ص) قال: يا معشر قريش لا ألفين الناس يأتون يجرون الجنة وتأتون تجرون الدنيا.اللهم لا أحل لقريش أن يفسدوا ما أصلحت ! ثم قال: ألا إن خيار أئمتكم خيار الناس وشرار أئمتكم شرار الناس، وخيار قريش خيار الناس وشرار قريش شرار الناس).
وسبب تحذيره لقريش دون غيرها ، أن قريشاً قائدة العرب ، والقبائل تَبَعٌ لها ، فالخطر الذي يخشاه على أهل بيته إنما هو من قريش وحدها ! والتحريف الذي يخشاه على الإسلام ، والظلم للمسلمين ، إنما هو من قريش وحدها !
وهذا نفس تحذيره صلى الله عليه وآله للصحابة كقوله صلى الله عليه وآله : (ويحكم أو ويلكم لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)! ( ابن ماجة:2/1300).
(لاترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف على الدنيا، فإن فعلتم ذلك وَلَتَفْعَلُنَّ)! (تفسير القمي:1/17) !
فقد أخبرهم صلى الله عليه وآله أنهم سيفعلون ، واستعمل كل بلاغته صلى الله عليه وآله وموجبات الخوف ، ليقيم الحجة عليهم، حتى لايقولوا له يوم القيامة: لماذا لم تحذرنا !
والذين يحذرهم من الإقتتال ليسوا إلا الصحابة القرشيين فقط لاغير لاغير!
لا اليهود ولا الروم ولا القبائل العربية ! ذلك أن الدولة الإسلامية كانت قائمة ، مسيطرة على كل الجزيرة ، والخوف من الإقتتال بعد النبي صلى الله عليه وآله ليس من القبائل التي خضعت للإسلام طوعاً أو كرهاً ، مهما كانت كبيرة وموحدة مثل هوازن وغطفان، فهي لاتطمح إلى قيادة هذه الدولة، وإن طمحت فلا حظَّ لها في النجاح إلا بواسطة الصحابة !
واليهود انكسروا وأجلى النبي صلى الله عليه وآله قسماً منهم من الجزيرة ، ولم تبق لهم قوة عسكرية تذكر ، ومكائدهم وخططهم مهما كانت قوية وخبيثة ، فلا حظَّ لها في النجاح إلا بواسطة الصحابة !
وبذلك تعرف أن تحذيره صلى الله عليه وآله من الصراع بعده ينحصر بهؤلاء الصحابة فقط !
لكنك تجد قريشاً حرفوا هذا التحذير وجعلوه تحذيراً لبني هاشم بأن النبي لايغني عنهم من الله شيئاً !(صحيح بخاري: 6 / 17).
وتحذيراً لفاطمة عليها السلام بأنها لو سرقت لقطع النبي صلى الله عليه وآله يدها! (بخاري:4 /151).
ومع تحذيرالنبي صلى الله عليه وآله لقريش عرض عليهم صورة رهيبة للصحابة المنحرفين في مشهد القيامة ، بلغه إياها جبرئيل الأمين عليه السلام وهي أنهم ستحل بهم أعظم كارثة ، لأنهم سيوقعون أعظم كارثة في أمته وفي الأجيال ! وأنه لا ينجو منهم من النار إلا مثل (هَمَل النَّعم) كما في رواية البخاري ، وهو تعبير نبوي عجيب لأن همل النعم هي الغنم أو الإبل المنفردة عن القطيع ! ومعناه أن قطيع الصحابة في النار ، ولا يفلت منها إلا من يفلت منهم !
بل ذكر النبي صلى الله عليه وآله أن صحابته الجهنميين زمرتان ، فهم خطان لاخط واحد ! (قال النبي(ص) يصف كارثة الصحابة الشرعیة: بينا أنا قائمٌ فإذا زمرةٌ حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمَّ ، فقلت أين؟ قال إلى النار والله ! قلت: وما شأنهم ! قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى! ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمَّ ! قلت: أين! قال: إلى النار والله! قلت: ما شأنهم ؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ! فلا أراه يخلص منهم إلا مثلُ هَمَل النعم). (صحيح البخاري (7 / 208).
إنه خبرٌ مذهلٌ صعب التصور، خاصة على المسلم السني المسكين الذي تربي على حب الصحابة ، وأنهم خير القرون والجيل الفريد ، وأنهم كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. ونشأ من صغره على صورة الصحابة الرائعة ، فإذا به يفاجأ بهذه الصور المخيفة عنهم! فلو كان المتكلم عن الصحابة غير الرسول صلى الله عليه وآله لقالوا عنه إنه عدو للإسلام ولرسوله ، يريد الكيد للإسلام عن طريق الطعن في صحابة الرسول صلى الله عليه وآله ! ولكنه الرسول نفسه ، وكلامه وحيٌ من رب العالمين وليس اجتهاداً منه ولا رأياً رآه  ، حتى تقول قريش إنه بشر يغضب ويتكلم وكلامه في الغضب ليس وحياً !
إنها حقيقةٌ مُرَّة ، لكن هل يجب أن تكون الحقيقة دائماً حلوة كما نشتهي، وأن يكون الحق دائماً مفصلاً على مزاجنا وموروثاتنا !
وتسأل: وماذا فعل الصحابة بعد الرسول؟ هل ارتدوا وتصارعوا سياسياً واجتماعياً على السلطة والحكم وتقاتلوا !
وجوابهم لك: أسكت عما جرى بين الصحابة ، ولا تكن رافضياً !
وتسأل: لماذا اختار الله تعالى هذا الأسلوب في تحذيرالصحابة ، ولم يهلك الصحابة الذين سينحرفون ، ولم يأمر رسوله صلى الله عليه وآله بقتلهم !
والجواب: هذه سنته سبحانه وتعالى وقوانينه بأن يترك الهدى والضلال يعملان: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ. فالنبي يهدي وهم يضلون، ولينجح من ينجح ويرسب من يرسب ! وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا. و: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ.

  • *

قريش من أشد الناس عذاباً يوم القيامة

إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة من وصف عدلاً وعمل بغيره !
إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أقر نطفته في رحم تحرم عليه واللوطي ، ومن يؤتى في دبره. وإبليس ، وفرعون ، وقاتل النفس ، وسلطان جائر. والمصورون أي الذين ينحتون الأصنام وشبهها. وعالم لا ينتفع به ، وعالم لا ينتفع هو بعلمه! الى آخر أحاديث السنة النبوية.
وفي الخصال/347: (أشدالناس عذاباً يوم القيامة سبعة نفر أولهم ابن آدم الذي قتل أخاه ، ونمرود الذي حاج إبراهيم في ربه ، واثنان من بني إسرائيل هودا قومهم ونصراهم ، وفرعون الذي قال:أنا ربكم الاعلى، واثنان من هذه الأمة).
وفي الخصال/399: (إسحاق بن عمار الصيرفي، عن الإمام الكاظم عليه السلام : (سبعة صناديق فيها خمسة من الأمم السالفة ، واثنان من هذه الأمة قال قلت: جعلت فداك ومن الخمسة؟ ومن الإثنان؟ قال: وأما الخمسة فقابيل الذي قتل هابيل ونمرود الذي حاج إبراهيم في ربه فقال أنا أحيى وأميت ، وفرعون الذي قال: أنا ربكم الأعلى، ويهودا الذي هوَّد اليهود ، وبولس الذي نصر النصارى ومن هذه الأمة أعرابيان).
وفي روضة الواعظين/11: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من قتل نبياً أو قتل أحد والديه ، أو عالم لم ينتفع بعلمه).
وأن الأمة سيليها من بعدك سبعة من ولد أبي العاص وولد مروان بن الحكم وخمسة من ولده تكملة اثني عشر إماماً ، قد رآهم رسول الله صلى الله عليه وآله يتواثبون على منبره تواثب القردة ، يردون أمته عن دين الله على أدبارهم القهقرى ، وأنهم أشد الناس عذاباً يوم القيامة. وأن الله سيخرج الخلافة منهم برايات سود تقبل من الشرق ، يذلهم الله بهم ويقتلهم تحت كل حجر).

  • *

الفصل السادس - من كلمات علي عليه السلام القاصعة في قريش !

رأي أميرالمؤمنين عليه السلام في قريش

قال في نهج البلاغة(3/61) في رسالته لأخيه عقيل:(فدع عنك قريشاً وتركاضهم في الضلال، وتجوالهم في الشقاق ، وجماحهم في التيه. فإنهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله قبلي، فجزَتْ قريشاً عني الجوازي ، فقد قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن أمي. وأما ما سألت عنه من رأيي في القتال فإن رأيي في قتال المحلين حتى ألقى الله لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة ، ولا تفرقهم عني وحشة. ولا تحسبن ابن أبيك ولوأسلمه الناس متضرعاً متخشعاً ولا مقراً للضيم واهناً ، ولاسلس الزمام للقائد ، ولا وطيَّ الظهرللراكب المتقعد، ولكنه كما قال أخو بني سليم:
فإن تسأليني كيف أنت فإنني
* صبور على ريب الزمان صليب

يعز علي أن ترى بي كآبة
* فيشمت عاد أو يساء حبيب).

وقال عليه السلام ( نهج البلاغة:3/16): (فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر ، فلما وجدوا أعواناً عليه أظهروه)!
وهذه شهادة من أمير المؤمنين عليه السلام بأن قريشاً في باطنها كافرة. وقد ورد أن كفرهم بعد النبي صلى الله عليه وآله كفر ضلال وفتنة ، ولا يعتبر خروجاً عن الملة ، توسعة على المسلمين !
وقد أخبر الله تعالى بأن أكثر قريش حق عليهم القول فلن يؤمنوا أبداً: لِتُنْذِرَ قوماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ. لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.
وكان علي عليه السلام يعلن شكواه من قريش(نهج البلاغة:1/82): (مالي ولقريش! والله لقد قاتلتهم كافرين ولأقاتلنهم مفتونين. وإني لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم. والله ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم فأدخلناهم في حَيِّزنا ، فكانوا كما قال الأول:
أدمت لعمري شُرْبَك المحضَ صابحاً * و أكلك بالزُّبد المقشـرةَ البُجْرَا

ونحن وهبناك العلاء ولم تكن
* علياً وحُطْنَا حولك الجُرد والسمرا)

فهو عليه السلام يحلف أن سبب عداوة بطون قريش لبني هاشم والنبي صلى الله عليه وآله إنما هو حسد قابيل لهابيل وحسد إبليس لآدم عليه السلام . وأن القرشيين كانوا فقراء بائسين ، فأنعم الله على بني هاشم فأدخلوهم في نعمتهم ، فحسدوهم ، ودفعهم حسدهم الى عدائهم والتآمر عليهم وحربهم ، فلما عجزوا عن قتل النبي صلى الله عليه وآله وهزيمته في الحروب ، كمنوا له وانتظروا وفاته ، فوثبوا على خلافته ودولته ، واضطهدوا عترته!
وله عليه السلام كلام مفصل في وصف قريش وحسدها وظلمها له ولعترة النبي صلى الله عليه وآله ، رواه الشيخ علي بن المطهر الحلي أخ العلامة الحلي في العدد القوية ، عن كتاب الإرشاد لمحمد بن الحسن الصفار مؤلف كتاب بصائر الدرجات، والمتوفى سنة 290 هجرية.
(قال+: وقد كفانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه المؤونة في خطبة خطبها ، أودعها من البيان والبرهان ما يجلي الغشاوة عن أبصار متأمليه ، والعمى عن عيون متدبريه ، وحلينا الكتاب بها ليزداد المسترشدون في هذا الأمر بصيرة، وهي منة الله جل ثناؤه علينا وعليهم يجب شكرها.
خطب صلوات الله عليه فقال: ما لنا ولقريش وما تنكر منا قريش ، غير أنا أهل بيت شيد الله فوق بنيانهم بنياننا ، وأعلى فوق رؤوسهم رؤوسنا ، واختارنا الله عليهم ، فنقموا على الله أن اختارنا عليهم ، وسخطوا ما رضي الله وأحبوا ما كره الله. فلما اختارنا الله عليهم ، شركناهم في حريمنا ، وعرفناهم الكتاب والنبوة ، وعلَّمناهم الفرض والدين ، وحفَّظناهم الصحف والزبر ، وديَّناهم الدين والإسلام فوثبوا علينا ، وجحدوا فضلنا ومنعونا حقنا ، وأَلَتُونا أسباب أعمالنا وأعلامنا. اللهم فإني أستعديك على قريش ، فخذ لي بحقي منها ولا تدع مظلمتي لديها، وطالبهم يا رب بحقي فإنك الحكم العدل ، فإن قريشاً صغرت عظيم أمري، واستحلت المحارم مني ، واستخفت بعرضي وعشيرتي ، وقهرتني على ميراثي من ابن عمي ، وأغروْا بي أعدائي ، ووتروا بيني وبين العرب والعجم ، وسلبوني ما مهدت لنفسي من لدن صباي بجهدي وكدي ، ومنعوني ما خلفه أخي وجسمي وشقيقي ، وقالوا إنك لحريص متهم.
أليس بنا اهتدوا من متاه الكفر ، ومن عمى الضلالة ، وغيِّ الظلماء.
أليس بنا أنقذتهم من الفتنة الصماء والمحنة العمياء.
ويلهم ألم أخلصهم من نيران الطغاة ، وكرة العتاة ، وسيوف البغاة ، ووطأة الأُسْد ، ومقارعة الطماطمة ومماحكة القمامة ، الذين كانوا عجم العرب ، وغنم الحروب ، وقطب الإقدام ، وجبال القتال، وسهام الخطاب ، وسل السيوف. أليس بي تسنموا الشرف ، وبي نالوا الحق والنصف ، ألست آية نبوة محمد ، ودليل رسالته ، وعلامة رضاه وسخطه. أليس بي كان يقطع الدروع الدلاص ويصطلم الرجال الحراص ، وبي كان يفري جماجم البهم ، وهام الأبطال ، إذْ فزعت تيم إلى الفرار ، وعدي إلى الإنتكاص.
أما وأني لو أسلمت قريشاً للمنايا والحتوف ، وتركتها فحصدتها سيوف الغوانم ، ووطأتهم الأعاجم ، وكرَّات الأعادي ، وحملات الأعالي ، وطحنتهم سنابك الصافنات ، وحوافر الصاهلات ، في مواقف الأزْل والهزْل في ظلال الأعنة وبريق الأسنة ، ما بقوا لهضمي ، ولا عاشوا لظلمي ، ولما قالوا إنك لحريص متهم !
اللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق ، فإني مهدت مهاد نبوة محمد صلى الله عليه وآله ، ورفعت أعلام دينك، وأعلنت منار رسولك ، فوثبوا عليَّ وغالبوني ونالوني ووتروني.
فقام إليه أبو حازم الأنصاري فقال: يا أميرالمؤمنين أبو بكر وعمر ظلماك: أحقك أخذا وعلى الباطل مضيا ، أعلى حق كانا أم ميراثك غصباً ؟ أفهمنا لنعلم باطلهم من حقك ، أو نعلم حقهما من حقك ، أبَزَّاك أمرك ؟ أم غصباك إمامتك ، أم غالباك فيها عزاً أم سبقاك إليها عجَلاً ؟ فجرت الفتنة ، ولم تستطع منها استقلالاً ، فإن المهاجرين والأنصار يظنان أنهما كانا على حق ، وعلى الحجة الواضحة مضيا ؟
فقال صلوات الله عليه: يا أخا اليمن لا بحق أخذا ، ولا على إصابة أقاما ، ولا على دين مضيا ، ولا على فتنة خشيا. يرحمك الله ، اليوم نتواقف على حدود الحق والباطل ، أتعلمون يا إخواني أن بني يعقوب على حق ومحجة كانوا حين باعوا أخاهم ، وعقوا أباهم ، وخانوا خالقهم ، وظلموا أنفسهم ، فقالوا: لا. فقال: يرحمكم الله أيعلم إخوانك هؤلاء أن ابن آدم قاتل الأخ كان على حق ومحجة وإصابة وأمره من رضا الله؟ فقالوا: لا. فقال:أوليس كل فعل بصاحبه ما فعل ، لحسده إياه وعدوانه وبغضه له ؟ فقالوا: نعم. قال: وكذلك فعلا بي ما فعلا حسداً ، ثم إنه لم يتب على ولد يعقوب إلا بعد استغفار وتوبة وإقلاع وإنابة وإقرار، ولو أن قريشاً تابت إلي واعتذرت من فعلها لاستغفرت الله لها. ثم قال بعد كلام: ثم سبقني إليه التيمي والعدوي ، كسباق الفرس احتيالاً واغتيالاً وخدعة وغلبة.
ثم قال بعد كلام:اليوم أنطق الخرساء ذات البرهان ، وأفصح العجماء ذات البيان ، فإنه شارطني رسول الله صلى الله عليه وآله في كل موطن من مواطن الحروب، وصافقني على أن أحارب الله وأحامي لله وأنصر رسول الله جهدي وطاقتي وكدحي وكدي ، وأحامي عن حريم الإسلام ، وأرفع عن أطناب الدين ، وأعز الإسلام وأهله ، على أن ما فُتحت وبُنيت عليه دعوة الرسول، وقُرئت فيه المصاحف ، وعُبد فيه الرحمن ، وفُهم به القرآن فلي إمامته وحله وعقده وإصداره وإيراده.ولفاطمة فدك ، ومما خلفه رسول الله صلى الله عليه وآله النصف ، فسبقاني إلى جميع نهاية الميدان يوم الرهان.
ما شككت في الحق منذ رأيته ، هلك قوم أرجفوا عني. إنه لم أشك فيما آتاني من حق الله ، ولا ارتبت في إمامتي وخلافة ابن عمي ووصية الرسول صلى الله عليه وآله .
ولمَّا أنزل الله جل وعز: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ، دعا رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة فنحلها فدكاً ، وأقامني للناس علماً وإماماً ، وعقد لي وعهد إلي ، فأنزل الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ.
وإنما قمت تلك المقامات ، واحتملت تلك الشدائد ، وتعرضت للحتوف ، على أن نصيبي من الآخرة موفراً ، وأني صاحب محمد وخليفته ، وإمام أمته بعده ، وصاحب رايته في الدنيا والآخرة.
اليوم أكشف السريرة عن حقي، وأجلى القذى عن ظلامتي، حتى يظهر لأهل اللب والمعرفة أني مذلل مضطهد مظلوم، مغصوب مقهور محقور،وأنهم ابتزوا حقي واستأثروا بميراثي. اليوم نتواقف على حدود الحق والباطل ، من استودع خائناً فقد غش نفسه. من استرعى ذئبًا فقد ظلم. من ولَّى غشوماً فقد اضطهد. هذا موقف صدق ومقام أنطق فيه بحقي ، وأكشف الستر والغمة عن ظلامتي.
يا معشرالمهاجرين والأنصار: أين سبقت تيم وعدي إلى سقيفة بني ساعدة خوف الفتنة ، ألا كانت يوم الأبواء (غزوة بني المصطلق) إذ تكانفت الصفوف ، وتكاثرت الحتوف ، وتقارعت السيوف.
أم هلَّا خشيا فتنة الإسلام يوم ابن عبد ود وقد نفح بسيفه ، وشمخ بأنفه ، وطمح بطرفه ! ولمَ لم يشفقا على الدين وأهله يوم بواط ، إذ اسودَّ لون الأفق ، واعوج عظم العنق ، وانحل سيل العرق ، ولم يشفقا يوم رضوى ، إذ السهام تطير والمنايا تسير ، والأسْد تزأر !
وهلَّا بادرا يوم العشيرة ، إذ الأسنان تصطك ، والآذان تستك ، والدروع تهتك ! وهلَّا كانت مبادرتهما يوم بدر ، إذ الأرواح في الصعداء ترتقي ، والجياد بالصناديد ترتدي ، والأرض من دماء الأبطال ترتوي.
ولم لم يشفقا على الدين يوم بدر الثانية ، والرعابيب ترعب ، والأوداج تشخب، والصدور تخصب ، أم هلَّا بادرا يوم ذات الليوث ، وقد أبيح التولب ( من الغنائم) واصطلم الشوْقب (البطل الضخم المنازل) وادلهمَّ الكوكب.
ولم لا كانت شفقتهما على الإسلام يوم الأكدر ، والعيون تدمع ، والمنية تلمع ، والصفايح(صفحات الوجوه) تنزع.
ثم عدد وقائع النبي صلى الله عليه وآله كلها على هذا النسق ، وقرعهما بأنهما في هذه المواقف كلها كانا مع النظارة والخوالف والقاعدين ، فكيف بادرا الفتنة بزعمهما يوم السقيفة؟ وقد توطأ الإسلام بسيفه ، واستقر قراره.
يا معشر المهاجرين والأنصار: إني على بصيرة من أمري ، وعلى ثقة من ديني. اليوم أنطقتِ الخرساء البيان ، وفهمتِ العجماء الفصاحة ، وأتيتِ العمياء بالبرهان. هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ، قد توافقنا على حدود الحق والباطل ، وأخرجتكم من الشبهة إلى الحق ، ومن الشك إلى اليقين. فتبرؤا رحمكم الله ممن نكثوا البيعتين ، وغلب الهوى به فضل، وأبعدوا رحمكم الله ممن أخفى الغدر ، وطلب الحق من غير أهله فتاه ، والعنوا رحمكم الله من انهزم الهزيمتين ، إذ يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله وَمَاْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. وقال: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ.
إغضبوا رحمكم الله على من غضب الله عليهم ، وتبرؤوا رحمكم الله ممن يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وآله : ترتفع يوم القيامة ريح سوداء تخطف من دوني قوماً من أصحابي من عظماء المهاجرين ، فأقول: أصيحابي فيقال: يا محمد إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك !
وتبرؤوا رحمكم الله من النفس الضال: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ. فيقولوا: رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ. ومن قبل أن يقولوا: يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ الله وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ. أو يقولوا: وَمَا أَضَلَّنَا إِلا أَلْمُجْرِمُونَ. أو يقولوا: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا.
إن قريشاً طلبت السعادة فشقيت ، وطلبت النجاة فهلكت ، وطلبت الهداية فضلت. إن قريشاً قد أضلت أهل دهرها ، ومن يأتي من بعدها من القرون ، إن الله تبارك اسمه وضع إمامتي في قرآنه فقال: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا. وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا. إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا. وقال: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَوةَ وَآتَوُا الزَّكَوةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ). والخطبة طويلة !
ثم قال الشيخ علي الحلي+: واعلم أن كل ما احتججنا به وسائر الشيعة إنما أصله من كلامه صلوات الله عليه ، هو الذي أعطاه الله من الفضل والقوة ما صلح به أن يصير أخاً لرسول الله صلى الله عليه وآله .
تلك المكارم لاقِعْيان من لبن)!
وفي الإحتجاج(2/40):(جاء رجل من أهل البصرة إلى علي بن الحسين فقال:يا علي بن الحسين إن جدك علي بن أبي طالب قتل المؤمنين ، فهملت عينا علي بن الحسين دموعاً حتى امتلأت كفه منها ، ثم ضرب بها على الحصى، ثم قال: يا أخا أهل البصرة لا والله ما قتل علي مؤمناً ، ولا قتل مسلماً ، وما أسلم القوم ولكن استسلموا وكتموا الكفر وأظهروا الإسلام ، فلما وجدوا على الكفر أعواناً أظهروه ، وقد علمت صاحبة الجمل والمستحفظون من آل محمد صلى الله عليه وآله أن أصحاب الجمل وأصحاب صفين وأصحاب النهروان لعنوا على لسان النبي الأمي صلى الله عليه وآله وقد خاب من افترى. فقال شيخ من أهل الكوفة: يا علي بن الحسين إن جدك كان يقول: إخواننا بغوا علينا. فقال علي بن الحسين عليه السلام : أما تقرأ كتاب الله: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ، فهم مثلهم).

علي عليه السلام يرفع الشكوى يوم القيامة على قريش !

بما أن نبينا صلى الله عليه وآله أفضل الأنبياء عليهم السلام ورسالته خاتمة الرسالات ، كان ظلم قريش له ، ومحاولاتهم قتله وصدهم عن سبيل الله الذي يدعو اليه ، ومنعهم الخير والهداية أن تصل الى شعوب العالم ، أول قضية ترفع يوم القيامة.
فمحكمة القيامة تبدأ قبل القضايا الفردية بالقضايا الكبرى التي أثرت على أمن الشعوب والأجيال وهدايتهم ، شبيهاً بقضايا أمن الدولة.
وأول قضية كبرى في محكمة القيامة ، مصادرة حرية النبي صلى الله عليه وآله في تبليغ رسالة ربه ، لأنها أثرت على أمن الشعوب وهدايتهم ، وهي قبل القضايا العامة والفردية. وهذا معنى ما رواه البخاري ورويناه من أن علياً عليه السلام أول شاكٍ يوم القيامة ، أي نيابة عن النبي صلى الله عليه وآله وأصالة عن نفسه!
فهو المخاصم في أعظم قضية على الإطلاق في محكمة العدل الإلهي! والمشتكى عليه قريش: ابتداءً من الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وآله وأرادو قتله..
الى الذين آذوه وخططوا لاغتياله..
الى الذين افتروا عليه وأشاعوا عليه الشائعات الكاذبة..
الى المستهزئين الخمسة الذين حددوا يوماً للنبي صلى الله عليه وآله ليعلن سحب نبوته..
الى الذين عذبوا أصحابه وآذوهم..
الى الذين أشعلوا عليه الحروب وحاربوه في بدر وأحد والأحزاب..
الى القرشيين المنافقين الذين كذبوا عليه وأضلوا أمته..
الى الذين قتلوا أهل بيته وعترته..
فكل هؤلاء يُحضرهم الله تعالى الى المحكمة ، ويخاصمهم علي عليه السلام !
قال البخاري في صحيحه (5/6): (عن قيس بن عبادة عن علي بن أبي طالب أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة) !
وقد أراد البخاري أن يضلل الناس عن معنى الحديث فقال:(وقال قيس بن عُبَّاد: وفيهم أنزلت هذان خصمان اختصموا في ربهم قال هم الذين تبارزوا يوم بدر حمزة وعلي وعبيدة بن الحرث وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة).
ويقصد ابن عباد الضبعي البصري ، والمدة بينه وبين البخاري أكثر من مائة سنة ! فكيف رواه البخاري بلا واسطة ، ثم عمن رواه قيس وهو يروي عن علي وعن أبي ذر وطبقتهم !
على أن مخاصمة عتبة وأصحابه ومحاكمتهم قد تمت يوم بدر ، فقتلهم الله بيد علي عليه السلام .
وقال الحاكم (2/387): (قال عليٌّ: أنا أول من يجثو للخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة.لقد صح الحديث بهذه الروايات عن علي كما صح عن أبي ذر الغفاري).
وهي حقيقة قارعة، فعلي عليه السلام يجثو على ركبتيه بين يدي الله عز وجل ويرفع شكواه على قريش ، بالوكالة عن النبي صلى الله عليه وآله وبالأصالة عن نفسه !
وكان علي عليه السلام في حياته يقول(شرح نهج البلاغة:2/298): (اللهم إني أستعديك على قريش ، فإنهم أضمروا لرسولك صلى الله عليه وآله ضروباً من الشر والغدر فعجزوا عنها ، وحِلْتُ بينهم وبينها ، فكانت الوجبةُ بي والدائرةُ عليَّ).

علي عليه السلام يؤكد أن مرض قريش حسد قابيل ولا شيئ غير الحسد !

يقول عليه السلام (نهج البلاغة:20/27): (أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا، كذباً وبغياً علينا أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم. بنا يستعطى الهدى ويستجلى العمى.إن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لاتصلح على سواهم ولاتصلح الولاة من غيرهم. آثروا عاجلاً وأخروا آجلاً ، وتركوا صافياً وشربوا آجناً.
أين العقول المستصبحة بمصابيح الهدى ، والأبصار اللامحة إلى منار التقوى. أين القلوب التي وهبت لله وعوقدت على طاعة الله.
إزدحموا على الحطام وتشاحُّوا على الحرام ، ورفع لهم علم الجنة والنار فصرفوا عن الجنة وجوههم وأقبلوا إلى النار بأعمالهم. دعاهم ربهم فنفروا وولوا، ودعاهم الشيطان فاستجابوا وأقبلوا).
ويقول عليه السلام (نهج البلاغة:2/202): (اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قد قطعوا رحمي، وأكفأوا إنائي، وأجمعوا على منازعتي حقاً كنت أولى به من غيري ، وقالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تمنعه ، فاصبر مغموماً أو مت متأسفاً ، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذابٌّ ولا مساعد إلا أهل بيتي فضننت بهم عن المنية فأغضيت على القذى ، وجرعت ريقي على الشجى ، وصبرت من كظم الغيظ على أمرِّ من العلقم ، وآلم للقلب من حز الشفار)!
وقال له النبي صلى الله عليه وآله (الخصال/462):يا علي إن القوم نقضوا أمرك واستبدوا بها دونك وعصوني فيك. فعليك بالصبر حتى ينزل الأمر، ألا وإنهم سيغدرون بك لا محالة، فلا تجعل لهم سبيلاً إلى إذلالك وسفك دمك، فإن الأمة ستغدر بك بعدي.كذلك أخبرني جبرئيل عن ربي تبارك وتعالى).
وقال له قبل وفاته (البصائر/141):(لست أخاف عليك أن تضل بعد الهدى ، ولكن أخاف عليك فساق قريش وعاديتهم! حسبنا الله ونعم الوكيل).
وقال عليه السلام :(شرح النهج:20/326): (أما والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، إنه لعهد النبي الأمي إلي أن الأمة ستغدر بك من بعدي).
ورواه الحاكم (3/140و143) بلفظ: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله :إن الأمة ستغدر بك بعدي ، وأنت تعيش على ملتي وتقتل على سنتي ، من أحبك أحبني ومن أبغضك أبغضني ، وإن هذه ستخضب من هذا يعني لحيته من رأسه).
وقال الهيثمي(9/138): (رواه البزار وفيه علي بن قادم وقد وُثق وضعف).
وقال الإمام الصادق عليه السلام (كامل الزيارات/543): (والله إن بني هاشم وقريشاً لتعرف ما أعطانا الله ، ولكن الحسد أهلكهم كما أهلك إبليس ، وإنهم ليأتوننا إذا اضطروا وخافوا على أنفسهم،فيسألونا فنوضح لهم فيقولون: نشهد أنكم أهل العلم ، ثم يخرجون فيقولون: ما رأينا أضل ممن اتبع هؤلاء ويقبل مقالتهم). وهذا يكفي لنعرف أن شكاية علي عليه السلام يوم يجثو أمام ربه عز وجل إنما هي من قريش، وأن محاولة البخاري ورواة السلطة أن يجعلوها شكاية على من قتلهم في بدر محاولةٌ ركيكة ، فقد قتلهم وحكم له الله تعالى عليهم !
وفي الختام ، فإن الآيات القرآنية وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وعلي والأئمة عليهم السلام في ذم قريش أضعاف ما ذكرناه ، وما ذكرنا إلا نماذجَ منها.

  • *

الفصل السابع - مقارنة بين آيات وأحاديث ذم قريش و(مدحها)

الآيات والأحاديث (المادحة) لا تقاوم الذامة

إذا أردنا المقارنة بين نصوص ذم قريش ونصوص مدحها ، نجد أن آيات وأحاديث الذم قطعية الصدور ، وقطعية الدلالة  ، وهي تضع قريشاً في الدرك الأسفل. بينما نصوص مدحها فهي إما تفسيرخاطئ للآيات والأحاديث ، أو أحاديث اخترعها قرشيون كذباً على رسول  الله صلى الله عليه وآله جهاراً نهاراً !
لإيلافِ قُرَيْشٍ:
يقولون: ماتصنع بسورة قريش، وحديث اختيارالله تعالى لقريش من العرب؟
والجواب: أن سورة قريش تقول: بسبب أن الله عَوَّدهم وجعلهم يألفون الرحلتين للتجارة ، وأغناهم إكراماً لبيته الحرام ، فليعبدوا الله رب هذا البيت ولا يعبدوا الأصنام. وليس فيه مدح لقريش ، بل توبيخ لها بأنها مع نعمة الله عز وجل عليها لم تشكر ذلك وعبدت الأصنام !
السورة: بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. لإيلافِ قُرَيْشٍ. إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ.
وفيها مدح غير مباشر لهاشم وعبد المطلب اللذين أسسا رحلتي الشتاء والصيف فأخذا الأمان لقوافل قريش من الملوك والقبائل، فأمَّنوا لها الطريق.
وكان عمر يقرأ سورة قريش ويرفع بها صوته مفتخِراً، ولا فخر فيها ! (الدر المنثور: 6 / 366).
وسيأتي حذفه واو الأنصار من آية لأجل قريش ، ووقوف الأنصار في وجهه !
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ:
ذكر بعضهم في مدح قريش قوله تعالى في سورة الزخرف: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ.
وفسروه بأن القرآن شرف لك ولقومك قريش ، وزعموا أن النبي صلى الله عليه وآله سئل عن ذلك فقال: لقريش ! وفرح بذلك أتباع قريش ورووا في تفسيرالآية أحاديث مكذوبة كحديث عبد الله بن عمر: لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس إثنان. وحديث معاوية: لا يزال هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كب على وجهه ما أقاموا الدين.
حديث أبي بردة: الأمراء من قريش، لكم عليهم حق ولهم عليكم حق ما فعلوا ثلاثاً: ما حكموا فعدلوا واسترحموا فرحموا وعاهدوا فوفوا. فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).(تفسير الثعالبي(8/337).
وكفى في الرد عليهم قوله تعالى: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَالْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ. فكيف يكون فخراً لهم وقد كذبوا به ؟
وقوله تعالى: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا. وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا.
فكيف يكون القرآن شرفاً لهم وقد كذبوا به ، ثم (أسلموا) لكن هجروه !
أما تفسيرنا وهو الصحيح ، فالقرآن ذكرٌ للنبي صلى الله عليه وآله ولقومه يعني عترته عليهم السلام ليفسروه للناس ، وسوف يسألون عن قيامهم بتبليغ القرآن.

  • *

أحاديث كثيرة موضوعة في (مدح) قريش !

أوردها ابن سعد في الطبقات (1/19) والسيوطي في الدر المنثور(3/294) والمتقي الهندي في كنز العمال(11/500) والمحب الطبري في ذخائر العقبى (1/53). ومن أشهرها حديث ابن عمر: وهو في الدر المنثور(3/295): عن الحكيم الترمذي ، والطبراني ، وابن مردويه ، وأبي نعيم ، والبيهقي ، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إن الله خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم ، واختار من بني آدم العرب ، واختار من العرب مضر ، واختار من مضر قريشاً ، واختار من قريش بني هاشم ، واختارني من بني هاشم. فأنا من خيار إلى خيار).
وروى الحاكم (4/73) أن حديث ابن عمر كان بسبب سخرية القرشيين من بني هاشم !
قال عبد الله بن عمر: إنا لقعود بفناء رسول الله( ص) إذ مرت امرأة فقال رجل من القوم: هذه ابنة محمد ، فقال رجل من القوم: إن مثل محمد في بني هاشم مثل الريحانة في وسط النتن! فانطلقت المرأة فأخبرت النبي فجاء النبي( ص)يعرف في وجهه الغضب ، ثم قام على القوم فقال: ما بال أقوال تبلغني عن أقوام ! إن الله عز وجل خلق السماوات سبعاً فاختار العليا منها فسكنها ، وأسكن سماواته من شاء من خلقه ، وخلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم ، واختار من بني آدم العرب،واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشاً، واختار من قريش بني هاشم واختارني من بني هاشم فأنا من خيار إلى خيار).
فغرض النبي صلى الله عليه وآله مدح بني هاشم ، أما قريش عامة فإنما هي ظرفٌ للنبي وآله صلى الله عليه وآله كما مدح بني إسرائيل لأن فيهم أنبياءهم عليهم السلام ، فهو في الحقيقة مدح للأنبياء عليهم السلام .
فما تقوله في آيات مدح بني إسرائيل وتفضيلهم على العالمين يجري في أحاديث مدح قريش.
والنتيجة: أن الرد على ما زعموه من مدح قريش بأحد أربعة وجوه:
أولها:أما الآيات فليس فيها آية مدح! وأما الأحاديث فضعيفة وموضوعة.
ثانيها: أن الله عز وجل مدح بني إسرائيل لما كانوا مؤمنين ، فلما عصوا وكفروا ذمهم ولعنهم.أما قريش فكذبوا النبي صلى الله عليه وآله من الأول ، وأصروا على قتله !
فالملاك في المدح والذم المتأخر منهما ، والمتأخر في بني إسرائيل وفي قريش الذم وهو معلوم من الآيات والأحاديث.
وثالثها: أن كل مدح لبني إسرائيل وقريش فهو مشروط بإيمانهم وثباتهم على الإيمان والوفاء بميثاقهم. فإذا انحرفوا ولم يفوا بميثاقهم لم يستحقوا المدح ، بل استحقوا العقوبة المناسبة ، حتى يصل الأمر الى لعنهم واستحقاقهم النار. وكذلك مدح الصحابة كله مشروط ، وليس فيه مدح مطلق أبداً !
ورابعها: أن بني إسرائيل ظرف للأنبياء عليهم السلام والأبرار ، وقريشاً ظرف للنبي وعترته صلى الله عليه وآله ، ومدح الظرف إنما هو بسبب المظروف ، وليس لذاته !
فقد فضل الله بني إسرائيل على العالمين بوجود الأنبياء عليهم السلام فيهم ، قال تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ.وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ.وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِفَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ. ومعناه أنهم بغوا وظلم بعضهم بعضاً ، فزال تفضيلهم على العالمين.
وهو كقوله تعالى للمسلمين: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للَّنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. فهم خيرأمة أنشأها الله للناس بنعمة النبي وعترته صلى الله عليه وآله فيها. وهذه نعمة كبرى عليهم لكنهم بدلوا نعمة الله كفراً.
ففي الكافي (8/103):(قال الحرث النصري:سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل: الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً؟ قال ما تقولون في ذلك؟قلت نقول هم الأفجران من قريش بنوأمية وبنو المغيرة ، قال: هي والله قريش قاطبة ! إن الله تبارك وتعالى خاطب نبيه صلى الله عليه وآله فقال إني فضلت قريشاً على العرب ، وأتممت عليهم نعمتي، وبعثت إليهم رسولي، فبدلوا نعمتي كفراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ).

نص الحديث كما رويناه نحن

في الغيبة للنعماني/85: (عن أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة ، ومحمد بن همام بن سهيل ، وعبد العزيز وعبد الواحد ابنا عبد الله بن يونس الموصلي ، عن رجالهم ، عن عبد الرزاق ابن همام ، عن معمر بن راشد ، عن أبان بن أبي عياش ، عن سليم بن قيس: قال علي بن أبي طالب عليه السلام : مررت يوماً برجل سماه لي فقال: ما مثل محمد إلا كمثل نخلة نبتت في كباة (مزبلة) فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله فذكرت ذلك له ، فغضب رسول الله وخرج مغضباً وأتى المنبرففزعت الأنصار إلى السلاح لما رأوا من غضب رسول الله صلى الله عليه وآله قال: فما بال أقوام يعيروني بقرابتي وقد سمعوني أقول فيهم ما أقول من تفضيل الله تعالى إياهم وما اختصهم به من إذهاب الرجس عنهم وتطهير الله إياهم؟ وقد سمعوا ما قلته في فضل أهل بيتي ووصيي ، وما أكرمه الله وخصه وفضله من سبقه إلى الإسلام وبلائه فيه ، وقرابته مني، وأنه مني بمنزلة هارون من موسى ثم يمر به فزعم أن مثلي في أهل بيتي كمثل نخلة نبتت في أصل حش (مرحاض)ألا إن الله خلق خلقه وفرقهم فرقتين فجعلني في خيرالفرقتين ، وفرق الفرقة ثلاث شعب فجعلني في خيرها شعباً وخيرها قبيلة ، ثم جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرها بيتاً ، حتى خلصت في أهل بيتي وعترتي وبني أبي ، أنا وأخي علي بن أبي طالب. نظر الله سبحانه إلى أهل الأرض نظرة واختارني منهم ، ثم نظر نظرة فاختار عليا أخي ووزيري ، ووارثي ووصيي ، وخليفتي في أمتي ، وولي كل مؤمن بعدي ، من والاه فقد والى الله ، ومن عاده فقد عادى الله ، ومن أحبه أحبه الله ، ومن أبغضه أبغضه الله ، لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا كافر ، هو زر الأرض بعدي وسكنها ، وهو كلمة التقوى وعروة الله الوثقى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ، يريد أعداء الله أن يطفئوا نور أخي ويأبى الله إلا أن يتم نوره.أيها الناس ، ليبلغ مقالتي شاهدكم غائبكم، اللهم اشهد عليهم.
ثم إن الله نظر نظرة ثالثة فاختار من أهل بيتي بعدي ، وهم خيار أمتي: أحد عشر إماماً بعد أخي واحداً بعد واحد ، كلما هلك واحد قام واحد ، مثلهم في أهل بيتي كمثل نجوم السماء ، كلما غاب نجم طلع نجم ، إنهم أئمة هداة مهديون ، لا يضرهم كيد من كادهم ولاخذلان من خذلهم ، بل يضر الله بذلك من كادهم وخذلهم ، هم حجج الله في أرضه ، وشهداؤه على خلقه ، من أطاعهم أطاع الله ، ومن عصاهم عصى الله. هم مع القرآن والقرآن معهم لايفارقهم ولا يفارقونه حتى يردوا عليَّ حوضي ، وأول الأئمة أخي علي خيرهم ، ثم ابني حسن،ثم ابني حسين، ثم تسعة من ولد الحسين عليهم السلام ).
وروى نحوه مجمع الزوائد(8/216) بسند وثقه بلفظ: (عن ابن عباس قال: توفي ابن لصفية عمة رسول الله (ص) فبكت عليه وصاحت ، فأتاها النبي فقال لها: يا عمة ما يبكيك؟ قالت توفي ابني. قال: يا عمة من توفي له ولد في الإسلام فصبر بنى الله له بيتا في الجنة ، فسكتت ، ثم خرجت من عند رسول الله (ص) فاستقبلها عمر بن الخطاب فقال: يا صفية قد سمعت صراخك ، إن قرابتك من رسول الله لن تغني عنك من الله شيئاً ! فبكت فسمعها النبي( ص) وكان يكرمها ويحبها فقال: يا عمة أتبكين وقد قلت لك ما قلت؟ قالت: ليس ذاك أبكاني يا رسول الله، إستقبلني عمر بن الخطاب فقال إن قرابتك من رسول الله لن تغني عنك من الله شيئاً ! قال: فغضب النبي(ص) وقال: يا بلال هجر بالصلاة فهجر بلال بالصلاة ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي لا تنفع ! كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي فإنها موصولة في الدنيا والآخرة) !

ألفوا كتباً في فضائل قريش !

قال النووي في المجموع (1/7): (وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في فضائل قريش،وانعقد إجماع الأمة على تفضيلهم على جميع قبائل العرب وغيرهم: وفى الصحيحين عن رسول الله(ص): الأئمة من قريش. وفي صحيح مسلم قال: الناس تبع لقريش في الخير والشر).
وقد ألف أتباع الخلافة في مدح قريش عشرات الكتب ، من القرن الثاني الى يومنا ، مثل فضائل قريش لمعمر بن راشد المتوفى153هـ وفضائل قريش للشافعي. وآخر ما رأيت كتاب الوهابي الراجحي وسماه بإسم شاعري: لذة العيش في فضائل قريش.
وعقد المحدثون في جوامعهم باباً بعنوان: فضائل قريش. وزاد بعضهم معها كنانة ، وزاد بعضهم الأنصار وثقيف ، وزاد بعضهم بني هاشم. وهذا يدل على أن النظام القرشي كان مهتماً بدرجة عالية بالدفاع عن قريش ، وتعميم الأحاديث المكذوبة في فضائلها ، حتى ربوا عليها الأطفال في الكتاتيب ! كحديث عمر (ذخائر العقبى(19و/53) (قريش أفضل الناس أحلاماً ، وأعظم الناس أمانة ، ومن يرد قريشاً بسوء يكبه الله لفيه.
وحديث الزهري أن رسول الله (ص) قال: من أهان قريشاً أهانه الله..لولا أن تطغى قريش لأخبرتها بالذي لها عند الله عز وجل.
وحديث الساعدي قال النبي(ص): أحبوا قريشاً فإن من أحبهم أحبه الله.
وحديث ابن عباس قال رسول الله (ص): إن قريشاً كانت نوراً بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ، يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه ، فلما خلق الله آدم عليه السلام ألقى ذلك النور في صلبه قال رسول الله (ص) فأهبطني الله إلى الأرض في صلب آدم عليه السلام وجعلني في صلب نوح ، وقذف بي في صلب إبراهيم ، ثم لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة حتى أخرجني من بين أبويَّ لم يلتقيا على سفاح قط).
وحديث حنطب قال: خطبنا رسول الله (ص) يوم الجمعة فقال: أيها الناس قدموا قريشاً ولا تقدموها وتعلموا منها ولا تعلموها.
وهذان الحديثان ورد أن النبي صلى الله عليه وآله قالهما في أهل بيته وعترته عليهم السلام لا في قريش.
وحديث عامر بن شهر قال رسول الله (ص): إستمعوا من قريش ودعوا فعلهم! يعني أطيعوهم ولو كانوا عصاة فساقاً فجاراً ، ولا تنظروا الى فعلهم !
وقد ضعف الألباني في إرواء الغليل(2/295) عدداً من أحاديث قريش لكنه صحح أكثرها مثل الأحاديث المتقدمة التي ناقشناها ، ومثل حديث: قدموا قريشاً ولا تقدموها. وتعلموا من قريش ولا تعلموها. الأئمة من قريش. الأمراء من قريش. الناس تبع لقريش في الخير والشر.لايزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان ، لايعاديهم أحد إلا أكبه الله تعالى على وجهه ما أقاموا الدين. للقرشي قوة الرجلين من غير قريش.
لكن الألباني نقض كل أحاديثه التي صححها في قريش، فصحح حديث: هلاك أمتي على يدي غلمان سفهاء من قريش. المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة ، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة).
ومعنى هذين الحديثين أن قريشاً وهي الطلقاء ليسوا من أمة النبي صلى الله عليه وآله ، وأن أبناءهم غلمان سفهاء سيحكمون ويهلكون أمة النبي صلى الله عليه وآله !!

  • *

الفصل الثامن - المستهزئون الخمسة قرشيون فراعنة

قتلهم الله في ساعة واحدة لأنهم عقبة في طريق الدعوة !

تفاوتت الرواية في عدد المستهزئين القرشيين ، لكن المشهور أنهم خمسة وهو المروي عن أهل البيت عليهم السلام . وكان إهلاكهم بمعجزة ، وبدأت بعده مرحلة جديدة في عمل النبي صلى الله عليه وآله : مرحلة إعلان الدعوة العامة إلى الإسلام ، بعد أن اقتصرت ثلاث سنوات على دعوة بني هاشم.
وكان إهلاكهم على أثر إنذارهم للنبي صلى الله عليه وآله بالقتل إن لم يتراجع !
وفي آخر يوم من إنذارهم قتلهم الله كلهم ، وكان الواحد منهم يقول قبل هلاكه: قتلني رب محمد ! فانتشرالخوف في قريش من رب محمد صلى الله عليه وآله !
وعندما أخبره جبرئيل بهلاكهم خرج صلى الله عليه وآله إلى المسجد:( فقام على الحِجْر فقال: يا معشر قريش ، يا معشر العرب ، أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، وآمركم بخلع الأنداد والأصنام ، فأجيبوني تملكوا بها العرب وتدين لكم العجم وتكونوا ملوكاً في الجنة. فاستهزؤوا وقالوا: جُنَّ محمد بن عبد الله ، ولم يجسروا عليه لموضع أبي طالب). (تفسير القمي:1/377).
وفي الخصال/279، عن الإمام الحسين أن علياً عليهما السلام قال ليهودي من أحبار الشام في جواب مسائله: (فأما المستهزؤون فقال الله عز وجل له: إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئينَ ، فقتل الله خمستهم ، قد قتل كل واحد منهم بغير قتلة صاحبه في يوم واحد: أما الوليد بن المغيرة فإنه مرَّ بنبل لرجل من بني خزاعة قد راشه في الطريق فأصابته شظية منه ، فانقطع أكحله حتى أدماه ، فمات وهو يقول: قتلني رب محمد !
وأما العاص بن وائل السهمي ، فإنه خرج في حاجة له إلى كداء فتدهده تحته حجر فسقط فتقطع قطعة قطعة فمات وهو يقول: قتلني رب محمد !
وأما الأسود بن عبد يغوث ، فإنه خرج يستقبل ابنه زمعة ومعه غلام له فاستظل بشجرة تحت كداء فأتاه جبرئيل عليه السلام فأخذ رأسه فنطح به الشجرة ، فقال لغلامه: إمنع هذا عني! فقال: ما أرى أحداً يصنع بك شيئاً إلا نفسك ! فقتله وهو يقول: قتلني رب محمد !
وأما الحارث بن الطلاطلة فإنه خرج من بيته فتحول حبشياً ، فرجع إلى أهله فقال: أنا الحارث فغضبوا عليه فقتلوه وهو يقول: قتلني رب محمد!
وأما الأسود بن المطلب فإنه أكل حوتاً مالحاً فأصابه غلبة العطش فلم يزل يشرب الماء حتى انشق بطنه فمات ، وهو يقول: قتلني رب محمد !
كل ذلك في ساعة واحدة ! وذلك أنهم كانوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا له: يا محمد ننتظر بك إلى الظهر فإن رجعت عن قولك وإلا قتلناك فدخل النبي صلى الله عليه وآله منزله فأغلق عليه بابه مغتماً بقولهم ، فأتاه جبرئيل ساعته فقال له: يا محمد،السلام يقرؤك السلام وهو يقول: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ، يعني أظهر أمرك لأهل مكة وادع: وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ. قال: يا جبرئيل كيف أصنع بالمستهزئين وما أوعدوني؟قال له: إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئينَ. قال: يا جبرئيل كانوا عندي الساعة بين يدي؟ فقال: قد كفيتهم! فأظهر أمره عند ذلك) !
وفي الهداية الكبرى/66: (عن الباقر عليه السلام قال: لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله ودعا قريشاً إلى الله تعالى فنفرت من ذلك وقالوا: يا ابن أبي كبشة لقد ادعيت أمراً عظيماً ! أتزعم أنك نبي وأن الملائكة تنزل عليك، فقد كذبت على الله وملائكته ، ودخلت فيما دخل فيه السحرة والكهنة !
فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله : لمَ تجزعون يا معاشرقريش أن أدعوكم إلى الله والى عبادته؟ والله ما دعوتكم حتى أمرني بذلك ، وما أدعوكم أن تعبدوا حجراً من دون الله ولا وثناً ولا صنماً ولا ناراً ، وإنما دعوتكم أن تعبدوا من خلق هذه الأشياء كلها وخلق الخلق جميعاً ، وهو ينفعكم ويضركم ويميتكم ويحييكم ويرزقكم.ثم قال: والله لتستجيبن إلى هذا الذي أدعوكم إليه شئتم أم أبيتم ، طائعين أو كارهين صغيركم وكبيركم ! فبهذا أخبرني جبريل عن رب العالمين ، وإنكم لتعلمون ما أنا بكاذب وما بي من جنون ولا سحر ولا كهانة ، فقد أخبرتكم بما أخبرني به ربي ، فاسمعوا وأطيعوا. فكان هذا من دلائله صلى الله عليه وآله ).ونحوه ابن إسحاق(5/254) وابن هشام(2 / 277).
ومن صفات المستهزئين الخمسة: الإلحاد ، والمادية ، والتكبر، والحقد القبلي ، والتعقيد النفسي! وقد وسع حلم الله تعالى كل شئ لكنه قال عن رئيسهم الوليد بن المغيرة: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ.عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ. أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ. إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَلِينَ. سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُوم.

قتلني رب محمد !

اهتزت قريش لقتل المستهزئين الخمسة وكل واحد منهم يقول: قتلني رب محمد! وسكت زعماؤها فعلاً عن النبي صلى الله عليه وآله فنشط في الدعوة الى الإسلام، وأسلم له العشرات ، منهم عبيد ومنهم من أولاد زعماء قريش وشخصياتها. فتشاور القرشيون واتخذوا قرار تعذيبهم.

سماه القرشيون: ابن ابي كبشة وأبو كبشة زوج حليمة السعدية !

الكبش: الذكر الذي ينطح، من الغنم والماعز ، ويقال للمناطحة الكباش والمكابشة. وقد نص اللغويون على أن الكبشة ليست مؤنث الكبش لأنه لا مؤنث له من لفظه.
لكن هذا لايمنع أن تسمى الأنثى التي تنطح كبشة ويكون اشتقاقها من الكبش، كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعائشة: أنت رجلة وفسروه بأنها رجلة الرأي ، فاشتق النبي صلى الله عليه وآله الصفة للمؤنث من الرجل والرجل لا مؤنث له من لفظه.
وقد سمى المشركون النبي صلى الله عليه وآله ابن أبي كبشة ، وقصدهم الخبيث نفيه عن عبد المطلب وعن قريش ، وأنه ابن أبيه من الرضاعة الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي ، زوج حليمة !
وقد حاول الرواة تبرئة قريش من هذه الفرية ، فقالوا إن جد أبي أمه آمنة بنت وهب الزهرية ، كان يدعى أبا كبشة.
وقالوا إن أبا كبشة رجل من خزاعة ،كان يعبد الشعرى ، خالف العرب فلما جاءهم النبي بخلاف ما كانت العرب عليه قالوا هذا ابن أبي كبشة.
وهي محاولة للتغطية على خبثهم ونفيهم نسب النبي صلى الله عليه وآله .(الإستيعاب:4/1738).
ويدل على أن لقب حليمة أم كبشة، ما في تهذيب الأسماء /485، والمقريزي في إمتاع الأسماع(1/11) والفاسي في مستعذب الأخبار/81: ( أرضعته أم كبشة حليمة بنت أبي ذؤيب).
وفي معجم بن هلال التميمي/95: (وقيل هي:حليمة بنت أبي كبشة بنت ذؤيب). وقد عثرت أخيراً على كتاب(الأبيهْ فيمن نسب الى غير أبيه)للفيروزآبادي صاحب القاموس ، وقد نشره عبد السلام هارون في نوادر المخطوطات سنة1972، جاء في الصفحة 99: (اختلف العلماء فيه فقيل أبو كبشة كنية زوج حليمة السعدية قاله ابن بطال.. وقال الزبير بن بكار: وليس مرادهم عيب النبي صلى الله عليه وآله وإنما مرادهم مجرد التشبيه ! وقال غيره: هذا منهم إيذاء للنبي صلى الله عليه وآله وأقبح ماكانوا يدعونه به من الكنى والأسماء)!
وهذا القول هو الصحيح وإن حاول الزبير ابن بكار وغيره تغطية خبث بطون قريش! فقد تبانوا على هذا الإسم للنبي صلى الله عليه وآله ! ففي لسان العرب (2/332):(وفي حديث أَبي سفيان وهِرَقْل: لقد أَمَرَ أَمْرُ ابنِ أَبي كَبْشةَ ، يعني رسولَ الله).
وفي مناقب آل أبي طالب (1/117) لما حمل أبي بن خلف على النبي صلى الله عليه وآله في أُحد طعنه النبي بعنزة كالرمح: (فاعتنق فرسه فانتهى إلى عسكره وهو يخور خوار الثور فقال أبو سفيان: ويلك ما أجزعك إنما هو خدش ليس بشئ ، فقال: طعنني ابن أبي كبشة وكان يقول أقتلك ، فكان يخور الملعون حتى صار إلى النار).
وفي مستدرك الحاكم (3/249): (أن سعيد بن العاص بن أمية مرض فقال: لئن رفعني الله من مرضي هذا لا يعبد إله ابن أبي كبشة ببطن مكة أبداً ! فقال ابنه خالد بن سعيد: اللهم لا ترفعه ، فتوفي في مرضه ذلك)!
وفي مغازي الواقدي (1/51) لما خرج النبي صلى الله عليه وآله الى بدر وأفلتت منه قافلة قريش: (فكان ممن عرف أنه أفلت عجير، فكان أول من جاء قريشاً بخبر النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه ، فنادى يا آل غالب هذا ابن أبي كبشة وأصحابه ، وقد أخذوا سقاءكم ، فماج العسكر وكرهوا ما جاء به).
وفي مغازي الواقدي(1/297) عن حرب أحُد:(لما تحاجزوا وأراد أبو سفيان الإنصراف وأقبل يسير على فرسٍ له حواء أنثى فأشرف على أصحاب النبي في عرض الجبل فنادى بأعلى صوته: أعل هبل ! ثم يصيح: أين ابن أبي كبشة يومٌ بيوم بدر. ألا إن الأيام دولٌ وإن الحرب سجالٌ).
واستمر القرشيون يستعملون هذا الإسم للنبي صلى الله عليه وآله ، حتى بعد إسلامهم الظاهري!
قال في شرح نهج البلاغة(5/129): (روى الزبير بن بكار في الموفقيات ، وهو غير متهم على معاوية ولا منسوب إلى اعتقاد الشيعة ، لما هو معلوم من حاله من مجانبة علي عليه السلام والإنحراف عنه: قال المطرف بن المغيرة بن شعبة: دخلت مع أبي على معاوية فكان أبي يأتيه فيتحدث معه ، ثم ينصرف إليَّ فيذكر معاوية وعقله ويعجب بما يرى منه ، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء ، ورأيته مغتماً فانتظرته ساعة وظننت أنه لأمر حدث فينا فقلت: ما لي أراك مغتماً منذ الليلة؟ فقال:يابنيَّ جئت من عند أكفر الناس وأخبثهم! قلت: وما ذاك ؟ قال: قلت له وقد خلوت به: إنك قد بلغت سناً يا أميرالمؤمنين فلوأظهرت عدلاً ، وبسطت خيراً فإنك قد كبرت ، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم فوالله ما عندهم اليوم شئ تخافه ، وإن ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه. فقال: هيهات هيهات ، أي ذكر أرجو بقاءه ! ملكَ أخو تيْم فعدل وفعل ما فعل ، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره ، إلا أن يقول قائل: أبو بكر. ثم ملك أخو عَدِيّ فاجتهد وشمَّر عشر سنين ، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره ، إلا أن يقول قائل: عمر. وإن ابن أبي كبشة ليصاح به كل يوم خمس مرات: أشهد أن محمداً رسول الله! فأي عملي يبقى، وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أباً لك ! لاوالله إلا دفناً دفناً)!
فالقضية عند معاوية (القرشي الأصيل) ليست السلطة وحدها ، بل السمعة عند الناس ، فهو يحسد النبي صلى الله عليه وآله على ذكره في صلوات الناس ، ولا يستطيع أن يكون له ذكر مثله ، فيجب دفن ذكره دفناً دفناً ، وأول ذلك دفن أهل بيته ! وهو تصريحٌ بالحقد القبلي!

  • *

الفصل التاسع - قررت قريش تعذيب من دخل في الإسلام !

كان ذلك بعد فشل مسعاهم مع أبي طالب !

روى في المناقب (1/53) عن كتاب النبوة للصدوق ، عن الإمام زين العابدين عليه السلام مفاوضة قريش للنبي صلى الله عليه وآله وعمه أبي طالب، قال:(اجتمعت قريش إلى أبي طالب ورسول الله صلى الله عليه وآله عنده فقالوا: نسألك من ابن أخيك النصف ، قال: وما النصف منه ؟ قالوا: يكف عنا ونكف عنه فلا يكلمنا ولا نكلمه ولا يقاتلنا ولا نقاتله ، إلا أن هذه الدعوة قد باعدت بين القلوب وزرعت الشحناء وأنبتت البغضاء! فقال: يا ابن أخي أسمعت؟ قال: يا عم لو أنصفني بنو عمي لأجابوا دعوتي وقبلوا نصيحتي ، إن الله تعالى أمرني أن أدعو إلى دينه الحنيفية ملة إبراهيم ، فمن أجابني فله عند الله الرضوان والخلود في الجنان، ومن عصاني قاتلته حتى يحكم الله بيننا وهو خيرالحاكمين. فقالوا: قل له يكف عن شتم آلهتنا فلا يذكرها بسوء ، فنزل: قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ. قالوا: إن كان صادقاً فليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر ، فإن وجدناه صادقاً آمنا به فنزل:
مَا كَانَ الله لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. قالوا: والله لنشتمنك وإلهك فنزل: وَانْطَلَقَ الْمَلا مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيئٌ يُرَادُ. قالوا: قل له فليعبد ما نعبد ونعبد ما يعبد ، فنزلت سورة الكافرين. فقالوا قل له: أرسله الله الينا خاصة أم إلى الناس كافة ؟ قال: بل أرسلت إلى الناس كافة إلى الأبيض والأسود ، ومن على رؤس الجبال ومن في لجج البحار ، ولأدعون إليه فارس والروم: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا. فتجبرت قريش واستكبرت وقالت: والله لو سمعت بهذا فارس والروم لاختطفتنا من أرضنا ، ولقلعت الكعبة حجراً حجراً ، فنزل: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا.
وقوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ.. فقال مطعم بن عدي: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على أن يتخلصوا مما تكرهه ، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً ! فقال أبو طالب: والله ما أنصفوني، ولكنك قد اجتمعت على خذلاني ومظاهرة القوم علي ، فاصنع ما بدا لك ! فوثبت كل قبيلة على ما فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم. وقدم قوم من قريش من الطائف وأنكروا ذلك ، ووقعت فتنة ، فأمر النبي المسلمين أن يخرجوا إلى أرض الحبشة).
قال ابن إسحاق (2/128):(ثم إن قريشاً توامروا بينهم على من في القبائل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الذين أسلموا، فوثبت كل قبيلة تؤامروا على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم).
أقول: كان الخطر على من يسلم من عشيرته بالولادة أو بالتحالف أو العبودية. عدا حالات فردية كنوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى ، ابن العدوية الذي كان يعذب أبا بكر وطلحة وهما من قبيلة تيم وربطهما ولم تجرؤ قبيلتهما على فكهما!
قال ابن سعد (2 / 215): (فلما أسلم أبو بكر وطلحة بن عبيد الله أخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية ، فشدهما في حبل واحد ولم يمنعهما بنو تيم ! وكان نوفل بن خويلد يدعى أسد قريش ، فلذلك سمي أبو بكر وطلحة القرينين).
وكان ابن العدوية هذا في معركة بدر يرعد ويزبد ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : اللهم اكفني شر ابن العدوية ، فقتله علي عليه السلام ، فبلغ النبي صلى الله عليه وآله ذلك فحمد الله تعالى.
وقد كثرت أكاذيب القرشيين في عدد المعذبين وأنواع تعذيبهم ومدته ، ليثبتوا فضائل لبعض مؤيديهم بأنهم عذبوا في سبيل الله ! كما أخفوا أسماء الذين عذبوا المسلمين ، لأنهم صاروا مسؤولين في دولة الخلافة فسجلوا التعذيب ضد مجهول!واضطروا لذكراسم عمر بأنه كان يعذب جارية لأحد بني عدي!

أسماء المعذبين الذين عذبتهم قريش !

1-4. آل ياسر: ياسر وزوجته سمية وابناهما عمار وعبد الله. وهم من قبيلة عنس ، فرع من قبيلة مراد اليمانية ، وقد سكن ياسر مكة وتحالف مع قبيلة مخزوم ، فلما أسلموا قتل أبو جهل ياسر تحت التعذيب فهو أول شهيد في الإسلام ، كما قتل زوجته سمية فهي أول شهيدة في الإسلام ، طعنها بحربة في قبلها فقتلها! ومات ابنهما عبد الله بمكة وربما من التعذيب ، وشددوا العذاب على عمار بوضع صخرة على صدره ورمسه بالماء ، وقالوا لا نتركك حتى تسب محمداً وتقول في اللات والعزى خيراً ففعل فتركوه ، فأتى النبي يبكي فقال: ما وراءك قال شر يا رسول الله كان الأمر كذا وكذا! قال: فكيف تجد قلبك؟ قال:أجده مطمئناً بالإيمان. فأنزل الله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ .

  1. خباب بن الأرت التميمي،كان من سواد الكوفة فسباه قوم من ربيعة وباعوه لسباع بن عبد العزى الذي قتله حمزة في أحد.(ابن إسحاق:3/ 308). وكانوا يلصقون ظهره بالرمضاء ، ثم بالرضف وهي الحجارة المحماة بالنار ، ولووا رأسه ، فلم يجبهم إلى شئ مما أرادوا !
    وهاجر وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، ونزل الكوفة ومات فيها سنة سبع وثلاثين، وأوصى أن يدفن بظهر الكوفة.
    ورثاه أميرالمؤمنين عليه السلام فقال: يرحم الله خباب بن الأرت فلقد أسلم راغباً ، وهاجر طائعاً ، وقنع بالكفاف ورضي عن الله ، وعاش مجاهداً). (نهج البلاغة: 4 / 13 ، معجم رجال الحديث: 8 / 47 ، الكامل: 2 / 67 ، الطبقات: 3 / 164).
  2. بلال بن رباح الحبشي. كان غلاماً لأمية بن خلف الجمحي ، وكان أمية يعذبه ويلقيه في الظهيرة في الرمضاء على وجهه وظهره ، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتلقى على صدره ، ويقول لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى. (الكامل: 2 /66).
    وزعم رواة السلطة أن أبا بكر اشتراه واشترى غيره من العبيد المعذبين ، ورد ذلك نقاد الحديث. (الصحيح من السيرة: 3 / 89).
  3. صهيب بن سنان الرومي ولم يكن رومياً بل نسب إليهم لأنهم سبوه وباعوه ، وقالوا هو نمري من قبيلة نمر بن قاسط ، ولعله مولاهم. وكان يحب عمر فأوصى أن يصلي بالناس حتى يستخلف أهل الشورى. وتوفي بالمدينة سنة ثمان وثلاثين وعمره سبعون سنة. (الصحاح: 2 /837).
  4. عامر بن فهيرة غلام الطفيل بن عبد الله الأزدي ، والطفيل أخ عائشة لأمها أم رومان ، قالوا إنه عذب لإسلامه ولا يصح ذلك ، وكان أسود يرعى غنماً لسيده وأخذه النبي صلى الله عليه وآله مع أبي بكر في هجرته ، وشهد بدراً وأحداً ، واستشهد يوم بئر معونة ، وله أربعون سنة. (الكامل: 2 / 68).
  5. أبو فكيهة واسمه أفلح وقيل يسار ، وكان عبداً لصفوان بن أمية بن خلف الجمحي، أسلم مع بلال فأخذه سيده أمية وربط في رجله حبلاً وجره ، ثم ألقاه في الرمضاء ، ومر به جُعَل (حشرة) فقال له أمية: أليس هذا ربك! فقال: الله ربي وربك ورب هذا ، فخنقه خنقاً شديداً ، ومعه أخوه يقول: زده عذاباً حتى يأتي محمد فيخلصه بسحره ! وهاجر ومات قبل بدر. (الكامل: 2 / 68).
  6. لبينة جارية بني مؤمل، كان عمر يعذبها حتى يتعب فيدعها ويقول: إني لم أدعك إلا سآمة! فتقول كذلك يفعل الله بك! (الكامل: 2 / 69).
  7. زنيرة وكانت لبني عدي وكان عمر يعذبها. وقيل كانت لبني مخزوم وكان أبوجهل يعذبها حتى عميت فقال لها: إن اللات والعزى فعلا بك. فقالت: وما يدري اللات والعزى من يعبدهما ! ولكن هذا أمر من السماء وربي قادر على رد بصري فأصبحت من الغد وقد رد الله بصرها ! فقال: هذا من سحر محمد ! (الكامل: 2 / 69).
  8. أم عبيس أمة لبني زهرة،كان الأسود بن عبد يغوث يعذبها.(الكامل:2/70).
  9. مصعب بن عمير العبدري، ففي الطبقات( 3 / 116)والإستيعاب(4/ 1474):أنه أسلم وكتم إسلامه خوفاً من أمه وقومه ، فكان يختلف إلى رسول الله سراً فبصر به عثمان بن طلحة يصلي، فأخبر به قومه وأمه فأخذوه وحبسوه فلم يزل محبوساً إلى أن خرج إلى أرض الحبشة.
  10. أهمل رواة السلطة عدداً أسلموا ثم ارتدوا تحت ضغط قبائلهم أو تعذيبهم ، ومنهم من خرج مع المشركين إلى بدر وقاتل معهم وقتل!
    أهملوهم لأنهم أولاد زعماء المشركين ، الذين حكموا بعد النبي(ص) أو صاروا ولاة ، كأخ خالد بن الوليد !
    وفي إمتاع الأسماع (9 / 114): (عُذب قوم لا عشائر لهم ولا مانع لهم ، فبعضهم ارتد وبعضهم أقام على الإسلام ، وبعضهم أعطى ما أريد منهم من غير اعتقاد منه للكفر ، وكان قوم من الأشراف قد أسلموا ثم فتنوا ، منهم سلمة بن هشام بن المغيرة ، والوليد بن الوليد بن المغيرة ، وعياش بن أبي ربيعة ، وهشام بن العاص السهمي) !
    ثم ذكروا أن أبا بكر أسلم قبل هلاك المستهزئين ، وأن عشيرته حمته فلم يكن بحاجة إلى جوار أحد ولا للهجرة.
    ثم تحدثوا عن فضائل المعذبين في سبيل الله فعدوا أبا بكر منهم ، وقالوا إن ابن العدوية كان يربطه مع طلحة فسميا القرينين. (ابن هشام: 1/181).
    ثم تحدثوا عن فضائل الهجرة فقالوا إن أبا بكر هاجر إلى اليمن خوفاً من قريش فأجاره رئيس الأحابيش. (ابن هشام: 1 / 249).
    وعليه ، فقد شمل تعذيب قريش نحو عشرين شخصاً ، كما أن الذين هاجروا إلى الحبشة يبلغون ثمانين نفراً.
  • *

الفصل العاشر - طالبت قريش النجاشي بإرجاع المسلمين !

أمرالنبي صلى الله عليه وآله المستضعفين بالهجرة الى الحبشة

(قال ابن إسحاق: ثم إن قريشاً تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله (ص) الذين أسلموا معه ، فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ، ومنع الله رسوله (ص) منهم بعمه أبى طالب). (ابن هشام(1/173).
وقد بلغ المعذبون نحو ثمانين مسلماً فأرسلهم النبي صلى الله عليه وآله الى الحبشة بإمرة جعفر بن أبي طالب ، وكتب معه رسالة الى النجاشي ، وكتب أبو طالب معه رسالة أيضاً ، فأحسن استقبالهم وحماهم !
وبادر زعماء قريش فأرسلوا وفداً برئاسة عمرو بن العاص الى النجاشي يطالبونه برد المهاجرين ، فرد هداياهم ورفض طلبهم.
وقد كانت الهجرة مرة واحدة وليس مرات كما زعموا ، وكان أميرها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه. واستمرت بضع عشرة سنة.
أما الذين ذهبوا إلى الحبشة قبلها فكانوا أحد عشر رجلاً وأربع نسوة ، سافروا في شهر رجب وأقاموا شهر شعبان ورمضان ، ورجعوا في شوال ! ( تاريخ الطبري: 2 / 68 ، والطبقات: 1 / 206). فهذه سفرة قصيرة أشبه بسفرهم للتجارة !
ولعلهم سموها هجرة من أجل عثمان الذي كان مسافراً فجعلوه أول المهاجرين مع أنه لم يتعرض لتعذيب أو ضغط !
وكانت هجرة جعفر وأصحابه ، مع بداية محاصرة قريش لبني هاشم في الشعب ، أو قبلها بقليل.
وقد كتبنا في السيرة النبوية عند أهل البيت عليهم السلام (1/339): (من أصح روايات الهجرة إلى الحبشة ما رواه السنة والشيعة عن أم سلمة عليها السلام قالت: (لما ضاقت علينا مكة وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وفتنوا ، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم ، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله لايستطيع دفع ذلك عنهم وكان رسول الله في منعة من قومه وعمه ، لا يصل إليه شئ مما يكره مما ينال أصحابه ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله : إن بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده ، حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه ، فخرجنا إليها أرسالاً حتى اجتمعنا بها ، فنزلنا بخير دار إلى خير جار ، أمِنَّا على ديننا ولم نخش منه ظلماً. فلما رأت قريش أن قد أصبنا داراً وأمناً ، أجمعوا على أن يبعثوا إليه فينا ليخرجنا من بلاده وليردنا عليهم ، فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة فجمعوا له هدايا ولبطارقته ، فلم يدعوا منهم رجلاً إلا هيؤوا له هدية على ذي حدة ، وقالوا لهما إدفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموه فيهم ثم ادفعوا إليه هداياه ، وإن استطعتم أن يردهم عليكما قبل أن يكلمهم فافعلا ! فقدما عليه فلم يبق بطريق من بطارقته إلا قدموا إليه هديته وكلموه وقالوا له: إنا قدمنا على هذا الملك في سفهاء من سفهائنا فارقوا أقوامهم في دينهم ولم يدخلوا في دينكم ، فبعثنا قومهم فيهم ليردهم الملك عليهم ، فإذا نحن كلمناه فأشيروا عليه بأن يفعل ، فقالوا: نفعل.
ثم قدما إلى النجاشي هداياه ، وكان أحب ما يهدى إليه من مكة الأدم. فلما أدخلوا عليه هداياه قالوا له: أيها الملك إن فتية منا سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك ، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه ، وقد لجؤوا إلى بلادك ، فبعثنا إليك فيهم عشائرهم آباؤهم وأعمامهم وقومهم لتردهم عليهم ، فهم أعلى بهم عيناً. فقالت بطارقته: صدقوا أيها الملك ، لو رددتهم عليهم كانوا هم أعلى بهم عيناً ، فإنهم لم يدخلوا في دينك فتمنعهم بذلك ! فغضب ثم قال: لا لعمرو الله لا أردهم عليهم حتى أدعوهم وأكلمهم ، وأنظر ما أمرهم؟ قوم لجؤوا إلى بلادي واختاروا جواري على جوار غيري ، فإن كانوا كما يقولون رددتهم عليهم ، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم ولم أخلِّ بينهم وبينهم ولم أنعمهم عيناً !فأرسل إليهم النجاشي فجمعهم ولم يكن شئ أبغض إلى عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة من أن يسمع كلامهم!
فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم فقالوا: ماذا تقولون؟ فقالوا: وماذا نقول؟ نقول والله ما نعرف وما نحن عليه من أمر ديننا ، وما جاء به نبينا صلى الله عليه وآله كائن في ذلك ما كان ! فلما دخلوا عليه كان الذي كلمه منهم جعفر بن أبي طالب فقال له النجاشي: ما هذا الدين الذي أنتم عليه ، فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية ولا نصرانية ، فما هذا الدين؟ فقال جعفر: أيها الملك ، كنا قوماً على الشرك نعبد الأوثان ونأكل الميتة ونسئ الجوار ، ونستحل المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها ، لا نحل شيئاً ولا نحرمه ! فبعث الله إلينا نبياً من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته ، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له ، ونصل الرحم ، ونحسن الجوار ، ونصلي ونصوم ولا نعبد غيره. فقال: هل معك شئ مما جاء به؟وقد دعا أساقفته فأمرهم فنشروا المصاحف حوله. فقال له جعفر: نعم ، قال: هلم فاتل عليَّ ما جاء به ، فقرأ عليه صدراً من كهيعص ! فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته وبكت أساقفته حتى اخضلت مصاحفهم ثم قال: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى ! إنطلقوا راشدين ، لا والله لا أردهم عليكم ولا أنعمكم عيناً ! فخرجا من عنده ، وكان أتقى الرجلين فينا عبد الله بن أبي ربيعة ، فقال له عمرو بن العاص: والله لآتينه غداً بما أستأصل به خضراءهم! لأخبرنه أنهم يزعمون أن إلهه الذي يعبد عيسى بن مريم عبد ! فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين: لا تفعل فإنهم وإن كانوا خالفونا ، فإن لهم رحماً ولهم حقاً. فقال: والله لأفعلن ! فلما كان الغد دخل عليه فقال: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولاً عظيماً ، فأرسل إليهم فسلهم عنه ، فبعث إليهم ولم ينزل بنا مثلها ، فقال بعضنا لبعض: ماذا تقولون له في عيسى إن هو سألكم عنه ؟ فقالوا: نقول والله الذي قاله فيه والذي أمرنا نبينا أن نقوله فيه ! فدخلوا عليه وعنده بطارقته فقال: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال له جعفر: نقول هو عبد الله ورسوله وكلمته وروحه ألقاها إلى مريم العذراء البتول! فدلى النجاشي يده إلى الأرض ، فأخذ عويداً بين أصبعيه فقال:ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العود! فتناخرت بطارقته فقال: وإن تناخرتم والله ! إذهبوا فأنتم سيوم بأرضي. والسيوم الآمنون ، ومن سبكم غُرِّم ثلاثاً !
ما أحب أن لي دبيراً وأني آذيت رجلاً منكم. والدبير بلسانهم الذهب! فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد عليَّ ملكي،فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس فيَّ فأطيع الناس فيه. ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها ، واخرجا من بلادي ، فخرجا مقبوحين مردود عليهما ما جاءا به !
فأقمنا مع خير جار في خير دار. فلم ينشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه ، فوالله ما علمنا حزناً قط كان أشد منه فرَقاً أن يظهر ذلك الملك عليه ، فيأتي ملك لايعرف من حقنا ما كان يعرف ، فجعلنا ندعو الله ونستنصره للنجاشي، فخرج إليه سائراً ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله بعضهم لبعض: مَن رجل يخرج فيحضرالوقعة حتى ينظر على من تكون ؟ فقال الزبير: وكان من أحدثهم سناً: أنا ، فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ، ثم خرج يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى جنب التقاء الناس ، فحضر الوقعة فهزم الله ذلك الملك وقتله وظهر النجاشي عليه ، فجاءنا الزبير فجعل يلمح إلينا بردائه ويقول: ألا أبشروا فقد أظهر الله النجاشي ! فوالله ما علمنا فرحنا بشئ قط فرحنا بظهور النجاشي. قالت: ورجع النجاشي وقد أهلك الله عدوه ومكن له في بلاده واستوسق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل ، حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وآله ). ( ابن إسحاق: 4 / 193 ، وابن هشام: 1 / 224).

دور جعفر بن أبي طالب في الهجرة

ذكر ابن هشام(1/357) والحاكم (2 /623)رسالة النبي صلى الله عليه وآله الى النجاشي: (بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة: سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته ، وأن تتبعني فتؤمن بي، وبالذي جاءني فإني رسول الله ، وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفراً ومعه نفر من المسلمين ، فإذا جاؤوك فأقر ودع التجبر، وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا والسلام على من اتبع الهدى. وكتب أبو طالب إلى النجاشي:
تعلَّمْ مليك الحبْش أن محمداً
* نبيٌّ كموسى والمسيح بن مريمِ

أتى بالهدى مثل الذي أتيا به
* وكل بأمر الله يهدي ويعصم

وإنكم تتلونه في كتابكم
* بصدق حديث لا حديث المرجِّمِ

فلا تجعلوا لله نداً وأسلموا
* فإن طريق الحق ليس بمظلم

وإنك ما يأتيك منا عصابة
* بفضلك إلا أرجعوا بالتكرم).

وروى الأحمدي في مكاتيب النبي صلى الله عليه وآله (2/448)أن النجاشي أسلم على يد جعفر وكتب إلى النبي صلى الله عليه وآله : (بسم الله الرحمن الرحيم.إلى محمد رسول الله من النجاشي الأصحم بن أبجر. سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته من الذي لا إله إلا هو ، الذي هداني للإسلام ، بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت ثَفْروقاً (عرق تمرة) إنه كما قلت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا ، وقد قربنا ابن عمك وأصحابه ، فأشهد أنك رسول الله صادق مصدق ، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك ، وأسلمت على يديه لله رب العالمين ، وقد بعثت إليك بابني أرها بن الأصحم بن أبجر فإني لا أملك إلا نفسي ، وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله ، فإني أشهد أن ما تقول حق ، والسلام عليك يا رسول الله).
وذكر ابن هشام ( 1 /221) رسالة أبي طالب لإبطال كيد قريش: (حين رأى ذلك من رأيهم وما بعثوهما فيه يحضه على حسن جوارهم والدفع عنهم:
ألا ليت شعري كيف في الناس جعفرٌ
* وعمرو وأعداء العدو الأقاربُ

وهل نال أفعال النجاشي جعفراً
* وأصحابه أم عاق ذلك شاغب

تعلم أبيت اللعن إنك ماجد
* كريم فلا يشقى لديك المجانب

تعلم بأن الله زادك بسطة
* وأسباب خير كلها بك لازب

فإنك فيض ذو سجال غزيرة
* ينال الأعادي نفعها والأقارب).

