سيرة أميرالمؤمنين عليه السلام - ج 4

--------------------------- الغلاف 1 ---------------------------
سلسلة جواهر التاريخ
سيرة أمير المؤمنين عليهم السلام
نقل العاصمة إلى الكوفة وحرب صفين
علي الكوراني العاملي
المجلد الرابع
طبعة مزيدة ومنقحة
--------------------------- 1 ---------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
--------------------------- 2 ---------------------------
.
--------------------------- 3 ---------------------------
سيرة أمير المؤمنين عليهم السلام
علي الكوراني العاملي
المجلد الرابع
الطبعة الأولى
1440 - 2018
دار المعروف
--------------------------- 4 ---------------------------
سرشناسه ، كورانى ، على ، 1944 - م . / Kurani . Ali
عنوان ونام پديدآور : سيرة أمير المؤمنين ( ع ) / على الكوراني العاملي .
مشخصات نشر : قم : دار النشر المعروف ، 1438 ق = 2017 م . = 1396 -
مشخصات ظاهري : ج .
شابك : ج . 4 9786008916147
وضعيت فهرست نويسى : فيپا
يادداشت : عربى .
مندرجات : ج . 4 . نقل العاصمة إلى الكوفة وحرب صفين
موضوع : علي بن أبى طالب ( ع ) ، امام أول ، 23 قبل از هجرت - 40 ق . - سرگذشتنامه
موضوع : 600 - 661 Ali ibn abi - Talib , Imam I
رده بندى كنگره : 1396 9 س 85 ك / 37 BP
رده بندى ديويى : 951 / 297
شماره كتابشناسى ملى : 4992656
سيرة أمير المؤمنين عليه السلام
نقل العاصمة إلى الكوفة وحرب صفين
المؤلف : علي الكوراني
الناشر : دار المعروف ، قم المقدسة .
الطبعة : الأولى .
تاريخ النشر : ربيع الأول 1440 ه‍ ق - 2018 Nov
المطبعة : باقرى - قم المقدسة .
عدد المطبوع : 2000 نسخة .
شابك : 7 - 14 - 8916 - 600 - 978
دار المعروف
للطباعة والنشر
مركز النشر والتوزيع :
إيران - قم المقدسة - شارع مصلى القدس - رقم الدار : 682 . ص - ب : 158 - 37156 تلفون : 2532926175 ( 0 ) 0098
جميع الحقوق محفوظة ومسجلة للمؤلف
www . maroof . org
Email : nashremaroof @ gmail . com
--------------------------- 5 ---------------------------

الفصل الثامن والستون: الكوفة مدينة عريقة جددها المسلمون

زعمت السلطة أنها مَصَّرَت الكوفة

فقد ادعت مصادر الحديث والتاريخ الرسمي ، أن سعد بن أبي وقاص مصَّرالكوفة وأسكنها المسلمين ، وأن ذلك كان بتوجيه عمر بن الخطاب .
ففي فتوح البلاذري ( 2 / 338 ) : ( أن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص يأمره أن يتخذ للمسلمين دار هجرة ، وأن لا يجعل بينه وبينهم بحراً . فأتى الأنبار وأراد أن يتخذها منزلاً ، فكثر على الناس الذباب ، فتحول إلى موضع آخر فلم يصلح ، فتحول إلى الكوفة فاختطها وأقطع الناس المنازل ، وأنزل القبائل منازلهم وبنى مسجدها . وذلك في سنة سبع عشرة ) .
والصحيح أن الذي اختار مكان الكوفة حذيفة وسلمان ، بتوجيه النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) . قال الكلاعي ( 2 / 534 ) : ( فكتب إليه عمر : إن العرب لا يوافقها إلا ما وافق إبلها من البلدان ، فابعث سلمان رائداً وحذيفة ، وكانا رائدي الجيش ، فليرتادا ) .
وقال الطبري ( 3 / 145 ) : فخرج سلمان حتى أتى الأنبار فسار في غربي الفرات لا يرضى شيئاً حتى أتى الكوفة . وخرج حذيفة في شرقي الفرات لا يرضى شيئاً حتى أتى الكوفة ، والكوفة على حصباء . وكل رملة حمراء يقال لها سهلة ، وكل حصباء ورمل هكذا مختلطين فهو كوفة ، فأتيا عليها وفيها ديرات ثلاثة : دير حرقة ، ودير أم عمرو ، ودير سلسلة ، وخصاص خلال ذلك ، فأعجبتهما البقعة فنزلا فصليا وقال كل واحد منهما : اللهم رب السماء وما أظلت ورب الأرض وما أقلت ، والريح وما ذرَت والنجوم وما هوَت ، والبحار وما جرت ، والشياطين وما أضلت ، والخصاص وما أجنت ، بارك لنا في هذه الكوفة واجعلها منزل ثبات . وكتبا إلى سعد بالخبر » .
--------------------------- 6 ---------------------------
أقول : هذه النصوص تدل على أن الكوفة تمصرت في زمن عمر باختيار سلمان ( رضي الله عنه ) ، وأنه كان يعرف تاريخها ومستقبلها ، وكانت معمورة نسبياً ! وكان تمصيرها بتوجيه النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وعلي ( عليه السلام ) ، لكنهم ينسبون كل فضيلة إلى حكامهم ، ويبعدونها عن أهل البيت ( عليهم السلام ) !
وقد ذكروا في صلح خالد مع أهل بانقيا مع القسيس صلوبا في عهد أبي بكر ، ومن ضمنها الكوفة ، فقالوا إنها كانت معمورة ، وأكثر أهلها نصارى .
قال الطبري ( 2 / 551 ) : « فمضى خالد يريد العراق حتى نزل بقريات من السواد يقال لها بانقيا وباروسما وألِّيس فصالحه أهلها . وكان الذي صالحه عليها ابن صلوبا ، وذلك في سنة اثنتي عشرة ) .
فكانت الكوفة قرى وأديرة ، وفيها قصر للأكاسرة ، وآثار مسجد نوح ( عليه السلام ) .
وروى البلاذري ( 2 / 354 ) عن سلمان قوله : « الكوفة قبة الإسلام ، يأتي على الناس زمان لا يبقى مؤمن إلا وهو بها ، أو يهوي قلبه إليها » .
فتحدث عن مستقبلها ، بما سمعه من النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وعلي ( عليه السلام ) .
وروى ابن عساكر ( 37 / 15 ) : « عن عبد الملك بن أبي ذر الغفاري ، قال : أمرني أبي بصحبة سلمان الفارسي ، فصحبته إلى الشام فرابطنا بها ، حتى إذا انقضى رباطنا أقبلنا نريد الكوفة ، فلما أتينا إلى النجف قال لي سلمان : أهي هي ؟ قال : قلت لا ، وكانت أبيات الحيرة . قال : فسرنا حتى بدت لنا أبيات الكوفة فقال لي : أهي هي ؟ قال : قلت نعم . قال : واهاً لك أرض البلية وأرض التقية ! والذي نفس سلمان بيده إني لأعلم أن لك زماناً لا يبقى تحت أديم السماء مؤمن إلا وهو فيك أو يحن إليك .
والذي نفس سلمان بيده كأني أنظر إلى البلاء يصب عليك صباً ، ثم يكشفه عنك قاصم الجبارين . والذي نفس سلمان بيده ما أعلم أنه تحت أديم السماء أبيات يدفع الله عنها من البلاء والحزن إلا دون ما يدفع عنك ، إلا أبياتاً أحاطت ببيت الله الحرام أو بقبر نبيه ( عليه السلام ) . والذي نفس سلمان بيده كأني أنظر إلى المهدي قد خرج منك في اثني عشر ألف عنان ، لا يرفع له راية إلا أكبها الله لوجهها ، حتى يفتح مدينة القسطنطينية » .
--------------------------- 7 ---------------------------
وقصده بالقسطنطينية عاصمة الروم . وفي بعض الروايات أنه يفتح بلاد الروم ، فطبق الراوي كلام سلمان على القسطنطينية .