وجاء في مناظرة الإمام الحسن عليه السلام مع ابن العاص(الإحتجاج:1/415) قوله عليه السلام : (وأما أنت يا عمرو الشاني اللعين الأبتر، فإنما أنت كلب ، أول أمرك أن أمك بغية ، وأنك ولدت على فراش مشترك ، فتحاكمت فيك رجال قريش منهم أبو سفيان بن حرب، والوليد بن المغيرة، وعثمان بن الحرث، والنضر بن الحرث بن كلدة ، والعاص بن وايل ، كلهم يزعم أنك ابنه ، فغلبهم عليك من بين قريش ألأمهم حسباً وأخبثهم منصباً ، وأعظمهم بَغية ، ثم قمت خطيباً وقلت: أنا شاني محمد ، وقال العاص بن وايل: إن محمداً رجل أبتر لا ولد له فلو قد مات انقطع ذكره ، فأنزل الله تبارك وتعالى: إنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَر، وكانت أمك تمشي إلى عبد قيس تطلب البغية ، تأتيهم في دورهم ورجالهم وبطون أوديتهم ! ثم كنت في كل مشهد يشهده رسول الله من عدوه أشدهم له عداوة ، وأشدهم له تكذيباً، ثم كنت في أصحاب السفينة الذين أتوا النجاشي والمهجر الخارج إلى الحبشة في الإشاطة بدم جعفر بن أبي طالب وساير المهاجرين إلى النجاشي، فحاق المكرالسئ بك وجعل جَدك الأسفل، وأبطل أمنيتك ، وخيب سعيك، وأكذب أحدوثتك ، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ، وكلمة الله هي العليا).
أقول: لم يكن جعفر بن أبي طالب بحاجة إلى الهجرة ، لأنه مع شجاعته ، محمي من أبيه وعشيرته بل هو يحمي ويجير. كما أن إدارة أمور المهاجرين يمكن أن يقوم بها أحدهم ، وفيهم شخصيات كخالد بن سعيد بن العاص. وإنما أرسله النبي صلى الله عليه وآله معهم وأبقاه في الحبشة إلى السنة السابعة لإدارة جبهة الروم في الدعوة ، وقد كانت الحبشة قاعدة الروم في إفريقيا ، وهذا يفسر لنا قول النبي صلى الله عليه وآله عن جعفر إنه في جهاد لله بأرض الحبشة !
ففي تفسير القمي(1/264) في حديث معركة بدر: (نظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وكان له سبعون سنة ، فقال عبيدة:أما لو كان عمك حياً لعلم أني أولى بما قال منه! قال: وأي أعمامي تعني؟قال: أبو طالب ، حيث يقول:
كذبتم وبيت الله نُبْزي محمداً
* ولما نطاعنْ دونه ونناضل

وننصـره حتى نُصَـرَّعَ حوله
* ونذهلَ عن أبنائنا والحلائل

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أما ترى ابنه كالليث العادي بين يدي الله ورسوله ، وابنه الآخر في جهاد لله بأرض الحبشة ؟ فقال: يا رسول الله أسخطت عليَّ في هذه الحالة ؟ فقال: ما سخطت عليك، ولكن ذكرت عمي فانقبضت لذلك).
وهذا يكشف عن مكانة أبي طالب وأبنائه عليهم السلام عند النبي صلى الله عليه وآله فقد تأذى لمجرد تفضيل ابن عمه عبيدة نفسه على أبي طالب ، مع أن عبيدة جاهد وقطعت رجله في بدر ثم استشهد رضي الله عنه ! ومع ذلك قال له النبي صلى الله عليه وآله لا تؤذني في عمي فقد نصرني أكثر منك في حياته ، وهاهما ولداه ينصراني أكثر منك ، هذا علي كالليث بين يدي الله ورسوله ، وذاك جعفر في أرض الحبشة كل أوقاته جهاد لله تعالى !
فقد كان جعفر إذن في مهمة جهاد ، يرعى شؤون المهاجرين ونشاطهم ، ويوجه النجاشي في علاقته مع الروم وسياسته الداخلية مع البطارقة ، وهم ملوك الحبشة في مناطقهم ، وكانت الحبشة تمتد من حدود اليمن إلى حدود مصر وتشمل السودان ! وكان جعفر يزور البطارقة في الحبشة وغيرها ويدعوهم إلى الإسلام وجاء منهم بوفود إلى مكة للقاء النبي صلى الله عليه وآله ومشاهدة معجزاته ، ولم تجرأ قريش على التعرض له ولضيوفه !
ففي تفسير القمي (1/176): (ولد للنجاشي ابن فسماه محمداً ، وبعث إلى النبي بثياب وطيب وفرس ، وبعث ثلاثين رجلاً من القسيسين فقال لهم: أنظروا إلى كلامه والى مقعده ومشربه ومصلاه ، فلما وافوا المدينة دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الإسلام وقرأ عليهم القرآن. فلما سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله بكوا وآمنوا ورجعوا إلى النجاشي فأخبروه خبر رسول الله ، وقرأوا عليه ما قرأ عليهم ، فبكى النجاشي وبكى القسيسون).
وفي تفسير الطبري(7/4) في قوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى. قال: هم الوفد الذين جاؤوا مع جعفر من أرض الحبشة).
وفي تفسير القرطبي(13/296) ونحوه ابن إسحاق(4/199) وابن هشام(1/263): (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وهم أربعون رجلاً ، قدموا مع جعفر بن أبي طالب ، اثنان وثلاثون رجلاً من الحبشة وثمانية نفر أقبلوا من الشام ، وكانوا أئمة النصارى: منهم بحيراء الراهب ، وأبرهة، والأشرف ، وعامر ، وأيمن ، وإدريس ، ونافع.كذا سماهم الماوردي).
وكان مجئ جعفر بوفود القساوسة الى مكة تحدياً كبيراً لقريش ، خاصة أنهم التقوا بالنبي صلى الله عليه وآله في المسجد وأسلموا على يده ، واعترضهم أبو جهل وبعض زعماء قريش فأجابهم القساوسة فسكتوا ، ولو آذوهم لحماهم جعفر وعلي عليهما السلام لأنهم ضيوف النبي صلى الله عليه وآله وبني هاشم ، ومجيئهم في موسم الحج!
كما ورد أن علياً عليه السلام سافر مرة إلى الحبشة مع جعفر ، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله يرسله في مهمات خاصة غير معلنة.
روى في مناقب آل أبي طالب(1/289) عن ابن عباس قال: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأنْصَار. نزلت في أميرالمؤمنين عليه السلام سبق الناس كلهم بالإيمان ، وصلى إلى القبلتين ، وبايع البيعتين بيعة بدر وبيعة الرضوان ، وهاجر الهجرتين مع جعفر من مكة إلى الحبشة ، ومن الحبشة إلى المدينة).
ومعناه أن سفره الى الحبشة كان بعد هجرته إلى المدينة ، وأن جعفراً جاء من الحبشة إليها.

النجاشي ملك الحبشة

كانت الحبشة أو أثيوبيا ، قاعدة الروم لحكم إفريقيا ، وكانت تدار من مصر ، وقد نشر الرومان فيها المسيحية ، وتعاظمت قوة الحبشة حتى احتلت اليمن لمدة سبعين سنة ، وبنى أبرهة الحبشي حاكم اليمن من قبل الروم كنيسة في صنعاء ليصرف إليها العرب بدل الكعبة ، وقصد بجيشه مكة ليهدم الكعبة ليحول الحج الى كنيسة القُلَّيْس، فهاجم مكة بجيش فيه فَيَلة، وذلك عام ولادة النبي صلى الله عليه وآله . وبعدها بسنتين تمكن سيف بن ذي يزن بمساعدة الفرس من تحرير اليمن فضعفت دولة الحبشة ونشب الصراع الداخلي فيها حتى تولى النجاشي أصحمة حكمها ، وكان عاقلاً عادلاً ، فأوقف تدهور الدولة.
في السيرة الحلبية ( 3 / 301) أن عمرو بن العاص أخبر جيفر بن الجلندي ملك عُمان بإسلام النجاشي فسأله: فكيف صنع قومه بملكه؟ قلت: أقروه واتبعوه. قال: والأساقفة أي رؤساء النصرانية والرهبان؟ قلت: نعم. قال أنظر يا عمرو ما تقول! إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من كذب! ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي) !
والظاهر أن النجاشي لم يعلن إسلامه إلا في نطاق محدود ، وأن هرقل عرف بإسلامه لكنه كان مشغولاً بحربه للفرس ، وحرك ضد النجاشي من استطاع من الملوك (البطارقة) فقاتلوا النجاشي فنصره الله عليهم !
ونلاحظ في الحبشة ثورة خصوم النجاشي من وراء النيل لإسقاط حكمه وكانت حركتهم قوية وجيشهم كبيراً كما وصفته أم سلمة، وقد طلب المهاجرون من النجاشي أن يقاتلوا معه فلم يقبل. (الحاكم:2/ 300).
ونصرالله النجاشي وثبت على إسلامه ، وكانت بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله رسائل وهدايا متبادلة فمن ذلك: ( أهدى النجاشي إلى رسول الله قارورة من غالية ، وكان أول من عمل له الغالية). ( عمدة القاري: 13 / 168).
(أهدى ملك الروم إلى النبي صلى الله عليه وآله جبة سندس فبعث بها إلى جعفر وقال أعطها إلى أخيك النجاشي). ( الطبقات: 1 / 456 ، وأبو داود: 2 / 258).
(أهدى النجاشي إلى رسول الله (ص) بغلة فكان يركبها).(عيون الأثر: 2/411). (أهدى له النجاشي خفين أسودين ساذجين فلبسهما. وأهدى له خاتماً من ذهب فدعا أمامة ابنة زينب فقال:تحلي بهذا يا بنية). (ابن ماجة:1/182).
أرسل النجاشي مع جعفر: (بقدح من غالية وقطيفة منسوجة بالذهب هدية إلى النبي صلى الله عليه وآله فقدم جعفر والنبي بأرض خيبر ، فأتاه بالقدح من الغالية والقطيفة فقال النبي صلى الله عليه وآله : لأدفعن هذه القطيفة إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. فمد أصحاب النبي أعناقهم إليها فقال النبي صلى الله عليه وآله : يا علي خذ هذه القطيفة إليك. فأخذها علي وأمهل حتى قدم إلى المدينة فانطلق إلى البقيع وهو سوق المدينة ، فأمر صائغاً ففصل القطيفة سلكاً سلكاً فباع الذهب وكان ألف مثقال ، ففرقه علي عليه السلام في فقراء المهاجرين والأنصار، ثم رجع إلى منزله ، ولم يبق له من الذهب قليل ولا كثير). ( دلائل الإمامة /144).
وأهدى له النجاشي حربة: ( فكان بلال يحملها بين يديه يوم العيد ، ويخرج بها في أسفاره فتركز بين يديه يصلي إليها. ويقولون هي تحمل المؤذنون بين يدي الخلفاء). (المناقب:1/147).
وبعث النبي صلى الله عليه وآله للنجاشي عوذة للصداع يضعها في قلنسوته. (مكارم الأخلاق/403).
وفي الخصال/359، عن الإمام الرضا عن آبائه عليهم السلام :(إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أتاه جبرئيل بنعي النجاشي بكى بكاء حزين عليه وقال: إن أخاكم أصحمة وهواسم النجاشي مات ، ثم خرج إلى الجبانة وصلى عليه ، وكبر سبعاً فخفض الله له كل مرتفع حتى رأى جنازته ، وهو بالحبشة).
وفي المناقب (1/93): (فقالت المنافقون في ذلك ! فجاءت الأخبار من كل جانب أنه مات في ذلك اليوم في تلك الساعة ، وما علم هرقل بموته إلا من تجار رأوا المدينة)! وقد أرسل ابنه الى النبي صلى الله عليه وآله وهو أبو نيزر ، وكان من أصحاب علي عليه السلام .

  • *

أبو موسى الأشعري خلط نفسه بالمهاجرين !

أبقى النبي صلى الله عليه وآله جعفراً إلى السنة السابعة ومعه بضعة عشر ، فأحضره وأنهى الهجرة وقدم جعفر وبقية المهاجرين في سفينتين.( ابن هشام:3 / 818).
وصادف وصول سفينة فيها أبو موسى الأشعري من اليمن مع وصول سفينة جعفر والمهاجرين في رجوعهم من الحبشة ، فحشر أبو موسى نفسه معهم ، وجعل نفسه من المهاجرين !
قال: (كنت في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلاً من قومي فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا معه حتى قدمنا جميعاً فوافقنا النبي (ص) حين افتتح خيبر). (بخاري: 5 / 79 ، وكرره).
وأبو موسى الأشعري غير مرضي عند أهل البيت عليهم السلام فقد وصفوه بأنه سامري هذه الأمة ! ( الخصال/457). وشهد عمار بأنه كان من الملثمين الذين أرادوا اغتيال النبي صلى الله عليه وآله ليلة العقبة !
ففي تاريخ دمشق(32 /93): (عن عمران بن ظبيان عن أبي نجاء حكيم قال: كنت جالساً مع عمار فجاء أبو موسى فقال: ما لي ولك ألست أخاك؟قال: ما أدري إلا أني سمعت رسول الله يلعنك ليلة الجبل! قال: إنه قد استغفر لي ! قال عمار: قد شهدت اللعن ولم أشهد الإستغفار) !

مكذوبات قريش الكثيرة في الهجرة

كثرت مكذوبات قريش على عادتها في هجرة المستضعفين الى الحبشة ، ومن أكبرها وأشهرها أن النبي صلى الله عليه وآله مدَح آلهة المشركين وقال: أرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى، وزعموا أن النبي سجد لأصنامهم فسجد معه زعماء قريش! وهذه فرية الغرانيق التي روتها صحاحهم (بخاري:2/32 ، و:4/244ومسلم:2/88) !
وقالوا وصل الخبر الى المهاجرين في الحبشة بأن النبي صلى الله عليه وآله صالح قريشاً! فرجعوا فوجدوا أن الشيطان أجرى على لسانه مدح الأصنام فسجد لها، وأن الله وبخه على ذلك ، فعادوا الى الحبشة ! (ألف سؤال وإشكال/ مسألة 46).

  • *

الفصل الحادي عشر - حاصرت قريش بني هاشم وحرمت التعامل معهم

مؤتمر محصب منى لمقاطعة بني هاشم

بعد هلاك المستهزئين الخمسة ، صدع النبي صلى الله عليه وآله بما يؤمر، فأخذ الإسلام ينتشر في الشباب والعبيد ، ولم يستطع فراعنة قريش إيقافه.
وأدركت قريش أنها لا تستطيع حرب بني هاشم ! وأنها عجزت عن قتل النبي صلى الله عليه وآله .
لكنها لم تتراجع بل تنادت إلى مؤتمر في منى، للإتفاق على مقاطعة بني هاشم مقاطعة تامة حتى يُسَلِّموهم محمداً صلى الله عليه وآله فيقتلوه !
فاجتمعت بطون قريش في محصب منى في خيف كنانة ، ومعهم حليفتهم قبيلة كنانة ، ووقعوا معاهدة عرفت بصحيفة المقاطعة ، ختمها أربعون شيخاً ، وفي رواية اليعقوبي ثمانون شيخاً ، على مقاطعة بني هاشم مقاطعة كاملة ، ونفيهم من مكة ! وهي الصحيفة الملعونة الأولى.
وهناك صحيفة ثانية كتبوها في الكعبة في حجة الوداع ، وتعاقدوا إن مات محمد صلى الله عليه وآله أو قتل ألا يردوا هذا الأمر في أحد من أهل بيته أبداً !
وقد ذكر المؤرخون صحيفة المقاطعة الأولى فقال البلاذري(1/268): ( وكان الذي خطَّ الصحيفة فيما ذكر الكلبي بغيض بن عامر، فشُلَّت يده يوم خطها. وقال غيره: إسمه منصور بن عكرمة).
والأخير قول الطبري (٢/ ٧٩).
وقال ابن عبد البر في الدرر/54): (أجمعوا على ألا يبايعوهم ، ولا يدخلوا إليهم شيئاً من الرفق ، وقطعوا عنهم الأسواق ، ولم يتركوا طعاماً ولا إداماً ولا بيعاً إلا بادروا إليه واشتروه دونهم، ولا يناكحوهم ، ولا يقبلوا منهم صلحاً أبداً، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله(ص) للقتل).
وقال المقريزي في النزاع والتخاصم/٦٧: (وأجمع رأيهم ألا يجالسوهم ولايبايعوهم ولايدخلوا بيوتهم، حتى يسلموا رسول الله للقتل ، وكتبوا في مكرهم صحيفة وعهوداً ومواثيق: أن لا يقبلوا من بني هاشم أبداً صلحاً ، ولا تأخذهم بهم رأفة ، حتى يسلموه للقتل)!
وفي إعلام الورى (1/125): (وكتبوا بينهم صحيفة أن لايواكلوا بني هاشم، ولايكلموهم، ولايبايعوهم، ولا يزوجوهم ، ولا يتزوجوا إليهم ، ولا يحضروا معهم ، حتى يدفعوا محمداً إليهم فيقتلونه ، وأنهم يد واحدة على محمد ليقتلوه ، غيلة أو صراحاً).
وفي تاريخ الخميس (١/٢٩٧):( وكتبوا صحيفة بخط منصور بن عكرمة ، وقيل بغيض بن عامر فشلت يده ، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة ، أن لا يناكحوهم ، ولايبايعوهم ، ولا يخالطوهم ، ولا يقبلوا منهم صلحاً أبداً حتى يسلموا رسول الله للقتل).

أبو طالب يدعو على ظالميهم ويدخل الشعب

قال ابن إسحاق(2/139):( فلما سمعت قريش بذلك ورأوا منه الجد وأيسوا منه ، فأبدوا لبني عبد المطلب الجفا، وانطلق بهم أبو طالب فقاموا بين أستار الكعبة فدعوا الله على ظلم قومهم لهم وقطيعتهم أرحامهم ، واجتماعهم على محاربتهم ، وتناولهم بسفك دمائهم ، فقال أبو طالب: اللهم إن أبى قومنا إلا النصر علينا فعجل نصرنا ، وحُلْ بينهم وبين قتل ابن أخي.
ثم أقبل إلى جمع قريش وهم ينظرون إليه والى أصحابه فقال أبو طالب: ندعو برب هذا البيت على القاطع المنتهك للمحارم. والله لتنتهين عن الذي تريدون أو لينزلن الله بكم في قطيعتنا بعض الذي تكرهون! فأجابوه: إنكم يا بني عبد المطلب لاصلح بيننا وبينكم ولا رحم ، إلا على قتل هذا الصابي السفيه !
ثم عمد أبو طالب فأدخل الشِّعب ابن أخيه وبني أبيه ، ومن اتبعهم من بين مؤمن دخل لنصرة الله ونصرة رسوله ،ومن بين مشرك يحمي، فدخلوا شعبهم وهو شعب أبي طالب في ناحية من مكة).
قال ابن هشام (1/173): (قام أبو طالب حين رأى قريشاً يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله(ص) والقيام دونه ، فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه ، إلا ما كان من أبي لهب عدو الله الملعون. فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره في جدهم معه وحدبهم عليه ، جعل يمدحهم ويذكر قديمهم ، ويذكر فضل رسول الله(ص) فيهم ، ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم وليحدبوا معه على أمره ، فقال:
إذا اجتمعت يوماً قريش لمفخر
* فعبد مناف سرها وصميمها

وإن حصلت أشراف عبد منافها
* ففي هاشم أشرافها وقديمها

وإن فخرت يوماً فإن محمداً
* هو المصطفى من سرها وكريمها

تداعت قريش غثها وسمينها
* علينا فلم تظفر وطاشت حلومها

وكنا قديماً لا نقر ظلامة
* إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها

ونحمي حماها كل يوم كريهة
* ونضرب عن أحجارها من يرومها

بنا انتعش العود الذواء وإنما
* بأكنافنا تندى وتنمى أرومها).

وقال اليعقوبي في تاريخه (2/31): (فلما علمت قريش أنهم لا يقدرون على قتل رسول الله ، وأن أبا طالب لا يسلمه ، وسمعت بهذا من قول أبي طالب ، كتبت الصحيفة القاطعة الظالمة ألا يبايعوا أحداً من بني هاشم ولا يناكحوهم ولا يعاملوهم حتى يدفعوا إليهم محمداً فيقتلوه. وتعاقدوا على ذلك وتعاهدوا وختموا على الصحيفة بثمانين خاتماً ، وكان الذي كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار ، فشلت يده.
ثم حصرت قريش رسول الله وأهل بيته من بني هاشم وبني المطلب بن عبد مناف في الشعب الذي يقال له شعب بني هاشم بعد ست سنين من مبعثه. فأقام ومعه جميع بني هاشم وبني المطلب في الشعب ثلاث سنين حتى أنفق رسول الله ماله ، وأنفق أبو طالب ماله ، وأنفقت خديجة بنت خويلد مالها ، وصاروا إلى حد الضر والفاقة).

أرخ أبو طالب حصار الشعب بقصائد ومقطوعات

أرَّخَ أبو طالب رضي الله عنه محاصرة قريش لبني هاشم بأكثر من عشر قصائد ومقطوعات ، شرح فيها إصرارهم على قتل النبي صلى الله عليه وآله وموقفه الحاسم في مقاومتهم ، وفيها مدح النبي صلى الله عليه وآله وإعلان أبي طالب إسلامه ومعجزة أكل الأرضة للصحيفة. وهذا بعضها من سيرة ابن إسحاق (2/141):
ألا من لهمٍّ آخر الليل معتمِ
* طواني وأخوى النجم لم يتقحمِ

طواني وقد نامت عيون كثيرة
* وسائر أخرى ساهرٌ لم ينوم

لأحلام أقوامٍ أرادوا محمداً
* بسوء ومن لا يتقي الظلم يُظلم

سعوا سفهاً واقتادهم سوء رأيهم
* على فَلل من رأيهم غير محكم

رجاء أمور لم ينالوا نظامها
* وإن حشدوا في كل نفر وموسم

يرجُّون أن نسخى بقتل محمد
* ولم تختضب سمر العوالي من الدم

يرجون منا خطة دون نيلها
* ضراب وطعن بالوشيح المقوم

كذبتم وبيت الله لا تقتلونه
* جماجم تلقى بالحطيم وزمزم

وتقطع أرحام وتنسى حليلةٌ
* خليلاً وتغشى محرماً بعد محرم

وينهض قوم في الدروع إليكم
* يذبون عن أحسابهم كل مجرم

وقال في معجزة الصحيفة:
وقد كان من أمر الصحيفة عبرة
* متى ما يُخَبَّرْ غائبُ القوم يعجب

محى الله منها كفرهم وعقوقهم
* وما نقموا من ناطق الحق معرب

وأصبح ما قالوا من الأمر باطلاً
* ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب

وأمسى ابن عبد الله فينا مصدقاً
* على سخط من قومنا غير معتب

فلا تحسبونا خاذلين محمداً
* لدى غربة منا ولا متقرب

ستمنعه منا يد هاشميةٌ
* مُركَّبها في الناس خير مركب

فلا والذي تخذى له كل نضوة
* طليحٌ نجيٌّ نجلةٌ فالمحصب

يميناً صدقنا الله فيها ولم نكن
* لنحلف كذباً بالعتيق المحجب

نفارقه حتى نُصَـَّرعَ حوله
* ومـا نال تكذيــب النبـي المقــرب

وقال في رسالته الى النجاشي:
ألا هل أتى بَحْرِينَا صُنْعُ ربنا
*
عـلى نأيهــم والأمـر بالنــاس أورد
ألم يأتهم أن الصحيفة أُفسدت
* وكل الذي لم يُرضه الله مُفْسَد

وكانت أحق رقعة بأثيمة
* يُقَطَّع فيها ساعد ومقلد

فمن يك ذا عزٍّ بمكة مثله
* فعزتنا في بطن مكة أتلد

نشأنا بها والناس فيها أقلة
* فلم ننفكك نزداد خيراً ونمجد).

وقال معلناً إسلامه:
ألا أبلغا عني على ذات نأيها
* لؤياً وخُصَّا من لؤيٍّ بني كعب

ألم تعلموا أنا وجدنا محمداً
* نبياً كموسى خُطَّ في أول الكتب

وأن عليه في العباد محبة
* ولا خير فيمن خصه الله بالخَبِّ

وأن الذي أضفيتم في كتابكم
* لكم كائنٌ نحساً كراعية السقب

أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثرى
* ويصبح من لم يجن ذنباً كذي الذنب

ولا تتبعوا أمر الغواة وتقطعوا
* أياصرنا بعد المودة والقرب

وتستجلبوا حرباً عواناً وربما
* أمرُّ على من ذاقه حلب الحرب

ولسنا ورب البيت نسلم أحمداً
* على الحال من عض الزمان ولا كرب

أليس أبونا هاشمٌ شد أزره
* وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب

ولسنا نمل الحرب حتى تملنا
* ولا نشتكي مما ينوب من النكب

ولكننا أهل الحفاظ ذووا النهى
* إذا طار أرواح الكماة من الرعب

وراعية السقب: ناقة صالح عليه السلام ، وأن قريشاً كثمود. راجع: سيرة ابن إسحاق: 2 / 138 ، وابن هشام: 1 / 234 و 253 ، والطبقات: 1 / 210 ، وأنساب الأشراف / 31).
وفي تفسير القمي(1/381): (فلما اجتمعت قريش على قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وكتبوا الصحيفة القاطعة جمع أبو طالب بني هاشم وحلف لهم بالبيت والركن والمقام والمشاعر في الكعبة لئن شاكت محمداً شوكة لآتين عليكم يا بني هاشم، فأدخله الشعب وكان يحرسه بالليل والنهار قائماً على رأسه بالسيف أربع سنين ، فلما خرجوا من الشعب حضر أبا طالب الوفاة فدخل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يجود بنفسه فقال: يا عم ربيت صغيراً وكفلت يتيماً فجزاك الله عني خيراً. وقال: لو قمت المقام المحمود لشفعت لأبي وأمي وعمي وأخ لي كان مواخياً في الجاهلية).
وفي الطبقات (1/208): (حصروا بني هاشم في شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع..وقطعوا عنهم الميرة والمادة ، فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم ، حتى بلغهم الجهد وسمع أصوات صبيانهم من وراء الشعب.
فأرسل الله عز وجل على الصحيفة دابة فأكلت كل شئ إلا اسم الله عز وجل. فأرسلوا إلى الصحيفة ففتحوها فإذا هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله فسقط في أيديهم ونكسوا على رؤوسهم !
فقال أبو طالب: علامَ نحبس ونحصر، وقد بان الأمر)!
وقال في إعلام الورى ( 1 / 125): (كتبوا صحيفة بينهم إنهم يد واحدة على محمد يقتلونه غيلة أو صراحاً ، فلما بلغ ذلك أبا طالب جمع بني هاشم ، ودخلوا الشعب ، وكانوا أربعين رجلاً فحلف لهم أبو طالب بالكعبة والحرم والركن والمقام ، إن شاكت محمداً شوكة ، لآتين عليكم يا بني هاشم ! وحصن الشعب وكان يحرسه بالليل والنهار ، فإذا جاء الليل يقوم بالسيف عليه ورسول الله صلى الله عليه وآله مضطجع ، ثم يقيمه ويضجعه في موضع آخر ، فلا يزال الليل كله هكذا ، ويوكل ولده وولد أخيه به يحرسونه بالنهار فأصابهم الجهد!
وكان من دخل مكة من العرب لايجسرأن يبيع من بني هاشم شيئاً ! ومن باع منهم شيئاً انتهبوا ماله ، وكان أبو جهل ، والعاص بن وائل السهمي ، والنضر بن الحارث بن كلدة ، وعقبة بن أبي معيط ، يخرجون إلى الطرقات التي تدخل مكة فمن رأوه معه ميرة نهوه أن يبيع من بني هاشم شيئاً ، ويحذرونه إن باع شيئاً منهم أن ينهبوا ماله ! وختموا الصحيفة بأربعين خاتماً ، ختمه كل رجل من رؤساء قريش بخاتمه وعلقوها في الكعبة ، وتابعهم أبو لهب على ذلك !
فلم تزل هذه حاله فبقوا في الشعب أربع سنين ، لا يأمنون إلا من موسم إلى موسم ، ولا يشترون ولا يبايعون إلا في الموسم ! وكان يقوم بمكة موسمان في كل سنة: موسم للعمرة في رجب ، وموسم للحج في ذي الحجة. وكان إذا اجتمعت المواسم تخرج بنو هاشم من الشعب فيشترون ويبيعون ، ثم لايجسر أحد منهم أن يخرج إلى الموسم الثاني ، فأصابهم الجهد وجاعوا ، وبعثت قريش إلى أبي طالب: إدفع إلينا محمداً حتى نقتله ، ونملكك علينا) !
وقال المحامي الأردني أحمد حسين يعقوب في كتابه: المواجهة مع رسول الله صلى الله عليه وآله /175: (وعانوا الحرمان والجوع ، فأكلوا نبات الأرض، وأخذ الأطفال يمصون الرمال من العطش ، وكانت بطون قريش تشاهد كل هذا وتتلذذ به دون أي إحساس بالحرج ! ولكن الهاشميين لم يركعوا ولم يستسلموا ، ولم يستجيبوا لبطون قريش في طلبها تسليم النبي !
لقد تحملوا ما لم تتحمله قبيلة على وجه الأرض في سبيل محمد صلى الله عليه وآله وفي سبيل دينه ، ولولا صبرهم وثباتهم لقتلت البطون رسول الله صلى الله عليه وآله كما قتل غيره من الأنبياء وأجهضت دعوته في مهدها ، ولكن الله أراد أن يظهر دينه وأن يتحمل البطن الهاشمي أعباء مرحلة التأسيس الحاسمة.
ثم أوحى الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله أنه أرسل حشرة أكلت صحيفة الحصار ولم تبق من كتابتها إلا اسم الله. وما أن انتهى جبريل من إلقاء تلك البشارة العظيمة حتى نهض رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبر عمه بتفاصيل خبر السماء ، وعلى إثر ذلك توجه النبي وأبو طالب والهاشميون جميعاً إلى مكة.
أقبلت قريش تريد الوقوف على حقيقة الأمر ، وهي تظن أبا طالب قد جاء ليعلن استسلامه واستسلام بني هاشم ، ولكن أبا طالب طلب من زعماء الشرك أن يحضروا صحيفة الحصار ، فلما فعلوا ذلك قال لهم: أليست هذه صحيفتكم على العهد الذي تركتموها فيه ؟ فقالت زعامة البطون: نعم. فقال أبو طالب: فهل أحدثتم فيها حدثاً ؟ فقالوا: اللهم لا. فقال لهم: لقد أعلمني محمد عن ربه أن الله قد بعث الأرضة فأكلت كل ما فيها إلا ذكر الله ، أفرأيتم إن كان صادقاً ما تصنعون؟ فقالت زعامة البطون: نكف ونمسك. فقال أبو طالب: فإن كان كاذباً دفعته إليكم تقتلونه ! فقالوا: قد أنصفت وأجملت. وفضت الصحيفة فإذا كل ما فيها قد محي إلا مواقع اسم الله عز وجل ، وبهتت زعامة الشرك وأسلم على أثر هذه المعجزة عدد من الناس ، وأعلن أبو طالب أنه على الدين الحق ، واهتزت شرعية الحصار والمقاطعة.
إن للهاشميين فضلاً على كل مسلم ومسلمة إلى يوم الدين ، فلولا موقفهم الحاسم المشرف بقيادة أبي طالب ، لتمكنت بطون قريش من قتل محمد صلى الله عليه وآله ولما قامت للإسلام قائمة !
ومن المهازل أن تقوم السلطات التي سيطرت على مقاليد أمور المسلمين فيما بعد بتصويرأبي طالب مشركاً وتنكر كفاحه وجهاد أبنائه ، وتفرض مسبتهم على المنابر ، ولا تقبل شهادة من يواليهم ، وتلقي في أذهان العامة والغوغاء أن الهاشميين ماتوا بموت محمد ، وأنهم لم يخلقوا للقيادة وإنما خلقوا ليكونوا أتباعا لخلفاء بطون قريش ، وأن الخلافة حق خالص للبطون ، مثلما كانت النبوة حقاً خالصاً للهاشميين ، وأن هذه القسمة هي القسمة العادلة ، وكأن البطون هي المخولة بتوزيع فضل الله تعالى).
وفي دلائل النبوة للبيهقي(2/312): (وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله (ص) فاضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد مكراً به واغتياله فإذا نوم الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله(ص) وأمر رسول الله أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه).
أقول: أين الصحابة الذين يقولون إنهم أنفقوا أموالهم الطائلة على النبي صلى الله عليه وآله وأنهم كانوا لا يخافون من قريش ويتحدونها ، لا نجد لهم ذكراً في حصار الشعب أربع سنين ، ولا نجد أحداً منهم جاء بصاع حنطة الى رسول الله صلى الله عليه وآله !
وقد كذب الرواة القرشيون لمصلحة أبي العاص بن الربيع صهر النبي صلى الله عليه وآله على ربيبته زينب لأنه أموي ، فقالوا: كان يجئ بالعير بالليل عليها البر والتمر إلى باب الشعب ثم يصيح بها فتدخل الشعب ، فيأكله بنو هاشم ! كما غيبوا جهاد أبي طالب وأولاده وإنفاقه ماله على النبي صلى الله عليه وآله ، وجهاد علي بالذات!
نقل في شرح النهج (10/165) عن شيخه أبي جعفر الإسكافي قوله: (ومن قرأ كتب السيرة علم ما لاقى رسول الله صلى الله عليه وآله في ذات الله سبحانه من المشقة ، واستهزاء قريش به في أول الدعوة ، ورميهم إياه بالحجارة ، حتى أدموا عقبيه ، وصياح الصبيان به ، وفرث الكرش على رأسه ، وفتل الثوب في عنقه ، وحصره وحصرأهله في شعب بني هاشم سنين عدة ، محرمة معاملتهم ومبايعتهم ومناكحتهم وكلامهم ، حتى كادوا يموتون جوعاً ، لولا أن بعض من كان يحنو عليهم لرحم أو لسبب غيره ، فهو يسرق الشئ القليل من الدقيق أو التمر فيلقيه إليهم ليلاً ! ثم ضربهم أصحابه وتعذيبهم بالجوع والوثاق في الشمس ، وطردهم إياهم عن شعاب مكة ، حتى خرج من خرج منهم إلى الحبشة ، وخرج مستجيراً منهم تارة بثقيف ، وتارة ببني عامر ، وتارة بربيعة الفرس ، وبغيرهم. ثم أجمعوا على قتله والفتك به ليلاً ، حتى هرب منهم لائذاً بالأوس والخزرج ، تاركاً أهله وأولاده ، وما حوته يده ، ناجياً بحشاشة نفسه ، حتى وصل إلى المدينة ، فناصبوه الحرب ورموه بالمناسر والكتائب ، وضربوا إليه آباط الابل ، ولم يزل منهم في عناء شديد وحروب متصلة ، حتى أكرمه الله تعالى ونصره ، وأيد دينه وأظهره. ومن له أنس بالتواريخ يعلم من تفاصيل هذه الأحوال ما يطول شرحه).
وقال(شرح النهج:13/254) عن علي عليه السلام : (وهو المخصوص دون أبي بكر بالحصار في الشعب ، وصاحب الخلوات برسول الله صلى الله عليه وآله المتجرع لغصص المرار من أبي لهب وأبي جهل وغيرهما ، والمصطلي لكل مكروه والشريك لنبيه في كل أذى ، قد نهض بالحمل الثقيل ، وبان بالأمر الجليل ومن الذى كان يخرج ليلاً من الشعب على هيئة السارق يخفي نفسه ويضائل شخصه ، حتى يأتي الى من يبعثه إليه أبو طالب من كبراء قريش كمطعم بن عدي وغيره ، فيحمل لبني هاشم على ظهره أعدال الدقيق والقمح، وهو على أشد خوف من أعدائهم كأبي جهل وغيره لو ظفروا به لأراقوا دمه. أعليٌّ كان يفعل ذلك أيام الحصار في الشعب ، أم أبو بكر وقد ذكر هو عليه السلام حاله يومئذ ، فقال في خطبة له مشهورة: فتعاقدوا ألا يعاملونا ولا يناكحونا ، وأوقدت الحرب علينا نيرانها ، واضطرونا الى جبل وعر ، مؤمننا يرجو الثواب ، وكافرنا يحامي عن الأصل .
ولقد كانت القبائل كلها اجتمعت عليهم ، وقطعوا عنهم المارة والميرة ، فكانوا يتوقعون الموت جوعاً ، صباحاً ومساء ، لا يرون وجهاً ولا فرجاً ، قد اضمحل عزمهم ، وانقطع رجاؤهم ، فمن الذي خلص إليه مكروه تلك المحن بعد محمد صلى الله عليه وآله إلا علي عليه السلام وحده ، وما عسى أن يقول الواصف والمطنب في هذه الفضيلة ، من تقصي معانيها وبلوغ غاية كنهها ، وفضيلة الصابر عندها ودامت هذه المحنة عليهم ثلاث سنين ، حتى انفرجت عنهم بقصة الصحيفة والقصه مشهورة).

بعد نحو أربع سنين جاءت المعجزة فأبطلت حصار قريش

لما رأى بحيرا الراهب النبي صلى الله عليه وآله في مدينة بصرى الشام ، أخبره أن محمداً هو النبي الموعود ، وحذره أن يدخل به دمشق خوفاً عليه من اليهود ، ونصحه أن يرجع به إلى مكة ! يومها عاد به من الشام عملاً بنصيحة الراهب ، وأطلق أبو طالب قصائده في مدح حبيبه صلى الله عليه وآله ، حتى إذا دخل مكة طاف حول الكعبة داعياً ربه أن يحفظ ابنه الحبيب من كيد اليهود ، ويتم نعمته عليه.
ونجح أبو طالب في حراسة النبي صلى الله عليه وآله من شر اليهود لأكثر من ثلاثين سنة ! وما أن أتم الله عليه نعمته وبعثه نبياً ، حتى واجهته قريش بشرٍّ أخطر من شر اليهود ، فطالبوا أبا طالب بوقاحة أن يسلمهم إياه ليقتلوه ! لأنه هدد تقاسم الزعامة بين قبائل قريش ! من ذلك اليوم دخل أبو طالب في مواجهة حامية مع فراعنة شرسين وجبناء ، وقاد بني هاشم بحكمة وحنكة ، وجمعهم حول النبي صلى الله عليه وآله مؤمنهم وكافرهم ، يحمونه بشجاعتهم الهاشمية التي لا تجارى ، واستعدادهم لحرب قريش ! ونجح أبو طالب في حماية حبيبه محمد صلى الله عليه وآله من شر قريش، لبضع عشرة سنة كان أشدها سنوات الحصار!
كان محمد صلى الله عليه وآله : الولد العزيز لأبي طالب ، والصديق الحميم ، والمحبوب المفدى ، والنبي الصادق. وكان يوجه عمه الجليل بأدب الإبن مع أبيه ، وحنان الرسول على المؤمن، جاءه يوماً في حصار قريش فقال له: يا عم إن الله عز وجل قد أرسل على صحيفة القوم أرَضَةً فأكلت كل بنودها الظالمة ، وأبقت منها اسم الله تعالى! فسأله أبو طالب: أخبرك ربك بذلك يا ابن أخي؟ قال: نعم. قال له: إن ربك لحق ، وأنا أشهد أنك صادق.
واتفق مع النبي صلى الله عليه وآله وأصدر أمره إلى بني هاشم أن البسوا كلكم أحسن ثيابكم وخذوا أسلحتكم ، لنذهب إلى المسجد !
ولم يخبرهم بما أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وآله حتى لا يتسرب الخبر !
وقاد أبو طالب رضي الله عنه عملية كسر الحصار قبيل وفاته: (فما راع قريشاً إلا وبنو هاشم عنقاً واحداً ، قد خرجوا من الشعب ! نحو أربعين رجلاً يمشون خلف بعضهم بامتداد وشموخ ، عُنُقاً واحداً كعُنق البعير وعُنق الزرافة ، بأجسام مميزة بنباتها الحسن ، وراثةً من أبيهم إسماعيل وإبراهيم ، لا يشاركهم فيها غيرهم من قريش ، فهم أبناء هاشم الذين قال فيهم أكثم بن صيفي رئيس بني تميم: يا بني تميم ! هذا غرس الله لا غرس الرجال! قال هشام: لم يكن في العرب عدة بني عبد المطلب أشرف منهم ولا أجسم ! ليس منهم رجل إلا أشم العرنين ، يشرب أنفه قبل شفتيه ، ويأكل الجَذع ويشرب الفَرْق). (المنمق/34 ، واليعقوبي:2 /11).
أقول: أخرجهم الوحي وخطة أبي طالب رضي الله عنه ، ولم يخرجهم الجوع فهم أقوى ، ولا طأطأ هاماتهم الحصار ، فهاماتهم أعلى ! وكان يتقدمهم شيخ بهي الطلعة ابن التسعين عاماً ، والى جنبه سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وجلسوا في حجر إسماعيل عند قبر أمهم هاجر وجدهم إسماعيل ، حيث لا يجلس هناك إلا سُراة قريش ! فجاء زعماء قريش يستطلعون الخبر ، وأدار أبو طالب الكلام ، وأقام الحجة الجديدة على فراعنة قريش وأثبت لهم صدق النبي الأمين صلى الله عليه وآله ، وأحضروا الصحيفة فوجدوها كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله . لكن هيهات أن تنفع الحجج مع قوم قرروا أن لا يسمعوا لمنطق ولا يخضعوا لمعجزة ، لأن ذلك يوجب عليهم طاعة نبي من بني هاشم !
وكان من حكمة أبي طالب وخبرته بهم أنه أطمعهم بأن يسلمهم محمداً صلى الله عليه وآله للقتل إن ثبت كذبه ، وأخذ عليهم عهداً أن يُنهوا حصارهم إن ثبت صدقه ! وكان ذلك كافياً لأن يعلن كسرالحصار وعودة بني هاشم إلى بيوتهم في مكة !
قال اليعقوبي في تاريخه (2/31): (ثم حصرت قريش رسول الله وأهل بيته من بني هاشم وبني المطلب بن عبد مناف في الشعب الذي يقال له شعب بني هاشم بعد ست سنين من مبعثه. فأقام ومعه جميع بني هاشم وبني المطلب في الشعب ثلاث سنين حتى أنفق رسول الله ماله ، وأنفق أبو طالب ماله ، وأنفقت خديجة بنت خويلد مالها ، وصاروا إلى حد الضر والفاقة. ثم نزل جبريل على رسول الله فقال: إن الله بعث الأرضة على صحيفة قريش فأكلت كل مافيها من قطيعة وظلم إلا المواضع التي فيها ذكر الله. فخبر رسول الله أبا طالب بذلك ثم خرج أبو طالب ومعه رسول الله وأهل بيته حتى صار إلى الكعبة ، فجلس بفنائها وأقبلت قريش من كل أوب فقالوا: قد آن لك يا أبا طالب أن تذكر العهد وأن تشتاق إلى قومك وتدع اللجاج في ابن أخيك. فقال لهم: يا قوم أحضروا صحيفتكم فلعلنا أن نجد فرجاً وسبباً لصلة الأرحام وترك القطيعة ، وأحضروها وهي بخواتيمهم. فقال: هذه صحيفتكم على العهد لم تنكروها. قالوا: نعم. قال: فهل أحدثتم فيها حدثاً ؟ قالوا: اللهم لا. قال: فإن محمداً أعلمني عن ربه أنه بعث الأرضة فأكلت كل ما فيها إلا ذكر الله ، أفرأيتم إن كان صادقاً ماذا تصنعون ؟ قالوا: نكف ونمسك. قال: فإن كان كاذباً دفعته إليكم تقتلونه. قالوا: قد أنصفت وأجملت ، وفضت الصحيفة فإذا الأرضة قد أكلت كل ما فيها إلا مواضع بسم الله عز وجل. فقالوا: ما هذا إلا سحر ، وما كنا قط أجد في تكذيبه منا ساعتنا هذه. وأسلم يومئذ خلق من الناس عظيم وخرج بنو هاشم من الشعب وبنو المطلب فلم يرجعوا إليه).
وفي سيرة ابن إسحاق (2 / 142): ( فقال له رسول الله (ص) أخبرني ربي هذا ! فقال له عمه: إن ربك لحق ، وأنا أشهد أنك صادق).
وانتصرالنبي صلى الله عليه وآله وأبو طالب رضي الله عنه في كسر الحصار، وحلَّت الفرحة في قلب ناصرالنبي صلى الله عليه وآله وفاديه بنفسه وبنيه ، وحطَّ في بيته في مدخل الشعب ، شجرة باسقة أظلت رسول الله صلى الله عليه وآله أكثر من أربعين سنة ، وأظلت دعوته وأتباعه عشر سنين ! لقد خرج من الحصار قرير العين بما أنعم الله على ابن أخيه وعليه ، وأخذ يدير عملياته في ظروف جديدة مليئة بالأمل ، حتى عندما جاءه المرض. وفي هذه المدة نظم بقية قصائده في نصرة النبي صلى الله عليه وآله ، وراسل ابنه جعفراً في الحبشة بإحداها يخبره بالمعجزة الربانية وفشل الحصار !
وكان يعقد الجلسات مع حبيبه الغالي صلى الله عليه وآله ويتداول معه أخبار قريش ، ومستقبل النبي صلى الله عليه وآله والإسلام ، والخطر الذي سيواجهه بعد وفاته.
كان يعرف أن فراعنة قريش عنيدون حاقدون ، وأنه بمجرد أن يغمض عينيه سيقولون مات حامي محمد صلى الله عليه وآله الذي وحَّد بني هاشم لحمايته ، وجاءت الفرصة لقتل محمد صلى الله عليه وآله ! وسينفلتون كالذئاب الجائعة لدم محمد صلى الله عليه وآله !
وكان يعرف أن قبائل العرب تخاف من قريش ، ومن لايخاف منها يريد الثمن من محمد صلى الله عليه وآله أن تكون خلافته له ، ومحمد صلى الله عليه وآله يجيبهم بأن للأمر أهلاً ، ويطلب منهم أن يبايعوه على أن لا ينازعوا الأمر أهله !
لذلك لم يكن عند أبي طالب أمل في قبائل العرب ، إلا في المدينة وبني النجار خاصة. لذا روت المصادر أنه: لما حضرت أبا طالب الوفاة دعا رسول الله فقال له: ابنَ أخي: إذا أنا متُّ فائت أخوالك من بني النجار، فإنهم أمنع الناس لما في بيوتهم). (الطبقات:3/543،وتاريخ الذهبي:1/233).

  • *

كثرت مكذوبات الخلافة في حصار الشعب !

اشتهرت خشونة قريش مع بني هاشم وقسوتهم ، فقد كانوا يرونهم محاصرين ويسمعون تضوَّر أطفالهم من الجوع ! فيوصون بعضهم بعدم الرأفة بهم ، مهما بلغ بهم الحصار! (لايقبلوا من بني هاشم صلحاً أبداً ، ولا يأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل) ! ( الدرر لابن عبد البر / 54 ، وسبل الهدى: 10 / 59).
وانتصرالنبي صلى الله عليه وآله عليهم وأقام دولة شملت الجزيرة والخليج واليمن ، ولما توفي أخذ القرشيون دولته ، وكتبوا التاريخ والسيرة بحبر خلفائهم فجعلوا مخازي قريش مناقب ! وأرخوا للحصار بأن زعماء قريش مثلوا النبل والقيم والإنسانية والضمير الحي! وأنهم تلاوموا وقرروا نقض الصحيفة الظالمة وإنصاف بني هاشم ، وعملوا في ذلك ليل نهار ، وعرضوا أنفسهم للخطر! لكن عملوا مع من؟ أي مع أنفسهم !
وكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله أنه كان يشكر لهم صنيعهم! وأوصى المسلمين أن لا تقتلوا فلاناً لأنه لم يؤذني! وفلاناً لأنه كان خيِّراً باراً من أبطال نقض الصحيفة ! وعددوا ستة فراعنة عملوا لنقض الصحيفة!
وهم برواية ابن إسحاق (2/145): (أبو جهل هشام بن عمرو ، وزهير بن أبي أمية بن المغيرة بن مخزوم ، ومطعم بن عدي ، وزهير بن أبي أمية ، وأبو البختري بن هشام ، وزمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد).
وقد نظموا في مدح هؤلاء شعراً ، كما في السيرة الحلبية(2/37):
« فتية بيتوا على فعل خير
* حمد الصبح أمره والمساء

يا لأمر أتاه بعد هشام
* زمعة إنه الفتى الأتَّاءُ

وزهير والمطعم بن عدي
* وأبو البختري من حيث شاءوا

نقضوا مبرم الصحيفة إذ شد
* دت عليه من العدا الأنداء » !

وبذلك صار الفراعنة أصحاب قرار الحصار أنفسهم أبطال فك الحصار، وطمسوا آية الأرضة التي أبهتتهم ، وصمود النبي صلى الله عليه وآله وأبي طالب !
وقالت روايتهم الكاذبة إنهم هم بادروا لفك الحصار: (ثم إن المطعم بن عدي قام إلى الصحيفة فشقها فوجد الأرضة قد أكلتها).
أما أبو طالب فانتقموا منه بأن جعلوه كافراً في قعر جهنم ! وزعموا أن النبي شفع له فأنقذه من قعر جهنم الى ضحضاح نار يغلي منه دماغه !
قال البخاري(4/ 247) إن العباس قال للنبي صلى الله عليه وآله : (ما أغنيت عن عمك! فوالله كان يحوطك ويغضب لك ! قال: هو في ضحضاح من نار ، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) !

إبحث عن الحقيقة في غابة الكذب القرشي !

وقد أفلتت الحقيقة في روايات منها ابن سعد في الطبقات (1/208) قال: (فأرسل الله عز وجل على الصحيفة دابة فأكلت كل شئ إلا اسم الله عز وجل… فأرسلوا إلى الصحيفة ففتحوها فإذا هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله فسقط في أيديهم ونكسوا على رؤوسهم! فقال أبو طالب: علامَ نُحبس ونُحصر وقد بان الأمر ! ثم دخل هو وأصحابه بين أستار الكعبة فقال:اللهم انصرنا ممن ظلمنا وقطع أرحامنا ، واستحل مايحرم عليه منا! ثم انصرفوا)!
وقال القطب الرواندي في الخرائج(1/85):( فما راع قريشاً إلا وبنو هاشم عُنُقاً واحداً قد خرجوا من الشعب ! فقالت قريش: الجوع أخرجهم ! فجاؤوا حتى أتوا الحجر وجلسوا فيه ، وكان لا يقعد فيه إلا فتيان قريش، فقالوا: يا أبا طالب قد آن لك أن تصالح قومك. قال: قد جئتكم بخبر ، إبعثوا إلى صحيفتكم لعله أن يكون بيننا وبينكم صلح. قال: فبعثوا إليها وهي عند أم أبي جهل ، وكانت قبل في الكعبة فخافوا عليها السرق فوضعت بين أيديهم وخواتيمهم عليها.فقال أبو طالب: هل تنكرون منها شيئاً؟ قالوا: لا. قال: إن ابن أخي حدثني ولم يكذبني قط ،أن الله قد بعث على هذه الصحيفة الأرضة ، فأكلت كل قطيعة وإثم وتركت كل إسم هو لله ، فإن كان صادقاً أقلعتم عن ظلمنا ، وإن يكن كاذباً ندفعه إليكم فقتلتموه.
فصاح الناس: نعم يا أبا طالب ، ففتحت ثم أخرجت فإذا هي مشرَّبة كما قال! فكبر المسلمون وامتقعت وجوه المشركين. فقال أبو طالب: أتبين لكم أينا أولى بالسحر والكهانة ؟ فأسلم يومئذ عالم من الناس).

النبي صلى الله عليه وآله يخلد مكان مؤتمر المقاطعة

لما دخل مكة فاتحاً أراد النبي صلى الله عليه وآله أن يُعَرِّفَ المسلمين تاريخ الإسلام ، وتكاليف الوحي ، ليفهموا قيمته ، ويعرفوا معدن الإسلام ، ومعدن الكفر ! وبعث بذلك رسالة إلى من بقي من الفراعنة زعماء مؤتمر المقاطعة وكانوا يسمعونه ، بأنهم قد تحملوا وزر هذا الكفر والعار ، ثم ارتكبوا ما هو أعظم منه في حروبهم للنبي صلى الله عليه وآله ، ولم يتراجعوا إلا تحت سيوف بني هاشم والأنصار ، فأعلنوا إسلامهم خوفاً من القتل، وهاهم اليوم يخططون لوراثة دولته التي بناها الله تعالى ورسوله ، وهم كارهون !
كان من بقي منهم يسمع كلامه كسهيل بن عمرو ، وأبي سفيان ، وعكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية بن خلف ، وحكيم بن حزام ، وصهيب بن سنان وأبي الأعور السلمي ، وغيرهم.
وكانت تصرفاتهم الظاهرة والخفية ، تدل على فرحهم بأن النبي صلى الله عليه وآله أعلن قرب موته ، فهم يعدون العدة لحصار عترته وأخذ خلافته !
لذا أراد النبي صلى الله عليه وآله أن يُخَلِّد الحقيقة في وجدان الأمة فأعلن:(منزلنا إذا فتح الله تعالى علينا مكة في خيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر).(السيرة الحلبية:3 /27).
ثم أكد ذلك فقال لما توجه إلى معركة حنين: ( منزلنا غداً إن شاء الله بخيف بني كنانة ، حيث تقاسموا على الكفر) ! ( البخاري: 5/92).
ثم أكده بعد في حجة الوداع فقال صلى الله عليه وآله يوم التروية: ( منزلنا غداً إن شاء الله تعالى بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر). ( البخاري: 2 / 158).
ثم أكده لما عاد من عرفات فقال يوم النحر: (نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر).(البخاري: 4 / 247).
فقد كان مهماً في ميزان الله تعالى أن يحفظ المسلمون تلك الحادثة ويعرفوا مكانها، لأنها وثيقة في كيد فراعنة قريش الذي فاق كيد اليهود حيث جمع بطون قريش شيوخهم، وتقاسموا باللات والعزى على قتل النبي صلى الله عليه وآله بأي طريقة ، ومقاطعة بني هاشم مقاطعة كاملة شاملة حتى يسلموه لهم للقتل ، لأن ذنب محمد أن الله أرسله نبياً ، وهم لا يريدون نبياً من بني هاشم ، ولا يريدون أن يشاهدوا معجزاته ! وقد نفذوا قرار المحاصرة نحو أربع سنين فضيقوا على بني هاشم، حتى أكل أطفالهم ورق الشجر من الجوع ، ومصوا الرمل الرطب من العطش !
ولما أعلنت قريش قرار المقاطعة رأى بنو هاشم أنفسهم مضطرين لترك بيوتهم والتجمع في نقطة واحدة ، لحفظ حياتهم وحياة النبي صلى الله عليه وآله فاختاروا الشِّعب حيهم القديم وفيه بيت عبد المطلب وأبي طالب.
وفي مقابل عمل النبي صلى الله عليه وآله لتخليد مؤتمر المقاطعة كان زعماء قريش يعملون لينسى الناس الحادثة ومكانها وأشخاصها ، ولذلك طمستها خلافتهم وضيعت مكانها وأكثر أشخاصها ! وقالوا لقد قاطعوهم مدة ثم تراجعوا!
ولم يحفظ مكان المؤامرة إلا آل النبي صلى الله عليه وآله وشيعتهم ، فصار خيف بني كنانة أو المحصَّب من منى منزل بني هاشم ، إلى يمين جمرة العقبة للداخل إلى منى !
ومضافاً الى تخليد النبي صلى الله عليه وآله ظلم بطون قريش وتآمرهم على الإسلام ، فقد سجل في أحاديثه طول بعثته وخاصة في حجة الوداع أن الخطر والتحريف والظلم الذي يخشاه على الإسلام وأهل بيته عليهم السلام إنما هو من قريش وحدها ، فبقية القبائل تبع لها !

الفصل الثاني عشر - مفاوضة النبي صلى الله عليه وآله مع الأنصار

كان بين الأوس والخزرج حروب أكثر من مئة سنة !

روى الطبري في تفسيره (4 / 46) والثعلبي(3 / 164) وغيرهما ، في تفسير قوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا: (فإنها عداوة الحروب التي كانت بين الحيين من الأوس والخزرج في الجاهلية قبل الإسلام. يزعم العلماء بأيام العرب أنها تطاولت بينهم عشرين ومائة سنة ! وهم أخَوان لأب وأم ! فلم يسمع بقوم كان بينهم من العدواة والحرب ما كان بينهم ! ثم إن الله عز وجل أطفأ ذلك بالإسلام وألف بينهم برسوله محمد (ص) فذكرهم جل ثناؤه إذ وعظهم ، عظيم ما كانوا فيه في جاهليتهم من البلاء والشقاء بمعاداة بعضهم بعضاً وقتل بعضهم بعضاً وخوف بعضهم من بعض وما صاروا إليه بالإسلام واتباع الرسول (ص) والإيمان به وبما جاء به من الإئتلاف والإجتماع.
وكانت آخر حرب بين الأوس والخزرج حرب بُعاث وهو إسم حصن للأوس ، قبل الهجرة بخمس سنين. (الحاكم:3 /421 وقيل بثلاث. فتح الباري:2/367).
وكانوا يومها يتفاوضون مع النبي صلى الله عليه وآله ورووا أن أياس بن معاذ الأشهلي الأوسي كان أسلم وبايع النبي صلى الله عليه وآله ورجع إلى قومه ، فوقعت الحرب وقتل فيها ، فعدوه من الصحابة.( معجم السيد الخوئي:4/ 159). ومعناه أن المفاوضة استمرت نحو خمس سنين ، حتى بيعة العقبة التي هاجر النبي صلى الله عليه وآله على أثرها.

لماذا طالت مفاوضة النبي صلى الله عليه وآله مع الأنصار ؟

سبب طول المفاوضة أن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يستطيع أن يرى الأنصار إلا في موسم الحج وكان لقاؤه بهم في غاية السرية من قريش ! أما الأفراد الذي جاؤوه من المدينة وأسلموا على يده ، فلم يأتوا كطرف مفاوضة.
وأولهم فتية فيهم أياس بن معاذ الأشهلي الأوسي، وعده في رجال الطوسي/ 22 من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله (لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج ، سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وآله فأتاهم فجلس إليهم فقال: هل لكم إلى خير مما جئتم له؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ، وأنزل الله عليَّ الكتاب ، ثم شرع لهم الإسلام ، وتلا عليهم القرآن. فقال إياس بن معاذ وكان غلاماً حدثاً: أي قومي ، هذا والله خير مما جئتم له ! قال فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من البطحاء فضرب بها في وجه إياس وقال: دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا ! قال فصمت إياس وقام عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وانصرفوا إلى المدينة فكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك. قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومه عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات !فما كانوا يشكون أن قد مات مسلماً ، لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله ما سمع). رواه ابن سعد: 3 / 437 ، والطبري: 2 / 85 .
ثم جاء أسعد بن زرارة ، وذكوان بن عبد قيس ، فالتقيا بالنبي صلى الله عليه وآله  ، وأسلما.
قال الطبرسي في إعلام الورى (1/ 136): ( قال علي بن إبراهيم: قدم أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس في موسم من مواسم العرب وهما من الخزرج ، وكان بين الأوس والخزرج حرب قد بغوا فيها دهراً طويلاً ، وكانوا لا يضعون السلاح لا بالليل ولا بالنهار ، وكان آخر حرب بينهم يوم بعاث وكانت للأوس على الخزرج ، فخرج أسعد بن زرارة وذكوان إلى مكة في عمرة رجب يسألون الحلف على الأوس ، وكان أسعد بن زرارة صديقاً لعتبة بن ربيعة فنزل عليه فقال له: إنه كان بيننا وبين قومنا حرب وقد جئناك نطلب الحلف عليهم. فقال له عتبة: بعدت دارنا من داركم ولنا شغل لا نتفرغ لشئ. قال: وما شغلكم وأنتم في حرمكم وأمنكم ؟ قال له عتبة: خرج فينا رجل يدعي أنه رسول الله سفَّه أحلامنا وسب آلهتنا وأفسد شباننا وفرق جماعتنا ! فقال له أسعد: من هو منكم ؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، من أوسطنا شرفاً وأعظمنا بيتاً ! وكان أسعد وذكوان وجميع الأوس والخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم النضير وقريظة وقينقاع أن هذا أوان نبي يخرج بمكة يكون مهاجره بالمدينة ، لنقتلنكم به يا معشر العرب.
فلما سمع ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمع من اليهود ، قال: فأين هو ؟ قال: جالس في الحجر ، وإنهم لا يخرجون من شعبهم إلا في الموسم ، فلا تسمع منه ولاتكلمه فإنه ساحر يسحرك بكلامه. فقال له أسعد: فكيف أصنع وأنا معتمر، لا بد لي أن أطوف بالبيت ! قال: ضع في أذنيك القطن. فدخل أسعد المسجد وقد حشا أذنيه بالقطن ، فطاف بالبيت ورسول الله صلى الله عليه وآله جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم ، فنظر إليه نظرة فجازه ! فلما كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهل مني! أيكون مثل هذا الحديث بمكة فلا أتعرفه حتى أرجع إلى قومي فأخبرهم؟ ثم أخذ القطن من أذنيه ورمى به وقال لرسول الله صلى الله عليه وآله : أنعم صباحاً ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه إليه وقال: قد أبدلنا الله به ما هو أحسن من هذا ، تحية أهل الجنة السلام عليكم.
فقال له أسعد: إن عهدك بهذا لقريب، إلى ما تدعو يا محمد؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، وأدعوكم إلى الله أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فلما سمع أسعد هذا قال له:أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنا من أهل يثرب من الخزرج ، وبيننا وبين إخوتنا من الأوس حبال مقطوعة ، فإن وصلها الله بك فلا أجد أعز منك ، ومعي رجل من قومي فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتمم الله لنا أمرنا فيك ، والله يا رسول الله لقد كنا نسمع من اليهود خبرك ، ويبشروننا بمخرجك ويخبروننا بصفتك ، وأرجو أن تكون دارنا دار هجرتك وعندنا مقامك ، فقد أعلمنا اليهود ذلك ، فالحمد لله الذي ساقني إليك. والله ما جئنا إلا لنطلب الحلف على قومنا ، وقد آتانا الله بأفضل مما أتينا له. ثم أقبل ذكوان فقال له أسعد: هذا رسول الله الذي كانت اليهود تبشرنا به وتخبرنا بصفته ، فهلمَّ فأسلم فأسلم ذكوان ، ثم قالا: يا رسول الله إبعث معنا رجلاً يعلمنا القرآن ويدعو الناس إلى أمرك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لمصعب بن عمير ، وكان فتى حدثاً مترفاً بين أبويه يكرمانه ويفضلانه على أولادهما ، ولم يخرج من مكة فلما أسلم جفاه أبواه، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وآله في الشعب حتى تغير وأصابه الجهد فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله بالخروج مع أسعد ، وقد كان تعلم من القرآن كثيراً ، فخرجا إلى المدينة ومعهما مصعب بن عمير فقدموا على قومهم وأخبروهم بأمر رسول الله وخبره فأجاب من كل بطن الرجل والرجلان ، وكان مصعب نازلاً على أسعد بن زرارة ، وكان يخرج في كل يوم فيطوف على مجالس الخزرج يدعوهم إلى الإسلام فيجيبه الأحداث ، وكان عبد الله بن أبيّ شريفاً في الخزرج وقد كان الأوس والخزرج اجتمعوا على أن يملكوه عليهم لشرفه وسخائه ، وقد كانوا اتخذوا له إكليلاً احتاجوا في تمامه إلى واسطة كانوا يطلبونها ، وذلك أنه لم يدخل مع قومه الخزرج في حرب بعاث، ولم يعن على الأوس وقال: هذا ظلم منكم للأوس ولاأعين على الظلم فرضيت به الأوس والخزرج فلما قدم أسعد كره عبد الله ما جاء به أسعد وذكوان وفتر أمره.
فقال أسعد لمصعب: إن خالي سعد بن معاذ من رؤساء الأوس ، هو رجل عاقل شريف مطاع في بني عمرو بن عوف ، فإن دخل في هذا الأمر تم لنا أمرنا فهلم نأتي محلتهم ، فجاء مصعب مع أسعد إلى محلة سعد بن معاذ فقعد على بئر من آبارهم واجتمع إليه قوم من أحداثهم وهو يقرأ عليهم القرآن ، فبلغ ذلك سعد ابن معاذ فقال لأسيد بن حضير وكان من أشرافهم: بلغني أن أبا أمامة أسعد بن زرارة قد جاء إلى محلتنا مع هذا القرشي يفسد شباننا ، فأته وانهه عن ذلك ! فجاء أسيد بن حضير فنظر إليه أسعد فقال لمصعب: إن هذا رجل شريف ، فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتم أمرنا فاصدقِ الله فيه. فلما قرب أسيد منهم قال: يا أبا أمامة يقول لك خالك: لا تأتنا في نادينا ولا تفسد شباننا واحذر الأوس على نفسك. فقال مصعب: أو تجلس فنعرض عليك أمراً فإن أحببته دخلت فيه وإن كرهته نحينا عنك ما تكرهه ؟ فجلس فقرأ عليه سورة من القرآن فقال: كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر ؟ قال: نغتسل ونلبس ثوبين طاهرين ونشهد الشهادتين ونصلي ركعتين. فرمى بنفسه مع ثيابه في البئر ثم خرج وعصر ثوبه ثم قال: أعرض فعرض عليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فقالها.. الخ.).

  • *
    وفي موسم الحج بعد وفاة أبي طالب التقى النبي صلى الله عليه وآله ببضعة عشر من الأنصار وبايعوه بيعة العقبة الأولى. وفي السنة التالية بايعه بضع وسبعون رجلاً بيعة العقبة الثانية ، وبعدها مباشرة كانت هجرته صلى الله عليه وآله في ربيع الأول.
    وقد اختار النبي صلى الله عليه وآله دار جده عبد المطلب رحمه الله بمنى عند جمرة العقبة ، مكاناً للبيعة ، وجعل الموعد في وقت متأخر من الليل إذا نام الناس!
    ففي تفسير القمي(1/272) وإعلام الورى (1/142) قال لهم صلى الله عليه وآله : (فاحْضَروا دارَ عبد المطلب على العقبة ولاتنبهوا نائماً وليتسلل واحد فواحد. وكان رسول الله نازلاً في دار عبد المطلب وحمزة وعلي والعباس معه ، فجاءه سبعون رجلاً من الأوس والخزرج فدخلوا الدار).
    لكن رواة السلطة لم يذكروا بيت عبد المطلب وقالوا: ( فواعدوا رسول الله العقبة من أواسط أيام التشريق)». (ابن هشام:2/299، والدرر/68).
    وقد تعجبتُ في هذه السنة 1429من أن الوهابيين أقاموا مسجداً صغيراً مكان بيت عبد المطلب جعلوه رمزاً لبيعة الأنصار للنبي صلى الله عليه وآله ، ويقع قرب جمرة العقبة على يمين الخارج منها الى مكة ، مع أنهم يزيلون آثار الإسلام والنبي وآله صلى الله عليه وآله ، لكن لاندري كيف حولوه الى مسجد ومن أوقفه مسجداً !
    ولعلهم استندوا الى نص في طبقات ابن سعد(1/121) في أن الموضع كان مسجداً ، قال: (وعَدَهُم النبي صلى الله عليه وآله منى وسط أيام التشريق ليلة النفرالأول إذا هدأت الرِّجل، أن يوافوه في الشعب الأيمن ، إذا انحدروا من منى بأسفل العقبة ، حيث المسجد اليوم). أي في زمن ابن سعد ، في القرن الثالث.
    وفي مناقب آل أبي طالب (1/157): (فاجتمعوا في الشعب عند العقبة ، ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان في أيام التشريق بالليل فقال صلى الله عليه وآله : أبايعكم على الإسلام ، فقال له بعضهم: نريد أن تعرفنا يا رسول الله ما لله علينا وما لك علينا وما لنا على الله؟ قال: أما ما لله عليكم فأن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً. وأما ما لي عليكم فتنصروني مثل نسائكم وأبناءكم ، وأن تصبروا على عض السيف وأن يقتل خياركم ، قالوا: فإذا فعلنا ذلك ما لنا على الله؟قال: أما في الدنيا فالظهور على من عاداكم وفي الآخرة الرضوان والجنة. فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: والذي بعثك بالحق لنمنعك بما نمنع به أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحرب وأهل الحلقة ، ورثناها كابراً عن كابر.
    فقال أبو الهيثم إن بيننا وبين الرجال حبالاً، وإنا إن قطعناها أو قطعوها فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: بل الدم الدم والهدم الهدم ، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم ، ثم قال: أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيباً، فاختاروا ثم قال: أبايعكم كبيعة عيسى بن مريم للحواريين كفلاء على قومهم بما فيهم ، وعلى أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ، فبايعوه على ذلك).
    وفي تفسير الطبري( 28/59) عن قتادة:(بايعه ليلة العقبة اثنان وسبعون رجلاً من الأنصار ، ذكر لنا أن بعضهم قال: هل تدرون علامَ تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعون على محاربة العرب كلها أو يسلموا. ذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله ، إشترط لربك ولنفسك ما شئت ، قال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني وأهل بيتي وذريتي مما منعتم منه أنفسكم وأبناءكم. قالوا فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا نبي الله؟ قال: لكم النصر في الدنيا ، والجنة في الآخرة).
    فكانت بيعة الأنصار على حمايته وحماية أهل بيته عليهم السلام وأن لاينازعوا الأمر أهله.
    ففي المناقب(1/305) وأوسط الطبراني(2/207) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (أشهد لقد حدثني أبي عن أبيه عن جده عن الحسين بن علي قال: لما جاءت الأنصار تبايع رسول الله صلى الله عليه وآله على العقبة قال: قم يا علي. فقال علي: على مَ أبايعهم يا رسول الله؟ قال: على أن يطاع الله فلايعصى وعلى أن يمنعوا رسول الله وأهل بيته وذريته مما يمنعون منه أنفسهم وذراريهم. ثم كان الذي كتب الكتاب بينهم). وفي الكافي(8/261)قال الصادق عليه السلام : (وأخذ عليهم عليٌّ أن يمنعوا محمداً وذريته مما يمنعون منه أنفسهم وذراريهم.. نجا من نجا ، وهلك من هلك).
    وفي مناقب ابن سليمان( 2/165): (فالتزمتها رقاب القوم ، ووفى بها من وفى).

استنفرت قريش لقتل النبي صلى الله عليه وآله وقتل رؤساء الأنصار !

بعد الحج شاع خبر بيعة الأنصار في العقبة ، فثارت قريش على الأنصار !
ففي المناقب (1/ 158):(نفر الناس من منى وفشى الخبر، فخرجوا في الطلب فأدركوا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو ، فأما المنذر فأعجز القوم ، وأما سعد فأخذوه وربطوه بنسع رحله ، وأدخلوه مكة يضربونه فبلغ خبره إلى جبير بن مطعم والحرث بن حرب بن أمية ، فأتياه وخلصاه).
وفي سيرة ابن هشام(2/ 306): ( فلما بايعنا رسول الله (ص) صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب (المنازل) هل لكم في مذمم والصباة معه ، قد اجتمعوا على حربكم. قال: فقال رسول الله: هذا أزبُّ العقبة أتسمع أي عدو الله أما والله لأفرغن لك. ثم قال رسول الله (ص): إرفَضُّوا إلى رحالكم. وأتوا عبد الله ابن أبي ابن سلول ، فقالوا له مثل ما قال كعب من القول.
قال ابن إسحاق: كان أول من ضرب على يد رسول الله (ص) البراء بن معرور ، ثم بايع بعد القوم.
قال: ثم قال رسول الله (ص): إرفضُّوا إلى رحالكم. قال: فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: والله الذي بعثك بالحق: إن شئت لنميلن على أهل منى غداً بأسيافنا ؟ قال: فقال رسول الله (ص)لم نؤمر بذلك ، ولكن ارجعوا إلى رحالكم. قال: فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا. فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاؤونا في منازلنا ، فقالوا: يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا ، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا ، أن تنشب الحرب بيننا وبينهم ، منكم. قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شئ وما علمناه. قال: وقد صدقوا لم يعلموه. قال: وبعضنا ينظر إلى بعض. قال: ثم قام القوم ، وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان له جديدان. قال: فقلت له كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا: يا أبا جابر ، أما تستطيع أن تتخذ ، وأنت سيد من ساداتنا ، مثل نعلي هذا الفتى من قريش ؟ قال: فسمعها الحارث ، فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلى ، وقال: والله لتنتعلنهما ، قال: يقول أبو جابر: مه ، أحفظك والله الفتى فاردد إليه نعليه. قال قلت: والله لا أردهما ، فأل والله صالح ، لئن صدق الفأل لأسلبنه.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر: أنهم أتوا عبد الله ابن أبي ابن سلول ، فقالوا له مثل ما قال كعب من القول ، فقال له: إن هذا الأمر جسيم ، ما كان قومي ليتفوتوا على بمثل هذا ، وما علمته كان. قال فانصرفوا عنه. قال: ونفر الناس من منى فتنطس القوم الخبر فوجدوه قد كان ، وخرجوا في طلب القوم ، فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر ، والمنذر بن عمرو ، أخا بني ساعدة ابن كعب بن الخزرج ، وكلاهما كان نقيباً ، فأما المنذر فأعجز القوم ، وأما سعد فأخذوه ، فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله ، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ، ويجذبونه بجمته ، وكان ذا شعر كثير.
قال سعد: فوالله إني لفي أيديهم إذ طلع عليهم نفر من قريش ، فيهم رجل وضئ أبيض شعشاع حلوٌ من الرجال. قال: فقلت في نفسي: إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا ، قال: فلما دنا مني رفع يده فلكمني لكمة شديدة. قال فقلت في نفسي: لا والله ما عندهم بعد هذا من خير. قال: فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذ أوى لي رجل ممن كان معهم فقال: ويحك ! أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد ؟ قال: قلت: بلى ، والله لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف تجارته ، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي ، وللحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، قال: ويحك! فاهتف باسم الرجلين ، واذكر ما بينك وبينهما.
قال: ففعلت ، وخرج ذلك الرجل إليهما ، فوجدهما في المسجد عند الكعبة ، فقال لهما: إن رجلا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح ويهتف بكما ، ويذكر أن بينه وبينكما جواراً ، قالا: ومن هو؟ قال: سعد بن عبادة ، قال: صدق والله ، إن كان ليجير لنا تجارنا ويمنعهم أن يظلموا ببلده. قال: فجاءا فخلصا سعداً من أيديهم فانطلق ، وكان الذي لكمَ سعداً سهيل بن عمرو !
قال: فلما قدموا المدينة أظهروا الإسلام بها ، وفى قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك ، منهم عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم ابن كعب بن سلمة ، وكان ابنه معاذ بن عمرو شهد العقبة ، وبايع رسول الله (ص) بها ، وكان عمرو بن الجموح سيداً من سادات بنى سلمة ، وشريفاً من أشرافهم ، وكان قد اتخذ في داره صنماً من خشب ، يقال له: مناة ، كما كانت الأشراف يصنعون ، يتخذه إلهاً يعظمه ويطهره ، فلما أسلم فتيان بنى سلمة ، معاذ بن جبل ، وابنه معاذ بن عمرو بني الجموح ، في فتيان منهم ممن أسلم وشهد العقبة ، كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك ، فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها عُذَر الناس منكساً على رأسه ، فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم ! من عدا على إلهنا هذه الليلة؟ قال: ثم يغدو يلتمسه ، حتى إذا وجده غسله وطهره وطيبه ، ثم قال: أما والله لو أعلم من فعل هذا بك لأخزينه فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه ، ففعلوا به مثل ذلك فيغدو فيجده في مثل ما كان من الأذى ، فيغسله ويطهره ويطيبه ، ثم يعدون عليه إذا أمسى ، فيفعلون به مثل ذلك. فلما أكثروا عليه ، استخرجه من حيث ألقوه يوماً ، فغسله وطهره وطيبه ، ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ثم قال: إني والله ما أعلم من يصنع بك ما ترى ، فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك. فلما أمسى ونام عمرو عدوا عليه ، فأخذوا السيف من عنقه ، ثم أخذوا كلباً ميتاً فقرنوه به بحبل ، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة ، فيها عذر من عذر الناس ، ثم غدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به. فخرج يتبعه حتى وجده في تلك البئر منكساً مقروناً بكلب ميت ، فلما رآه وأبصر شأنه ، وكلمه من أسلم من رجال قومه ، فأسلم برحمة الله وحسن إسلامه. فقال حين أسلم وعرف من الله ما عرف ، وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره ، ويشكر الله تعالى الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة:
والله لو كنت إلهاً لم تكن
* أنت وكلب وسط بئر في قرن

أفي لملقاك إلهاً مستدن
* الآن فتشناك عن سوء الغبن

الحمد لله العلي ذي المنن
* الواهب الرزاق ديان الدين

هو الذي أنقذني من قبل أن
* أكون في ظلمة قبر مرتهن

بأحمـد المهـدي النبـي المؤتمـن).

وفي أمالي الطوسي/176، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: (تمثل إبليس لعنه الله في أربع صور: تمثل يوم بدر في صورة سراقة بن جعشم المدلجي فقال لقريش: لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيْءٌ مِنْكُمْ. وتصور يوم العقبة في صورة منبه بن الحجاج فنادى:إن محمداً والصباة معه عند العقبة فأدركوهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للأنصار: لا تخافوا فإن صوته لن يعدوهم. وتصور يوم اجتماع قريش في دار الندوة في صورة شيخ من أهل نجد ، وأشار عليهم في النبي صلى الله عليه وآله بما أشار فأنزل الله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ. وتصور يوم قبض النبي صلى الله عليه وآله في صورة المغيرة بن شعبة فقال: أيها الناس لا تجعلوها كسروانية ولا قيصرانية ، وسِّعوها تتسع ، فلا تردوها في بني هاشم ، فتنتظر بها الحبالى) !

أحكمت قريش خطة قتل النبي صلى الله عليه وآله فأحبطها الله عز وجل

تواصلت مشاورات قريش بقية محرم وصفر ، حتى كانت جلستها الشهيرة في أواخر صفر، التي قررت فيها قتل النبي صلى الله عليه وآله وعينت المنفذين ووقت التنفيذ.
ففي تفسير القمي(1/273): (فرجعوا إلى مكة وقالوا: لا نأمن من أن يفسد أمرنا ويدخل واحد من مشايخ قريش في دين محمد ، فاجتمعوا في الندوة وكان لا يدخل دار الندوة إلا من قد أتى عليه أربعون سنة ، فدخلوا أربعون رجلاً من مشايخ قريش ، وجاء إبليس في صورة شيخ كبير فقال له البوَّاب: من أنت ؟ فقال أنا شيخ من أهل نجد لايعدمكم مني رأي صائب ، إني حيث بلغني اجتماعكم في أمر هذا الرجل فجئت لأشير عليكم ، فقال الرجل: أدخل فدخل إبليس. فلما أخذوا مجلسهم قال أبو جهل: يا معشر قريش إنه لم يكن أحد من العرب أعزّ منا ، نحن أهل الله تغدو إلينا العرب في السنة مرتين ويكرموننا، ونحن في حرم الله لا يطمع فينا طامع فلم نزل كذلك حتى نشأ فينا محمد بن عبد الله فكنا نسميه الأمين لصلاحه وسكونه وصدق لهجته ، حتى إذا بلغ ما بلغ وأكرمناه ادعى أنه رسول الله وأن أخبار السماء تأتيه ، فسفه أحلامنا وسب آلهتنا وأفسد شبابنا وفرق جماعتنا ، وزعم أنه من مات من أسلافنا ففي النار ، فلم يرد علينا شئ أعظم من هذا !
وقد رأيت فيه رأياً قالوا: وما رأيت؟قال:رأيت أن ندس إليه رجلاً منا ليقتله ، فإن طلبت بنو هاشم بدمه أعطيناهم عشر ديات ، فقال الخبيث: هذا رأي خبيث ! قالوا وكيف ذلك؟ قال: لأن قاتل محمد مقتول لا محالة ، فمن ذا الذي يبذل نفسه للقتل منكم؟ فإنه إذا قتل محمد تغضب بنو هاشم وحلفاؤهم من خزاعة ، وإن بني هاشم لا ترضى أن يمشي قاتل محمد على الأرض، فتقع بينكم الحروب في حرمكم وتتفانوا.
فقال آخر منهم: فعندي رأي آخر قالوا: وما هو؟ قال نثبته في بيت ونلقي إليه قوته حتى يأتي عليه ريب المنون فيموت كما مات زهير والنابغة وامرؤ القيس. فقال إبليس: هذا أخبث من الآخر ! قالوا: وكيف ذلك ؟ قال لأن بني هاشم لاترضى بذلك ، فإذا جاء موسم من مواسم العرب استغاثوا بهم واجتمعوا عليكم فأخرجوه ! فقال آخر منهم: لا ولكنا نخرجه من بلادنا ونتفرغ نحن لعبادة آلهتنا. قال إبليس: هذا أخبث من الرأيين المتقدمين! قالوا:وكيف ذاك؟ قال: لأنكم تعمدون إلى أصبح الناس وجهاً وأنطق الناس لساناً وأفصحهم لهجة ، فتحملونه إلى وادي العرب فيخدعهم ويسحرهم بلسانه ، فلا يفجأكم إلا وقد ملأها عليكم خيلاً ورجلاً !
فبقوا حائرين ثم قالوا لإبليس: فما الرأي فيه يا شيخ؟قال: ما فيه إلا رأي واحد. قالوا وما هو؟ قال يجتمع من كل بطن من بطون قريش واحد ، ويكون معهم من بني هاشم رجل ، فيأخذون سكيناً أو حديدة أو سيفاً ، فيدخلون عليه فيضربونه كلهم ضربة واحدة ، حتى يتفرق دمه في قريش كلها فلا يستطيع بنو هاشم أن يطلبوا بدمه وقد شركوا فيه ، فإن سألوكم أن تعطوا الدية فأعطوهم ثلاث ديات! فقالوا: نعم وعشر ديات.
ثم قالوا: الرأي رأي الشيخ النجدي! فاجتمعوا ودخل معهم في ذلك أبو لهب عم النبي، ونزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره أن قريشاً قد اجتمعت في دار الندوة يدبرون عليك وأنزل عليه في ذلك: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ. واجتمعت قريش أن يدخلوا عليه ليلاً فيقتلوه، وخرجوا إلى المسجد يُصَفِّرون ويُصفِّقون ويطوفون بالبيت فأنزل الله: وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ. فالمكاء التصفير ، والتصدية صفق اليدين ، وهذه الآية معطوفة على قوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا.. فلما أمسى رسول الله جاءت قريش ليدخلوا عليه فقال أبو لهب: لا أدعكم أن تدخلوا عليه بالليل ، فإن في الدار صبياناً ونساءً ولا نأمن أن تقع بهم يد خاطئة. فنحرسه الليلة فإذا أصبحنا دخلنا عليه فناموا حول حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله ).
(والذين انتدبتهم قريش اجتمعوا على باب النبي صلى الله عليه وآله وهو باب عبد المطلب على ما في بعض الروايات ، يرصدونه يريدون بياته وفيهم: الحكم بن أبي العاص ، وعقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث ، وأمية بن خلف ، وزمعة بن الأسود ، وأبو لهب ، وأبو جهل ، وأبو الغيطلة ، وطعمة بن عدي ، وأبي بن خلف ، وخالد بن الوليد ، وعتبة ، وشيبة ، وحكيم بن حزام ، ونبيه ، ومنبه ابنا الحجاج). (الصحيح من السيرة:4/8).
أقول: أين كان الذين ادعوا لهم البطولة ، وأن الإسلام عز بهم كعمر وسعد وأبي بكر وطلحة ! ولماذا نراهم يختفون في الشدائد ويتصدرون في الرخاء ؟!
قال المحامي أحمد حسين يعقوب في كتابه: المواجهة مع رسول الله صلى الله عليه وآله /181: (في دار الندوة ، اتفقت زعامة البطون على قتل النبي ووضعت خطة القتل ، وتطرقت لأدق التفاصيل! ومهمة الفتية الذين تم اختيارهم من كل البطون تتلخص بتنفيذ خطة الجريمة وتقضي الخطة بمراقبة البيت المبارك الذي يقيم فيه حتى إذا ما خيم الظلام وهجع السامر، زحف فتية البطون بعزم وهدوء وطوقوا البيت المبارك ، فإن خرج النبي خلال فترة التطويق انقضوا عليه بسيوفهم وضربوه ضربة واحدة. وإن لم يخرج خلال مدة معقولة ، دخلوا عليه البيت جميعاً وضربوه وهو نائم ضربة رجل واحد.
وقرار زعامة البطون واضح بأن تلك الليلة يتوجب أن تكون آخر ليالي محمد من الحياة ، فالأمور مرتبة ترتيباً محكماً ، ولا طاقة لبني هاشم على مواجهة البطون خاصة بعد موت سيدهم وعميدهم شيخ البطاح أبي طالب.
كل شئ جهزته البطون لتنفيذ الجريمة وبأعصاب هادئة، مع أن محمداً من قريش ومع أن الهاشميين بنو عمومتهم ، ولكن عندما يتمكن الحقد من النفوس فإنها تبور ، ولا شئ يصلحها).

ثم استنفرت قريش للبحث عن النبي صلى الله عليه وآله !

اتفقت الروايات على تاريخ الهجرة وأن آيتها: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
قال المفيد في مسارِّ الشيعة /48: (شهر ربيع الأول: أول ليلة منه هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة إلى المدينة سنة ثلاث عشرة من مبعثه ، وكانت ليلة الخميس. وفيها كان مبيت أميرالمؤمنين علي عليه السلام على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله ومواساته له بنفسه حتى نجا صلى الله عليه وآله من عدوه ، فحاز بذلك أميرالمؤمنين عليه السلام شرف الدنيا والدين ، وأنزل الله تعالى مدحه لذلك في القرآن المبين: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الله وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ.
وهي ليلة فيها عظيمة الفخر لمولى المؤمنين بما يوجب مسرة أوليائه المخلصين. وفي صبيحة هذه الليلة صار المشركون إلى باب الغار عند ارتفاع النهار لطلب النبي صلى الله عليه وآله فستره الله تعالى عنهم ، وقلق أبو بكر بن أبي قحافة وكان معه في الغار بمصيرهم إلى بابه ، وظن أنهم سيدركونه فحزن لذلك وجزع ، فسكَّنه النبي صلى الله عليه وآله ورفق به وقوَّى نفسه بما وعده من النجاة منهم وتمام الهجرة له.
وهذا اليوم يتجدد فيه سرور الشيعة بنجاة رسول الله صلى الله عليه وآله من أعدائه وما أظهره الله تعالى من آياته وما أيده به من نصره ، وهو يوم حزن للناصبية لاقتدائهم بأبي بكر في ذلك ، واجتنابهم المسرة في وقت أحزانه.
وفي الليلة الرابعة منه كان خروج النبي صلى الله عليه وآله من الغار متوجهاً إلى المدينة فأقام بالغار وهو في جبل عظيم خارج مكة غير بعيد منها ، إسمه ثَوْر ، ثلاثة أيام وثلاث ليال ، وسار منه فوصل المدينة يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول عند زوال الشمس).
وفي أمالي الطوسي/445، عن ابن عباس قال: (فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وهم جلوس على الباب عددهم خمسة وعشرون رجلاً ، فأخذ حفنة من البطحاء ثم جعل يذرها على رؤوسهم هو يقرأ: يَاسِينْ. وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ.لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ. لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ. وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ. فقال لهم قائل: ما تنظرون قد والله خبتم وخسرتم ، والله لقد مر بكم وما منكم رجل إلا وقد جعل على رأسه تراباً ! فقالوا: والله ما أبصرناه !
واستتبع رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر بن أبي قحافة وهند بن أبي هالة ، فأمرهما أن يقعدا له بمكان ذكره لهما من طريقه إلى الغار ، ولبث رسول الله صلى الله عليه وآله بمكانه مع علي يوصيه ويأمره في ذلك بالصبرحتى صلى العشاءين ، ثم خرج في فحمة العشاء الآخرة والرصد من قريش قد أطافوا بداره ، ينتظرون أن ينتصف الليل وتنام الأعين ، فخرج وهو يقرأ هذه الآية: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ. وأخذ بيده قبضة من تراب فرمى بها على رؤوسهم فما شعر القوم به حتى تجاوزهم ! ومضى حتى أتى إلى هند وأبي بكر فنهضا معه حتى وصلوا إلى الغار ، ثم رجع هند إلى مكة بما أمره به رسول الله صلى الله عليه وآله ودخل رسول الله وأبو بكر إلى الغار.فلما غلق الليل أبوابه وأسدل أستاره وانقطع الأثر، أقبل القوم على علي عليه السلام يقذفونه بالحجارة والحِلَم(العُوَد) ولا يشكُّون أنه رسول الله صلى الله عليه وآله حتى إذا برق الفجر وأشفقوا أن يفضحهم الصبح ، هجموا على علي عليه السلام ، وكانت دور مكة يومئذ سوائب لا أبواب لها ، فلما بصر بهم علي عليه السلام قد انتضوا السيوف وأقبلوا عليه بها ، وكان يقدمهم خالد بن الوليد بن المغيرة ، وثب له علي عليه السلام فختله وهمز يده(عصرها)فجعل خالد يقمص قماص البكر ( يرفس كالفصيل) ويرغو رغاء الجمل ويذعر ويصيح وهم في عرج الدار ( منعطفها) من خلفه ، وشد عليهم علي عليه السلام بسيفه ، فأجفلوا أمامه إجفال النعم إلى ظاهر الدار ، فتبصروه فإذا هو علي عليه السلام فقالوا: إنك لعلي؟ قال: أنا علي.قالوا: فإنا لم نردك فما فعل صاحبك؟ قال: لاعلم لي به! وقد كان علم يعني علياً أن الله تعالى قد أنجى نبيه صلى الله عليه وآله بما كان أخبره ، فأذكت قريش عليه العيون وركبت في طلبه الصعب والذلول.
وأمهل علي عليه السلام حتى إذا أعتم من الليلة القابلة انطلق هو وهند بن أبي هالة حتى دخلا على رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله هنداً أن يبتاع له ولصاحبه بعيرين ، فقال أبو بكر: قد كنت أعددت لي ولك يا نبي الله راحلتين نرتحلهما إلى يثرب. فقال: إني لا آخذهما ولا أحدهما إلا بالثمن. قال: فهي لك بذلك فأمر صلى الله عليه وآله علياً عليه السلام فأقبضه الثمن ، ثم أوصاه بحفظ ذمته وأداء أمانته ، فأمر علياً عليه السلام أن يقيم صارخاً يهتف بالأبطح غدوةً وعشياً: ألا من كان له قبل محمد أمانة أو وديعة ، فليأت فلتؤد إليه أمانته ، وقال النبي صلى الله عليه وآله (كتب إلى علي من المدينة): إنهم لن يصلوا من الآن إليك يا علي بأمر تكرهه حتى تقدم عليَّ ، فأدِّ أمانتي على أعين الناس ظاهراً،ثم إني مستخلفك على فاطمة ابنتي ومستخلف ربي عليكما ومستحفظه فيكما ، وأمره أن يبتاع رواحل له وللفواطم ومن أزمع للهجرة معه من بني هاشم).
ورووا أن المهاجرين كانوا أربعة أشخاص على بعيرين وأنهم ترادفوا أو تعاقبوا.
لكن الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله هاجر على ناقته القصواء ، واشترى بعيراً من أبي بكر لدليله ابن أريقط ، فلما مات استأجر له بعيراً آخر. وهاجر أبو بكر على بعيره وكان يتعاقب عليه مع ابن فهيرة. فتكون الرواحل ثلاثة.
والنبي صلى الله عليه وآله لم يقبل من أبي بكر بعيراً إلا بثمنه ، فكيف يزعمون أنه كان ينفق عليه !
قال في فتح الباري(7/183): (عن بعض شيوخ المغرب أنه سئل عن امتناعه من أخذ الراحلة مع أن أبا بكر أنفق عليه ماله ! فقال: أحب أن لا تكون هجرته إلا من مال نفسه) !
أقول: لكن البعير الذي اشتراه من أبي بكر لدليله مات في الطريق ! قال في أسد الغابة (1/147و:3/10): وقفَ عليهم بعض ظهرهم ، وفي بعضها أعيا).
قال ابن هشام (2/340): ( فحمل رسول الله (ص) رجل من أسلم يقال له أوس بن حجر على جمل له إلى المدينة وبعث معه غلاماً له يقال له مسعود بن هنيدة (ليرد له بعيره كما صرح في الدرر) ثم خرج بهما دليلهما من العرج فسلك بهما ثنية الغائر عن يمين رَكوبة. حتى هبط بهما بطن رئم ثم قدم بهما قباء على بني عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الإثنين حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل). (الدرر /37).

جعلت قريش جائزة لمن قبض على النبي صلى الله عليه وآله !

قال الإمام الصادق عليه السلام (الكافي:8/263): (إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما خرج من الغار متوجهاً إلى المدينة وقد كانت قريش جعلت لمن أخذه مائة من الإبل ، فخرج سراقة بن مالك بن جعشم فيمن يطلب فلحق برسول الله صلى الله عليه وآله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : اللهم اكفني شر سراقة بما شئت ، فساخت قوائم فرسه ! فثنى رجله ثم اشتدَّ (راكضاً) فقال: يا محمد إني علمت أن الذي أصاب قوائم فرسي إنما هو من قبلك ، فادع الله أن يطلق لي فرسي، فلعمري إن لم يصبكم مني خير لم يصبكم مني شر، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله فأطلق الله عز وجل فرسه ، فعاد في طلب رسول الله صلى الله عليه وآله حتى فعل ذلك ثلاث مرات ! كل ذلك يدعو رسول الله صلى الله عليه وآله فتأخذ الأرض قوائم فرسه ! فلما أطلقه في الثالثة قال: يا محمد هذه إبلي بين يديك فيها غلامي ، فإن احتجت إلى ظهر أو لبن فخذ منه ، وهذا سهم من كنانتي علامة ! فقال صلى الله عليه وآله : لا حاجة لنا فيما عندك).
وكان سراقة من زعماء بني مدلج من كنانة ( الطبري: 2 / 138).
وبنو مدلج مزارعون في بطن ينبع. ( المحبر / 110).
وكان سراقة كبقية زعماء كنانة حليفاً لقريش ، وقد تصور الشيطان بصورته في بدر ! (مغازي الواقدي / 38).
ولم يُسلم سراقة مع أنه رأى هذه المعجزة ، ونجَّاه الله من الخسف !
وزعم سراقة كذباً أنه أسلم بعد ثمان سنين وأن النبي صلى الله عليه وآله كان كتب له كتاباً ! قال: (حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله (ص) وفرغ من حنين والطائف ، خرجت ومعي الكتاب لألقاه فلقيته بالجعرانة ، قال: فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار.قال فجعلوا يقرعونني بالرماح ويقولون: إليك إليك ما تريد؟ قال: فدنوت من رسول الله(ص) وهو على ناقته والله لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه كأنها جمارة (لب النخل) قال: فرفعت يدي بالكتاب ثم قلت: يا رسول الله هذا كتابك لي أنا سراقة بن جعشم. قال: فقال رسول الله: يوم وفاء وبِر، أُدْنُهْ قال فدنوت منه فأسلمت).
( سيرة ابن هشام: 2 / 338).
وكان عمر يحب سراقة ، وأعطاه من غنائم فارس سوارين من كنز كسرى وبرروا فعل عمر بأن النبي صلى الله عليه وآله نظر إلى ذراعي سراقة وقال: كأني بك وقد لبست سواري كسرى ! (الشافعي في الأم:4/165). وكل هذا لأن سراقة حليف الطلقاء !
وفي الخرائج(1/ 145) والثاقب في المناقب/109: (فلما قرب قال صلى الله عليه وآله : اللهم خذه فارتطم فرسه في الأرض فصاح يا محمد خلص فرسي لاسعيت لك في مكروه بعدها ، وعلم أن ذلك بدعاء محمد صلى الله عليه وآله فقال: اللهم إن كان صادقاً فخلصه فوثب الفرس.فقال: يا أبا القاسم ستمر برعاتي وعبيدي فخذ سوطي ، فكل من تمرُّ به خذ ما شئت فقد حكمتك في مالي. فقال صلى الله عليه وآله : لا حاجة لي في مالك. قال: فسلني حاجة. قال صلى الله عليه وآله : رد عنا من يطلبنا من قريش. فانصرف سراقة فاستقبله جماعة من قريش في الطلب فقال لهم: انصرفوا عن هذا الطريق فلم يمر فيه أحد ، وأنا أكفيكم هذا الطريق ، فعليكم بطريق اليمن والطائف).

كيف أخذ النبي صلى الله عليه وآله أبا بكر معه؟

زعمت عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله كان يذهب الى بيت أبي بكر في مكة من أول أمره رغم أنه كان مستهدفاً من قريش ، وأنه اتفق معه على الهجرة ، واشترى له أبو بكر بعيراً ، وأن النبي صلى الله عليه وآله جاء الى بيت أبي بكر وهاجر معه من هناك ، وأن أسماء بنت أبي بكر كانت تأخذ له الزاد الى الغار فسميت ذات النطاق لأنها تحزم على وسطها نطاقاً لحمل الزاد الى غار الهجرة ، مع أن أسماء كانت مع زوجها الزبير في المدينة.
ولا يصح شيئ مما قالته عائشة ! بل نص في السيرة الحلبية على أن أبا بكر جاء ليلة الهجرة يسأل عن النبي صلى الله عليه وآله .
ففي السيرة الحلبية (2/205): (وقال له أي لعلي: إذا أبرمت ما أمرتك به كن على أهبة الهجرة إلى الله ورسوله بقدوم كتابي عليك. وإذا جاء أبو بكر توجهه خلفي نحو بئر أم ميمون).
وفي شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني النيشابوري (1/127): (أنامَ رسول الله صلى الله عليه وآله علياً عليه السلام على فراشه ليلة انطلق إلى الغار ، فجاء أبو بكر يطلب رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره علي عليه السلام أنه قد انطلق فاتبعه).
وفي الخرائج (1/144): (قال علي عليه السلام : فدعاني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إن قريشاً دبرت كيت وكيت في قتلي ، فنم على فراشي حتى أخرج أنا من مكة فقد أمرني الله تعالى بذلك. فقلت له: السمع والطاعة ، فنمت على فراشه وفتح رسول الله صلى الله عليه وآله الباب وخرج عليهم وهم جميعاً جلوس ينتظرون الفجر وهو يقول: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ.
ومضى وهم لا يرونه ، فرأى أبا بكر قد خرج في الليل يتجسس عن خبره ، وقد كان وقف على تدبير قريش من جهتهم ، فأخرجه معه إلى الغار).
قال في الصحيح من السيرة (4 /212): (ولعل الصحيح هو الرواية التي تقول إن النبي صلى الله عليه وآله قد لقي أبا بكر في الطريق ، وكان أبو بكر قد خرج ليتنسم الأخبار ، وربما يكون استصحبه معه لكي لايسأله سائل إن كان قد رأى رسول الله صلى الله عليه وآله فيقر لهم بأنه رآه ، ثم يدلهم على الطريق التي سلكها ، خوفاً من أذاهم).
هذا، وفي الموضوع بحث في تفسير آية: إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاتَحْزَنْ..وهو خارج عن كتابنا.
وفي الكافي (8/340): (فقال سعيد بن المسيب لعلي بن الحسين عليه السلام : جعلت فداك كان أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وآله حين أقبل إلى المدينة فأين فارقه ؟ فقال: إن أبا بكر لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى قبا فنزل بهم ينتظر قدوم علي فقال له أبو بكر: إنهض بنا إلى المدينة فإن القوم قد فرحوا بقدومك وهم يستريثون إقبالك إليهم فانطلق بنا ولا تقم ههنا تنتظر علياً فما أظنه يقدم عليك إلى شهر !
فقال له: كلا ما أسرعه ولست أريم حتى يقدم ابن عمي وأخي في الله عز وجل ، وأحب أهل بيتي إليَّ ، فقد وقاني بنفسه من المشركين. قال:فغضب عند ذلك أبو بكر واشمأز وداخله من ذلك حسد لعلي عليه السلام وكان ذلك أول عداوة بدت منه لرسول الله صلى الله عليه وآله في علي وأول خلاف على رسول الله فانطلق حتى دخل المدينة ، وتخلف رسول الله صلى الله عليه وآله بقُبا ينتظر علياً عليه السلام ).

أخرج من هذه القرية الظالم أهلها وانصب لهم حرباً  !

روى في الكافي (8/233) بسند صحيح عن سعيد بن المسيب قال: سألت علي بن الحسين عليه السلام الى أن قال: فلما فقدهما رسول الله (خديجة وأبا طالب عليهما السلام ) سئم المقام بمكة ودخله حزن شديد وأشفق على نفسه من كفار قريش فشكا إلى جبرئيل عليه السلام ذلك ، فأوحى الله عز وجل إليه: أخرج من القرية الظالم أهلها وهاجر إلى المدينة ، فليس لك اليوم بمكة ناصر، وانصب للمشركين حرباً. فعند ذلك توجه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة).
فحروب قريش والمشركين كلها كانت بأمر الله عز وجل لأن من حق النبي صلى الله عليه وآله أن يقاتل قريشاً لينتزع حريته في التبليغ ، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله في معركة بدر لحمزة وعلي وعبيدة: (قوموا: قاتلوا على حقكم الذي بعث الله به نبيكم ، إذ جاؤوا بباطلهم ليطفؤوا نور الله). ( المناقب:1 / 162).
وفي نقض العثمانية (1/283): (فقال النبي صلى الله عليه وآله لأهله الأدنين: قوموا يا بني هاشم فانصروا حقكم الذي آتاكم الله ، على باطل هؤلاء).
وحق النبي صلى الله عليه وآله وبني هاشم أن يبلغ نبيهم رسالة ربه بحرية ويقاتل من سلبه حريته. كما أن من حقه أن يتخذ كل الإجراءات اللازمة لحماية نفسه.

  • *

الفصل الثالث عشر - النبي صلى الله عليه وآله من الأساس في حالة حرب مع قريش

حروب النبي صلى الله عليه وآله مشروعة لاسترداد حريته في الدعوة

كان من حق النبي صلى الله عليه وآله أن يقاتلهم لينتزع منهم حريته في التبليغ ، وقد استند الى ذلك في معركة بدر كما تقدم فقال لبني هاشم: (قاتلوا على حقكم الذي بعث الله به نبيكم ، إذ جاؤوا بباطلهم ليطفؤوا نور الله).( المناقب:1/162).
كما أن من حقه أن يكون حراً في تفنيد افتراءهم وبهتانهم عليه وعلى رسالته ، وأن يتخذ كل الإجراءات اللازمة لحماية نفسه.

رتب النبي صلى الله عليه وآله أمرالمدينة وبدأ يبعث السرايا لمواجهة قريش !

وبدأ النبي صلى الله عليه وآله بإرسال السرايا لمواجهة قوافل قريش من السنة الأولى لهجرته. وقال ابن سعد إن عدد السرايا كان سبعاً وأربعين سرية صغيرة وكبيرة ، وقال الأكثر إنها كانت خمساً وثلاثين. والسرية تطلق على رجلين فأكثر، وقد سموا جيش مؤتة وجيش أسامة وغيرهما سرية مع أنهما جيش كبير.
كما أن المشهور التفريق بين السرية والغزوة بأن الغزوة يشارك فيها النبي صلى الله عليه وآله بنفسه بعكس السرية ، لكنه تفريق غير مطرد.

حروب النبي صلى الله عليه وآله مشروعة لاسترداد حريته في الدعوة

قال الواقدي في المغازي (1/11) ملخصاً: (وكانت سرية حمزة بن عبد المطلب في رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجرة النبي (ص) بعثه في ثلاثين راكباً خمسة عشر من المهاجرين ، وخمسة عشر من الأنصار ، فبلغوا سيف البحر يعترض لعير قريش قد جاءت من الشام تريد مكة فيها أبو جهل في ثلاث مائة راكب من أهل مكة. فالتقوا حتى اصطفوا للقتال فمشى بينهم مجدي بن عمرو وكان حليفاً للفريقين جميعاً ، فلم يزل يمشى إلى هؤلاء وإلى هؤلاء حتى انصرف القوم وانصرف حمزة راجعاً إلى المدينة ، وتوجه أبو جهل إلى مكة ولم يكن بينهم قتال. ثم عقد لواء لعبيدة بن الحارث في شوال على رأس ثمانية أشهر إلى رابغ ، ورابغ على عشرة أميال من الجحفة وأنت تريد قديداً ، فخرج في ستين راكباً فلقي أبا سفيان بن حرب على ماءٍ له أحياء من بطن رابغ وأبو سفيان يومئذ في مائتين. فأسرعوا نحو مكة.
أقول: زعم سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وآله أرسله الى الخرار في الجحفة في عشرين رجلاً مشياً على أقدامهم ، فوجدوا قافلة قريش مرت فرجعوا.
ثم كانت غزوة الأبواء وفيها رسول الله صلى الله عليه وآله ، في صفر ، على رأس أحد عشر شهراً يعترض لعير قريش فلم يلقهم ، فوادع بني ضمرة من كنانة على ألا يكثروا عليه ، ولا يعينوا عليه أحداً.
ثم كانت غزوة بواط على رأس ثلاثة عشر شهراً من هجرته صلى الله عليه وآله يعترض عير قريش فيها أمية بن خلف ومائة رجلٍ من قريش ، وألفان وخمس مائة بعير، فوجدهم قد مروا فرجع ولم يلق كيداً.
ثم كانت غزوة بدرالأولى على رأس ثلاثة عشر شهراً ، في طلب كرز بن جابر الفهري أغار على سرح المدينة ، ولم يدركه.
ثم كانت غزوة ذي العشيرة على رأس ستة عشر شهراً يعترض لعيرات قريش في خمسين ومائة رجل فلم يدركها ، وهي غزوة ذي العشيرة.
ثم كانت سرية نخلة أميرها عبد الله بن جحش ونخلة وادي بستان ابن عامر، في رجب على رأس سبعة عشر شهراً.
ثم دعاني فأعطاني صحيفةً من أديمٍ خولاني فقال: قد استعملتك على هؤلاء النفر فامض حتى إذا سرت ليلتين فانشر كتابي ثم امض لما فيه. قلت: يا رسول الله أي ناحية فقال: أسلك النجدية تؤم ركية قال: فانطلق حتى إذا كان ببئر ابن ضميرة نشر الكتاب فقرأه فإذا فيه: سر حتى تأتي بطن نخلة على اسم الله وبركاته ، ولا تكرهن أحداً من أصحابك على المسير معك ، وامض لأمري فيمن تبعك حتى تأتي بطن نخلة فترصد بها عير قريش. فلما قرأ عليهم الكتاب قال: لست مستكرهاً منكم أحداً فمن كان يريد الشهادة فليمض لأمر رسول الله (ص) ومن أراد الرجعة فمن الآن ! فقالوا أجمعون: نحن سامعون ومطيعون لله ورسوله ولك ، فسر على بركة الله حيث شئت، فسار حتى جاء نخلة فوجد عيراً لقريش فيها عمرو بن الحضرمي ، والحكم بن كيسان المخزومي ، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومي ، ونوفل بن عبد الله المخزومي. فلما رأوهم أصحاب العير هابوهم وأنكروا أمرهم.
وتشاور أصحاب رسول الله (ص) في أمرهم وكان آخر يوم من رجب ويقال أول يوم من شعبان فقالوا: إن أخرتم عنهم هذا اليوم دخلوا الحرم فامتنعوا وإن أصبتموهم ففي الشهر الحرام. وقال قائل: لا ندري أمن الشهر الحرام هذا اليوم أم لا. فخرج واقد ابن عبد الله يقدم القوم قد أنبض قوسه وفوَّقَ بسهمه فرمى عمرو بن الحضرمي وكان لا يخطى رميته بسهم فقتله.
وشد القوم عليهم فاستأسر عثمان بن عبد الله بن المغيرة ، وحكم بن كيسان وأعجزهم نوفل بن عبد الله بن المغيرة ، واستاقوا العير.
فقدمنا به على رسول الله (ص) فجعل رسول الله (ص) يدعوه إلى الإسلام فأطال رسول الله (ص)كلامه فقال عمر بن الخطاب: تكلم هذا يا رسول الله والله لا يسلم هذا آخر الأبد دعني أضرب عنقه ويقدم إلى أمه الهاوية ! فجعل النبي (ص) لا يقبل على عمر حتى أسلم الحكم وحسن إسلامه ، وجاهد في الله حتى قتل شهيداً يوم بئر معونة ، ورسول الله(ص)راضٍ عنه ودخل الجنان.
قالوا: واستاقوا العير وكانت العير فيها خمرٌ وأدمٌ وزبيبٌ جاءوا به من الطائف فقدموا به على النبي (ص) فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام فقد أصاب الدم والمال ، وقد كان يحرِّم ذلك ويعظمه.
فلما قدموا على رسول الله (ص) وقف على العير فلم يأخذ منها شيئاً ، وحبس الأسيرين ، وقال لأصحابه: ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام).

  • *

خلاصة غزوات الرسول صلى الله عليه وآله وسراياه لمحمد بن سعد

وهو صاحب كتاب الطبقات وكاتب الواقدي المؤرخ.وقد رأينا أن نقدم خلاصته لكتابه: غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسراياه ، في هذا الفصل:
كان عدد مغازي رسول الله(ص)التي غزا بنفسه سبعاً وعشرين غزوة ، وكانت سراياه التي بعث بها سبعاً وأربعين سرية ، وكان ما قاتل فيه من المغازي تسع غزوات: بدر القتال ، وأحُد ، والمريسع ، والخندق ، وقريظة ، وخيبر ، وفتح مكة ، وحنين والطائف. فهذا ما اجتمع لنا.
قالوا: وقدم رسول الله(ص)المدينة حين هاجر من مكة فكان أول لواء عقده لحمزة بن عبد المطلب بن هاشم في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجر رسول الله (ص) لواء أبيض ، في ثلاثين رجلاً من المهاجرين يعترض لعير قريش قد جاءت من الشام تريد مكة ، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاث مائة رجل فبلغوا سيف البحر، فالتقوا حتى اصطفوا للقتال فمشى مجدي بن عمرو الجهني ، وكان حليفاً للفريقين جميعاً ، إلى هؤلاء مرة وإلى هؤلاء مرة حتى حجز بينهم ولم يقتتلوا ، فتوجه أبو جهل في أصحابه وعيره إلى مكة ، وانصرف حمزة بن عبد المطلب في أصحابه إلى المدينة.
ثم سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف ، إلى بطن رابغ.
ثم سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار في ذي القعدة ، على رأس تسعة أشهر من مهاجر رسول الله (ص).
ثم غزوة رسول الله(ص) الأبواء على رأس اثني عشر شهراً من مهاجره.
واستخلف على المدينة سعد بن عبادة ، وخرج في المهاجرين ليس فيهم أنصاري ، حتى بلغ الأبواء يعترض لعير قريش فلم يلق كيداً ، وهي غزوة ودان ، وهي أول غزوة غزاها بنفسه. وفي هذه الغزوة وادع مخشي بن عمرو الضمري ، على أن لا يغزو بني ضمرة ولا يغزوه ، ولا يكثروا عليه جمعاً ، ولا يعينوا عدواً ، وكتب بينه وبينهم كتاباً.
ثم غزوة رسول الله بواط في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهراً من مهاجره ، واستخلف على المدينة سعد بن معاذ ، وخرج في مائتين من أصحابه يعترض لعير قريش ، فيها أمية بن خلف الجمحي ومائة رجل من قريش ، وألفان وخمسمائة بعير ، فلم يلق كيداً فرجع إلى المدينة.
ثم غزوة رسول (ص)الله لطلب كرز بن جابر الفهري ، في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهراً من مهاجره وحمل لواءه علي بن أبي طالب ، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة ، وكان كرز بن جابر قد أغار على سرح المدينة فاستاقه ، فطلبه رسول الله وفاته كرز بن جابر فلم يلحقه ، فرجع (ص).
وأما سراياه في السنة الثانية:
منها سرية عبيدة بن الحارث ، بعثها في ستين راكباً من المهاجرين فالتقى مع المشركين ، فوقعت بينهم الرماية ، وعلى المشركين أبو سفيان.
وسرية سعد بن أبي وقاص في ثمانية رهط ، فرجع ولم يلق كيداً.
وسرية عبد الله بن جحش في آخر رجب مع جماعة ، إلى نخلة .
وسرية عمير بن عدي بن خرشة ، إلى عصماء بنت مروان اليهودي لخمس ليال مضين من شهر رمضان ، وكانت تعيب المسلمين وتؤذي رسول الله (ص) فجاء إليها وقتلها ليلاً ورجع.
وسرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني سليم وغطفان ، فقتلوا واستشهد من المسلمين ثلاثة نفر.
وأما سراياه صلى الله عليه وآله في السنة الثالثة:
سرية زيد بن حارثة ، وتسمى سرية القِرَدة ، وهي اسم موضع على ليلتين من المدينة ، كما في المجمع. أمره رسول الله صلى الله عليه وآله على مائة راكب لنهب قافلة المشركين ، فجاء وقتل كبارهم وساداتهم وأخذ الأموال والأثقال ، فجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في المدينة.
وسرية محمد بن مسلمة مع جماعة لقتل كعب بن أشرف اليهودي. فذهب فقتلوه ، وأراح الله رسول الله صلى الله عليه وآله منه.
ثم رجعوا فأصبحت اليهود مذعورين فجاؤوا النبي فقالوا: قتل سيدنا غيلةً ! فذكرهم النبي صنيعه وما كان يحض عليهم ، ويحرض في قتالهم ويؤذيهم ، ثم دعاهم إلى أن يكتبوا بينه وبينهم صلحاً.
ثم غزوة رسول الله (ص) غطفان إلى نجد وهي ذو أمر ، ناحية النخيل ، في شهر ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهراً من مهاجره ، وذلك أنه بلغ رسول الله (ص) أن جمعاً من بني ثعلبة ومحارب بذي أمر ، قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله ، جمعهم رجل منهم يقال له دعثور بن الحارث من بني محارب ، فندب رسول الله (ص) المسلمين وخرج لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول ، في أربع مائة وخمسين رجلاً ومعهم أفراس ، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان ، فأصابوا رجلاً منهم بذي القصة يقال له جبار من بني ثعلبة ، فأدخل على رسول الله فأخبره من خبرهم وقال: لن يلاقوك لو سمعوا بمسيرك هربوا في رؤوس الجبال وأنا سائر معك ، فدعاه رسول الله إلى الإسلام فأسلم وضمه رسول الله إلى بلال ولم يلاق رسول الله أحداً إلا أنه ينظر إليهم في رؤوس الجبال. وأصاب رسول الله وأصحابه مطر فنزع رسول الله ثوبيه ونشرهما ليجفا وألقاهما على شجرة واضطجع ، فجاء رجل من العدو يقال له دعثور بن الحارث ومعه سيف حتى قام على رأس رسول الله ، ثم قال: من يمنعك مني اليوم؟ قال رسول الله: الله ! ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده فأخذه رسول الله (ص) وقال له: من يمنعك مني؟ قال: لا أحد ! أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ! ثم أتى قومه فجعل يدعوهم إلى الإسلام ونزلت هذه الآية فيه: يَا أيّهَا الّذينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نعمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إذْ هَمّ قَوْمٌ.. الآية. ثم أقبل رسول الله إلى المدينة ولم يلق كيداً ، وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة.
ثم غزوة رسول الله(ص)بني سليم ببحران على رأس سبعة وعشرين شهراً من مهاجره ، وذلك أنه بلغه أن بها جمعاً من بني سليم كثيراً ، فخرج في ثلاث مائة رجل من أصحابه واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، وأغذ السير حتى ورد بحران فوجدهم قد تفرقوا في مياههم ، فرجع ولم يلق كيداً ، وكانت غيبته عشر ليال.
ثم سرية زيد بن حارثة إلى القرَدة من أرض نجد ، بين الربذة والغمرة ناحية ذات عرق ، بعثه رسول الله(ص)يعترض لعير قريش ، فيها صفوان بن أمية وحويطب بن عبد العزى وعبد الله بن أبي ربيعة ، ومعه مال كثير نقر وآنية فضة ، وزن ثلاثين ألف درهم. وكان دليلهم فرات بن حيان العجلي ، فخرج بهم على ذات عرق طريق العراق ، فبلغ رسول الله(ص)أمرهم فوجه زيد بن حارثة في مائة راكب فاعترضوا لها فأصابوا العير وأفلت أعيان القوم ، وقدموا بالعير على رسول الله (ص) فخمسها فبلغ الخمس فيه عشرين ألف درهم ، وقسم ما بقي على أهل السرية ، وأسر فرات بن حيان فأتي به النبي(ص) فقيل له: إن تسلم تترك ، فأسلم فتركه رسول الله من القتل.
ثم غزوة رسول الله(ص)أُحُداً يوم السبت لسبع ليال خلون من شوال ، على رأس اثنين وثلاثين شهراً من مهاجره.
ثم غزوة رسول الله(ص) حمراء الأسد ، يوم الأحد لثماني ليال خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهراً من مهاجره. قالوا: لما انصرف رسول الله(ص) من أحد مساء يوم السبت ، بات تلك الليلة على بابه ناس من وجوه الأنصار وبات المسلمون يداوون جراحاتهم ، فلما صلى رسول الله (ص) الصبح يوم الأحد أمر بلالاً أن ينادي أن رسول الله يأمركم بطلب عدوكم ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس ، فقال جابر بن عبد الله: إن أبي خلفني يوم أحُد على أخوات لي ، فلم أشهد الحرب فأذن لي أن أسير معك ، فأذن له رسول الله (ص) فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال غيره.
ودعا رسول الله (ص) بلوائه وهو معقود لم يحل فدفعه إلى علي بن أبي طالب ، ويقال إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ، وخرج وهو مجروح في وجهه ومشجوج في جبهته ورباعيته قد شظيت وشفته السفلى قد كلمت في باطنها ، وهو متوهن منكبه الأيمن من ضربة ابن قميئة ، وركبتاه مجحوشتان ، وحشد أهل العوالي ونزلوا حيث أتاهم الصريخ وركب رسول الله (ص) فرسه وخرج الناس معه ، فبعث ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم ، فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الأسد ، وهي من المدينة على عشرة أميال طريق العقيق متياسرةً عن ذي الحليفة إذا أخذتها في الوادي، وللقوم زجل وهم يأتمرون بالرجوع وصفوان بن أمية ينهاهم عن ذلك فبصروا بالرجلين فعطفوا عليهما فَعَلَوْهما ومضوا ومضى رسول الله (ص) بأصحابه حتى عسكروا بحمراء الأسد فدفن الرجلين في قبر واحد ، وهما القرينان ، وكان المسلمون يوقدون تلك الليالي خمس مائة نار حتى ترى من المكان البعيد ، وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم في كل وجه ، فكبت الله تبارك وتعالى بذلك عدوهم. فانصرف رسول الله (ص) إلى المدينة فدخلها يوم الجمعة وقد غاب خمس ليال ، وكان استخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم.
سرية أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي.
ثم سرية أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي إلى قطن ، وهو جبل بناحية فيد به ماء لبني أسد بن خزيمة ، في هلال المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهراً من مهاجر رسول الله (ص). وذلك أنه بلغ رسول الله(ص)أن طليحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوانهم إلى حرب رسول الله (ص). فدعا رسول الله أبا سلمة وعقد له لواءً ، وبعث معه مائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار وقال: سر حتى تنزل أرض بني أسد فأغر عليهم قبل أن تلاقى عليك جموعهم ، فخرج فأغذَّ السير ونكب عن سنن الطريق وسبق الأخبار وانتهى إلى أدنى قطن ، فأغار على سرح لهم فضموه وأخذوا رعاءً لهم مماليك ثلاثةً ، وأفلت سائرهم فجاؤوا جمعهم فحذروهم فتفرقوا في كل ناحية ففرق أبو سلمة أصحابه ثلاث فرق في طلب النعم والشاء فآبوا إليه سالمين قد أصابوا إبلاً وشاءً ولم يلقوا أحداً ، فانحدر أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة.
ثم سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي بعرنة. خرج من المدينة يوم الإثنين لخمس خلون من المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهراً من مهاجر رسول الله(ص)وذلك أنه بلغ رسول الله(ص)أن سفيان بن خالد الهذلي ثم اللحياني وكان ينزل عرنة وما والاها في ناس من قومه وغيرهم ، قد جمع الجموع لرسول الله(ص)فبعث رسول الله ، عبد الله بن أنيس ليقتله فقال: صفه لي يا رسول الله ، قال: إذا رأيته هبته وفرقت منه وذكرت الشيطان ، قال: وكنت لا أهاب الرجال.
واستأذنت رسول الله(ص)أن أقول فأذن لي فأخذت سيفي وخرجت أعتزي إلى خزاعة حتى إذا كنت ببطن عرنة لقيته يمشي ووراءه الأحابيش ومن ضوى إليه ، فعرفته بنعت رسول الله (ص) وهيئته فرأيتني أقطر فقلت: صدق الله ورسوله ، فقال: من الرجل؟ فقلت: رجل من خزاعة سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك. قال:أجل إني لأجمع له ، فمشيت معه وحدثته واستحلى حديثي حتى انتهى إلى خبائه ، وتفرق عنه أصحابه ، حتى إذا هدأ الناس وناموا اغتررته فقتلته وأخذت رأسه ، ثم دخلت غاراً في الجبل وضربت العنكبوت علي ، وجاء الطلب فلم يجدوا شيئاً فانصرفوا راجعين. ثم خرجت فكنت أسير الليل وأتوارى بالنهار حتى قدمت المدينة فوجدت رسول الله (ص)في المسجد فلما رآني قال: أفلح الوجه ! قلت: أفلح وجهك يا رسول الله !
ثم سرية المنذر بن عمرو الساعدي إلى بئر معونة في صفر على رأس ستة وثلاثين شهراً من مهاجره (ص) وعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد وقال: لو بعثت معي نفراً من أصحابك إلى قومي لرجوت أن يجيبوا دعوتك ويتبعوا أمرك ، فقال: إني أخاف عليهم أهل نجد. فقال: أنا لهم جار إن يعرض لهم أحد. فبعث معه رسول الله(ص)سبعين رجلاً من الأنصارشببةً (شباناً) يسمون القراء وأمر عليهم المنذر بن عمرو الساعدي ، فلما نزلوا ببئر معونة ، وهو ماء من مياه بني سليم وهو بين أرض بني عامر وأرض بني سليم ، كلا البلدين يعد منه وهو بناحية المعدن ، نزلوا عليها وعسكروا بها وسرحوا ظهرهم وقدموا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله(ص) إلى عامر بن الطفيل ، فوثب على حرام فقتله ، واستصرخ عليهم بني عامر فأبوا وقالوا: لا يخفر جوار أبي براء ، فاستصرخ عليهم قبائل من سليم عصية ورعلاً وذكوان، فنفروا معه فكاثروهم فتقاتلوا فقتل أصحاب رسول الله(ص)وفيهم سليم بن ملحان والحكم بن كيسان في سبعين رجلاً ، فلما أحيط بهم قالوا: اللهم إنا لا نجد من يبلغ رسولك منا السلام غيرك ، فأقرئه منا السلام، فأخبره جبرائيل بذلك فقال: وعليهم السلام).
وأما سراياه صلى الله عليه وآله في السنة الرابعة:
سرية الرجيع وتسمى غزوة الرجيع.واختلفوا هل كانت في السنة الثالثة أو الرابعة.
وسرية أبي سلمة المخزومي، وذلك حين أراد جماعة من المشركين أن يغيروا أموال أهل المدينة ومواشيهم. فبعثه رسول الله مع جماعة تبلغ مائة وخمسين لدفعهم.
وأما سراياه صلى الله عليه وآله في السنة الخامسة:
فسرية أبي عبيدة بن الجراح مع جماعة إلى سيف البحر.
وأما سراياه في السنة السادسة:
فسرية عكاشة بن محصن في شهر ربيع الأول مع أربعين رجلا إلى الغمرة وبكر القوم فهربوا وأصاب مائتي بعير لهم فساقها إلى المدينة.
وسرية أبي عبيدة بن الجراح إلى القصة في أربعين رجلاً ، فأغار عليهم وأعجزوه هرباً في الجبال ، وأصابوا رجلاً واحداً وأسلم.
وسرية زيد إلى الجموم أرض بني سلم فأصابوا أموالاً وأسرى.
وسريته الأخرى إلى العيص في جمادى الأولى.
وسريته الأخرى إلى الطرف إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلاً، فهربوا وأصاب منهم عشرين بعيراً.
وسريته الأخرى إلى واد القرى في رجب.
وسرية مولانا علي بن أبي طالب إلى بني عبد الله بن سعد من أهل فدك.
وسرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في شعبان ، وأسلم القوم.
وسرية عبد الله بن عتيك مع جماعة لقتل أبي رافع اليهودي الذي كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله ويعين عليه.
وسرية كرز بن جابر الفهري مع عشرين لقتل ثمانية قتلوا راعي رسول الله وقطعوا يده ورجله وغرسوا الشوك في لسانه وعينه حتى مات. فأرسلهم رسول الله صلى الله عليه وآله فأحاطوا لهم ، وأسروهم وربطوهم حتى قدموا بهم المدينة .
وسرية محمد بن مسلمة في عشرة فوارس إلى بني ثعلبة بن سعد. فكمنوا له فظهروا عليهم فقتلوا أصحابه ونجا هو وحده جريحاً.
وسرية زيد بن حارثة إلى خمس في جمادى الآخرة.
وأما سراياه في السنة السابعة:
فسرية عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكباً إلى البشر بن رزام اليهودي.
وسرية بشر والد النعمان الأنصاري إلى بني مرة في ثلاثين رجلاً ، أصيب أصحابه وارتث في القتلى ، ثم رجع إلى المدينة.
وسرية غالب بن عبد الله الليثي إلى أرض بني مرة.
وسرية غالب بن عبد الله الأخرى في مائة وثلاثين راكباً إلى بني عبد بن ثعلبة ، فأغارعليهم واستاق الغنم إلى المدينة.
وسرية بشر بن سعد إلى نمر وصاب في شوال.
وسرية عبد الله بن أبي العوجاء إلى بني سليم ، فأصيب هو وأصحابه.
وأما سراياه في السنة الثامنة:
فسرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح.
وسرية عمرو بن كعب الغفاري إلى ذات أطلاح في ناح المشركين.
وسرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح وهي من وراء وادي القرى ، في خمسة عشر رجلاً ، فوجدوا جمعهم كثيراً ، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل ، فقاتلوهم أشد القتال حتى قتلوا وأفلت منهم رجل جريح ، فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره الخبر فشق ذلك عليه ، وهمَّ بالبعث إليهم فبلغه أنهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم.
أقول: وقد عدَّ ابن سعد حرب مؤتة سرية وكانت جيشاً من ثلاثة آلاف. وجعل قائدها ابن حارثة وهو القائد الثاني ، والقائد الأول جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه.
ثم ذكر سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل. وقد بينا كذبها وأن غزوة ذات السلاسل كانت لبني سليم بقيادة علي عليه السلام ، وفيها نزلت سورة العاديات. وقد وثقنا ذلك في السيرة النبوية عند أهل البيت عليهم السلام .
ثم سرية الخبط أميرها أبو عبيدة بن الجراح في ثلاث مائة رجل إلى حي من جهينة بالقبلية مما يلي ساحل البحر ، وبينها وبين المدينة خمس ليال ، فأصابهم في الطريق جوع شديد فأكلوا الخبط ، وابتاع قيس بن سعد جزراً ونحرها لهم وانصرفوا ولم يلقوا كيداً.
ثم سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضرة ، وهي أرض محارب بنجد ، ومعه خمسة عشر رجلاً إلى غطفان فهجم على حاضر منهم عظيم فأحاط بهم وقاتل منهم رجال فقتلوا من أشرف لهم واستاقوا النعم ، فكانت الإبل مائتي بعير والغنم ألفي شاة وسبوا سبياً كثيراً ، وجمعوا الغنائم فأخرجوا الخمس فعزلوه ، وقسموا ما بقي على أهل السرية ، فأصاب كل رجل منهم اثنا عشر بعيراً فعدل البعير بعشر من الغنم ، وصارت في سهم أبي قتادة جارية وضيئة فاستوهبها منه رسول الله ، فوهبها له فوهبها رسول الله لمحمية بن جزء ، وغابوا في هذه السرية خمس عشرة ليلة.
ثم سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري في ثمانية نفر إلى بطن إضم فيما بين ذي خشب وذي المروة ، وبينها وبين المدينة ثلاثة برد ، ليظن ظان أن رسول الله توجه إلى تلك الناحية  ، ولأن تذهب بذلك الأخبار وكان في السرية محلم بن جثامة الليثي ، فمر عامر بن الأضبط الأشجعي فسلم بتحية الإسلام فأمسك عنه القوم وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله وسلبه بعيره ومتاعه ووطب لبن كان معه ، فلما لحقوا بالنبي نزل فيهم القرآن: يا أيّهَا الّذينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيّنُوا وَلا تَقُولوا لِمَنْ ألْقَى إلَيْكُمُ السّلامَ لَسْتَ مُؤمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَوةِ الدّنْيا فَعِنْدَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ.. فمضوا ولم يلحقوا جمعاً ، فبلغهم أن رسول الله (ص) توجه إلى مكة فأخذوا على يبين حتى لقوا النبي (ص) بالسُّقيا.

هدف سرايا رسول الله صلى الله عليه وآله

هدف النبي صلى الله عليه وآله من سراياه أمران:
الأول: حماية المدينة من أنواع الأعداء ، لأن محيطها وكل جزيرة العرب كان مجتمعاً قائماً على الغارات والنهب ، أشبه بمجتمع الذئاب.
الثاني: أن يُفهم قريشاً أن أهل المدينة دخلوا في دينه وصاروا دولة مهابة الجانب. وأن قريشاً يجب أن تيأس من إمكانية قتله وتكف عن ذلك.
لكن قريشاً لم تيأس وخاضت معه معركة بدر ، وأحُد ، ثم حرب الأحزاب الكبرى ، وفشلت في قتله أو إخضاعه. ثم بدأت قريش بالتراجع والقبول بالأمر الواقع.
قال الله تعالى عن بدر: وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ. لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ.
قال الشريف المرتضى في رسائله (3/80):(لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أي قطعة منهم وطائفة من جمعهم أو يكبتهم ويغلبهم ويهزمهم فيخيب سعيهم وتكذب ظنونهم أو يغلبهم ما يرون من تظاهر آيات الله تعالى الموجبة لتصديق نبيه صلى الله عليه وآله ، فيتوبوا ويؤمنوا فيقبل الله تعالى ذلك منهم).
أقول: الظاهر أن المعنى: ليهلك طرفاً من قريش فيبيدهم ، ويكبت الباقين، ثم قد يَصْلُحُ بعضهم فيتوب عليهم. وقد قتل الله عز وجل من عتاة قريش سبعين رجلاً في بدر ، وثمانية عشر رجلاً في أحد ، وبهذين الحربين انتهى بنو عبد الدار كلياً. ولم يبق منهم شخصية مهمة ولا بطل شجاع !
لكن بقيت قريش على كبريائها وعجرفتها الى صلح الحديبية، لما ذهب النبي صلى الله عليه وآله في 1400 رجل بنية العمرة ، فاعترضته قريش وعسكرالنبي في الحديبية التي تبعد 25 كيلو متراً عن مكة ، ودخل عروة بن مسعود الثقفي بالتوسط ، وحركت قريش مجموعات من المتحمسين لقتال النبي صلى الله عليه وآله فأخذهم علي عليه السلام أسرى، وجاء مفاوض قريش المنتدب سهيل بن عمرو، وقدم طلبات قريش وأولها الإفراج عن مجموعتي الأسرى الذين أسرهم عليٌّ وكانوا نحو ثمانين ! وأن يرجع النبي صلى الله عليه وآله بجيشه ولا يدخل مكة ، وأن يُرْجِعَ الى قريش من يأتيه منهم ، ولا يُرجعون اليه من يأتيهم من أصحابه.
وقدم النبي صلى الله عليه وآله مطلبه أن يخلوا له مكة في العام القادم ثلاثة أيام ليعتمر ، وأن يعطوا الخيار لقبائل العرب أن تتحالف معه أو معهم.
وجرت المفاوضات الصعبة ونزل الوحي على النبي صلى الله عليه وآله أن يعطي قريشاً ما أرادوا فأعطاهم مقابل اعترافهم بدولته وحقه أن يتحالف مع من يريد من قبائل العرب. وكان ذلك هو الفتح المبين الذي نزلت به سورة الفتح في رجوع النبي صلى الله عليه وآله من الحديبية.
وبذلك انتزع النبي صلى الله عليه وآله من قريش حرية أن يتعاهد مع القبائل !
وأعطاهم شكليات أرضت غرورهم وكبرياءهم !
وبرز سهيل بن عمرو المعروف (بذي الأنياب لأنه كان مشقوق الشفة العليا فكانت أنيابه بادية).(شرح النهج:14/188) وهو من أئمة الكفر الذين أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله بقتالهم فقال: فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ. وإعلانه الإسلام تحت السيف لا يغير من الأمر شيئاً !
ففي تفسير الصنعاني(1/242): (عن قتادة: أئمة الكفر: أبو سفيان بن حرب ، وأمية بن خلف ، وعتبة بن ربيعة ، وأبو جهل ، وسهيل بن عمرو).
وقد أجاد سهيل المفاوضة برأيهم وشدد شروط بطون قريش ، ولم يقبل أن يكتب في المعاهدة (رسول الله) ووقع الصلح معه نيابة عن كل قريش !
وقال المحامي أحمد حسين يعقوب في كتابه: أين سنة الرسول وماذا فعلوا بها /273: (صلح الحديبية من أعظم الإنجازات الإسلامية على الإطلاق بل هو الثمرة المباركة لكافة المعارك التي خاضها رسول الله ، وقد وصف تعالى في كتابه العزيز هذا الصلح بالفتح المبين والنصر العزيز ، لأن هذا الصلح قد حسم الموقف نهائياً لصالح الإسلام دون إراقة قطرة دم واحدة ! ولو تغاضينا عن هذه النتائج الباهرة فإن كل ما فعله الرسول كان بأمر ربه. لقد أعلن الرسول صلى الله عليه وآله أن روح القدس قد نزل عليه وأمره بالبيعة ، وقد فهم الجميع أن الصلح تم بتوجيه إلهي فقد قال الرسول للجميع: إني رسول الله ولست أعصيه. وقال أبو بكر مخاطباً عمر: أيها الرجل إنه لرسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره ! وبالرغم من كل ذلك ، فإن عمر بن الخطاب اعتبر الصلح الذي رضي به الله ورسوله: دَنِيَّةً في الدين. وأن ما فعله الرسول كان خاطئاً وغير صحيح ! وحاول عمرأن يقنع الحاضرين بأن الصلح الذي ارتضاه الله ورسوله دنية في الدين، ليفرضوا على الرسول إلغاء الصلح والرجوع عنه! ولما يئس من إقناعهم قال: لو وجدت أعواناً ما أعطيت الدنية في ديني!
والمثير أنهم رغم ذلك سجلوه شاهداً على صك صلح الحديبية ! وكما تعلم فإن سنة الرسول تعني: قول الرسول وفعله وتقريره).
وقال المحامي الأردني في كتاب: المواجهة مع رسول الله صلى الله عليه وآله /369: (لقد اعتبر عمر هذه المعاهدة (دنية) وقال للرسول أمام المسلمين: فعلامَ نعطي الدنية في ديننا! وظهر الرجل بمظهر من يزاود على الرسول صلى الله عليه وآله بالدين الذي علمه الرسول إياه ! وقبل يوم واحد فقط طلب رسول الله من عمرأن يذهب إلى قريش ليقول لها: بأن رسول الله لم يأت لقتال أحد إنما جئنا زواراً لهذا البيت معظمين لحرمته ، معنا الهدي ننحره وننصرف. فرفض عمروقال: يا رسول الله إني أخاف قريش على نفسي وليس بها من بني عدي من يمنعني!(الواقدي:2/600).
وهو نفس عمر الذي اشترك في معركة بدرفلم يقتل أحداً ! وهو نفسه الذي هرب من المعركة يوم أحد ! وقد ذكَّره الرسول بذلك يوم أقبل عليه فقال له: أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولاتلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم! (مغازي الواقدي:2/609).
وهو نفس الرجل الذي لم يكن له أي دور مميز في أي معركة من معارك الإسلام التي سبقت صلح الحديبية! ومع ذلك يزاود على رسول الله ويصف المعاهدة التي وقعها ورضي عنها بأنها دنية في ديننا ! بل أعلن عمر أنه لو وجد أعواناً ما أعطى الدنية)!
أقول: روى الجميع أن عمر لم يقتنع بجواب النبي صلى الله عليه وآله بل بقي شاكاً في نبوته ، وبقي يتكلم ويعمل لعله يجد أنصاراً لينقض المعاهدة بالقوة ! قال ابن عباس كما في مغازي الواقدي(2/607): (قال لي عمر في خلافته:ارتبت ارتياباً ما ارتبته منذ أسلمت إلا يومئذ ولو وجدت ذلك اليوم شيعة تخرج عنهم رغبة عن القضية لخرجت! وعن أبي سعيد الخدري: (قال عمر: والله لقد دخلني يومئذ من الشك حتى قلت في نفسي: لو كنا مائة رجلٍ على مثل رأيي ما دخلنا فيه أبداً)!
واعتزل عمر تحت شجرة ، وأرسل ابنه ليأتيه بفرس كانت له عند أحد الأنصار ليقاتل عليها! ومع ذلك زعموا أنه بايع بيعة الرضوان وجعلوه إلى جنب النبي صلى الله عليه وآله ! وقد اعترف عمر بأن النبي صلى الله عليه وآله بقي غاضباً عليه لا يكلمه ولا يجيبه على كلامه ، في رجوعهم حتى وصلوا بعد يومين إلى كراع الغميم فنزلت سورة الفتح ، فأرسل عليه وقرأ له السورة !
ومعناه أنه كان غاضباً عليه وأراد أن يتم عليه الحجة فأرسل إليه ليسمع السورة مع المسلمين ، فتساءل عمر: هل هذا فتح ، والله ما هذا بفتح !
ولكن رواة السلطة كالبخاري وغيره جعلوا كل أفعال عمر حسنات، وفسروا الرواية بأن النبي صلى الله عليه وآله أرسل عليه وتلاها عليه ، فطابت نفسه !
لكنهم رووا قوله: والله ما هو بفتح ! وهو رد على الله تعالى.
وقال البلاذري (1/328): (قال الواقدي: وكان أبو جندل بن سهيل بن عمرو مع أخيه فحبسه أبوه. فلما كان قدوم النبي(ص) الحديبية وتشاغل الناس أقبل أبو جندل يرسف في قيده حتى أتى رسول الله(ص) وقد قاضى قريشاً على ما قاضاهم عليه والقضية تكتب. فقام إليه أبوه فضرب في وجهه وصاح أبو جندل: يا معشر المسلمين إن المشركين يريدون أن يفتنوني. وكانت القضية بينهم على أن يرد المسلمون إليهم من أتاهم من أصحابهم. فقال سهيل بن عمرو: هذا أول ما قاضيتك عليه يا محمد. فرده رسول الله(ص) على أن أجاره حويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص ، وضمنا أن يكف أبوه عنه.
وقال رسول الله(ص): يا با جندل ، إصبر واحتسب فإن الله مخلصك.
فقال عمر بن الخطاب:يا رسول الله ولمَ نعطي قريشاً هذا ، ونرضى بالدنية في أمرك ؟ فقال(ص): إنا قد عاهدناهم على أمر ، وليس الغدر من ديننا !
فقال عمر:يا أبا جندل ، إن الرجل ليقتل أباه في الله ، فاقتل أباك! فقال: يا عمر أقتله أنت. فقال: نهاني رسول الله(ص)عن قتله للصلح. قال: وقد نهاني الله عز وجل عن قتل أبي. وقال الواقدي: يقال إن أبا جندل تخلص فصار إلى أبي بصير الثقفي مع من اجتمع إليه من المسلمين).
أقول: لم يسمح النبي صلى الله عليه وآله لأبي جندل ومجموعة أبي بصير الثقفي بالهجرة اليه ، وفاءً بصلحه مع قريش ، فتجمعوا بين مكة والمدينة وأخذوا يتعرضون لقوافل قريش ويصادرونها ، فطلبت قريش من النبي صلى الله عليه وآله أن يأخذهم الى المدينة فأخذهم !

  • *

نقضت قريش معاهدة الحديبية

تضمنت اتفاقية الحديبية هدنة لعشر سنين، لكن قريشاً نقضتها في السنة الثانية حيث طلب بنو نفاثة البكريين من أشراف قريش أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح ، فوافوهم بالوتير متنكرين متنقبين ، فيهم صفوان بن أمية وحويطب بن عبد العزى ، ومكرز بن حفص ، فبيتوا خزاعة ليلاً وهم غارون آمنون ، فقتلوا منهم عشرين رجلاً !
ثم ندمت قريش على ما صنعت وعلموا أن هذا نقض للمدة والعهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله . فجحدت أنها أعانت بكراً وكذبت في ذلك ، وتبرأ أبو سفيان وقوم من قريش مما جرى.
وشخص قوم من خزاعة إلى المدينة مستصرخين برسول الله صلى الله عليه وآله فدخلوا عليه وهو في المسجد ، فقام عمرو بن سالم الخزاعي فأنشده:
لاهُمَّ إني ناشدٌ محمدا
* حلفَ أبينا وأبيك الأ تلدا

فوالداً كنت وكنا ولدا
* ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا

إن قريشاً أخلفوك الموعدا
* ونقضوا ميثاقك المؤكدا

هم بيتونا بالوتير هجدا
* نتلو القران ركعاً وسجدا

وزعموا أن لست تدعو أحدا
* وهم أذل وأقل عددا

فانصر هداك الله نصراً أيدا
* وادع عباد الله يأتوا مددا

في فيلق كالبحر يجرى مزبدا
* فيهم رسول الله قد تجردا

قـرم لقـوم مـن قـروم أصيـدا.

ثم ذكروا له أن أنس بن زنيم هجاك ، وإن صفوان بن أمية وفلاناً وفلاناً دسوا إلينا رجال قريش مستنصرين، فبيتونا بمنزلنا بالوتير فقتلونا وجئناك مستصرخين بك ، فقام رسول  الله صلى الله عليه وآله مغضباً يجر رداءه يقول: لا نُصرت إن لم أنصرخزاعة فيما أنصرمنه نفسي) ! (شرح النهج:17/25).
وقدم أبو سفيان بن حرب على رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة يسأله أن يجدد العهد ويزيد في المدة فأبى عليه ، فقام أبو سفيان فقال: إني قد أجرت بين الناس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أنت تقول ذلك يا أبا سفيان)!
وأخذ النبي صلى الله عليه وآله يجهز لفتح مكة وأخفى أمره ، وأخذ بأنقاب المدينة لئلا يخرج منها من يخبر قريشاً وقال: اللهم خذ على أبصارهم فلا يروني إلا بغتةً !

  • *

الفصل الرابع عشر - فتحَ النبي صلى الله عليه وآله مكة وأخضعَ قريشاً ولم تخضع !

جمع جيشه من القبائل سراً ليباغت قريشاً !

قال ابن سعد في الطبقات(2/134) ملخصاً: (وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى من حوله من العرب فجلهم أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع وسليم ، فمنهم من وافاه بالمدينة ومنهم من لحقه بالطريق فكان المسلمون في غزوة الفتح عشرة آلاف. واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم.
فلما كان بقديد عقد الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل ، ثم نزل مَرّ الظهران عشاءً فأمرأصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار ولم يبلغ قريشاً مسيره وهم مغتمون لما يخافون من غزوه إياهم. فبعثوا أبا سفيان يتجسس الأخبار فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء ، فلما رأوا العسكر أفزعهم ، فسمع العباس بن عبد المطلب صوت أبي سفيان فقال: أبا حنظلة؟ فقال: لبيك فما وراءك ؟ فقال: هذا رسول الله في عشرة آلاف فأسلم ثكلتك أمك ، فأجاره وخرج به وبصاحبيه حتى أدخلهم على رسول الله صلى الله عليه وآله فأسلموا وجعل لأبي سفيان أن من دخل داره فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ! فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً ! فقال العباس: ويحك ! إنه ليس بملك ولكنها نبوة ! قال: فنعم.
وكانت راية رسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ مع سعد بن عبادة فبلغه عنه في قريش كلام توعدهم ، فأخذها منه فدفعها إلى ابنه قيس بن سعد (والصحيح الى علي عليه السلام ) ودخل رسول الله من أذاخر، ونهى عن القتال وأمر بقتل سنة نفر وأربع نسوة: عكرمة بن أبي جهل ، وهبار بن الأسود ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح ، ومقيس بن صبابة الليثي، والحويرث بن نقيذ ، وعبد الله بن هلال بن خطل الأدرمي ، وهند بنت عتبة ، وسارة مولاة عمرو بن هاشم ، وفرتنا ، وقريبة ، فقتل أربعة منهم. وضربت لرسول الله صلى الله عليه وآله قبة من أدم بالحجون فدخلها فقيل له: ألا تنزل منزلك ؟ فقال: وهل ترك عقيل لنا منزلاً)؟!

  • *
    لقد فاجأ النبي صلى الله عليه وآله قريشاً بجيشه فأسقِط في يد زعماء قريش العتاة ، لأنهم لاطاقة لهم بحربه ، فسارع أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وآله !
    قال في إعلام الورى (1/218): (نزل مرَّ الظهران ومعه نحو من عشرة آلاف رجل ونحو من أربع مائة فارس ، وقد عميت الأخبار من قريش ، فخرج في تلك الليالي أبو سفيان ، وحكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء ، هل يسمعون خبراً ، وقد كان العباس بن عبد المطلب خرج يتلقى رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه أبو سفيان بن الحارث (ابن عم النبي صلى الله عليه وآله ) وعبد الله بن أبي أمية ( أخ أم سلمة) تلقاه بنيق العقاب ، ورسول الله صلى الله عليه وآله في قبته وعلى حرسه يومئذ زياد بن أسيد ، فاستقبلهم زياد فقال: أما أنت يا أبا الفضل فامض إلى القبة، وأما أنتما فارجعا. فمضى العباس حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله فسلم عليه وقال: بأبي أنت وأمي هذا ابن عمك قد جاء تائباً وابن عمتك. قال: لا حاجة لي فيهما إن ابن عمي انتهك عرضي ، وأما ابن عمتي فهو الذي يقول بمكة: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا. فلما خرج العباس كلمته أم سلمة وقالت: بأبي أنت وأمي ابن عمك قد جاء تائباً لايكون أشقى الناس بك، وأخي ابن عمتك وصهرك فلا يكونن شقياً بك !
    ونادى أبو سفيان بن الحارث النبي صلى الله عليه وآله : كن لنا كما قال العبد الصالح: لا تثريب عليكم! فدعاه وقبل منه ، ودعا عبد الله بن أبي أمية ، فقبل منه.
    وقال العباس: هو والله هلاك قريش إلى آخر الدهر إن دخلها رسول الله عنوة. قال فركبت بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله البيضاء وخرجت أطلب الحطَّابة أو صاحب لبَن لعلي آمره أن يأتي قريشاً فيركبون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يستأمنون إليه ، إذ لقيت أبا سفيان وبديل بن ورقاء وحكيم بن حزام ، وأبو سفيان يقول لبديل: ما هذه النيران؟ قال: هذه خزاعة. قال خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانهم ! ولكن لعل هذه تميم أو ربيعة ! قال العباس: فعرفت صوت أبي سفيان ، فقلت: أبا حنظلة ؟ قال لبيك فمن أنت؟قلت:أنا العباس قال: فما هذه النيران فداك أبي وأمي قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وآله في عشرة آلاف من المسلمين قال: فما الحيلة ؟ قال: تركب في عجز هذه البغلة ، فأستأمن لك رسول الله صلى الله عليه وآله . قال: فأردفته خلفي ثم جئت به ، فكلما انتهيت إلى نار قاموا إليَّ، فإذا رأوني قالوا: هذا عم رسول الله خلوا سبيله ، حتى انتهيت إلى باب عمر فعرف أبا سفيان فقال: عدو الله الحمد الله الذي أمكن منك ، فركَّضت البغلة حتى اجتمعنا على باب القبة ودخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: هذا أبو سفيان قد أمكنك الله منه بغير عهد ولا عقد ، فدعني أضرب عنقه ! قال العباس: فجلست عند رأس رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: بأبي أنت وأمي أبو سفيان قد أجرته. قال: أدخله فدخل فقام بين يديه فقال: ويحك يا أبا سفيان أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أكرمك وأوصلك وأحلمك ، أما الله لو كان معه إله لأغنى يوم بدر ويوم أحد ، وأما أنك رسول الله فوالله إن في نفسي منها لشيئاً ! قال العباس: يضرب والله عنقك الساعة أو تشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله ! قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله تلجلج بها فوه! فقال أبو سفيان للعباس: فما نصنع باللات والعزى؟ فقال له عمر: إسلح عليهما. فقال أبو سفيان: أفٍّ لك ما أفحشك ، ما يدخلك يا عمر في كلامي وكلام ابن عمي! فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : عند من تكون الليلة؟ قال: عند أبي الفضل. قال: فاذهب به يا أبا الفضل فأبته عندك الليلة ، واغد به علي. فلما أصبح سمع بلالاً يؤذن قال: ما هذا المنادي يا أبا الفضل؟ قال: هذا مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله ، قم فتوضأ وصل ، قال: كيف أتوضأ ؟ فعلمه. قال: ونظر أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وآله وهو يتوضأ وأيدي المسلمين تحت شعره، فليس قطرة تصيب رجلاً منهم إلا مسح بها وجهه فقال: بالله إن رأيت كاليوم قط كسرى ولا قيصر! فلما صلى غدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إني أحب أن تأذن لي بالذهاب إلى قومك فأنذرهم وأدعوهم إلى الله ورسوله ، فأذن له فقال العباس: كيف أقول لهم بين لي من ذلك أمراً يطمئنون إليه؟ فقال صلى الله عليه وآله : تقول لهم: من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً رسول الله وكف يده ، فهو آمن. ومن جلس عند الكعبة ووضع سلاحه فهو آمن.
    فقال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فلو خصصته بمعروف؟ فقال صلى الله عليه وآله : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قال أبو سفيان: داري ! قال: دارك ، ثم قال: من أغلق بابه فهو آمن. ولما مضى أبو سفيان قال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل من شأنه الغدر، وقد رأى من المسلمين تفرقاً. قال:فأدركه واحبسه في مضايق الوادي حتى يمر به جنود الله. قال: فلحقه العباس فقال: أبا حنظلة ! قال: أغدراً يا بني هاشم ؟ قال: ستعلم أن الغدر ليس من شأننا ولكن إصبر حتى تنظر إلى جنود الله..
    ومرت القبائل على قادتها والكتائب على راياتها ، وكان أول من قدم خالد بن الوليد في بني سليم وهم ألف ومعهم لواءان وراية ، فلما مروا بأبي سفيان كبروا ثلاث تكبيرات ثم مضوا ! فقال أبو سفيان: يا عباس هذا رسول الله ؟ قال: لا ، ولكن هذا خالد بن الوليد في المقدمة. قال: الغلام؟ قال: نعم. قال: ومن معه؟ قال: بنو سليم. قال: ما لي وبني سليم ! ثم مر على أثره الزبير بن العوام في خمس مائة من المهاجرين وأفناء العرب ومعه راية سوداء. فلما مروا بأبي سفيان كبروا ثلاثاً ! فقال أبو سفيان: من هؤلاء ؟ قال: هذا الزبير بن العوام. قال: ابن أختك ؟ قال: نعم. ثم مرت بنو غفار في ثلاث مائة يحمل رايتهم أبو ذر ، فلما حاذوه كبروا ثلاثاً ! فقال أبو سفيان: من هؤلاء؟ قال: بنو غفار.قال: ما لي ولبني غفار! ثم مرت أسلم في أربع مائة فيها لواءان فقال: من هؤلاء؟ قال العباس: أسلم. قال: ما لي ولأسلم، ما كان بيننا وبينهم تِرَةٌ قط! قال العباس: هم قوم مسلمون دخلوا في الإسلام. ثم مرت بنو كعب بن عمرو من خزاعة في خمس مائة يحمل رايتهم بسر بن سفيان ، فقال: من هؤلاء ؟ قال العباس: بنو عمرو بن كعب بن عمرو إخوة أسلم. قال: نعم هؤلاء حلفاء محمد ! ثم مرت مزينة في ألف فيها ثلاثة ألوية ومائة فرس ، قال: من هؤلاء ؟ قال العباس: مزينة. قال: ما لي ولمزينة، قد جاءتني تقعقع من شواهقها! ثم مرت جهينة في ثمان مائة فيها أربعة ألوية فقال: من هؤلاء ؟ قال: جهينة. قال: ما لي ولجهينة ! ثم مرت كنانة بنو ليث وضمرة وسعد بن بكر في مائتين ، فقال: من هؤلاء ؟ قال العباس: بنو بكر. قال: نعم ، أهل شؤم والله ! هؤلاء الذين غزانا محمد بسببهم ! أما والله ما شُووِرت فيهم ولا علمته ، ولكنه أمر حُتِم !
    ثم مرت أشجع وهم آخر من مر وهم ثلاث مائة معهم لواءان ، قال العباس: هؤلاء أشجع. قال أبو سفيان: هؤلاء كانوا أشد العرب على محمد ! ثم قال أبو سفيان: أبعدُ ما مضى محمد؟ فقال العباس: لا ، لم يمض بعد لو أتت الكتيبة التي فيها محمد رأيت فيها الحديد والخيل والرجال ، وما ليس لأحد به طاقة. قال: ومن له بهؤلاء طاقة ؟حتى طلعت كتيبة رسول الله صلى الله عليه وآله الخضراء التي فيها المهاجرون والأنصار ، مع كل بطن من بطون الأنصار لواء وراية ، وهم في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق ، وعمر بن الخطاب يقول: رويداً حتى يلحق أولكم آخركم. فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل من هذا المتكلم ؟ قال: عمر بن الخطاب.فقال أبو سفيان: لقد أَمِرَ أَمْرُ بني عدي ، بعد والله قلة وذلة ! ( يقصد مشى أمرهم وصار منهم شخص شيئاً مذكوراً).
    وأعطى رسول الله صلى الله عليه وآله رايته سعد بن عبادة ، فلما مر براية رسول الله نادى أبا سفيان فقال: اليوم يوم الملحمة ، اليوم تُستحَل الحرمة ، اليوم أذل الله قريشاً. قال النبي صلى الله عليه وآله لأبي سفيان: تقدم إلى مكة فأعلمهم الأمان. قال العباس: فقلت لأبي سفيان: أنج ويحك فأدرك قومك قبل أن يدخل عليهم رسول الله. فخرج أبو سفيان فتقدم الناس كلهم حتى دخل مكة من كداء فصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش ، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به ، أسلموا تسلموا ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله وما تغني دارك ! قال: ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد فقامت إليه هند بنت عتبة زوجته فأخذت بشاربه وقالت: أقتلوا الحميت الدسم الأحمس ، قُبِّح من طليعة قوم ! (أي أقتلوا هذا الزق الأسود الوسخ)! فقال أبو سفيان: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم ، فإنه قد جاءكم ما لاقبل لكم به)! (راجع: السيرة النبوية عند أهل البيت عليهم السلام (2/613).
    وفي سيرة ابن هشام (4/864): (حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشـر قريش ، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت اقتلوا الحميت الدسم الأحمس ، قُبح من طليعة قوم!
    قال: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، قالوا: قاتلك الله ! وما تغني عنا دارك ، قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد).
    أقول: هذه الجرأة من هند لأنها بنت عتبة بن ربيعة رئيس بني أمية الذي قتل في بدر، وفرعهم أشرف عندهم من فرع أبي سفيان بن صخر بن حرب. ومعنى: قُبِّح من طليعة قوم ، أي بعثناه ليرد عنا محمد فجاء يقول إخلعوا سلاحكم واستسلموا !

كيف دخل رسول الله صلى الله عليه وآله مكة ؟

دخل رسول الله صلى الله عليه وآله الى مكة فاتحاً، خاشعاً لربه ، ساجداً على قربوس فرسه.
قال المفيد في الإرشاد (1/134): (لما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله سعد بن عبادة بدخول مكة بالراية ، غلظ على القوم وأظهر ما في نفسه من الحنق عليهم ودخل وهو يقول:اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة فسمعها العباس فقال للنبي صلى الله عليه وآله : أما تسمع يا رسول الله ما يقول سعد بن عبادة ؟ إني لا آمن أن يكون له في قريش صولة ! فقال النبي صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين أدرك يا علي سعداً فخذ الراية منه ، وكن أنت الذي يدخل بها مكة ، فأدركه أميرالمؤمنين عليه السلام فأخذها منه).
وفي الإمتاع( 8/386) أن أبا سفيان شكى إلى النبي صلى الله عليه وآله قول سعد فقال له: يا أبا سفيان اليوم يوم المرحمة اليوم يعزالله قريشاً،وأرسل إلى سعد فأخذ الراية منه).
أقول: لم يقل سعد: اليوم يوم الملحمة بل قالها أبو سفيان لما رأى الراية بيده.كما لا يصح ما نسبوه الى النبي صلى الله عليه وآله فقد كان يوم فتح مكة يوماً غلب الله فيه قريشاً وهزمها وأذلها !

حطَّم النبي صلى الله عليه وآله الأصنام ثم جمع زعماء قريش وأعلنهم طلقاء !

دخل النبي صلى الله عليه وآله مكة فاتحاً خاشعاً لربه ، فطاف وكسرالأصنام ، وفي اليوم الثاني جمع أئمة الكفر وجنودهم في المسجد وأعلنهم أسرى حرب عبيداً له ، ومنَّ عليهم بالإطلاق لا بالعتق ! وطاف رسول الله صلى الله عليه وآله بالبيت على راحلته وحول الكعبة ثلاث مائة وستون صنماً فجعل كلما مر بصنم منها يشير إليه بقضيب في يده ويقول: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا، فيقع الصنم لوجهه! وكان أعظمها هبل. وبث رسول الله صلى الله عليه وآله السرايا إلى الأصنام التي حول الكعبة فكسرها: العزى ومناة وسواع وبوانة وذو الكفين. فنادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنماً إلا كسره.
ولما كان من الغد من يوم الفتح خطب رسول الله صلى الله عليه وآله بعد الظهر فقال: إن الله قد حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام إلى يوم القيامة ، ولم تحل لي إلا ساعةً من نهار، ثم رجعت كحرمتها بالأمس فليبلغ شاهدكم غائبكم، ولا يحل لنا من غنائمها شيئ.
وفتحها يوم الجمعة لعشر بقين من شهر رمضان في السنة الثامنة لهجرته ، وأقام بها بضعة أيام ، ثم خرج منها إلى حنين ، ونصب حاكماً على مكة عتاب بن أسيد يصلي بهم ، ومعاذ بن جبل يعلمهم السنن والفقه.
أعلن لهم النبي صلى الله عليه وآله أنهم ما دام أطلقهم ولم يقتلهم ولم يستعبدهم كما يحق له ، فقد صاروا جزء ملحقاً بأمته إلحاقاً ، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم.