قال أهل البيت ( عليهم السلام ) إن الكوفة من زمن آدم ونوح ( ( صلى الله عليه وآله ) )

فقد روينا بسند صحيح أن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) قال : « عُرِجَ بي إلى السماء ، وإني هبطت إلى الأرض فأهبطت إلى مسجد أبي نوح ( عليه السلام ) وأبي إبراهيم وهو مسجد الكوفة ، فصليت فيه ركعتين » . ( كامل الزيارات / 78 ) .
وفي الكافي ( 8 / 279 ) : « عن المفضل بن عمر ، قال : كنت عند أبي عبد الله ( عليه السلام ) بالكوفة أيام قدم على أبي العباس ( السفاح ) فلما انتهينا إلى الكناسة قال : هاهنا صلب عمي زيد ( رحمه الله ) ثم مضى حتى انتهى إلى طاق الزياتين وهو آخر السراجين ، فنزل وقال : إنزل فإن هذا الموضع كان مسجد الكوفة الأول ، الذي خطه آدم ( عليه السلام ) وأنا أكره أن أدخله راكباً . قال قلت : فمن غيَّره عن خطته ؟ قال : أما أول ذلك الطوفان في زمن نوح ( عليه السلام ) ، ثم غيره أصحاب كسرى ونعمان ، ثم غيَّره بعد زياد بن أبي سفيان . فقلت : وكانت الكوفة ومسجدها في زمن نوح ( عليه السلام ) ؟ فقال لي : نعم يا مفضل ، وكان منزل نوح وقومه في قرية على منزل من الفرات ، مما يلي غربي الكوفة . قال : وكان نوح رجلاً نجاراً فجعله الله عز وجل نبياً وانتجبه ، ونوح أول من عمل سفينة تجري على ظهر الماء . قال : ولبث نوح ( عليه السلام ) في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله عز وجل فيهزؤون به ويسخرون منه ، فلما رأى ذلك منهم دعا عليهم فقال : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا . إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّاراً . فأوحى الله عز وجل إلى نوح أن اصنع سفينة وأوسعها ، وعجل عملها فعمل نوح سفينة في مسجد الكوفة بيده ، فأتى بالخشب من بُعد حتى فرغ منها .
قال المفضل : ثم انقطع حديث أبي عبد الله ( عليه السلام ) عند زوال الشمس فقام فصلى الظهر والعصر ، ثم انصرف من المسجد ، فالتفت عن يساره وأشار بيده إلى موضع دار الداريين ، وهو موضع دار ابن حكيم ، وذاك فرات اليوم ، فقال لي :
--------------------------- 8 ---------------------------
يا مفضل ، هاهنا نصبت أصنام قوم نوح ( عليه السلام ) : يغوث ويعوق ونسراً . ثم مضى حتى ركب دابته فقلت : جعلت فداك في كم عمل نوح سفينته حتى فرغ منها ؟ قال : في دورين ، قلت : وكم الدورين ؟ قال : ثمانين سنة . قلت : وإن العامة يقولون : عملها في خمس مائة عام ، فقال : كلا كيف والله يقول : وَوَحْيِنَا ! قال قلت : فأخبرني عن قول الله عز وجل : حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ، فأين كان موضعه وكيف كان ؟ فقال : التنور في بيت عجوز مؤمنة في دبر قبلة ميمنة المسجد . فقلت له : فإن ذلك موضع زاوية باب الفيل اليوم . ثم قلت له : وكان بدء خروج الماء من ذلك التنور ؟ فقال : نعم إن الله عز وجل أحب أن يرى قوم نوح آية ، ثم إن الله تبارك وتعالى أرسل عليهم المطر يفيض فيضاً ، وفاض الفرات فيضاً ، والعيون كلهن فيضاً ، فغرقهم الله عز ذكره ، وأنجى نوحاً ومن معه في السفينة . فقلت له : كم لبث نوح في السفينة حتى نضب الماء وخرجوا منها ؟ فقال : لبثوا فيها سبعة أيام ولياليها ، وطافت بالبيت أسبوعاً ، ثم استوت على الجودي ، وهو فرات الكوفة .
فقلت له : إن مسجد الكوفة قديم ؟ فقال : نعم ، وهو مصلى الأنبياء ( عليهم السلام ) ولقد صلى فيه رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) حين أسري به إلى السماء ، فقال له جبرئيل : يا محمد هذا مسجد أبيك آدم ومصلى الأنبياء ( عليهم السلام ) ، فانزل فصل فيه ، فنزل فصلى فيه . ثم إن جبرئيل عرج به إلى السماء » . يعني بعد إكمال الإسراء به .
وفي رواية تفسير القمي ( 2 / 3 ) أن جبرئيل ( عليه السلام ) أنزل النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) في المدينة ، فصلى فيها وأخبره أنها مهاجره ، وصلى في طور سيناء ، وبيت لحم أيضاً .

واستفاضت أحاديثنا في فضل الكوفة

فقد عقد الشيخ الطوسي في التهذيب ( 6 / 31 ) : باب فضل الكوفة والمواضع التي يستحب فيها الصلاة . وأورد فيه ستاً وعشرين حديثاً .
منها : عن أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) : ( قلت له : أي البقاع أفضل بعد حرم الله وحرم رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ؟ فقال : الكوفة يا أبا بكر ، هي الزكية الطاهرة ، فيها قبور النبيين المرسلين وغير المرسلين ، والأوصياء الصادقين ، وفيها مسجد سهيل الذي لم
--------------------------- 9 ---------------------------
يبعث الله نبياً إلا وقد صلى فيه ، وفيها يظهرعدل الله ، وفيها يكون قائمه والقُوَّامُ من بعده ، وهي منازل النبيين والأوصياء والصالحين ) .
فهي ثالث الحرمين ، وسماها الإمام الصادق ( عليه السلام ) حرماً ، قال : ( مكة حرم الله وحرم رسوله ( ( عليهما السلام ) ) وحرم علي بن أبي طالب ، الصلاة فيها بمائة ألف صلاة ، والدرهم فيها بمائة ألف درهم . والمدينة حرم الله وحرم رسوله ( ( عليهما السلام ) ) وحرم علي بن أبي طالب ، الصلاة فيها بعشرة آلاف صلاة ، والدرهم فيها بعشرة آلاف درهم ، والكوفة حرم الله تعالى وحرم رسوله ( ( عليهما السلام ) ) وحرم علي بن أبي طالب ، الصلاة فيها بألف صلاة ، والدرهم فيها بألف درهم ) .
ومعنى : الدرهم فيها بألف : ثواب ما تنفقه فيها ، أو بركة ما تربحه فيها .
وروى الطوسي أن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) جاء من المدينة ليصلي في مسجد الكوفة ، وعن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنه قال : ( صلى فيه ألف نبي وألف وصي ) .
وعن الإمام الباقر ( عليه السلام ) : ( لو يعلم الناس ما في مسجد الكوفة لأعدوا له الزاد والرواحل من مكان بعيد ، إن صلاة فريضة فيه تعدل حجة ، وصلاة نافلة
تعدل عمرة ) .
وروينا عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قوله : ( وإن ميمنته لروضة من رياض الجنة ، وإن مؤخره لروضة من رياض الجنة ، وإن الصلاة المكتوبة فيه لتعدل بألف صلاة ، وإن النافلة لتعدل بخمس مائة صلاة ، وإن الجلوس فيه بغير تلاوة ولا ذكر لَعبادة ، ولو علم الناس ما فيه لأتوْه ولو حبواً ) .
وعن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : ( إن الله عز وجل يهبط ملكاً في كل ليلة معه ثلاثة مثاقيل من مسك الجنة فيطرحه في فراتكم هذا ، وما من نهر في شرق الأرض وغربها أعظم بركة منه ) .
وروي أن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( جاء على دابته في ثياب سفره حتى وقف على جسر الكوفة ، ثم قال لغلامه : إسقني ، فأخذ كوز ملاح فغرف فيه وسقاه وشرب الماء ، وهو يسيل على لحيته وثيابه ، ثم استزاده فزاده ، ثم استزاده فزاده ، فحمد الله
--------------------------- 10 ---------------------------
ثم قال : نهر ما أعظم بركته ، أما إنه يسقط فيه كل يوم سبع قطرات من الجنة ، أما لو علم الناس ما فيه من البركة لضربوا الأخبية على حافتيه ، ولولا ما يدخله من الخطائين ما اغتمس فيه ذو عاهة الا برئ . . ما أظن أحداً يحنك بماء الفرات إلا أحبنا أهل البيت ) .
وفي بصائر الدرجات / 97 ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، قال : ( إن ولايتنا عرضت على السماوات والأرض والجبال والأمصار ، ما قبلتها قبول أهل الكوفة ) .
أي كانوا أحسن الناس تقبلاً لولايتنا ، وفي رواية : ما قبلها إلا أهل الكوفة .
وفي أمالي الصدوق / 298 : « عن الأصبغ بن نباتة قال : بينا نحن ذات يوم حول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في مسجد الكوفة إذ قال : يا أهل الكوفة ، لقد حَبَاكم الله عز وجل بما لم يَحْبُ به أحداً ، ففضل مصلاكم ، وهو بيت آدم ، وبيت نوح ، وبيت إدريس ، ومصلى إبراهيم الخليل ، ومصلى أخي الخضر ، ومصلاي . وإن مسجدكم هذا أحد الأربعة مساجد التي اختارها الله عز وجل لأهلها ، وكأني به يوم القيامة في ثوبين أبيضين شبيه بالمحرم يشفع لأهله ولمن صلى فيه فلا ترد شفاعته . ولا تذهب الأيام حتى ينصب الحجر الأسود فيه ! وليأتين عليه زمان يكون مصلى المهدي من ولدي ، ومصلى كل مؤمن ، ولا يبقى على الأرض مؤمن إلا كان به أو حنَّ قلبه إليه ، فلا تهجروه وتقربوا إلى الله عز وجل بالصلاة فيه ، وارغبوا إليه في قضاء حوائجكم ، فلو يعلم الناس ما فيه من البركة ، لأتوه من أقطار الأرض ، ولو حبواً على الثلج » .
وفي كامل الزيارات / 78 : « عن عائشة قالت : سمعت رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يقول : عرج بي إلى السماء ، وإني هبطت إلى الأرض فأهبطت إلى مسجد أبي نوح وأبي إبراهيم ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وهو مسجد الكوفة فصليت فيه ركعتين ، قال ثم قالت : قال رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : إن الصلاة المفروضة فيه تعدل حجة مبرورة ، والنافلة تعدل عمرة مبرورة » .
وقد عبرت عائشة عن مسجد الكوفة بأنه مصلى نوح لكن رواية أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عبَّرت عنه ببيت آدم ونوح وإدريس ، ثم مصلى إبراهيم ( عليهم السلام ) ، ومعناها أن إبراهيم ( عليه السلام ) هو الذي اتخذه مسجداً .
وقال في السرائر : 1 / 422 : « مسجد إبراهيم ( عليه السلام ) هو مسجد الكوفة ، ذكر ذلك في كتاب الكوفة » .
--------------------------- 11 ---------------------------
وكان المسجد أكبر ، قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « إن القائم إذا قام رد البيت الحرام إلى أساسه ، ومسجد الرسول ( ( صلى الله عليه وآله ) ) إلى أساسه ، ومسجد الكوفة إلى أساسه .
قال أبو بصير : إلى موضع التمارين من المسجد » . ( الكافي : 4 / 543 )
فلمسجد الكوفة مكانة خاصة في مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، بعكس السلطة ! فهو أحد المساجد الأربعة التي يتخير المصلي فيها بين القصر والتمام .
قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) ( الكافي : 4 / 586 ) : « تتمُّ الصلاة في أربعة مواطن : في المسجد الحرام ، ومسجد الرسول ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، ومسجد الكوفة ، وحرم الحسين صلوات الله عليه » .
فهذه الأماكن كالوطن للمسلم ، ولذا يتخير فيها بين الصلاة قصراً أو تماماً .
وفي الكافي ( 8 / 281 ) قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( إن نوحاً ( عليه السلام ) لما فرغ من السفينة وكان ميعاده فيما بينه وبين ربه في إهلاك قومه أن يفور التنور ففار ، فقالت امرأته : إن التنور قد فار ، فقام إليه فختمه فقام الماء ، وأدخل من أراد أن يدخل وأخرج من أراد أن يخرج ، ثم جاء إلى خاتمه فنزعه ، يقول الله عز وجل : فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ . وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ . وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ . قال : وكان نجَّرها في وسط مسجدكم ، ولقد نقص عن ذرعه سبعمائة ذراع ) .
وروى الكشي ( 1 / 73 ) عن المسيب بن نجبة الفزاري قال : « لما أتانا سلمان الفارسي قادماً تلقيته فيمن تلقاه ، فسار حتى انتهى إلى كربلاء فقال : ما تسمُّون هذه ؟ قالوا : كربلاء ، فقال : هذه مصارع إخواني ، هذا موضع رحالهم ، وهذا مناخ ركابهم ، وهذا مهراق دمائهم ، قُتل بها خير الأولين ، ويقتل بها خير الآخرين ! ثم سار حتى انتهى إلى حروراء فقال : ما تسمون هذه الأرض ؟ قالوا : حروراء فقال : حروراء خرج بها شر الأولين ويخرج بها شرالآخرين . ثم سار حتى انتهى إلى بانقيا وبها جسرالكوفة الأول فقال : ما تسمون هذه ؟ قالوا : بانقيا . ثم سار حتى انتهى إلى الكوفة قال : هذه الكوفة ؟ قالوا : نعم . قال : قبة الإسلام » !
--------------------------- 12 ---------------------------