لم تخضع قريش للنبي صلى الله عليه وآله وعزلت أبا سفيان

كان الحزب القرشي بمعنى تكتل بطون قريش موجوداً من زمن جدهم قصي. ثم كان الإختلاف بين القرشيين فتحزبوا حزبين: حزب عبد المطلب وحلفائه وسُموا حلف المطيبين ، وحلف بقية قريش وحلفائهم وسُموا حلف لعقة الدم ! وقد تعمق هذا الإنقسام ببعثة النبي صلى الله عليه وآله فكان حزب بني هاشم وحزب بقية البطون بقيادة بني أمية ، واستمرالى فتح مكة.
وقد حرص النبي صلى الله عليه وآله على تحييد بني أمية من صراعه مع قريش لأنهم من بني عبد مناف ، رغم أنهم قادة قريش وأشد الناس عداوة لبني هاشم ، فأعطى ربيباته لعثمان وللعاص بن الربيع الأموييْن.
وكان أبو سفيان يزور النبي صلى الله عليه وآله أحياناً ويطرح الأمور المختلف عليها ، وكان النبي صلى الله عليه وآله يحرك فيه وتر المنافيَّة حتى تم له ذلك في فتح مكة.
وما أن حاصرالنبي صلى الله عليه وآله مكةحتى فهم أبو سفيان أنه انغلب ، فاستجار بالعباس فأجاره وأخذه الى النبي صلى الله عليه وآله في مركز قيادته وتشهد الشهادتين يتلجلج بهما لسانه ، وأراه النبي صلى الله عليه وآله جنوده من القبائل ، فانبهرأبو سفيان وأسرع الى مكة وصاح بهم: أسلموا تسلموا، جاءكم محمد بما لا طاقة لكم به! فغضبت من كلامه زوجته هند بنت عتبة ودعت قريشاً الى قتله لأنه خان واستسلم لمحمد صلى الله عليه وآله ! ووافقها رؤساء بطون قريش لكنهم اضطروا فعلاً الى خلع سلاحهم والتسليم وإعلان الشهادتين. وتأكد لهم أن أبا سفيان أخذته المنافيَّة بتعبيرهم فتواطأ مع النبي صلى الله عليه وآله على تسليمه مكة، وتأكد لهم ظنهم وخيالهم لما نصب النبي صلى الله عليه وآله شاباً أموياً مسلماً هو عَتَّاب بن أُسيد، حاكماً لمكة.
وألزم النبي صلى الله عليه وآله زعماء قريش أن يخرجوا معه مضطرين لمواجهة هوازن وهي مجمع القبائل النجدية الذين زحفوا ليقتلوا النبي صلى الله عليه وآله ويأخذوا مكة ووصلوا الى حنين القريبة من مكة ! فخرجت بطون قريش معه وحاولوا قتل النبي فما استطاعوا، ثم اتفقوا مع هوازن وهربوا فهرب المسلمون ، لكن النبي صلى الله عليه وآله ثبت ومعه بنو عبد المطلب ، وكسب الحرب ببطولته وبطولة علي عليه السلام .
وأعطى أكثرغنائم هوازن لزعماء بطون قريش! فرجعوا من حنين محملين بالغنائم الكثيرة ، لكنهم واصلوا العمل ضد النبي صلى الله عليه وآله فعزلوا أبا سفيان عن رئاسة قريش واختاروا بدله سهيل بن عمرو السهمي ذا الأنياب.
كما قرروا شل فاعلية حاكم مكة من قبل النبي صلى الله عليه وآله عتَّاب بن أسيد ، يقولون بذلك للنبي صلى الله عليه وآله لا نعترف بفتحك لمكة ، ولا بالشاب الأموي الذي نصبته حاكماً علينا ، وقد عزلنا أبا سفيان هدية لك ، ونصبنا سهيل الذي فاوضك في الحديبية بقوة ، وانتزع حقوق بطون قريش!
وظهر سهيل بن عمرو حاكماًً يصدر الأوامر فيطاع ، وانهزم أبو سفيان فلم ينصره أحد حتى من بني أمية ! فذهب الى النبي صلى الله عليه وآله في المدينة كعاطل عن العمل فجعله النبي صلى الله عليه وآله والياً على جمع الزكوات على منطقة (ما بين رمع وزبيد إلى حد نجران). (تاريخ الطبري:2/532).
اختاروا سهيلاً لأنه عندهم مفاوض صلب ، استطاع أن يرد جيش محمد عن قريش من الحديبية قبل سنتين ، وفرض عليه شروطاً لمصلحتها ! وهو من الأشداء تاريخياً على النبي صلى الله عليه وآله والعاملين لقتله ، وممن عذب المسلمين على إسلامهم ومنهم ولده أبو جندل !
وهو الخطيب في قريش بعد بدر لأخذ ثأرهم من محمد ! (سير الذهبي:1/194).
وهو من أئمة الكفرالذين كان يلعنهم النبي صلى الله عليه وآله في صلاته بأسمائهم !
قال الصنعاني في تفسيره (1/242):(فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ، هم: أبو سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل، وسهيل بن عمرو).
لذلك زعَّمته قريش بالإجماع والتفَّت حوله ، وقاطعت حاكم النبي صلى الله عليه وآله عتاب بن أسيد ونبذته حتى اختبأ !
وبعد تجميد عامل النبي صلى الله عليه وآله على مكة أخذ سهيل يكاتب النبي ويتصرف كرئيس دولة مستقلة ، مقابل دولة النبي صلى الله عليه وآله !
وبلغت جرأته ووقاحته أنه كتب الى النبي صلى الله عليه وآله يطالبه بأن يرجع شباناًً قرشيين وعبيداً أسلموا والتحقوا بالنبي صلى الله عليه وآله (وقد روي أنهم ثلاثة وعشرون عبداً من الطائف من جملتهم أبو بكرة). (نيل الأوطار:8/157).
فغضب النبي صلى الله عليه وآله ولم يردهم لهم وقال إنهم عتقاء الله ، فجاء سهيل في وفد من قريش الى المدينة ونزلوا عند أبي بكر وعمر وذهبوا معه الى النبي صلى الله عليه وآله وطالبوه أن يردهم اليهم، وقال له سهيل إن كان عذرهم طلب التفقه فنحن نفقههم! فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا الدين! وأبى أن يرد أبناءهم وعبيدهم الفارين اليه من مكة وقال: هم عتقاء الله عز وجل).
وروى أبو داود:1/611 والحاكم في الصحيح (2/138، و4/298): (فشاور أبا بكر في أمرهم فقال: صدقوا يا رسول الله ! فقال لعُمر: ما ترى؟ فقال مثل قول أبي بكر ! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا معشرقريش ليبعثن الله عليكم رجلاً منكم امتحن الله قلبه للإيمان فيضرب رقابكم على الدين! فقال أبو بكر: أنا هو يارسول الله؟قال:لا. قال عمر:أنا هو يا رسول الله؟قال:لا، ولكنه خاصف النعل في المسجد ، وقد كان ألقى نعله إلى علي يخصفها).
أقول: هذه حادثة ضخمة تكشف حقيقة أن القرشيين مع كل جرائمهم التاريخية وعفو النبي صلى الله عليه وآله عنهم ، وبعد فتحه مكة عنوة وإجبارهم على خلع سلاحهم وإعلان الإسلام ، يطالبونه بوقاحة بالإعتراف باستقلالهم السياسي!
لذلك حذف بعضهم إسم أبي بكر وعمر وقال: (فقال ناس: صدقوا يا رسول الله ردهم إليهم، فغضب رسول الله). (الحاكم:2/125).

كيف رفضت قريش طاعة حاكم مكة الذي عينه النبي صلى الله عليه وآله !

بقي النبي صلى الله عليه وآله في مكة لما فتحها أسبوعين، وقبل خروجه الى حنين نصب عليها حاكماً هو عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس الأموي وكان عمره اثنين وعشرين سنة أسلم في فتح مكة ، وقد يكون من المسلمين سراً قبل ذلك. وجعل معاونه أنصارياً هو معاذ بن جبل ، فأقام للناس الحجّ تلك السنة وهي سنة ثمان ، لكن بطون قريش لم يحجوا معه وحجوا وحدهم! وقال محمد بن سلام وغيره: جاء نعي أبي بكر إلى مكة يوم دفن عتّاب بن أسيد بها ، وكان رجلاً صالحاً خيراً فاضلاً. (الإستيعاب (3/1024). (وكان شديداً على المريب ليناً على المؤمنين ، وكان يقول والله لا أعلم متخلفاً عن هذه الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه فإنه لايتخلف عنها إلا منافق). (الإصابة:4/357).
أقول: يظهرأن عتاب بن أسيد كان مسلماً صادقاً فكان ثقيلاً على مشركي مكة الذين أسلموا تحت السيف ! ويكفي أنه فرض عليهم الحضور في الصلاة.
وكان يرفع الأذان وهو ثقيل عليهم ! فقد جاء في خبر فتح مكة أن النبي صلى الله عليه وآله أمر بلالاً فصعد على سطح الكعبة وأطلق الأذان ، فتنغص عيش أبي سفيان ورفقائه !
( قال خالد بن أسيد:الحمد لله الذي أكرم أبي فلم يسمع بهذا اليوم ! وكان أسيد مات قبل الفتح بيوم ! وقال الحارث بن هشام: وا ثكلاه ليتني متُّ قبل أن أسمع بلالاً ينهق فوق الكعبة! وقال الحكم بن أبي العاص: هذا والله الحدث الجلل أن يصبح عبد بني جمح ينهق على بُنَيَّة الكعبة! وقال سهيل بن عمرو: إن كان هذا سخطاً لله فسيغيره الله! وقال أبو سفيان: أما أنا فلا أقول شيئاً لو قلت شيئاً لأخبرته هذه الحصاة! فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره خبرهم فأقبل حتى وقف عليهم فقال: أما أنت يا فلان فقلت كذا ، وأما أنت يا فلان فقلت كذا، وأما أنت يا فلان فقلت كذا! فقال أبو سفيان:أما أنا يا رسول الله فما قلت شيئاً فضحك رسول الله).(أخبار الأزرقي:1/142)
وفي الإصابة (2/191) وغيرها:(لما رأى الناس يطأون عقب رسول الله (ص) حسده وقال في نفسه: ما أدري بم غلبني محمَّد؟ فضرب في ظهره وقال: بالله غلبتك. وقال: لو عاودت الجمع لهذا الرجل. فضرب رسول الله (ص) في صدره ثم قال: إذاً يخزيك الله ياأبا سفيان).

كانت قريش مهيأة للردة فلما مات النبي صلى الله عليه وآله هرب حاكم مكة !

بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ظهرت نوايا قريش أنها سترتد عن الإسلام ، فخاف عتاب ، فاختبأ في شعب من شعاب مكة.
وبعد أيام وصلهم خبر يطمئنهم ببيعة أبي بكر التيمي، وأن أحداً من بني هاشم لن يحكم بعد محمد صلى الله عليه وآله فاطمأن سهيل بن عمرو ، وخطب في قريش بنفس خطبة أبي بكر في المدينة ، أنه من كان يعبد محمداً فإن إلهه قد مات ، ونحن لا نعبد محمداً ، بل هو رسول بلغ رسالته ومات ، وهو ابن قريش وسلطانه سلطان قريش ، وقد اختارت قريش حاكماً لنفسها بعده وهو أبو بكر ، فاسمعوا له وأطيعوا.
فقد طمأنهم سهيل بأن الأمر بيد قريش، لا بيد بني هاشم ولا بيد الأنصار اليمانية الذين يعبدون محمداً ، فلماذا الرجوع عن الإسلام ! فأطاعته قريش وانتهى اللهج بالردة! وأصدر سهيل أمره لعتاب حاكم النبي صلى الله عليه وآله : أخرج من مخبئك واحكم مكة باسم الزعيم القرشي غير الهاشمي أبي بكر بن أبي قحافة !
وفي سيرة ابن هشام (4/1079): (فتراجع الناس وكفوا عما هموا به ، وظهر عتاب بن أسيد). (عن عبيد بن عمير قال: مات رسول الله (ص) وعلى مكة وعملها عتاب بن أسيد ، فلما بلغهم موت النبي(ص) ضج أهل المسجد فخرج عتاب حتى دخل شعباً من شعاب مكة فأتاه سهيل بن عمرو فقال: قم في الناس فتكلم، فقال:لا أطيق الكلام مع موت رسول الله (ص): قال فاخرج معي فأنا أكفيكه، فخرجا حتى أتيا المسجد الحرام، فقام سهيل خطيباً وخطب بمثل خطبة أبي بكر لم يخرم عنها شيئاً وضبط عمل عتاب). (كنز العمال:13/430).

أجبر النبي صلى الله عليه وآله قريشاً أن تذهب معه الى حنين لحرب هوازن !

بلغ النبي صلى الله عليه وآله بعد فتح مكة أن قبائل نجد، هوازن، قصدته لتحاربه و عسكروا في حنين قرب الطائف، فندب قريشاً الى الذهاب معه لحربهم فذلك خير لهم من أن تتسلط عليهم هوازن ، وتحير زعماء قريش هل يستجيبون للنبي صلى الله عليه وآله فيذهبون معه أم يتركونه لتهزمه هوازن وتدخل مكة وتحكمهم !
فاضطر زعماء قريش وهم سكارى مما حصل أن يسيروا معه في ألفي مقاتل لمواجهة هوازن! والرواية التالية التي رواها ابن هشام(4/894)و الطبري(2/248) ترسم حالة زعماء قريش في أول مشاركتهم في حنين:(وانهزم الناس أجمعون فانشمروا لا يلوي أحد عن أحد وانحاز رسول الله(ص) ذات اليمين ثم قال:أينَ أيها الناس هلمَّ إليَّ أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله! قال فلا شئ ! احتملت الإبل بعضها بعضاً فانطلق الناس! قال ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام الناس ، وهوازن خلفه إذا أدرك طعن برمحه ، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه ، ولما انهزم الناس ورأى من كان مع رسول الله (ص) من جفاة أهل مكة الهزيمة تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن،فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهى هزيمتهم دون البحر ! والأزلام معه في كنانته ! وصرخ كلدة بن الحنبل وهو مع أخيه صفوان بن أمية بن خلف وكان أخاه لأمه ، فقال كلدة:ألا بطل السحراليوم! فقال له صفوان: أسكت فض الله فاك ، فوالله لئن يَرُبَّني رجل من قريش أحب إلى من أن يربَّني رجل من هوازن).وهذه هي معادلة قريش التي اضطرتهم للمشاركة مع النبي صلى الله عليه وآله في حرب هوازن: فحكم محمد القرشي أفضل من حكم النجدي ! لكن ذلك لم يمنعها من الخيانة ، وأن تترقب الفرصة لقتل النبي صلى الله عليه وآله !

حاولت قريش اغتيال النبي صلى الله عليه وآله في حنين وبعدها !

قال الطبري(2/248):(قال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة أخو بني عبد الدار: قلت : اليوم أدرك ثأري وكان أبوه قتل يوم أحد ، اليوم أقتل محمداً. قال : فأردت رسول الله لأقتله فأقبل شئ حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذلك وعلمت أنه قد منع مني). ويقصد ثأر الثمانية القادة من بني عبد الدار الذين قتلهم علي عليه السلام في أحد واحداً بعد الآخر، أصحاب راية قريش ، وقد أخذ الراية بعد الثامن غلام لهم فقتله علي عليه السلام فبقيت راية قريش على الأرض ، حتى جاءت امرأة فرفعتها !
وهذه بعض نصوص هزيمتهم في حنين ، وفي نفس الوقت محاولتهم اغتيال النبي صلى الله عليه وآله .
في إعلام الورى(1/229): (قال جابر بن عبد الله: فسرنا حتى إذا استقبلنا وادي حنين كان القوم قد كمنوا في شعاب الوادي ومضائقه ، فما راعنا إلا كتائب الرجال بأيديها السيوف والعمد والقنا ، فشدوا علينا شدة رجل واحد ، فانهزم الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد ! وأخذ رسول  الله صلى الله عليه وآله ذات اليمين ، وأحدق ببغلته تسعة من بني عبد المطلب. وأقبل مالك بن عوف يقول: أروني محمداً ، فأروْه ، فحمل على رسول الله وكان رجلاً أهوج ، فلقيه رجل من المسلمين فالتقيا فقتله مالك وقيل إنه أيمن بن أم أيمن ثم أقدم فرسه فأبى أن يقدم نحو رسول الله)!
بل رأى علياً عليه السلام فخاف منه ورجع !
وفي تفسير القمي (2/286): (فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله الغداة انحدر في وادي حنين وهو واد له انحدار بعيد ، وكانت بنو سليم على مقدمة فخرجت عليها كتائب هوازن من كل ناحية فانهزمت بنو سليم ، وانهزم من ورائهم ولم يبق أحد إلا انهزم ! وبقي أميرالمؤمنين عليه السلام يقاتلهم في نفر قليل ، ومر المنهزمون برسول الله لايلوون على شئ ، وكان العباس أخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله عن يمينه وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب عن يساره ، فأقبل رسول  الله صلى الله عليه وآله ينادي: يا معشر الأنصار إلى أين المفر؟ ألا أنا رسول الله فلم يلو أحد عليه! وكانت نسيبة بنت كعب المازنية تحثو التراب في وجوه المنهزمين وتقول: أين تفرون عن الله وعن رسوله؟ ومر بها عمر فقالت له:ويلكَ ما هذا الذي صنعت؟ فقال لها: هذا أمر الله ! (أي جعل فراره بأمر الله وبرأ نفسه)!
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله الهزيمة ركض يحوم على بغلته قد شهر سيفه ، فقال يا عباس إصعد هذا الظرب وناد ياأصحاب البقرة! ويا أصحاب الشجرة! إلى أين تفرون هذا رسول الله ! ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وآله يده فقال: اللهم لك الحمد واليك المشتكى وأنت المستعان، فنزل جبرئيل عليه فقال له: يا رسول الله دعوت بما دعا به موسى حين فلق الله له البحر ونجاه من فرعون. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي سفيان بن الحارث: ناولني كفاً من حصى فناوله فرماه في وجوه المشركين ثم قال: شاهت الوجوه ! ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد ، وإن شئت أن لا تعبد لا تعبد)!
وجعل ابن عبد البر في الدرر/226، النصر ببطولة مئة صحابي بلا أسماء! قال:(حتى إذا اجتمع حواليه مائة رجل أو نحوهم استقبلوا هوازن بالضرب واشتدت الحرب وكثر الطعن والجلاد ، فقام رسول الله في ركائبه فنظر إلى مجتلد القوم فقال: الآن حمى الوطيس. وضرب علي بن أبي طالب عرقوب جمل صاحب الراية أو فرسه فصرعه ، ولحق به رجل من الأنصار فاشتركا في قتله.. ثم قال: وروينا من وجوه عن بعض من أسلم من المشركين ممن شهد حنيناً قال وقد سئل عن يوم حنين: لقينا المسلمين فما لبثنا أن هزمناهم وأتبعناهم حتى وصلنا إلى رجل راكب على بغلة بيضاء ، فلما رآنا زجرنا زجرة وانتهزنا وأخذ بكفه حصىً أو تراباً فرمانا به وقال شاهت الوجوه شاهت الوجوه ، فلم تبق عين إلا دخلها من ذلك فما ملكنا أنفسنا أن رجعنا على أعقابنا. وما استوفى رجوع المسلمين إلى رسول الله (ص)إلا وأسرى هوازن بين يديه ! وثبتت أم سليم محتزمة ممسكة بعيراً لأبي طلحة ، وفي يدها خنجر).
أقول: لم يسموا حتى شخصاً واحداً من الأبطال الذين رجعوا وقاتلوا، وجعل ابن عبد البر لعلي عليه السلام شريكاً مجهولاً في قتل أبي جرول حامل راية هوازن فقال: فاشتركا في قتله وأخذ على الراية ! ثم جعلوا النصر في حنين بسبب قتال الملائكة فقالوا: قال أسير في أيديهم: أين الخيل البلق والرجال عليهم الثياب البيض ، فإنما كان قتلنا بأيديهم ، وما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة! قالوا: تلك الملائكة).
مع أن نزول الملائكة كان لنصرة علي عليه السلام والثابتين معه ، فقد روى الواقدي عن شعبة وقتادة والحسن وابن عباس: أنه نزل جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله فقال له: إن الله تبارك وتعالى يأمرك يا محمد ويقول لك: إني بعثت جبرئيل إلى علي لينصره ، فادفع يا محمد إلى علي سهمين من غنائم خيبر، سهماً له وسهم جبرئيل معه). (مناقب آل أبي طالب:2/320).
ومعناه: أن نصرة الملائكة تكون جزاء للمؤمنين على بذل جهدهم بإخلاص، فهي كفائض القيمة يستحق امتيازها صاحب الجهد الذي سبب نزولهم.كما قال تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ.
ولذا كان سهم جبرئيل لمن سبَّبَ نزوله وهو علي عليهما السلام . فعليٌّ عليه السلام وحده مع الملائكة قاتل في حنين ، وقتل قادة هوازن فانهزمت ! فالغنائم كلها له ولجبرئيل عليهما السلام .

كيف تحالف سهيل وأبو بكر وعمر لإبعاد بني هاشم !

من الملفت أن عمر تخلف عن النبي صلى الله عليه وآله لما رجع من حنين وذهب الى مكة! فقد زعم أن عليه نذراً بالإعتكاف من الجاهلية ، فذهب من حنين إلى مكة ليعتكف ، ومعه جارية من غنائم هوازن ، ولما أطلق النبي صلى الله عليه وآله جميع سبي هوازن لتوسط أخته من الرضاعة شيماء ، تركت الجارية عمر وهربت إلى أهلها. وقد رواه البخاري( 4/59) ومسلم ( 5/89). والمؤكد أنه ذهب للتشاور مع زعيم قريش الجديد سهيل ، ووضع الخطط لأخذ خلافة النبي صلى الله عليه وآله وإبعاد أهل بيته عليهم السلام عنها.
وزعمت قريش أن النبي صلى الله عليه وآله أخبر أن سهيل بن عمرو سيكون رجلاً صالحاً !
قال الواقدي(1/107): (لما أسر سهيل بن عمرو قال عمر: يا رسول الله دعني أنزع ثنيتيه يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيباً أبداً! فقال رسول الله (ص): لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبياً ، ولعله يقوم مقاماً لا تكرهه. فقام سهيل بن عمرو حين جاءه وفاة النبي(ص) بخطبة أبي بكر بمكة كأنه كان يسمعها)!
والصحيح أنهم تفاهموا على الخطبة الأولى وأن يقولوا لقريش من كان يعبد محمداً كالأنصار وبني هاشم فقد مات معبودهم. أما نحن فنعبد الله ، والله لايموت. وهي الفكرة المحورية التي تبنتها قريش واستهل بها أبو بكر خلافته ، واستهل بها سهيل بن عمرو تأييده لأبي بكر!

تضخيم إعلام الخلافة القرشية سهيل بن عمرو !

وقد جعلوه مسلماً صالحاً ، تقياً ، مجاهداً في سبيل الله ، لأنه كان (بطل) الحديبية) !
وروى الجميع نص معاهدة الحديبية فقال البلاذري(1/350):(وأرسل رسول الله (ص) إلى قريش إنا لم نأت لقتال ، وإنما جئنا لسوْق البدن إلى محلها ، فننحرها ثم ننصرف. فأبوا إلا منعه ووجهوا إليه سهيل بن عمرو ، من بني عامر بن لؤي ، ومكرز بن حفص ، وحويطب بن عبد العزى. فسألوه أن ينصرف في عامه ، ويعود في قابل فيقيم في مكة ثلاثة أيام لا يزيد عليها ثم ينصرف. فأجابهم إلى ذلك وكتب بينه وبينهم كتاباً بخط علي عليه السلام فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل:لا أعرف هذا ، أكتب كما نكتب باسمك اللهم. وكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله. فقال سهيل: لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك ، فكتب القضية: باسمك اللهم. هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرواصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض.على أنه لا إسلال ولا إغلال، وأن بيننا عيبة مكفوفة. وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل، وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل. وأنه من أتى محمداً منهم بغير إذن وليه رده محمد إليه ، وأنه من أتى قريشاً من أصحاب محمد لم يردوه. وأن محمداً يرجع عنا عامه هذا بأصحابه ، ويدخل علينا في قابل في أصحابه فيقيم ثلاثاً. لايدخل بسلاح إلا سلاح المسافر في القرب.
وكتب علي بن أبي طالب. ونسخ الكتاب نسختين ، فوضعت إحداهما عند رسول الله (ص) وأخذ الأخرى سهيل بن عمرو.
ولما فرغ من كتاب القضية ، وثب من هناك من خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده. وقال بنو بكر: نحن ندخل في عهد قريش ومدتها. ثم نحر رسول الله(ص) الهدي بالحديبية وحلق وحلق الناس ثم انصرف. ونزلت عليه منصرفه من الحديبية: إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاَ مُبِينا).
وفي مناقب آل أبي طالب(2/366): (روى ابن إسحاق عن بريدة بن سفيان عن محمد بن كعب:أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام : فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد. الماوردي في أعلام النبوة أنه قال: ستسام مثلها يوم الحكمين. وفي رواية: إن لك يوماً بمثل هذا. أناأكتبها للآباء وأنت تكتبها للأبناء).
وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وأخذ أبي بكر وعمر وسهيل الخلافة ، جاء سهيل الى المدينة فبقي مدة ثم ذهب مع عائلته الى الشام. وفي الإصابة(3/178): (فلم يزل مقيماً بالشام حتى مات).

سهلة بنت سهيل مخترعة رضاع الكبير !

اشتهرت بنته سهيلة بنت سهيل بن عمرو، زوجة أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة وكان مسلماً ، وكانت سهيلة معه في المدينة ، وكان عندها غلام فارسي هو سالم وقد أرضعته وهو كبير لتحرم عليه وينام معهم.
وقد علَّمت سهيلة رضاع الكبير لعائشة ! فقد روى مسلم (4/169):(سمعتُ زينب بنت أبي سلمة تقول:سمعت أم سلمة زوج النبي تقول لعائشة: والله ما تطيب نفسي أن يراني الغلام قد استغنى عن الرضاعة ، فقالت : لمَ ، قد جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله(ص) فقالت يا رسول الله والله إني لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم، قالت فقال رسول الله (ص):أرضعيه فقالت إنه ذو لحية! فقال: أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة).
وفي رواية عبد الرزاق (7/458):(فقالت:يا رسول الله إن سالم مولى أبي حذيفة معنا في بيتنا وقد بلغ ما يبلغ الرجال وعلم ما يعلم الرجال، فقال رسول الله: أرضعيه تحرمي عليه! قال ابن أبي مليكة: فمكثت سنة أوقريباً منها لا أحدث به رهبة له ، ثم لقيت القاسم فقلت: لقد حدثتني حديثاً ما حدثته بعد قال: وما هو؟ فأخبرته ، فقال حدث به عني أن عائشة أخبرتني به! فأخذت بذلك عائشة فيمن كانت تريد أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمرأم كلثوم ابنة أبي بكر وبنات أخيها يرضعن لها من أحبت أن يدخل عليها من الرجال وأبى سائر أزواج النبي(ص)أن يدخل عليهن أحد من الناس بتلك الرضاعة)!
ومعنى هذا أن سهيلة هذه لا دين لها !

  • *

الفصل الخامس عشر - أحكام العتقاء والطلقاء وأبناء الإماء

زعماء قريش ومسلمة الفتح طلقاء وليسوا عُتقاء !

أعلن النبي صلى الله عليه وآله عند فتح مكة أن كل زعماء قريش وجنودهم وبقية أهل مكة أسرى حرب بيده ولم يقتلهم ، ولا أخذ منهم فدية ، ولا أعتقهم ! بل قال لهم إنهم فعلاً طلقاء معفوٌّ عنهم وعبوديتهم له باقية !
قال الطبري (2/337): (عن قتادة السدوسي أن رسول الله قام قائماً حين وقف على باب الكعبة ثم قال: لاإله إلا الله وحده لاشريك له ، صدق وعده، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده…يا معشر قريش ويا أهل مكة: ما ترون أني فاعلٌ بكم! قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم.ثم قال:إذهبوا فأنتم الطلقاء!
فأعتقهم رسول الله وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوةً وكانوا له فَيْئاً ، فبذلك يسمى أهل مكة الطلقاء).
وأخطأ الطبري فإن النبي صلى الله عليه وآله أطلقهم ولم يعتقهم وسماهم(طلقاء قريش)بينما أعتق أهل الطائف وسماهم (عتقاء ثقيف)! وقد اتفق الفقهاء على أن الإمام مخير في أسرى المشركين بين القتل والإسترقاق والمن بفداء: فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَاأَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُوَإِمَّافِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا.

طلقاء قريش وذرياتهم ليسوا من أمة النبي صلى الله عليه وآله  !

في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2/94): (حلف رجل بخراسان بالطلاق أن معاوية ليس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أيام كان الرضا عليه السلام بها، فأفتى الفقهاء بطلاقها ، فسئل الرضا عليه السلام فأفتى أنها لا تطلق! فكتب الفقهاء رقعة وانفذوها إليه وقالوا له:من أين قلت ياابن رسول الله إنها لم تطلق؟فوقع عليه السلام في رقعتهم: قلت هذا من روايتكم عن أبي سعيد الخدري أن رسول  الله صلى الله عليه وآله قال لمسلمة الفتح وقد كثروا عليه: أنتم حَيِّزٌ وأصحابي حَيِّزٌ، ولا هجرة بعد الفتح فأبطل الهجرة ولم يجعل هؤلاء أصحاباً له ! قال: فرجعوا إلى قوله).
وقد بحث هذا الموضوع الباحث حسن بن فرحان المالكي وصحح حديث أنا وأصحابي حيِّز.قال في كتابه: الصحبة والصحابة/44:(الدليل الحادي عشر(على أن الطلقاء ليسوا من الصحابة): حديث أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت هذه السورة: إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ.. قال: قرأها رسول الله(ص) حتى ختمها وقال:الناس حَيِّزٌ وأنا وأصحابي حيِّز! وقال: لاهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية. فقال له مروان: كذبت ، وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت وهما قاعدان معه على السرير، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدثاك ، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه ، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة فسكتا ، فرفع مروان عليه الدرة ليضربه ، فلما رأيا ذلك قالوا: صدق. وقد أخرجه أحمد بسند صحيح.أقول: فهذا الحديث فيه إخراج واضح للطلقاء الذين (دخلوا في الإسلام) من أصحاب النبي(ص) بأكثر من دلالة:
الدلالة الأولى: تلاوته (ص) لسورة النصرالتي فيها ذكر الناس الذين يدخلون في دين الله أفواجاً ، تلاها (ص) يوم فتح مكة فهؤلاء الناس المراد بهم الطلقاء. ثم أخبرنا النبي(ص) بأن الناس حيز ، وهو وأصحابه حيز آخر! فماذا يعني هذا؟ هذا بكل وضوح لا يعني إلا أن هؤلاء لايدخلون في الأصحاب الذين فازوا بتلك الصحبة الشرعية التي تستحق الثناء ، وتتنزل فيها كل الثناءات على الصحابة ، فإذا سمعنا بأي حديث يثني على أصحاب النبي(ص) أو أي أثر من الصحابة خاصة يثني على أصحاب النبي، فلا تنزل تلك الأحاديث والآثار إلا على هؤلاء الأصحاب الذين فَصَلَهُم النبي(ص) عن سائر (الناس)من غيرهم وأولى الناس دخولاً في هؤلاء هم الطلقاء الذين أسلموا يوم فتح مكة لارتباط المناسبة بهم ، ولا يجوز أن نجمع بين (حيزين) فرق بينهما النبي(ص).
ومن تأكد له هذا ثم أراد أن يجعل(الحيزين) حيزاً واحداً فقد اتهم النبي(ص) بعدم الإنصاف مثلما اتهمه ذو الخويصرة يوم حنين! ونعوذ بالله أن نرد حديث رسول الله(ص)أو نؤوله على غيرمراده).
أقول: أكرمهم المالكي فأخرجهم من الصحبة فقط ، بينما النبي صلى الله عليه وآله أخرجهم من أمته !

  • *

أخرج النبي صلى الله عليه وآله الطلقاء والعتقاء من أمته !

في هذا الفصل مسائل كثيرة ، نذكر أهمها:
المسألة الأولى:
الطلقاء هم: الذين كانوا عبيداً له فأطلقهم مالكهم ولم يعتقهم، فبقوا مملوكين له ، لكنه تركهم فعلاً وبقي له عليهم حق العبودية ، فهو يستطيع في أي وقت أن ينهي إطلاقهم فيرجعون له عبيداً.
والعتقاء هم: الذين كانوا عبيداً للنبي صلى الله عليه وآله بحكم أنه غلبهم في الحرب ، ثم أعتقهم من العبودية فصاروا أحراراً وليس له عليهم إلا حق الولاء.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله :(المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة. والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف ، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة)! وهذا الحديث دوَّخَ فقهاء الخلافة ولم يَصْحُوا الى اليوم! وأسانيده فيها الصحيح على شرط الشيخين !(أحمد:4/363 بروايتين و:3/279، وصححه الحاكم:4/80 ، وفي الزوائد:10/15، وصححه. وابن قدامة:7/321، والسرخسي:10/39، والبيهقي:6/306).
وقد حاول أتباع الأمويين كابن تيمية والألباني حل مشكلة القرشيين فضعَّف أحاديثهم (سلسلة الأحاديث الضعيفة:3/307 - 1163) لكن لايمكنه ذلك ولا لإمامه، لأن إسم (الطلقاء) صار عَلَماً لهم ووصمة عار على جبينهم!
قال البخاري(5/105): (لما كان يوم حنين التقى هوازن ومع النبي عشرة آلاف، والطلقاء، فأدبروا..). وقال مسلم (3/106):(ومعه الطلقاء فأدبروا عنه حتى بقي وحده). بل ثبت معه ثمانية من بني هاشم وأيمن بن أم أيمن !
وعلى هذا يكون النبي صلى الله عليه وآله استرقَّ ثقيفاً وقريشاً، ثم أعتق ثقيفاً فكان ولاؤهم له ولآله، بينما أبقى قريشاً وأهل مكة بين الإسترقاق والعتق! وهو حكم خاص بهم، كمن يقول لعبيده:إذهبوا وافعلوا ما شئتم فعلاً، فيبقى ملكه عليهم وعلى ذراريهم. وقد رتب النبي صلى الله عليه وآله عليهم حكم المسلمين أحياناً وحكم المشركين أحياناً فلم يرجع إليهم عبيدهم الذين جاؤوه بعد فتح مكة !
ومعناه أن النبي صلى الله عليه وآله والإمام من أهل بيته عليهم السلام مخيرون بين ترتيب أحكام الإسلام أو أحكام الكفر عليهم ، حسب ما يرونه مصلحة !
وفي الكافي (8/226):(كان عند أبي الحسن موسىالكاظم عليه السلام رجل من قريش فجعل يذكر قريشاً والعرب فقال له أبو الحسن عليه السلام عند ذلك: دع هذا ، الناس ثلاثة: عربي ومولى وعلج ، فنحن العرب وشيعتنا الموالي ، ومن لم يكن على مثل ما نحن عليه فهو علج! فقال القرشي: تقول هذا يا أبا الحسن ! فأين أفخاذ قريش والعرب ؟ فقال أبو الحسن عليه السلام : هو ما قلت لك).
وفي دعائم الإسلام للنعمان المغربي(1/27): (عن أبي جعفر محمد بن علي صلوات الله عليه أن رجلاً قال له:يا ابن رسول الله، إن قريشاً تجد في أنفسها من قولكم إنكم مواليهم ، فقال أبو جعفر: الناس على ثلاثة أصناف، صنف دعوناه إلى الله فأجابنا ، فمنة الله ومنة رسوله ومنتنا عليه ، وصنف قتلناه ، وصنف منَّ الله عليهم ورسوله عام الفتح، فمنة الله ومنة رسوله عليهم لنا. فمن أي الأصناف شاء أن يكون هذا القائل فليكن)!
وقال القاضي المغربي في دعائم الإسلام (1/90): (قد روى هؤلاء المتفقهون في الدين بزعمهم عن الشيخين ما حكياه عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: قدموا قريشاً ولا تتقدموهم ، وتعلموا منهم ولا تعلموهم ، وقوله: الإمامة في قريش ، وهذا إقرار من القوم بما يوجب لهم التقدم ، وكناية عن نسق قول الرسول ، وهذه الرواية تكفر من أخذ بقول هؤلاء الأوثان ، وتوجب على من أخذ بقولهم رد قول الله تعالى وتكذيب قول رسول الله صلى الله عليه وآله إذ لم يكن القوم ممن جاء فيهم تفضيل ، ولا أمر الناس باتباعهم على أهوائهم ، وما هم عليه من آرائهم ، ولا القوم من قريش ، فشبهوا على الأمة بهذه الرواية كما فعل الشيوخ ، ولو صدقوا الله وحكوا قول رسول الله صلى الله عليه وآله لأقروا بنصه على وصيه وأخذه بيعته على وصيه وأخذه بيعته عليهم ، وحضه إياهم على طاعته والإقتداء به والأخذ عنه ، فكانوا قد جاءوا بالرواية على حقها ، وأنبهوا الأمة من غفلتها، وأنقذوا أنفسهم من النار وعذابها.
فإذا كان الأخذ من مالك وأشباهه واجباً ، فطاعة من نصب نفسه للفتيا في دين الله برأيه وقياسه وإضلال أمة رسول الله صلى الله عليه وآله ، من أوغاد الناس ورعاع الأمة واجبة ، إذ كانت الحال واحدة والقياس مطرداً، وبطل قول الله في تنزيله على لسان نبيه إذ يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا. أعوذ بالله من الكفر بعد الإيمان ، والإصغاء إلى زخرف أولياء الشيطان ورفض قول الرحمن ، أعاذنا الله بفضله وتلافانا برحمته وجعلنا من العاملين بطاعته ، والآخذين الشئ من ولاة أمره ، من أهل بيت نبيه عليهم السلام )

  • *

الخلافة محرمة على الطلقاء الى يوم القيامة !

المسألة الثانية:
صرح عمر بأن حكم المسلمين محرم على الطلقاء فقال: (هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد ، ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد ، وفي كذا وكذا، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولالمسلمة الفتح شئ).
(ابن سعد (3 /342) (والسيوطي في تاريخ الخلفاء / 113وتاريخ دمشق: 59 / 145 ، وأسد الغابة: 4 / 387 ، وكنز العمال: 5 / 735 ، و: 12 / 681).
وقال: (إن هذا الأمر لا يصلح للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء). (الطبقات (3/342).
وروى السيوطي في تاريخ الخلفاء/160، والحلبي في تقريب المعارف/349: (فقال له المغيرة بن شعبة: فما يمنعك من ابنك عبد الله؟ فقال له عمر: ويلك والله ما أردت الله بذلك! كيف أستخلف رجلاً لم يحسن أن يطلق امرأته ! فقيل له: فَألا أدخلت فيهم العباس؟ فقال: العباس طليق وهذا أمر لايصلح لطليق).
أنظر: فتح الباري(13/178) وتاريخ دمشق(59/145) وأسد الغابة(4/387) وتاريخ الخلفاء / 113.
وكتب علي عليه السلام إلى معاوية: (واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا تعقد معهم الإمامة ، ولا يدخلون في الشورى).
وفي الإصابة ( 4 / 70): ( قال عمر لأهل الشورى: لا تختلفوا فإنكم إن اختلفتم جاءكم معاوية من الشام وعبد الله بن أبي ربيعة من اليمن ، فلا يريان لكم فضلاً لسابقتكم ، وإن هذا الأمر لايصلح للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء). ( ورواه البلاذري في أنساب الأشراف / 2739 ، والسخاوي في التحفة اللطيفة / 552).
وكتب محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى الذي ادعى المهدية الى المنصور:(فإن الحق حقنا وإنما ادعيتم هذا الأمر بنا وخرجتم له بشيعتنا وحظيتم بفضلنا ، وإن أبانا علياً كان الوصي وكان الإمام ، فكيف ورثتم ولايته ووُلده أحياء! ثم قد علمت أنه لم يطلب هذا الأمر أحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا. لسنا من أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء! وليس يمت أحد من بني هاشم بمثل الذي نمتُّ به من القرابة والسابقة والفضل). ( الطبري:1/196). ويقصد باللعناء آل أبي سفيان ، وبالطرداء آل مروان ، وبالطلقاء آل العباس ، لأن النبي صلى الله عليه وآله أسر العباس في بدر وأطلقه بفدية. وقد أفتى أغلب فقهاء المدينة ومنهم أبو حنيفة ومالك بن أنس ، بالخروج على المنصور العباسي مع محمد بن عبد الله بن الحسن العلوي، وسيطر محمد على المدينة ومكة ، وحارب جيش المنصور حتى قُتل وانتصر عليه المنصور.
المسألة الثالثة:
حق الولاء لمن أعتق ، أو لمن أسلم الشخص على يده. قال العلامة في قواعد الأحكام (3/377): (قوله صلى الله عليه وآله :إنما الولاء لمن أعتق. وقوله صلى الله عليه وآله : الولاء لحمة كلحمة النسب. والنسب يورث به ولا يورث ، ولأن الولاء يحصل بإنعام السيد على عبده بالعتق ، وهو غير منتقل فلا ينتقل معلوله ، ويرث العتيق من عصبات سيده أقربهم إليه وأولاهم بميراثه يوم موت العبد.
(وهو على ضروب، الأول: ولاء المعتق المتبرع بعتق مولاه غير المتبرئ من جريرته ، فميراثه وميراث أولاده له إن كان رجلًا ، ثم لبنيه ، ثم لعصبته من أبيه ، وإخوته وجدوده وعمومته وأبنائهم. وإن كانت امرأة فلها ثم لعصبتها دون بنيها إلا أن يكونوا عصبة لها فيأخذون بالتعصيب. والعبد إذا تزوج بمعتقة غيره كان ولاء أولادهما لمعتق أمهم ، فإن أعتق جدهم لأبيهم انجرَّ الولاء إلى معتقه ، فإن أعتق بعد ذلك أبوهم انجرَّ الولاء إلى معتقه.
الثاني: ولاء ضامن الجريرة.
والثالث: ولاء من أسلم على يده كافر.
والرابع: ولاء مستحق الزكاة إذا كان العبد من مال الزكاة.
والخامس: ولاء الإمام عليه السلام وهو يستحق ميراث من لا وارث له ومنه الفاضل من سهم الزوجة. وهذه الضروب لا يرث بسببها غيرمستحقيه المذكورين).(جواهرالفرائض لنصير الدين الطوسي/118).
وعليه: يكون لرسول الله صلى الله عليه وآله ولأبناء الزهراء بعده ولاء الثقفيين ، ويكون لهم الحق في إنهاء إطلاق الطلقاء القرشيين ، وإرجاعهم الى العبودية أو فداؤهم بثمن كما نصت الآية.
المسألة الرابعة:
أما حق الولاء لمن أسلم آخر على يده ، فقد اتفق فقهاء المسلمين على ثبوته ، ففي كتاب الإستغاثة (1/58) في خبر الهرمزان: (أسلم على يد أميرالمؤمنين علي عليه السلام ثم أعتقه من قسمة الفئ ، فبادر إليه عبيد الله بن عمر فقتله من قبل أن يموت عمر فقيل لعمر: إن عبيد الله قتل الهرمزان فقال: أخطأ ، فإن الذي ضربني أبو لؤلؤة ، وما كان للهرمزان في أمري صنع ، وإن عشت احتجت أن أقتله به فإن علياً لا يقبل منا الدية وهو مولاه).
ولايبعد عندي أن يكون الهرمزان أسلم على يد سلمان الفارسي في الأهواز، وقد كان حاكم الأهواز من قبل كسرى ، وهو أخ زوجة كسرى. فصار ولاؤه لعلي عليه السلام لأن سلمان بعد النبي صلى الله عليه وآله مولى لعلي عليه السلام .
وقال العلامة في منهاج الكرامة/109: (ضيع (عثمان) حدود الله فلم يُقِدْ عبيد الله بن عمر حين قتل الهرمزان مولى أمير المؤمنين عليه السلام وكان أمير المؤمنين عليه السلام يطلب عبيد الله لإقامة القصاص عليه ، فلحق بمعاوية).
وقال البلاذري (5/510) قال علي عليه السلام لعثمان:(أقدِ الفاسق فإنه أتى عظيماً، قتل مسلماً بلا ذنب!وقال لعبيد الله:يا فاسق لئن ظفرت بك يوماً لأقتلنك بالهرمزان).
وقد كان لهذا الحكم الشرعي- ولاء من أسلم لمن أسلم على يده - تأثير كبير على مجتمع المسلمين. وهذا يجعلك تعرف معنى: فلان بن فلان التميمي.. مولاهم. يعني أنه ليس من بني تميم بل أسلم على يد أحد منهم طوعاً أو كرهاً ، فصار تميمياً بالولاء لا بالنسب.
المسألة الخامسة:
لما أعلن طلقاء مكة إسلامهم ، عرف النبي صلى الله عليه وآله أنهم يفكرون بالإنتقال إلى المدينة ليكون لهم امتياز المهاجرين الذين لهم كلمة في خلافة النبي صلى الله عليه وآله وكان ذلك من خطة سهيل بن عمرو وحليفيه أبي بكر وعمر! فقطع النبي صلى الله عليه وآله عليهم الطريق وأعلن: لا هجرة بعد الفتح.
قال ابن أبي أمية وأبوه من شخصيات قريش: (جئت رسول الله (ص)يوم الفتح فقلت: يا رسول الله بايعْ أبي (أبو أمية) على الهجرة فقال رسول الله (ص):أبايعه على الجهاد ، وقد انقطعت الهجرة). (سنن النسائي:7/141).
وروى البخاري (4/38):(انقطعت الهجرة منذ فتح الله على نبيه (ص) مكة).
وقال آقا ضياء في شرح تبصرة المتعلمين/345: (قوله صلى الله عليه وآله : لاهجرة بعد الفتح محمول على فتح مكة لصيرورتها من بلاد المسلمين بفتحها).

  • *

العباس ابن عبد الطلب عبد لأعمامه ؟

المسألة السادسة:
روى في(الكافي:8/259): (توفي مولى لرسول الله صلى الله عليه وآله لم يخلف وارثاً فخاصم فيه ولد العباس أبا عبد الله عليه السلام وكان هشام بن عبد الملك قد حج في تلك السنة فجلس لهم فقال داود بن علي: الولاء لنا وقال أبو عبد الله عليه السلام : بل الولاء لي، فقال داود بن علي: إن أباك قاتل معاوية فقال: إن كان أبي قاتل معاوية فقد كان حظ أبيك فيه الأوفر ثم فر بخيانته! وقال: والله لأطوقنك غداً طوق الحمامة ، فقال له داود بن علي: كلامك هذا أهون علي من بعرة في وادي الأزرق ، فقال: أما إنه واد ليس لك ولا لأبيك فيه حق. قال فقال هشام: إذا كان غداً جلست لكم، فلما أن كان من الغد خرج أبو عبد الله عليه السلام ومعه كتاب في كرباسة وجلس لهم هشام فوضع أبو عبد  الله عليه السلام الكتاب بين يديه فلما أن قرأه قال: أدعوا لي جندل الخزاعي وعكاشة الضمري ، وكانا شيخين قد أدركا الجاهلية فرمى بالكتاب إليهما فقال: تعرفان هذه الخطوط؟ قالا: نعم هذا خط العاص بن أمية وهذا خط فلان وفلان لفلان من قريش ، وهذا خط حرب بن أمية ، فقال هشام: يا أبا عبد الله أرى خطوط أجدادي عندكم ؟ فقال: نعم ، قال: فقد قضيت بالولاء لك ، قال: فخرج وهو يقول:
إن عادت العقرب عدنا لها
* وكانت النعل لها حاضرة

فقلت: ما هذا الكتاب جعلت فداك؟قال:فإن نثيلة كانت أمةً لأم الزبير وأبي طالب وعبد الله فأخذها عبد المطلب فأولدها فلاناً فقال له الزبير: هذه الجارية ورثناها من أمنا وابنك هذا عبد لنا فتحمل عليه ببطون قريش قال فقال:قد أجبتك على خلة على أن لايتصدرابنك هذا في مجلس ولايضرب معنا بسهم. فكتب عليه كتاباً وأشهد عليه فهو هذا الكتاب).
وقال أبو فراس الحمداني رحمه الله في ميميته:
لايطغينَّ بني العباس ملكهم
* بنو عليٍّ مواليهم وإن رُغموا

بني نثيلة لا والله ما لكم
* فخر على معشر كانوا جمالكم

أتفخرون عليهم لا أباً لكم
* حتى كأن رسول الله جدكم

  • *
    والحكم الشرعي أن الذي يحل جارية لأخيه ، فولدها لصاحب الجارية. (الجواهر:30/313).

هل كان يمكن للنبي صلى الله عليه وآله أن يتجاوزقريشا ؟

المسألة السابعة:
تسأل: مادامت قريش بهذا السوء الذي تحدث عنه القرآن والنبي صلى الله عليه وآله فلماذا لم يعرض عنها النبي صلى الله عليه وآله ويدعو الى الإسلام أقواماً آخرين خيراً منها ؟ فهل كانت قريش ضرورية لدعوة الإسلام ؟
والجواب: كانت قريش ضرورية لدعوة الإسلام وتكوين أمته ودولته ، لا لأنها القبيلة الأقدر من غيرها على حمل الإسلام وتبليغه ، بل لقدرتها الفائقة على تخريب الدعوة والأمة إذا لم يكن لها فيها النصيب الأكبر ! فهذا هوالمفهوم من ذم القرآن والرسول صلى الله عليه وآله لقريش، وفي نفس الوقت حرص النبي صلى الله عليه وآله على هدايتهم والليونة معهم ، والتحمل منهم ، لأنه سيخرج منهم أبرار وإن قلوا !
كان اللازم جذب القرشيين والتحمل منهم ، وإلا فلا يمكن أن تنطلق سفينة الإسلام في العالم. فهم ضرورة للإسلام كضرورة إبليس لآدم عليه السلام ولايمكن للنبي صلى الله عليه وآله كشفهم يومها إلا للخاصة !
وتسأل: إذا أعطاهم الله هذه المهلة الطويلة ، فسيحرفون الإسلام ويصورون أنفسهم أبطاله ، ويبيدون عترة النبي صلى الله عليه وآله !
والجواب: أن النبي صلى الله عليه وآله أخبرأن الأئمة من عترته سيعانون من ظلم قريش واضطهادهم ، لكنهم سيؤدون رسالتهم ويبقى منهم إمام ما بقي القرآن ، ولا يضرهم تكذيب من كذبهم ، حتى يظهر مهديهم عليهم السلام .
وتسأل: على هذا فلايبقى مع الأئمة من عترته إلا قلة من المسلمين وسيذهب جمهور الأمة مع قريش وخلافتهم وثقافتهم !
والجواب: نعم الأمر كذلك، فقد أراد الله تعالى قريشاً قادة وجمهوراً مضلين يمتحن بهم الأمة ، لأن سنته وقانونه الثابت في أنبيائه وفي الأمم: أن يجعل مع كل نبي مضلين ، فالنبي يهدي وهم يضلون ، فينجح من ينجح ويرسب من يرسب! قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا. وسنته عز وجل في الأمم أن يفسح لها المجال لأن تختلف بعد أنبيائها فيَضل من يضل ويهتدي من يهتدي بأعلام الهداية التي نصبها لهم.
وحديث النبي صلى الله عليه وآله متواتر عندهم: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر ، وذراعاً بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم ، قلنا: يا رسول الله ، اليهود والنصارى؟ قال: فمَن؟). رواه البخاري (9/126) ومسلم (4/2054).
وروينا نحن في تفسير قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (خطب الناس سلمان الفارسي رحمة الله عليه ، بعد أن دفن النبي صلى الله عليه وآله بثلاثة أيام خطبة قال فيها: ألا يا أيها الناس: إسمعوا عني حديثي ثم اعقلوه عني ، ألا وإني أوتيت علماً كثيراً ، فلو حدثتكم بكل ما أعلم من فضايل أمير المؤمنين لقالت طائفة منكم: هو مجنون ، وقالت طائفة أخرى: اللهم اغفر لقاتل سلمان ، ألا إن لكم منايا ، تتبعها بلايا ، ألا وإن عند علي علم المنايا ، والبلايا ، وميراث الوصايا ، وفصل الخطاب ، وأصل الأنساب ، على منهاج هارون بن عمران من موسى عليهما السلام إذ يقول له رسول الله صلى الله عليه وآله أنت وصيي في أهل بيتي ، وخليفتي في أمتي ، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى ، ولكنكم أخذتم سنة بني إسرائيل، فأخطأتم الحق فأنتم تعلمون ولا تعلمون.
أما والله لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ، حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة أما والذي نفس سلمان بيده: لو وليتموها علياً لأكلتم من فوقكم ومن تحت أقدامكم ، ولو دعوتم الطيرلأجابتكم في جو السماء ، ولو دعوتم الحيتان من البحار لأتتكم ، ولما عال ولي الله ، ولا طاش لكم سهم من فرائض الله ، ولا اختلف اثنان في حكم الله.ولكن أبيتم فوليتموها غيره فأبشروا بالبلايا واقنطوا من الرخاء وقد نابذتكم على سواء فانقطعت العصمة فيما بيني وبينكم من الولاء.
عليكم بآل محمد عليهم السلام فإنهم القادة إلى الجنة ، والدعاة إليها يوم القيامة. عليكم بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب فوالله لقد سلمنا عليه بالولاية وإمرة المؤمنين مراراً جمة مع نبينا ، كل ذلك يأمرنا به ، ويؤكده علينا فما بال القوم؟ عرفوا فضله فحسدوه ، وقد حسد هابيل قابيل فقتله ، وكفاراً قد ارتدت أمة موسى بن عمران ، فأمر هذه الأمة كأمر بني إسرائيل ، فأين يذهب بكم !
أيها الناس! ويحكم ما لنا وأبو فلان وفلان! أجهلتم أم تجاهلتم، أم حسدتم أم تحاسدتم؟ والله لترتدن كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف ، يشهد الشاهد على الناجي بالهلكة ، ويشهد الشاهد على الكافر بالنجاة ، ألا وإني أظهرت أمري وسلمت لنبيي ، واتبعت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة علياً أمير المؤمنين وسيد الوصيين ، وقائد الغر المحجلين ، وإمام الصديقين ، والشهداء والصالحين).
وروينا عن علي عليه السلام (الإحتجاج:1/369) في تفسير:لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ.قال: (لتسلكن سبيل من كان قبلكم من الأمم في الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء عليهم السلام ، وهذا كثير في كتاب الله عز وجل، وقد شق على النبي صلى الله عليه وآله ما يؤول إليه عاقبة أمرهم، وإطلاع الله إياه على بوارهم فأوحى الله عز وجل إليه: فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ. وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).
وتسأل: لماذا أذن الله تعالى بهذا الإنحراف الكبير بعد الرسل وبعد نبينا صلى الله عليه وآله ؟
والجواب: إقرأ قوله تعالى:إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى.
أي أكاد أخفيها لأمتحن الناس. واقرأ قوله تعالى: لايُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. لأنه لا يفعل إلا الحق والحكمة ، وإن لم نفهمها !

طالما حذر النبي صلى الله عليه وآله من الأئمة المضلين وهم من قريش

فقد روى أحمد (4/123):(قال النبي(ص):وإني لاأخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين ، فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة).
وهؤلاء الأئمة المضلون بعد النبي صلى الله عليه وآله هم من قريش حصراً لأنه لم يحكم أحد إلا من قريش وأحاديث المضلين صحيحة لا يمكن ردها !
وروى أحمد(5/145): (عن أبي ذر قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: لَغَيْرُ الدجال أخوفني على أمتي ، قالها ثلاثاً ، قال قلت: يا رسول الله، ما هذا الذي غير الدجال أخوفك على أمتك؟ قال:أئمة مضلون).
وروى ابن ماجة(2/1304): (وستعبد قبائل من أمتي الأوثان ، وستلحق قبائل من أمتي بالمشركين ، وإن بين يدي الساعة دجالين كذابين ، قريباً من ثلاثين كلهم يزعم أنه نبي ، ولن تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله عز وجل).
(قال عمر لكعب: إني سائلك عن أمرفلا تكتمني. قال: والله ما أكتمك شيئاً أعلمه قال: ما أخوف ما تخاف على أمة محمد ؟قال: أئمة مضلون قال عمر: صدقت قد أسر إلي وأعلمنيه رسول  الله).(رواه أحمد ووثقه في الزوائد:5/239).
ثم أخبر النبي صلى الله عليه وآله أن الأئمة المضلين سيسفكون دماء عترته عليهم السلام لكن رواة الخلافة حذفوا من الحديث سفك دماء عترته ، ثم دافعوا عمن سفك دماءهم !
ففي أمالي الطوسي(2/126):(عبد الله الحضرمي:سمعت علياً يقول:كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وآله وهو نائم ورأسه في حجري فتذاكرنا الدجال فاستيقظ النبي محمراً وجهه فقال: غير الدجال أخوف عليكم من الدجال: الأئمة المضلون ، وسفك دماء عترتي من بعدي ، أنا حربٌ لمن حاربهم وسلمٌ لمن سالمهم).
وفي معجم الشاميين للطبراني (2/97): (عن عمرقال: أسرَّ إليَّ رسول الله (ص) فقال: إن أخوف ما أخاف على أمتي أئمة مضلين). ولماذا أسرَّ اليه؟ عمر يعرف !
وروينا نحن في عمل الأئمة المضلين في تفسير الإمام العسكري عليه السلام /481: (فلما مات سعد بن معاذ بعد أن شفى من بني قريظة بأن قتلوا أجمعين ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يرحمك الله يا سعد ، فلقد كنت شجىً في حلوق الكافرين ، لو بقيت لكففت العجل الذي يراد نصبه في بيضة المسلمين كعجل قوم موسى. قالوا: يا رسول الله أو عجل يراد أن يتخذ في مدينتك هذه!
قال: بلى والله يراد ، ولو كان سعد فيهم حياً لما استمر تدبيرهم ، ويستمرون ببعض تدبيرهم ، ثم الله تعالى يبطله. قالوا: أخبرنا كيف يكون ذلك؟ قال: دعوا ذلك لما يريد الله أن يدبره) !

  • *

وبشر الأمة باثني عشر إماماً فحرفته قريش وضيعتهم !

روى البخاري (8 /127):(عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي(ص) يقول: يكون اثنا عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها،فقال أبي إنه قال: كلهم من قريش) !
وفي صحيح مسلم (6/3): (عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله (ص): لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة ، ثم قال كلمة لم أفهمها فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: كلهم من قريش) !
ثم روى ثانية وفيها: ثم تكلم بشئ لم أفهمه. وثالثة وفيها: لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة، فقال كلمة صَمَّنِيَها الناس! فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش).
لكن الحقيقة التي غيبوها رويناها نحن (نهج البلاغة : 2/27): إثنا عشر من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم. فارتفعت الضجة واللغط كما قالوا (فضجوا وقاموا وقعدوا وكبروا ولغطوا) !
وقال راوي قريش: ثم قال كلمة لم أفهمها فسألت عمر فقال: كلهم من قريش من قريش)! فكل المشكلة عندهم: غرسوا في هذا البطن من هاشم.
ولم يروِ البخاري وغيره في الأئمة الاثني عشرإلا هذه الرواية اليتيمة المجملة المبهمة ، التي لايمكنك أن تفهمها أنت ولا قومك ! مع أن هؤلاء المبشر بهم أئمة ربانيون معينون من الله تعالى ! بينما رووا عن حيض عائشة في حجة الوداع روايات عديدة ، كيف أرسل معها النبي صلى الله عليه وآله من يساعدها.إلخ.
وهكذا يقفل الشيخان بخاري ومسلم عليك الأبواب في أمرالأئمة الإثني عشر عليهم السلام ويقولان ويتبعهم الجميع: قال إنهم من قريش وكفى.
ومعناه أن النبي صلى الله عليه وآله قصر في التبليغ فلم يبين أسماء هؤلاء الربانيين ، ولا من أي بطن من قريش هم. ولا سأله أحد عن هويتهم!
ولا خلَّص أمته من الإختلاف والصراع الدموي على الحكم إلى يومنا هذا، وسفك دماء الملايين حتى انهارت على يد العثمانيين !
ونحن لانصدق كلام قريش لأنه غير معقول: ونقول إنهم عملوا لإخفاء الأئمة الإثني عشرالذين بشر بهم النبي صلى الله عليه وآله . فقد كان المسلمون المستمعون محرمين في عرفات يصغون الى نبيهم ، وقد حرص هو أن يوصل صوته اليهم فركب ناقته ليشاهدوه ويسمعوه ، وكان صوته يصل إلى أكثرهم ، ومع ذلك دعا برجل جهوري الصوت فكان يلقي الجملة ويقول له: أصرخ بها ، فيصرخ ويسمعها من لم يسمعها مباشرة.
ومما يدلك على تآمر قريش في إخفائهم أنهم رووا أن النبي صلى الله عليه وآله حدث بحديث الأئمة الإثني عشر في المدينة وهو على المنبر فخفيت عليهم هويتهم أيضاً !
ففي معجم الطبراني الكبير(2 / 256 3)عن ابن سمرة قال:(سمعت رسول الله (ص) وهو يخطب على المنبر ويقول: إثنا عشر قيماً من قريش لايضرهم عداوة من عاداهم ، قال: فالتفت خلفي فإذا أنا بعمر بن الخطاب وأبي في ناس، فأثبتوا لي الحديث كما سمعت). وفي رواية البزار ووثقها في الزوائد(5/191): (ثم رجع يعني النبي(ص) إلى بيته فأتيته فقلت: ثم يكون ماذا ؟ قال: ثم يكون الهرج).
ثم رواه القرشيون عن راوٍ آخر غير الصبي ابن سمرة من الطلقاء ، وهو أبو جحيفة فخفيت عليه نفس الكلمة أيضاً ! (الحاكم:3 / 618) ورجاله رجال الصحيح.
فهل يبقى شك عند ذي عقل أنهم تعمدوا إخفاء هويتهم ! وتضييعهم في العشرين قبيلة من قريش ، ورفضوا أنهم من بطن بني هاشم فقط !
ثم ضيعوا تطبيقهم بعد النبي صلى الله عليه وآله حتى قال أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي (6/391) بأن تطبيق الحديث على خلفائهم غير ممكن !
والمصيبة الأكبر عندهم أن رواية أبي داود (2/309) زادت أن هؤلاء الأئمة الربانيين كلهم يحكمون (حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة).
يريدون بذلك إبعادهم عن عترة النبي صلى الله عليه وآله لكنهم اعترفوا بأنها زيادة منكرة ! فهم من غير الحكام ، بل يخذلهم الحكام ويضطهدونهم !
قال الألباني في صحيحته (375- 376 , 963– 964):(والحديث في ضعيف الجامع برقم 6347 بنفس اللفظ. وقال الشيخ هناك(الألباني):ضعيف الجامع. وعَزْوُ هذا الحديث بهذا التمام لغير أبي داود وهمٌ أو تساهل، فإنه له وحده من بينهم وليس عندهم كلهم تجتمع عليه الأمة ثم يكون الهرج. وهما زيادتان منكرتان ولذلك أوردته هنا. وهو بدونهما صحيح).
وفي الطبراني الكبير(2/213و256) حديث سمرة بلفظ: اثنا عشرقيماً لايضرهم من خذلهم).

  • *

أبو الفتح الكراجكي يعرض تناقضاتهم !

قال أبو الفتح الكراجكي المتوفى سنة 449،في كتابه: التعجب من أغلاط العامة/83: (ومن عجيب أمرهم غلوهم في تفخيم الصحابة وإفراطهم في تعظيمهم ، وقولهم لايدخل الجنة مستنقص لأحد منهم ، وليس بمسلم من روى قبيحاً عنهم ! ويقولون إنا لا نعرف لأحد منهم بعد إسلامه عيباً، وليس منهم من واقع ذنباً، ويجعلون من خالفهم في هذا زنديقاً ، ومن ناظرهم فيه أو طلب الحجة منهم عليه مبتدعاً شريراً.
هذا ولهم في الرسل المصطفين والأنبياء المفضلين الذين احتج الله تعالى بهم على العالمين صلوات الله عليهم أجمعين ، أقوال تقشعر منها الجلود ، وترتعد لها القلوب ، ولا تثبت عند سماعها النفوس، يتدينون بذكرها ويتحملون بنشرها ، ويغتاظون على من أنكرها ودحضها ، كغيظهم على من أضاف إلى أحد الصحابة بعضها ، فينسبون آدم وحواء إلى الشرك ، وإبراهيم الخليل إلى الإفك والشك ، ويوسف إلى ارتكاب المحظور والجلوس من زليخا مجلس الفجور ، وموسى إلى أنه قتل نفساً ظلماً ، وداود إلى أنه عشق امرأة أوريا وحمله عشقها إلى أن قتل زوجها وتزوجها ، ويونس إلى أنه غضب على الله تعالى. ويقولون في سيدنا محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين صلى الله عليه وآله في تزويجه بامرأة زيد بن حارثة ، وفي غير ذلك من الأقوال القبيحة المفتعلة ، ما لا ينطلق لمؤمن بذكره لسان ، ولا يثبت لمسلم عند سماعه جنان ، ولا يطلقه عاقل ، ولا يجيزه منه إلا كافر جاهل ! فإذا قيل لهم إن جميع الأخبار الواردة في ذلك باطلة، وسائر الآيات التي تظنون أنها تقتضيه متأولة ، وقد شهدت العقول بعصمة الأنبياء عليهم السلام ودل القرآن على فضلهم وتميزهم عن الأنام ، فوجب أن تتأول الأقوال بما يوافق مقتضى الإستدلال. قالوا إذا سمعوا هذا الكلام هذا ضلال وترفض ، وهو فتح باب التزندق !
فياليت شعري كيف صار الهتف بالأنبياء عليهم السلام بالباطل إسلاماً وستراً ، والطعن على بعض الصحابة بالحق ضلالاً وكفراً ! وكيف صار القادح في الأفاضل المصطفين عليهم السلام ثبتاً صديقاً ، ومن قدح في أحد قوم غير معصومين رافضياً زنديقاً ! ألم يسمعوا قول الله تعالى في أنبيائه صلوات الله عليهم: وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ ، وقوله سبحانه وتعالى لأصحاب نبيه صلى الله عليه وآله : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ. وقول النبي صلى الله عليه وآله : إن من أصحابي من لا يراني بعد أن يفارقني !
فأي نسبة بين الطبقتين ، وأي تقارب بين القبيلتين ، لولا ما مع خصومنا من العصبية التي حرمتهم حسن التوفيق.
وقد قال بعض المعتزلة لأحد الشيعة: إن أمركم معشر الشيعة لعجيب ورأيكم طريف غير مصيب ، لأنكم أقدمتم على وجوه الصحابة الأخيار وعيون الأتقياء الأبرار، الذين سبقوا إلى الإسلام واختصوا بصحبة الرسول وشاهدوا المعجزات ، وقطعت أعذارهم الآيات ، وصدقوا بالوحي ، وانقادوا إلى الأمر والنهي ، وجاهدوا المشركين ، ونصروا رسول رب العالمين ، ووجب أن تحسن بهم الظنون ، ويعتقد فيهم الإعتقاد الجميل ، فزعمتم أنهم خالفوا الرسول وعاندوا أهله من بعده ، واجتمعوا على غصب حق الإمام ، وإقامة الفتنة في الأنام، واستأثروا بالخلافة ، وسارعوا إلى الترأس على الكافة ، وهذا مما تنكره العقول وتشهد أنه مستحيل ، فالتعجب منكم طويل !
فأجابه: أما المؤمنون من الصحابة الأخيار، والعيون من الأتقياء الأطهار فمن هذه الأمور مبرؤون ، ونحن عن ذمهم متنزهون ، وأما من سواهم ممن ظهر زللهم وخطؤهم ، فإن الذم متوجه إليهم ، وقبيح فعلهم طرَق القول عليهم ، ولو تأملت حال هؤلاء الأصحاب لعلمت أنك نفيت عنهم خطأ قد فعلوا أمثاله ، ونزهتهم عن خلاف قد ارتكبوا أضعافه ، وتحققت أنك وضعت تعجبك في غير موضعه ، وأوقعت استطرافك في ضد موقعه ، فاحتشمت من خصمك ، ورددت التعجب إلى نفسك.
هؤلاء القوم الذين فضلتهم وعظمتهم وأحسنت ظنك بهم ونزهتهم ، هم الذين دحرجوا الدباب ليلة العقبة بين رجلي ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله طلباً لقتله. وهم الذين كانوا يضحكون خلفه إذا صلى بهم ويتركون الصلاة معه وينصرفون إلى تجاراتهم ولهوهم حتى نزل القرآن يهتف بهم.وهم الذين جادلوا في خروجه إلى بدر وكرهوا رأيه في الجهاد ، واعتقدوا أنه فيما دبره على غير الصواب ، ونزل فيهم:
كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ. يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ.
وهم الذين كانوا يلتمسون من النبي صلى الله عليه وآله بمكة القتال وينازلونه في الجهاد ، ويرون أن الصواب خلاف ما تعبدوا به في تلك الحال من الكف والإمساك ، فلما حصلوا في المدينة وتكاثر معهم الناس ، ونزل عليهم فرض الجهاد وأمروا بالقتال كرهوا ذلك وطلبوا التأخير من زمان إلى زمان ، ونزل فيهم:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ.
وهم الذين أظهروا الأمانة والطاعة وأضمروا الخيانة والمعصية ، حتى نزل فيهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
وهم الذين كفوا عن الإثخان في القتل يوم بدر وطمعوا في الغنائم ، حتى نزل فيهم: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرض تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.وهم الذين شكوا يوم الخندق في وعيد الله ورسوله صلى الله عليه وآله وخبثت نياتهم ، فظنوا أن الأمر بخلاف ما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وآله إذ نزل فيهم:
إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِي الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا. وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا.
وهم الذين نكثوا عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ونقضوا ما عقده عليهم في بيعته تحت الشجرة ، وأنفذهم إلى قتال خيبر فولوا الدبر ونزل فيهم:
وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُولاً.
وهم الذين انهزموا يوم حنين وأسلموا النبي صلى الله عليه وآله للأعداء ، ولم يبق معه إلا أميرالمؤمنين عليه السلام وتسعة من بني هاشم، ونزل فيهم:
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ.
وأمثال ذلك مما يطول بشروحه الذكر !
وهم الذين قال الله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلارَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ.
وهم الذين قال لهم النبي صلى الله عليه وآله : لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لاتبعتموه ! قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن إذاً ؟وهم الذين قال لهم: ألا لأعرفنكم ترتدون بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض.
وهم الذين قال لهم: إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة ، وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي! فيقال:إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم!
وهم الذين قال لهم: بينما أنا على الحوض إذ مُرَّ بكم زمراً فتفرق بكم الطرق فأناديكم: ألا هلموا إلى الطريق ، فينادي مناد من ورائي: إنهم بدلوا بعدك ، فأقول: ألا سحقاً ألا سحقاً. وهم الذين قال لهم عند وفاته: جهزوا جيش أسامة ، ولعن من تخلف عنه ، فلم يفعلوا.
وهم الذين قال صلى الله عليه وآله لهم : إئتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي فلم يفعلوا ! وقال أحدهم: دعوه فإنه يهجر! ولم ينكر الباقون عليه!
هذا مع إظهارهم الإسلام واختصاصهم بصحبة النبي صلى الله عليه وآله ورؤيتهم الآيات وقطع أعذارهم بالمعجزات !فانظر الآن أينا أحق بأن يتعجب ، وأولانا بأن يُتعجب منه: من أضاف إلى هؤلاء الأصحاب ما يليق بأفعالهم ، ومن جعلهم فوق منازل الأنبياء عليهم السلام ، وهذه أحوالهم) !

  • *

الفصل السادس عشر - خطط قريش بعد فتح مكة لأخذ الخلافة !

عملت قريش بعد هزيمتها على عدة جبهات !

فلم تقبل الهزيمة بفتح النبي صلى الله عليه وآله لمكة وعملت ضده على بضع عشرة جبهة !

الجبهة الأولى: عزلت أبا سفيان !

خلعته واتهمته بأنه تآمر مع النبي صلى الله عليه وآله وقاطعته والذين يميلون الى النبي صلى الله عليه وآله من بني أمية وغيرهم ! فصار أبو سفيان عاطلاً عن العمل، ذهب يلتمس من النبي صلى الله عليه وآله عملاً له ولبنيه ! فجعله النبي صلى الله عليه وآله والياً على جمع الزكوات في منطقة باليمن (ما بين رمع وزبيد إلى حد نجران). (تاريخ الطبري:2/532).
وفي أنساب الأشراف (1/431): (وقوم يقولون: إن النبي ولى أبا سفيان صدقات خولان وبجيلة ، واستعمل يزيد بن أبي سفيان على نجران).

الجبهة الثانية: نصبت سهيل بن عمرو رئيساً

فصار سهيل بن عمرو السهمي بعد معركة حنين حاكم مكة غير المعلن ، وهمشت البطون عتاب بن أسيد الأموي، الذي نصبه النبي صلى الله عليه وآله حاكم مكة !
و أمسك سهيل بمكة وتوابعها حتى خاف عتاب بن أسَيْد أن تقتله قريش !
فقد روى المؤرخ اليعقوبي(2/76)أن قريشاً وقفت في الحج وحدها ولم تقف مع عتاب، قال:(وقف عتاب بالمسلمين، ووقف المشركون على حدتهم)!
ولما توفي النبي صلى الله عليه وآله اختبأ عتاب خوفاً من القتل واحتاج إلى أمان من الحاكم الحقيقي سهيل بن عمرو السهمي! فقد كانت بطون قريش تعتبرعتاباً مع أنه قرشي أموي، من جماعة محمد ومن بني عمه الأمويين !
وكانت في مكة تتهيأ للردة، وفي المدينة تهدد النبي صلى الله عليه وآله بها إن هو أوصى لأحد من بني هاشم ، وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله شاع في مكة أن قريشاً ارتدت عن الإسلام ، وخاف حاكمها عتاب أن يقتلوه فاختبأ منهم.
وبعد أيام وصلهم الخبر يطمئنهم ببيعة أبي بكر التيمي، وأن أحداً من بني هاشم لن يحكم بعد محمد صلى الله عليه وآله فاطمأن سهيل بن عمرو ، وخطب في قريش بنفس خطبة أبي بكر في المدينة ، والتي مفادها أنه من كان يعبد محمداً فإن إلهه قد مات ، ونحن لا نعبده بل نعبد الله ، ومحمد ابن قريش وسلطانه لها، وقد اختارت قريش حاكماً لنفسها بعده وهو أبو بكر ، فاسمعوا له وأطيعوا .
لقد طمأنهم سهيل بأن الأمر بيد قريش، وليس بيد بني هاشم ولا بيد الأنصار اليمانية الذين يعبدون محمداً فلماذا الرجوع عن الإسلام! فأطاعته قريش وانتهى مشروع الردة ! وأصدر أمره لعتاب بن أسيد: أخرج من مخبئك واحكم مكة باسم الزعيم القرشي غير الهاشمي أبي بكر بن أبي قحافة  !
وفي الإكتفاء للكلاعي(2/87): (فلما توفى رسول الله (ص)وانتهى خبر وفاته إلى مكة ، تكلم بها قوم كلاماً قبيحاً ! (يظهر أنهم شتموا النبي صلى الله عليه وآله ) فقام سهيل بن عمرو بخطبة أبي بكر كأنه كان يسمعها فقال: أيها الناس ، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله ، فإن الله حيٌّ لم يمت).

الثالثة: زادت قريش تشاورها مع اليهود !

كانت قريش على صلة مستمرة باليهود ليعاونوها على محمد صلى الله عليه وآله ، في أول البعثة بتوجيه الأسئلة المشكلة اليه لإحراجه وفضحه.
ثم تطورت مشاورتهم معهم فصارت في تجييش القبائل لحرب محمد صلى الله عليه وآله ، وكان جمع القبائل لمعركة الأحزاب بسعي اليهود وفعاليتهم ، فقد جال وفد يهودي من ستين راباً حاخاماًعلى قبائل العرب حتى وصل الى نجد.
ثم تطورت مشاورتهم فصارت للتخطيط لأخذ خلافته وعزل أهل بيته عزلاً كاملاً ، وكان اليهود يؤكدون على الحزب القرشي أن يقطعوا عن أهل البيت الخمس الذي جعله الله لهم ، ولا يورثوهم من النبي صلى الله عليه وآله وأن يصادروا أموالهم. وقالوا لهم: إذا كان بيدهم المال فلا يضرهم عزلكم.
وقد روي هذا المعنى عن الأئمة عليهم السلام في تفسير قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ.
وقد جعل زعماء قريش ذلك سراً بينهم لئلا يثير غضب النبي صلى الله عليه وآله ويعلن كفرهم خاصة بعد أن نزل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا.
فأحضرهم النبي صلى الله عليه وآله وسألهم عن قولهم:إن مات محمد لا نرد الأمر في أهل بيته أبداً ! فحلفوا أنهم ما قالوا! لكن الله تعالى كذَّبَهم ولم يأمر بإعلان أسمائهم وسماهم المرتدين فقال:إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ. فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ.

الرابعة: تحالف عمر وأبو بكر مع سهيل

كتبنا أن من الملفت أن عمر تخلف عن النبي صلى الله عليه وآله لما رجع من حنين ولم يذهب مع المسلمين الى المدينة ، فقد زعم أن عليه نذراً بالإعتكاف من أيام الجاهلية ، فذهب إلى مكة ليعتكف ، وأخذ معه جارية من غنائم هوازن !
وقد روى تأخره البخاري( 4/59) ومسلم ( 5/89)والمؤكد عندي أنه ذهب للتشاور مع زعيم قريش الجديد سهيل، ووضع الخطط معه لأخذ خلافة النبي صلى الله عليه وآله وإبعاد أهل بيته عليهم السلام وكل بني هاشم عنها.
وكان سهيل ينزل في المدينة عند أبي بكر وعمر، ويذهبون معه الى النبي صلى الله عليه وآله ويؤيدون مطالبه منه ، فغضب صلى الله عليه وآله وهدد قريشاً بعلي عليه السلام .

الخامسة: وضعوا خطة لإسكان الطلقاء في المدينة  !

كثف القرشيون الهجرة الى المدينة ليكون لهم حضور في الأحداث خاصة قرب وفاة النبي صلى الله عليه وآله وبعدها. حتى صار الطلقاء بعدد سكان أهل المدينة تقريباً !
وأردوا من النبي صلى الله عليه وآله أن يعتبر هؤلاء مهاجرين ليكسبوا امتيازهم، فأعلن أنه: لا هجرة بعد الفتح. وقد وسطوا العباس فلم ينفعهم !
قال ابن قدامة (المغني:11/208): (روي عن النبي (ص)أن العباس جاءه برجل ليبايعه على الهجرة فقال النبي(ص): لاهجرة بعد الفتح.قال العباس أقسمت عليك يا رسول الله لتبايعنه ! فوضع النبي(ص)يده في يده فقال: أبررت قسم عمي ولا هجرة. فأجابه إلى صورة المبايعة).
قال في فتح الباري ( 8 / 115): (وقال ابن إسحاق: بدأ برسول الله( ص) وجعه يوم الأربعاء فأصبح يوم الخميس فعقد لأسامة فقال: أغز في سبيل الله ، وسر إلى موضع مقتل أبيك ، فقد وليتك هذا الجيش ، فذكر القصة وفيها: لم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة منهم أبو بكر وعمر، وعند الواقدي أيضاً أن عدة الجيش كانت ثلاثة آلاف فيهم سبع مائة من قريش).
فإذا كان المأمورون بالذهاب مع أسامة سبع مئة قرشي ، فعدد القرشيين في المدينة نحو أربعة آلاف ، بينما كان المهاجرون القرشيون مع النبي صلى الله عليه وآله دون العشرين نفراً ، فالباقون من الطلقاء جاؤوا بعد فتح مكة ، فعددهم قريبٌ من أهل المدينة !

السادسة: نشط الحزب القرشي في العمل لقتل النبي صلى الله عليه وآله

اتفق الحزب القرشي الجديد على زيادة الفعالية لاغتيال النبي صلى الله عليه وآله وكانت أقوى محاولاتهم في رجوعه من تبوك ، فنزلت فيهم الآية ، وبيَّنَ الله تعالى أنهم نفس الذين قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم، فقال الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وآله : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا. وقد فسرالجميع: وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا،بأنهم حاولوا اغتياله صلى الله عليه وآله .

السابعة: العمل من داخل بيت النبي صلى الله عليه وآله وتجنيد عائشة وحفصة

وقد عملت حفصة وعائشة مع أبويهما لمصلحة قريش، وهذا أمر معروف! وكشفت ذلك سورة التحريم فحذرهما الله تعالى من التعاون ضد النبي صلى الله عليه وآله وضرب لهما مثلاً بامرأة نوح وامرأة لوط إذ خانتا زوجيهما !
نص السورة الكريمة:
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَالْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ.
إِنْ تَتُوبَا إِلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَمَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ. عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِى الله النَّبِىَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَئٍْ قَدِيرٌ. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. ضَرَبَ الله مَثَلاً للَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحِينِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ الله شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ. وَضَرَبَ الله مَثَلاً للَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ.

تفسير مختصر للسورة

1- حكمت عائشة في دولة أبيها أبي بكر ، وأخذت قبرالنبي صلى الله عليه وآله وادعت أن النبي أعطاها مكان دفنه فهو غرفتها ، فجعلت لها قفلاً ومفتاحاً بيدها !
وأخذت امتيازات مالية ومعنوية كثيرة ، واستمرت على هذه الحالة في حكم عمر ، فكان يعطيها مبلغاً كبيراً سنوياً ، ويهديها هدايا كثيرة ، حتى أنه أهدى اليها صندوقاً فيه جواهر زوجة كسرى. فصارت من أثرياء الصحابة واشترت بيتاً كبيراً في المدينة ، ثم باعته إلى معاوية بمئة وثمانين ألف درهم وقيل بمئتي ألف ( الطبقات:8 /165).
2- لكن عثمان قطع مخصصات عائشة وحفصة ، فجاءتاه معترضتين فقال: لا أجد لك موضعاً في الكتاب ولا في السنة ، وإنما كان أبوك وعمر بن الخطاب يعطيانك بطيبة من أنفسهما ، وأنا لا أفعل ! قالت له: فأعطني ميراثي من رسول الله ! ( أمالي المفيد / 125). وكان متكئاً فجلس وقال: ستعلم فاطمة أي ابن عم لها أنا اليوم ! ثم قال لهما:ألستما اللتين شهدتما عند أبويكما ولفقتما معكما أعرابياً يتطهر ببوله مالك بن أوس بن الحدثان فشهدتما معه أن النبي قال: لانورث)! ( المسترشد/508).
وفي كتاب سُليم بن قيس/ 242: (لا والله ولا كرامة لكما ولا نَعِمْتُ عنه ! ولكن أجيز شهادتكما على أنفسكما فإنكما شهدتما عند أبويكما أنكما سمعتما من رسول الله يقول: النبي لا يورث ، ما ترك فهو صدقة ! ثم لقنتما أعرابيا جلفا يبول على عقبيه ويتطهر ببوله مالك بن أوس بن
الحدثان فشهد معكما ! ولم يكن في أصحاب رسول الله من المهاجرين ولا من الأنصار أحد شهد بذلك غيركما وغير أعرابي. أما والله ما أشك أنه قد كذب على رسول الله وكذبتما عليه معه ، ولكني أجيز شهادتكما على أنفسكما فاذهبا فلا حق لكما ! فانصرفتا من عنده تلعنانه وتشتمانه)! (تكلمتا في المسجد تحركان الناس على عثمان فقال: إن هاتين لفتانتان يحل لي سبهما ، وأنا بأصلهما عالم ! فقال له سعد بن أبي وقاص: أتقول هذا لحبائب رسول الله ؟ فقال: وفيم أنت وما هاهنا ، ثم أقبل نحو سعد عامداً ليضربه فانسل سعد من المسجد)! (السقيفة/82 ، وشرح النهج:9/5)
وقال الفخر الرازي في المحصول (4/342):(إن عثمان أخر عن عائشة بعض أرزاقها فغضبت ، ثم قالت يا عثمان: أكلت أمانتك وضيعت الرعية، وسلطت عليهم الأشرار من أهل بيتك ! والله لولا الصلوات الخمس لمشى إليك أقوام ذووا بصائر يذبحونك كما يذبح الجمل! فقال عثمان: ضَرَبَ الله مَثَلاً للَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحِينِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ الله شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ. فكانت عائشة تحرض عليه جهدها وطاقتها وتقول: أيها الناس هذا قميص رسول الله (ص) لم يَبْلَ وقد بليت سنته ! أقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلاً) !
3- استمرت عائشة وحفصة في ادعاء إرثهما من النبي صلى الله عليه وآله لتبرير دفن أبويهما في ملك النبي صلى الله عليه وآله ! فكان الشيعة يحتجون عليهم ، ففي الفصول المختارة /74 ، للمفيد أن الفضال بن الحسن بن فضال مرَّ على أبي حنيفة:(وهو في جمع كثير يملي عليهم شيئاً من فقهه وحديثه ، فقال لصاحب كان معه: والله لا أبرح أو أُخجل أبا حنيفة ! فقال صاحبه: إن أبا حنيفة ممن قد علمت حاله ومنزلته وظهرت حجته ، فقال: مه هل رأيت حجة كافر علت على مؤمن؟
ثم دنا منه فسلم عليه فرد ورد القوم بأجمعهم السلام. فقال: يا أبا حنيفة رحمك الله إن لي أخاً يقول: إن خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب وأنا أقول: إن أبا بكر خير الناس بعد رسول الله وبعده عمر ، فما تقول أنت رحمك الله ؟ فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال: كفى بمكانهما من رسول الله كرماً وفخراً ، أما علمت أنهما ضجيعاه في قبره ، فأي حجة أوضح لك من هذه ؟ فقال له فضال: إني قد قلت ذلك لأخي فقال: والله لئن كان الموضع لرسول الله دونهما فقد ظَلما بدفنهما في موضع ليس لهما فيه حق ، وإن كان الموضع لهما فوهباه لرسول الله صلى الله عليه وآله لقد أساءا وما أحسنا إليه إذ رجعا في هبتهما ونكثا عهدهما ! فأطرق أبو حنيفة ساعة ثم قال قل له: لم يكن لهما ولا له خاصة ولكنهما نظرا في حق عائشة وحفصة فاستحقا الدفن في ذلك الموضع بحقوق ابنتيهما. فقال له فضال: قد قلت له ذلك فقال: أنت تعلم أن النبي مات عن تسع حشايا فنظرنا فإذا لكل واحدة منهن تُسع ، ثم نظرنا في تُسع الثمن فإذا هو شبر في شبر ، فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك ، وبعد فما بال عائشة وحفصة ترثان رسول الله صلى الله عليه وآله وفاطمة ابنته تُمنع الميراث !
فقال أبو حنيفة: يا قوم نحوه عني ، فإنه والله رافضي خبيث) !
4- نصت سورة التحريم على أن النبي صلى الله عليه وآله أسرَّ بحديثٍ خطيرٍ إلى بعض أزواجه ، وأكد عليها أن لا تقوله لأحد ، ولا بد أن الله تعالى أمره بذلك لِحِكَمٍ ومصالح يعلمها سبحانه. فخالفت زوجته حكم الله تعالى ، وخانت زوجها رسول الله صلى الله عليه وآله بإفشاء سره ، وعملت مع صاحبتها لمصلحة قريش ضد مصلحة زوجها الرسول صلى الله عليه وآله ! وأطْلع الله تعالى نبيه على عملهما فأخبرهما بما فعلتا ، ونزل القرآن بكشف سرهما وسر من ورائهما وهددهما ، وضرب لهما مثلاً بامرأتي نوح ولوط اللتين خانتا زوجيهما فدخلتا النار !
وروي أن السرالذي أخبرها به أن أبا بكر سيحكم بعده ويعزلون العترة عليهم السلام .
فالسورة تتحدث عن خطرٍ عظيمٍ على الرسول صلى الله عليه وآله والرسالة ، وتحشد أعظم جيشٍ جرارٍ لمواجهة الموقف فتقول: وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَمَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ. والتظاهر عليه أمرٌ أكبر من صغو القلوب وزيغها ، فهو انخراط في العمل ضد النبي صلى الله عليه وآله والتآمر عليه !
وقال رواة الخلافة إن المسألة لم تكن سياسية بل عائلية تتعلق بغيرة النساء من بعضهن ، لكن هل تحتاج القضية العائلية إلى هذا الجيش الإلهي الجرار، الذي لا يستنفره الله تعالى إلا لحالات الطوارئ القصوى!
ثم رووا ما يؤيد رأينا بأن تظاهرهما مرتبط بخلافة النبي صلى الله عليه وآله فقالوا إن حفصة وجدت النبي صلى الله عليه وآله في غرفتها مع مارية: ( فقال لها لاتخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة: إن أباك يلي من بعد أبي بكر إذا أنا متُّ ! فذهبت حفصة فأخبرت عائشة وأخبرا أبويهما ، فأخبرالله نبيه صلى الله عليه وآله بخيانتهما ، فقالت عائشة: مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ. وقالت روايتهم: إن حفصة وعائشة طلبتا منه أن لا يقرب من مارية ، فحرمها على نفسه ! (مجمع الزوائد(5/178).
5- ثم رووا أنه حرم على نفسه العسل! روى الحاكم(4/105) عن عائشة قالت: (كان رسول  الله(ص) يدخل على بعض أزواجه وعندها عكة من عسل فيلعق منها لعقاً فيجلس عندها فأرابهم ذلك).
قالت عائشة (البخاري:6/167):(فقلت أما والله لنحتالن له! فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك فإذا دنا منك فقولي أكلت مغافير! فإنه سيقول لك لافقولي له: ما هذه الريح التي أجد منك)!
وفي أسباب النزول للواحدي/292: (وكانت حفصة وعائشة متواخيتين على سائر أزواج النبي(ص) فقالت إحداهما للأخرى: فإذا دخل فخذي بأنفك ، فإذا قال مالك؟ قولي: أجد منك ريحاً لا أدري ما هي، فإنه إذا دخل عليَّ قلت مثل ذلك ، فدخل رسول الله فأخذت بأنفها فقال: مالكِ؟ قالت: ريحاً أجد منك وما أراه إلا مغافير).أي أكل النحل رحيق نبات العُرْفُط فصارت رائحة عسله مثله. والمغافيرصمغ شجر فيه حلاوة كريه الرائحة ! ( تاج العروس:7 /960)
وقصد عائشة أن تثبت للنبي صلى الله عليه وآله أن العسل الذي سقته إياه أم سلمة ، فيه رائحة المغافير ليتركه ولا يتأخر عندها ! وقد افتخرت بأنها ارتكبت الكذب على النبي صلى الله عليه وآله مع أن رائحته صلى الله عليه وآله كانت عطرة دائماً !
أقول: هذه قصة منفصلة عن سورة التحريم، لكن لها دلالة على وجود الحزب القرشي في نساء النبي صلى الله عليه وآله . فقد كان النبي صلى الله عليه وآله يدخل غرفة أم سلمة ويتأخر عندها، وقد اتخذها مركزاً لملاقاته بعلي عليه السلام وغيره ، فتصورت عائشة وحزبها أن سبب تأخره جنسي ، وعملت له هذه الحيلة وشغَّلت معها حفصة لكن النبي صلى الله عليه وآله كان يعد أم سلمة لدور مهم بعده !
فقد اعترفت عائشة وقالت (البخاري:3/133): إن نساء رسول الله كن حزبين فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة ، والحزب الآخرأم سلمة وسائر نساء رسول الله (ص). وحزب أم سلمة مع النبي صلى الله عليه وآله وحزب عائشة مع قريش!
6- تضمنت السورة ذماً شديداً وتهديداً لعائشة وحفصة ! لأن قلوبهما زاغت عن الدين بفعل الشيطان !وقد ضرب مثلاً لهما بامرأتين كافرتين لنبيين ! وهددهما برد خطرهما وخطر حزبهما بجيش رباني! وحكم بأن عملهما: كفر ونفاق ، وأمر النبي صلى الله عليه وآله بالشدة معهما: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. وهي نفس الآية التي هدد بها الله الحزب القرشي الذين قالوا كلمة الكفر وهموا بقتل النبي صلى الله عليه وآله ! في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ.

الجبهة الثامنة: خافت قريش أن يجعل النبي صلى الله عليه وآله ابنه إبراهيم ولي عهده

بعد فتح مكة ولد ابن للنبي صلى الله عليه وآله هوابراهيم عليه السلام فخافت قريش أن يجعله ولي عهد بعده ، فنشطت في نفي الولد عن أبيه واتهام مارية ومحاولة قتل إبراهيم !
وقالت عائشة إن الناس قالوا: من حاجته ادعى ولد غيره !
روى الحاكم وصححه(4/39): (عن عائشة قالت: أهديت مارية إلى رسول الله ومعها ابن عم لها قالت فوقع عليها وقعة فاستمرت حاملاً. قالت فعزلها عند ابن عمها. قالت: فقال أهل الإفك والزور: من حاجته إلى الولد ادعى ولد غيره ، وكانت أمة قليلة اللبن فابتاعت له ضائنة لبون فكان يغذى بلبنها فحسن عليه لحمه قالت عائشة: فدُخِلَ به على النبي صلى الله عليه وآله ذات يوم فقال كيف ترين؟ فقلت من غذي بلحم الضأن يحسن لحمه. قال: ولا الشبه؟ قالت فحملني ما يحمل النساء من الغيرة أن قلت: ما أرى شبهاً ! قالت وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ما يقول الناس ، فقال لعلي: خذ هذا السيف فانطلق فاضرب عنق ابن عم مارية حيث وجدته ، قالت فانطلق فإذا هو في حائط على نخلة يخترف رطباً ، قال: فلما نظر إلى علي ومعه السيف استقبلته رعدة ، قالت فسقطت الخرقة ، فإذا هو لم يخلق الله عز وجل له ما للرجال ، شئ ممسوح).
ومعنى: من حاجته إلى الولد ادعى ولد غيره ! أن المنافقين القرشيين كانوا يرون أن النبي صلى الله عليه وآله بحاجة إلى ابن ليجعله ولي عهده !
والحل عندهم أن يتهموا زوجته مارية لينفوا عنه ابنه ، لكي لا يبقى له ولد يرثه.
وقالت عائشة (الطبقات:8 / 212): (ماغرتُ على امرأة إلا دون ما غرتُ على مارية! وذلك أنها كانت جميلة من النساء جعدة ، وأعجب بها رسول الله ، وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيت لحارثة بن النعمان فكانت جارتنا، فكان رسول الله عامة النهار والليل عندها حتى فرغنا لها فجزعت! فحولها إلى العالية فكان يختلف إليها هناك فكان ذلك أشد علينا ، ثم رزق الله منها الولد وحرمنا منه)!
وقولها: فرغنا لها فجزعت ! يختصرسنتين من صراعهما مع مارية المؤمنة الغافلة الغريبة ! وروي من أذيتهن بالكلام والضرب والشد بالشعر! فخاف النبي صلى الله عليه وآله عليها وعلى حملها ! فبنى لأم إبراهيم غرفة عند زوجة أبي رافع وأسكنها هناك ، وكان يذهب إليها.
وسأل رجل علياً عليه السلام : (أرأيت لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله ترك ولداً ذكراً قد بلغ الحلم أكانت العرب تسلم إليه أمرها؟قال: لا، بل كانت تقتله إن لم يفعل ما فعلتُ ! ولولا أن قريشاً جعلت اسمه ذريعة إلى الرياسة، وسُلَّماً إلى العز والإمرة لما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً، ولارتدت في حافرتها، وعاد قارحها جذعاً ، وبازلها بكراً. ثم فتح الله عليها الفتوح فأثْرت بعد الفاقة ، وتمولت بعد الجَهد والمخمصة، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجاً، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطرباً وقالت: لولا أنه حق لما كان كذا ! ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها وحسن تدبيرالأمراء).(شرح النهج: 20/298).
وقد صرحت مصادرنا بأن عائشة هي التي اتهمت مارية فقالت للنبي صلى الله عليه وآله بعد موت إبراهيم بوقاحة: ما الذي يحزنك عليه إنه ابن جريح القبطي!
فبعث النبي علياً عليه السلام ليأخذه فخاف جريح فتسلق نخلة في بستان فانكشف ثوبه فإذا ليس له ما للرجال، فرجع علي عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره فقال النبي صلى الله عليه وآله : الحمد لله الذي صرف عنا السوء أهل البيت !
ثم نزلت الآية: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ). (تفسير القمي:2/318).

الجبهة التاسعة: الدعاية ضد بني هاشم وضد علي خاصة !

جاء العباس يوماً مغضباً وقال: (يا رسول الله ما لنا ولقريش ! إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مُبْشِرة ، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك! فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله حتى احمر وجهه ، ثم قال: والذي نفسي بيده لايدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله). (الترمذي:5 / 317).
وقاموا في المدينة بالدعاية ضد بني هاشم ، حتى أنهم كانوا يقولون إن (محمداً) نشاز في هؤلاء السيئين ! فضجَّ الأنصار واشتكوا إلى النبي قالوا: إنا نسمع من قومك حتى يقول القائل: إنما مثل محمد كمثل نخلة نبتت في كَبَا (مزبلة) !
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله على المنبر:(أيها الناس من أنا؟ فقالوا: أنت رسول الله ، فقال: أنا محمد بن عبدالله بن عبد المطلب. قال فما سمعناه انتمى قبلها قط ، ثم قال:إن الله تعالى خلق خلقه فجعلني في خير خلقه ، ففرقهم فريقين فجعلني في خير الفريقين، ثم جعلهم قبائل فجعلني من خيرهم قبيلة، ثم فرقهم بيوتاً فجعلني من خيرهم بيتاً، فأنا خيركم بيتاً وخيركم نفساً).( مسند أحمد:1/210).
وقال أنس بن مالك: (رجعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله قافلين من تبوك ، فقال لي في بعض الطريق: ألقوا لي الأحلاس والأقتاب ، ففعلوا فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله فخطب فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: معاشر الناس ، مالي إذا ذكر آل إبراهيم تهللت وجوهكم ، وإذا ذكر آل محمد كأنما يفقأ في وجوهكم حب الرمان ! فوالذي بعثني بالحق نبياً لو جاء أحدكم يوم القيامة بأعمال كأمثال الجبال ولم يجئ بولاية علي بن أبي طالب لأكبه الله في النار)! (أمالي الطوسي/308).
وركزت قريش دعايتها ضد علي عليه السلام خاصة لإسقاط شخصيته والإنتقام منه لقتله زعماءها وأبطالها ، وتهيئة الجو لعزله بعد النبي صلى الله عليه وآله ! وعملت لذلك أعمالاً عديدة وقد غضب النبي صلى الله عليه وآله من ذلك مراراً وشدد دفاعه عن علي عليه السلام وخطب أكثر من مرة مبيناً مكانته وفضله، ونفاق من يؤذيه ويبغضه،أو كفره !
ولو لم يكن من ذلك إلا قصة بريدة الأسلمي،التي روتها مصادر السنيين بطرق عديدة وأسانيد صحيحة لكفى، فقد كشفت عن وجود شبكة عمل منظم ترسل الرسائل من اليمن إلى النبي صلى الله عليه وآله تشتكي على علي عليه السلام وتضع الخطط ضده. وقد اختصر رواتهم القصة، وجمعنا تفصيلها في كتاب: ألف سؤال وإشكال (1/179) تحت عنوان: عقدة بطون قريش من بني هاشم !
واتفقت روايتهم على إدانة النبي صلى الله عليه وآله لهم وغضبه عليهم ، وتصريحه بأن علياً وليكم من بعدي كما رواه أحمد والنسائي، وأن كل من ينتقد علياً عليه السلام ولا يحبه ولا يطيعه فهو منافق خارج عن الإسلام ! لكن القرشيين لايسمعون أوامر النبي صلى الله عليه وآله في حق علي عليه السلام في حياة النبي فكيف بهم بعد وفاته !

الجبهة العاشرة: الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله حتى في حياته

وجبهة الكذب على النبي صلى الله عليه وآله جبهة واسعة لها أبطالها، ولهم أبواقهم ورواتهم: وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله عند الجميع أنه صلى الله عليه وآله صعد المنبر وقال: أيها الناس قد كثرت عليَّ الكذابة ! ألا ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار. وفي رواية: وستكثر الكذابة بعد وفاتي!
كما تواتر قول أمير المؤمنين عليه السلام : ( وقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله على عهده حتى قام خطيباً فقال: أيها الناس قد كثرت علي الكذابة فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ، ثمَّ كذب عليه من بعده).
وقد عقدنا في كتابنا: ألف سؤال وإشكال على المخالفين لأهل البيت الطاهرين عليهم السلام : الفصل العشرون: قرشيات البخاري في الطعن بنبينا صلى الله عليه وآله ، وقد أثبتنا أن افتراءت قريش على النبي صلى الله عليه وآله أسوأ من الإسرائيليات ومفتريات اليهود على أنبيائهم عليهم السلام !
ونكتفي هنا بذكر فهرس لافتراءاتهم على رسول الله صلى الله عليه وآله :
المسألة 138: مقارنة بين مقام نبينا صلى الله عليه وآله في مذهب أهل البيت الطاهرين عليهم السلام وغيرهم.
المسألة 139: البخاري نموذجاً للطعن في عصمة نبينا والإنتقاص من مقامه|!
المسألة 140: افتتح البخاري صحيحه بالطعن في النبي صلى الله عليه وآله واتهمه بأنه كان يشك في نبوته!
المسألة 141: افترى البخاري على نبينا صلى الله عليه وآله بأنه انقطع عنه الوحي فيئس وقرر الإنتحار !
المسألة 142: روى البخاري قصة الغرانيق وافترى على نبينا صلى الله عليه وآله بأنه مدح الأصنام !
المسألة 143: زعمت عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله قد سُحِر وسقط شعره وبقي شهوراً مسحوراً !
المسألة 144: الأخطاء النبوية.. والتصحيحات العمرية !
المسألة 145: افتروا على النبي صلى الله عليه وآله بأنه كان يشتم ويلعن ويؤذي ويضرب! بعكس عمر !
المسألة 146: زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعمل بالظن وينطق عن الهوى بعكس عمر!
المسألة 147: زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله ساذج لم يسمع بتلقيح النخل فخرب الموسم ! فقال: أنتم أعرف بأمور دنياكم ! ومعناه أنتم أعرف بمن يحكمكم بعدي!
المسألة 148: زعموا أنه صلى الله عليه وآله أمر بقطع كروم الطائف ونخيل خيبر.. فوبخه عمر !
المسألة 149: زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله أمر المسلمين بذبح جمال جيش تبوك..فوبخه عمر !
المسألة 150: رووا أن النبي صلى الله عليه وآله تأخر عن صلاة العشاء فصاح به عمر !
المسألة 151: زعموا أنه صلى الله عليه وآله نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس فأيقظه عمر !
المسألة 152: زعموا أن عمر انشغل فصلى آخر الوقت وأن النبي صلى الله عليه وآله فاتته الصلاة!
المسألة 153: منهجهم في تعظيم عمر وتكبير شخصيته ولو على حساب النبي|!
المسألة 154: اتهموا النبي صلى الله عليه وآله بأنه كان يذبح للأصنام وأن ابن عم عمر أتقى منه !
المسألة 155: زعموا أن عمر أمر النبي صلى الله عليه وآله أن يحجب نساءه فلم يطعه فنزل الوحي!
المسألة 156: اعترض عمر على النبي صلى الله عليه وآله لماذا أعطى قوماً من غنائم حنين !
المسألة 157: رووا اعتراض عمر على نبينا صلى الله عليه وآله لصلاته على جنازة منافق !
المسألة 158: زعم عمر أنه أصاب في أسرى بدر ، وأن النبي صلى الله عليه وآله أخطأ !
المسألة 159: رووا انقلاب الأمة على النبي صلى الله عليه وآله في حياته بقيادة عمر !
المسألة 160: قول عمر عندهم سنةٌ مطاعة ، يردون به سنة النبي صلى الله عليه وآله !
المسألة 161: محمد هو النبي الفعلي صلى الله عليه وآله ، لكن عمر أيضاً له درجة النبوة !
المسألة 162: تعظيمهم للخليفة القرشي وتفضيله على الرسول الهاشمي صلى الله عليه وآله !
المسألة 163: منهج مفسري الخلافة في الإنتقاص من النبي صلى الله عليه وآله ، واتهامه باتباع الظن !
المسألة 164: نسبت عائشة القسوة إلى النبي صلى الله عليه وآله والرحمة الى أبي بكر وعمر!

الجبهة الحادية عشرة: غيبوا سنة النبي صلى الله عليه وآله ومنعوا تدوينها وروايتها !

كان زعماء بطون قريش يرون أن محمداً صلى الله عليه وآله يغرق في مدح أهل بيته وعشيرته وفي ذم بطون قريش ، حتى أنه لعنهم في قنوت صلاته ، ويقول إن ذلك من الله وليس هو من الله بل منه ومن تعصبه لعشيرته !
لذلك كانوا يمنعون من كتابة سنته وكلامه في حياته ، ثم منعوا كتابتها وروايتها بعد وفاته !
فقد أحرق أبو بكر مجموعة من أحاديث السنة جمعها الأنصار ، وأحرق عمر مجموعة أخرى، ومنعوا تدوين السنة وحتى الرواية والتحديث عن النبي صلى الله عليه وآله في المسجد وغيره ، ووبخوا رواتها وأهانوهم ، وسجن عمر عدة منهم !
وشغَّلت السلطة علماءها في بيان حكمة منع رواية السنة وفلسفته !
وشغَّلوا الكهان والحاخامات في ملأ الفراغ والتحديث عن أهل الكتاب ، وحرفوا قوله صلى الله عليه وآله : حدثوا عن أهل الكتاب ولا حرج ، بأنه ترخيص في أخذ رواياتهم وقصصهم والتدين بها ! بينما معناه حدثوا عن أنواع انحرافهم ومعصيتهم لأنبيائهم وربهم ، ولا حرج ! فصارت ثقافة المسلمين قصص أهل الكتاب ومكذوبات رواة الخلافة! راجع كتابنا: الإمام محمد الباقر عليه السلام .

الجبهة الثانية عشرة: مواجهة من سموهم عُبَّاد محمد صلى الله عليه وآله وتسقيطهم !

وهم برأيهم الذين يؤمنون بأن كلام النبي صلى الله عليه وآله وفعله وتقريره سنة أمرنا الله بالإقتداء بها فقال: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا. فهي دين أمرنا الله أن نتدين به !
لأن النبي صلى الله عليه وآله كما قال عنه ربه: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَإِلا وَحْىٌ يُوحَى. وقد كان هؤلاء المؤمنون يكتبون كلامه صلى الله عليه وآله للعمل والإقتداء ، فسمتهم بطون قريش (عُبَّاد محمد) وقالت لا نقبل أن الله وصفه بأنه لا ينطق عن الهوى ، بل هو وصف نفسه بذلك ! وقالوا إنه يغضب كما يغضب البشر ويرضى كما يرضون، فينطق عن هوى لمدح بني هاشم، وعن غضب ضد بطون لقريش !

قال القرشيون: إن لعن النبي لزعماء قريش منه لا من الله !

وقالوا إن لعن النبي صلى الله عليه وآله لزعماء قريش خطأ منه لم يأمره به الله تعالى ! وقد عملت بطون قريش في حياة النبي صلى الله عليه وآله ونشطت بعد وفاته ، وابتكرت أعمالاً لمعالجة مشكلة الملعونين على لسانه صلى الله عليه وآله تتلخص في ستة أعمال:
العمل الأول: وضعوا أحاديث مفادها أن النبي صلى الله عليه وآله اعترف بخطئه في لعن الذين لعنهم ودعا عليهم ، لأنه بشر! فدعا الله تعالى أن يجعل لعنته على من لعنه أو سبه أو آذاه ظلماً: (صلاة وقربة ، زكاة وأجراً ، زكاة ورحمة ،كفارة له يوم القيامة ، صلاة وزكاة ، وقربة تقربه بها يوم القيامة ، مغفرة وصلاة ، فإنهم أهلي وأنا لهم ناصح على حد تعبير الروايات)!
فروى البخاري (7/157): ( عن أبي هريرة أنه سمع النبي(ص) يقول: اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة).
وروى مسلم(8/26) عن أبي هريرة:(سمعت رسول الله (ص) يقول: اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عندك عهداً لن تخلفنيه ، فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة). ثم روى سبع روايات من هذا النوع. وروتها مصادرهم مثل: مسند أحمد: 2 /390 و 488 و496 و/ 3 /384 و: 5/437 و439 و: 6/45 وسنن الدارمي:2/314 وسنن البيهقي: 7 /60 وكنز العمال:3/609. في عشرات الروايات التي تصورالنبي صلى الله عليه وآله وهو يعترف بأنه لعان فحاش مؤذ للناس يضربهم بالسوط ويهينهم ! ويعلن توبته ويدعو لمن ظلمهم وأساء إليهم من الفراعنة والأبالسة ، بالخيرالعريض !
وقد تحيرت في ذلك علماؤهم كالبيهقي..لأن لعن الذين لعنهم النبي صلى الله عليه وآله طاعة وليس معصية ، والطرد من رحمة الله تعالى إنما هو جزاء من الله تعالى يصدر بقوانين عادلة يتحمل مسؤوليتها الملعون نفسه ، فلا يحتاج لعنه إلى توبة ولا يجوز الدعاء له بالخير والبركة والرحمة. وقد نصت بعض رواياتهم على أن النبي صلى الله عليه وآله قال عن اللعن والله ما أنا قلته ولكن الله قاله.كما في مسند أحمد( 4/48 و57 و420 و 424. ومجمع الزوائد(10/46) وكنز العمال ج 12 ص 68 ومستدرك الحاكم ج 4 ص 82.
لكن البيهقي وأمثاله (وجدوا) حلاً لتوبة النبي صلى الله عليه وآله عن لعن أئمة الكفر، لأنهم مسكونون من تربيتهم بحب بطون قريش ، والإعراض عن عترة النبي صلى الله عليه وآله ! فقالوا إن لعن الناس مباح للنبي صلى الله عليه وآله خاصة دون غيره من المسلمين !
قال البيهقي(7/60):(باب جعل سبه للمسلمين رحمة وفي ذلك كالدليل على أنه له مباح) !

والعمل الثاني من قريش:
لمعالجة اللعن، بأن رواة بطون قريش كذبوا على النبي صلى الله عليه وآله بأنه كان يلعن القرشيين في قنوته فبعث الله جبرئيل فأسكته ووبخه !
قال البيهقي(2/210): (بينا رسول الله يدعو على مضر(قريش) إذ جاءه جبرئيل فأومأ إليه أن اسكت فسكت ، فقال: يا محمد إن الله لم يبعثك سباباً ولا لعاناً ! وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذاباً، ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون).
العمل الثالث:
تفنن القرشيون في تفسير قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْئٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ. حتى صرت تجد العجب في تفسيرهم للآية.. فالروايات فيها من كل حدب وصوب في رد أفكار النبي وآلامه من طغاة قريش وتخطئته في دعائه عليهم ولعنه إياهم! وكأن أصحاب هذه الروايات وجدوا بغيتهم من القرآن ضد النبي صلى الله عليه وآله لمصلحة مشركي قريش وفراعنتها !
وقد فصلنا في كتاب: تدوين القرآن/71 ، محاولة عمر وقريش حل مشكلة الملعونين !
وهذه نماذج من أحاديثهم: قال الترمذي(4/295):(عن عبد الله بن عمر: قال رسول الله (ص)يوم أحد: اللهم العن أبا سفيان ، اللهم العن الحارث بن هشام ، اللهم العن صفوان بن أمية ، قال فنزلت: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْئٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ، فتاب عليهم فأسلموا وحسن إسلامهم ! كان يدعو على أربعة نفر فأنزل الله تبارك وتعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْئٌ.. فهداهم الله للإسلام !
أما البخاري فعقد للآية أربعة أبواب! روى فيها كلها أن الله تعالى رد دعاء نبيه على المشركين والمنافقين ولعنه إياهم ، ولم يسم البخاري الملعونين في أكثرها حفظاً على كرامتهم ، ولا كرامة لملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله  !
قال في(5/35): (عن أنس: شجَّ النبي(ص) يوم أحد فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم ؟ فنزلت: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَئٌ..
عن الزهري أنه (ص) إذارفع رأسه من الركوع من الركعة الأخيرة من الفجر يقول اللهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، فأنزل الله عز وجل: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْئٌ..
والنتيجة حسب روايات البخاري أن الآية نزلت في نحو عشرين مناسبة متناقضة في الزمان والمكان والأشخاص الملعونين !
العمل الرابع:
الفتوى بالجنة للمنافقين ! فعندما تقرأ آيات القرآن تجد فراعنة قريش والمنافقين بارزين فيها. لكن عندما تقرأ السيرة والحديث تخفُّ الصورة وأحياناً تغيب كلياً ، فلا تعرف فيمن نزلت هذه الآيات الكاسحة !
فمن هم هؤلاء الجهنميون الخبثاء الذين حذرالله تعالى منهم واعتبرهم مجرمين وأبطال الكفر والنفاق على مستوى الأمم والشعوب ! لقد اختفوا وغابوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ! بل صدرت الفتاوي باستحقاقهم دخول الجنة !
روى أحمد (3/135) أنهم حكموا على ابن الدخشم وكان رئيس المنافقين بعد ابن سلول ، بأنه من أهل النار فقال النبي صلى الله عليه وآله : (من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فلن تطعمه النار أو قال لن يدخل النار) !
العمل الخامس:
إعطاء مناصب هامة في الدولة الإسلامية للمنافقين ! وقد فتح هذا الباب عمر، وكان يبرره بقوله لنا قوته وعليه إثمه! وقد كثر الطلقاء في عهده في مناصب الدولة ، حتى صاح حذيفة برواىته: من استعمل فاجراً وهو يعلم أنه فاجر فهو مثله ! ولم يقنع بتبرير عمر ! (البيهقي:9/36).
العمل السادس:
تحريف فريضة الصلاة وحذف القنوت منها لأنه كان محل لعن قريش! قال مالك والشافعي: لايقنت في شئ من الصلوات المفروضة إلا في الصبح. وقال أبو حنيفة: لا يقنت في شئ من الصلوات كلها إلا في الوتر.

الفصل السابع عشر - أهم فعاليات قريش من السنة السادسة للهجرة !

تغيرت موازين القوى بمعركة الأحزاب في السنة الخامسة !

كانت معركة الأحزاب أو الخندق في أواخر السنة الخامسة لهجرة النبي صلى الله عليه وآله ويظهرأن الله تعالى أوحى الى نبيه صلى الله عليه وآله أنه إذا قتل عليٌّ عمرو بن عبد ود ومن عبروا معه ، فسيرسل عليهم ريحاً فيهزمهم ، ولا يغزونكم بعدها !
وقد روينا أنه لما قَتل عليٌّ عليه السلام عمرو بن ود قال النبي صلى الله عليه وآله :(ذهبت ريحهم ، ولا يغزوننا بعد اليوم ، ونحن نغزوهم إن شاء الله)! (الإرشاد للمفيد: 1 / 106، والبخاري:5/48، وأحمد:4/62، وشرح النهج:19/62).
وأدرك رؤساء القبائل أنهم عجزوا عن تحقيق النصر على محمد صلى الله عليه وآله مع أنهم جمعوا قبائل العرب ، وعرفوا أن موجة الإسلام قادمة لا محالة ، فأخذوا يعيدون حسابهم. وأول ما شغل فكرهم: أن الأمر تم لمحمد وصار ملك العرب ، فَلِمَنِ الملك بعد محمد ؟ كان تفكيرهم أنا لانطيق بني هاشم ولو ليوم واحد خاصة علياً ، فيجب العمل لأن ترث بطون قريش محمداً !
فنشأت فيهم فكرة: إذا مات محمد لا ندع هذا الأمر في أهل بيته أبداً !
كان هذا التفكير عندهم قبل فتح النبي صلى الله عليه وآله مكة وتأكد لهم في فتحها، ولذا لا تعجب إذا رأيت شخصيات قرشية أخذت تفكر بالإنضمام إلى النبي صلى الله عليه وآله قبل فتح مكة ، لتأخذ موقعاً في دولته الجديدة المتوثبة !
قال عمرو بن العاص لصديقه خالد بن الوليد: والله إني لأرى أمر محمد يعلو الأمور علواً منكراً ! (الطبري:2/313) ووافقه خالد على ذلك ، فتشاورا مع جماعتهما فيما يصنعون فقال عمرو: إني قد رأيت رأياً ، قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده ، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فإنا أن نكون تحت يده أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد ، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير. وصاروا إلى النجاشي فأقاموا عنده. وورد على النجاشي عمرو بن أمية الضمري رسول رسول الله(ص) وأفاضوا في ذكر رسول الله(ص)وما أتى به وما دعا إليه ، فأجمعوا على حسن ذلك وعذلهم النجاشي في إبطائهم عنه، فما وجدوا في رسول الله(ص) غميزة يذكرونها أو يحتجون بها فكروا راجعين إلى مكة).(تثبيت دلائل النبوة:2/525).
ويبدو أنهما في السنة السابعة جاءا الى النبي صلى الله عليه وآله وأعلنا إسلامهما.

في السنة السادسة كان الفتح المبين في اتفاقية الحديبية !

كتبنا في السيرة النبوية في غزوات النبي صلى الله عليه وآله : ذهب النبي صلى الله عليه وآله في 1400 رجل بنية العمرة ، فاعترضته قريش وعسكر النبي في الحديبية التي تبعد 25 كيلو متراً عن مكة ، ودخل عروة بن مسعود الثقفي بالتوسط ، وحركت قريش مجموعات من المتحمسين لقتال النبي صلى الله عليه وآله فأخذهم علي عليه السلام أسرى ، وجاء مفاوض قريش المنتدب سهيل بن عمرو، وقدم طلبات قريش وأولها الإفراج عن مجموعتي الأسرى الذين أسرهم عليٌّ وكانوا نحو ثمانين ! وأن يرجع النبي صلى الله عليه وآله بجيشه ولا يدخل مكة ، وأن يُرْجِعَ الى قريش من يأتيه منهم ، ولا يُرجعون اليه من يأتيهم من أصحابه.
وقدم النبي صلى الله عليه وآله مطلبه أن يخلوا له مكة في العام القادم ثلاثة أيام ليعتمر ، وأن يعطوا الخيار لقبائل العرب أن تتحالف معه أو معهم.
وجرت المفاوضات الصعبة ونزل الوحي على النبي صلى الله عليه وآله أن يعطي قريشاً ما أرادوا فأعطاهم مقابل اعترافهم بدولته وحقه أن يتحالف مع من يرغب من قبائل العرب. وكان ذلك هو الفتح المبين الذي نزلت به سورة الفتح في رجوع النبي صلى الله عليه وآله من الحديبية.
وبذلك سجل النبي صلى الله عليه وآله فتحاً فانتزع من قريش حرية أن يتعاهد مع القبائل !
وأعطاهم شكليات أرضت غرورهم وكبرياءهم !
وقال المحامي أحمد حسين يعقوب في كتابه: أين سنة الرسول وماذا فعلوا بها /273: (صلح الحديبية من أعظم الإنجازات الإسلامية على الإطلاق بل هو الثمرة المباركة لكافة المعارك التي خاضها رسول الله ، وقد وصف تعالى في كتابه العزيز هذا الصلح بالفتح المبين والنصر العزيز ، لأن هذا الصلح قد حسم الموقف نهائياً لصالح الإسلام دون إراقة قطرة دم واحدة)!
ثم فصل المحامي مزايدة عمر على النبي صلى الله عليه وآله ومخالفته صلح الحديبية !

في السنة الثامنة فاجأ النبي صلى الله عليه وآله قريشاً بغزو مكة !

في الدرر لابن عبد البر/218، والطبقات لابن سعد:2/135): (ثم أمر رسول الله (ص) العباس أن يوقف أبا سفيان بخطم الوادي ليرى جيوش الله تعالى ففعل ذلك العباس ، وعرض عليه قبيلة قبيلة يقول: هؤلاء سليم ، هؤلاء غفار، هؤلاء تميم ، هؤلاء مزينة ، إلى أن جاء موكب النبي(ص) في المهاجرين والأنصار خاصة كلهم في الدروع والبيْض فقال أبو سفيان: من هؤلاء؟ فقال: هذا رسول الله(ص) في المهاجرين والأنصار ، فقال أبو سفيان: والله ما لأحد بهؤلاء قِبَل ! والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً ! فقال العباس: يا أبا سفيان إنها النبوة. قال: فنعم إذن. ثم قال له العباس يا أبا سفيان النجاء إلى قومك ، فأسرع أبو سفيان فلما أتى مكة عرفهم بما أحاط بهم وأخبرهم بتأمين رسول الله(ص)كل من دخل داره أو المسجد أو دار أبي سفيان ، وتأبش (تجمع)قوم ليقاتلوا ، فبلغ ذلك رسول الله (ص) فرتب الجيوش).
ولم يواجه النبي صلى الله عليه وآله مقاومة تذكر ، بل سلم القرشيون وخلعوا سلاحهم !

أسلم القرشيون بألسنتهم وقلوبهم مملوءة بالكفر !

قال الواقدي(2/847): (وجاءت الظهر فأمر رسول الله(ص) بلالاً أن يؤذن بالظهر فوق ظهر الكعبة يومئذٍ وقريش فوق رؤوس الجبال وقد فر وجوههم وتغيبوا خوفاً أن يقتلوا فمنهم من يطلب الأمان ومنهم من قد أومن.
فلما أذن بلالٌ ورفع صوته كأشد ما يكون فلما بلغ أشهد أن محمداً رسول الله تقول جويرية بنت أبي جهل: قد لعمري رفع لك ذكرك ! أما الصلاة فسنصلي والله لا نحب من قتل الأحبة أبداً ، ولقد كان جاء أبي الذي جاء محمداً من النبوة فردها ولم يرد خلاف قومه.
وقال خالد بن أسيد: الحمد لله الذي أكرم أبي فلم يسمع هذا اليوم !
وقال الحارث بن هشام: وا ثكلاه ! ليتني مت قبل هذا اليوم أسمع بلالاً ينهق فوق الكعبة !
وقال الحكم بن أبي العاص: هذا والله الحدث العظيم أن يصيح عبد بني جمح على بَنَيَّةِ أبي طلحة. قال سهيل بن عمرو: إن كان هذا سخط الله فسيغيره وإن كان رضاء الله فسيقره. وقال أبو سفيان: أما أنا فلا أقول شيئاً ! لو قلت شيئاً لأخبرته هذه الحصاة ! فأتى جبريل رسول  الله(ص) فأخبره خبرهم)!

إذا مات محمد لا ندع هذا الأمر في أهل بيته !

هذه الفكرة كانت عند قريش بعد هزيمتها في معركة الأحزاب. وتأكدت عندهابعد فتح مكة في السنة الثامنة. وقد سماها الله تعالى: كلمة الكفر! فأخبر الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله فسألهم فحلفوا الأيمان المغلظة أنهم ما قالوا، فأنزل: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا!
ففي أمالي المفيد/113:(عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قال:بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله عن قوم من قريش أنهم قالوا: أيرى محمد أنه قد أحكم الأمر في أهل بيته! ولئن مات لنعزلنها عنها ، ولنجعلنها في سواهم. فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله حتى قام في مجمعهم ثم قال: يا معشر قريش كيف بكم وقد كفرتم بعدي ، ثم رأيتموني في كتيبة من أصحابي أضرب وجوهكم ورقابكم بالسيف!
فنزل جبرئيل في الحال فقال: يا محمد إن ربك يقرؤك السلام ويقول لك:قل إن شاء الله أو علي بن أبي طالب. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن شاء الله أوعلي بن أبي طالب يتولى ذلك منكم).

في السنة التاسعة حاول الصحابة (العدول) اغتيال النبي صلى الله عليه وآله !

قام القرشيون بمحاولتين لقتل النبي صلى الله عليه وآله واستعملوا نفس الخطة والأدوات. ففي رجوعه من تبوك صعدت مجموعة في الليل إلى أعلى الجبل ، ولما وصل النبي صلى الله عليه وآله إلى مضيق العقبة دحرجوا عليه الصخور ليقتلوه ، فجاء جبرئيل وضرب بجناحه فأضاء الجبل وكشفهم ، فهربوا ونزلوا من الجبل واختفوا في الجيش ! وكانت خطتهم أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وآله ثم يبكون عليه مع المسلمين ، ويقدموا أحدهم ويصفقوا على يده ليكون خليفة !
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ.
وهؤلاء الكفار في الآية صحابة ، لأن الذين أغناهم الله ورسوله من فضله هم الصحابة فقط. وقد جعلت الآية الكافرين والمنافقين جبهة واحدة وأمرت النبي صلى الله عليه وآله بخطاب واحد معهم ، لأنهم مجموعة واحدة تتصف بالنفاق وبالكفر معاً ، فقد قالوا كلمة الكفر، وأرادوا قتل النبي صلى الله عليه وآله وهو أشد من كلمة الكفر ! وكانت محاولتهم في رجوعه صلى الله عليه وآله من تبوك لما وصل إلى طريقين أحدهما عقبة في جبل عال ، والآخر طريق سهل يدورحول الجبل ، فكان لا بد للجيش بعدده البالغ ثلاثين ألفاً وأثقاله أن يدور حول الجبل.
أما النبي صلى الله عليه وآله فقرر أن يسلك العقبة ، ونادى مناديه أن لا يأخذ العقبة أحد ، وكان هذا الإحتياط الأمني ضرورياً لحفظ حياة النبي صلى الله عليه وآله .
وهنا تسلل القتلة خمسة عشر صحابياً أو تسعة عشرأو أكثر، وصعدوا الجبل وكمنوا في نقطة مناسبة حتى تصل ناقة النبي صلى الله عليه وآله إلى المضيق فيرمون عليه الصخور ويقتلونه ، ثم يبكون عليه مع المسلمين ، ويصفقون على يد أحدهم ويبايعونه بالخلافة ! فأرسل الله جبرئيل عليه السلام وكشفهم وناداهم النبي صلى الله عليه وآله بأسمائهم ولعنهم بأسمائهم واحداً واحداً ! فانسلوا في الظلام وعادوا إلى الجيش ! وأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله أن يكتم أسماءهم ولا يعاقبهم لئلا تعلن قريش ردتها فترتد العرب ! والعجب هنا أن القرآن تحدث عن المحاولة باختصار ، وأن النبي صلى الله عليه وآله لم يعاقبهم وأخفى أسماءهم بأمر ربه ! وأن قريشاً أخفت المحاولة وأبطالها ، وإذا فسرت الآية قالت: حاول المنافقون قتله وكفى ! وما ذلك إلا لأن المتآمرين من شخصياتها !
لكن الأئمة عليهم السلام وحذيفة وعماراً كانوا يعرفون أسماءهم! وكان بعضهم يسألهم هل اسمي فيهم ! وأوضح ما وصل الينا ما رواه ابن عساكر من عتب أبي موسى على عمار وجوابه له ، فقد روى في تاريخ دمشق ( 32 / 93) عن حكيم قال: كنت جالساً مع عمار فجاء أبو موسى فقال: مالي ولك ، ألست أخاك ؟ قال: ما أدري، إلا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يلعنك ليلة الجبل ! قال إنه قد استغفر لي ! قال عمار: قد شهدت اللعن ، ولم أشهد الإستغفار) !
وليلة الجبل ليلة المؤامرة لقتل النبي صلى الله عليه وآله في العقبة ، أي كان أبو موسى منهم !

  • *
    قال أمير المؤمنين عليه السلام (شرح النهج:20/298): (اللهم إني أستعديك على قريش ، فإنهم أضمروا لرسولك ضروباً من الشر والغدر ، فعجزوا عنها ، وحلت بينهم وبينها ، فكانت الوجبة بي والدائرة علي.
    اللهم احفظ حسناً وحسيناً ولا تمكن فجرة قريش منهما ما دمت حياً ، فإذا توفيتني فأنت الرقيب عليهم ، وأنت على كل شئ شهيد.
    قال له قائل: يا أمير المؤمنين، أرأيت لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله ترك ولداً ذكراً قد بلغ الحلم ، وآنس منه الرشد ، أكانت العرب تسلم إليه أمرها ؟ قال: لا، بل كانت تقتله إن لم يفعل ما فعلت ! إن العرب كرهت أمر محمد صلى الله عليه وآله وحسدته على ما آتاه الله من فضله ، واستطالت أيامه حتى قذفت زوجته ، ونفرت به ناقته ، مع عظيم إحسانه إليها ، وجسيم مننه عندها ، وأجمعت مذ كان حياً على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته.
    ولولا أن قريشاً جعلت إسمه ذريعة إلى الرياسة ، وسُلَّماً إلى العز والإمرة ، لما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً ، ولارتدت في حافرتها ، وعاد قارحها جذعاً وبازلها بكراً. ثم فتح الله عليها الفتوح ، فأثرت بعد الفاقة ، وتمولت بعد الجهد والمخمصة ، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجاً ، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطرباً، وقالت: لولا إنه حق لما كان كذا. ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها ، وحسن تدبيرالأمراء القائمين بها ، فتأكد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين، فكنا نحن ممن خمل ذكره وخبت ناره ، وانقطع صوته وصيته ، حتى أكل الدهر علينا وشرب ، ومضت السنون والأحقاب بما فيها ، ومات كثير ممن يعرف ، ونشأ كثير ممن لا يعرف.
    وما عسى أن يكون الولد لو كان ! إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقربني بما تعلمونه من القرب للنسب واللحمة ، بل للجهاد والنصيحة ، أفتراه لو كان له ولد هل كان يفعل ما فعلت! وكذاك لم يكن يقرب ما قربت ، ثم لم يكن عند قريش والعرب سبباً للحظوة والمنزلة ، بل للحرمان والجفوة.
    اللهم إنك تعلم أني لم أرد الإمرة ، ولاعلو الملك والرياسة ، وإنما أردت القيام بحدودك ، والأداء لشرعك ، ووضع الأمور في مواضعها ، وتوفير الحقوق على أهلها ، والمضي على منهاج نبيك ، وإرشاد الضال إلى أنوار هدايتك).

الذين كفروا بعد إسلامهم هم الذين هموا بما لم ينالوا !

تقدم أن القرشيين اخترعوا قصة الجلاس بن الصامت الأنصاري ، فقالوا إنه الذي قال كلمة الكفر وأنه أعد فرساً ليقتل النبي صلى الله عليه وآله !
مع أن الجلاس لم يكن مع النبي صلى الله عليه وآله في تبوك ولا تنطبق عليه آية كلمة الكفر: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ. فلا هو الذي حلف ما قال ، ولا همَّ بقتل النبي صلى الله عليه وآله في العقبة ولامن الذين أغناهم مال الله بالإسلام بعد فقرهم!

في السنة العاشرة كرر الصحابة محاولتهم اغتيال النبي صلى الله عليه وآله

ورد عندنا في مؤامرة عقبة تبوك (الإحتجاج:1/64): (وقد جعل الذين فوق الطريق حجارة في دباب فدحرجوها من فوق لينفروا الناقة برسول الله صلى الله عليه وآله ويقع به في المهوى الذي يهول الناظر إليه من بعده ، فلما قربت الدباب من ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله أذن الله لها فارتفعت ارتفاعا عظيماً فجاوزت ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله ثم سقطت في جانب المهوى ، ولم يبق منها شئ إلا صار كذلك ، وناقة رسول الله كأنها لا تحس بشئ من تلك القعقعات التي كانت للدباب. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمار: إصعد إلى الجبل فاضرب بعصاك هذه وجوه رواحلهم فارم بها ففعل ذلك عمار فنفرت بهم رواحلهم وسقط بعضهم فانكسر عضده).
وكانت بعدها مؤامرة عقبة هرشى(تفسير القمي:1/172): (فلما كان آخر يوم من أيام التشريق أنزل الله: إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله وَالْفَتْحُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : نعيت إليَّ نفسي ، ثم نادى الصلاة جامعة في مسجد الخيف ، فاجتمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: نضَّر الله امرءً  سمع مقالتي فوعاها ، وبلغها من لم يسمعها ، فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئٍ مسلم: إخلاص العمل لله ، والنصيحة لأئمة المسلمين ولزوم جماعتهم ، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم ، المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم ، يسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم.
أيها الناس: إني تارك فيكم الثقلين ، قالوا يا رسول الله وما الثقلان ؟ قال: كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترفا حتى يردا عليَّ الحوض كإصبعيَّ هاتين ، وجمع بين سبابتيه ولا أقول كهاتين وجمع سبابته والوسطى فتَفْضُلُ هذه على هذه !
فاجتمع قوم من أصحابه وقالوا يريد محمد أن يجعل الإمامة في أهل بيته فخرج أربعة نفر منهم إلى مكة ودخلوا الكعبة وتعاهدوا وتعاقدوا وكتبوا فيما بينهم كتاباً إن مات محمد أو قتل أن لايردوا هذا الأمر في أهل بيته أبداً، فأنزل الله على نبيه في ذلك: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ. يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ. فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة يريد المدينة حتى نزل منزلاً يقال له غدير خم ، وقد علَّم الناس مناسكهم وأوعز إليهم وصيته إذ نزلت عليه هذه الآية: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس هل تعلمون من وليكم؟ فقالوا: نعم الله ورسوله ، ثم قال: ألستم تعلمون أني أولى بكم من أنفسكم؟قالوا: بلى، قال: اللهم اشهد ، فأعاد ذلك عليهم ثلاثاً كل ذلك يقول مثل قوله الأول ويقول الناس كذلك ، ويقول: اللهم اشهد.
ثم أخذ بيد أمير المؤمنين عليه السلام فرفعها حتى بدا للناس بياض إبطيهما ثم قال: ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأحب من أحبه.
ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم اشهد عليهم وأنا من الشاهدين.
فاستفهمه عمر فقام من بين أصحابه فقال: يا رسول الله هذا من الله ومن رسوله ؟ فقال رسول  الله صلى الله عليه وآله : نعم من الله ورسوله، إنه أميرالمؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين ، يقعده الله يوم القيامة على الصراط فيدخل أولياءه الجنة وأعداءه النار. فقال أصحابه الذين ارتدوا بعده: قد قال محمد في مسجد الخيف ما قال ، وقال ههنا ما قال ، وإن رجع إلى المدينة يأخذنا بالبيعة له فاجتمعوا أربعة عشر نفراً وتوامروا على قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وقعدوا في العقبة ، وهي عقبة هرشى بين الجحفة والأبواء ، فقعدوا سبعة عن يمين العقبة وسبعة عن يسارها لينفروا ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله فلما جن الليل تقدم رسول الله صلى الله عليه وآله في تلك الليلة العسكر فأقبل ينعس على ناقته ، فلما دنا من العقبة ناداه جبرئيل: يا محمد إن فلاناً وفلاناً وفلاناً قد قعدوا لك ، فنظر رسول  الله صلى الله عليه وآله فقال: من هذا خلفي؟ فقال حذيفة اليماني: أنا يا رسول الله حذيفة بن اليمان ، قال: سمعت ما سمعت؟ قال: بلى.قال فاكتم ، ثم دنا رسول الله صلى الله عليه وآله منهم فناداهم بأسمائهم فلما سمعوا نداء رسول الله صلى الله عليه وآله فروا ودخلوا في غمار الناس وقد كانوا عقلوا رواحلهم فتركوها ولحق الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وطلبوهم وانتهى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى رواحلهم فعرفهم ، فلما نزل قال: ما بال أقوام تحالفوا في الكعبة إن مات محمد أو قتل ألا يردوا هذا الأمر في أهل بيته أبداً ؟!
فجاؤوا إلى رسول الله فحلفوا أنهم لم يقولوا من ذلك شيئاً ولم يريدوه ولم يكتموا شيئاً عن رسول  الله صلى الله عليه وآله ، فأنزل الله: َيحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا: أن لا يردوا هذا الأمر في أهل بيت رسول  الله صلى الله عليه وآله . وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا: من قتل رسول الله صلى الله عليه وآله . وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ الله عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ.
فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة وبقي بها محرم والنصف من صفر لايشتكي شيئاً ، ثم ابتدأ به الوجع الذي توفي فيه صلى الله عليه وآله ).
وفي الكافي (1/293) بسند صحيح عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (أوصى موسى عليه السلام إلى يوشع بن نون ، وأوصى يوشع بن نون إلى ولد هارون ، ولم يوص إلى ولده ولا إلى ولد موسي، إن الله تعالى له الخيرة يختار من يشاء ممن يشاء.الى أن قال: فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من حجة الوداع نزل عليه جبرئيل فقال: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.. فنادى الناس ، فوقعت حسيكة النفاق في قلوب القوم وقالوا: ما أنزل الله جل ذكره هذا على محمد قط ، وما يريد إلا أن يرفع بضبع ابن عمه) !
وفي الكافي(8/343): (عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيد علي عليه السلام يوم الغدير صرخ إبليس في جنوده صرخةفلم يبق منهم أحد في بر ولابحر إلا أتاه فقالوا: يا سيدهم ومولاهم ماذا دهاك فما سمعنا لك صرخة أوحش من صرختك هذه! فقال لهم: فعل هذا النبي فعلاً إن تم لم يعص الله أبداً فقالوا: يا سيدهم أنت كنت لآدم !
فلما قال المنافقون: إنه ينطق عن الهوى، وقال أحدهما لصاحبه: أما ترى عينيه تدوران في رأسه كأنه مجنون ، يعنون رسول الله صلى الله عليه وآله ! صرخ إبليس صرخة بطرب فجمع أولياءه فقال: أما علمتم أني كنت لآدم من قبل؟ قالوا: نعم. قال:آدم نقض العهد ولم يكفر بالرب وهؤلاء نقضوا العهد وكفروا بالرسول. فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وأقام الناس غير علي عليه السلام لبس إبليس تاج الملك ونصب منبراً وقعد في الوثبة وجمع خيله ورجله ثم قال لهم:أطربوا لايطاع الله حتى يقوم الإمام. وتلا أبوجعفر عليه السلام :وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. قال أبو جعفر: كان تأويل هذه الآية لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله . والظن من إبليس حين قالوا لرسول  الله صلى الله عليه وآله : إنه ينطق عن الهوى ! فظن بهم إبليس ظناً فصدقوا ظنه).
(وقال الكافي(8/345): أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله يوماً كئيباً حزيناً فقال له علي عليه السلام : مالي أراك يا رسول الله كئيباً حزيناً؟فقال: وكيف لاأكون كذلك وقد رأيت في ليلتي هذه أن بني تيم وبني عدي وبني أمية يصعدون منبري هذا ، يردون الناس عن الإسلام القهقرى!فقلت: يا رب في حياتي أو بعد موتي؟ فقال: بعد موتك)!

  • *

شعارات قريش لتضليل الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله

1- قال المغيرة بن شعبة يوم السقيفة: وسعوا ما يتسع ، والله لئن وليتموها هاشمياً لا يزال ينتظر بها الحمول في بطون النساء). (أي سيُنتظر با لخلافة الحمل في بطن أمه من بني هاشم حتى يولد) ! (تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي/407).
2- قال الإمام الباقر عليه السلام (خصائص الأئمة عليهم السلام للشريف الرضي/61):( لما قدم عبد الله بن عامر بن كريز المدينة لقي طلحة والزبير فقال لهما: بايعتما علي بن أبي طالب ! فقال: أما والله لا يزال ينتظر بها الحبالى من بني هاشم ، ومتى تصير إليكما ! أما والله على ذلك شهيد ما جئت حتى ضربت على أيدي أربعة آلاف من أهل البصرة كلهم يطلبون بدم عثمان ، فدونكما فاستقبلا أمركما ! فَأتَيَا علياً فقالا له: إئذن لنا في العمرة ، فقال: والله إنكما تريدان العمرة وما تريدان نكثاً ولا فراقاً لأمتكما ، وعليكما بذلك أشد ما أخذ الله على النبيين من ميثاق ؟ قالا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد ، إذهبا وانطلقا والله لا أراكما إلا في فئة تقاتلني).
قال أمير المؤمنين عليه السلام یوم الشورى: (إن الناس ينظرون إلى قريش ، وقريش تنظر إلى بيتها فتقول إن وليَ عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبداً. وما كانت في غيرهم من قريش تداولوها بينكم). (الطبري:3/298).
3- وقال حذيفة يصف حال قريش في يوم الغدير:(فأقبل بعضهم على بعض وقالوا: إن محمداً يريد أن يجعل هذا الأمر في أهل بيته كسنة كسرى وقيصر إلى آخر الدهر ، ولا والله ما لكم في الحياة من حظ إن أفضى هذا الأمر إلى علي بن أبي طالب ! وإن محمداً عاملكم على ظاهركم، وإن علياً يعاملكم على ما يجد في نفسه منكم فأحسنوا النظر لأنفسكم في ذلك ، وقدموا آراءكم فيه)! (بحار الأنوار:2/97).
4- في تنزيه الأنبياء للشريف المرتضى/91: (وليس قوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ. على سبيل التقدير والشرط بأكثر من قوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا الله لَفَسَدَتَا.. والشيعة لها في هذه الآية جواب تنفرد به وهو أن النبي لما نص على أمير المؤمنين عليه السلام بالإمامة في ابتداء الأمر جاءه قوم من قريش فقالوا له: يا رسول الله إن الناس قريبوا عهد بالاسلام لايرضون أن تكون النبوة فيك والإمامة في ابن عمك علي. فلو عدلت به إلى غيره لكان أولى. فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله : ما فعلت ذلك برأيي فأتخير فيه ، لكن الله تعالى أمرني به وفرضه عليَّ. فقالوا له: فإذا لم تفعل ذلك مخافة الخلاف على ربك تعالى فأشرك معه في الخلافة رجلاً من قريش تركن الناس إليه ، ليتم لك أمرك ولا يخالف الناس عليك. فنزلت الآية: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ. والمعنى فيها لئن أشركت مع علي في الإمامة غيره ليحبطن عملك ، وهذا على التأويل).
5- في الكافي(8/58): (عن أبي بصير قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم جالساً إذ أقبل أمير المؤمنين عليه السلام فقال له رسول الله: إن فيك شبها من عيسى بن مريم ولولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك قولاً لا تمر بملأ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك يلتمسون بذلك البركة ! قال: فغضب الأعرابيان والمغيرة بن شعبة وعدة من قريش معهم فقالوا: ما رضي أن يضرب لابن عمه مثلاً إلا عيسى بن مريم فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وآله : وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ. وَقَالُوا ءَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَمَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ. إِنْ هُوَإِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ.وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ( يعني من بني هاشم) مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ).
6- في المسترشد للطبري الشيعي/658:(روى عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا حريز عن الأعمش عن طارق بن شهاب قال: لما قدم عمر الشام لقيته أساقفتها ورؤوسها ، وقد تقدمه العباس بن عبد المطلب على فرس ، وكان العباس جميلاً بهياً فجعلوا يقولون: هذا أمير لمؤمنين، ويقولون له: السلام عليك يا أمير المؤمنين فيقول: لست بأميرالمؤمنين وأمير المؤمنين ورائي ، وأنا والله أولى بالأمر منه ، فسمعه عمر قال: ما هذا يا أبا الفضل! قال: هو الذي سمعت ، فقال: لكني أنا وإياك قد خلفنا بالمدينة من هو أولى بها مني ومنك ، قال العباس: ومن هو ؟ فقال: علي بن أبي طالب قال: فما الذي منعك وصاحبك أن تقدماه؟ فقال: خشية أن يتوارثها عقبكم إلى يوم القيامة ، وكرهنا أن تجتمع لكم النبوة والخلافة ! قال له العباس: إن من حسدنا فإنما يحسد رسول الله)!
7- روى الطبري في تاريخه (3/288): (عن ابن عباس قال: بينما عمر بن الخطاب وبعض أصحابه يتذاكرون الشعر فقال بعضهم: فلان أشعر وقال بعضهم: بل فلان أشعر. فأقبلت فقال عمر: قد جاءكم أعلم الناس بها فقال:من شاعر الشعراء يا ابن عباس؟فقلت: زهير ابن أبي سلمى. فقال عمر: هلم من شعره ما نستدل به على ما ذكرت. فقلت: امتدح قوماً من بني عبد الله بن غطفان فقال:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم
* قومٌ بأولهم أو مجدهم قعدوا

قوم أبوهم سنان حين تنسبهم
* طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا

إنسٌ إذا أمنوا جنٌّ إذا فزعوا
* مُرَزَّؤون بها ليلٌ إذا حشدوا

مُحَسَّدون على ما كان من نعمٍ
* لا يَنزع الله منهم ما له حسدوا

فقال عمر: أحسن وما أعلم أحداً أولى بهذا الشعر من هذا الحي من بني هاشم لفضل رسول الله وقرابتهم منه. فقلت: وُفِّقت يا أمير المؤمنين ولم تزل موفقاً فقال: يا ابن عباس أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمد؟ فكرهت أن أجيبه فقلت: إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني. فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحاً بجحاً ، فاختارت قريش لانفسها فأصابت ووفقت! فقلت: يا أمير المؤمنين إن تأذن لي في الكلام وتميط عني الغضب تكلمت،فقال: تكلم يا ابن عباس. فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت ، فلو أن قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عز وجل لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود. وأما قولك إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوة والخلافة فإن الله عز وجل وصف قوماً بالكراهية فقال:ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ الله فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ. فقال عمر: هيهات والله يا ابن عباس قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أفرك عنها فتزيل منزلتك مني، فقلت: وما هي يا أمير المؤمنين فإن كانت حقاً فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك ، وإن كانت باطلاً فمثلي أماط الباطل عن نفسه ، فقال عمر: بلغني أنك تقول إنما صرفوها عنا حسداً وظلماً ، فقلت: أما قولك يا أميرالمؤمنين ظلماً فقد تبين للجاهل والحليم،وأما قولك حسداً فإن إبليس حسد آدم فنحن ولده المحسودون! فقال عمر: هيهات أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسداً ما يحول وضغناً وغشاً ما يزول !
فقلت: مهلاً يا أمير المؤمنين لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً بالحسد والغش فإن قلب رسول الله من قلوب بني هاشم! فقال عمر: إليك عني يا ابن عباس ! فقلت: أفعل. فلما ذهبت لأقوم استحيا مني فقال: يا ابن عباس مكانك: فوالله إني لراع لحقك محب لما سرك. فقلت: يا أمير المؤمنين إن لي عليك حقاً وعلى كل مسلم فمن حفظه فحظه أصاب ومن أضاعه فحظه أخطأ. ثم قام فمضى).
أقول: هذا هو سبب عزلهم بني هاشم عن الخلافة وقد كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله بأنه قال: أبى الله أن يجمع النبوة والخلافة لبني هاشم!

  • *

الفصل الثامن عشر - خطط قريش لما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله  !

من أفضل ماكتب في هذا الموضوع ، ما كتبه الباحث الأردني المحامي أحمد حسين يعقوب في كتابه القيم: الخطط السياسية لتوحيد الأمة الإسلامية/255، قال:
(نشأة النظام البديل:
1 - مميزات النظام السياسي الإسلامي:
لايختلف اثنان بأن نظام دولة النبي هو النظام السياسي الإسلامي الأمثل والمثال، وما يميزه عن غيره من الأنظمة:
1- أن رئيس الدولة معين من الله تعالى ، وأنه هو وحده المخول ببيان المنظومة الحقوقية ، بياناً قائماً على الجزم واليقين.
2- أن التشريع في هذه الدولة اختصاص إلهي ، بمعنى أن كافة القوانين النافذة في الدولة هي من صنع الله.
3- أن مهمة النبي ومن آمن معه هي إقناع الناس بقبول القيادة المعينة من الله وبقبول القوانين التي سنها الله ، والتعاون لتطبيق شرع الله تعالى بدون زيادة ولا نقصان.
2 - النجاح الساحق:
نجح النبي بتكوين شعب الدولة ، وبإقناعه بقبول الشرع الإلهي والقيادة الإلهية للدولة ، وتم نزول الشرع كله ، وأعلن الله تعالى كمال الدين وتمام النعمة الإلهية ، وتكونت الدولة الإسلامية المثلى ، وقادها النبي عشر سنين ، وألقت بسلطانها على كامل شبه الجزيرة العربية ، ووحدتها ولأول مرة في تاريخ العرب وبلادهم.
وبعد ذلك أعلن النبي أنه ميت لا محالة ، وأن حجته هي حجة الوداع ، وأنه سيمرض وسيموت في مرضه ، وبنفس المقام أعلن أمام ماءة ألف حاج أو يزيدون أنه مولى وولي كل مؤمن ، وصدقته الجموع الإسلامية على أنه المولى والولي والأولى من كل مؤمن بنفسه.
بعد هذا التصديق أعلن بأمر من ربه: (من كنت مولاه فهذا علي بن أبي طالب مولاه ، فهو ولي المؤمنين من بعدي ، وهو ولي كل مؤمن ومؤمنة من بعدي ، وهو وليكم من بعدي). وتزاحم الحاضرون بعد هذا الإعلان وقدموا التهاني لعلي بن أبي طالب ، وكان على رأس المهنئيين عمر بن الخطاب ، وأبو بكر رضي الله عنهما حيث قدموا له التهنئة بولايته على المؤمنين من بعد النبي ، عندئذ نزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا. ومن قبل هذا الموقف المشهود سماه النبي خليفة ، وأعلنه خليفة من بعده ، وسماه أمير المؤمنين وأعلنه أميرالمؤمنين ، وسماه سيد العرب وأعلنه سيد العرب ، وسماه إماماً وأعلنه إماماً للمجتمع المؤمن.
3 - الترتيبات الإلهية:
إعلان خلافة علي وإمارته للمؤمنين ، وإمامته للمسلمين ، وولايته عليهم ، وسيادته على العرب ، لم تكن رأياً شخصياً من النبي ، إنما هي ترتيبات إلهية لقيادة موكب الإيمان بعد موت النبي. فعلي بما وهبه الله من ملكات خاصة ، وبما زقه النبي من علم خاص ، هو المؤهل الوحيد لبيان المنظومة الحقوقية بياناً قائماً على الجزم واليقين ، فقد تربى في كنف النبي ، وعاش وإياه تحت سقف واحد طوال حياة النبي ، وصاحبه قبل النبوة وبعدها ، وتزوج البتول الطاهرة ورزق منها الحسن والحسين وهما ذرية النبي ، وهو ابن عبد مناف المكنى بأبي طالب ، الذي حمى النبي وحمى دعوته ، وربى النبي واحتضن دينه الحنيف ، وهو فوق كل ذلك فارس الإسلام الأوحد ، فكل شجاعة دون شجاعته ، وكل قوة دون قوته ، وكل دفاع دون دفاعه ، وكل بلاء دون بلائه ، وموقعه من النبي كموقع هارون من موسى إلا أن علياً ليس نبياً.
4 - الإجمال والتفصيل:
بنفس الموقف وبنفس المكان دلَّ رسول الله الأمة على: ما إن تمسكت به لن تضل ، كتاب الله وعترته أهل بيته ، وبيَّن للحاضرين أن العزيز الحميد أنبأه: بأنهما لن يفترقا ، فالهداية لا تدرك إلا بالإثنين معاً ، والضلالة لا يمكن تجنبها إلا بالتمسك بالإثنين معاً ، وبالإجماع فإن علي بن أبي طالب هو عميد أهل البيت ، ولا خلاف بين أحد من أهل الملة بأن هذا الحديث الذي يسمى حديث الثقلين، من أصح الآثار وأثبت السنن المحمدية وأنه ضارب الجذور بمعناه بنفوس المسلمين ، فالصلاة لا تصح دون أن تصلي على النبي وآله ، ويتكرر التذكير بذلك خمس أوقات في اليوم فرضاً مقضياً.
5 - البساطة والإحكام للأمة:
مقنعة بصواب الترتيبات الإلهية ، فعندما ينتقل النبي إلى الرفيق الأعلى تشيعه الأمة مجتمعة بما يليق بجنابه المقدس ، ثم تلتفت إلى إمام أهل البيت فتقدم له التعزية وتبايعه خليفة للنبي ، وإماماً للمسلمين ، وأميرا للمؤمنين ، ومبيناً للدين ، فتستقيم الأمور ولا يختلف اثنان عليه ، فهو عميد أهل البيت ، وابن عم النبي وزوج ابنته وهو الفارس الأوحد ، وهو رباني هذه الأمة. وهو بما أوتي من علم قادرٌ أن يتابع مسيرتي الدعوة والدولة من بعد النبي ، فيحل ركن مقام ركن ، ويحل الهادي محل النبي، ويقود الأمة إلى شاطئ الأمان، ويفتح أمام الجنس البشري أبواب الأمل والعدالة ويستقر النظام ويأخذ طابعاً مؤسسياً،يمكن الدفاع عنه وفق المعاييرالشرعية والعقلية.
6 - ترك الترتيبات الإلهية وإيجاد ترتيبات وضعية:
لم ترق الترتيبات الإلهية لبطون قريش ، وكيَّفَتها على أنها ترتيبات مجحفة ، لم تأخذ بعين الإعتبار حقوق بطون قريش ، وتؤدي بالنتيجة إلى الإجحاف. والسبب بهذا التكييف أن تلك البطون مسكونة بالصيغة السياسية الجاهلية التي سادت مكة المكرمة قبل شروق شمس الإسلام ، تلك الصيغة القائمة أصلاً على اقتسام مناصب الشرف السياسية ، بحيث يختص كل بطن بمنصب من هذه المناصب ، وبالكيفية التي تم الإتفاق عليها في حينه ، وهي كيفية لا غالب فيها ولا مغلوب. ومع الأيام استقرت هذه الكيفية في الأذهان والقلوب ، وأصبحت جزءا لا يتجزأ من المعتقدات السياسية الجاهلية ، بل إنها تحولت إلى قناعة مطلقة مستقرة تماماً في العقل الباطني لبطون قريش ، ومن هنا فلا تعجب إذا قلنا إن هذه القناعة هي التي تفسر عناد بطون قريش بمقاومتها للدعوة المحمدية طوال 13 سنة ، وهي وحدها التي تقف وراء حروب بطون قريش العدوانية ضد الإسلام ونبي الإسلام ، ولم تستسلم تلك البطون إلا بعد 21 عاماً من المقاومة الضارية لدعوة الإسلام ولدولة الإسلام وبعد أن استفرغت جهدها بالكيد ، وأحيط بها ، وحوصرت في جزيرة من الشرك ، وأغلقت بوجهها كل الأبواب ، ولم يبق أمام هذه البطون إلا بابان: باب الدخول بالإسلام ، أو باب الموت ، فاختارت الدخول في الإسلام.
7 - تعليل موقف رواد الترتيبات الوضعية:
منذ اللحظة الأولى التي بزغت فيها شمس الهداية الإلهية ، وقفت بطون قريش وقفة رجل واحد ضد نبوة ورسالة محمد بن عبد الله ، لا حباً بالأصنام فليس في الأصنام ما يحب ، ولا كراهية بتعاليم الإسلام ، لأنه ليس في هذه التعاليم ما تنفر منه الفطرة البشرية ، أو يعافه العقل السليم ، ولكنها كرهت كرهاً شديداً أن تكون النبوة في بني هاشم ، فليس مقبولاً أن يكون النبي من بني هاشم ، لأن هذا ترجيح للهاشميين على بقية البطون ، ونسف للصيغة السياسية الجاهلية ، تلك الصيغة التي أشاعت الأمن والإستقرار بين البطون ، وأكسبت كل البطون احترام العرب ، وعندما فوجئت تلك البطون بإعلان نبوة محمد الهاشمي صعقت وجن جنونها، لأن هذا الإعلان هو نسف للصيغة أو تعديل لصالح الهاشميين بدون موافقة البطون المشتركة بهذه الصيغة.
8 - المطلب الأساسي، ورفضه:
وعاقبة الرفض اجتمعت بطون قريش وطلبت من الهاشميين أن يسلموها محمداً لتقتله ، أو يخلوا بين هذه البطون وبين محمد حتى تقتله ، لأن ما يقوله محمد يمس مصالح هذه البطون الحيوية ، كان هذا مطلب قريش عندما فشلت وسائلها الأخرى ، وعندما أدركت تصميم النبي على مواصلة الدعوة الإسلامية ! ولأن الهاشميين تاج العرب ، وخير بطن بالنص الشرعي ، رفضوا بإباء وكبرياء هذا المطلب ، وأعلنوا أنهم مع محمد ، ولن يسمحوا لأحد من هذه البطون أن يمس شعرة واحدة منه.
عندئذ أجمعت البطون على حصر الهاشميين في شعب أبي طالب ، وحاصرتهم ثلاث سنين ، وضاقت الدنيا بما رحبت على الهاشميين ، حتى اضطروا أن يأكلوا ورق الشجر من الجوع ، واضطر أطفالهم أن يمصوا الرمال من العطش ، ولكنهم لم يستسلموا ! وفشل الحصار ، واستمرت الدعوة رغم مقاومة هذه البطون الضارية ، ثم أجمعت تلك البطون على أن تشترك بقتل النبي ، وأن يرميه رجالها بقوس واحدة ، حتى لا يقوى الهاشميون على المطالبة بدمه ، فيضيع بين تلك البطون ! وعندما حزمت أمرها ترك النبي مكة وهاجر إلى المدينة ، ونجاه الله من شر تلك البطون ومكرها.
9 - الهاشميون تجاوزوا الحدود بميزان البطون:
عندما استقر النبي في يثرب ورتب أموره بدأت الحرب المسلحة بين بطون قريش من جهة ، وبين محمد والهاشميين ومن والاهم من جهة أخرى ، وتألق نجم علي بن أبي طالب كفارس النبي الأوحد ، وتألق نجم حمزة عم النبي ، وخلال المعارك التي نشبت بين الطرفين قتل علي بن أبي طالب سادات هذه البطون ، ونسب قتل هؤلاء السادات للهاشميين ، فنمت بذور الحقد على بني هاشم ، لأنهم قتلوا الأحباب ، ومن قبل نمت وترعرعت بذور الحسد على بني هاشم ، لأنهم اختصوا بالنبوة ، وتفوقوا على تلك البطون بالأمجاد ، فأجمعت البطون على الحسد لبني هاشم وأضمرت الحقد لهم.
10 - موقف البطون بعد انتصار النبوة:
كل الأبواب قد أغلقت أمام بطون قريش إلا باب الإسلام ، وكل وسائلها بالكيد والحرب قد تحطمت ، ولم يبق إلا الموت أو الدخول في دين الله ، فاختارت الدخول في دين الله ، ولكن وهي مسكونة بقناعة الصيغة السياسية الجاهلية ، ومقتنعة بأن اختيار النبي من بني هاشم وحدهم فيه إجحاف على البطون الأخرى ، ولكن لا حيلة لهذه البطون بمقاومة النبوة الهاشمية أو إلغائها ، كأن هذه النبوة قدر ، فسلمت تلك البطون بنبوة محمد ورسالته ، وأقبلت لتتفهم الدين الجديد وهي تحمل حسداً لبني هاشم ، وحقداً عليهم ، لأنهم قتلوا الأحبة ، وعلى الأخص علي بن أبي طالب !
وما فعلته هند بحمزة دليل قاطع على عمق هذا الحقد ! وقد انصب هدف هذه البطون بالدرجة الأولى على تحجيم الدور الهاشمي ، وإيجاد صيغة جديدة للتعايش مع الهاشميين في ظلال الدين الجديد.
هذا تفكير الأغلبية الساحقة من منتسبي بطون قريش. وباختصار، فالذين أسلموا من بطون قريش أسلموا ونفوسهم مسكونة بهذه القناعة ، ولئن استطاع الإسلام أن يوهن أركانها في نفوسهم ، إلا أنهم لم يمكنوه من أن يجتث جذورها ! ومع شيوع نبأ النبوة وصعودها واستقرارها نبتت فكرة الحسد لبني هاشم في نفوس تلك البطون ، ونشأت كراهية تفضيل الله تعالى لهم على كل البطون ، وتصورت البطون القريشية أنه ليس لهذا التفضيل ما يبرره. لقد كانت هذه التصورات تنمو في قلوب بعض المسلمين في الخفاء ، وتتربص الفرص للتعبير العلني والتواجد الواقعي كتوجه سياسي.
11- خطة بطون قريش لمواجهة عصر ما بعد النبوة:
بطون قريش تحلل الواقع في أواخر عهد النبوة ، وتكتشف أن الإسلام قد انتشر انتشاراً واسعاً ، وأن العرب قد توحدوا في ظلال دولة لأول مرة في التاريخ ، وأن الجزيرة العربية قد دانت تماماً لدولة النبي ، وأن النبي قد بدأ يعد العدة ليواجه المسلمون عصر ما بعد النبوة ، وكل الدلائل تشير بأنه صلى الله عليه وآله سيسلم قيادة هذا العصرلابن عمه ، وزوج ابنته ، وفارس الإسلام الأعظم ، علي بن أبي طالب ، فها هو يعلنه ولياً للمؤمنين مجتمعين في غديرخم ، ويعلنه ولياً لكل مؤمن ومؤمنة ، وها هو النبي يعلنه أميراً للمؤمنين ، وخليفة من بعده ، ويتوجه بتاج الولاية والإمامة والخلافة أمام جمع يزيد على ماءة ألف ، ولم يكتف النبي بذلك بل أعلن ابنه الحسن إماماً ، وأعلن ابنه الحسين إماماً ، وأعلن أنهما ابناه وأنهما سيدا شباب أهل الجنة ، وريحانتاه من هذه الأمة ، وأن الله جعل نسل كل نبي من صلبه وجعل نسل وذرية محمد من صلب علي.
ومن المثير للإنتباه حسب تحليل هذه البطون أن آية المباهلة الواردة في القرآن الكريم ، وتطبيقها العملي أمام الصحابة ، حصرت الأبناء والنساء والأنفس بمحمد وعلي وفاطمة وحسن وحسين فقط ، وتلك إشارة ضوء صارخة تعكس نوايا النبي ، وتعكس توجه الترتيبات الإلهية. والأخطر من ذلك إعلان النبي أن من والاهم فقد والى الله ، ومن عاداهم فقد عادى الله !
ليس هذا فحسب، بل إن النبي يعلن بأن البطن الهاشمي هو خير بطون الأرض ، وأن بيت عبد المطلب هو خير بيوت بني البشر، ثم يضع الكساء على الأبناء والنساء والأنفس ، ويتلو قول الله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. ثم يعلن النبي بعد ذلك أن هؤلاء هم أهل بيته. والأشد خطورة من الجميع أن النبي قد أعلن بأن الصدقات لا تجوز على آل محمد ، وأن لهم حقاً معلوماً في موارد الدولة ، وهو خمس الخمس. ثم إن القرآن طلب من النبي أن يعلن بأنه لايسأل الناس أجراً على هدايته لهم وإنقاذهم ، إلا المودة في القربى…إلخ.
والأنكى من الجميع أن الصلاة عليهم جزء من الصلاة المفروضة !
12 – الكارثة:
أدركت بطون قريش ما يرمي له محمد ، وفهمت توجه الترتيبات الإلهية ، وأنه صار بحكم المؤكد أن قيادة عصر ما بعد النبوة ستكون في بني هاشم ، وبالتحديد في علي الذي قتل الأحبة والسادات ومن بعد علي ستكون في بنيه ، فمن يتقدم عليهم وهم أبناء الرسول ، ومن يحاربهم وهم ناصية بني هاشم ، ومن يرفض الإنقياد لهم وهم أبناء النبي، وإذا تحققت هذه النوايا والتوجهات فمعنى ذلك أن الهاشميين قد أخذوا النبوة ، وأخذوا الخلافة معاً ، أو جمعوا ما بين النبوة والخلافة ، وبين الدين والملك معاً ، وهذا يعني أنهم قد أخذوا الشرف كله واختصوا بالفخر كله ، وحرموا منهما بطون قريش ! وتلك والله كارثة برأيهم، الموت خير من مواجهتها أو العيش في ظلالها !
13 - وسائل مواجهة الكارثة:
أي مواجهة بين بطون قريش وبين محمد مكتوب عليها الفشل الذريع ، فقد هزمها على صعيد الدولة مجتمعة، واستقطب حوله العرب ، ودانت له الجزيرة فالمواجهة بين البطون وبين محمد بهذه المرحلة كارثة محققة للبطون ، فمحمد هو حبيب الجماهير وهو بطلها وهو نبيها وهو حاكمها ، وهو الرجل المدعوم بالعناية الإلهية ، ورجالات البطون يستمدون فخرهم وشرفهم من موالاته ، فتركوا فكرة المواجهة لأنها فاشلة في هذه المرحلة ، وأن طريق المجد والملك الحقيقي هي في موالاة محمد وليس في معاداته.
وإذا كانت معاداة محمد قدراً ، فلتكن معاداة منظمة لا تثير حفيظة الجموع الموالية لمحمد ، والتي تراه بطلها الأوحد.
14- الخطة المثلى لمواجهة عصر ما بعد النبوة:
تفتقت عقلية بطون قريش عن خطة قبلية سياسية ، تجمع بين الصيغة السياسية الجاهلية وبين نظام الإسلام السياسي ، وتقوم على خلط الأوراق ، وإعادة ترتيبها من جديد تحت إشراف رجالات البطون المسكونة أنفسهم بمرض الصيغة السياسية الجاهلية ، لذلك وضعوا مجموعة من الأوراق لمواجهة الترتيبات الإلهية لعصر ما بعد النبوة والإلتفاف عليها.
15- الورقة الأولى الخلاف العائلي:
توصلت رجالات قريش إلى معادلة واقعية مفادها: أن كل البطون القريشية بما فيها البطن الهاشمي ينتمون لقريش ، وبما أن محمداً من بني هاشم ، وبما أن بني هاشم من قريش فمعنى ذلك أن محمداً من قريش ، وأن قبيلة قريش هي عشيرته الوحيدة ، والخلاف بين بطون قريش هو خلاف عائلي تماماً.
فالهاشميون أولاً وأخيراً هم بطن قريشي ، وطالما أن محمداً من قريش ، وطالما أن قريشاً هم أهله وعشيرته ، فهم أولى بميراثه وبسلطانه: (الله أكبر من ينازعنا سلطان محمد ونحن أهله وعشيرته ، إن العرب تأبى أن تولي الخلافة إلا من كانت النبوة فيهم) ! هذه هي عين الجملة التي استعملها عمر بن الخطاب في سقيفة بني ساعدة. ومن هنا نشأت قاعدة أن الأئمة من قريش ، لأن قريش عشيرة النبي ، وتوطدت هذه القاعدة حتى نقلتها الأمة بالإجماع.
16 - الورقة الثانية حل الخلاف العائلي:
الخلاف بين بطون قريش وبين بني هاشم هو خلاف عائلي، فالرسول محمد (منا ومنكم)على حد تعبير أبي بكرللعباس بن عبد المطلب ، فالرسول من قريش والبطون كلها قرشية ، والهاشميون هم أعدل الناس ، وأكثرهم بعداً عن الظلم ، فيجب حل الخلاف العائلي بين بني هاشم والبطون حلاً عادلاً. فالهاشميون اختصوا بالنبوة من دون بطون قريش ، وبالنتيجة فالبطون لا تعترض إطلاقاً على النبوة الهاشمية ولا تطالب بها ، وتبارك بالإجماع لبني هاشم هذه النبوة ، ولا ترغب تلك البطون بالإجماع بأي مشاركة في نبوة بني هاشم ، وهذا حق وعدل. لكن البطون مثل بني هاشم ينتمون لقريش عشيرة النبي، فيجب أن ينالهم نصيب من تركة النبي، وتركة النبي تتلخص بكلمتين: النبوة والخلافة. وحيث إن الهاشميين قد أخذوا النبوة وحدهم فيجب أن تتوزع بقية التركة وهي الخلافة على البطون ، تتداولها في ما بينها وحدها ، بدون مشاركة أي هاشمي. بمعنى أن النبوة لبني هاشم على وجه التفرد والإختصاص لا يشاركهم فيها أحد من البطون، وهي خالصة لهم.
وإن الخلافة لبطون قريش تتداولها على وجه التفرد والإختصاص ، لايشاركهم فيها أحد من بني هاشم.
17 - محاسن حل الخلاف العائلي:
حل الخلاف بهذه الطريقة هو الحل الأمثل ، لتجنب إجحاف بني هاشم ، لأن جمع الهاشميين للخلافة مع النبوة يؤدي للإجحاف كما أكد ذلك عمر بن الخطاب ، وهذه القسمة هي الهدى والصواب كما أكد ذلك عمر بن الخطاب ، أما الترتيبات الإلهية التي تعطي الهاشميين النبوة والخلافة فقد كرهتها قريش ، وهي تؤدي لفرقة بطون قريش ، كما أكد ذلك سيدنا عمر بن الخطاب !
18 - الورقة الثالثة:
عصب دم البطون أرواح سادات بطون قريش التي أزهقت أثناء حرب النبي مع البطون ، والتي سببت أكبر المعاناة لذوي القتلى ، وتركت في قلوبهم جراحاً لا تندمل ، وأحقاداً لا تزول ، هي أرواح لم يقتلها النبي ، إنما يتحمل مسؤوليتها علي بن أبي طالب ، فهو الذي قتلهم فعلاً بوصفه حامل رايات الرسول في كل المواقع ، وبوصفه أقوى فرسان الإسلام على الإطلاق ، فقد حصد سادات قريش حصداً ، ومن ينسى حمزة ، ومن ينسى عبيد الله بن الحارث فقد قصم الثلاثة معاً ظهر بني أمية ، وهؤلاء الثلاثة هم من بني هاشم ! فإذا قبلت بطون قريش بزعامة بني هاشم ، عندئذ يصبح الخصم وقاتل الأهل والأحبة هو الحكم والحاكم ، وفي ذلك إثارة للأحقاد !
والحل الأمثل هو إبعاد الهاشميين عن مسرح الحدث السياسي ، وعزلهم عزلاً كاملاً لغايات عصب دم البطون التي أريقت في الحروب الإيمانية ، ولغايات فتح صفحة جديدة ، برأي هذه البطون !
19 - الورقة الرابعة:
اختراق المنظومة الحقوقية الإلهية: المشكلة الحقيقية أن مكانة أهل البيت الكرام وقيادتهم للأمة ، ومرجعيتهم موثقة وثابتة بالمنظومة الحقوقية الإلهية: القرآن الكريم والسنة ، وإلغاء قيادة أهل البيت من بعد النبي ومكانتهم ومرجعيتهم ليس ميسوراً ، وهذا يستدعي تعديل نصوص المنظومة الحقوقية الإلهية ، وهذا خارج عن طاقة البطون ، خاصة القرآن الكريم ! والحل الأمثل بالنسبة لهذه البطون هو اختراق المنظومة الحقوقية الإلهية اختراقاً لا يثير حفيظة !
20 - اختراق القرآن الكريم:
إذا كانت النصوص الشرعية التي تؤكد قيادة ومرجعية ومكانة أهل البيت الكرام واردة في القرآن الكريم ، فلا يمكن اختراقها بالتبديل أو التغيير ، لكن اختراق النصوص يتم عن طريق التأويل والتفسير، وحمل النص على عدة معان ، وتضييع المقصود الشرعي من خلال التأويل والتفسير والحمل ، ويمكن اعتبار هذه النصوص من قبيل المدح الذي لا يكسب الممدوح حقاً ، ولا يرتب له على الأمة التزاماً. وعند اللزوم يمكن التشكيك بمقاصد النصوص الشرعية ، أو تصور عدة مقاصد لها !
فإذا ذكر ذاكر أن الله تعالى قد أذهب الرجس عن أهل البيت وطهرهم تطهيراً جاءك الجواب سريعاً ، إن أهل البيت هم نساء النبي وحدهن ، ومنهم من يتبرع بالمباهلة إذا كان أهل البيت غير نساء النبي!
وإذا قيل إن النبي لا يسأل أجراً إلا المودة في القربى ، قيل: كل قريش قرابة النبي ، بل كل العالم أقارب النبي ، وهو جد التقي ولو كان عبداً حبشياً !
وإذا قيل: هم أهل الذكر ، قيل لك: إن العلماء هم أهل الذكر ، وهم ورثة الأنبياء ! وباختصار فلا تجد نصاً في القرآن الكريم يتعلق بأهل البيت الكرام أو ببني هاشم ، إلا وقد حضرت له البطون ومن والاها عشرات التفسيرات والتأويلات لإخراجه عن معناه الخاص بأهل البيت الكرام!
ولا تجد فضلاً اختص به أهل البيت الكرام إلا وقد أوجدت بطون قريش لرجالاتها فضلاً يعادله عن طريق التفسير والتأويل !
ومع سيطرة البطون وإشرافها على وسائل الإعلام ، وهيمنتها على الدولة الإسلامية خلطت كافة الأوراق حتى إذا أخرجت يدك لم تكد تراها.
ولكن الله الذي حفظ كتابه وتعهد بحفظه ، جعل برزخاً بين تأويلاتهم وبين النص ، فالنص القرآني محتفظ بخصوصيته المطلقة ، وهو يحفز بصورة مستمرة العقل البشري للعمل والتفكير.. الى آخر ما كتب وأجاد تغمده الله برحمته).