الكوفة مهاجر علي ( عليه السلام ) ومغرس شيعته

روى في جامع أحاديث الشيعة ( 12 / 437 ) وبحار الأنوار ( 45 / 179 ) ومستدرك سفينة البحار ( 9 / 197 ) حديث الحسين بن أحمد بن المغيرة ، تلميذ ابن قولويه صاحب كامل الزيارة ، وهو شيخ المفيد أيضاً ، وهو ثقة ورع ، قال عن حديثه هذا : وقد كنت استفدت هذا الحديث بمصرعن شيخي أبي القاسم علي بن محمد بن عبدوس الكوفي ( رحمه الله ) ، مما نقله عن مزاحم بن عبد الوارث البصري ، بإسناده عن قدامة بن زائدة ، عن أبيه زائدة ، عن علي بن الحسين ( عليه السلام ) . وقد ذاكرت شيخنا ابن قولويه بهذا الحديث بعد فراغه من تصنيف هذا الكتاب ليدخله فيه فما قُضِيَ ذلك ، وعاجلته منيته ( رضي الله عنه ) وألحقه بمواليه ( عليهم السلام ) ، وهذا الحديث داخل فيما أجاز لي شيخي ( رحمه الله ) ، وقد جمعت بين الروايتين بالألفاظ الزائدة والنقصان والتقديم والتأخير فيهما ، حتى صح بجميعه عمن حدثني به أولاً ثم الآن ، وذلك أني ما قرأته على شيخي ( رحمه الله ) ولا قرأه عليَّ ، غير أني أرويه عمن حدثني : عن عبد الله بن الفضل بن محمد بن هلال ، عن سعيد بن محمد ، عن محمد بن سلام الكوفي ، عن أحمد بن محمد الواسطي ، عن عيسى بن أبي شيبة القاضي ، عن نوح بن دراج ، عن قدامة بن زائدة عن أبيه زائدة : قال [ لي ] علي بن الحسين ( عليه السلام ) : بلغني يا زائدة أنك تزور قبر أبي عبد الله أحياناً ؟ فقلت : إن ذلك لكما بلغك فقال لي : فلماذا تفعل ذلك ، ولك مكان عند سلطانك الذي لا يحتمل أحداً على محبتنا وتفضيلنا وذكر فضائلنا ، والواجب على هذه الأمة من حقنا ؟ فقلت : والله ما أريد بذلك إلا الله ورسوله ، ولا أحفل بسخط من سخط ، ولا يكبر في صدري مكروه ينالني بسببه !
فقال : والله إن ذلك لكذلك ؟ فقلت : والله إن ذلك لكذلك ، يقولها : ثلاثاً وأقولها ثلاثاً ، فقال : أبشر ثم أبشر ثم أبشر ، فلأخبرنك بخبركان عندي في النَّخْب المخزون ، فإنه لما أصابنا بالطف ما أصابنا وقتل أبي ( عليه السلام ) وقتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله ، وحملت حرمه ونساؤه على الأقتاب يراد بنا الكوفة ، فجعلت أنظر إليهم صرعى ولم يواروا ! فعظم ذلك في صدري ، واشتد لما أرى منهم قلقي ، فكادت نفسي تخرج ، وتبينت ذلك مني عمتي زينب الكبرى بنت علي ( عليه السلام ) فقالت : مالي أراك تجود
--------------------------- 13 ---------------------------
بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي ؟ فقلت : وكيف لا أجزع وأهلع وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي ، وولد عمي وأهلي ، مصرعين بدمائهم مرملين بالعرا ، مسلبين لا يكفنون ولا يوارون ، ولا يعرج عليهم أحد ولا يقربهم بشر ، كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر !
فقالت : لا يجزعنك ما ترى ، فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) إلى جدك وأبيك وعمك ، ولقد أخذ الله الميثاق من أناس من هذه الأمة ، لا تعرفهم فراعنة هذه الأمة ، وهم معروفون في أهل السماوات ، أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها ، وهذه الجسوم المضرجة ، وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره ، ولا يعفو رسمه ، على كرور الليالي والأيام ، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه [ وطمسه ] فلا يزداد أثره إلا ظهوراً ، وأمره إلا علواً .
فقلت : وما هذا العهد وما هذا الخبر ؟ فقالت : نعم ، حدثتني أم أيمن أن رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) زار منزل فاطمة ( عليها السلام ) في يوم من الأيام ، فعملت له حريرة وأتاه علي ( عليه السلام ) بطبق فيه تمر ، ثم قالت أم أيمن : فأتيتهم بعس فيه لبن وزبد فأكل رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وعلي وفاطمة والحسن والحسين ( عليهم السلام ) ، من تلك الحريرة وشرب رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وشربوا من ذلك اللبن ، ثم أكل وأكلوا من ذلك التمر والزبد ، ثم غسل رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يده وعلي يصب عليه الماء ، فلما فرغ من غسل يده مسح وجهه ، ثم نظر إلى علي وفاطمة والحسن والحسين نظراً عرفنا به السرور في وجهه ، ثم رمق بطرفه نحو السماء ملياً ، ثم إنه وجه وجهه نحو القبلة وبسط يديه ودعا ثم خر ساجداً وهو ينشج فأطال النشوج وعلا نحيبه وجرت دموعه ، ثم رفع رأسه وأطرق إلى الأرض ودموعه تقطر ، كأنها صوب المطر ، فحزنت فاطمة وعلي والحسن والحسين ( عليهم السلام ) وحزنت معهم ، لما رأينا من رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وهبناه أن نسأله حتى إذا طال ذلك ، قال له علي وقالت له فاطمة : ما يبكيك يا رسول الله لا أبكى الله عينيك ، فقد أقرح قلوبنا ما نرى من حالك !
--------------------------- 14 ---------------------------
فقال : يا أخي سررت بكم ( وقال مزاحم بن عبد الوارث في حديثه ها هنا فقال يا حبيبي إني سررت بكم ) سروراً ما سررت مثله قط ، وإني لأنظر إليكم وأحمد الله على نعمته علي فيكم ، إذ هبط عليَّ جبرئيل ( عليه السلام ) فقال : يا محمد إن الله تبارك وتعالى اطلع على ما في نفسك ، وعرف سرورك بأخيك وابنتك وسبطيك ، فأكمل لك النعمة وهنأك العطية ، بأن جعلهم وذرياتهم ومحبيهم وشيعتهم معك في الجنة ، لا يفرق بينك وبينهم ، يَحْيَوْنَ كما تحيا ، ويُعطون كما تعطى حتى ترضى وفوق الرضا ، على بلوى كثيرة تنالهم في الدنيا ومكاره تصيبهم ، بأيدي أناس ينتحلون ملتك ، ويزعمون أنهم من أمتك ، براء من الله ومنك ، خبطاً خبطاً ، وقتلاً قتلاً ، شتى مصارعهم ، نائية قبورهم ، خيرةً من الله لهم ولك فيهم ، فاحمد الله عز وجل على خيرته وارض بقضائه ، فحمدت الله ، ورضيت بقضائه بما اختاره لكم .