  • *

أهم فعاليات قريش لما بعد النبي صلى الله عليه وآله

الصحيفة الثانية التي أودعوها في الكعبة: كلمة الكفر !

كتبنا في الجديد في النبي صلى الله عليه وآله :
استنفرت قريش في حجة الوداع لخوفها أن يعلن النبي صلى الله عليه وآله خلافة علي عليه السلام ! وكان من بقي ممن وقع الصحيفة الملعونة الأولى حاضراً في حجة الوداع ، وكان المتآمرون لقتل النبي صلى الله عليه وآله في طريق تبوك موجودين أيضاً! وقد فرحوا بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يستطع كشف أسماءهم، واعتبروه نوعاً من الإنتصار عليه !
وكانوا يرون أن النبي صلى الله عليه وآله ماضٍ في تركيز خلافة علي عليه السلام فقد أشاد به في طريق تبوك ، وفي المدينة بعد عودته ، وسحب سورة براءة من أبي بكر، وبعثه بها وقال: إن جبرئيل عليه السلام أمره بأنه لايبلغ عنه إلاهو أو رجل منه !
ثم أشركه في أضاحيه لأنهما من ولد عبد المطلب وعددها مئة ناقة على عدد نذر عبد المطلب عن أبيه عبد الله. ثم خص فاطمة عليها السلام بأضحية وقال لها: قومي فاشهدي أضحيتك.(المغني:1/156) وذبح لجميع أزواجه بقرة (المغني:3 /501). وتواصلت أحاديثه عن مكانة علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فقال إن فاطمة سيدة نساء العالمين ، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ، وعلياً سيد العرب ، وأسد الله وأسد رسوله وولي المؤمنين بعده.
وكان يؤكد على ميزانية الخمس التي جعلها الله في سورة الأنفال لبني هاشم لينزههم عن الزكوات التي هي أوساخ الناس ، وهذا أقصى الرفعة لهم !
ثم لم يرض حتى قرن عترته بالقرآن وأوصى بهما الأمة ، وبشر باثني عشرإماماً ربانيين من عترته ، أي أن إمامتهم من الله ! فماذا بقي لبطون قبائل قريش !
ثم رأت قريش أنه صلى الله عليه وآله يتعمد التذكيربظلم البطون ومحاصرتهم لبني هاشم في شعب أبي طالب ، فقد أعلن يوم التروية: « منزلنا غداً إن شاء الله تعالى بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر). (صحيح بخاري:2/158).
ثم كررها بعد عرفات. ( البخاري: 4 / 247). وكان أكد عليها يوم فتح مكة !
فلا حل عند قريش إلا بمواصلة العمل لقتل محمد ! وإلا فالحيلولة بينه وبين إعلانه علياً خليفة ، وذلك بالتشويش على كلامه ، ونفي أنه قال ، وبالتهديد بإعلان الردة إذا لزم الأمر ! وهو أمر يخاف منه النبي صلى الله عليه وآله كثيراً !
إن نصوص خطب النبي صلى الله عليه وآله في عرفات حتى برواية السلطة ، تكفي لمعرفة الجو الذي أوجدته قريش حول النبي صلى الله عليه وآله وكيف كانت تترقب كلماته لتشوش على ما لا يناسبها وترفضه ، وتأخذ ما يناسبها وتضخمه !
فقد كان يوم عرفات أهدأ مكان وأنسبه لأن يوصل النبي صلى الله عليه وآله ما يريده إلى المسلمين المحرمين لربهم ، فركب ناقته ليشاهدوه ويسمعوه ، وكان صوته يصل إلى أكثرهم ، ومع ذلك دعا برجل جهوري الصوت فكان يلقي الجملة ويقول له: أصرخ بها ، فيصرخ ليسمعها من لم يسمعها مباشرة.
لكن ما أن بشر أمته بالأئمة الإثني عشر عليهم السلام من عترته ، حتى ارتفعت الضجة واللغط كما قال راوي قريش: ( فضجوا وقاموا وقعدو وكبروا ولغطوا، فأصمنيها الناس) وقال إن النبي قال: بعدي اثنا عشر إماماً ثم قال كلمة لم أفهمها ، فسألت عمر فقال: كلهم من قريش من قريش !
أقول: هذا هو الجو القرشي الذي قال عنه علي عليه السلام ( شرح النهج:20 /298): (إن العرب كرهت أمر محمد صلى الله عليه وآله وحسدته على ما آتاه الله من فضله واستطالت أيامه ! حتى قذفت زوجته ونفرت به ناقته ، مع عظيم إحسانه إليها وجسيم مننه عندها ! وأجمعت مذ كان حياً على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته)!

نسختان للصحيفة الملعونة الثانية

أرادت قريش أن تضمن نجاحها في عزل عترة النبي صلى الله عليه وآله عن الحكم ، فكتبت معاهدة ووضعتها في الكعبة ! وكانت نسخة موجزة على عجل ، ولما وصلوا الى المدينة تشاوروا مع أشباههم ، وكتبوا نسخة مفصلة وأعطوها لأبي عبيدة بن الجراح فبعثها الى مكة ووضعها مكان النسخة الأولى (وسموه أمين الأمة)!
في تفسير القمي(1/173) أنه بعد خطبة النبي صلى الله عليه وآله في منى وتأكيده على كتاب الله وأهل بيته عليهم السلام : (فاجتمع قوم من أصحابه وقالوا يريد محمد أن يجعل الإمامة في أهل بيته ! فخرج أربعة نفر منهم إلى مكة ودخلوا الكعبة وتعاهدوا وتعاقدوا وكتبوا فيما بينهم كتاباً: إن مات محمد أو قتل أن لا يردُّوا هذا الأمر في أهل بيته أبداً).
وفي الكافي(4/545): (عن الحارث بن الحصيرة الأسدي، عن الباقر عليه السلام قال: كنت دخلت مع أبي(زين العابدين عليه السلام ) الكعبة فصلى على الرخامة الحمراء بين العمودين فقال: في هذا الموضع تعاقد القوم إن مات رسول الله صلى الله عليه وآله أو قُتل ألا يردوا هذا الأمر في أحد من أهل بيته أبداً ! قال قلت: ومن كانوا؟ قال: كان الأول ، والثاني ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وسالم ابن الحبيبة) !

نقحوا نسخة الصحيفة في بيت أبي بكر

روى الشهيد التستري في الصوارم المهرقة في رد الصواعق المحرقة/74: (عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال:حدثني بريدة الأسلمي أنه لما قمنا من مكاننا في غدير خم سمعت رجلاً يقول لصاحبه: ما رأيت اليوم ما فعل بابن عمه ، لو قدر أن يصيره نبياً بعده لفعل! فقال له صاحبه:أسكت لو فقدنا محمداً لم نر من هذا شيئاً ! ثم لما رحل النبي صلى الله عليه وآله عن غدير خم ورأى أن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة يتناجون في إنكار تلك الخطبة في شأن علي عليه السلام ، أمر منادياً ينادي ألا لا يجتمع ثلاثة نفر من الناس يتناجون.
وارتحل عليه السلام فلما نزل منزلاً آخر أتى سالم مولى أبي حذيفة أبا بكر وعمر وأبا عبيدة فوجدهم يسارُّ بعضهم بعضاً ، فوقف عليهم وقال: أليس رسول الله نهى أن يجتمع ثلاثة نفر على سر؟ والله لئن لم تخبروني بما أنتم عليه لآتين رسول الله لأعرفنه ذلك منكم ! فقال أبو بكر: يا سالم عليك عهد الله وميثاقه إن نحن أخبرناك بما نحن فيه فإن أحببت أن تدخل معنا دخلت ، وإن أبيت كتمت علينا ؟ فقال سالم: ذلك لكم عليَّ. فأعطاهم عهد الله وميثاقه أنه إن لم يدخل معهم يكتمه عليهم ، قالوا: اجتمعنا على أن نتعاقد اليوم على أن نمنع محمداً مما افترضه علينا من ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام ! فقال لهم سالم: أنا والله به أول من يحالفكم على ذلك الأمر، والله ما طلعت شمس على أهل بيت أبغض إلي من بني هاشم ، ولا في بني هاشم أبغض إلي من علي! فاصنعوا ما بدا لكم فإني واحد منكم ! فتعاقدوا في وقتهم ذلك ثم تفرقوا.
قال حذيفة: ثم إنهم أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لهم: ما كنتم يومكم هذا تتناجون فيه؟ قالوا: يا رسول الله ما التقينا غير وقتنا هذا ، فنظر إليهم مغضباً ثم قال: وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالرحيل حتى دخل المدينة ، واجتمع القوم بها وكتبوا صحيفة على حسب ما تعاقدوا عليه من التنكب عما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وآله في استخلاف علي عليه السلام ، وأن الأمر لأبي بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم بعده لعمر بن الخطاب ، ثم بعده للحي من أحد الرجلين أبي عبيدة ، وسالم مولى أبي حذيفة. وأشهدوا على ذلك أربعة وثلاثين رجلاً ، أربعة عشر رجلاً أصحاب العقبة وعشرين رجلاً غيرهم: وهم سعيد بن العاص الأموي ، وأسامة بن زيد ، والوليد بن أبي ربيعة ، وسعيد بن زيد بن نفيل ، وأبو سفيان بن حرب ، وسفيان بن أمية ، وأبو حذيفة بن عتبة ، ومعاذ بن جبل ، وبشير بن أبي سعيد الأنصاري ، وسهل بن عمر ، وحكيم بن حزام الأسدي، وصهيب بن سنان الرومي، والعباس بن مرداس السلمي، وأبو مطيع بن أسد العبدي ، وقعد ابن عمر ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وسعيد بن مالك ، وخالد بن عرفطة ، ومروان بن الحكم ، والأشعث بن قيس.
قال حذيفة: حدثتني أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر أن القوم اجتمعوا في دار أبي بكر ، فتوامروا في ذلك ، وأسماء تسمع جميع كلامهم ، فأمروا سعيد بن العاص أن يكتب على اتفاق منهم:
بسم الله الرحمن الرحيم. إن المهاجرين والأنصار الذين مدحهم الله في كتابه على لسان نبيه اتفقوا جميعاً بعد أن اجتهدوا في آرائهم ، وكتبوا هذه الصحيفة نصراً منهم للإسلام ، وليقتدي بهم من جاء بعدهم.
أما بعد ، فإن الله بمنه وكرمه بعث محمداً رسولاً إلى الناس كافة ، بدينه الذي ارتضاه لعباده ، فأدى ما أمر به، حتى إذا أكمل الدين وبين الفرائض والسنن وعين الحلال والحرام ، فقبضه إليه مكرماً من غير أن يستخلف من بعده أحداً ، فجعل الإختيار إلى المسلمين ليختاروا لأنفسهم من وثقوا برأيه ودينه، وأن للمسلمين في رسول الله أسوة حسنة في ترك الإستخلاف فإنه لم يستخلف على الناس أصلاً ، لئلا يجري ذلك في أهل ملة واحدة ، فيكون إرثاً لهم دون سائر المسلمين ، ولئلا يكون دولة بين الأغنياء منهم ، ولئلا يقول الذي يستخلفه إن هذا الأمر باق في عقبه من ولد إلى ولد إلى يوم القيمة. والذي يجب على المسلمين عند مضي كل خليفة أن يجمعوا أهل الصلاح وذوي الرأي منهم ، ليتشاوروا في أمورهم ، فمن رأوه مستحقاً للخلافة بدينه وفضله ولوه أمورهم ، وجعلوه القيم عليهم ، لأنه لا يخفى على أهل كل زمان من يصلح منهم للخلافة. فإن ادعى أحد أن رسول الله استخلف رجلاً بعينه بحيث نصبه للناس باسمه ونسبه كان كاذباً في دعواه ، وأتى بخلاف ما يعرفه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، وخالف إجماع المسلمين،وإن ادعى مدع أن خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وراثة لأهل بيته ، فقد أبطل وأحال وخالف قول رسول الله: نحن معاشر الأنبياء لا نورث فما تركناه صدقة ، وإن ادعى مدع أن الخلافة لاتصلح إلا لرجل واحد من جميع الناس وأنها مقصورة فيه فقد كذب ،لأنه قال: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ، وإن ادعى مدع أنه يستحق بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله فليس له ولا لولده .
وإن دنا من النبي نسبه لأن الله يقول وقوله القاضي على كل أحد: إن أكرمكم عند الله أتقيكم. فمن رضي بما اجتمع عليه أصحاب رسول الله فقد هديَ وعمل بالصواب ، ومن كره ذلك وخالف أمرهم فقد عاند جماعة المسلمين فليقتلوه فإن في ذلك صلاح الأمة ، فإن رسول الله قد قال اجتماع أمتي رحمة والفرقة عذاب ، ولا تجتمع أمتي على ضلال أبداً ، وإن المسلمين يد واحدة على من سواهم ، وإنه لا يخرج من جماعة المسلمين إلا مفارق معاند لهم مظاهر عليهم ، فقد أباح الله ورسوله دمه ، وأحل قتله.
وكتب سعيد بن العاص باتفاق من أثبت إسمه وشهادته آخر هذه الصحيفة في المحرم سنة عشر من الهجرة. ثم دفعت الصحيفة إلى أبي عبيدة بن الجراح ، فوجه بها إلى مكة فلم تزل الصحيفة في الكعبة مدفونة ، إلى أن ولي عمر بن الخطاب فأخرجها.
وهي التي تمناها أميرالمؤمنين عليه السلام لما توفي عمر فوقف به وهو مسجى بثوبه وقال: ما أحب أن ألقى الله تعالى إلا بصحيفة هذا المسجى)!
قال حذيفة: فلما فرغوا من ذلك أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في المسجد فجلسوا معه ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أبي عبيدة وقال: بخٍ بخ لك يا با عبيدة ! من مثلك وقد أصبحت أمين قوم من هذه الأمة على باطلهم! ثم قرأ: فَوَيْلٌ للَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ. ولقد أصبح نفر من أصحابي ما هم في فعلهم دون مشركي قريش لما كتبوا صحيفتهم وعلقوها في الكعبة ! ولولا أن الله أمرني بالإعراض عنهم لأمر هو بالغه ، لقدمتهم وضربت أعناقهم !
قال حذيفة: فوالله لقد رأيت هؤلاء النفرقد استقبلتهم الرعدة فلم يملك أحد منهم نفسه ، ولم يخف على كل من حضرمع رسول الله صلى الله عليه وآله من المهاجرين والأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وآله يذمهم).
انتهى حديث حذيفة، ونقل بعضه عن أسماء بنت عميس وكانت زوجة أبي بكر. وكانت تنقل لعلي عليه السلام وأصحابه ما يجري بينهم ! ويظهر أن اتفاقهم على أن تكون الخلافة لأبي بكر ثم لعمر ، ثم لأبي عبيدة ، ثم سالم ،كان شفهياً !

نزلت آية فرض مودة العترة فجن جنون قريش !

في الكافي(1/293)عن الإمام الصادق عليه السلام قال:(فلما قدم المدينة أتته الأنصار فقالوا: يا رسول الله إن الله جل ذكره قد أحسن إلينا وشرفنا بك وبنزولك بين ظهرانينا ، فقد فرح الله صديقنا وكبت عدونا. وقد يأتيك وفود فلا تجد ما تعطيهم فيشمت بك العدو ، فنحب أن تأخذ ثلث أموالنا حتى إذا قدم عليك وفد وجدت ما تعطيهم. فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وآله عليهم شيئاً ، وكان ينتظر مايأتيه من ربه ، فنزل جبرئيل عليه السلام وقال: قُلْ لاأَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، ولم يقبل أموالهم فقال المنافقون: ما أنزل الله هذا على محمد وما يريد إلا أن يرفع بضبع ابن عمه ويحمل علينا أهل بيته ! يقول أمس: من كنت مولاه فعلى مولاه. واليوم: قُلْ لاأَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، ثم [كان] نزل عليه آية الخمس فقالوا: يريد أن يعطيهم أموالنا وفيأنا !
ثم أتاه جبرئيل فقال: يا محمد إنك قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك ، فاجعل الإسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة عند علي عليه السلام ، فإني لم أترك الأرض إلا ولي فيها عَلَمٌ تعرف به طاعتي وتعرف به ولايتي ، ويكون حجة لمن يولد بين قبض النبي إلى خروج النبي الآخر. قال: فأوصى إليه بالإسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة ، وأوصى إليه بألف كلمة وألف باب ، يفتح كل كلمة وكل باب ألف كلمة وألف باب).
أقول: أكد القرآن على أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يقولون لأممهم إنهم لايطلبون منهم أجراً على تبليغ الرسالة ، وكذلك نبينا صلى الله عليه وآله .
قال الله تعالى عن نوح: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلا عَلَى اللَّهِ.
وقال تعالى عن صالح: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ
وقال تعالى عن هود: يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي.
وقال تعالى عن شعيب: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ أَلْعَالَمِينَ.
وقال تعالى عن نبينا صلى الله عليه وآله : قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ.
قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَإِلا ذِكْرَى للعَالَمِينَ.
وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَإِلا ذِكْرٌ للعَالَمِينَ.
لكنه خص هذه الأمة بأن أجر نبيها صلى الله عليه وآله محبتها وطاعتها لعترته عليهم السلام : قُلْ لاأَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ.
ثم بين لهم أن هذا الأجر هو السبيل إلى رضا الله تعالى وثوابه ، فقال: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً.
ثم قال لهم إن هذا الأجر ليس غرماً بل غُنْمٌ لهم فقال: قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ. أي أنتم المنتفعون به ، لأنكم بمودة القربى وطاعتهم لا تضلون.
وفي الإرشاد للمفيد (1/179): (إن النبي صلى الله عليه وآله جعل يقوم مقاماً بعد مقام في المسلمين يحذرهم من الفتنة بعده والخلاف عليه ، ويؤكد وصاتهم بالتمسك بسنته والإجتماع عليها والوفاق ، ويحثهم على الإقتداء بعترته والطاعة لهم والنصرة والحراسة ، والإعتصام بهم في الدين ، ويزجرهم عن الخلاف والإرتداد. فكان فيما ذكره من ذلك صلى الله عليه وآله ما جاءت به الرواة على اتفاق واجتماع من قوله صلى الله عليه وآله : أيها الناس ، إني فرطكم وأنتم واردون عليَّ الحوض ، ألا وإني سائلكم عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يلقياني ، وسألت ربي ذلك فأعطانيه.
ألا وإني قد تركتهما فيكم: كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فلا تسبقوهم فتفرقوا ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم.
أيها الناس: لا ألفينكم بعدي ترجعون كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض فتلقوني في كتيبة كمجرى السيل الجرار! ألا وإن علي بن أبي طالب أخي ووصيي،يقاتل بعدي على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. فكان يقوم مجلساً بعد مجلس بمثل هذا الكلام ونحوه.
ثم إنه عقد لأسامة بن زيد بن حارثة الإمرة).

قاومت البطون جيش أسامة لأن هدف النبي صلى الله عليه وآله تغييبهم في وفاته !

قال المفيد في الإرشاد(1/179): (عقد لأسامة بن زيد بن حارثة الإمرة ، وندبه أن يخرج بجمهور الأمة إلى حيث أصيب أبوه من بلاد الروم واجتمع رأيه صلى الله عليه وآله على إخراج جماعة من متقدمى المهاجرين والأنصار في معسكره ، حتى لايبقى في المدينة عند وفاته صلى الله عليه وآله من يختلف في الرئاسة ويطمع في التقدم على الناس بالإمارة ويستتب الأمر لمن استخلفه من بعده ، ولا ينازعه في حقه منازع. فعقد له الإمرة على من ذكرناه وجدَّ صلى الله عليه وآله في إخراجهم ، فأمر أسامة بالبروز عن المدينة بمعسكره إلى الجرف ، وحث الناس على الخروج إليه والمسير معه وحذرهم من التلوم والإبطاء عنه. فبينا هو في ذلك إذ عرضت له الشكاة التي توفي فيها ، فلما أحس بالمرض الذي عراه أخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام واتبعه جماعة من الناس وتوجه إلى البقيع، فقال لمن تبعه: إنني قد أمرت بالإستغفار لأهل البقيع ، فانطلقوا معه حتى وقف بين أظهرهم فقال صلى الله عليه وآله : السلام عليكم يا أهل القبور ، ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما فيه الناس ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع أولها آخرها !ثم استغفر لأهل البقيع طويلاً وأقبل على عليٍّ عليه السلام فقال: إن جبرئيل عليه السلام كان يعرض على القرآن كل سنة مرة ، وقد عرضه علي العام مرتين ، ولا أراه إلالحضور أجلي).
أقول: معنى ذلك أن تشكيل جيش أسامة كان قبل مرض النبي صلى الله عليه وآله ومدة مرضه أسبوعان فيكون قبل وفاته بعشرين يوماً تقريباً ، وهذا يدل على أن تسويف القرشيين لحركة الجيش كان طويلاً ، وكانوا كل يوم أو أيام يفتعلون سبباً ويبطله النبي صلى الله عليه وآله !
وفى كتاب سليم بن قيس/424: (وفي ذلك الجيش أبو بكر وعمر، فقال واحد منهما: لاينتهي يستعمل علينا هذا الصبي العبد) !
وقال في فتح الباري(8/115):(أنكر ابن تيمية في كتاب الرد على ابن المطهر(سموه بعده منهاج السنة) أن يكون أبو بكر وعمر في بعث أسامة! ومستند ما ذكرناه ما أخرجه الواقدي بأسانيده في المغازي ، وذكره ابن سعد أواخر الترجمة النبوية بغير إسناد وذكره ابن إسحاق في السيرة المشهورة ولفظه: بدأ برسول الله صلى الله عليه وآله وجعه يوم الأربعاء فأصبح يوم الخميس فعقد لأسامة فقال: أغز في سبيل الله وسر إلى موضع مقتل أبيك ، فقد وليتك هذا الجيش.فذكر القصة وفيها:لم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة منهم أبو بكر وعمر. وعند الواقدي:أن عدة ذلك الجيش كانت ثلاثة آلاف فيهم سبع مائة من قريش).

ملاحظات على جيش اسامة

1- حسب رواية ابن حجر أن بِدء مرض النبي صلى الله عليه وآله كان قبل إرسال جيش أسامة ، وفي رواياتنا أن بِدء مرضه كان بعده ، بعد نصف صفر. ومعناه أن مدة مرضه صلى الله عليه وآله كانت ثلاثة عشر يوماً. ومدة تسويفهم وإعاقتهم حركة جيش أسامة كانت نحو عشرين يوماً !
2- أوردنا كلام ابن حجر في أن القرشيين كانوا مع أسامة سبع مئة. وقلنا: إذا كان المأمورون بالذهاب مع أسامة سبع مئة قرشي ، فعدد القرشيين في المدينة نحو أربعة آلاف ، بينما كان المهاجرون القرشيون مع النبي صلى الله عليه وآله أقل من عشرين نفراً، فالباقون من الطلقاء جاؤوا بعد فتح مكة ، فكانوا قريباً من عدد سكان أهل المدينة !
3- وقد تعمد النبي صلى الله عليه وآله أن يفرغ المدينة من القرشيين ، لأنهم وحدهم الذين يعارضون استخلاف علي عليه السلام . وهم الذين هتفوا مع عمر: القول ما قاله عمر حسبنا كتاب الله. لا تقربوا له دواة وقرطاساً ! فتخلفوا عن جيش أسامة وحضروا مع عمر ليمنعوا النبي من كتابة وصيته! فأمرهم النبي صلى الله عليه وآله بالتحرك مع أسامة ولعن من تخلف عنه! فافتعلوا الأعذار حتى سوفوا الوقت وأفشلوا برنامج النبي صلى الله عليه وآله ، وتسللوا من معسكر أسامة لواذاً عائدين إلى المدينة ، ورتبوا بيعة السقيفة الفلتة بقول عمر !
4- كان النبي صلى الله عليه وآله يكتب أسماء من هم في الجيش ، والسرايا إذا كانت كبيرة ، وكان له سيافان لتنفيذ أوامره يرسلهما عند تخلف المكتوبة أسماؤهم عن الإلتحاق ،هما قيس بن سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة ، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله أرسلهما الى المتخلفين عن جيش أسامة ثم أرسلهما الى أسامة يأمره بالحركة من ساعته ، فتحرك أمامهما وورجعا وأخبرا النبي صلى الله عليه وآله بأنهم تحركوا فقال لهم: كلا ، لم يتحركوا ! لأنه يعرف من الوحي أن أبا بكر وعمر لن يذهبا مع أسامة ، وأنهما سينفذان خطة بطون قريش بعد وفاته !
5- تعمد النبي صلى الله عليه وآله أن يؤمر عليهم أسامة الشاب الأسود ، ابن الثمان أو السبع عشرة سنةلئلا يعترض أحد على سن عليٍّ عليه السلام الذي كان في الثالثة والثلاثين.فيقال لهم إن أميركم أسامة لم يبلغ العشرين !
6- روى ابن هشام(4/1057): قول النبي صلى الله عليه وآله لعائشة لما رجع من البقيع وتحدث عن الفتن:(ما ضركِ لو متِّ قبلي فقمتُ عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك؟قالت قلت: والله لكأني بك لو قد فعلت ذلك ، لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك) ! فالنبي صلى الله عليه وآله تفكيره في المستقبل والفتن وانحراف المنحرفين ، ونجاة الناجين. وعائشة فكرها في الفراش والجنس !

وصف علي عليه السلام عملهم لإفشال جيش أسامة !

في الخصال/371 ، والإختصاص/170 ، عن أمير المؤمنين عليه السلام في جوابه لكبير أحبار اليهود عن امتحانات الله لوصي النبي، قال عليه السلام : (وأما الثانية يا أخا اليهود فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أمَّرني في حياته على جميع أمته ، وأخذ على من حضره منهم البيعة بالسمع والطاعة لأمري ، وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب في ذلك ، فكنت المؤدي إليهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله أمره إذا حضرته ، والأمير على من حضرني منهم إذا فارقته ، لا تختلج في نفسي منازعة أحد من الخلق لي في شئ من الأمور ، في حياة النبي صلى الله عليه وآله ، ولا بعد وفاته. ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بتوجيه الجيش الذي وجهه مع أسامة بن زيد ، عند الذي أحدث الله به من المرض الذي توفاه فيه ، فلم يدع النبي أحداً من أفناء العرب ولا من الأوس والخزرج وغيرهم من سائر الناس ، ممن يخاف عليٌّ نقضه ومنازعته ، ولا أحداً ممن يراني بعين البغضاء ممن قد وترته بقتل أبيه أو أخيه أو حميمه ، إلا وجهه في ذلك الجيش ، ولا من المهاجرين والأنصار والمسلمين وغيرهم ، والمؤلفة قلوبهم والمنافقين ، لتصفو قلوب من يبقى معي بحضرته ، ولئلا يقول قائل شيئاً مما أكرهه ، ولا يدفعني دافع من الولاية والقيام بأمر رعيته من بعده.
ثم كان آخر ما تكلم به في شئ من أمر أمته أن يمضي جيش أسامة ولا يتخلف عنه أحد ممن أنهض معه ، وتقدم في ذلك أشد التقدم ، وأوعز فيه أبلغ الإيعاز وأكد فيه أكثر التأكيد ! فلم أشعر بعد أن قبض النبي صلى الله عليه وآله إلا برجال من بعث أسامة بن زيد وأهل عسكره ، قد تركوا مراكزهم وأخلوا مواضعهم ، وخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فيما أنهضهم له وأمرهم به ، وتقدم إليهم من ملازمة أميرهم ، والسير معه تحت لوائه ، حتى ينفذ لوجهه الذي أنفذه إليه ، فخلفوا أميرهم مقيماً في عسكره ، وأقبلوا يتبادرون على الخيل ركضاً إلى حل عقدة عقدها الله عز وجل لي ولرسوله صلى الله عليه وآله في أعناقهم ، فحلوها ، وعهد عاهدوا الله ورسوله فنكثوه ، وعقدوا لأنفسهم عقداً ضجت به أصواتهم ، واختصت به آراؤهم ، من غير مناظرة لأحد منا بني عبد المطلب ، أو مشاركة في رأي ، أو استقالة لما في أعناقهم من بيعتي !
فعلوا ذلك وأنا برسول الله مشغول، وبتجهيزه عن سائر الأشياء مصدود، فإنه كان أهمها وأحق ما بدئ به منها ! فكان هذا يا أخا اليهود أقرح ما ورد على قلبي مع الذي أنا فيه من عظيم الرزية وفاجع المصيبة ، وفقد من لا خلفَ منه إلا الله تبارك وتعالى ، فصبرت عليها إذ أتت بعد أختها ، على تقاربها وسرعة اتصالها).

وصف حذيفة بن اليمان عملهم لإفشال جيش أسامة !

روى الديلمي في إرشاد القلوب(2 / 237) والمدني في الدرجات الرفيعة / 290 ، أن حذيفة صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وآله كان حاكم المدائن فلما جاءه خبر بيعة أمير المؤمنين عليه السلام فرح بذلك ، وصعد المنبر ودعا الناس إلى بيعته وخطب خطبة طويلة ، بيَّنَ فيها فضائل علي عليه السلام وكشف مؤامرة قريش على عترة النبي صلى الله عليه وآله . ومما قاله حذيفة رضي الله عنه:
(وأمر صلى الله عليه وآله أسامة بن زيد فعسكر بهم على أميال من المدينة ، فأقام بمكانه الذي حد له رسول  الله صلى الله عليه وآله منتظراً القوم أن يرافقوه إذا فرغوا من أمورهم وقضاء حوائجهم ، وإنما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله بما صنع من ذلك أن تخلو المدينة منهم ولا يبقى بها أحد من المنافقين.
قال: فهم على ذلك من شأنهم ورسول الله صلى الله عليه وآله دائب يحثهم ويأمرهم بالخروج والتعجيل إلى الوجه الذي ندبهم إليه ، إذ مرض رسول الله مرضه الذي توفي فيه ، فلما رأوا ذلك تباطؤوا عما أمرهم رسول الله من الخروج ، فأمر قيس بن سعد بن عبادة وكان سياف رسول الله والحباب بن المنذر في جماعة من الأنصار أن يرحلوا بهم إلى عسكرهم ، فأخرجهم قيس بن سعد والحباب بن المنذر حتى ألحقاهم بمعسكرهم ، وقالا لأسامة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يرخص لك في التخلف فسر من وقتك هذا ، ليعلم رسول الله ذلك.
فارتحل بهم أسامة وانصرف قيس بن سعد والحباب بن المنذر إلى رسول الله فأعلماه برحلة القوم فقال لهم: إن القوم غير سائرين من مكانهم ! قال: فخلا أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بأسامة وجماعة من أصحابه فقالوا: إلى أين ننطلق ونخلي المدينة ، ونحن أحوج ما كنا إليها وإلى المقام بها!
قالوا: إن رسول الله قد نزل به الموت ، ووالله لئن خلينا المدينة ليحدثن بها أمور لايمكن إصلاحها ! ننظر ما يكون من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله ثم المسير بين أيدينا ! قال: فرجع القوم إلى المعسكر الأول فأقاموا به ، فبعثوا رسولاً يتعرف لهم بالخبر من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فأتى الرسول عائشة فسألها عن ذلك سراً فقالت: إمض إلى أبي بكر وعمر ومن معهما فقل لهما: إن رسول الله قد ثقل ولا يبرحن أحد منكم ! وأنا أعلمكم بالخبر وقتاً بعد وقت ! واشتدت علة رسول الله صلى الله عليه وآله فدعت عائشة صهيباً فقالت: إمض إلى أبي بكر وأعلمه أن محمداً في حال لاترجى، فهلموا إلينا أنت وعمر وأبو عبيدة ومن رأيتم أن يدخل معكم ، وليكن دخولكم المدينة بالليل سراً !
قال: فأتاهم بالخبر فأخذوا بيد صهيب فأدخلوه إلى أسامة بن زيد فأخبروه الخبر وقالوا له كيف ينبغي لنا أن نتخلف عن مشاهدة رسول الله ، واستأذنوه للدخول فأذن لهم بالدخول، وأمرهم أن لايعلم أحد بدخولهم ، وقال:إن عوفي رسول الله صلى الله عليه وآله رجعتم إلى عسكركم ، وإن حدث حادث الموت عرفونا ذلك لنكون في جماعة الناس ، فدخل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ليلاً المدينة ورسول الله صلى الله عليه وآله قد ثقل.
قال فأفاق بعض الإفاقة فقال: لقد طرق ليلتنا هذه المدينة شر عظيم ! فقيل له وما هو يا رسول  الله؟ قال فقال: إن الذين كانوا في جيش أسامة قد رجع منهم نفر يخالفون أمري ، ألا إني إلى الله منهم برئ !
ويحكم نفذوا جيش أسامة ! فلم يزل يقول ذلك حتى قالها مرات كثيرة.
قال: وكان بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله يؤذن بالصلاة في كل وقت صلاة ، فإن قدر رسول  الله صلى الله عليه وآله على الخروج تحامل وخرج وصلى بالناس، وإن هو لم يقدر على الخروج أمر علي بن أبي طالب فصلى بالناس ، وكان علي والفضل بن العباس لا يزايلانه في مرضه ذلك.
فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله من ليلته تلك التي قدم فيها القوم الذين كانوا تحت يدي أسامة ، أذن بلال ثم أتاه يخبره كعادته فوجده قد ثقل فمنع من الدخول إليه ، فأمرت عائشة صهيباً أن يمضي إلى أبيها فيعلمه أن رسول الله قد ثقل ، وليس يطيق النهوض إلى المسجد وعلي بن أبي طالب قد شغل به وبمشاهدته عن الصلاة بالناس ، فأخرج أنت إلى المسجد وصل بالناس فإنها حالة تهيئك وحجة لك بعد اليوم. قال: ولم يشعر الناس وهم في المسجد ينتظرون رسول  الله صلى الله عليه وآله أو علياً عليه السلام يصلي بهم كعادته التي عرفوها في مرضه ، إذ دخل أبو بكر المسجد وقال: إن رسول الله قد ثقل وقد أمرني أن أصلي بالناس !
فقال له رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله : وأنى لك ذلك وأنت في جيش أسامة ! لا والله ما أعلم أحداً بعث إليك ولا أمرك بالصلاة !
ثم نادى الناس بلالاً فقال: على رسلكم رحمكم الله لأستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك ، ثم أسرع حتى أتى الباب فدقه دقاً شديداً فسمعه رسول الله فقال: ما هذا الدق العنيف فانظروا ما هو؟ قال فخرج الفضل بن العباس ففتح الباب فإذا بلال فقال: ما وراءك يا بلال؟ فقال: إن أبا بكر دخل المسجد وتقدم حتى وقف في مقام رسول الله وزعم أن رسول الله أمره بذلك !
فقال أوَليس أبو بكر مع أسامة في الجيش ! هذا والله هو الشر العظيم الذي طرق البارحة المدينة، لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك!
ودخل الفضل وأدخل بلالاً معه فقال صلى الله عليه وآله : ما وراءك يا بلال؟ فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله الخبر فقال: أقيموني أخرجوني إلى المسجد والذي نفسي بيده قد نزلت بالإسلام نازلة وفتنة عظيمة من الفتن!
ثم خرج صلى الله عليه وآله معصوب الرأس يتهادى بين علي عليه السلام والفضل بن عباس ورجلاه تجران في الأرض ، حتى دخل المسجد وأبو بكر قائم في مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وقد طاف به عمر وأبو عبيدة وسالم وصهيب والنفر الذين دخلوا ، وأكثر الناس قد وقفوا عن الصلاة ينتظرون ما يأتي به بلال ، فلما رأى الناس رسول الله صلى الله عليه وآله قد دخل المسجد وهو بتلك الحالة العظيمة من المرض أعظموا ذلك، وتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله فجذب أبا بكر من ردائه فنحاه عن المحراب ، وأقبل أبو بكر والنفرالذين كانوا معه فتواروا خلف رسول الله صلى الله عليه وآله !
وأقبل الناس فصلوا خلف رسول الله وهو جالس، وبلال يُسمع الناس التكبير حتى قضى صلاته ، ثم التفت فلم يرَ أبا بكر ! فقال: أيها الناس لا تعجبون من ابن أبي قحافة وأصحابه الذين أنفذتهم وجعلتهم تحت يدي أسامة ، وأمرتهم بالمسير إلى الوجه الذي وجهوا إليه ، فخالفوا ذلك ورجعوا إلى المدينة ابتغاء الفتنة ، ألا وإن الله قد أركسهم فيها ! أعرجوا بي إلى المنبر فقام وهو مربوط حتى قعد على أدنى مرقاة ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنني قد جاءني من أمر ربي ما الناس صائرون إليه وإني قد تركتكم على المحجة الواضحة ليلها كنهارها ، فلا تختلفوا من بعدي كما اختلف من كان قبلكم من بني إسرائيل !
أيها الناس: لا أحل لكم إلا ما أحله القرآن ولا أحرم عليكم إلا ما حرمه القرآن، وإني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي هما الخليفتان ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، فأسألكم ماذا خلفتموني فيهما. وليُذادنَّ يومئذ رجال عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل ، فيقول أنا فلان وأنا فلان ، فأقول أما الأسماء فقد عرفت ولكنكم ارتددتم من بعدي، فسحقاً لكم سحقاً !
ثم نزل عن المنبر وعاد إلى حجرته. ولم يظهر أبو بكر وأصحابه حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ! وكان من الأنصار سعد وغيرهم من السقيفة ما كان ، فمنعوا أهل بيت نبيهم حقوقهم التي جعلها الله عز وجل لهم)!
وفي منهاج الكرامة /100: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله في مرض موته مرة بعد أخرى مكرراً لذلك: أنفذوا جيش أسامة ! لعن الله المتخلف عن جيش أسامة ! وكان الثلاثة معه).

الرواية الحكومية لجيش أسامة

في سيرة ابن هشام (4/1025 و1064): (ثم قفل رسول الله (ص) فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم وصفراً ، وضرب على الناس بعثاً إلى الشام وأمَّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة مولاه ، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين ، فتجهز الناس وأوعب مع أسامة بن زيد المهاجرون الأولون. واستبطأ (ص)الناس في بعث أسامة بن زيد وهو في وجعه ، فخرج عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر، وقد كان الناس قالوا في إمرة أسامة: أمَّر غلاماً حدثاً على جلة المهاجرين والأنصار! فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال: أيها الناس ، أنفذوا بعث أسامة ، فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله ، وإنه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليقاً لها !
قال: ثم نزل رسول الله(ص) وانكمش الناس في جهازهم واستعز برسول الله وجعه ، فخرج أسامة وخرج جيشه معه حتى نزلوا الجرف من المدينة على فرسخ(نحو 6 كيلومتر) فضرب به عسكره وتتامَّ إليه الناس، وثقل رسول الله فأقام أسامة والناس ، لينظروا ما الله قاض في رسول الله (ص)).
وفي هذا النص تغطية على الذين تخلفوا فاستبطأهم النبي صلى الله عليه وآله والذين طعنوا في تأمير النبي صلى الله عليه وآله أسامة ، واحتالوا على أسامة حتى أخر الحركة ! وهم من قريش فقط دون الأنصار!

حديث لَد النبي صلى الله عليه وآله في مرضه عمل اغتيال !

مرض صلى الله عليه وآله قبل وفاته نحو عشرين يوماً ، وقد نجحوا في لده لما أغمي عليه في يوم الأحد فاشتد مرضه ، وفي يوم الإثنين تفل دماً قبل وفاته صلى الله عليه وآله !
وفي ذلك أحاديث رواها الجميع أوردناها في السيرة النبوية عند أهل البيت عليهم السلام .
واللُّدود وضع الدواء في فم المريض بالقوة ! وكان ذلك يوم الأحد: (ونزل أسامة يوم الأحد ، ورسول الله ثقيل مغمور وهو اليوم الذي لدُّوه فيه ، فدخل على رسول الله (ص) وعيناه تهملان).(الطبقات (2/190).
وخلاصة القصة: أن النبي صلى الله عليه وآله كان مرضه الحمى والصداع ، فكان يغشى عليه من شدة الحمى لدقائق ويفيق، فأحس أن بعض من حوله يقولون به ذات الجنب ، ويريدون أن يسقوه دواء عندما يغمى عليه، فنهاهم وشدد نهيه عليهم ، ومع ذلك عصوه ووضعوا في فمه دواء كالمرهم لما أغمي عليه فرفضه فوضعوه في فمه بالقوة ! فأفاق ووبخهم على عملهم، وأمر كل من كان حاضراً أن يشرب من ذلك الدواء ، عدا بني هاشم !
قال البخاري(5/143): (قالت عائشة لددناه في مرضه فجعل يشيرالينا أن لا تلدوني فقلنا كراهية المريض للدواء فلما أفاق قال: ألم أنهكم أن تلدوني؟ قلنا:كراهية المريض للدواء! فقال:لايبقى أحد في البيت إلا لُدَّ وأنا أنظر، إلا العباس فإنه لم يشهدكم). ومعناه: إني أتهم الحاضرين غير بني هاشم !
وقال البخاري(7/17) و( 8 /40 و 42) أنه أحس باللد فنهاهم فلم يمتنعوا فعاقبهم !
وفي فتح الباري (8/112):(وإنما فعل بهم ذلك عقوبة لهم لتركهم امتثال نهيه عن ذلك.أما من باشره فظاهر وأما من لم يباشره فلكونهم تركوا نهيهم عما نهاهم)!
وفي رواية الحاكم(4/202):(والذي نفسي بيده لا يبقى في البيت أحد إلا لُدَّ إلا عمِّي قال فرأيتهم يلدونهم رجلاً رجلاً ! قالت عائشة: ومن في البيت يومئذ فيذكر فضلهم ، فلُدَّ الرجال أجمعون وأزواج النبي فلددن امرأة امرأة)!
وقد اختاروا لعملية اللد وقتاً لم يكن عند النبي صلى الله عليه وآله أحد من بني هاشم ! ولا بد أنها كانت فترة قصيرة ، لأن علياً والزهراء والحسنين عليهم السلام والعباس وأولاده كانوا ملازمين للنبي صلى الله عليه وآله إلا إذا بعث أحداً منهم في مهمة.
فانتظروا وقت خلو الغرفة من بني هاشم ! وكان النبي صلى الله عليه وآله يغمى عليه ويفيق فلما أغمي عليه قامت عائشة وحفصة بلده رغم نهيه لهن وتشديده في النهي !
وقد غضب النبي صلى الله عليه وآله من عملهم ، فأمرهم أن يشربوا من نفس الدواء الذي سقوه له ! وهو يعرف أن الذي يقوم بسم أحد لايشرب من الدواء المسموم ! لكنه أراد أن يسجل اتهامهم لهم بأنهم سموه !
وقد روت مصادرهم أن النبي صلى الله عليه وآله نفى مراراً أن يكون مرضه ذات الجنب ، لكن عائشة لم تقبل نفيه لتبرر إعطائه المعجون الذي صنعته له هي أو صنعته العجوز اليهودية التي كانت ترقيها ، وهو يعطى لمرض ذات الرئة ! وانتظرت حتى أغمي عليه فلدته رغم نهيه، فأمال فمه الشريف عن دوائها مراراً لكن أصرت ووضعته في فمه! فلما أفاق غضب عليهم ، وأمر الجميع أن يلتدوا من الدواء ! ونفى أئمتنا عليهم السلام أن يكون مرضه ذات الجنب أي التهاب الرئة !
ففي الكافي(8 /193) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (اشتكى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت له عائشة: بك ذات الجنب ؟ فقال صلى الله عليه وآله : أنا أكرم على الله عز وجل من أن يبتليني بذات الجنب). لكن عائشة بقيت مصرة فقالت: (ما مات رسول الله إلا من ذات الجنب) ! (الزوائد:9/34) وذلك لتبرير لدها لأن اللد عندهم من ذات الجنب !

قال أهل البيت عليهم السلام إن النبي صلى الله عليه وآله مات بالسم  !

يكفي لإثبات أن النبي صلى الله عليه وآله مات مسموماً قول الإمام الحسن عليه السلام (إني أموت بالسم كما مات رسول  الله صلى الله عليه وآله قالوا: ومن يفعل ذلك ؟قال: امرأتي جعدة بنت الأشعث) ! (الخرائج والجرائح (1/241) ومناقب آل أبي طالب (3 / 175)
وما رواه العياشي في تفسيره (1/200): (عن الإمام الصادق عليه السلام قال: أتدرون مات النبي صلى الله عليه وآله أو قتل؟ إن الله يقول: أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ. فسمى القتل قبل الموت ! إنهما سمتاه).
ومما يؤيد موته بالسم أنه سقي ذلك الدواء يوم الأحد وتفل دماً يوم الإثنين! قال في شرح النهج (10/266): (يروى أنه صلى الله عليه وآله قذف دماً يسيراً وقت موته ومن قال بهذا القول زعم أن مرضه كان ذات الجنب ، وأن القرحة التي كانت في الغشاء المستبطن للأضلاع انفجرت في تلك الحال وكانت فيها نفسه).
أقول: بل هذا قول عائشة الذي أصرت عليه رغم نفي النبي صلى الله عليه وآله أن يكون مرضه ذات الرئة ، فالمرجح أنه قذف دماً يوم الإثنين مما سقي يوم الأحد !
وقد وافقنا ابن مسعود فشهد أن النبي صلى الله عليه وآله قتل بالسم! قال: (لئن أحلف تسعاً:أن رسول الله قتل قتلاً أحب إلي من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل).(مسند أحمد:1/408).
ووافقنا الشعبي قال: (والله لقد سُمَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسُمَّ أبو بكر). (الحاكم:3/59).

وقالوا مات مسموماً من لحم أكله في خيبر مع أنه لم يأكل

فقد أهدت له يهودية بعد فتح خيبرشاة مسمومة ، فرووا أنه أكل منها لقمة فأخبره الله تعالى بأنها مسمومة ، فكان سمها يعاوده سنوياً.(أبو داود:2 /370).
لكن أحاديثنا نفت أن يكون النبي صلى الله عليه وآله أكل من تلك الشاة.
ففي الثاقب في المناقب لابن حمزة /81: (فلما وضعت الشاة بين يديه تكلمت كتفها فقال: مه يا محمد لا تأكلني ، فإني مسمومة)!

  • *

الفصل التاسع عشر - المواجهة الكبرى بين النبي صلى الله عليه وآله وبطون قريش !

كيف منعوا النبي صلى الله عليه وآله أن يكتب وصيته ولماذا ؟!

أما لماذا؟ فلأنهم علموا أنه سيوصي بالخلافة لعلي والحسن والحسين عليهم السلام  ، وبطون قريش لم ترض برسولٍ من بني هاشم حتى لو كان الله أرسله ، فكيف يرضون بحكم بني هاشم بعده!
وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَالْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. وبذلك سجل القرشيون رقماً قياسياً في التعصب القبلي والتكبر والعناد فاق عناد بني إسرائيل وتكبرهم!
والآن بعد أن أجبرهم النبي صلى الله عليه وآله على الإسلام في فتح مكة ، يريد أن يفرض عليهم بني هاشم ، وهذا ما لا يكون أبداً !
لذلك رفعت قريش ورقة تهديد النبي صلى الله عليه وآله بأنها تعلن الردة ، وبردتها ترتد العرب ، وكان النبي صلى الله عليه وآله مأموراً بمداراتها حتى لاتعلن الردة !

أوصى سهيل الطلقاء بطاعة عمر لمواجهة النبي صلى الله عليه وآله

قال المحامي الأردني أحمد حسين يعقوب، وهو الذي بحث أربع عشرة سنة ، وقد وصف لي معاناته في هذه المدة حتى وصل الى الحقيقة،قال في كتابه المواجهة مع رسول الله صلى الله عليه وآله /92:
(مراحل المواجهة: مرت المواجهة بين هاتين الجبهتين بعدة مراحل:

المرحلة الأولى:
بدأت هذه المرحلة من اليوم الذي أعلن فيه النبي أمام المجتمعين في منزله من بني هاشم أنباء النبوة والرسالة والكتاب ، واختياره لولي عهده والإمام من بعده ، وامتدت إلى اللحظة التي هاجر فيها رسول الله من مكة إلى المدينة ، بعد نجاته من مؤامرة البطون التي كانت تهدف لقتله قبل الهجرة بقليل. ومدة هذه المرحلة عشر سنين ، بمعنى أن النبي عندما تلقى كلمة الوحي كان يدعو إلى ربه سراً من يغلب على ظنه استجابتهم لدعوته ، وكان أتباعه يمارسون عبادتهم سراً ، واستمرت المرحلة السرية ثلاث سنين ، وسمع الملأ من بطون قريش شائعات ، مفادها أن فتى عبد المطلب يُكَلَّم من السماء ، وانتشرت هذه الشائعات بين سكان مكة ، ولكن السكان لم يقطعوا الشك باليقين حول صحه هذه الشائعات أو عدم صحتها إلا بعد صعوده على الصفا وإعلانه للنبأ العظيم. (بعد الثلاث سنوات ذهب الى الحِجْر وليس الى الصفا).
وبعد أن انتشرت وقائع اجتماع الهاشميين في بيت النبي وإعلانه لبشائر النبوة والرسالة والكتاب ، واختياره علي بن أبي طالب ولياً لعهده.
هنالك بالذات، بدأت المرحلة الأولى من المواجهة وهي مرحلة الدعوة العلنية في مكة والتي امتدت عشر سنين ، مبتدئةً بالإعلان عن النبأ العظيم ، ومنتهية بنجاح النبي بالهجرة من مكة إلى المدينة.
وتتميز هذه المرحلة بأنها مواجهه مضغوطة ونفسية بطابعها العام ، فقد فهمت بطون قريش ال‍ 23 جدية الموقف الهاشمي ، وعزم الهاشميين على حماية النبي ودعوته ، وأن الهاشميين سيقاتلون حتى آخر رجل منهم إذا ما قامت البطون بقتل محمد. لذلك لجأت البطون إلى المفاوضات والإغراء ، وحصار ومقاطعة بني هاشم لتحملهم على التخلي عن محمد لتنفرد به وتقتله ، وشنت على النبي وعلى دينه حملات إعلامية منظمة ، واستغلت البطون نفوذها الأدبي عند العرب وصدت عن سبيل الله ، ونَفَّرَتْهم من رسوله ، وضيقت على الذين اتبعوه من أبناء البطون ، وعذبت من لابطون لهم تحميهم عذاباً أليماً، وبذلت جهودها لإرجاع الذين هاجروا إلى الحبشة ، لتفتنهم عن دينهم ، وفكرت جدياً بقتل النبي سابقاً ولكنها تخلت عن فكرة قتله أمام جدية الموقف الهاشمي. ولما أيقنت بإسلام جزء من أهل يثرب ومن عزم النبي على الهجرة ، اتفقت بطون قريش على اختيار عدد متساوٍ من رجالات البطون ليشتركوا بقتل النبي وليضربوه ضربة رجل واحد فيضيع دمه بين البطون ، ولا يقوى الهاشميون على المطالبة بدمه ، وشرعوا بالقتل فعلاً ليلة هجرة النبي ولكن الله نجى نبيه وأفشل مخططات ومؤامرة البطون ، وبهذه الهجرة انتهت المرحلة الأولى من المواجهة.
المرحلة الثانية:
بدأت هذه المرحلة من اليوم الذي نجا فيه النبي من مؤامرة القتل ، ومن وصوله إلى المدينة المنورة ، وامتدت حتى صلح الحديبية.
وفي هذه المرحلة قويت جبهة الإيمان بإسلام من أسلم من الأنصار ، وكثر عدد الداخلين في دين الإسلام ، وتجمعت أكثريتهم في بقعه جغرافية واحدة ، صارت بمثابة إقليم للدولة الاسلامية وهي المدينة المنورة ، وصارت للمسلمين دولة حقيقية ترأسها رسول الله بنفسه ، وتولت هذه الدولة تنظيم وقيادة المواجهات العسكرية التي جرت بين جبهة الإيمان وبين جبهة الشرك ، وسيرت الدولة الاسلامية العديد من السرايا العسكرية التي لم تعهدها جزيرة العرب من قبل ، ودخلت الدولة الاسلامية الفتيَّة بحروب طاحنة مع بطون قريش. وخلال هذه الفترة كانت البطون ترفض التفاوض مع النبي، وترفض الإعتراف بكيانه ، وتستمر في حملاتها الإعلامية الفاجرة ضده وضد الإسلام وتحاربه بكل وسائل الحرب ، مستعملة نفوذها الأدبي عند العرب لصدهم عن الاسلام ونبيه.
وفى هذه المرحلة ظهرت ظاهرة النفاق وتتمثل بالتظاهر بالإسلام والقيام ظاهرياً بكل ما يأمر به الإسلام من صلاة وصيام وكلام ، وإخفاء الحقد على النبي وأهل بيته والكفر بدينه ، وتربص الفرص لنقض كلمة الإسلام من أصولها ، وأصبح المنافقون قوة رهيبة ، ولكن فاعليتها كانت ملجومة بوجود النبي وقبول المسلمين بقيادته وولايته ، كانت مشكلة النفاق من أكبر المشكلات ، ومن المدهش أنه بعد موت النبي اختفت كلمة النفاق ، وتبخر المنافقون وكأنهم كانوا ينتظرون موت النبي ليصلحوا أنفسهم قبل أن يرتد إليك طرفك !
وعلى الرغم من أن مشكلة النفاق والمنافقين كانت عصية على الحل ، إلا أن رسول الله قاد سفينة الإسلام بتلك الظروف بكفاءة لا مثيل لها.
ومهما انشغل النبي صلى الله عليه وآله فلن ينشغل عن مكة ففيها بيت الله الحرام ، القاسم المشترك بين قبائل العرب ، ومع هذا فإن المشركين حولوا مكة إلى عاصمة للشرك وقاعدة لجبهة الشرك ، يتم فيها التدبير والتخطيط للصد عن سبيل الله وقد اكتوت بطون قريش بنار الحرب ، وتعرضت طرق تجارتها للخطر ، وهى لا تفكر إطلاقا بالإعتراف بمحمد وأتباعه ، أو بالتفاوض معه.
فقرر صلى الله عليه وآله بعد رؤيا مباركة أن يؤدي العمرة ومعه عدد من أصحابه ، وفوجئت بطون قريش بقدوم النبي وأصحابه ، وفوجئت بقرار العمرة ، وأصرت على منع النبي من أداء العمرة ، ولكنها اضطرت أن تتفاوض معه لأول مرة، وانتهت المفاوضات بصلح الحديبية. ونتيجة هذه المعاهدة اعترفت بطون قريش بمحمد وآله وأتباعه ، ولأول مرة ، ككيان سياسي يقف معها على قدم المساواة ، واعترفت بحق هذا الكيان باستقطاب ما يشاء ، وبالتحالف مع من يشاء ، ورفعت حصارها الأدبي عن العرب ، وأعلنت ولأول مرة بأن لقبائل العرب الحرية باختيار التحالف معها ، أو مع خصمها محمد ، وقد اعتبر صلح الحديبية هو الفتح الحقيقي المبين لمكة ، وبداية لتحالف جبهة الشرك المكونة من بطون قريش ال‍ 23 بقيادة البطن الأموي ، بالإضافة لما استأجرت تلك البطون من الأحابيش ، وتم صلح الحديبية في السنة السادسة من الهجرة النبوية.
وخلال هذه المرحلة شهدت المواجهة الطويلة بين محمد وآله ، وبين بطون قريش حالةً من الإنفراج ، وأتيحت الفرصة للنبي لإقامة تحالفات مع بعض القبائل، وللدعوة السلمية المسلحة بالقوة والحجة الشرعية والعقل والمنطق ، وحوافز المصلحة العاجلة والآجلة.
كما أتيحت له الفرصة للقضاء نهائياً على الخطراليهودي الذي لايقل بشاعة عن خطرالمشركين ، ففتح حصون خيبر وغنم ما فيها وأصلح أمور مجتمعه بما غنم ، وسير بعض السرايا العسكرية إلى القبائل المعاندة والمترددة ، وأوجد حالةً من التماس مع الغساسنة أتباع الأكاسرة ، ورتب الكثير من أموره الداخلية خلال فترة سريان معاهده الحديبية.
المرحلة الثالثة:
بدأت من فتح مكة بعد نقض معاهده الحديبية في السنة الثامنة للهجرة ، واستمرت حتى مرض الرسول مرضه الذي مات منه.
لم يرق طعم السلم لبطون قريش التي اتخذت من عداوة محمد وآله عقيدة تدين بها ، واكتشفت تلك البطون أنها أوقعت نفسها بمطب قاتل ، وعبَّدت الطريق أمام من تعتبره عدوها وتصورت أن الأمر لُعبة ، فنقضت تلك البطون معاهدة الحديبية ، عندئذ وجد النبي أن الفرصة مواتية والظروف مهيأة ، فعزم على أن يفتح مكة ، وأن يعلن انهيار جبهة الشرك وهزيمتها الساحقة النهائية ، وأن يجبر قائد هذه الجبهة وأركان قيادته على الإستسلام ، ولتحقيق هذه الأهداف جهز الرسول عشره آلاف مقاتل، ورتب أموره ليفتح مكة ، ويحقق الأهداف التي رسمها بدون إراقة دماء ، وهكذا كان وبفتح مكة انهارت عملياً جبهة الشرك ، وحذف هذا المصطلح من الخارطة السياسية نهائياً ، واستسلم قائدها العام أبو سفيان مع أركان قيادته أولاده: معاوية ويزيد وعتبة ، وسادات بني أمية ، وسادات البطون.
وكان تصرف النبي مع المغلوبين بحجم خلقه العظيم ، فقال لقادة جبهة الشرك ولمن والاهم من سكان مكة: إذهبوا فأنتم الطلقاء ، والتصق نعت الطلقاء بهم ، ولم يقووا على التخلص منه حتى بعد أن نجح انقلابهم فيما بعد وقبضوا على مقاليد الأمور بالقوة والتغلب ، وصاروا رسمياً قاده المسلمين بقوة السلاح !
وبفتح مكة تغيرت الخارطة السياسية كلياً ، وأصبحت الدولة الإسلامية هي القوة الحقيقية الوحيدة في بلاد العرب ، وسمع كل العرب باستسلام قاده بطون قريش ، وشعرت قبائل العرب أنها صارت في حل من مجاملة البطون ، وأنه ليس هنالك ما يحول بينهما ، وبين إدراك مصالحها ، من خلال استسلامها أو إسلامها بعد أن بهرتها العبقرية المحمدية ، وتوصلت إلى قناعة عقلية مفادها (أن آلهة العرب جميعا آلهة زائفة ، وأن الإله الحقيقي هو إله محمد ، والأقرب أن محمداً رسول الله ، وأن مصالحها تقتضي القرب من الرجل ، وأن تستسلم له أو تسلم معه ، فاتجهت إليه كل القلوب بقوة الإنبهار ، وحوافز البحث عن الحلم المفقود. واغتنم النبي الفرصة ، وأراد أن يصفى ما تبقى من أوكار الشرك ، فاتجه إلى حنين ومعه كثرة كاثرة من المسلمين سكرى بزهو النصر ، وفاجأهم عدوهم فولوا مدبرين ، ولكن النبي وأهل بيته ثبتوا ، حتى استعادت جموع المسلمين روعها ، فكرت بعد فر وألحقت الهزيمة بعدوها ، واتجهوا إلى الطائف آخر معاقل الشرك ، فتحصن بها أهلها فحاصرهم النبي ، ثم قرر أن الطائف قد سقطت عملياً ، وأن أهلها آووه يوماً ،فتركها ، وقسم الغنائم بين الناس ، وعاد إلى المدينة المنورة ، يغمره السرور بنصر الله والفتح ، وما أن استقر قليلاً حتى بدأت الوفود تتقاطر عليه ، معلنة استسلامها أو إسلامها على يديه ، وخلال تلك الفترة كان النبي يتفقد ما بقي من جيوب الشرك ، ويرسل سراياه وبعوثه ورسله ، لتطهيرها وهداية أهلها.
وارتاحت نفسه الشريفة وهو يرى أن بلاد العرب قد توحدت ، ولأول مرة في التاريخ ، وبكلفة بشرية لا تتجاوز أربع مائة قتيل ، وبمدة زمنية لم تتجاوز تسع سنين. واطمأن قلبه الطاهر وهو يرى دين الإسلام قد أصبح ديناً لكل سكان بلاد العرب ، وصرح علناً بأن الشيطان قد يئس من أن يعبد في بلاد العرب. لقد أقلقت هذه الإنجازات الهائلة مضاجع قاده الدولتين الأعظم آنذاك خاصةً الأباطرة ، وأشيع بأن الروم قد حشدوا جيشاً كبيراً ، فاستنفر رسول الله المسلمين وجهز حملة كبرى قوامها ثلاثون ألف مقاتل ، معهم ألف بعير ، وعشرة آلاف فرس في ظروف صعبة ، وسار بهذا الجيش قرابة 500 كيلومتر ووصل إلى تبوك ، وأخضع دومة الجندل ، ووطد سلطان الإسلام بهيبته ، وأحجم الروم عن ملاقاته بعد أن قذف الله في قلوبهم الرعب ، وحققت الغزوة أهدافها النفسية ، فضلاً عن الكم الهائل من العبر والأسرار ، فقد جمعت غزوة تبوك الأخيار والأشرار ، وثبت للأخيار بأن الذين أجرموا يحقدون على محمد وعلى آل محمد ، وأن النبي وآله لو فتحوا أقطار الدنيا ، وملكوها للمجرمين ، فلن يرضوا عن محمد وآل محمد ، بالوقت الذي يتلفظ فيه أولئك المجرمون بالشهادتين ويدَّعون الإسلام !
وأكبر دليل الآيات القرآنية النازلة في غزوة تبوك والتي فضحتهم ، ومؤامرتهم الدنيئة على قتل النبي في طريق عودته من تبوك ، والمثير للدهشة حقاً أنهم بنفس الوقت الذي كانوا يعدون فيه مؤامرة قتل النبي، كانوا يبنون مسجداً ويرجون من النبي أن يفتحه لهم تبركاً به.
ولما قيل للنبي لمَ لا تقتلهم ؟ قال الرسول: إني أكره أن يقول الناس إن محمداً لما انقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل أصحابه.
فقيل: يا رسول الله فهؤلاء ليسوا بأصحاب ! قال الرسول للسائل: أليس يظهرون أنه لا إله الا الله؟ قال السائل: بلى ولا شهادة لهم. قال النبي: أليس يظهرون أني رسول الله؟ قال السائل: بلى ولا شهادة لهم. ولم يستوعب السائل فقال النبي: قد نهيت عن قتل أولئك.
بمعنى أن هذا الصنف من المسلمين يتلفظ بالشهادتين ، ويمارس كل الأعمال الظاهرية التي تدل ظاهرياً على اسلامه ، ولكنه بنواياه وبقلبه كافر بكل ذلك ، ويخرج عن صلاحية النبي أن يحاكم الناس على نواياهم وما في قلوبهم! ولكن النبي يكشف صفاتهم للمخلصين حتى يحذرهم فلا يقعوا في أحابيلهم ولا ينخدعوا بمظاهرهم ، لأنهم هم العدو الحقيقي.
ولم يتوقف النبي في هذه المرحلة عن ترسيخ العقائد وبيان الطريقة المثلى لكشف المنافقين وعزلهم ، بعد أن أصبحوا خطراً حقيقياً يتهدد الإسلام ومستقبله. وفي هذه المرحلة حج النبي حجة الوداع ، وقال للناس: إنها حجه الوداع وإنه لن يلقاهم ثانية. وبعد انتهاء مراسم الحج وعودة الناس ، جمعهم النبي في مكان يدعى: غدير خُم ، ليس في بلاد العرب مكان آخر يحمل هذا الإسم ، وأعلن أمامهم ولاية الإمام علي وإمارته على المؤمنين ، وتوجه بتاج الإمارة ، وطلب من الحاضرين أن يقدموا له التهاني بالإمارة وهكذا كان. وكان أبو بكر وعمر أول المهنئين.
وما أن استقر في المدينة قليلاً حتى أمر بتجهيز بعث أسامة ، وكلف أبا بكر وعمر أن يلتحقا بالبعث ، ولعن من يتخلف عن بعث أسامة.
ثم مرض مرضه الذي مات منه. وهو على فراش المرض أراد ان يلخص الموقف لأمته ليجنبها شرور العواصف التي تتربص وتنتظر موته حتى تنقض وتقتلع كل شيئ من جذوره ، فقال لمن حوله: قربوا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً ، وما أن سمع عمر كلام رسول الله حتى قال: حسبنا كتاب الله ، بمعنى أن المسلمين ليسوا بحاجة إلى كتاب رسول الله لأن القرآن عندهم وما أن أتم عمرجوابه حتى قال رجال عمر بصوت واحد (وكلهم طلقاء): القول ما قاله عمر. ولما أبدى بعض الحضور استغرابهم قال رجال عمر: إن النبي قد هجر حاشا له ! وقال عمر: إن النبي قد هجر ، وهكذا حالوا بين الرسول وبين كتابة ما أراد، وصعدت الروح الطاهرة إلى بارئها وانتهت تلك المرحلة).
المرحلة الرابعة:
وبدأت منذ اللحظة التي حالوا فيها بين رسول الله وبين كتابة ما أراد ، وامتدت حتى قتل عثمان بن عفان الخليفة الثالث ، ويبدو أنه قد تم الإعداد الدقيق لصنع تاريخ هذه المرحلة وبتروي أثناء حياه النبي ، فقول النبي: قربوا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده ، لايستدعى نفور عمر ورده الفوري: لا حاجة لنا بالكتاب حسبنا كتاب الله ، ولما أبدى بعض الحاضرين دهشتهم من رد عمر قال أتباع عمر: القول ما قاله عمر!
وأمام وجود أصوات تطالب بأن تتاح الفرصة لرسول الله ليكتب ما يريد قال أتباع عمر بصوت واحد: إن النبي يهجر وأكثروا اللغط ، ومن يجرؤ أن يقول في حضرة النبي إنه هجر غير عمر ، فلو لم يقل عمر أولاً بهجر النبي لما تجرأ الذين معه على ترديد هذه الكلمة النابية والقاسية !!
وباختصار من غير الممكن عقلاً أن تلد هذه المقدمة مثل هذه النتيجة ، وأن يكون هذا التوافق بين عمر والذين تضامنوا معه وليد لحظته !
والظاهرة الثانية أن كل بطون قريش ال‍ 23 وقفت وقفة رجل واحد ، وشكلت جبهة واحدة بمواجهة أهل بيت النبوة وبني هاشم ، فمن غير الممكن عقلاً أن تكون هذه الوقفة ثمرة تصور آني !
وأنت تلاحظ أن هذه البطون قد وقفت مجتمعة ضد النبي وحاربته وحاربت دينه وحاربت الهاشميين بكل وسائل الحرب طوال 18عاماً ، حتى أحيط بها فسلمت أو استسلمت ونطقت بالشهادتين كارهة ، واليوم تدعي هذه البطون بأنها الأولى بالإمارة ، لأن محمداً من قريش !
أما رهطه بني هاشم الذين حاربوا ووقفوا معه طوال حياته ، والذين قاطعتهم هذه البطون نفسها ، وحاصرتهم بسبب موالاتهم لمحمد ، فليس لهم من الأمر شيء ! والمدهش أن كل المنافقين وقفوا مع بطون قريش وقفة رجل واحد ، وصاروا بقدرة قادر من المؤمنين ، وكأنهم كانوا ينتظرون موت النبي حتى يهتدوا يوم وفاته ! وقبضت البطون على مقاليد الأمور ، ووقع الخلاف بين الأنصار ، واكتشفوا بأنهم أمام تجمع قبض على مقاليد الأمور ، وتحول إلى سلطة حقيقية ، فسلموا لينجوا بأنفسهم وليحافظوا على حياتهم ومصالحهم ، ومن يعارض فالموت الزؤوم ينتظره !
فلن يكون أحد بعد النبي بوزن الإمام علي فهو الولي بالنص، وهو الخليفة بالنص كما بينا ، وسنرى ومع هذا هدد بالقتل إن لم يبايع.
ولن يكون أحد أعظم حرمة وأقرب للنبي من سيدة نساء العالمين فاطمة وابنيها سيدي شباب أهل الجنة ، وريحانتي النبي في هذه الأمة ، ومع هذا وضع الحطب حول منزلهم وهددوا بإحراق البيت عليهم وهم أحياء ، إن لم يخرج من بيتهم نفر ممن لم يبايعوا.
كان ذلك في اليوم الثاني لوفاة النبي! فكان الأمر ملخصاً للناس: إما الموت أو المبايعة والرضا بالأمر الواقع، فاختار الناس المبايعة والقبول بالأمر الواقع.
ومن جهة ثانية ، فإن الذين قبضوا على مقاليد الأمور ، وصاروا سلطة ، قبضوا في الوقت نفسه على موارد الأرزاق ومنابع الثروة ، وعلى قرار الجاه والنفوذ ، فمن لم يبايع يحيا ذليلاً ويموت جوعاً، فصارت البيعة طريق خلاص ومسلك حياة. ووجد أهل بيت النبوة أنفسهم وجهاً لوجه أمام سلطة جمعت رغبة ورهبة ، ومن خلفها أمة تقف بمواجهتهم، فصار أهل بيت النبوة والقلة ممن والاهم في جهة وصارت السلطة وأولياءها في جهة أخرى.
ومع هذا قاوم أهل بيت النبوة ، وأقاموا الحجة على خصومهم ، واعترف عدوهم بشرعية حجتهم ومنطقيتها وعقلانيتها. وطاف الإمام وزوجته وولداه على بيوت الأنصار يسألون النصرة ، فاحتج الأنصار بوقوع البيعة ، وتمنوا لو سبق الإمام إليهم !
أمام هذه المقاومة الضارية أصدرت السلطة الحاكمة سلسله من القرارات الإقتصادية قصمت فيها ظهر أهل بيت النبوة وهي:
1- قرار حرمان أهل بيت النبوة من ميراث النبي.
2- قرار حرمان أهل بيت النبوة من مِنح النبي لهم ومصادرة هذه المنح.
3- قرار حرمان أهل بيت النبوة من حقهم في الخمس الوارد في القرآن الكريم بآيٍ محكمة.
4- ألزمت السلطة نفسها بإعالة أهل بيت النبوة.
وكانت هذه القرارات الأليمة حالة فريدة في تاريخ المواجهة ، ففي أقسى مرحلة من مراحل المواجهة ، قررت بطون قريش أن تحاصرالنبي وأهله بني هاشم في شعب أبي طالب ، وأن تقاطعهم فلا تبيع منهم ولا تشتري ولا تنكح منهم ولا تنكحهم ، لكن بطون قريش المشركة آنذاك لم تتعرض لممتلكاتهم وأموالهم ، ولم تتدخل في موضوع إعالتهم !
والفرق بين الحالتين أن بطون قريش كانت على الشرك عندما اتخذت قرارات المقاطعة والحصار ، وبطون قريش ومؤسسوا هذه المرحلة كانوا على الإسلام عندما اتخذوا قراراتهم الإقتصادية بحق أهل بيت النبوة !
واحتج أهل البيت فتلطفت السلطة وسمعت ظلامتهم ، ولكنها أصرت فاستسلم أهل بيت النبوة ، حفاظاً على شوكة الإسلام ، ولكنهم لم يتركوا فرصة دون الإحتجاج بالنصوص الشرعية التي أعطتهم مركز القيادة ، وبينت أن الهدى لا يدرك إلا بالقرآن وبهم، وأن الضلالة لا تتجنب إلا بالقرآن وبهم.
وأدركت السلطة خطورة سلاح الإحتجاج بالنصوص الشرعية، خاصة السنة النبوية بفروعها الثلاثة: القول ، والفعل ، والتقرير ، لذلك منعت كتابة ورواية أحاديث رسول الله وقالت: إن القرآن وحده يكفي، وعممت بأنه لا ينبغي الركون إلى كل ما قاله رسول الله ! فرسول الله بشر، يتكلم بالغضب والرضا، والسلطة هي الأعلم بالحالة النفسية التي صدر فيها القول عن رسول الله ! هل هو في الغضب فتهمله ، أو بالرضا فتعمل به !
ولتحقيق هذه الغاية اضطرت السلطة أن تستعين بالجميع بما فيهم المنافقين وأعداء الله الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والعصيان ، لتكون الأمة كلها في جهة ، وأهل بيت النبي في الجهة المواجهة لها ! فتظهره كأنهم قد خرجوا عن الجماعة ، وشقوا عصا الطاعة !
واكتشفت السلطة أن رسول الله قد لعن أعداء الله وكشف حقيقتهم ، وتعذر على السلطة أن تلغي نصوص اللعن ، وتعذر عليها أن تستغني عن أعداء الله ورسوله ليكون الحشد كاملاً بمواجهة أهل البيت ، فأشاعت بين الناس أن رسول الله كان يتكلم بالغضب والرضا ، فلا ينبغي أن يُعمل بكلامه !
وللتغطية على الذين لعنهم رسول الله ، وكشف عداواتهم لله ولرسوله ، وهم الذين استعانت بهم السلطة وبوأتهم أرفع المناصب ، أشاعت السلطة بكل وسائل إعلانها أن الرسول كان يغضب ويفقد السيطرة على نفسه ، فيسب ويشتم ويلعن ويسيئ لمن لا يستحق ذلك فدعا الله تعالى أن يجعل كل ذلك زكاة وطهوراً لمن صدرت منه هذه الإساءات بحقهم !
وبهذا التأويل المرعب على صاحب الخلق العظيم ، صار أبو سفيان ومعاوية ابنه وسادات بني أمية الذين حاربوا النبي وأهل بيته طوال 18 عاماً زاكين مطهرين ، وصار الحكم بن العاص وابنه مروان ، وذريتهم وهم الذين لعنهم رسول الله ، وحرم عليهم أن يساكنوه ، صاروا بجرة قلم ، مزكاة طاهرة نفوسهم ! وبحكم هذا التأويل صاروا فيما بعد خلفاء وقاده للمسلمين!
وطمعاً بتأليف القلوب حول السلطة ، ولضمان وحدتهم بمواجهة مطالب أهل بيت النبوة ،أخذ قادة هذه المرحلة ينفقون أموال بيت المسلمين كيفما اتفق وبما يحقق غاياتهم ، فوزعوا العطايا حسب منازل الناس عندهم ، ووفق معاييرهم ، وألغوا سنة المساواة بتوزيع العطايا التي أوجدها رسول الله! وعندما قيل إن رسول الله قد وزع بالتساوي فلم تميزون ؟ قالوا: رسول الله مجتهد ، والخليفة مجتهد فمن حق المجتهد أن لا يأخذ باجتهاد مجتهد آخر!
وهكذا نشأت في هذه المرحلة الطبقات ، ووجد الغنى الفاحش بجانب الفقر المدقع ، وعاش أصحاب الملايين جنباً إلى جنب مع مئات الألوف الذين كانوا يفترشون الغبراء ويلتحفون السماء ، ويطوون الليالي جياعاً هم وذرياتهم !
ثم جيشوا الجيوش وخرجوا لحرب العالم ونشر دين الإسلام وتطبيق شريعته ونشر عدالته بين الناس. وخلعت وسائل الإعلام التي تملكها السلطة على مؤسسي هذه المرحلة أثواب القداسة والعصمة ، فصار عملهم وقولهم وتقريرهم سنة واجبة الإتباع تُقرأ مع ما تبقى من سنة الرسول ، وصار لكل واحد من هؤلاء المؤسسين سنة ، وإذا تعارضت سنة المؤسسين مع سنة الرسول ، تترك سنة الرسول ويعمل بسنة المؤسسين من باب الإجتهاد ، وتحت شعار تغير الأحكام بتغير الزمان ! فعلى سبيل المثال:
أقنعت وسائل إعلام دولة المؤسسين العامة: بأن رسول قد خلى على الناس أمرهم ، ولم يعين خليفة من بعده ليختار الناس لأنفسهم ، فكان الأولى بخليفة النبي أن يخلي على الناس أمرهم اقتداء برسول الله ، ولكن سن المؤسسون سنة خلاصتها أن الخليفة ينبغي أن يعين الخليفة الذي يأتي بعده وذلك لعدة أسباب:
أولاً: الخليفة ينظر للناس حال حياته ، وتبع ذلك أن ينظر لهم بعد وفاته ، فمن هنا صار من حق الخليفة القائم أن يعين من يخلفه ويَعهد إليه على حد تعابير ابن خلدون.
ثانياً: حتى لا تترك أمة محمد هملاً بلا راع على حد تعبيرأم المؤمنين عائشة أو كالظأن على حد تعبير معاوية ، أو خروجاً من اللوم على حد تعبير عبد الله بن عمر ، وهكذا صار العهد سنةً ، واقتنع العامة أن رسول الله لم يسنها إنما سنها الخلفاء الراشدون.
ومثال آخر: أن الرسول كان يوزع العطايا بين الناس بالتساوي لأن حاجات البشر الضرورية متشابهة، فكل واحد من أبناء البشر بحاجة لمأكل ومشرب وملبس ومركب ومنزل وزوجه وذرية. الخ.
فجاء المؤسسون لهذه المرحلة وقالوا إن هذه السنة ليست مناسبة ، وإن الأفضل إعطاء الناس على حسب منازلهم ، واخترعوا موازين لتلك المنازل!
مثال ثالث: أن الله قد جمع لآل محمد النبوة والملك كما جمعها لآل إبراهيم وجعل الصلاة على آل محمد جزءً من الصلوات المفروضة على العباد ، وأرشد الخلق بأن الهدى لا يدرك إلا بالقرآن وبأهل بيت محمد ، وأن الضلالة لا يمكن تجنبها إلا بالإثنين معاً، كما هو ثابت بحديث الثقلين.
وجاء المؤسسون فقالوا:إنه ليس من العدل أن يأخذ آل محمد النبوة والملك ، وأن تحرم بقية البطون من هذين الشرفين معاً ، والأفضل برأيهم أن يأخذ الهاشميون النبوة لا يشاركهم فيها أحد من بطون قريش ، وأن تأخذ بقية بطون قريش الملك أو الخلافة لا يشاركهم فيها هاشمي قط !
واقتنع العامة أن هذا الترتيب هوالأولى بالإعمال وكضربة نهائية وفنية وللوقوف أمام حديث الثقلين الذي نقلته الأمة بالتواتر ، ولإبقاء حالة المواجهة بين الأمة وبين أهل بيت النبوة ، وجد مصطلح العشرة القرشيين المبشرين في الجنة ، ومصطلح النفَر الذي مات رسول الله وهو عنهم راض ، ولما مات هؤلاء وجد مصطلح الصحابة العدول ، والعدالة تشبه العصمة ، وأشاعوا أن كل من رأى النبي أو سمعه ونطق بالشهادتين فهو صحابي معصوم. من سبه أو شتمه أو نقده فهو زنديق لا تجوز الصلاة عليه ، ولا يجوز دفنه في مقابر المسلمين !
وبعد موت الصحابة صار التابعون بمواجهة أهل البيت !
وبعد موت التابعين صار علماء المسلمين بمواجهة أهل البيت !
وبهذه التدابير الذكية ألغوا عملياً مفاعيل حديث الثقلين ، وصار وجود أهل البيت للتبرك إن لزموا الصمت وأعرضوا عن السياسة ، أما إن لوحوا بحقهم بقيادة الأمة فهم باحثون عن الفتنة التي حرمها الله ودمهم حلال للحاكم !
وهكذا تم عملياً في هذه المرحلة وضع كافة الأسس التي نسفت النظام السياسي الإسلامي برمته، وتكون على أنقاضه نظام سياسي بديل ، مؤلف من اجتهادات المؤسسين وسوابقهم الدستورية ، والأعراف التي أوجدوها ، ومن تنظيرات شيعتهم التي جعلت الموالاة لهؤلاء المؤسسين الكرام ، جزءً لا يتجزأ من الموالاة لله تعالى)!