ثم قال لي جبرئيل : يا محمد إن أخاك مضطهد بعدك ، مغلوب على أمتك ، متعوب من أعدائك ، ثم مقتول بعدك ، يقتله أشرالخلق والخليقة وأشقى البرية ، يكون نظير عاقر الناقة ، ببلد تكون اليه هجرته وهو مغرس شيعته وشيعة ولده فيه ، على حال يكثر بلواهم ويعظم مصابهم .
وإن سبطك هذا وأومى بيده إلى الحسين ، مقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك ، وأخيار من أمتك بضفة الفرات ، بأرض يقال لها كربلاء ، من اجلها يكثر الكرب والبلاء على أعدائك وأعداء ذريتك في اليوم الذي لا ينقضي كربه ولا تفنى حسرته ، وهي أطيب بقاع الأرض وأعظمها حرمة ، يقتل فيها سبطك وأهله ، وإنها من بطحاء الجنة .
فإذا كان ذلك اليوم الذي يقتل فيه سبطك وأهله وأحاطت به كتايب أهل الكفر واللعنة ، تزعزعت الأرض من أقطارها ، ومادت الجبال وكثر اضطرابها ، واصطفقت البحار بأمواجها ، وماجت السماوات بأهلها ، غضباً لك يا محمد ولذريتك ، واستعظاماً لما ينتهك من حرمتك ، ولشر ما تكافى به في ذريتك وعترتك ، ولا يبقى شئ من ذلك إلا استأذن الله عز وجل في نصرة أهلك المستضعفين المظلومين ، الذين هم حجة الله على خلقه بعدك ، فيوحي الله إلى السماوات والأرض والجبال والبحار ومن فيهن :
--------------------------- 15 ---------------------------
إني أنا الله الملك القادر الذي لا يفوته هارب ولا يعجزه ممتنع ، وأنا أقدر فيه على الإنتصار والانتقام . وعزتي وجلالي لأعذبن من وتر رسولي وصفيي ، وانتهك حرمته ، وقتل عترته ، ونبذ عهده ، وظلم أهل بيته ، عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين . فعند ذلك يضج كل شئ في السماوات والأرضين بلعن من ظلم عترتك ، واستحل حرمتك ، فإذا برزت تلك العصابة إلى مضاجعها ، تولى الله عز وجل قبض أرواحها بيده ، وهبط إلى الأرض ملائكة من السماء السابعة معهم آنية من الياقوت والزمرد مملوة من ماء الحياة وحلل من حلل الجنة وطيب من طيب الجنة ، فغسلوا جثثهم بذلك الماء وألبسوها الحلل وحنطوها بذلك الطيب ، وصلت الملائكة صفاً صفاً عليهم ، ثم يبعث الله قوماً من أمتك لا يعرفهم الكفار ، لم يشركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولا نية ، فيوارون أجسامهم ويقيمون رسماً لقبر سيد الشهداء بتلك البطحاء يكون علماً لأهل الحق وسبباً للمؤمنين إلى الفوز ، وتحفه ملائكة من كل سماء مئة ألف ملك ، في كل يوم وليلة ويصلون عليه ويطوفون عليه ، ويسبحون الله عنده ويستغفرون الله لمن زاره ، ويكتبون أسماء من يأتيه زائراً من أمتك ، متقرباً إلى الله تعالى واليك بذلك ، وأسماء آبائهم وعشائرهم وبلدانهم ، ويوسمون في وجوههم بميسم نورعرش الله : هذا زائر قبر خير الشهداء ، وابن خير الأنبياء ، فإذا كان يوم القيمة سطع في وجوههم من أثر ذلك الميسم ، نور تغشى منه الأبصار ، يدل عليهم ويعرفون به . وكأني بك يا محمد بيني وبين ميكائيل وعلي أمامنا ، ومعنا من ملائكة الله ما لا يحصى عددهم ، ونحن نلتقط من ذلك الميسم ، في وجهه من بين الخلايق ، حتى ينجيهم الله من هول ذلك اليوم وشدائده ، وذلك حكم الله وعطاؤه لمن زار قبرك يا محمد أو قبر أخيك أو قبر سبطيك ، لا يريد به غير الله عز وجل . وسيجتهد أناس ممن حقت عليهم اللعنة من الله والسخط أن يعفوا رسم ذلك القبر ويمحوا أثره ، فلا يجعل الله تبارك وتعالى لهم إلى ذلك سبيلاً . ثم قال رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : فهذا أبكاني وأحزنني !
--------------------------- 16 ---------------------------
قالت زينب : فلما ضرب ابن ملجم لعنه الله أبي ( عليه السلام ) ورأيت عليه أثرالموت منه ، قلت له : يا أبه حدثتني أم أيمن بكذا وكذا ، وقد أحببت أن أسمعه منك . فقال : يا بنية الحديث كما حدثتك أم أيمن ، وكأني بك وبنساء أهلك سبايا بهذا البلد ، أذلاء خاشعين تخافون أن يتخطفكم الناس ! فصبراً صبراً فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما لله على ظهر الأرض يومئذ ولي غيركم وغير محبيكم وشيعتكم ، ولقد قال لنا رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) حين أخبرنا بهذا الخبر إن إبليس لعنه الله في ذلك اليوم يطير فرحاً ، فيجول الأرض كلها بشياطينه وعفاريته فيقول : يا معاشر الشياطين قد أدركنا من ذرية آدم الطلبة ، وبلغنا في هلاكهم الغاية ، وأورثناهم النار إلا من اعتصم بهذه العصابة ، فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس فيهم وحملهم على عداوتهم واغرائهم بهم وأوليائهم ، حتى تستحكموا ضلالة الخلق وكفرهم ، ولا ينجو منهم ناج . ولقد صدق عليهم إبليس وهو كذوب .
إنه لا ينفع مع عداوتكم عمل صالح ، ولا يضر مع محبتكم وموالاتكم ذنب غير الكبائر . قال زائدة : ثم قال علي بن الحسين ( عليه السلام ) بعد أن حدثني بهذا الحديث : خذه إليك فلوضربت في طلبه اباط الإبل حولاً لكان قليلاً ) .
وشاهدنا قول جبرئيل ( عليه السلام ) : ثم مقتول بعدك يقتله أشرالخلق والخليقة ، وأشقى البرية ، نظير عاقر الناقة ، ببلد تكون إليه هجرته ، وهي مغرس شيعته وشيعة ولده ، وفيها على حال تكثر بلواهم ويعظم مصابهم .
فهذا الحديث جامع لشروط كامل الزيارة بشهادة راويه الثقة ، وفيه ميزتان للكوفة : أولاهما أنها مهاجر علي ( عليه السلام ) . والثانية أنها مغرس شيعته وشيعة أولاده ، فهي منبت التشيع ومعدنه . وكفى بذلك فخراً .
ويبدو أن ابن قولويه ( رحمه الله ) توقف في إدخاله في كتابه ، لأنه يريد تفكيكه ، فهو أكثر من حديث وعنوان ، وكان دقيقاً في ملأ عناوين كتابه بما يطابقها حرفياً .
وقد يكون السبب أنه ينسب للإمام زين العابدين ( عليه السلام ) أنه لم يكن يعرف الحديث مع أنه طان يعرف أنه سيرجع من الكوفة لدفن الأجساد الطاهرة .
--------------------------- 17 ---------------------------
ويمكن الجواب عنه بأنه ( عليه السلام ) كان يعرف ذلك ، لكنه أراد أن تحدثه به عمته زينب ( عليها السلام ) ليكون تسلية لها في ذلك اليوم .