أعلن النبي صلى الله عليه وآله لعنته على من خالف وصيته بأهل بيته

أعلن ذلك في خطبه في حجة الوداع ! فبعد حديثه عن أهل بيته عليهم السلام أعلن مبدأ: ( لعن من ادعى إلى غير أبيه ، أو تولى غير مواليه) !
رواه أحمد في مسنده (4/186):(خطبنا رسول الله وهو على ناقته فقال: ألا إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي، وأخذ وبرة من كاهل ناقته فقال: ولا ما يساوي هذه أو ما يزن هذه.لعن الله من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه).
وروى البخاري في صحيحه(2/221 ، و4/67) وأحمد في مسنده(4/239 و: 4/187): (ألا ومن ادعى إلى غير أبيه ، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً). ورواه بروايات في نفس الصفحة وقبلها، وفي/ 238 و 186. والدارمي (2 / 244 و 344) ومجمع الزوائد (5 / 14).
وقال ابن ماجة (2/905): (خطبهم وهو على راحلته وإن راحلته لتقصع بجرانها وإن لغامها ليسيل بين كتفي ، قال: ومن ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ).
وفي الترمذي( 3 / 293) عن أبي أمامة قال:( سمعت رسول الله(ص) يقول في خطبته عام حجة الوداع: ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله التابعة إلى يوم القيامة).
وقد رووا هذه اللعنة المغلظة بعد تذكيرالنبي صلى الله عليه وآله بأهل بيته وحقهم في الخمس. فروى أحمد في مسنده(4/186): (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وهو على ناقته فقال: ألا إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي، وأخذ وبرة من كاهل ناقته فقال: ولا ما يساوي هذه أو مايزن هذه.لعن الله من ادعى إلى غيرأبيه أو تولى غير مواليه)!
كما استعمل النبي صلى الله عليه وآله هذا الأسلوب لما كثر طلقاء قريش في المدينة ، وتصاعد عملهم ضد أهل بيته عليهم السلام وقالوا: إنما مثل محمد في بني هاشم كمثل نخلة نبتت في كبا ، أي مزبلة ! فبلغ ذلك النبي فغضب وأمر علياً عليه السلام أن يصعد المنبر ويجيبهم وقال له: يا علي انطلق حتى تأتي مسجدي ثم تصعد منبري ، ثم تدعو الناس إليك ، فتحمد الله تعالى وتثني عليه وتصلي عليَّ صلاة كثيرة ، ثم تقول: أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم وهو يقول لكم: إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين ولعنتي على من انتمى إلى غير أبيه ، أو ادعى إلى غير مواليه ، أو ظلم أجيراً أجره ! فأتيت مسجده وصعدت منبره ، فلما رأتني قريش ومن كان في المسجد أقبلوا نحوي،فحمدت الله وأثنيت عليه وصليت على رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة كثيرة ثم قلت: أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم وهو يقول لكم: ألا إن لعنة الله ، ولعنة ملائكته المقربين ، وأنبيائه المرسلين ، ولعنتي، على من انتمى إلى غير أبيه ، أو ادعى إلى غير مواليه ، أو ظلم أجيراً أجره.
قال: فلم يتكلم أحد من القوم إلا عمر بن الخطاب فإنه قال: قد أبلغت يا أبا الحسن ولكنك جئت بكلام غير مفسر! فقلت:أبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته الخبر فقال: إرجع إلى مسجدي حتى تصعد منبري ، فاحمد الله وأثن عليه وصل عليَّ ، ثم قل: أيها الناس ، ما كنا لنجيئكم بشئ إلا وعندنا تأويله وتفسيره ، ألا وإني أنا أبوكم ، ألا وإني أنا مولاكم، ألاوإني أنا أجيركم) ! (أمالي المفيد / 353 والطوسي / 123).
وتسأل: ما علاقة هذه اللعنة المشددة بوصية النبي صلى الله عليه وآله بأهل بيته؟ فهي لعنة على من ينكر نسبه وينسب نفسه إلى شخص آخر، وعلى العبد الذي يدعي أنه عبد لشخص آخر ، أو ينكر ولاءه وسيده الذي أعتقه ، ويدعي أن ولاءه لشخص آخر! فهذا هو المفهوم من: ادعى لغير أبيه ، أو تولى غير مواليه !
والجواب: أن مقصود النبي صلى الله عليه وآله بالأبوة هنا: أبوته المعنوية للأمة. وبالولاء: الولاء له وأهل بيته صلى الله عليه وآله ، وليس الأبوة النسَبية ، ولا ولاء المالك لعبده !
والدليل عليه: أن حكم الشريعة في الولد الذي يهرب من أبيه ، ويدعي لنفسه والداً آخر ، أنه مسلم عاص وله توبة ، وقد يكون من أهل الجنة ! بينما الشخص الملعون في كلام النبي صلى الله عليه وآله هنا محكوم بكفره مصبوب عليه الغضب الإلهي إلى الأبد ! ( فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لايقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً) ! والصَّرف التوبة والعِدل الفدية !
وهذه العقوبة إنما هي لحالات الإرتداد ، ولا يعقل أن تكون عقوبة ولدٍ جاهل يدعو نفسه لغير أبيه،أو عبد مملوك أو مظلوم يدعو نفسه لغير سيده! وقد صرحت بعض رواياتهم بكفر من يفعل ذلك وخروجه من الإسلام! (البيهقي: 8 / 26 ، والزوائد:1 /9 ، وكنز العمال:5/872 و: 10 / 324 و / 326 و / 327.
وقد استعمل النبي صلى الله عليه وآله هذا الأسلوب الكنائي البليغ متعمداً ، لتنقله الأجيال ولا تطمسه قريش! وروت مصادرهم أنه كتبه في صحيفة صغيرة معلقة في ذؤابة سيفه صلى الله عليه وآله الذي ورثه لعلي عليه السلام رواه البخاري (4/ 67) ومسلم(4 / 115) بروايات والترمذي: 3 / 297 ، وغيرهم ، وأن في الذؤابة لعن من تولى غير مواليه !
وفسرته مصادر أهل البيت عليهم السلام وروت أن النبي صلى الله عليه وآله استعمله لما كثر طلقاء قريش في المدينة ، وعملوا ضد أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله . واستعمله في حجة الوداع ، واستعمله لما منعوه أن يكتب عهده ووصيته وطردهم !
وفي تفسير فرات /392 ، عن عطاء بن أبي رباح قال: (قلت لفاطمة بنت الحسين: أخبريني جعلت فداك بحديث أحدث واحتج به على الناس. قالت: نعم ، أخبرني أبي أن النبي صلى الله عليه وآله كان نازلاً بالمدينة وأن من أتاه من المهاجرين عرضوا أن يفرضوا لرسول الله صلى الله عليه وآله فريضة يستعين بها على من أتاه ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وقالوا: قد رأينا ما ينوبك من النوائب ، وإنا أتيناك لتفرض فريضة تستعين بها على من أتاك. قال: فأطرق النبي صلى الله عليه وآله طويلاً ثم رفع رأسه فقال: إني لم أومر أن آخذ منكم على ما جئتم به شيئاً ، إنطلقوا فإني لم أومر بشئ ، وإن أمرت به أعلمتكم. قال: فنزل جبرئيل فقال: يا محمد إن ربك قد سمع مقالة قومك وما عرضوا عليك ، وقد أنزل الله عليهم فريضة: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى. قال فخرجوا وهم يقولون: ما أراد رسول الله إلا أن تذل الأشياء وتخضع الرقاب ما دامت السماوات والأرض لبني عبد المطلب.قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي بن أبي طالب أن إصعد المنبر وادع الناس إليك ثم قل:أيها الناس من انتقص أجيراً أجره فليتبوأ مقعده من النار! ومن ادعى إلى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار! ومن انتفى من والديه فليتبوأ مقعده من النار! قال: فقام رجل وقال: يا أبا الحسن ما لهن من تأويل؟ فقال: الله ورسوله أعلم. فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره فقال: ويل لقريش من تأويلهن. ثلاث مرات ! ثم قال: ياعلي إنطلق فأخبرهم أني أنا الأجير الذي أثبت الله مودته من السماء ثم أنا وأنت مولى المؤمنين وأنا وأنت أبوا المؤمنين) !
أقول: يظهر أنهم قرشيون جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وآله مع الأنصار الذين طلبوا أن يفرضوا له فريضة في أموالهم ، فأجابهم بآية المودة ، فقال القرشيون ما قالوا !
ولم يقل أنصاري ذلك ولا يقوله.كما أن الذين صاحوا في وجه النبي صلى الله عليه وآله لما أراد أن يكتب وصيته فقالوا: القول ما قاله عمر ، حسبنا كتاب الله ، هم قرشيون طلقاء ومنافقون أعدتهم رئاسة قريش ، وليس فيهم أنصاري !
وروى ابن طاووس في الطرف (1/187) عن الإمام الكاظم عن آبائه عليهم السلام : قال أمير المؤمنين عليه السلام :(أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن أخرج فأنادي في الناس: ألا من ظلم أجيراً أجرته فعليه لعنة الله ، ألا من تولى غير مواليه فعليه لعنة الله. ألا من سب أبويه فعليه لعنة الله ! فنادى بذلك ، فدخل عمر وجماعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وقالوا: هل من تفسير لما نادى به؟ قال: نعم ، إن الله يقول: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى. فمن ظلمنا فعليه لعنة الله.
فلما خرجوا قال عمر: يا أصحاب محمد ، ما أكد النبي عليكم الولاية لعلي بغدير خم ولا غيره ، بأشد من تأكيده في يومنا هذا !
قال خباب بن الأرت: كان ذلك قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله بسبعة عشر يوماً).
ومعناه: أنه بعد فتح مكة كان النبي صلى الله عليه وآله يكرر إعلان هذا اللعن ، ورواه المحدثون جواباً منه لبغض الطلقاء لبني هاشم ، وإعلاناً مكرراً في حجة الوداع ، ولما منعته بطون قريش من كتابة وصيته ، فغضب وقال قوموا عني !

  • *

الفصل العشرون - أغمض النبي عينيه فركضوا الى بيعة الفلتة !

أخذ عمر يصيح لم يمت النبي صلى الله عليه وآله وسوف يرجع !
روت مصادرهم أنه لما توفي النبي صلى الله عليه وآله لبس عمر لباس حربه وخرج شاهراً سيفه أمام بيت النبي يهدد من يقول إن النبي قد مات ويكرر ذلك حتى أزبد شدقاه)!
في سنن الدارمي(1/39) ومسند أحمد(3/196):(فقام عمر فقال:إن رسول الله لم يمت ولكن عرج بروحه كما عرج بروح موسى، والله لا يموت رسول الله حتى يقطع أيدي أقوام وألسنتهم ! فلم يزل عمر يتكلم حتى أزبد شدقاه مما يتوعد ويقول ! فقام العباس فقال: إن رسول الله قد مات وإنه لبشَر)!
وفي شرح النهج(1/178): (طاف عمر على الناس قائلاً إنه لم يمت ولكنه غاب عنا كما غاب موسى عن قومه! وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات ! فجعل لا يمر بأحد يقول إنه مات إلا ويخبطه ويتوعده ، حتى جاء أبو بكر فقال: أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد رب محمد فإنه حي لم يمت) !
وسبب فعل عمر أنه خاف أن يبايعوا علياً لأن العباس قال لعلي عليه السلام :(أبسط فيقول الناس: عم رسول الله بايع ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان. فقال علي: إن النبي عهد إلي أن لا أدعو أحداً حتى يأتوني ، ولا أجرد سيفاً حتى يبايعوني ، فإنما أنا كالكعبة ، أُقصد ولا أَقصد ، ومع هذا فلي برسول الله شغل). (الإحتجاج:1/225والإمامة لابن قتيبة: 1/12).
فأراد عمر أن يكسب الوقت حتى يحضرأبو بكر، لأن بيته في السُّنح خارج المدينة ! فلما اطمأن بأن علياً لم يقبل البيعة قبل دفن النبي صلى الله عليه وآله وأن أبا بكر جاء وقال إن النبي مات ، قبل عمر وقال نعم مات ، وسكت !
وبقي خوفهما من الأنصار أن يبادروا إلى بيعة سعد بن عبادة ، وكان مريضاً في سقيفته التي تسمى سقيفة بني ساعدة ، فسارعا ركضاً ليصفقا على يد أبي بكر في بيت سعد ، بمساعدة اثنين من خصومه الأوس ، ومعهم جمهور الطلقاء !

كان أبو بكرخارج المدينة فجاء وتأكد من موت النبي صلى الله عليه وآله !

قال ابن كثير في سيرته(4/491): ( توفي رسول الله وأبو بكر في صائفة من المدينة ، قال فجاء فكشف عن وجهه فقبله وقال: فداك أبي وأمي ما أطيبك حياً وميتاً مات محمد ورب الكعبة. فذكر الحديث قال: فانطلق أبو بكر وعمر يتعاديان حتى أتوهم ، فتكلم أبو بكر). ورواه أحمد في مسنده (1/5) وابن عساكر(30/273).
وفي رواية النسائي في كتاب الوفاة/75:(ثم قال أبو بكر عندكم صاحبكم وخرج)!
وفي سنن البيهقي(8/145): (دونكم صاحبكم، لبني عم رسول الله (ص) يعني في غسله وما يكون من أمره ، ثم خرج) !
أسرعا إلى السقيفة وافاهما أبو عبيدة بن الجراح حسب الإتفاق، ومعهم أسيد بن حُضير وعويم بن ساعدة وعاصم بن عدي ، من الأوس وكانوا خصوماً ألداء لسعد.
وفي غيبة النعماني/100، عن الإمام الصادق عليه السلام أن سكك المدينة يومها كانت خالية قال: (لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله دخل المدينة رجل من ولد داود على دين اليهودية فرأى السكك خالية، فقال لبعض أهل المدينة: ما حالكم؟فقيل له:توفي رسول الله صلى الله عليه وآله !).

زعمت البطون كذباً أن الأنصار دعوا الى اجتماع لمبايعة سعد !

قال الطبري (2/444): (جاء رجل يسعى(من الجن!) فقال: هاتيك الأنصار قد اجتمعت في ظلة بني ساعدة يبايعون رجلاً منهم يقولون منا أمير ومن قريش أمير قال: فانطلق أبو بكر وعمر يتعاديان حتى أتياهم ، فأراد عمر أن يتكلم فنهاه أبو بكر فقال لا أعطي خليفة النبي(ص) في يوم مرتين ، قال فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئاً نزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله(ص)من شأنهم إلا وذكره ، وقال: لقد علمتم أن رسول الله قال: لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً سلكت وادي الأنصار، ولقد علمت يا سعد أن رسول الله قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم ، وفاجرهم تبع لفاجرهم. قال فقال سعد صدقت فنحن الوزراء وأنتم الأمراء.
قال فقال عمر: أبسط يدك يا أبا بكر فلأبايعك.
فقال أبو بكر: بل أنت يا عمر فأنت أقوى لها مني.
قال وكان عمر أشد الرجلين قال وكان كل واحد منهما يريد صاحبه يفتح يده يضرب عليها ، ففتح عمر يد أبي بكر وقال: إن لك قوتي مع قوتك.
قال فبايع الناس واستثبتوا للبيعة وتخلف علي والزبير، واخترط الزبير سيفه وقال لا أغمده حتى يبايع علي! فبلغ ذلك أبا بكر وعمر فقال عمر: خذوا سيف الزبير فاضربوا به الحجر ، قال فانطلق إليهم عمر فجاء بهما تعباً وقال: لتبايعان وأنتما طائعان أو لتبايعان وأنتما كارهان فبايعا)!
أقول: هذه رواية بطون قريش ، وقد كذبتها الروايات الأخرى ، وأولها قول عمر الذي رواه البخاري أنهم لما ذهبوا الى السقيفة وجدوا رجلاً مريضاً مطروحاً هو سعد بن عبادة ! (فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مُزَمَّلٌ بين ظهرانيهم فقلت من هذا؟ قالوا: هذا سعد بن عبادة. فقلت: ماله ؟قالوا: يوعك. فلما جلسنا قليلاً تشهد خطيبهم (من هو!)فأثنى على الله لما هو أهله ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام ، وأنتم معشر المهاجرين رهط منا ، وقد دفَّت دافة من قومكم (الطلقاء) فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من هذا الأمر! فلما أردت أن أتكلم وكنت زوَّرت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر ، وكنت أداري منه بعض الحدة ، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه فتكلم أبو بكر فكان هوأعلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت.قال: ما ذكرتم من خير فأنتم له أهل ولن نعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة ، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فيضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم،أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر) (البخاري:8/27).
قال المحامي أحمد حسين يعقوب في: الخطط السياسية لتوحيد الأمة الإسلامية/299: (في كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام/287، أثرنا مجموعة هائلة من الأسئلة وأثبتنا بالعقل والنقل أن أصل اجتماع سقيفة بني ساعدة ، كان في الأصل والحقيقة عبارة عن جلسة عادية ضمت مريضاً طريح الفراش لايقوى على الحركة بإجماع المؤرخين ، وهو سعد بن عبادة وضمت عواده وزواره ، وأن هذه الجلسة كانت عادية من جميع الوجوه ولم تخصص أصلاً لاختيار خليفة كما روجت الرواية الرسمية ، لكن الذي حول هذه الجلسة إلى اجتماع ، وأعطى هذا الإجتماع طابعاً سياسياً مخصصاً لتنصيب خليفة ، هو قدوم المهاجرين الثلاثة أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ومن والاهم من الأنصار ، فقدوم هؤلاء هو الذي حول الجلسة إلى اجتماع ، وأعطاه طابعاً سياسياً ومكاناً لتنصيب الخليفة ، وموعداً لإعلان هذا التنصيب ، ففريق سعد كان خالي الذهن تماماً من هذا التصور ولا يدري عما يدور في الخفاء !
يقول الزبير بن بكار في الموفقيات/580: (وكان عامة المهاجرين وجل الأنصار لا يشكون أن علياً هو صاحب الأمر بعد رسول الله).
ومن المؤكد أن المهاجرين الثلاثة ومن دار في فلكهم ، تطرقوا إلى من سيخلف النبي فقال الحاضرون من الأنصار: لا نبايع إلا علياً. (الطبري:3/ 198 ، وشرح النهج:2/26).
بينما كان فريق البطون على النقيض تماماً من هذا التصور ، فهو لايريد علياً ، ولو كان فريق البطون يريد علياً لما اختلف عليه اثنان من الأنصار ، أنظر إلى قول بشير بن سعد أول من بايع أبا بكر كما روى أبو بكر الجوهري(6/285): لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان ولكنهم بايعوا ، ووجدها فريق البطون وأعوانهم فرصة لتنصيب الخليفة وإعلان التنصيب ، فالجلسة عند مريض تحولت إلى اجتماع سياسي ، وأخذ أعوان الفريق يتوافدون زرافات ووحداناً)

قال عمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة ومن فعل مثلها فاقتلوه !

رووا في أصح كتب الخلافة وصف عمر لبيعة أبي بكر بأنها فلتة ، فقد روى البخاري (8 / 25) عن عبد الرحمن بن عوف قال: (رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين اليوم فقال: يا أمير المؤمنين ، هل لك في فلان (الزبير) يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً (علياً) فوالله ما كانت بيعة أبي‌بكر إلا فلتة فتمت ! فغضب عمر ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس ، فمحذرهم هؤلاء الذي يريدون أن يغصبوهم أمورهم ! قال عبد الرحمن: فقلت يا أميرالمؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم ، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لايعوها وأن لايضعوها على مواضعها ، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة ، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكناً ، فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها. فقال عمر: أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة.
قال ابن عباس فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة ، فلما كان يوم الجمعة عجلنا الرواح حين زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالساً إلى ركن المنبر فجلست حوله تمس ركبتي ركبته ، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب فلما رأيته مقبلاً قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف! فأنكر عليَّ وقال: ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله؟ فجلس عمر على المنبر ، فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال: أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها ، لا أدري لعلها بين يدي أجلي فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ، ومن خشي أن لايعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي: ثم إنه بلغني أن قائلاً منكم (الزبير) يقول والله لو مات عمر بايعت فلاناً (علياً) فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي‌بكر فلتة وتمت. ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها ، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي‌بكر. من بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه ، تَغِرَّةَ أن يقتلا.
وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة ، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما ، واجتمع المهاجرون إلى أبي‌بكر فقلت لأبي‌بكر: يا أبا بكر إنطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فانطلقنا نريدهم فلما دنونا منهم لقينا رجلان منهم صالحان فذكرا ما تمالأ عليه القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار فقالا: لاعليكم أن لا تقربوهم ، إقضوا أمركم فقلت والله لنأتينهم ، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة ، فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم فقلت من هذا؟ قالوا هذا سعد بن عبادة، فقلت:ماله؟ قالوا: يوعك ، فلما جلسنا قليلاً تشهد خطيبهم ، فأثنى على الله كما هو أهله ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام ، وأنتم معشر المهاجرين رهط ، وقد دفت دافة من قومكم (الطلقاء) فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ، وأن يغصبونا الأمر! فلما سكت أردت أن أتكلم- وكنت زورت مقالة أعجبتني- أريد أن أقدمها بين يدي أبي‌بكر، وكنت أداري منه بعض الحدة، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك فكرهت أن أغضبه ، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر ، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل ، حتى سكت ، فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ، ولم يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ، هم أوسط العرب نسباً وداراً ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم ، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح ، وهو جالس بيننا فلم أكره مما قال غيرها ، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لايقربني ذلك من إثم ، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ، اللهم إلا أن تسول إلي نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن. فقال قائل الأنصار:أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش.فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الإختلاف فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار. ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة ! فقلت: قتل الله سعد بن عبادة ! قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي‌بكر ، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا فإما بايعناهم على ما لا نرضى ، وإما نخالفهم فيكون فساد. فمن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع، هو ولا الذي بايعه ، تغرة (مخافة)أن يقتلا) ! وهذا أمر من عمر بقتلهما !

ملاحظات

  1. قال عمرإن الأنصار اجتمعوا في السقيفة، والصحيح أنه لم يكن أي اجتماع للأنصار ولا دعوة لاجتماع ، ولم يكن في السقيفة إلا سعد مريضاً وحوله بعض زواره. فقرر أبو بكر وعمر وأبو عبيدة أن يذهبوا إلى بيته ويصفقوا على يد أبي‌بكر هناك ، ويؤيدهم الطلقاء المسلحون !
  2. معنى قوله: تَغٍرَّةَ أن يقتلا: أنه يجب قتلهما لأنهما غصبا أمر المسلمين بدون مشورة ! وهذا ما فعله عمر نفسه !
  3. قول الأنصار: وقد دفت دافة من قومكم فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يغصبونا الأمر. الدافة: البدو الذين يأتون يدفون دفيفاً ، أي دخل إلى المدينة بدو مسلحون من قومكم ، يريدون غصب الخلافة ، وهم الطلقاء.
  4. الصحيح أنه لم يقل: قتل الله سعد بن عبادة ! بل قال: أقتلوا سعداً فإنه صاحب فتنة ، فهددهم ابنه قيس ونصحه آخر ، فسكت.
  5. كان عمر ينتظر من أبي بكر أن لا يقبل عرضه ويقدمه للبيعة ، لكنه قبل فحقد عليه عمر ! قال الشريف المرتضى في تلخيص الشافي ( 3 / 161): ( روى الهيثم بن عدي ، عن مجاهد بن سعيد قال: غدوت يوما إلى الشعبي وأنا أريد أن أسأله عن شئ بلغني عن ابن مسعود أنه كان يقوله: فأتيته في مسجد حيه ، وفي المسجد قوم ينتظرونه فخرج فتعرف إليه القوم. فقلت للشعبي: أصلحك الله كان ابن مسعود يقول:ما كنت محدثاً قوماً حديثاً لا يبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. قال: نعم ، قد كان ابن مسعود يقول ذلك وكان ابن عباس يقوله أيضاً، فكان عند ابن عباس دفائن علم يعطيها أهلها ويصرفها عن غيرهم ، فبينا نحن كذلك إذ أقبل رجل من الأزد فجلس إلينا ، فأخذنا في ذكر أبي‌بكر وعمر ، فضحك الشعبي وقال: لقد كان في صدر عمر ضب (أي حقد) على أبي‌بكر ! فقال الأزدي: والله ما رأينا ولا سمعنا برجل قط كان أسلس قياداً لرجل ، ولا أقول فيه بالجميل من عمر في أبي‌بكر.
    فأقبل عليَّ الشعبي فقال: هذا مما سألت عنه. ثم أقبل على الرجل فقال: يا أخا الأزد كيف تصنع بالفلتة التي وقى الله شرها؟ أترى عدواً يقول في عدوه يريد أن يهدم ما بنى لنفسه في الناس أكثر من قول عمر في أبي‌بكر! فقال الرجل: سبحان الله يأبى عمر وأنت تقول ذلك ! فقال الشعبي: أنا أقوله ! قاله عمر بن الخطاب على رؤوس الأشهاد فلمه أو دعه ، فنهض الرجل مغضباً وهو يهمهم في الكلام بشئ لم نفهمه. قال مجاهد: فقلت للشعبي: ما أحسب هذا الرجل إلا سينقل عنك هذا الكلام إلى الناس ويبثه فيهم !
    قال: إذن والله لا أحفل بذلك شيئاً لم يحفل به ابن الخطاب ، حين قام على رؤوس المهاجرين والأنصار أحَفِلَ به! وأنتم أيضاً فأذيعوه عني ما بدا لكم).
    ثم روى صاحب الشافي ( 3 / 162) عن أبي موسى الأشعري أن عمر وصف أبا بكر:
    ( كان والله أحسد قريش كلها ، ثم أطرق طويلاً ثم قال: والهفاه على ضئيل بني تيم بن مرة أحْسَدُ قريش كلها ، لقد تقدمني ظالماً وخرج إليَّ منها آثماً) !

انشغلوا بالسقيفة وتركوا جنازة النبي صلى الله عليه وآله !

في مصنف ابن أبي شيبة (8/572) عن عروة: (إن أبا بكر وعمر لم يشهدا دفن النبي وكانا في الأنصار ، فدفن رسول الله (ص) قبل أن يرجعا).
وفي الطبقات (2/262): ( عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن كعب الأحبار قام زمن عمر فقال ونحن جلوس عند عمر أمير المؤمنين: ما كان آخر ما تكلم به رسول الله ؟ فقال عمر: سل علياً.قال: أين هو؟ قال هو هنا، فسأله فقال علي: أسندته إلى صدري فوضع رأسه على منكبي فقال:الصلاة الصلاة. فقال كعب كذلك آخر عهد الأنبياء وبه أمروا وعليه يبعثون. قال: فمن غسله يا أمير المؤمنين؟ قال: سل علياً. قال فسأله فقال: كنت أغسله وكان العباس جالساً ، وكان أسامة وشقران يختلفان إليَّ بالماء).
كما تركت عائشة وحفصة جنازة النبي صلى الله عليه وآله حين أغمض عينيه وخالفتا الحداد الواجب عليهما ، وانشغلتا بالذهاب إلى بيوت الأنصار لإقناعهم ببيعة أبي بكر ! قالت عائشة: (ما علمنا بدفن رسول الله حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل).(الإستيعاب:1/47 ، وابن هشام:4 /321 ، والطبري: 3 /213 ، ودلائل النبوة: 7 / 256).
وكانت عائشة تتحسرلتجهيز علي عليه السلام للنبي صلى الله عليه وآله وغيابها فقالت: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه). (الجنائز للألباني/49 وصححه).

هدفهم من السقيفة أن يصفقوا على يد أبي بكر فوق رأس سعد !

فقد طرح سعد نفسه للخلافة ، وقال إذا لم تولوها علياً فنحن أولى منكم ! وعقد الأنصار اجتماعات في السقيفة لمصلحة سعد ، لكن في ذلك اليوم لم يكن اجتماع ، وقد اشتد مرض سعد. وكانت السقيفة بمثابة دار الندوة للأنصار ، وبمثابة ديوان سعد ومضافته ، وهي متصلة ببيته.
قال الجوهري المتوفي سنة 332 في كتابه السقيفة/61:(فقام أبو بكر وقال: هذا عمر ، وأبو عبيدة ، بايعوا أيهما شئتم ، فقالا: والله لا نتولى هذا الأمر عليك ، وأنت أفضل المهاجرين ، وثاني اثنين وخليفة رسول الله على الصلاة والصلاة أفضل الدين ، أبسط يدك نبايعك. فلما بسط يده وذهبا يبايعانه ، سبقهما بشير بن سعد ، فبايعه ، فناداه الحباب بن المنذر: يا بشير عقك عاق: والله ما اضطرك إلى هذا الأمر إلا الحسد لابن عمك.
ولما رأت الأوس أن رئيساً من رؤساء الخزرج قد بايع ، قام أسيد بن حضير وهو رئيس الأوس فبايع حسداً لسعد أيضاً ، ومنافسة له أن يلي الأمر ، فبايعت الأوس كلها لما بايع أسيد ، وحمل سعد بن عبادة وهو مريض ، فأدخل إلى منزله ، فامتنع من البيعة في ذلك اليوم وفيما بعده ، وأراد عمر أن يكرهه عليها فأشير عليه ألا يفعل وأنه لا يبايع حتى يقتل وأنه لا يقتل حتى يقتل أهله ، ولا يقتل أهله حتى يقتل الخزرج ، وإن حوربت الخزرج كان الأوس معها. وفسد الأمر فتركوه فكان لا يصلي بصلاتهم ، ولا يجمع بجماعتهم ولا يقضي بقضائهم ، ولو وجد أعواناً لضاربهم ، فلم يزل كذلك حتى مات أبو بكر ، ثم لقي عمر في خلافته وهو على فرس ، وعمر على بعير ، فقال له عمر: هيهات يا سعد ، فقال سعد: هيهات يا عمر! فقال: أنت صاحب من أنت صاحبه ، قال: نعم أنا ذاك ، ثم قال لعمر: والله ما جاورني أحد هو أبغض إلي جواراً منك. قال عمر: فإنه من كره جوار رجل انتقل عنه قال سعد: إني لأرجو أن أخلها لك عاجلاً إلى جوار من أحب إلي جواراً منك ومن أصحابك ، فلم يلبث سعد بعد ذلك إلا قليلاً حتى خرج إلى الشام فمات بحوران ولم يبايع لأحد ، لا لأبي بكر ولا لعمر ، ولا لغيرهما).

خافوا من سعد بن عبادة فقتلوه !

قال المحامي أحمد حسين يعقوب في كتابه: كربلاء الثورة والمأساة/69:
(هنالك حادثة قتل بسبب الإمتناع عن البيعة مكشوفة ولا يمكن إنكارها ، وهي حادثة قتل سعد بن عبادة سيد الخزرج ، وكان قتل سعد بعد صبر طويل وبعد أن ضاق الخليفة عمر بن الخطاب ذرعاً بعناد سعد بن عبادة ، إذ أن عمر بن الخطاب بوصفه نائباً للخليفة الأول قد أصدر أمراً لأتباعه في سقيفة بني ساعدة بقتل سعد بن عبادة لامتناعه عن البيعة (1) ولكن لأسباب أمنية وبناء على نصيحة أحد أصفياء دولة البطون رئيَ عدم قتل سعد في حينها(2).
ومات الخليفة الأول ولم يبايع سعد ، وآلت الخلافة إلى عمر بن الخطاب ولم يبايعه سعد أيضاً وحدث حوار بالصدفة بين سعد وعمر بن الخطاب انتهى برحيل سعد عن المدينة إلى الشام (3) فأرسل عمر بن الخطاب في أثره رجلاً من الأنصار ليطلب البيعة منه وأمره أن يقتله إن أبى البيعة ، ولحق الرجل وعرض عليه البيعة فأبى سعد ، فرماه مبعوث عمر بسهم فقتله ( 4)وقتل سعد بطريقة سرية من دون إعلام. وقتل سعد وهو جالس يتبول في نفق (3).
( 1و2) راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة ج 1 ص 10.
(3) راجع الرياض النضرة للطبري:1/ 168، والطبقات الكبرى لابن سعد: 3 ق 2 /145وابن عساكر بترجمة ابن سعد من التهذيب ، وكنز العمال: 3/ 134، والسيرة الحلبية: 3 /367.
(4) راجع أنساب الأشراف للبلاذري( 1/589) والعقد الفريد لابن عبد ربه(3 /64).
(5) الطبقات الكبرى لابن سعد: 3 ق 2 /145 ، وابن قتيبة في المعارف/113.

ظهر الطلقاء كميليشيا مسلحة حول عمر وأبي بكر !

قال الجوهري في السقيفة/48: (وحدثني المغيرة بن محمد المهلبي من حفظه ، وعمر بن شبة من كتابه بإسناد رفعه إلى أبي سعيد الخدري قال: سمعت البراء بن عازب يقول:لم أزل لبني هاشم محباً ، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله خفت أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عنهم، فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول ، مع ما في نفسي من الحزن لوفاة رسول الله صلى الله عليه وآله فكنت أتردد إلى بني هاشم وهم عند النبي صلى الله عليه وآله في الحجرة وأتفقد وجوه قريش، فإني كذلك إذ فقدت أبا بكر وعمر وعثمان وإذ قائل يقول: القوم في سقيفة بني ساعدة ، وإذا قائل آخر يقول: قد بويع أبا بكر! فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة وهم محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمرون بأحد إلا خبطوه ، وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أبى ! فأنكرت عقلي ، وخرجت اشتد حتى انتهيت إلى بني هاشم والباب مغلق ، فضربت عليهم الباب ضرباً عنيفاً وقلت: قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة ! فقال العباس: تربت أيديكم إلى آخر الدهر، أما إني قد أمرتكم فعصيتموني. فمكثت أكابد ما في نفسي.
ورأيت في الليل المقداد ، وسلمان ، وأبا ذر ، وعبادة بن الصامت ، وأبا الهيثم بن التيهان ، وحذيفة ، وعماراً ، وهم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين. فلما كان بليل خرجت إلى المسجد ، فلما صرت فيه تذكرت أني كنت أسمع همهمة رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرآن فامتنعت من مكاني فخرجت إلى الفضاء فضاء بني قضاعة ، وأجد نفراً يتناجون فلما دنوت منهم سكتوا ، فانصرفت عنهم فعرفوني وما أعرفهم إليهم فأتيتهم فأجد المقداد بن الأسود ، وعبادة بن الصامت ، وسلمان الفارسي ، وأبا ذر ، وحذيفة ، وأبا الهيثم بن التيهان ، وإذا حذيفة يقول لهم: والله ليكونن ما أخبرتكم به ، والله ما كذبت ولا كذبت ، وإذا القوم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين.
ثم قال ائتوا أبَّي بن كعب فقد علم ما علمت قال: فانطلقنا إلى أُبَيٍّ فضربنا عليه بابه حتى صار خلف الباب فقال: من أنتم فكلمه المقداد فقال: ما حاجتكم؟ فقال له: ما أنا بفاتح بابي، وقد عرفت ما جئتم له كأنكم أردتم النظر في هذا العقد؟ فقلنا: نعم ، فقال: أفيكم حذيفة؟ فقلنا: نعم ، قال: فالقول ما قال: وبالله ما أفتح عني بابي حتى تجري على ما هي جارية ، ولما يكون بعدها شر منها ! وإلى الله المشتكى)!

  • *

البيان الأول للإنقلاب: يا عُبَّاد محمد مات معبودكم !

روى الجميع: أن أبا بكر قال في أول خطبة له بعد النبي صلى الله عليه وآله : من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله في السماء حي لا يموت !
ومن كان يعبد محمداً وينزله إلهاً فقد هلك إلهه.
وفي رواية البزار التي وثقها في الزوائد(9/38): (وأتى المنبر فصعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن كان محمد إلاهكم الذي تعبدون فإن إلهكم قد مات ، وإن كان إلهكم الذي في السماء ، فإن إلهكم حي لا يموت).
ومعناه: يا من تعبدون محمداً وتأخذون بمدحه لعترته وذمه لبطون قريش حرفياً ، قد مات معبودكم وانتهى الأمر !
قد تقول: هذا سوء ظن بالصحابة !يصل الى حد الكفر بالنبي صلى الله عليه وآله ، وقد فسر العلماء كلام أبي بكر بأنه جواب لعمر الذي تصور أن النبي صلى الله عليه وآله لا يموت فقال كلامه هذا وقرأ الآية: إنك ميت وإنهم ميتون.
وجوابه: نعم كان عمر يصيح: إن محمداً لم يمت بل غاب كما غاب موسى ، حتى جاء أبو بكر وكشف عن وجه النبي صلى الله عليه وآله وقبله ثم غطاه وقال: دونكم ابنكم، وخرج ، وذهب مع عمر يتعاديان الى السقيفة كما قال ابن كثير ، أي مسرعين يتراكضان ، فمتى قال هذا القول في جواب عمر ؟!
فالصحيح أنه قاله بعد بيعته لما جاؤوا به يزفونه الى المسجد ، فقد نصت رواية البزار الموثقة وغيرها على أنه قاله أول ما صعد منبر النبي صلى الله عليه وآله .
وتقول: ما الدليل على تفسيرك لكلام أبي بكر؟
والجواب:
يدل عليه أولاً: أن تلميح أبي بكر كالتصريح بأنه يوجد من يعبد محمداً صلى الله عليه وآله !قال: (فمن كان الله ربه فإن الله حي لا يموت فليعبده، ومن كان يعبد محمداً ويراه إلهاً فقد هلك إلهه). (الرياض النضرة:1/145)
وفي سيرة ابن كثير(4/482) قال: (فمن كان الله ربه فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمداً وينزله إلهاً فقد هلك إلهه)!
ولا تفسيرله إلا أن القرشيين كانوا يرون أن مدح النبي صلى الله عليه وآله لبني هاشم وتفضيله لهم إنما هو منه لا من الله تعالى ، وكذلك ذمه لبطون قريش منه لا من الله تعالى ! فمن يتقيد بحرفية كلام النبي وعترته صلى الله عليه وآله ، فهو يتخذ محمداً وعترته بني هاشم أرباباً من دون الله ! لأن النبي بشر يرضى فيقول برضاه ، ويغضب فيقول بغضبه ، وليس كلامه من الله بل من رضاه وغضبه !
ويؤكده ما رواه الحاكم في المستدرك (1/105): (عن عبد الله بن عمرو بن العاص: كنت أكتب كل شئ سمعته من رسول الله فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شئ سمعته من رسول الله، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة ، فذكرت ذلك لرسول الله ، فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال ( أكتب ، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق).
والدارمي (1/125) وأبو داود (2/126) ومسند أحمد(2 /162 و 207 و 216 ، وغيرهم.
فهاتان عقيدتان: عقيدة قريش أن كلام النبي صلى الله عليه وآله في الرضا والغضب من عنده وليس وحياً من الله ، فلا يكتب ولا يجب العمل به. وهذا معنى رفضهم في مرض وفاته أن يكتب لهم وصيته ، وقولهم: حسبنا كتاب الله.
وعقيدة النبي صلى الله عليه وآله : أن كلامه كله بوحي ربه وليس من عنده فقد تكفل الله بتأييد منطقه في الرضا والغضب: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى. وهما منهجان متضادان ينتج عنهما أن كلام النبي صلى الله عليه وآله غير القرآن ليس من الدين ، فسنة النبي صلى الله عليه وآله ليست حجة ، ولذلك لا تريدها بطون قريش !
ويدل عليه ثانياً: قول عمر لسلمان:إنكم اتخذتم النبي وأهل بيته أرباباً تعبدونهم!
ففي الإحتجاج(1/112): (قال: فقلت يا سلمان بايعتَ أبا بكر ولم تقل شيئاً؟ قال: قد قلت بعدما بايعت: تباً لكم سائر الدهر، أوَتدرون ماذا صنعتم بأناسكم، أصبتم وأخطأتم:أصبتم سنة الأولين ، وأخطأتم سنة نبيكم حتى أخرجتموها من معدنها وأهلها. فقال لي عمر: أما إذا بايع صاحبك وبايعتَ فقل ما بدا لك وليقل ما بدا له.قال: قلت فإني أشهد أني سمعت رسول  الله صلى الله عليه وآله يقول: إن عليك وعلى صاحبك الذي بايعته مثل ذنوب أمته إلى يوم القيامة ومثل عذابهم. وقال: قل ما شئت أليس قد بايع ولم يقر الله عينك بأن يليها صاحبك. قال قلت: فإني أشهد أني قرأت في بعض كتب الله المنزلة آية باسمك ونسبك وصفتك باب من أبواب جهنم! قال: قل ما شئت أليس قد عزلها الله عن أهل البيت الذين قد اتخذتموهم أرباباً !
قال قلت: فأشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول وقد سألته عن هذه الآية: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ. وَلا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ؟ فقال: إنك أنت هو.فقال عمر: أسكت الله نأمتك أيها العبد يا ابن اللخناء ! فقال لي علي:أسكت يا سلمان فسكتُّ ، فوالله لولا أنه أمرني بالسكوت لأخبرته بكل شئ نزل فيه وفي صاحبه ، فلما رأى ذلك عمر أنه قد سكتُّ قال: إنك له مطيع مُسَلِّم)!
فهم يرون أن المسلمين المطيعين للنبي صلى الله عليه وآله المقيدين بسنة حرفياً ، يعبدون محمداً ولايعبدون الله ، لأن محمداً بشر يرضى فيقول ويمدح بني هاشم ، وهذا منه لامن الله!
ويغضب فيذم بطون قريش ، وهذا منه لامن الله !
وإذا قلت لهم:أين أنتم من قوله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَإِلا وَحْيٌ يُوحَى. قالوا: هذا في غير الرضا والغضب ! مع أنه مطلق !
ويدل عليه ثالثاً:
أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وآله لما سد أبواب الدور المفتوحة على ساحة مسجده ، وأبقى باب بيت علي عليه السلام : هذا منك أم من الله ؟
قال ابن حجر في فتح الباري(7/13): (قال سعد بن أبي وقاص: أمرنا رسول الله(ص) بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي. أخرجه أحمد والنسائي وإسناده قوي. وفي رواية للطبراني في الأوسط رجالها ثقات من الزيادة: فقالوا يا رسول الله سددت أبوابنا ! فقال ما أنا سددتها ولكن الله سدها.
وعن زيد بن أرقم قال:كان لنفر من الصحابة أبواب شارعة في المسجد فقال رسول الله (ص): سدوا هذه الأبواب إلا باب علي ، فتكلم ناس في ذلك فقال رسول الله (ص): إني والله ما سددت شيئاً ولا فتحته ولكن أمرت بشئ فاتبعته. أخرجه أحمد والنسائي والحاكم ورجاله ثقات).
ويدل عليه رابعاً:
أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وآله لما أمرهم بالسلام على علي عليه السلام بإمرة المؤمنين: هل هذا منك أم من الله ؟!
(عن زيد بن الجهم الهلالي ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سمعته يقول : لما نزلت ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام وكان من قول رسول الله صلى الله عليه وآله : سلموا على عليٍّ بإمرة المؤمنين،فكان مما أكد الله عليهما في ذلك اليوم يا زيد قول رسول الله لهما: قوما فسلما عليه بإمرة المؤمنين فقالا: أمن الله أو من رسوله يا رسول الله؟ فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله : من الله ومن رسوله فأنزل الله عز وجل:وَلاتَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ). (الكافي:1/292).
وفي خصائص الأئمة للشريف الرضي/67:(بريدة الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر أصحابه أن يسلموا على علي عليه السلام بإمرة المؤمنين، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله أمن الله أم من رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه وآله : بل من الله ومن رسوله).
ويدل عليه خامساً:
أنهم سألوا لنبي صلى الله عليه وآله لما رفع بيد علي عليه السلام في غدير خم: أهذا منك أم من الله؟ قال في عيون المعجزات/14: (قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله النعمان بن الحرث الفهري على قعود له (بعير شاب) وقال: يا محمد أمرتنا عن الله عز وجل أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله فقبلنا ذلك منك. وأمرتنا بالصلاة الخمس فقبلناها منك. وأمرتنا بالزكاة فقبلناها منك. وأمرتنا بالحج فقبلناه ، وأمرتنا بالجهاد فقبلناه منك ، ثم لم ترض حتى نصبت هذا الغلام وقلت: من كنت مولاه فهذا مولاه ! هذا شئ منك أو من الله عز وجل؟! فقال صلى الله عليه وآله : والله الذي لا إله إلا هو إن هذا هو من عند الله عز وجل أسمه. فولى النعمان بن الحرث يريد راحلته وهو يقول: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَالْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ! فما وصل إليها حتى أمطره الله تعالى بحجر على رأسه فقتله فأنزل الله تعالى: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ. للَّكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ. وروتها عامة مصادرنا ، وعدد من علماء السنة وأقدم من رواه من أئمتهم: أبو عبيد الهروي في كتابه: غريب القرآن.
قال في مناقب آل أبي طالب (2/240): (أبو عبيد ، والثعلبي ، والنقاش ، وسفيان بن عيينة ، والرازي ، والقزويني ، والنيسابوري ، والطبرسي ، والطوسي في تفاسيرهم ، أنه لما بَلَّغَ رسول صلى الله عليه وآله بغدير خم ما بَلَّغ ، وشاع ذلك في البلاد ، أتى الحارث بن النعمان الفهري ، وفي رواية أبي عبيد: جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري فقال: يا محمد ! أمرتنا عن الله بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وبالصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة ، فقبلنا منك ، ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضبع ابن عمك ففضلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه ! فهذا شيئٌ منك أم من الله؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : والذي لا إله إلا هو إن هذا من الله. فولى جابر يريد راحلته وهو يقول: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَالْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر ، فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله، وأنزل الله تعالى: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ.للكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ. وفي رواية: فقال له جبرئيل: إقرأ: سَأَلَ سَائِلٌ..
وقد أحصى علماؤنا كصاحب العبقات ، وصاحب الغدير ، وصاحب إحقاق الحق، وصاحب نفحات الأزهار، وغيرهم ، عدداً من أئمة السنيين وعلمائهم الذين أوردوا هذا الحديث في مصنفاتهم فزادت على الثلاثين، نذكر منهم:
1 - الحافظ أبو عبيد الهروي المتوفى 223 ، في تفسيره ( غريب القرآن).
2 - أبو بكر النقاش الموصلي البغدادي المتوفى 351 ، في تفسيره.
3 - أبو إسحاق الثعلبي المتوفى 427 ، في تفسيره ( الكشف والبيان).
4 - الحاكم أبو القاسم الحسكاني في كتاب ( أداء حق الموالاة).
5 - أبو بكر يحيى القرطبي المتوفى 567 ، في تفسيره.
6 - أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفى 654 في تذكرته.
ويدل عليه سادساً:
مواجهة قريش بزعيمها الجديد عمر للنبي صلى الله عليه وآله ورفض عمرأن يكتب وصيته! واشتهر عنه قوله: حسبنا كتاب الله ، وصاح الطلقاء:القول ما قاله عمر! فغضب النبي صلى الله عليه وآله وطردهم فقال: قوموا عني! وقد فصلنا ذلك في محله.
ومعنى: حسبنا كتاب الله. أنا لا نريد سنتك لأن فيها تأمير بني هاشم ، وهذا منك لا من الله ، وحرمان قريش من خلافتك ، منك لا من الله !
ويدل عليه سابعاً:
آيات مرضى القلوب ، وهي اثنتا عشرة آية ، وهم أخطر أنواع المنافقين ، وقد حذر منهم القرآن في أوائل البعثة فهم موجودون قبل المنافقين !
قال في سورة المدثر: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً. وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً.
ثم قال عنهم في معركة بدر فقال: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً.
ثم قال إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .
وقال إنهم في حرب أحد حمَّلوا النبي صلى الله عليه وآله مسؤولية الهزيمة، وأرادوا أن يكونوا شركاءه في القيادة فقال: وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأمر مِنْ شَئݔْ قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَئݔْ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا !
وقال عنهم في معركة الأحزاب: هُنَالِكَ ابْتُلِي الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا. وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا.
وأخبر أنهم سيحكمون بعد النبي صلى الله عليه وآله ويفسدون فقال: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ. أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا.
ومعنى وجودهم قبل الهجرة: أن خبر نبوته صلى الله عليه وآله كان يستهوي الخاملين المغمورين في قبائلهم ومجتمعهم، ليدخلوا في الإسلام طمعاً بموقع في حركة ابن عبد المطلب زعيم العرب، وقد عرفوا من علماء اليهود أنه سينتصر ويحكم بلاد العرب ، فدخلوا في الإسلام طمعاً أن يكون لهم موقع يخرجهم من فقرهم ومهانتهم ! ووصفهم القرآن بأنهم وقحون يفرون في الحرب ،ثم يحملون النبي صلى الله عليه وآله مسؤولية الهزيمة لأنه لم يشركهم في القيادة !
ووصفهم بأنهم كانوا في مكة مستعجلين لأن يقاتل النبي صلى الله عليه وآله قريشاً ببني هاشم الشجعان لينكصوا هم ، ثم يقطفوا الثمار إن استطاعوا !
ولما كتب عليهم القتال خوفوا النبي صلى الله عليه وآله من قريش فذكَّرهم الله بنفاقهم في مكة وقال: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً.
قال الطبري(5/233): ( نزلت في قوم من أصحاب رسول الله(ص)كانوا آمنوا به وصدقوه قبل أن يفرض عليهم الجهاد،فلما فرض عليهم القتال شقَّ عليهم)!
وقد كشف ابن حجر بعضهم فقال(أسباب النزول:2/918):(نزلت في عبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص وهما من بني زهرة ، وقدامة بن مظعون والمقداد بن الأسود ، وذلك أنهم استأذنوا في قتال كفار مكة لما يلقون منهم من الأذى فقال: لم أؤمر بقتال، فلما هاجر إلى المدينة وأذن بالقتال، كره بعضهم ذلك)! وروى الحاكم(2 /66) تفسيرها بابن عوف وأصحابه ، وصححه على شرط بخاري. ورواه النسائي: 6 / 3 ، والبيهقي: 9 / 11.
وقد كَذِبَ علماءالسلطة فجعلوهم قسماً من المنافقين مع أنهم قسم مقابل لهم !
ثم كذبوا فجعلوا المنافقين كلهم من المدينة وقالوا ليس في القرشيين منافق! لكن الآيتين: الحادية والثلاثين من سورة المدثر المكية ، وآية: الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ، تكذبانهم ، لأنهما تتحدثان عن مرضى القلوب قبل الهجرة ، لكن أتباع السلطة القرشية مرضى يكابرون !
قال في الكشاف(4/184): (فإن قلت: كيف ذكر الذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون ، والسورة مكية ولم يكن بمكة نفاق وإنما نجم بالمدينة؟ قلت: معناه: وليقول المنافقون الذين ينجمون في مستقبل الزمان بالمدينة بعد الهجرة)!
وهذ مكابرة لإبعاد النفاق عن القرشيين! فالقرآن يذكرهم في مكة وهم يقولون سيأتون بعد بضع عشرة سنة في المدينة ! ثم لايعترفون بأمر بديهي وهو أن سبب النفاق قد يكون الطمع كما يكون الخوف ، ويحصرونه بالخوف لإبعاده عن الصحابة القرشيين ، مع أن الطمع بموقعٍ مع النبي صلى الله عليه وآله أكثر إغراءً ، خاصة لمعدم يسمع بأن كنوز كسرى وقيصر ستسقط في أيدي أمته !
وتدلك صفاتهم على أنهم الطبقة السياسية من المنافقين، وأنهم أصحاب طموح سياسي مفرط ، وحشريون يدخلون أنوفهم في كل قضية! بل يحددون لله تعالى ما يفعله ويقوله! ويقولون لماذا جعل زبانية جهنم تسعة عشر!
ويسخرون من المؤمنين الذين أطاعوا النبي صلى الله عليه وآله وشجعوه على المضي إلى بدر لقتال قريش: إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ !
ويعترضون على النبي صلى الله عليه وآله ويحملونه مسؤولية الهزيمة في أحُد ، لأنه لم يأخذ برأيهم في القيادة ! يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأمر مِنْ شيئ قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ. يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيء مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا.
ولم يتراجع فضولهم ولاخفَّ جُبنهم فوصفهم الله في حرب الأحزاب: وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا. وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا.
وقد رسم الله لوحة لخوفهم فقال: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ.طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأمر فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ. ثم أخبرهم بأنهم سيحكمون الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله ويفسدون ! وأنهم بذلك استحقوا أن يكونوا ملعونين مطرودين من رحمته ، لأنهم عرفوا الهدى جيداً ثم كفروا ، وأخفوا كفرهم عن المسلمين !
وأخبرهم أنهم عقدوا اتفاقاً سِرِّياً مع اليهود على إبعاد عترته عن خلافته ! فخاطبهم عز وجل: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ. أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا. إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمر وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ.
وقد أقسم الإمام الصادق عليه السلام على أن مرض قلوبهم عداوة أهل البيت عليهم السلام ، لأن هدفهم من إسلامهم سرقة دولة النبي صلى الله عليه وآله والوصول الحكم وإبعاد عترة النبي صلى الله عليه وآله ! قال عليه السلام : والمرض والله عداوتنا). ( غيبة النعماني / 267).

  • *
    فمرضى القلوب منافقون لكنهم الطبقة السياسية منهم، فهم أنانيون يعيشيون ذواتهم فقط ، ويقيسون الأمور والأشياء بالنفع والضرر الشخصي ويزيدون على المنافقين بأنهم يفسرون الأمور دائماً بالمعادلات السياسية ، ويتعاملون مع النبي بهذه المعادلة ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً !
  • *
    وقد يصيرالمنافق من مجموعة مرضى القلوب، كما في قوله تعالى عن ولاء اليهود والنصارى: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ. وهذا قول ابن سلول (تفسير القمي:1 /170 ، والطبري: 6/376). وهو رئيس المنافقين لكنه أيضاً من مرضى القلوب لطموحه السياسي المادي !
    وهذا هو السبب في وصف الله تعالى لمرض القلب بأنهم رجس ، لأن أحدهم يجعل نفسه إلهاً مقابل الله تعالى ، وقيِّماً على الرسول صلى الله عليه وآله وعلى ربه عز وجل !
    وهذا عمل إرادي ولذا استحق صاحبه العقوبة: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ.
  • *
    وقد تمحل علماء السلطة لإبعاد هذا الرجس عن القرشيين الصحابة ، ففسروه بأنهم قوم أسلموا في مكة ثم ارتدوا وحاربوا النبي صلى الله عليه وآله وقتلوا في بدر !
    قال ابن إسحاق(3 /290): ( كانوا أسلموا ورسول الله (ص) هاجر إلى المدينة حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكة وفتنوهم فافتتنوا ، ثم ساروا مع قومهم إلى بدر فأصيبوا به جميعاً ، فهم فتية مسلمون ! فمن بني أسد بن عبد العزى بن قصي الحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد ، ومن بني مخزوم أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة وقيس بن الوليد بن المغيرة ، ومن بني جمح علي بن أمية بن خلف ، ومن بني سهم العاص بن منبه بن الحجاج).
    ونحوه تفسير الطبري(10 / 29): (خرجوا مع قريش من مكة وهم على الإرتياب فحبسهم ارتيابهم فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله (ص) قالوا: غر هؤلاء دينهم ، حتى قدموا على ما قدموا عليه مع قلة عددهم وكثرة عدوهم)!
    وتفسير الصنعاني:2 / 261 ، ومجمع الزوائد: 6 / 78، وفتح الباري: 8 / 198، وشرح النهج: 14/156.
    فارتكب المفسرون حماقة لأجل بطون قريش، لأن الذين قاتلوا النبي صلى الله عليه وآله مع قريش مشركون لايوصف أحد منهم بأنه من المنافقين أو من الذين في قلوبهم مرض!وليس فيهم من يقول: هَلْ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَئݔْ !
    وقد أجاد صاحب تفسير الميزان ( 9 / 109) فقال: (سياق الآية الظاهر في حضورهم وقولهم ذلك عند التقاء الفئتين يأبى ذلك.والذي ذكره لا ينطبق على الآية البتة فالقرآن الكريم لايسمي المشركين منافقين ولا الذين في قلوبهم مرض).
    والنتيجة:أن مرضى القلوب من بطون قريش وابن أبي سلول هم طامعون في الحكم من أول يوم. وكانوا يطالبون بشراكة النبي صلى الله عليه وآله في القيادة في حياته ، فكيف بعده ؟!
    ويدل عليه ثامناً:
    ماسموه موافقات الله تعالى لعمر ، ثم تنزلوا فسموه موافقات عمر لله تعالى ، مع أن عمر قال: وافقني ربي في ثلاث.. (سنن النسائي:7/88).
    وحقيقته: أن النبي بزعمهم كان يخطئ فيخالفه عمر فينزل الوحي موافقاً لعمر! وأحياناً يوبخ النبي صلى الله عليه وآله أني ما أرسلتك لعَّاناً سباباً !
    وقد بحثناه في المسألة 144 من كتاب: ألف سؤال وإشكال على المخالفين لأهل البيت الطاهرين عليهم السلام . وقلنا: إن الوضع الطبيعي للعلاقة بين النبي صلى الله عليه وآله وعمرأن تكون علاقة مسلم تابع بنبيٍّ متبوع مُطاع ، لكن عمر كان كثيرالإعتراض على النبي! والتفسيرالصحيح لذلك أنه خطأ من عمر، فالإعتراض على رسول الله صلى الله عليه وآله أمرٌ كبير لأنه كما قال الله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى.إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى.. وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.
    لكنهم قالوا عن اعتراضات عمر بأنه كان دائماً مصيباً بينما كان النبي صلى الله عليه وآله يقع في الخطأ ! وكان الوحي ينزل مؤيداً لرأي عمر منتقداً لرأي النبي صلى الله عليه وآله ، بل كان أحياناً يوبِّخ النبي صلى الله عليه وآله ، معاذ الله !
    وكأن المطلوب أن يثبتوا فضائل لعمر، ولو بالطعن في شخصية النبي صلى الله عليه وآله ! وقد ألفوا في هذا الطعن المغطى كتباً ونظموا أراجيز سموها (موافقات عمر) وحقيقتها: موافقات الله لرأي عمر ، ولو بتخطئة رأي النبي صلى الله عليه وآله !
    ففي الأعلام (2/63): (أبوبكرالجراعي ، له نفائس الدرر في موافقات عمر).
    وفي (3 / 301): (الجلال السيوطي من مؤلفاته: قطف الثمر في موافقات عمر).
    وفي (5 / 302):(محمد بن إبراهيم البلبيسي:شرح نظم الدرر في موافقات عمر).
    وفي (5/ 302): (محمد بن أبي حفص من علماء حلب. له الموافقات العمرية).
    وفي إيضاح المكنون(1/447):(الدرالمستطاب في موافقات عمربن الخطاب للعمادي).
    وفي (2 /658): ( نظم الدرر في موافقات عمر ، لمحمد بن محمد الغزي).
    وفي هدية العارفين(1/497):(الخطيب الدمشقي اقتطاف الثمر في موافقات عمر).
    قال ابن حجر في فتح الباري(1/200): (روى البزار بإسناد حسن ، من حديث أبي سعيد الخدري في هذه القصة أن النبي(ص) أذن لمعاذ في التبشير، فلقيه عمر فقال: لا تعجل، ثم دخل فقال: يا نبي الله أنت أفضل رأياً ، إن الناس إذا سمعوا ذلك اتكلوا عليها ! قال: فَرُدَّهُ ! وهذا معدودٌ من موافقات عمر، وفيه جواز الإجتهاد بحضرته (ص) !
    وفي فتح الباري(7/42): (عن عمرو بن دينار قال:كان ابن عباس يقرأ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ، ولا محدث. والسبب في تخصيص عمر بالذكر كثرة ما وقع له في زمن النبي من الموافقات التي نزل القرآن مطابقاً لها. ووقع له بعد النبي (ص)عدة اصابات) !
    وفي تحفة الأحوذي (10/125): ( فإن يك في أمتي أحد أي من المحدثين فعمر بن الخطاب. والسبب في تخصيص عمر بالذكر لكثرة ما وقع له في زمن النبي من الموافقات التي نزل القرآن مطابقاً لها.ووقع له بعد النبي(ص) عدة إصابات)!
    ولم يقل هؤلاء ابن حجر والمباركفوري ما هي هذه الإصابات وكيف عرفوها ؟!
    وفي تاريخ المدينة لابن شبة (3/859 وأحمد:2/95): (قال ابن عمر: ما أنزل الله أمراً قط فقالوا فيه وقال فيه عمر، إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر)!
    وفي الترمذي (5/280) قال النبي صلى الله عليه وآله : إن الله جعل الحق على لسان عمروقلبه).
    فكيف تقبل عقولكم أن سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله يخطئ في الأمور ويصيب عمر! والنبي صلى الله عليه وآله يشتم الناس ويلعن، ويؤذي ويضرب بغير حق! كما رواه البخاري ومسلم، أما عمر فكان غضبه حقاً وعزاً ! ومعناه أن عمرأفضل من النبي صلى الله عليه وآله وأولى بالنبوة!
    وهذا باب واسع استوفينا بحثه في المسائل 145 وما بعدها في كتاب: ألف سؤال وإشكال على المخالفين لأهل‌‌البيت الطاهرين عليهم السلام .
    ويدل عليه تاسعاً:
    الأحاديث التي وضعوها وصححوها بأن النبي صلى الله عليه وآله تاب في آخر عمره عن لعنه لرؤساء قريش ودعا لهم! واعترف بأنه بشر ينطق عن الهوى ويرضى ويغضب بغير حق! بل إن مقولة إنما هو بشريغضب كما يغضب البشر مقولة قريش أرادت بها أن لا تُكتب سنة النبي صلى الله عليه وآله لأنها كلامه في الرضا في مدح بني هاشم ، وفي الغضب في ذم قريش ، وأن تُبطل لعنة النبي صلى الله عليه وآله لملعونيها !
    وقد بحثنا ذلك في الفصل السادس عشر: خطط قريش بعد فتح مكة لأخذ الخلافة !
    قال البخاري (7 / 157): (باب قول النبي(ص):من آذيته فاجعله له زكاة ورحمة).
    وروى مسلم(8 / 25): (فإنما أنا بشر، فأيُّ المؤمنين آذيته أو شتمته أو لعنته أو جلدته ، فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة).
    وقالت عائشة: (كان رسول الله يرفع يديه يدعو حتى أسأم ويقول: اللهم إنما أنا بشر فلا تعاقبني بشتم رجل من المسلمين إن آذيته.. إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر. فأي المؤمنين آذيته أو شتمته أو جلدته أو لعنته ، فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها يوم القيامة).(أحمد: 6/160 و:2 /243 ، و493 و:3 /33)
    أما عمر فقالوا إن الله أجرى الحق على لسانه وقلبه في الرضا والغضب !
    وإن الملائكة تحدثه والملك ينطق على لسانه. وإن جبرئيل قال للنبي صلى الله عليه وآله : أقرئ عمر السلام وأعلمه أن رضاه حكم وغضبه عز! وأن الله أيد عمر بملكين يوفقانه ويسددانه ، فإذا أخطأ صرفاه حتى يكون صواباً).
    ومعناه أن عمر معصومٌ في الرضا والغضب ! بينما النبي صلى الله عليه وآله غير معصوم فيهما !
    فهم يفضلون عمر على النبي صلى الله عليه وآله بوقاحة !ويخالفون القرآن ويطعنون في النبي صلى الله عليه وآله ، وقد قال الله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى.إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى. فلا يؤثر عليه الغضب والرضا ، ومن عُصِمَ منطقه فقد عُصِمَ فعله عن الهوى !
    قال المناوي في فيض القدير(2/278): ( إن الله جعل الحق، يعني أجراه على لسان عمر فكان كالسيف الصارم والحسام القاطع. فغضبه للحق عز للدين ورضاه عدل لأن الحق هو عدل الله).( وطبقات المحدثين بأصبهان: 2 / 34 ، وابن أبي شيبة في المصنف : 7 / 486 و 487 ، والطبراني في الأوسط : 6 / 242 ، والكبير : 12 / 48 ، ومجمع الزوائد : 9 / 69 ، وكنز العمال : 10 / 365 ، عن مصادر عديدة بروايات كثيرة ، وفي: 12 / 596 و 603 و : 11 / 578 و 579 ، بأحاديث كثيرة ، وفيها : لو لم أبعث فيكم لبعث عمر).
    وقال في فتح الباري(11/147): (قوله: باب قول النبي من آذيته فاجعله له زكاة ورحمة. ومن طريق سالم:اللهم إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عندك عهداً..وهذا مبني على قول من قال إنه كان يجتهد في الأحكام ويحكم بما أدى إليه اجتهاده).
  • *
    لقد تصورالخليفة وأتباعه أن اللعن إنشاء من النبي صلى الله عليه وآله يترتب عليه أثر من الله تعالى ، وهذا خطأ، فهو حكمٌ من الله تعالى بطرد الشخص من الرحمة ، يخبر به النبي صلى الله عليه وآله وينشئ هو لعنَ من لعنه الله، قال الله تعالى:أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ. وقال: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً.
    فما لهم صاروا نصيراً للملعونين ، فزعموا أن النبي صلى الله عليه وآله ألغى لعنهم !
  • *

وقد كتبت في مناقشاتي مع أحد المشايخ الوهابية وكان يسمي نفسه: محب السنة :

أيها الأخ محب السنة، إسمع مني وسأشهد عليك يوم القيامة: يوجد فرق منهجي بيننا وبينكم في الإعتقاد بالنبي صلى الله عليه وآله وتقييم شخصيته والنظرة إليه، أرجو أن تتأمل فيه: إن زعماء قريش نقصوا من شخصية النبي صلى الله عليه وآله وشخصية آله عليهم السلام وعشيرته لأغراضهم السياسية ، وصوروه أنه شخص كان ينزل عليه الوحي، ولكنه كان يتصرف من عند نفسه ويظلم الناس فيسبهم ويلعنهم بغير حق ! وقد روى ذلك مسلم في صحيحه !
وأنه كان يكره بطون قريش فيلعنهم بغيرحق! فوبخه ربه وخطأه ، لأنه يوجد في قريش أناس يكادون يكونون أفضل منه  !
مثلاً: في بني عدي شخص أعقل منه ، ولو لم يبعث هو لبُعث ذلك العدوي، وكان العدوي يصحح أخطاء النبي صلى الله عليه وآله فينزل الوحي مؤيداً لرأي العدوي مخطئاً لرأي النبي الهاشمي وقد رووا سبعاً وعشرين مورداً صحح فيه العدوي خطأ النبي واشتباهه ، وسموها الموافقات لقول عمر: وافقني ربي !
ومن جهة أخرى كان محمد يريد تسليط أهل بيته على العرب ، فنظرت قريش في أمرها فرأت أنه لا يجوز أن يستأثر بنو هاشم بالنبوة والخلافة ، فأبعدتهم واختارت لنفسها، ونعم ما اختارت !
ومن جهة أخرى، كان محمد يحب آله وعشيرته كثيراً فيفتخر في معركة حنين بجده الكافر عبد المطلب، ومدح عمه الكافر أبا طالب ، ويطلب أن ينشدوا شعره له !
وكان يقول إن بني هاشم أفضل العرب ، وإنه هو أفضل بني آدم ، وإنه كان مع أهل بيته نوراً قبل آدم. وهذا غير صحيح لأنه إنسان من تراب !
والخلاصة: أن محمداً عندهم كان حامل رسالة (طارش) أدى الرسالة ومات! فلا تغالوا فيه ولا تخاطبوه الآن لأنه مات وانتهى الأمر! ولا تكونوا كعمار وأبي ذر وحذيفة وعلي وبعض الأنصار ، الذين كانت قريش تصفهم بأنهم يعبدون محمداً، وقد قال أبو بكر لهم: من كان يعبد محمداً فإن إلهه مات !
فلا تكثروا من فضائل بني هاشم وتتركوا فضائل بني تيم وبني عدي وبني أمية ، فارووا فضائلهم وزينوا مجالسكم بذكرهم !
بالله عليك أيها الأخ تأمل في حديث عائشة الصحيح عندكم وغرضها منه التنقيص من مقام النبي صلى الله عليه وآله ورفع مقام بني تيم وعدي عليه!
قالت عائشة كما في مسند أحمد (6/141): ( ثم دعا سعد بن معاذ قال: اللهم إن كنت أبقيتَ على نبيك(ص) من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك.
قالت فانفجر كَلْمُهُ (جرحه) وكان قد برئ حتى مايرى منه إلا مثل الخرص ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله (ص). قالت عائشة: فحضره رسول الله(ص)وأبو بكر وعمر ، قالت: فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي ، وكانوا كما قال الله عز وجل رحماء بينهم !
قال علقمة: قلت أي أمَّهْ ، فكيف كان رسول الله (ص) يصنع ؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد ! ولكنه كان إذا وَجَدَ فإنما هو آخذ بلحيته !(
قال في مجمع الزوائد (6 /13): (قلت في الصحيح بعضه رواه أحمد ، وفيه محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث ، وبقية رجاله ثقات)  !
ومقصود عائشة أن أبا بكر وعمر أكثر رقةً وإنسانيةً من النبي صلى الله عليه وآله فقد كانا يبكيان وينتحبان على سعد بن معاذ ، عندما كان يحتضر في خيمته في المسجد ، أما النبي فلم يكن يبكي على أحد ، بل كان إذا تأثر أو غضب ، يشدُّ بشعر بلحيته كمن يريد أن ينتفها  !
معاذ الله وحاشا رسول الله صلى الله عليه وآله ! وكيف يصدق عاقل أن النبي العطوف الرحيم صلى الله عليه وآله كان بهذه الصفة ، وقد روى الصحابة بكاءه في مناسبات عديدة ، ففي البخاري(8 /186): (فلما دخلنا ناولوا رسول الله (ص) الصبي ونفسه تقلقل في صدره ، حسبته قال كأنها شِنَّة ، فبكى رسول الله فقال سعد بن عبادة:أتبكي؟ فقال: إنما يرحم الله من عباده الرحماء).
نعم أيها الأخ هذا هو منهجكم العملي في النظرة إلى النبي صلى الله عليه وآله ! ولا قيمة لقولكم خلافه بألسنتكم !وإن كنت عالماً فتتبع الفقه والتفسير والحديث، وإن كنت من أتباع ابن تيمية فتتبع كتبه ، وما قاله من كلام سئ في أن النبي صلى الله عليه وآله قد سُحِر وأثر عليه السحر ، وإن السحر يؤثر على قليلي الإيمان !
فكتب لي (محب السنة) بتاريخ 24 - 5 - 2000،الثانية عشرة والربع ظهراً: مشكلة الشيعة العظمى هي عدم تفريقهم بين الحب والغلو ، ولذا غلوا بالأئمة ورفعوهم فوق منزلتهم ، ومن خالفهم في فهمهم الخاطئ اتهموه ببغض النبي وآل بيته الأطهار.ولكي تطلع على حقيقة موقف أهل السنة من النبي إرجع إلى ما جاء في كتبهم التي خصصوا أجزاء منها في المناقب ، وما رووه من أحاديث في وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم محبة تفوق محبة النفس والأهل والمال والولد ، ولكنهم مع ذلك يقولون إنه بشر مثل سائر البشر ليس له شئ من خصائص الربوبية، ومن ثم لايستحق شيئاً مما يجب أن يفرد الله به من العبادة.
أما سوء فهمك لما ورد عن الصحابة فهذا ناتج عن البغض لهم والتحامل عليهم! وإلا لو فسرت هذه النصوص بما قاموا به من أفعال نصروا بها النبي وقدموه على أنفسهم وأهليهم ، ونشروا دينه من بعده ، لبانت لك الحقيقة. والأمر في غاية الوضوح ولكن الهداية فضل من الله يمن به على من يشاء)!
أقول: غاية ما عندهم من الدفاع عن تنقيص الصحابة من مقام النبي صلى الله عليه وآله ورفعهم مقام زعماء بطون قريش، ما قاله محب السنة: ( لو فسرت هذه النصوص بما قاموا به من أفعال نصروا بها النبي)! فأين هي الأفعال التي نصروه بها ، ولو صدقت يامحبهم ، فبحثنا في الأفعال التي انتقصوه بها ، وليس فيما زعمت من نصرهم  !

رشحٌ مرض القلوب الى الأنصار مع الاسف!

مع الأسف أن هذا المرض قد سرى من مرضى القلوب القرشيين الى الأنصار لما أعطى رسول  الله صلى الله عليه وآله غنائم حنين الى رؤساء بطون قريش يتألفهم بها ، فاجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة فانطلق بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بالجعرانة فقال: يا رسول الله أتأذن لي في الكلام ؟ فقال: نعم ، فقال: إن كان هذا الأمر في هذه الأموال التي قسمت بين قومك شيئاً أنزله الله رضينا ، وإن كان غير ذلك لم نرض! قال زرارة: وسمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: فقال رسول  الله صلى الله عليه وآله : يا معشرالأنصار أكلكم على قول سيدكم سعد؟ فقالوا: سيدنا الله ورسوله: ثم قالوا في الثالثة: نحن على مثل قوله ورأيه !
قال زرارة: فسمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: فحط الله نورهم ! وفرض الله للمؤلفة قلوبهم سهماً في القرآن).

حقد قريش يجعلها غبية ويمنعها من الرؤية !

قررت قريش أن تقبل نبوة النبي صلى الله عليه وآله وقرآنه وترفض عترته وكل بني هاشم ! وترفض مدحه لبني هاشم وذمه لبطون قريش !
وذلك لأنها مجبرة أن تعلن نبوته كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في جواب من سأله: (أرأيت لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله ترك ولداً ذكراً قد بلغ الحلم أكانت العرب تسلم إليه أمرها؟ قال: لا، بل كانت تقتله إن لم يفعل ما فعلتُ ! ولولا أن قريشاً جعلت إسمه ذريعة إلى الرياسة، وسُلَّماً إلى العز والإمرة ، لما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً ولارتدت في حافرتها، وعاد قارحها جذعاً وبازلها بكراً.
ثم فتح الله عليها الفتوح فأثْرت بعد الفاقة ، وتمولت بعد الجَهد والمخمصة ، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجاً، وثبت في قلوب كثيرمنها من الدين ما كان مضطرباً وقالت: لولا أنه حق لما كان كذا ! ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها وحسن تدبيرالأمراء..)! (شرح النهج: 20/298).
كما قررت بطون قريش أن تقبل نبوة محمد صلى الله عليه وآله وقرآنه وتحذف أهل بيته وسنته وتمنع تدوينها ، لأنها مملوءة بمدح بني هاشم وذم قريش!
وقلنا غبية:لأنها إذا قبلت محمداً صلى الله عليه وآله ونبوته وقرآنه، فسيبحث الناس عن عترته وسنته وتنكشف مؤامرتها ولو بعد قرون! وهذا ما حصل ويحصل.

تسلسل الأحداث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله  !

1- دبَّر الحزب القرشي بيعة أبي بكر في السقيفة بعد وفاة النبي بساعتين ! وساعدهم بعض رؤساء الأوس حسداً لسعد بن عبادة رئيس الخزرج.
وكَذِبَ الرواة بأن أحداً دعا إلى اجتماع في السقيفة لبحث خلافة النبي صلى الله عليه وآله بل كانت السقيفة محل ضيافة سعد ، وهي مكان مسقوف يشبه دار الندوة للخزرج. وكان سعد مريضاً نائماً فيها يزوره الناس هناك.
فاختارها الحزب القرشي لوجود سعد ومن حوله ، وكان حسب قول عمر في البخاري مزملاً لا يستطيع الحركة ففتحوا الموضوع وناقشوا من حضرعنده ، فبادر أبو بكر إلى القول إني رضيت لكم أحد الرجلين عمرأو أبا عبيدة فبايعوا أحدهما ! فقال عمر لانتقدم عليك وأخذ يده وصفق عليها هو وأبو عبيدة ، ثم بايعه ثلاثة نفر من الأوس المضادين لسعد !
وهكذا أعلنوا بيعة أبي بكر بالحيلة بلا مشورة ، وساندهم الطلقاء ، وكانوا ألوفاً في المدينة وأحاطوا بالسقيفة بسلاحهم.
2 – ودخل الطلقاء المسلحون الى السقيفة ، وتغلَّب الحزب القرشي على سعد بن عبادة المريض رغم موقفه الشديد ضدهم ، فداسوا بطنه وأمرهم عمر بقتله ، لكن نهاه أحدهم عن قتله فقبل رأيه ، وحمله أولاده إلى بيته ! فصارت السقيفة بيد القرشيين ، واتخذوها مقراً لبيعة أبي بكر ومركزاً لعملياتهم !
3 - ترك القرشيون جنازة النبي صلى الله عليه وآله لعترته وعشيرته بني هاشم ! حتى أن مسجد النبي ومحيطه كان في الأيام الثلاثة بعد وفاته خالياً من الناس تقريباً ! وانشغل الناس ببيعة أبي بكر أو معارضتها ، وكانت فعالية أبي بكر وعمر وعائشة وحفصة وأبي عبيدة وسالم مولى حذيفة وبعض الأوس معالجة موقف الأنصار ، يجولون على زعمائهم في بيوتهم لإقناعهم ببيعة أبي بكر ، ومنع تأثير سعد وعلي عليهم !
4 - جاء أبو بكر وعمر وأنصارهما في اليوم الثاني إلى مسجد النبي صلى الله عليه وآله ، يزفون أبا بكر زفةً مسلحة ويهددون من لم يبايع بالقتل! وأصعده عمر بالقوة منبرالنبي صلى الله عليه وآله وبايعه بعض الناس، وصلى بهم المغرب ثم عاد إلى السقيفة.
5 - مساء الثلاثاء ليلة الأربعاء بعد منتصف الليل ، قام علي بدفن النبي صلى الله عليه وآله وحضر مراسم الدفن بنو هاشم وبعض الأنصار، ولم يحضرها أحد من زعماء البطون قادة الحزب القرشي !
6- في ليلة الخميس قام أمير المؤمنين ومعه فاطمة والحسنان عليهم السلام بجولة على بيوت الأنصار، وطالبتهم بالوفاء ببيعتهم في العقبة للنبي صلى الله عليه وآله التي شرط فيها عليهم أن يدافعوا عن أهل بيته وذريته كما يدافعون عن بيوتهم وذراريهم فاستجاب له أربع وأربعون رجلاً ، فواعدهم علي عليه السلام أن يأتوه غداً محلقين رؤوسهم مستعدين للموت فلم يأته إلا أربعة:المقداد وعمار وأبو ذر وسلمان!
7 - في هذه المدة أرسل الحزب القرشي إلى أسامة وهو في معسكره بالجرف خارج المدينة ، أن يأتي ومن بقي معه إلى المدينة ليبايعوا أبا بكر لأن المسلمين بايعوه ، فاحتج عليهم أسامة بأن النبي توفي وأبو بكر جندي عندي مأمور بطاعتي، فهوما زال جندياً عندي!
قال الطبرسي في إعلام الورى (1/269): (كان بين خروج أسامة ورجوعه إلى المدينة نحو من أربعين يوماً ، فلما قدم المدينة قام على باب المسجد ثم صاح: يا معشر المسلمين ، عجباً لرجل استعملني عليه رسول الله صلى الله عليه وآله فتأمَّر عليَّ وعزلني) !
8 - خاف الحزب القرشي من علي عليه السلام أن يجد أنصاراً وينهض ضدهم ، ولذا تتابعت رسل أبي بكر له بالحضور إلى السقيفة ليبايعه ، فكان يتعلل لهم بأنه مشغول بمراسم دفن النبي ، ثم مشغول بجمع القرآن. لكنهم جاؤوا مسلحين إلى باب داره ، فتلاسن معهم بعض أنصاره ، لكنهم تغلبوا عليهم واقتحموا البيت بالقوة ، وأخذوا علياً إلى السقيفة فحاججهم بقوة منطق. وسكتوا عنه ذلك اليوم. وهذه الحادثة هي الهجوم الأول على بيت علي وفاطمة عليهما السلام وقد يكون وقتها يوم الأربعاء أو الخميس ! وكان الهجوم الثاني في اليوم التالي الذي ضربت فيه فاطمة وأسقط جنينيها ، وأخذوا علياً عليه السلام !
9- من المرجح أن الهجوم الثاني على بيت علي وفاطمة عليهما السلام وقع ليلة الجمعة، وهو الهجوم الذي ضربوا فيه الزهراء عليها السلام وأسقطوا جنينها ، وأخذوا علياً عليه السلام أيضاً إلى المسجد وهددوه بالقتل إن لم يبايع أبا بكر ، وجاء العباس لا تقتلوا ابن أخي ! فأمسك بيد علي فأراد أن يفتحها فلم يقدر ، وتقدم أبو بكرنحوه فمسح بيد أبي بكر على يده وهي مقبوضة ، وقالوا بايع علي عليه السلام !
10- وفي يوم الجمعة الثانية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله اتفق اثنا عشر من المهاجرين والأنصار على أن يتكلموا في المسجد ويقيموا الحجة على أبي بكر وعمر ، وتكلموا جميعاً وبينوا وصية النبي لعلي وبيعة المسلمين له يوم الغدير ، وأدانوا مؤامرة السقيفة !
11 - كان تأثير احتجاج الصحابة الإثني عشر مؤثراً وأحدثَ موجة مضادة لمؤامرة السقيفة ، ضعف أمامها أبو بكر حتى أنه وآخرين من الحزب القرشي فكروا أن يعيدوا الخلافة شورى بين المسلمين ، لكن عمر استطاع إحداث موجة لمصلحة الحزب القرشي.
12 - بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله بسبعة أيام خطب علي عليه السلام في مسجد النبي خطبته البليغة القوية المعروفة بخطبة الوسيلة ! وكانت إتماماً للحجة على المسلمين ، من أهل السقيفة والأنصار ، وقد بين فيها مقام النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام عند الله ، ويوم القيامة ، وواجب الأمة تجاههم.
13 – بعد أسبوعين كانت خطبة الزهراء عليها السلام في المسجد ، أي بعد أحداث السقيفة وهجومهم على بيتها وضربها وإسقاط جنينها.
14- شنت حكومة بطون قريش حرباً اقتصادية على أهل البيت عليهم السلام وقرروا إفقارهم فحرموهم الخمس الذي لهم، ومنعوا فاطمة عليها السلام إرثها من النبي صلى الله عليه وآله ، وصادروا منها مزرعة فدك التي كان أعطاها إياها النبي صلى الله عليه وآله لما أمره الله تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ، فرأت الصديقة الزهراء عليها السلام في ذلك مناسبةً لأن تخطب في المسجد وتؤكد عليهم الحجة ، وتفضح مؤامرتهم على الإسلام.
15 – ثم كانت حادثة ضرب عمر للصديقة الزهراء عليها السلام في الطريق لما خرجت من عند أبي بكر فكتب كتاباً لها بإرجاع فدك ، فأخذ الكتاب منها بالقوة ! ويبدو أن ذلك بعد خطبتها في المسجد النبوي وإلا لذكرت ذلك في خطبتها.

هاجموا بيت علي وفاطمة عليهما السلام مرتين !

كانت فاطمة عليها السلام ترى المقادير تجري، كما أخبرها أبوها صلى الله عليه وآله ، إلى وقوع الكارثة على الإسلام والعترة ، بمجرد أن يغمض النبي صلى الله عليه وآله عينيه ويلاقي ربه !
صدق الله ورسوله. سمعاً وطاعة يا أبتاه. تدمع العين ويحزن القلب ، ولا نقول إلا ما يرضي الرب ، رضا الله رضانا أهل البيت.
في أمالي الشيخ الطوسي/188: (عن ابن عباس قال: لما حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله الوفاة بكى حتى بلت دموعه لحيته فقيل له: يا رسول الله ما يبكيك؟فقال: أبكي لذريتي وما تصنع بهم شرار أمتي من بعدي! كأني بفاطمة ابنتي وقد ظُلمت بعدي وهي تنادي يا أبتاه يا أبتاه ، فلا يعينها أحد من أمتي! فسمعت ذلك فاطمة عليها السلام فبكت فقال لها رسول الله: لم تبكين يا بنية؟ فقالت: لست أبكي لما يصنع بي من بعدك ولكن أبكي لفراقك يا رسول الله. فقال لها: أبشري يا بنت محمد بسرعة اللحاق بي فإنك أول من يلحق بي من أهل بيتي).
أقول: كان لسان حالها عليها السلام :بعين الله ما سألقاه بعدك يا أبتي. يغصب حق زوجي، ويهجمون علينا ويضرمون النار في دارنا ، ويهتكون حرمتنا، وأُهان أنا وأضرب ويسقط جنيني، ويقاد زوجي بحمائل سيفه. رضاً برضا الله يا أبتي ورضاك.
قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة (1/11) والطبري الشيعي في المسترشد/478:(عن علي بن الحسين عليه السلام قال: لما قبض النبي صلى الله عليه وآله و بويع أبو بكر ، تخلف علي عليه السلام فقال عمر لأبي بكر: ألا ترسل إلى هذاالرجل المتخلف فيجيئ فيبايع؟ قال أبو بكر: يا قنفذ إذهب إلى علي وقل له: يقول لك خليفة رسول الله: تعال بايع ! فرفع علي عليه السلام صوته وقال: سبحان الله ما أسرع ما كذبتم على رسول الله صلى الله عليه وآله !لا أعلم لرسول الله خليفة غيري !قال: فرجع فأخبره.
ثم قال عمر: ألا تبعث إلى هذا الرجل المتخلف فيجيئ يبايع؟ فقال لقنفذ: إذهب إلى علي فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: تعال بايع ، فذهب قنفذ ، فضرب الباب ، فقال علي عليه السلام : من هذا ؟ قال: أنا قنفذ ، فقال: ما جاء بك ؟ قال: يقول لك أمير المؤمنين: تعال فبايع ! فرفع علي عليه السلام صوته وقال: سبحان الله ! لقد ادعى ما ليس له ! فجاء فأخبره فقام عمر فقال: إنطلقوا إلى هذا الرجل حتى نجئ إليه فمضى إليه في جماعة فضربوا الباب فلما سمع علي عليه السلام أصواتهم لم يتكلم ، وتكلمت إمرأت‍ه فقالت: من هؤلاء فقالوا: قولي لعلي: يخرج ويبايع ، فرفعت فاطمة عليها السلام صوتها فقالت: يا رسول الله ما لقينا من ابن أبي قحافة وابن الخطاب بعدك! فلما سمعوا صوتها ، بكى كثير ممن كان معه ، ثم انصرفوا ، وثبت عمر في ناس معه ، فأخرجوه وانطلقوا به إلى أبي بكر حتى أجلسوه بين يديه! فقال أبو بكر: بايع ! قال: فإن لم أفعل؟ قال: إذاً والله الذي لا إله إلا هو تضرب عنقك ! فالتفت علي عليه السلام إلى القبر وقال: ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي!ثم بايع وقام) !

رواية أهل البيت للهجومين على بيت فاطمة وعلي عليهما السلام !

روي عن أهل البيت عليهم السلام أن هجوم عمر وجماعته كان مرتين:
منها: ما رواه سُليم بن قيس الهلالي العامري المتوفى 76 هجرية ، في كتابه المعروف ب‍ ( كتاب سُلَيْم) قال/147: (وقال عمر لأبي بكر: أرسل إلى علي فليبايع ، فإنا لسنا في شئ حتى يبايع ولو قد بايع أمناه. فأرسل إليه أبو بكر: أجب خليفة رسول الله ، فأتاه الرسول فقال له ذلك فقال له علي: سبحان الله ما أسرع ما كذبتم على رسول الله ، إنه ليعلم ويعلم الذين حوله أن الله ورسوله لم يستخلفا غيري ! وذهب الرسول فأخبره بما قال له قال: إذهب فقل له: أجب أمير المؤمنين أبا بكر ، فأتاه فأخبره بما قال. فقال له علي:سبحان الله ما والله طال العهد فينسى! فوالله إنه ليعلم أن هذا الاسم لا يصلح إلا لي ، ولقد أمره رسول الله وهو سابع سبعة فسلموا علي بإمرة المؤمنين ! فاستفهم هو وصاحبه عمر من بين السبعة فقالا: أحقٌّ من الله ورسوله ؟ فقال لهما رسول  الله صلى الله عليه وآله : نعم ، حقاً حقاً من الله ورسوله ، إنه أمير المؤمنين وسيد المسلمين وصاحب لواء الغر المحجلين ، يقعده الله عز وجل يوم القيامة على الصراط فيدخل أوليائه الجنة وأعداءه النار ! فانطلق الرسول فأخبره بما قال.قال:فسكتوا عنه يومهم ذلك!
فلما كان الليل حمل علي فاطمة على حمار وأخذ بيدي ابنيه الحسن والحسين فلم يدع أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أتاه في منزله ، فناشدهم الله حقه ودعاهم إلى نصرته ، فما استجاب منهم رجل غيرنا الأربعة ، فإنا حلقنا رؤوسنا وبذلنا له نصرتنا ، وكان الزبير أشدنا بصيرة في نصرته ! فلما رأى علي خذلان الناس إياه وتركهم نصرته واجتماع كلمتهم مع أبي بكر وطاعتهم له وتعظيمهم إياه لزم بيته ، فقال عمر لأبي بكر: ما يمنعك أن تبعث إليه فيبايع ، فإنه لم يبق أحد إلا وقد بايع غيره وغير هؤلاء الأربعة !
وكان أبو بكر أرق الرجلين وأرفقهما وأدهاهما وأبعدهما غوراً ، والآخر أفظهما وأغلظهما وأجفاهما ، فقال أبو بكر: من نرسل إليه ؟ فقال عمر: نرسل إليه قنفذاً ، وهو رجل فظ غليظ جاف من الطلقاء أحد بني عدي بن كعب ! فأرسله إليه وأرسل معه أعواناً وانطلق فاستأذن على علي فأبى أن يأذن لهم ! فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر وعمر وهما جالسان في المسجد والناس حولهما ، فقالوا: لم يؤذن لنا. فقال عمر: إذهبوا ، فإن أذن لكم وإلا فادخلوا عليه بغير إذن ! فانطلقوا فاستأذنوا فقالت فاطمة عليها السلام : أحرِّج عليكم أن تدخلوا بيتي بغير إذن ! فرجعوا وثبت قنفذ !فقالوا: إن فاطمة قالت كذا وكذا فتحرَّجْنا أن ندخل بيتها بغير إذن ! فغضب عمر وقال: ما لنا وللنساء ! ثم أمر أناساً حوله أن يحملوا الحطب فحملوا الحطب وحمل معهم عمر ، فجعلوه حول منزل علي وفاطمة وابنيهما! ثم نادى عمر حتى أسمع علياً وفاطمة: والله لتخرجن يا علي ولتبايعن خليفة رسول الله وإلا أضرمت عليك بيتك النار ! فقالت فاطمة: يا عمر ، ما لنا ولك؟ فقال: إفتحي الباب وإلا أحرقنا عليكم بيتكم ! فقالت: يا عمر أما تتقي الله تدخل عليَّ بيتي !
فأبى أن ينصرف ، ودعا عمر بالنار فأضرمها في الباب ، ثم دفعه فدخل فاستقبلته فاطمة عليها السلام وصاحت: يا أبتاه يا رسول الله ! فرفع عمر السيف وهو في غمده فوجأ به جنبها فصرخت: يا أبتاه ! فرفع السوط فضرب به ذراعها فنادت: يا رسول الله ، لبئس ما خلفك أبو بكر وعمر!
فوثب عليٌ فأخذ بتلابيبه ثم نتره فصرعه ووجأ أنفه ورقبته وهم بقتله ، فذكر قول رسول الله صلى الله عليه وآله وما أوصاه به ، فقال: والذي كرَّم محمداً بالنبوة يا بن صهاك لولا كتاب من الله سبق وعهدٌ عهده إليَّ رسول الله لعلمت إنك لا تدخل بيتي. فأرسل عمر يستغيث فأقبل الناس حتى دخلوا الدار وثار علي إلى سيفه ، فرجع قنفذ إلى أبي بكر وهو يتخوف أن يخرج علي إليه بسيفه ، لما قد عرف من بأسه وشدته ، فقال أبو بكر لقنفذ: إرجع فإن خرج وإلا فاقتحم عليه بيته فإن امتنع فاضرم عليهم بيتهم النار ! فانطلق قنفذ فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن ، وثار علي إلى سيفه فسبقوه إليه وكاثروه وهم كثيرون ، فتناول بعضهم سيوفهم فكاثروه وضبطوه ، فألقوا في عنقه حبلاً وحالت بينهم وبينه فاطمة عليها السلام عند باب البيت فضربها قنفذ بالسوط! فماتت حين ماتت وإن في عضدها كمثل الدملج من ضربته ، ثم انطلقوا بعلي يُعتل عَتْلاً حتى انتهيَ به إلى أبي بكر، وعمر قائم بالسيف على رأسه ، وخالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل والمغيرة بن شعبة وأسيد بن حضير وبشير بن سعيد وسائر الناس، جلوسٌ حول أبي بكر عليهم السلاح ! قال قلت لسلمان: أدَخلوا على فاطمة بغير إذن ؟ قال: إي والله ، وما عليها من خمار، فنادت: وا أبتاه ، وا رسول الله، يا أبتاه فلبئس ما خلفك أبو بكر وعمر. قال فانتهوا بعلي إلى أبي بكر وهو يقول: أما والله لو وقع سيفي في يدي لعلمتم أنكم لن تصلوا إليَّ أبداً. أما والله ما ألوم نفسي في جهادكم ، ولو كنت استمكنت من الأربعين رجلاً لفرقت جماعتكم ، ولكن لعن الله أقواماً بايعوني ثم خذلوني. ولما أن بصر به أبو بكر صاح: خلوا سبيله ! فقال علي: يا أبا بكر ما أسرع ما توثبتم على رسول الله ! بأي حق وبأي منزلة دعوت الناس إلى بيعتك ؟ ألم تبايعني بالأمس بأمر الله وأمر رسول الله !
وقد كان قنفذ لعنه الله ضرب فاطمة عليها السلام بالسوط حين حالت بينه وبين زوجها وأرسل إليه عمر: إن حالت بينك وبينه فاطمة فاضربها ، فألجأها قنفذ لعنه الله إلى عضادة باب بيتها ودفعها فكسر ضلعها من جنبها فألقت جنيناً من بطنها ! فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت صلى الله عليها من ذلك شهيدة.
قال: ولما انتهى بعلي إلى أبي بكر انتهره عمر وقال له: بايع ودع عنك هذه الأباطيل ، فقال له: فإن لم أفعل فما أنتم صانعون؟ قالوا: نقتلك ذلا وصغاراً ! فقال: إذاً تقتلون عبد الله وأخَ رسوله ! فقال أبو بكر: أما عبد الله فنعم ، وأما أخو رسول الله فما نقر بهذا ! قال: أتجحدون أن رسول الله آخى بيني وبينه ! قال: نعم ! فأعاد ذلك عليهم ثلاث مرات. ثم أقبل عليهم علي فقال: يا معشر المسلمين والمهاجرين والأنصار ، أنشدكم الله أسمعتم رسول الله يقول يوم غدير خم كذا وكذا ، وفي غزوة تبوك كذا وكذا ؟ فلم يدع شيئاً قاله فيه رسول الله علانية للعامة إلا ذكرهم إياه. قالوا: اللهم نعم !
فلما تخوف أبو بكر أن ينصره الناس وأن يمنعوه ، بادرهم فقال له: كل ما قلت حق قد سمعناه بآذاننا وعرفناه ووعته قلوبنا ، ولكن قد سمعتُ رسول الله يقول بعد هذا: إنا أهل بيت اصطفانا الله وأكرمنا واختار لنا الآخرة على الدنيا وإن الله لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة !
فقال علي: هل أحد من أصحاب رسول الله شهد هذا معك؟ فقال عمر: صدق خليفة رسول الله ، قد سمعته منه كما قال. وقال أبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل: صدق ، قد سمعنا ذلك من رسول الله ! فقال لهم علي: لقد وفيتم بصحيفتكم الملعونة التي تعاقدتم عليها في الكعبة: إن قتل الله محمداً أو مات لتَزْوُنَّ هذا الأمر عنا أهل البيت !
فقال أبو بكر: فما علمك بذلك؟ فقال:أنت يا زبير، وأنت يا سلمان ، وأنت يا أبا ذر ، وأنت يا مقداد ، أسألكم بالله وبالإسلام أما سمعتم رسول الله يقول ذلك وأنتم تسمعون: إن فلاناً وفلاناً حتى عد هؤلاء الخمسة قد كتبوا بينهم كتاباً وتعاهدوا فيه وتعاقدوا أيماناً على ما صنعوا إن قتلتُ أو متُّ؟ فقالوا: اللهم نعم ، قد سمعنا رسول الله يقول ذلك لك: إنهم قد تعاهدوا وتعاقدوا على ما صنعوا ، وكتبوا بينهم كتاباً إن قتلتُ أو متُّ أن يتظاهروا عليك وأن يزووا عنك هذا يا علي. قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، فما تأمرني إذا كان ذلك أن أفعل؟ فقال لك: إن وجدت عليهم أعواناً فجاهدهم ونابذهم ، وإن أنت لم تجد أعواناً فبايع واحقن دمك. فقال علي: أما والله لو أن أولئك الأربعين رجلاً الذين بايعوني وفوا لي لجاهدتكم في الله ، ولكن أما والله لا ينالها أحد من عقبكما إلى يوم القيامة. وفيما يكذب قولكم على رسول الله قوله تعالى:أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عظيماً، فالكتاب النبوة ، والحكمة السنة ، والملك الخلافة ، ونحن آل إبراهيم. فقام المقداد فقال:يا عليُّ بمَ تأمرني؟والله إن أمرتني لأضربن بسيفي وإن أمرتني كففتُ. فقال عليٌّ: كفَّ يا مقداد واذكر عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وما أوصاك به. قال سلمان فقمت وقلت: والذي نفسي بيده لوأني أعلم أني أدفع ضيماً وأعز لله ديناً لوضعت سيفي على عنقي ثم ضربت به قدماً قدماً ! أتَثِبُون على أخي رسول الله ووصيه وخليفته في أمته وأبي ولده! فأبشروا بالبلاء واقنطوا من الرخاء !
وقام أبو ذر فقال: أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها المخذولة بعصيانها ، إن الله يقول: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. وآل محمد الأخلاف من نوح وآل إبراهيم من إبراهيم والصفوة والسلالة من إسماعيل.
وعترة محمد أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ، وهم كالسماء المرفوعة والجبال المنصوبة والكعبة المستورة والعين الصافية ، والنجوم الهادية والشجرة المباركة ، أضاء نورها وبورك زيتها.
محمد خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم صلى الله عليه وآله ، وعلي وصي الأوصياء وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين. وهو الصديق الأكبر والفاروق الأعظم ، ووصي محمد ووارث علمه ، وأولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم كما قال الله:
النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ. فقدِّموا من قدم الله وأخِّروا من أخر الله ، واجعلوا الولاية والوراثة لمن جعل الله.الخ).

  • *

الفصل الحادي والعشرون - خُطب معارضي السقيفة من المهاجرين والأنصار

إثنا عشر صحابياً واجهوا أبا بكر وعمر بشدة !

كتبنا في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام (1/488):
كان كبار الصحابة مذهولين ، غاضبين ، لعمل أهل السقيفة وأسلوبهم في الخلسة والعنف ! والجو الإرهابي القمعي الذي أوجدوه بالطلقاء لفرض خليفتهم ! ولما صعد أبو بكر منبر النبي صلى الله عليه وآله يوم الجمعة الثانية قام اثنا عشر صحابياً ، واحداً بعد الآخر وتكلموا بقوة فأفحموه ، فسكت وانسحب مع أصحابه من المسجد ، وظلوا ثلاثة أيام ، يحشدون مناصريهم ، ثم عادوا بقوة وتهديد وشراسة !
فقد روى الصدوق في الخصال/461، عن زيد بن وهب، والطبرسي في الإحتجاج (1/97):(عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام : جعلت فداك هل كان أحد في أصحاب رسول  الله صلى الله عليه وآله أنكر على أبي‌بكر فعله وجلوسه مجلس رسول صلى الله عليه وآله ؟ قال: نعم كان الذي أنكر على أبي‌بكر اثنا عشر رجلاً. من المهاجرين: خالد بن سعيد بن العاص ، وكان من بني أمية ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، والمقداد بن الأسود ، وعمار بن ياسر ، وبريدة الأسلمي. ومن الأنصار: أبو الهيثم بن التيهان ، وسهل وعثمان ابنا حنيف، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، وأبّي بن كعب ، وأبو أيوب الأنصاري. قال: فلما صعد أبو بكر المنبر تشاوروا بينهم فقال بعضهم لبعض: والله لنأتينه ولننزلنه عن منبر رسول الله صلى الله عليه وآله !وقال آخرون منهم: والله لئن فعلتم ذلك إذاً أعنتم على أنفسكم فقد قال الله عز وجل: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الْتَّهْلُكَةِ، فانطلقوا بنا إلى أمير المؤمنين لنستشيره ونستطلع رأيه ، فانطلق القوم إلى أمير المؤمنين بأجمعهم فقالوا: يا أمير المؤمنين تركت حقاً أنت أحق به وأولى به من غيرك ، لأنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: علي مع الحق والحق مع علي يميل مع الحق كيفما مال. ولقد هممنا أن نصير إليه فننزله عن منبر رسول الله صلى الله عليه وآله فجئناك لنستشيرك ونستطلع رأيك فما تأمرنا ؟
فقال أمير المؤمنين: وأيم الله لو فعلتم ذلك لما كنتم لهم إلا حرباً، ولكنكم كالملح في الزاد وكالكحل في العين ، وأيم الله لو فعلتم ذلك لأتيتموني شاهرين بأسيافكم مستعدين للحرب والقتال وإذاً لأتوني فقالوا لي بايع وإلا قتلناك ، فلا بد لي أن أدفع القوم عن نفسي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله أوعز إليَّ قبل وفاته وقال لي: يا أبا الحسن إن الأمة ستغدر بك من بعدي ، وتنقض فيك عهدي ، وإنك مني بمنزلة هارون من موسى ، وإن الأمة من بعدي كهارون ومن اتبعه والسامري ومن اتبعه. فقلت: يا رسول الله فما تعهد إليَّ إذا كان كذلك؟ فقال: إذا وجدت أعواناً فبادر إليهم وجاهدهم ، وإن لم تجد أعواناً كف يدك واحقن دمك حتى تلحق بي مظلوماً.
فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله اشتغلت بغسله وتكفينه والفراغ من شأنه ، ثم آليت على نفسي يميناً أن لا أرتدي برداء إلا للصلاة حتى أجمع القرآن ، ففعلت.
ثم أخذت بيد فاطمة وابني الحسن والحسين فدرت على أهل بدر وأهل السابقة فناشدتهم حقي ودعوتهم إلى نصرتي ، فما أجابني منهم إلا أربعة رهط سلمان وعمار وأبو ذر والمقداد ، ولقد راودت في ذلك بقية أهل بيتي فأبوا عليَّ إلا السكوت لما علموا من وغارة صدور القوم ، وبغضهم لله ورسوله ولأهل بيت نبيه صلى الله عليه وآله . فانطلقوا بأجمعكم إلى الرجل ، فعرفوه ما سمعتم من قول نبيكم ، ليكون ذلك أوكد للحجة وأبلغ للعذر، وأبعد لهم من رسول الله صلى الله عليه وآله إذا وردوا عليه.
فسار القوم حتى أحدقوا بمنبر رسول الله صلى الله عليه وآله وكان يوم الجمعة ، فلما صعد أبو بكر المنبر قال المهاجرون للأنصار: تقدموا وتكلموا ، فقال الأنصار للمهاجرين: بل تكلموا وتقدموا أنتم ، فإن الله عز وجل بدأ بكم في الكتاب إذ قال الله عز وجل: لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ.فأول من تكلم به خالد بن سعيد بن العاص، ثم باقي المهاجرين ثم بعدهم الأنصار. وكانوا غُيباً عن وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله فقدموا وقد تولى أبو بكر، وهم يومئذ أعلام مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله .
فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص وقال: إتق الله يا أبا بكر فقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ونحن محتوشوه يوم بني قريظة حين فتح الله له باب النصر وقد قتل علي بن أبي طالب يومئذ عدة من صناديد رجالهم وأولي البأس والنجدة منهم: يا معاشر المهاجرين والأنصار إني موصيكم بوصية فاحفظوها ومودعكم أمراً فاحفظوه ، ألا إن علي بن أبي طالب أميركم بعدي وخليفتي فيكم ، بذلك أوصاني ربي ، ألا وإنكم إن لم تحفظوا فيه وصيتي وتوازروه وتنصروه ، اختلفتم في أحكامكم واضطرب عليكم أمر دينكم ، ووليكم أشراركم. ألا وإن أهل بيتي هم الوارثون لأمري ، والعالمون لأمر أمتي من بعدي. اللهم من أطاعهم من أمتي وحفظ فيهم وصيتي فاحشرهم في زمرتي واجعل لهم نصيباً من مرافقتي يدركون به نور الآخرة. اللهم ومن أساء خلافتي في أهل بيتي فأحرمه الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض.
فقال له عمر بن الخطاب: أسكت يا خالد فلست من أهل المشورة ولا ممن يقتدى برأيه! فقال له خالد: بل أسكت أنت يا ابن الخطاب ، فإنك تنطق على لسان غيرك ، وأيم الله لقد علمت قريش أنك من ألأمها حسباً وأدناها منصباً وأخسها قدراً وأخملها ذكراً ، وأقلهم غناءً عن الله ورسوله ، وإنك لجبان في الحروب ، بخيل بالمال لئيم العنصر ، مالك في قريش من فخر ، ولا في الحروب من ذكر، وإنك في هذا الأمر بمنزلة الشيطان:إِذْ قَالَ للإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ. فأبلس عمر، وجلس خالد بن سعيد.
ثم قام سلمان الفارسي وقال: كرديد ونكرديد ، أي فعلتم ولم تفعلوا ، وقد كان امتنع من البيعة قبل ذلك حتى وجئ عنقه فقال: يا أبا بكر إلى من تسند أمرك إذا نزل بك ما لا تعرفه ، وإلى من تفزع إذا سئلت عما لا تعلمه ، وما عذرك في تقدمك على من هو أعلم منك وأقرب إلى رسول الله، وأعلم بتأويل كتاب الله عز وجل وسنة نبيه ، ومن قدمه النبي صلى الله عليه وآله في حياته وأوصاكم به عند وفاته ، فنبذتم قوله وتناسيتم وصيته وأخلفتم الوعد ونقضتم العهد ، وحللتم العقد الذي كان عقده عليكم من النفوذ تحت راية أسامة بن زيد حذراً من مثل ما أتيتموه وتنبيهاً للأمة على عظيم ما اجترمتموه من مخالفة أمره. فعن قليل يصفو لك الأمر وقد أثقلك الوزر ونقلت إلى قبرك وحملت معك ما كسبت يداك ، فلو راجعت الحق من قريب وتلافيت نفسك وتبت إلى الله من عظيم ما اجترمت ، كان ذلك أقرب إلى نجاتك يوم تفرد في حفرتك ويسلمك ذوو نصرتك ، فقد سمعت كما سمعنا ورأيت كما رأينا ، فلم يردعك ذلك عما أنت متشبث به من هذا الأمر الذي لا عذر لك في تقلده ولاحظ للدين ولا المسلمين في قيامك به ، فالله الله في نفسك ، فقد أعذر من أنذر ، ولا تكن كمن أدبر واستكبر.
ثم قام أبو ذر الغفاري فقال: يا معشر قريش أصبتم قباحة وتركتم قرابة ، والله ليرتدن جماعة من العرب ولتشكُّنَّ في هذا الدين ، ولو جعلتم الأمر في أهل بيت نبيكم ما اختلف عليكم سيفان ، والله لقد صارت لمن غلب ، ولتطمحن إليها عين من ليس من أهلها ، وليسفكن في طلبها دماء كثيرة - فكان كما قال أبو ذر - ثم قال: لقد علمتم وعلم خياركم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: الأمر بعدي لعلي ثم لابني الحسن والحسين ، ثم للطاهرين من ذريتي. فاطرحتم قول نبيكم وتناسيتم ما عهد به إليكم ، فأطعتم الدنيا الفانية ، ونسيتم الآخرة الباقية ، التي لا يهرم شابها ولا يزول نعيمها ولا يحزن أهلها ولا يموت سكانها ، بالحقير التافه الفاني الزائل! فكذلك الأمم من قبلكم كفرت بعد أنبيائها ونكصت على أعقابها ، وغيرت وبدلت واختلفت ، فساويتموهم حذو النعل بالنعل ، والقذة بالقذة ، وعما قليل تذوقون وبال أمركم ، وتجزون بما قدمت أيديكم. وما الله بظلام للعبيد.
ثم قام المقداد بن الأسود فقال: يا أبا بكر إرجع عن ظلمك ، وتب إلى ربك والزم بيتك ، وابك على خطيئتك ، وسلم الأمر لصاحبه الذي هو أولى به منك ، فقد علمت ما عقده رسول  الله صلى الله عليه وآله في عنقك من بيعته ، وألزمك من النفوذ تحت راية أسامة بن زيد وهو مولاه ، ونبه على بطلان وجوب هذا الأمر لك ولمن عضدك عليه بضمه لكما إلى علم النفاق ومعدن الشنآن والشقاق عمرو بن العاص الذي أنزل الله فيه على نبيه صلى الله عليه وآله :إِنَّ شَانِئَكَ هُوَالأَبْتَرُ وهو كان أميراً عليكما وعلى سائر المنافقين في الوقت الذي أنفذه رسول الله صلى الله عليه وآله في غزاة ذات السلاسل ، وأن عَمرواً قلدكما حرس عسكره ، فأين الحرس إلى الخلافة. إتق الله وبادر بالإستقالة قبل فوتها ، فإن ذلك أسلم لك في حياتك وبعد وفاتك ، ولا تركن إلى دنياك ولا تغرنك قريش وغيرها ، فعن قليل تضمحل عنك دنياك ، ثم تصير إلى ربك فيجزيك بعملك ، وقد علمت وتيقنت أن علي ابن أبي طالب هو صاحب الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله  ، فسلمه إليه بما جعله الله له ، فإنه أتم لسترك وأخف لوزرك ، فقد والله نصحت لك إن قبلت نصحي ، وإلى الله ترجع الأمور.
ثم قام إليه بريدة الأسلمي فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون ، ماذا لقي الحق من الباطل، يا أبا بكر أنسيت أم تناسيت وخدعت أم خدعتك نفسك ، أم سولت لك الأباطيل ، أوَلم تذكر ما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وآله من تسمية علي بإمرة المؤمنين ، والنبي صلى الله عليه وآله بين أظهرنا ، وقوله له في عدة أوقات: هذا علي أمير المؤمنين وقاتل القاسطين ، إتق الله وتدارك نفسك قبل أن لا تدركها، وأنقذها مما يهلكها واردد الأمر إلى من هو أحق به منك ، ولا تتماد في اغتصابه ، وراجع وأنت تستطيع أن تراجع ، فقد محضتك النصح ، ودللتك على طريق النجاة ، فلا تكونن ظهيراً للمجرين.
ثم قام عمار بن ياسر فقال: يا معاشر قريش ويا معاشر المسلمين، إن كنتم علمتم وإلا فاعلموا أن أهل بيت نبيكم أولى به وأحق بإرثه ، وأقوم بأمور الدين وآمن على المؤمنين وأحفظ لملته ، وأنصح لأمته ، فمروا صاحبكم فليرد الحق إلى أهله قبل أن يضطرب حبلكم ويضعف أمركم ، ويظهر شتاتكم ، وتعظم الفتنة بكم وتختلفون فيما بينكم ، ويطمع فيكم عدوكم. فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا الأمر منكم ، وعلي أقرب منكم إلى نبيكم ، وهو من بينهم وليكم بعهد الله ورسوله صلى الله عليه وآله . قد عرفتموه في حال بعد حال عند سد النبي صلى الله عليه وآله أبوابكم التي كانت إلى المسجد كلها غير بابه ، وإيثاره إياه بكريمته فاطمة دون سائر من خطبها إليه منكم ، وقوله صلى الله عليه وآله : أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد الحكمة فليأتها من بابها. وإنكم جميعاًَ مضطرون اليه فيما أشكل عليكم من أمور دينكم إليه ، وهو مستغن عن كل أحد منكم ، إلى ما له من السوابق التي ليست لأفضلكم عند نفسه ، فما بالكم تحيدون عنه وتبتزون علياً حقه، وتؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة بئس للظالمين بدلاً.أعطوه ما جعله الله له ولاتتولوا عنه مدبرين،ولاترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين.
ثم قام أبي بن كعب فقال: يا أبا بكر لا تجحد حقاً جعله الله لغيرك ، ولا تكن أول من عصى رسول الله صلى الله عليه وآله في وصيه وصفيه وصدف عن أمره ، أردد الحق إلى أهله تسلم ، ولا تتماد في غيك فتندم ، وبادر الإنابة يخف وزرك ، ولا تخصص بهذا الأمر الذي لم يجعله الله لك نفسك فتلقى وبال عملك.فعن قليل تفارق ما أنت فيه وتصير إلى ربك،فيسألك عما جنيت وما ربك بظلام للعبيد.
ثم قام خزيمة بن ثابت فقال: أيها الناس ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قبل شهادتي وحدي ولم يرد معي غيري؟ قالوا: بلى. قال: فأشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أهل بيتي يفرقون بين الحق والباطل وهم الأئمة الذين يقتدى بهم. وقد قلت ما علمت ، وما على الرسول إلا البلاغ المبين.
ثم قام أبو الهيثم بن التيهان فقال: وأنا أشهد على نبينا صلى الله عليه وآله أنه أقام علياً يعني في يوم غدير خم ، فقالت الأنصار: ما أقامه إلا للخلافة ، وقال بعضهم: ما أقامه إلا ليعلم الناس أنه مولى من كان رسول الله صلى الله عليه وآله مولاه ، وكثر الخوض في ذلك فبعثنا رجالاً منا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسألوه عن ذلك فقال: قولوا لهم علي ولي المؤمنين بعدي وأنصح الناس لأمتي ، وقد شهدت بما حضرني ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، إن يوم الفصل كان ميقاتاً.
ثم قام سهل بن حنيف: فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي محمد وآله ، ثم قال: يا معاشر قريش إشهدوا علي أني أشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد رأيته في هذا المكان يعني الروضة وقد أخذ بيد علي بن أبي طالب وهو يقول: أيها الناس هذا علي إمامكم من بعدي ووصيي في حياتي وبعد وفاتي ، وقاضي ديني ، ومنجز وعدي ، وأول من يصافحني على حوضي ، فطوبى لمن اتبعه ونصره ، والويل لمن تخلف عنه وخذله.
وقام معه أخوه عثمان بن حنيف وقال: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أهل بيتي نجوم الأرض فلا تتقدموهم ، وقدموهم فهم الولاة من بعدي ، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله وأي أهل بيتك ؟ فقال  علي والطاهرون من ولده. وقد بين صلى الله عليه وآله فلا تكن يا أبا بكر أول كافر به ،و لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
ثم قام أبو أيوب الأنصاري فقال: إتقوا الله عباد الله في أهل بيت نبيكم ، وارددوا إليهم حقهم الذي جعله الله لهم ، فقد سمعتم مثل ما سمع إخواننا في مقام بعد مقام لنبينا صلى الله عليه وآله ومجلس بعد مجلس يقول: أهل بيتي أئمتكم بعدي ويؤمى إلى علي ويقول: هذا أمير البررة وقاتل الكفرة ، مخذول من خذله منصور من نصره. فتوبوا إلى الله من ظلمكم إياه إن الله تواب رحيم ، ولا تتولوا عنه مدبرين ، ولاتتولوا عنه معرضين.
قال الصادق عليه السلام : فأفحم أبو بكر على المنبر حتى لم يحر جواباً ، ثم قال: وليتكم ولست بخيركم أقيلوني أقيلوني ، فقال له عمر بن الخطاب: إنزل عنها يا لكع! إذا كنت لا تقوم بحجج قريش لم أقمت نفسك هذا المقام! والله لقد هممت أن أخلعك واجعلها في سالم مولى أبي حذيفة !
قال: فنزل ثم أخذ بيده وانطلق إلى منزله وبقوا ثلاثة أيام لا يدخلون مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلما كان في اليوم الرابع جاءهم خالد بن الوليد ومعه ألف رجل فقال لهم: ما جلوسكم فقد طمع فيها والله بنو هاشم؟ وجاءهم سالم مولى أبي حذيفة ومعه ألف رجل، وجاءهم معاذ بن جبل ومعه ألف رجل ، فما زال يجتمع إليهم رجل رجل حتى اجتمع أربعة آلاف رجل.
فخرجوا شاهرين بأسيافهم يقدمهم عمر بن الخطاب حتى وقفوا بمسجد رسول الله صلى الله عليه وآله  ، فقال عمر: والله يا أصحاب عليٍّ لئن ذهب منكم رجل يتكلم بالذي تكلم بالأمس لنأخذن الذي فيه عيناه.
فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص وقال : يا بن صهَّاك الحبشية أبأسيافكم تهددوننا أم بجمعكم تفزعوننا ، والله إن أسيافنا أحد من أسيافكم ، وإنا لأكثر منكم وإن كنا قليلين لأن حجة الله فينا ، والله لولا أني أعلم أن طاعة الله ورسوله وطاعة إمامي أولى بي لشهرت سيفي وجاهدتكم في الله ، إلى أن أبلي عذري. فقال له أمير المؤمنين: أجلس يا خالد فقد عرف الله لك مقامك ، وشكر لك سعيك ، فجلس.
وقام إليه سلمان الفارسي فقال: الله أكبر الله أكبر ، سمعت رسول الله بهاتين الأذنين وإلا صمتا يقول: بينا أخي وابن عمي جالس في مسجدي مع نفر من أصحابه ، إذ تكبسه جماعة من كلاب أصحاب النار يريدون قتله وقتل من معه ، فلست أشك إلا وأنكم هم ! فهمَّ به عمر بن الخطاب ، فوثب إليه أمير المؤمنين وأخذ بمجامع ثوبه ثم جلد به الأرض ثم قال: يا ابن صهاك الحبشية لولا كتاب من الله سبق وعهد من رسول الله تقدم لأريتك أينا أضعف ناصراً وأقل عدداً. ثم التفت إلى أصحابه فقال: إنصرفوا رحمكم الله، فوالله لا دخلت المسجد إلا كما دخل أخواي موسى وهارون ، إذ قال له أصحابه: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ.والله لا دخلته إلا لزيارة رسول الله صلى الله عليه وآله أو لقضية أقضيها، فإنه لايجوز لحجة أقامها رسول الله أن يترك الناس في حيرة).

ملاحظات

  1. تاكد عندي أن احتجاج هؤلاء الصحابة الأجلاء كان يوم الجمعة الثانية أي بعد اثني عشر يوماً من وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، لأن أهل السقيفة تركوا المسجد يومها ، ثم استعدوا وعادوا اليه بعد أيام بمقاتلين من قبيلة أسلم !
    قال عمر: (ما هو إلا أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر). (الطبري:2/459).
    فكانت بداية الصدام مع المعارضين ، وبما أن علياً عليه السلام لايريد فتح معركة أعلن ختم المناقشات كلياً. ففرح زعماء البطون وتنفسوا الصعداء !
  2. لخالد بن سعيد بن العاص رضي الله عنه هيبة خاصة بين الصحابة ، لشخصيته المميزة ، وموقع أبيه سعيد المعروف بأبي أحيحة ، وكان من رؤساء بني أمية وأثريائهم. وقد أسلم خالد في شبابه وتحمل غضب أبيه وتعذيبه وهاجر إلى الحبشة ، وكانت له مكانة عند النبي صلى الله عليه وآله كما كان من خاصة شيعة علي عليه السلام . وهوقائد شجاع شارك في حروب النبي صلى الله عليه وآله وفي فتح اليمن ، وهو الذي قاد معركة أجنادين ففتح فلسطين وما بعدها إلى اليرموك.
    ولهذا يخاف عمر منه ، وسكت أمام سبه وتوبيخه! وقد ترجمنا له في كتابنا: قراءة جديدة في الفتوحات الإسلامية ( 2 / 389).
  3. لا يتسع المجال لشرح حججهم على أبي‌بكر، لكنها جميعاً قوية بليغة مفحمة ، والواحدة منها تكفي لإثبات خلافة أمير المؤمنين عليه السلام وأن بيعة غيره كانت خلسة وفلتة ، كما وصفها عمر برواية البخاري ، ولا حجة لهم فيها إلا عداوة بطون قريش لبني هاشم ، وقد شكلوا ميليشيا الطلقاء.
  4. يدل قولهم: (ولقد هممنا أن نصير إليه فننزله عن منبر رسول الله صلى الله عليه وآله فجئناك لنستشيرك ونستطلع رأيك فما تأمرنا؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام : وأيم الله لو فعلتم ذلك لما كنتم لهم إلا حرباً ، ولكنكم كالملح في الزاد وكالكحل في العين ، وأيم الله لو فعلتم ذلك لأتيتموني شاهرين بأسيافكم مستعدين للحرب والقتال ، وإذاً لأتوني فقالوا لي: بايع وإلا قتلناك فلا بد لي من أدفع القوم عن نفسي. يدل هذا على أن أهل السقيفة جمعوا قوة من الطلقاء وأعراب بني أسلم للقتال ، وأنهم قرروا إجبار علي عليه السلام على البيعة ، فكان عمر يكرر: لسنا على شئ حتى يبايع علي ! وكان علي عليه السلام يرى أن حربهم بعدد قليل ينجر إلى إبادة العترة عليهم السلام أو إعلان قريش والعرب الردة ، فيكون الخاسرالإسلام ! لذلك كان موقفه عليه السلام مقاومتهم بالحجة ، إلا إذا توفر له أربعون مقاتلاً مضحياً ، فإنهم يستطيعون تحقيق نصرعلى الطلقاء وبني أسلم.
  • *

أدانت أم سلمة أهل السقيفة

روى سليم بن قيس في كتابه/389 ، عن البراء بن عازب في إجبارهم علياً عليه السلام على البيعة: (فقام عمر فقال لأبي بكر: ما يجلسك فوق المنبر وهذا جالس محارب ، لا يقوم فيبايعك أو تأمر به فنضرب عنقه ، والحسن والحسين قائمان ، فلما سمعا مقالة عمر بكيا ، فضمهما عليه السلام إلى صدره فقال: لا تبكيا ، فوالله ما يقدران على قتل أبيكما. وأقبلت أم أيمن حاضنة رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: يا أبا بكر ، ما أسرع ما أبديتم حسدكم ونفاقكم ! فأمر بها عمر فأخرجت من المسجد وقال: ما لنا وللنساء. وقام بريدة الأسلمي وقال: أتثبُ يا عمر على أخي رسول الله وأبي ولده وأنت الذي نعرفك في قريش بما نعرفك؟ ألستما قال لكما رسول الله: انطلقا إلى علي وسلما عليه بإمرة المؤمنين؟ فقلتما: أعن أمر الله وأمر رسوله ؟ قال: نعم. فقال أبو بكر: قد كان ذلك ولكن رسول الله قال بعد ذلك: لا يجتمع لأهل بيتي النبوة والخلافة. فقال: والله ما قال هذا رسول الله ، والله لاسكنت في بلدة أنت فيها أمير، فأمر به عمر فضرب وطرد)!

خطبة سلمان في اليوم الثالث لوفاة النبي صلى الله عليه وآله

في الإحتجاج(1/151) عن الإمام الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: (خطب الناس سلمان الفارسي رضي الله عنه ، خطبة بعد أن دفن النبي صلى الله عليه وآله بثلاثة أيام فقال فيها:
ألا يا أيها الناس: إسمعوا عني حديثي ثم اعقلوه عني، ألا وإني أوتيت علماً كثيراً ، فلو حدثتكم بكل ما أعلم من فضايل أمير المؤمنين عليه السلام لقالت طائفة منكم هو مجنون ، وقالت طائفة أخرى اللهم اغفر لقاتل سلمان ! ألا إن لكم منايا تتبعها بلايا ، ألا وإن عند علي عليه السلام علم المنايا والبلايا وميراث الوصايا ، وفصل الخطاب ، وأصل الأنساب ، على منهاج هارون بن عمران من موسى إذ يقول له رسول الله صلى الله عليه وآله :أنت وصيي في أهل بيتي، وخليفتي في أمتي وأنت مني بمنزلة هارون من موسى ! ولكنكم أخذتم سنة بني إسرائيل فأخطأتم الحق ، فأنتم تعلمون ولا تعلمون ! أما والله لتركبن طبقاً عن طبق ، حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة !
أما والذي نفس سلمان بيده لو وليتموها علياً لأكلتم من فوقكم ومن تحت أقدامكم ، ولو دعوتم الطيرلأجابتكم في جو السماء ، ولو دعوتم الحيتان من البحار لأتتكم ، ولما عال ولي الله ، ولا طاش لكم سهم من فرائض الله ، ولا اختلف اثنان في حكم الله. ولكن أبيتم فوليتموها غيره فأبشروا بالبلايا ، واقنطوا من الرخاء ، وقد نابذتكم على سواء ، فانقطعت العصمة فيما بيني وبينكم من الولاء !
عليكم بآل محمد فإنهم القادة إلى الجنة والدعاة إليها يوم القيامة. عليكم بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فوالله لقد سلمنا عليه بالولاية وإمرة المؤمنين مراراً جمة مع نبينا ، كل ذلك يأمرنا به ويؤكده علينا ! فما بال القوم عرفوا فضله فحسدوه ، وقد حسد هابيل قابيل فقتله ، وكفاراً قد ارتدت أمة موسى بن عمران ، فأمر هذه الأمة كأمر بني إسرائيل ، فأين يذهب بكم !
أيها الناس: ويحكم ما لنا وأبو فلان وفلان! أجهلتم أم تجاهلتم؟ أم حسدتم أم تحاسدتم؟ والله لترتدن كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف ، يشهد الشاهد على الناجي بالهلكة ، ويشهد الشاهد على الكافر بالنجاة !
ألا وإني أظهرت أمري وسلمت لنبيي صلى الله عليه وآله ، واتبعت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة علياً أمير المؤمنين ، وسيد الوصيين ، وقائد الغر المحجلين ، وإمام الصديقين ، والشهداء والصالحين).
ورواها الكشي (1/75) بصيغة أطول ، وفيها: (الحمد لله الذي هداني لدينه بعد جحودي له: إذ أنا مذكٍ لنار الكفرأهلُّ لها نصيباً وأثبت لها رزقاً ، حتى ألقى الله عز وجل في قلبي حب تهامة فخرجت جائعاً ظمآناً ، قد طردني قومي وأخرجت من مالي ولا حمولة تحملني ، ولا متاع يجهزني ولا مال يقويني، وكان من شأني ما قد كان حتى أتيت محمداً صلى الله عليه وآله فعرفت من العرفان ما كنت أعلمه ورأيت من العلامة ما أخبرت بها ، فأنقذني به من النار، فبنت من الدنيا على المعرفة التي دخلت عليها في الإسلام.
ألا أيها الناس: إسمعوا من حديثي ثم اعقلوا عني ، فقد أوتيت من العلم كثيراً ، ولو أخبرتكم بكل ما أعلم لقالت طائفة: مجنون ، وقالت طائفة أخرى: اللهم اغفر لقاتل سلمان. ألا إن لكم منايا تتبعها بلايا ، فإن عند علي علم المنايا وعلم الوصايا وفصل الخطاب ، على منهاج هارون بن عمران.
قال له رسول الله صلى الله عليه وآله : أنت وصيتي وخلفيتي في أهلي ، بمنزلة هارون من موسى ، ولكنكم أصبتم سنة الأول وأخطأتم سبيلكم ، والذي نفس سلمان بيده لتركبن طبقا عن طبق ، سنة بني إسرائيل القذة بالقذة.
أما والله لو وليتموها علياً لأكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم ، فأبشروا بالبلاء واقنطوا من الرخاء، وقد نابذتكم على سواء ،وانقطعت العصمة فيما بيني وبينكم من الولاء.
أما والله لو أني أدفع ضيماً أو أعز لله ديناً لوضعت سيفي على عاتقي ، ثم لضربت به قدماً قدماً.ألا إني أحدثكم بما تعلمون ومالا تعلمون ، فخذوها من سنة السبعين بما فيها ! ألا إن لبني أمية في بني هاشم نطحات! ألا إن بني أمية كالناقة الضروس، تعض بفيها وتخبط بيديها وتضرب برجلها وتمنع درها. فعليكم بآل محمد صلى الله عليه وآله فإنهم القادة إلى الجنة ، والدعاة إليها إلى يوم القيامة ، وعليكم بعلي فوالله لقد سلمنا عليه بالولاء مع نبينا ، فما بال القوم حسدوه ! قد حسد قابيل هابيل ، أو كفروا ، فقد ارتد قوم موسى عن الأسباط ويوشع وشمعون وابني هارون شبر وشبير ، فأين يذهب بكم !
ما أنا وأبو فلان وفلان ! ويحكم والله ما أدري أتجهلون أم تتجاهلون أم نسيتم أم تتناسون ! أنزلوا آل محمد منكم منزلة الرأس من الجسد بل منزلة العينين من الرأس ، والله لترجعن كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف يشهد الشاهد على الناجي بالهلكة ، ويشهد الناجي على الكافر بالنجاة).

خطبة أمير المؤمنين عليه السلام في اليوم السابع

خطب أمير المؤمنين عليه السلام في اليوم السابع لوفاة النبي صلى الله عليه وآله خطبة بليغة عرفت باسم خطبة الوسيلة ، لأنه أفاض فيها عما أعطاه الله لرسوله وأهل بيته صلى الله عليه وآله من درجة الوسيلة والكرامة في الجنة ، وجعلهم شفعاء المحشر، وجعل أعداءهم مقموحين. وذكر في آخرها عدوان أهل السقيفة وأنهم يتخيلون أنهم انتصروا، وإنما حصلوا على أيام حكم قصيرة وسيلاقون قريباً جزاءهم !
ففي الصحيح في الكافي(8/18)عن جابر بن يزيد الجعفي قال: (دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقلت: يا ابن رسول الله قد أرمضني اختلاف الشيعة في مذاهبها فقال: ياجابر ألم أَقِفْكَ على معنى اختلافهم من أين اختلفوا ، ومن أي جهة تفرقوا ؟ قلت: بلى يا ابن رسول الله قال: فلا تختلف إذا اختلفوا.
يا جابر إن الجاحد لصاحب الزمان كالجاحد لرسول الله صلى الله عليه وآله في أيامه ، يا جابر إسمع وعِ ، قلت: إذا شئتَ قال: إسمع وعِ وبلغ حيث انتهت بك راحلتك: إن أمير المؤمنين عليه السلام خطب الناس بالمدينة بعد سبعة أيام من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وذلك حين فرغ من جمع القرآن وتأليفه.
( أرمضني أي:جعلني كالمتقلب على جمر. إذا شئتَ: أي إن أردت أنت أن أسمع وأعي ودعوت لي).
فقال عليه السلام : الحمد لله الذي منع الأوهام أن تنال إلا وجوده ، وحجب العقول أن تتخيل ذاته ، لامتناعها من الشبه والتشاكل ، بل هو الذي لا يتفاوت في ذاته ، ولايتبعض بتجزئة العدد في كماله ، فارق الأشياء لا على اختلاف الأماكن ، ويكون فيها لا على وجه الممازجة ، وعلمها لا بأداة  لا يكون العلم إلا بها وليس بينه وبين معلومه علم غيره به ، كان عالماً بمعلومه.
إن قيل كان ، فعلى تأويل أزلية الوجود ، وإن قيل لم يزل ، فعلى تأويل نفي العدم ، فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه ، واتخذ إلها غيره علواً كبيراً.
نحمده بالحمد الذي ارتضاه من خلقه ، وأوجب قبوله على نفسه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، شهادتان ترفعان القول وتضاعفان العمل، خف ميزان ترفعان منه وثقل ميزان توضعان فيه،وبهما الفوز بالجنة والنجاة من النار، والجواز على الصراط. وبالشهادة تدخلون الجنة ، وبالصلاة تنالون الرحمة. أكثروا من الصلاة على نبيكم:إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
أيها الناس: إنه لا شرف أعلى من الإسلام ، ولا كرم أعز من التقوى ، ولا معقل أحرز من الورع ، ولا شفيع أنجح من التوبة ، ولا لباس أجمل من العافية ، ولا وقاية أمنع من السلامة ، ولا مال أذهب بالفاقة من الرضا بالقناعة ، ولا كنز أغنى من القنوع ، ومن اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة ، وتبوأ خفض الدعة ، والرغبة مفتاح التعب ، والإحتكار مطية النصب، والحسد آفة الدين ، والحرص داع إلى التقحم في الذنوب ، وهو داعي الحرمان ، والبغي سائق إلى الحين ، والشره جامع لمساوي العيوب ، رب طمع خائب ، وأمل كاذب ، ورجاء يؤدي إلى الحرمان ، وتجارة تؤول إلى الخسران ، ألا ومن تورط في الأمور غير ناظر في العواقب ، فقد تعرض لمفضحات النوائب ، وبئست القلادة قلادة الذنب للمؤمن.
أيها الناس: إنه لا كنز أنفع من العلم ، ولا عز أرفع من الحلم ، ولا حسب أبلغ من الأدب ، ولا نصب أوضع من الغضب ، ولا جمال أزين من العقل ، ولا سوءة أسوأ من الكذب ، ولا حافظ أحفظ من الصمت ، ولا غائب أقرب من الموت.
أيها الناس: إنه من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره ، ومن رضي برزق الله لم يأسف على ما في يد غيره ، ومن سل سيف البغي قُتل به ، ومن حفر لأخيه بئراً وقع فيها ، ومن هتك حجاب غيره انكشف عورات بيته ، ومن نسي زلـله استعظم زلل غيره ، ومن أُعجب برأيه ضل ، ومن استغنى بعقله زل ، ومن تكبر على الناس ذل ، ومن سفه على الناس شتم ، ومن خالط الأنذال حُقِّر ، ومن حمل ما لا يطيق عجز.
أيها الناس: إنه لا مال أعود من العقل ، ولا فقر أشد من الجهل ، ولا واعظ أبلغ من النصح ، ولا عقل كالتدبير ، ولا عبادة كالتفكر ، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة ، ولا وحشة أشد من العجب ، ولا ورع كالكف عن المحارم ، ولا حلم كالصبر والصمت.
أيها الناس: في الإنسان عشر خصال يظهرها لسانه: شاهد يخبر عن الضمير ، حاكم يفصل بين الخطاب ، وناطق يرد به الجواب ، وشافع يدرك به الحاجة ، وواصف يعرف به الأشياء ، وأمير يأمر بالحسن ، وواعظ ينهى عن القبيح ، ومعز تسكن به الأحزان ، وحاضر تجلى به الضغائن ، ومونق تلتذ به الأسماع.
أيها الناس: إنه لا خير في الصمت عن الحكم، كما أنه لا خير في القول بالجهل.
واعلموا أيها الناس إنه من لم يملك لسانه يندم ، ومن لا يعلم يجهل ، ومن لا يتحلم لا يحلم ومن لا يرتدع لا يعقل ، ومن لا يعقل يهن ، ومن يهن لا يوقر ، ومن لا يوقر يتوبخ ، ومن يكتسب مالاً من غير حقه يصرفه في غير أجره ، ومن لا يدع وهو محمود يدع وهو مذموم ، ومن لم يعط قاعداً منع قائماً ، ومن يطلب العز بغير حق يذل ، ومن يغلب بالجور يُغلب ، ومن عاند الحق لزمه الوهن ، ومن تفقه وقر ، ومن تكبر حُقر ، ومن لا يحسن لا يحمد.
أيها الناس: إن المنية قبل الدنية ، والتجلد قبل التبلد ، والحساب قبل العقاب، والقبر خير من الفقر ، وغض البصر خير من كثير من النظر ، والدهر يوم لك ويوم عليك ، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر ، فبكليهما تمتحن.
أيها الناس: أعجب ما في الإنسان قلبه ، وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها ، فإن سنح له الرجاء أذله الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص ، وإن ملكه اليأس قتله الأسف ، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ ، وإن أسعد بالرضا نسي التحفظ ، وإن ناله الخوف شغله الحذر ، وإن اتسع له الأمن استلبته الغرَّة ، وإن جددت له نعمة أخذته العزة ، وإن أفاد مالاً أطغاه الغنى ، وإن عضته فاقة شغله البلاء ، وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع ، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف ، وإن أفرط في الشبع كظته البطنة !
فكل تقصير به مضر ، وكل إفراط له مفسد.
أيها الناس: إنه من فل ذل ، ومن جاد ساد ، ومن كثر ماله رأس ومن كثر حلمه نبل ، ومن فكر في ذات الله تزندق ، ومن أكثر من شئ عرف به ، ومن كثر مزاحه استُخف به ، ومن كثر ضحكه ذهبت هيبته ، فسد حسب من ليس له أدب ، إن أفضل الفعال صيانة العرض بالمال ، ليس من جالس الجاهل بذي معقول ، من جالس الجاهل فليستعد لقيل وقال ، لن ينجو من الموت غني بماله ، ولا فقير لإقلاله.
أيها الناس: لو أن الموت يُشترى لاشتراه من أهل الدنيا الكريم الأبلج ، واللئيم المُلهج.
أيها الناس: إن للقلوب شواهد تجري الأنفس عن مدرجة أهل التفريط ، وفطنة الفهم للمواعظ ما يدعو النفس إلى الحذر من الخطر ، وللقلوب خواطر للهوى ، والعقول تزجر وتنهى ، وفي التجارب علم مستأنف ، والإعتبار يقود إلى الرشاد ، وكفاك أدباً لنفسك اجتناب ما تكرهه لغيرك ، وعليك لأخيك المؤمن مثل الذي لك عليه ، لقد خاطر من استغنى برأيه ، والتدبر قبل العمل ، فإنه يؤمنك من الندم ، ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ ، ومن أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول ، ومن حصن شهوته فقد صان قدره ، ومن أمسك لسانه أمنه قومه ونال حاجته ، وفي تقلب الأحوال علم جواهر الرجال ، والأيام توضح لك السرائر الكامنة ، وليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة ، ومن عرف بالحكمة لحظته العيون بالوقار والهيبة ، وأشرف الغنى ترك المنى ، والصبر جنة من الفاقة ، والحرص علامة الفقر ، والبخل جلباب المسكنة ، والمودة قرابة مستفادة ، ووصول معدم خير من جاف مكثر ، والموعظة كهف لمن وعاها ، ومن أطلق طرفه كثر أسفه ، وقد أوجب الدهر شكره على من نال سؤله ، وقل ما ينصفك اللسان في نشر قبيح أو إحسان، ومن ضاق خلقه مله أهله ، ومن نال
استطال ، وقل ما تصدقك الأمنية ، والتواضع يكسوك المهابة ، وفي سعة الأخلاق كنوز الأرزاق ، كم من عاكف على ذنبه في آخر أيام عمره ، ومن كساه الحياء ثوبه خفي على الناس عيبه ، وانحُ القصد من القول فإن من تحرى القصد خفت عليه المؤون ، وفي خلاف النفس رشدك.
من عرف الأيام لم يغفل عن الإستعداد ، ألا وإن مع كل جرعة شرَقاً وإن في كل أكلة غُصصاً ، لا تنال نعمة إلا بزوال أخرى ، ولكل ذي رمق قوت ، ولكل حبة آكل ، وأنت قوت الموت.
إعلموا أيها الناس: أنه من مشى على وجه الأرض فإنه يصير إلى بطنها ، والليل والنهار يتسارعان في هدم الأعمار.
يا أيها الناس: كفر النعمة لؤم ، وصحبة الجاهل شؤم ، إن من الكرم لين الكلام ، ومن العبادة إظهار اللسان وإفشاء السلام ، إياك والخديعة فإنها من خلق اللئيم ، ليس كل طالب يصيب ولا كل غائب يؤوب ، لا ترغب فيمن زهد فيك ، رب بعيد هو أقرب من قريب ، سل عن الرفيق قبل الطريق ، وعن الجار قبل الدار ، ألا ومن أسرع في المسير أدركه المقيل ، استر عورة أخيك كما تعلمها فيك ، اغتفر زلة صديقك ليوم يركبك عدوك. من غضب على من لا يقدر على ضره طال حزنه وعذب نفسه ، من خاف ربه كف ظلمه ومن لم يزغ في كلامه أظهر فخره ، ومن لم يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهيمة ، إن من الفساد إضاعة الزاد ، ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غداً ، هيهات هيهات ، وما تناكرتم إلا لما فيكم من المعاصي والذنوب ، فما أقرب الراحة من التعب ، والبؤس من النعيم ، وما شر بشر بعده الجنة ، وما خير بخير بعده النار ، وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية ، وعند تصحيح الضمائر تبدو الكبائر ، تصفية العمل أشد من العمل ، وتخليص النية من الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد ، هيهات لولا التقى لكنت أدهى العرب.
أيها الناس: إن الله تعالى وعد نبيه محمداً صلى الله عليه وآله الوسيلة ووعْده الحق ولن يخلف الله وعده ، ألا وإن الوسيلة أعلى درج الجنة ، وذروة ذوائب الزلفة ، ونهاية غاية الأمنية ، لها ألف مرقاة ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس الجواد مائة عام ، وهو ما بين مرقاة درة إلى مرقاة جوهرة ، إلى مرقاة زبرجدة ، إلى مرقاة لؤلؤة ، إلى مرقاة ياقوتة ، إلى مرقاة زمردة ، إلى مرقاة مرجانة ، إلى مرقاة كافور، إلى مرقاة عنبر ، إلى مرقاة يلنجوج ، إلى مرقاة ذهب ، إلى مرقاة غمام ، إلى مرقاة هواء ، إلى مرقاة نور ، قد أنافت على كل الجنان ورسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ قاعد عليها ، مرتد بريطتين ريطة من رحمة الله وريطة من نور الله ، عليه تاج النبوة وإكليل الرسالة ، قد أشرق بنوره الموقف ، وأنا يومئذ على الدرجة الرفيعة وهي دون درجته ، وعليَّ رِيطتان ريطة من أرجوان النور ، وريطة من كافور، والرسل والأنبياء قد وقفوا على المراقي، وأعلام الأزمنة وحجج الدهور (الأئمة عليهم السلام ) عن أيماننا وقد تجللهم حلل النور والكرامة ، لا يرانا ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا بهت بأنوارنا، وعجب من ضيائنا وجلالتنا.
وعن يمين الوسيلة ، عن يمين الرسول صلى الله عليه وآله غمامة بسطة البصر ، يأتي منها النداء: يا أهل الموقف طوبى لمن أحب الوصي، وآمن بالنبي الأمي العربي، ومن كفر فالنار موعده ، وعن يسار الوسيلة عن يسار الرسول صلى الله عليه وآله ظلة يأتي منها النداء: والذي له الملك الأعلى ، لا فاز أحد ولا نال الروح والجنة إلا من لقي خالقه بالإخلاص لهما ، والإقتداء بنجومهما ، فأيقنوا يا أهل ولاية الله ببياض وجوهكم ، وشرف مقعدكم ، وكرم مآبكم ، وبفوزكم اليوم على سرر متقابلين ، ويا أهل الإنحراف والصدود عن الله عز ذكره ورسوله ، وصراطه وأعلام الأزمنة،أيقنوا بسواد وجوهكم وغضب ربكم جزاءً بما كنتم تعملون، وما من رسول سلف ولا نبي مضى إلا وقد كان مخبراً أمته بالمرسل الوارد من بعده ، ومبشراً برسول الله وموصياً قومه باتباعه ، ومُجَلِّيهِ عند قومه ليعرفوه بصفته ، وليتبعوه على شريعته ، ولئلا يضلوا فيه من بعده فيكون من هلك وضل بعد وقوع الإعذار والإنذار عن بينة وتعيين حجة ، فكانت الأمم في رجاء من الرسل ، وورود من الأنبياء.
ولئن أصيبت بفقد نبي بعد نبي على عظم مصائبهم وفجائعها بهم ، فقد كانت على سعة من الأمل. ولامصيبة عظمت ولا رزية جلت كالمصيبة برسول الله لأن الله ختم به الإنذار والإعذار ، وقطع به الإحتجاج والعذر ، بينه وبين خلقه ، وجعله بابه الذي بينه وبين عباده ، ومهيمنه الذي لا يقبل إلا به ولا قربة إليه إلا بطاعته ، وقال في محكم كتابه: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا. فقرن طاعته بطاعته ومعصيته بمعصيته ، فكان ذلك دليلاً على ما فوض إليه ، وشاهداً له على من اتبعه وعصاه، وبين ذلك في غير موضع من الكتاب العظيم فقال تبارك وتعالى في التحريض على اتباعه والترغيب في تصديقه والقبول لدعوته: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ. فاتباعه صلى الله عليه وآله محبة الله ورضاه ، وغفران الذنوب، وكمال الفوز ، ووجوب الجنة ، وفي التولي عنه والإعراض محادة الله ، وغضبُه وسخطه ، والبعد منه مسكن النار ، وذلك قوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ، يعني الجحود به والعصيان له.
فإن الله تبارك اسمه امتحن بي عباده ، وقتل بيدي أضداده ، وأفنى بسيفي جحاده ، وجعلني زلفة للمؤمنين ، وحياض موت على الجبارين ، وسيفه على المجرمين ، وشد بي أزر رسوله صلى الله عليه وآله ، وأكرمني بنصره ، وشرفني بعلمه، وحباني بأحكامه ، واختصني بوصيته واصطفاني بخلافته في أمته ، فقال صلى الله عليه وآله وقد حشده المهاجرون والأنصار وانغصت بهم المحافل: أيها الناس إن علياً مني كهارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ، فعقل المؤمنون عن الله نطق الرسول ، إذ عرفوني أني لست بأخيه لأبيه وأمه كما كان هارون أخا موسى لأبيه وأمه ، ولا كنت نبياً فاقتضى نبوة ، ولكن كان ذلك منه استخلافاً لي كما استخلف موسى هارون عليهما السلام حيث يقول: وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ. وقوله صلى الله عليه وآله حين تكلمت طائفة فقالت: نحن موالي رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى حجة الوادع ، ثم صار إلى غدير خم ، فأمر فأُصلح له شبه المنبر ثم علاه ، وأخذ بعضدي حتى رئي بياض إبطيه ، رافعاً صوته قائلاً في محفله: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. فكانت على ولايتي ولاية الله وعلى عداوتي عداوة الله. وأنزل الله عز وجل في ذلك اليوم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا ، فكانت ولايتي كمال الدين ورضا الرب جل ذكره ، وأنزل الله تبارك وتعالى اختصاصاً لي وتكرماً نحلنيه وإعظاماً وتفضيلاً من رسول الله صلى الله عليه وآله مَنَحَنِيه ، وهو قوله تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى الله مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَأَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ. في مناقب لو ذكرتها لعظم بها الإرتفاع فطال لها الإستماع.
ولئن تقمصها دوني الأشقيان ، ونازعاني فيما ليس لهما بحق ، وركباها ضلالة، واعتقداها جهالة ، فلبئس ما عليه وردا ، ولبئس ما لأنفسهما مهدا ، يتلاعنان في دورهما ، ويتبرأ كل واحد منهما من صاحبه ، يقول لقرينه إذا التقيا: يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ. فيجيبه الأشقى على رثوثة: يا ليتني لم أتخذك خليلاً ، لقد أضللتني عن الذكر بعد إذ جاءني ، وكان الشيطان للإنسان خذولاً ، فأنا الذكر الذي عنه ضل ، والسبيل الذي عنه مال ، والإيمان الذي به كفر ، والقرآن الذي إياه هجر ، والدين الذي به كذب، والصراط الذي عنه نكب! ولئن رتعا في الحطام المنصرم، والغرور المنقطع ، وكانا منه على شفا حفرة من النار، لهما على شر ورود في أخيب وفود ، وألعن مورود ، يتصارخان باللعنة ويتناعقان بالحسرة ، مالهما من راحة ولا عن عذابهما من مندوحة !
إن القوم لم يزالوا عُبَّاد أصنام وسدَنة أوثان ، يقيمون لها المناسك وينصبون لها العتائر ، ويتخذون لها القربان ، ويجعلون لها البحيرة والوصيلة والسائبة والحام، ويستقسمون بالأزلام، عامِهِين عن الله عز ذكره ،جائرين عن الرشاد، مهطعين إلى البعاد ، قد استحوذ عليهم الشيطان ، وغمرتهم سوداء الجاهلية ، ورضعوها جهالة ، وانفطموها ضلالة ، فأخرجنا الله إليهم رحمة ، وأطلعنا عليهم رأفة ، وأسفر بنا عن الحجب نوراً لمن اقتبسه ، وفضلاً لمن اتبعه ، وتأييداً لمن صدقه ، فتبوؤوا العز بعد الذلة ، والكثرة بعد القلة ، وهابتهم القلوب والأبصار ، وأذعنت لهم الجبابرة وطوائفها ، وصاروا أهل نعمة مذكورة ، وكرامة ميسورة ، وأمن بعد خوف ، وجمع بعد كوف ، وأضاءت بنا مفاخر معد بن عدنان ، وأولجناهم باب الهدى ، وأدخلناهم دارالسلام، وأشملناهم ثوب الإيمان ، وفلجوا بنا في العالمين ، وأبدت لهم أيام الرسول آثار الصالحين ، من حام مجاهد ، ومصل قانت ، ومعتكف زاهد ، يظهرون الأمانة ، ويأتون المثابة.
حتى إذا دعا الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله ورفعه إليه ، لم يك ذلك بعده إلا كلمحة من خفقة ،أو وميض من برقة ، إلى أن رجعوا على الأعقاب، وانتكصوا على الأدبار ، وطلبوا بالأوتار ، وأظهروا الكتائب ، وردموا الباب وفلوا الديار ، وغيروا آثار رسول الله صلى الله عليه وآله ورغبوا عن أحكامه ، وبعدوا من أنواره ، واستبدلوا بمستخلفه بديلاً ، اتخذوه وكانوا ظالمين ، وزعموا أن من اختاروا من آل أبي قحافة أولى بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله ممن اختار رسول الله صلى الله عليه وآله لمقامه ، وأن مهاجر آل أبي قحافة خير من المهاجري الأنصاري الرباني ، ناموس هاشم بن عبد مناف. ألا وإن أول شهادة زور وقعت في الإسلام شهادتهم أن صاحبهم مستخلف رسول الله صلى الله عليه وآله  ، فلما كان من أمر سعد بن عبادة ما كان ، رجعوا عن ذلك وقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله مضى ولم يستخلف!
فكان رسول الله صلى الله عليه وآله الطيب المبارك أول مشهود عليه بالزور في الإسلام ! وعن قليل يجدون غب ما يعملون ، وسيجد التالون غِبَّ ما أسسه الأولون ، ولئن كانوا في مندوحة من المهل ، وشفاء من الأجل، وسعة من المنقلب ، واستدراج من الغرور، وسكون من الحال ، وإدراك من الأمل ، فقد أمهل الله عز وجل شداد بن عاد وثمود بن عبود ، وبلعم بن باعور، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة ، وأمدهم بالأموال والأعمار، وأتتهم الأرض ببركاتها ، ليذكروا آلاء الله، وليعرفوا الإهابة له ، والإنابة إليه ، ولينتهوا عن الإستكبار، فلما بلغوا المدة واستتموا الأكلة ، أخذهم الله عز وجل واصطلمهم ، فمنهم من حصب ، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من أحرقته الظلة ، ومنهم من أودته الرجفة ، ومنهم من أردته الخسفة، وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
ألا وإن لكل أجل كتاباً، فإذا بلغ الكتاب أجله ، لو كشف لك عما هَوَى إليه الظالمون ، وآل إليه الأخسرون ، لهربت إلى الله عز وجل مم