وروت مصادر السنة فضل الكوفة

فقد روى ابن أبي شيبة ( 3 / 268 و : 7 / 564 ) : ( عن وكيع ، عن سفيان ، عن أبي المقدام عن حبة قال : جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال : إني اشتريت بعيراً وتجهزت وأريد المقدس فقال : بع بعيرك وصل في هذا المسجد - قال أبو بكر يعني مسجد الكوفة - فما من مسجد بعد المسجد الحرام أحب إليَّ منه ، لقد نقص مما أسس خمس مائة ذراع .
وروى عن الأسود قال : لقيني كعب ببيت المقدس فقال : من أين جئت ؟ فقلت : من مسجد الكوفة ، فقال : لأن أكون جئت من حيث جئت أحب إلي من أن أتصدق بألفي دينار ، أضع كل دينار منها في يد كل مسكين ، ثم حلف : إنه لوسط الأرض كقعر الطست ) . يقصد كعب فضل مسجد الكوفة .
وقال ياقوت الحموي في معجم البلدان ( 4 / 490 ) : ( سميت الكوفة لاستدارتها أخذاً من قول العرب : رأيت كوفاناً وكوفاناً ، بضم الكاف وفتحها ، للرميلة المستديرة فكانت ستة عشر ميلاً وثلثي ميل ، وذكر أن فيها خمسين ألف دار للعرب من ربيعة ومضر ، وأربعة وعشرين ألف دار لسائر العرب ، وستة آلاف دار لليمن . وكان علي ( عليه السلام ) يقول : الكوفة كنز الإيمان وحجة الإسلام وسيف الله ورمحه يضعه حيث شاء ، والذي نفسي بيده لينتصرن الله بأهلها في شرق الأرض وغربها كما انتصر بالحجاز . وكان سلمان الفارسي يقول : أهل الكوفة أهل الله ، وهي قبة الإسلام ، يحن إليها كل مؤمن .
وقال الشعبي : مسجد الكوفة ستة أجربة وأقفزة ، وقال زادا نفروخ : هو تسعة أجربة . ( الجريب نحو ألف متر مربع ) .
وقال السيد إسماعيل بن محمد الحميري ، يذكر مسجد الكوفة :
--------------------------- 18 ---------------------------
لعمرك ما من مسجد بعد مسجد * بمكة طهراً أو مصلَّىً بيثرب
بشرق ولا غرب علمنا مكانه * من الأرض معموراً ولا متجنب
بأبين فضلاً من مصلى مبارك * بكوفان رحب ذي أواسٍ ومخصب
مصلَّىً به نوح تأثل وابتنى * به ذات حيزوم وصدر محنب
وفار به التنور ماءً وعنده * له قيل آيانوح في الفلك فاركب
وباب أمير المؤمنين الذي به * ممر أمير المؤمنين المهذب
عن مالك بن دينار قال : كان علي بن أبي طالب إذا أشرف على الكوفة قال :
يا حبذا مقالنا بالكوفة * أرض سواءٌ سهلة معروفه
تعرفها جمالنا العلوفه
وأما ظاهر الكوفة فإنها منازل النعمان بن المنذر : الحيرة ، والنجف ، والخورنق والسدير ، والغريَّان ، وما هناك من المتنزهات والديرة الكبيرة ) .

وانفردت مصادرنا بتقديس مسجد سهيل

وهو معروف بمسجد السهلة ، وعند الأئمة ( عليه السلام ) بمسجد سهيل . ويفهم من بعض الروايات أنه كمسجد الكوفة بل أفضل منه من بعض الجهات كالإستجارة ، ففي كامل الزيارات / 30 ، عن أبي بكر الحضرمي ، عن الباقر ( عليه السلام ) :
( قلت له : أيُّ بقاع الأرض أفضل بعد حرم الله عز وجل وحرم رسوله ( ( عليهما السلام ) ) ؟ فقال : الكوفة يا أبا بكر ، هي الزكية الطاهرة ، فيها قبورالنبيين المرسلين وقبور غير المرسلين والأوصياء الصادقين ، وفيها مسجد سهيل الذي لم يبعث الله نبياً إلا وقد صلى فيه ، ومنها يظهر عدل الله ، وفيها يكون قائمه والقوام من بعده ، وهي منازل النبيين والأوصياء والصالحين ) .
وفي كامل الزيارات / 75 : ( يا أباحمزة هل شهدت عمي ليلة خرج ؟ قال : نعم . قال : فهل صلى في مسجد سهيل ، قال : وأين مسجد سهيل لعلك تعني مسجد السهلة . قال : نعم ، قال : أما إنه لو صلى فيه ركعتين ثم استجار الله لأجاره سنة . فقال له أبو حمزة : بأبي أنت وأمي هذا مسجد السهلة . قال : نعم فيه بيت إبراهيم الذي كان يخرج منه إلى
--------------------------- 19 ---------------------------
العمالقة ، وفيه بيت إدريس الذي كان يخيط فيه ، وفيه مناخ الراكب ، وفيه صخرة خضراء فيها صورة جميع النبيين ، وتحت الصخرة الطينة التي خلق الله عز وجل منها النبيين . وفيه المعراج ، وهو الفاروق الأعظم موضع منه ، وهو ممر الناس وهو من كوفان ، وفيه ينفخ في الصور ، واليه المحشر . يحشر من جانبه سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب . أولئك الذين أفلج الله حججهم وضاعف نعمهم ، فإنهم المستبقون الفائزون القانتون ، يحبون أن يدرؤوا عن أنفسهم المفخر ، ويجلون بعدل الله عن لقائه ، أسرعوا في الطاعة فعملوا وعلموا أن الله بما يعملون بصير ، ليس عليهم حساب ولا عذاب . ومن وسطه سار جبل الأهواز . وقد أتى عليه زمان وهومعمور ) .
فهذان حديثان صحيحان ، فيهما حقائق مهمة ، وفيهما مبهمات ، مثل سير جبل الأهواز من الكوفة ، وأن النفخ في الصور والمحشر يبدأ منها .
ملاحظات على هذه النصوص
1 . تدل على مكانة الكوفة العظيمة ، وأن سلمان ( رضي الله عنه ) اختارها عن علم نبوي ، وتوجيه من علي ( عليه السلام ) ، فنسبوا ذلك إلى عمر وسعد .
2 . تضمنت الأحاديث حقائق عديدة ، منها أن نبي الله إبراهيم ( عليه السلام ) عاد إلى العراق بعد نمرود ، وروي أنه عاد مع إسماعيل ( ( صلى الله عليه وآله ) ) . وقد ذكرنا في سلسلة القبائل العربية أنه أسس القدس ، ثم جدد الكعبة وسماها قادس ، ثم أسس القادسية وهي النجف والكوفة والسهلة والنخيلة ، لولده المهدي ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) واشترى أرضها بمئة شاة فسميت با نقيا ، كما اشترى أرض كربلاء لولده الحسين ( عليه السلام ) . ولا نعرف أي العمالقة كان يخرج إلى حربهم من الكوفة ، أما خير الأولين الذي قتل في كربلاء فقد يكون المقصود به هابيل ( عليه السلام ) .
ولا نعرف المقصود بشرالأولين الذين خرجوا في حروراء ، لكن شرالآخرين الخوارج ، تجمعوا أول أمرهم فيها ، وسموا الحروريين .
--------------------------- 20 ---------------------------
3 . حث الأئمة ( عليهم السلام ) على زيارة مسجد الكوفة ومسجد سهيل والصلاة فيهما وفضلوهما على المسجد الأقصى ! فقد روى الثقفي في الغارات ( 2 / 416 ) : ( عن حبة العرني وميثم التمار قالا : جاء رجل إلى علي ( عليه السلام ) فقال : يا أمير المؤمنين إني قد تزودت زاداً وابتعت راحلةً وقضيت شأني يعني حوائجي ، فأرتحل إلى بيت المقدس ؟ فقال له : كل زادك وبع راحلتك ، عليك بهذا المسجد يعني مسجد الكوفة ، فإنه أحد المساجد الأربعة ، ركعتان فيه تعدل عشراً فيما سواه من المساجد ، والبركة منه على اثني عشرميلاً من حيث ما أتيت ، وقد ترك من أسه ألف ذراع ، وفي زاويته فار التنور ، وعند الأسطوانة الخامسة صلى إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) ، وقد صلى فيه ألف نبي وألف وصي ، وفيه عصا موسى ( عليه السلام ) وشجرة يقطين ، وفيه هلك يغوث ويعوق ، وهو الفاروق . ومنه سُيَّرَ جبل الأهواز . وفيه مصلى نوح ( عليه السلام ) . ويحشر منه يوم القيامة سبعون ألفاً ما عليهم حساب ولا عذاب ، ووسطه على روضة من رياض الجنة . وفيه ثلاث أعين يزهرن أنبتت بالضغث ، تذهب الرجس وتطهر المؤمنين : عين من لبن ، وعين من دهن ، وعين من ماء ، جانبه الأيمن ذكر ، وجانبه الأيسرمكر ، ولو علم الناس ما فيه لأتوه ولو حبواً ) .
وتقدمت رواية ابن أبي شيبة في تفضيل التعبد في مسجد الكوفة على التعبد في المسجد الأقصى ، وكأن مكانة المسجد الأقصى عقائدية استراتيجية ، أما تكليف هذه الأمة بالتعبد والزيارة ، فهو للمشاهد المرتبطة بنبينا ( ( عليهما السلام ) ) وعترته ( عليهم السلام ) . والعيون الثلاث : قد تكون تحت الأرض تصب في الفرات ، ومعنى أنبتت بالضغث أن أحد الأنبياء ( عليهم السلام ) ضرب بضغث فنبعت ، ولعل أصلها : أنبعت .
4 . تواترت الرواية عند الجميع بأن جبرئيل ( عليه السلام ) أخبر النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) عن كربلاء بأنها مكان قتل سبطه الحسين ( عليه السلام ) ، وأتاه بقبضة من تربتها ، فلا عجب أن يكون سلمان ( رضي الله عنه ) يعرف مكان كربلاء ، ويخبر عنها .
5 . كما تواترت الرواية عند الجميع بأن الكوفة عاصمة المهدي ( عليه السلام ) الموعود ( عليه السلام ) . وهذا الأمر ثقيل على النواصب ، والوهابية خاصة !
6 . قلنا إن في حديث الغارات نقاطاً غامضة مثل تسيير جبل الأهواز من الكوفة وأن
--------------------------- 21 ---------------------------
فيه عصا موسى ، وهي من مواريث الأنبياء التي جمعها الله لنبينا ( ( عليهما السلام ) ) .
وشجرة اليقطين قد تكون لشبهها بشجرة يقطين يونس ( عليه السلام ) التي نبتت عليه في ساحل البحر المتوسط في جهة أنطاكية .
أما الذين يحشرون بغير حساب فورد أنهم من وادي السلام بظهرالكوفة .
وأما قوله : جانبه الأيمن ذكر وجانبه الأيسر مكر ، فقد يكون محل الذكر والإيمان محل الأنبياء ( عليهم السلام ) ، ومحل الكفر للجبابرة ومكرهم بالمؤمنين .

أقوال المؤرخين تؤيد عراقة الكوفة

قال المؤرخ العبودي في صفحته : ( ورد اسم مدينة عاقولا كثيراً في المصادر السريانية ، لكن لا يعرف بالضبط متى شيدت بلدة عاقولا ؟ ويذكر الباحث أديب نوار أنه كان في الكوفة أسقفان ، أحدهما نسطوري والآخر يعقوبي ، وكانا يسكنان في دار الروم ، لأن نصارى الكوفة كانوا يسمونها عاقولا بالسريانية . ويحتمل الباحث إبراهيم السامرائي : أن الكوفة الحاضرة هي في الآرامية القديمة كوثا ، أو في جوارها ؟ وليس غريباً أن تكون الثاء تبدلت فاء ، وهذا يحدث كثيراً في الأصوات السامية .
وقد ضمت الكوفة أكثر من عشرة أديرة معظمها حول المدينة بالإضافة إلى كنيسة كبيرة هي كنيسة أم خالد .
وكان الناس يقصدون تلك الأديرة أيام الأعياد المسيحية ، فتكون موضع احتفالات ولقاءات ، وكانوا يسعون فيها للتقرب إلى الله والصلاة له ، أو ينقطع الرهبان والنساك منهم فيها طوال حياتهم . وكان للأديرة كذلك دورصحي إذ اشتهر بعض الرهبان القادمين من الحيرة وجنديشابور في مزاولة الطب والتداوي بالأعشاب ومعالجة المرضى .
كما كان للأديرة دور ثقافي في تعلم القراءة والكتابة ، أو في تبادل وجهات النظر في الأديان والفلسفة وعلوم الأقدمين ، وخاصة اليونان .
كان أسقف الكوفة في مطلع القرن الثامن جرجيس ، وكان يصلي بالمسيحيين
--------------------------- 22 ---------------------------
الذين كانوا من قبائل طي وعقيل وتنوخ ، وعرف أيضاً بأسقف العرب . وكان من المتضلعين في الفلسفة ووضع شروحاً لبعض الأسفار . .
إلا أن ما يميز الإبداع الكوفي هو ظهور الخط الكوفي الذي يدل على دقة في الرسم ، وكانت الخطوط المستقيمة متأثرة بالخط السرياني الأسطرنجيلي من حيث هيئته العامة المربعة . والمعروف أن العرب في بداية الإسلام يدينون للحيرة بمشاركتها الفعالة في الكتابة العربية .
كما تأثر أهل الكوفة بحياة الرهبان ، حتى أن بعض الزهاد الكوفيين قد لبسوا المنسوجات الصوفية الخشنة ، المشابهة لمسوح الرهبان .
كما بنى أول والٍ للكوفة خالد بن عبد الله القسري كنيسة قرب جامع المدينة ، سميت بكنيسة خالد أو كنيسة أم خالد ، وهو أول شخصية إسلامية يبني بيعة للنصارى في تاريخ الإسلام ، والمعتقد أن ذلك يعود إلى أن أمه كانت مسيحية . وقد ضمت الكوفة جماعات مختلفة من العراقيين ، لعلهم بقايا سكنة بابل وسلوقية وينبور وسبار ) .

وادي السلام أعرق مقابرالعالم

كتبنا في الجزء الثاني من سلسلة القبائل العربية في العراق أن إبراهيم ( عليه السلام ) أسس في فلسطين والعراق والحجاز ، فقد هاجربعائلته وأمواله إلى بلاد الشام ، واستقر في الخليل ، واشترى جبلاً فيها وجعله مقبرة له ولأسرته ، وذهب إلى حرَّان ، وبئر سبع في النقب ، ويروى أنها سبعة آبار احتفرها .
وزار مكة وأسكن فيها ابنه إسماعيل وأمه هاجر ( عليهم السلام ) ، ثم زارها للعمرة والحج ، وجدد بناء البيت . وكان يزور العراق بعد هلاك نمرود ، وأسس فيه مسجد الكوفة والسهلة والنخيلة ، واشترى أرض القادسية والنجف وكربلاء .
« قال محمد بن إدريس في السرائر ( 1 / 479 ) : ( بأنقياء : هي القادسية وما والاها وأعمالها ، وإنما سميت القادسية بدعوة إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) لأنه قال : كوني مقدسة للقادسية أي مطهرة من التقديس . وإنما سميت القادسية بانقيا لأن إبراهيم اشتراها بمائة نعجة من غنمه لأن با : مائة ، ونقيا : شاة ، بلغة النبط . وقد ذكر بانقيا أعشى قيس
--------------------------- 23 ---------------------------
في شعره ، وفسره علماء اللغة وواضعوا كتب الكوفة من أهل السيرة ، بما ذكرناه » .
وفي علل الشرائع ( 2 / 585 ) عن علي ( عليه السلام ) قال : « إن إبراهيم صلى الله عليه مر ببانقيا فكان يزلزل بها فبات بها ، فأصبح القوم ولم يزلزل بهم فقالوا : ما هذا وليس حدث ، قالوا : نزل هاهنا شيخ ومعه غلام له قال : فأتوه فقالوا له : يا هذا إنه كان يزلزل بنا كل ليلة ولم يزلزل بنا هذه الليلة فبت عندنا ، فبات فلم يزلزل بهم فقالوا : أقم عندنا ونحن نجري عليك ما أحببت قال : لا ، ولكن تبيعوني هذا الظهر ولا يزلزل بكم ! فقالوا : فهو لك ، قال : لا آخذه إلا بالشراء فقالوا : فخذه ما شئت فاشتراه بسبع نعاج وأربعة أحمرة ، فلذلك سمي بانقيا ، لأن النعاج بالنبطية نقيا قال : فقال له غلامه : يا خليل الرحمن ما تصنع بهذا الظهر ليس فيه زرع ولا ضرع ؟ فقال له أسكت فإن الله تعالى يحشر من هذا الظهر سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ، يشفع الرجل منهم لكذا وكذا » !
قد يكون اشترى المنطقة كلها بمائة شاة ، ثم اشترى ظهر الكوفة بسبع نعاج . وفي معجم البكري ( 1 / 222 ) : « قال أحمد بن يحيى ثعلب : فقال ( إبراهيم ( عليه السلام ) ) : لمن تلك الأرض يعني النجف ؟ قالوا : لنا . قال : فتبيعونيها ؟ قالوا : هي لك فوالله ما تنبت شيئاً . فقال : لا أحب إلا أن تكون شراء ، فدفع إليهم غنيمات كن معه ، والغنم بالنبطية يقال لها نقيا . وذكر إبراهيم ( عليه السلام ) أنه يحشر من ولده من ذلك الظهر سبعون ألف شهيد . فاليهود تنقل موتاها إلى بانقيا لمكان هذا الحديث . ثم نزل إبراهيم ( عليه السلام ) القادسية فغسل بها رأسه ، ثم دعا لها أن يقدسها الله فسميت القادسية ، ثم أخذ فضل الماء فصبه يمنة ويسرة ، فحيث انتهى ذلك الماء منتهى العمران . ثم ارتحل إلى البيت الحرام ) .
وفي رواية معجم البلدان ( 1 / 331 ) : « وخرج حتى أتى النجف فلما رآه رجع أدراجه أي من حيث مضى ، فتباشروا وظنوا أنه رغب فيما بذلوا له . . فصنعوا ما صنع أهل بيت المقدس بصاحبهم ، وهبوا له أرضهم ، فلما نزلت بها البركة رجعوا عليه ! ولما رأى غدرهم به تركهم ومضى نحو مكة . . القصة ) !
--------------------------- 24 ---------------------------
فقد أسس إبراهيم ( عليه السلام ) لذريته القدس في فلسطين ، وجدد الكعبة في الحجاز ، والقادسية في العراق ، ومنها مسجد الكوفة ومسجد السهلة ومسجد النخيلة . فتأسيسها عمل رسولي بالوحي ، وليس صدفة برأي عمر أو سعد ، كمازعموا .
ومما يلفتك أن علياً ( عليه السلام ) جدد شراء ظهر الكوفة والغريين ، تأكيداً لشراء جده إبراهيم ( عليه السلام ) لئلا يدعيها أحد !
ففي الغارات للثقفي ( 2 / 845 ) : « اشترى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ما بين الخورنق إلى الحيرة إلى الكوفة . وفي رواية : ما بين النجف إلى الحيرة إلى الكوفة من الدهاقين بأربعين ألف درهم ، وأشهد على شرائه ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : سمعت رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يقول : كوفان يُرَدُّ أولها على آخرها ، يحشرمن ظهرها سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ! فاشتهيت أن يحشروا من ملكي » .
وفي أخبار إصبهان ( 2 / 174 ) : « اشترى علي بن أبي طالب ما بين الخورنق إلى الحيرة بأربعين ألفاً من دهاقين الخورنق ، فقيل له يا أمير المؤمنين اشتريت حجراً أصم لا ينبت شيئاً ! قال : صدقتم إني سمعت رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) . الخ . والجواهر ( 4 / 346 ) .
وقوله ( ( عليهما السلام ) ) : يُرَدُّ أولها على آخرها : أي تعود عاصمة كما كانت في زمن نوح ( عليه السلام ) .
وقول البكري : فاليهود تنقل موتاها إلى بانقيا لمكان هذا الحديث . يدل على أن الدفن في وادي السلام بدأ من عهد إبراهيم ( عليه السلام ) . فالقادسية ليست مدينة الديوانية ، ولا قرية تسمى القادسية التي تبعد عن الكوفة 18 كلم ، ولا المكان الذي يسمى قَادِس ، وآخر يسمى قَدِيس . ( الحيرة للدكتورحسن الحكيم / 53 ) .
بل تشمل ذلك وتشمل النجف والكوفة ، وتشمل مسجد النخيلة وقبر النبي ذي الكفل ( عليه السلام ) ، وكان اليهود يدفنون موتاهم عنده أيضاً .
راجع في إنشاء القادسية والربط بينها وبين مكة والقدس : الكافي : 1 / 390 ، وأمالي الصدوق / 694 ، وحقائق التأويل / 175 ، والسرائر : 1 / 479 ، ومفتاح الكرامة : 10 / 348 ، وكامل الزيارات / 84 ، و 452 ، والفقيه : 2 / 229 ، و 586 ، ومختصر بصائر الدرجات / 199 ، وعلل الشرائع : 1 / 214 ، والحدائق الناضرة : 11 / 318 ، ورياض المسائل : 2 / 12 ، والغارات : 2 / 856 ، والأنساب : 4 / 422 ،
--------------------------- 25 ---------------------------
ومعجم البكري : 1 / 270 ، ومعجم البلدان : 1 / 331 ، و : 2 / 511 ، و 514 ، و : 3 / 33 ، و : 4 / 210 و 291 ، و 314 ، والأنساب : 4 / 422 ، وقاموس الكتاب المقدس / 129 .
أما اليوم فصارت وادي السلام أوسع مقبرة في العالم ، تهوي قلوب المؤمنين من أنحاء العالم ، إلى الدفن فيها ، بجوار قبر أمير المؤمنين وأنبياء الله ( عليهم السلام ) .

أوصى خبَّاب بن الأرتِّ أن يدفن في وادي السلام

1 . كان الصحابي الجليل خَبَّاب بن الأرت أول من دُفن فيها من المسلمين ، وذلك بتوجيه النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) . فقد روى عامة المؤرخين كابن سعد ( 3 / 167 ) أن خَبَّاباً أوصى أن يدفن في ظهر الكوفة لما سمعه من النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) .
ووصف الطبري ( 4 / 45 ) دخول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الكوفة راجعاً من صفين قال : ( ثم مضى حتى إذا جزنا بني عوف ، إذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية فقال علي : ما هذه القبور ؟ فقال قدامة بن العجلان الأزدي : يا أمير المؤمنين إن خباب بن الأرت توفي بعد مخرجك فأوصى بأن يدفن في الظهر . وكان الناس إنما يدفنون في دورهم وأفنيتهم فدفن بالظهر ( رحمه الله ) ودَفَنَ الناس إلى جنبه . فقال علي : رحم الله خبَّاباً ، فقد أسلم راغباً وهاجر طائعاً ، وعاش مجاهداً ، وابتلى في جسمه أحوالاً ، وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً .
ثم جاء حتى وقف عليهم فقال : السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة ، والمحال المقفرة ، من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ، أنتم لنا سلف فارط ونحن لكم تبع ، بكم عما قليل لاحقون . اللهم اغفر لنا ولهم ، وتجاوز بعفوك عنا وعنهم . وقال : الحمد لله الذي جعل منها خلقكم وفيها معادكم ، منها يبعثكم وعليها يحشركم ، طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب ، وقنع بالكفاف ، ورضي عن الله عز وجل . . .
ثم مضى حتى مر بالناعطيين وكان جلهم عثمانية ، فسمع رجلاً منهم يقال له عبد الرحمن بن يزيد من بني عبيد يقول : والله ما صنع علي شيئاً ، ذهب ثم
--------------------------- 26 ---------------------------
انصرف في غير شئ ! فلما نظروا إلى علي أبلسوا فقال : وجوه قوم ما رأوا الشام العام ، ثم قال لأصحابه : قوم فارقناهم آنفاً ، خير من هؤلاء ) .
لاحظ أن الناس دفنوا بجنب الصحابي خباب ، وأن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لم يعاقب من تخلف عنه واكتفى بالقول إن غيرهم أفضل منهم .
وفي رواية ابن الصباغ في الفصول المهمة ( 1 / 490 ) : ( ثم مر بالشباميين . . فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامي . . وأقبل حرب يمشي وعلي راكب فقال له : إرجع ، وأمسك دابته عن السيرفقال : بل أمشي بين يديك يا أمير المؤمنين ، فقال : بل إرجع فإنّ مَشْيَ مثلك مع مثلي فتنةٌ للوالي ومَذلة للمؤمنين . ثم مضى فلم يزل يذكر الله تعالى حتى دخل الكوفة ) .
2 . خبَّاب بن الأرتَّ ، صحابي جليل من السابقين ، وروي أنه سادس المسلمين ، وهو من كسكر بلد بين واسط والبصرة ، من بني سعد بن زيد مناة بن تميم ، سَبَوْهُ وهو صغير ، فصار إلى أم أنمار بنت سباع الخزاعية ، زوجة الأخنس بن شريق الثقفي ، ولما أعتقته حالف بني زهرة .
وفي إكمال كمال التهذيب ( 4 / 169 ) : ( سمعت الهيثم بن عدي قال : خباب بن الأرت من أهل استينيا قرية عند قنطرة الكوفة . قال الهيثم : وخباب سابق النبط ، وهو أول من دفن بظهر الكوفة فدفن الناس موتاهم بها ، وإنما كانوا يدفنونهم في جبانتهم . وفي كتاب الإستيعاب : لم يصبه سبي ، ولكنه انتمى إلى حلفاء أمه من بني زهرة ، وكان فاضلاً يكنى أبا يحيى ) .
وهذا يعني أنه نبطي عراقي غير عربي ، ويؤيده أنه قين والعربي لا يكون قيناً ، ولعله من السابقين الذين قال الله فيهم : وَالسَّابِقُونَ الأَوَلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ . الذين أسلموا في السنوات الثلاث الأولى ، وهم بضعة نفر فقط من بني هاشم ، ومعهم أبو ذر ، وربما خباب ، وقد يكون معهم عمار وأبواه .
والسابقون الثانيون هم الذين أسلموا في السنة الرابعة ، بعد أن قتل الله المستهزئين الستة في يوم واحد ، وأمر رسوله ( ( عليهما السلام ) ) أن يصدع بالدعوة فأنزل عليه : فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ
--------------------------- 27 ---------------------------
وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ .
3 . كان خباب قَيناً يطبع السيوف ، وكان رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يألفه ويأتيه ، فأخبرت مولاته بذلك فكانت تأخذ الحديدة المحماة فتضعها على رأسه ، فشكى ذلك إلى النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فقال : اللهم انصر خباباً ، فشكت مولاته من رأسها فكانت تعوي مثل الكلاب ! فقيل لها : إكتوي ، فكان خباب يأخذ الحديدة المحماة فيكوي بها رأسها ! ويبدو أنها أعتقته لما أصابها ذلك .
وقال خباب : كنت رجلًا غنيّاً ، وكان لي على العاص بن وائل دَيْنٌ ، فأتيته أتقاضاه فقال لي : لا أقضيك حتى تكفر بمحمد ، فقلت : لن أكفر به حتى نموت ونبعث . فقال : فإني لمبعوث بعد الموت ، ولأوتين مالاً وولداً فأقضيك ! فنزلت : أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا . أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً . ونزلت فيه آيات أخرى ، رواها المفسرون .
4 . هاجر إلى المدينة ، وشهد بدراً ومشاهد النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، وكان شيعياً مجاهراً فشهد مع علي ( عليه السلام ) حرب الجمل وسكن الكوفة ، ولم يحضر صفين لمرضه .
5 . قال الطبري في المنتخب / 57 : ( روى خباب عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حديثاً كثيراً ) . لكن القوم ضيعوا حديثه ، لأن أكثره في فضائل علي والزهراء والعترة ( عليهم السلام ) ، وبعضه في الطعن برجالاتهم ، فيجب عندهم إخفاؤه !
6 . اشتهر ابنه عبد الله ( رضي الله عنهما ) الذي كان والياً لعلي ( عليه السلام ) فقتله الخوارج .
قال البلاذري ( 2 / 367 ) : ( وكان الخوارج الذين قدموا من البصرة مع مسعر بن فدكي استعرضوا الناس في طريقهم ، فإذا هم برجل يسوق بامرأته على حمار له ، فدعوه وانتهروه ورعبوه وقالوا له : من أنت ؟ فقال : رجل مؤمن . قالوا : فما اسمك ؟ قال : أنا عبد الله بن خباب بن الأرت صاحب رسول ( ( عليهما السلام ) ) فكفوا عنه ثم قالوا له : ما تقول في علي ؟ قال : أقول إنه أمير المؤمنين ، وإمام المسلمين ، وقد حدثني أبي عن رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) قال : ستكون فتنة يموت فيها قلب الرجل
--------------------------- 28 ---------------------------
فيصبح مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً . فقالوا : والله لنقتلنك قتلة ما قتلها أحد ، وأخذوه فكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى متم حتى نزلوا تحت نخل مواقير فسقطت رطبة منها فقذفها بعضهم في فيه ، فقال له رجل منهم : أبغير حلها ولا ثمن لها ! فألقاها من فيه واخترط سيفه وجعل يهزه فمرّ به خنزير لذمي فقتله بسيفه ، فقال له بعض أصحابه : إن هذا لمن الفساد في الأرض . فطلب صاحب الخنزير حتى أرضاه ! فقال ابن خباب : لئن كنتم صادقين فيما أرى وأسمع إني لآمن من شركم . قال : فجاؤوا به فأضجعوه على شفير نهر والقوه على الخنزير المقتول فذبحوه عليه ، فصار دمه مثل الشراك فما اذْمَقَرَّ ( اختلط ) في الماء ، وأخذوا امرأته فبقروا بطنها وهي تقول : أما تتقون الله ! وقتلوا ثلاث نسوة كن معها ! فبلغ علياً خبر ابن خباب وامرأته والنسوة ، وخبر سوادي لقوه بنُفَّر فقتلوه ، فبعث عليّ إليهم الحرث بن مرة العبدي ليتعرف حقيقة ما بلغه عنهم ، فلما أتى النهروان وقرب منهم خرجوا إليه فقتلوه ، وبلغ ذلك علياً ومن معه فقالوا له : ما تركنا هؤلاء وراءنا يخلفونا في أموالنا وعيالاتنا بما نكره ، سر بنا إليهم فإذا فرغنا منهم سرنا إلى عدونا من أهل المغرب ، فإن هؤلاء أحضر عداوة وأنكى حداً . والثبت : أنه بعث ابن الحرث رجلاً من أصحابه ، لأن الحرث بن مرّة قتل بالقيقان من أرض السند ، في سنة اثنتين وأربعين ) .
راجع ترجمة خباب في : الحاكم : 3 / 382 , ومجمع الزوائد : 9 / 299 ، وكنز العمال : 3 / 396 ، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم : 2 / 908 ، وإكمال الكمال : 4 / 169 ، وخاتمة المستدرك : 7 / 343 ، والفصول المختارة / 274 ، ومناقب آل أبي طالب : 1 / 49 و 71 و 104 و 288 وتفسيرالإمام العسكري / 600 ، وتفسير القمي : 2 / 54 ، وتفسير مقاتل : 1 / 110 ، وتفسير الطبري : 16 / 152 ، وتفسير ابن أبي حاتم : 11 / 127 ، وأسباب النزول للواحدي / 146 ، و 204 و 251 ، وتفسير البغوي : 4 / 127 ، ومعجم السيد الخوئي : 8 / 47 ، , والطبقات : 8 / 290 ، و : 3 / 167 ، وتهذيب التهذيب : 3 / 115 ، والبلاذري : 1 / 175 ، و : 2 / 362 ، وشرح النهج : 2 / 281 ، والطبراني الكبير : 4 / 56 ، والفصول المهمة : 1 / 490 . . وغيرها .
--------------------------- 29 ---------------------------

خطط الكوفة وسكانها

أكثرَ المؤرخون والمحدثون من أخبارتمصيرالكوفة وخططها ، وألفوا فيه كتباً ، وكلامهم يشبه بعضه بعضاً ، ومنهم غربيون ، واشتهركتاب : خطط الكوفة وشرح خريطتها ، للمسيو لويس ماسينيون ، ترجمة تقي بن محمد المصعبي ، وليس فيه جديد عما كتبه المسلمون .
قال في تاريخ الكوفة / 154 : ( بنيت دورها باللبن ، وجعل النهج الشارع الأعظم 40 ذراعاً وما بين ذلك 30 ذراعاً ، والأزقة سبعة أذرع ، وصارت قاعدة أعمال العراق تتبع لها من أعمال الفرس : الباب وأذربيجان وهمدان والري وأصبهان وماه والموصل وقرقيسياء ، وكلها في الجهة الشمالية .
كانت الكوفة واسعة كبيرة ، تتصل قراها وجباناتها إلى الفرات الأصلي وقرى العذار ، فهي تبلغ ستة عشر ميلاً وثلثي ميل .
قال ياقوت : ذكر أن فيها من الدور خمسين ألف دار للعرب من ربيعة ومضر ، وأربعة وعشرين ألف دار لسائر العرب ، وستة آلاف دار لليمن . وعد الطبري : من اليمن الأزد وبجيلة وخثعم والأنصار وخزاعة وقضاعة وحضرموت . وعدّ من مضر تميماً وهوازن وأبناء أعصر وأسداً وغطفان ومذحج وهمدان .
قال البراقي : أحد حدودها خندق الكوفة المعروف بكري سعد ، والحد الآخر القاضي الذي هو بقرب القائم إلى أن يصل قريباً من القرية المعروفة اليوم بالشنافية ، والحد الآخر الفرات الذي هو ممتد من الديوانية إلى الحسكة إلى القرية المعروفة اليوم بأبوقوارير ، وهي منزل الرماحية ، والحد الرابع قرى العذار التي هي من نواحي الحلة السيفية ) .
وقال في شوارعها : ( نَهَجَ في الودعة من الصحن خمسة مناهج ، وفي قبلته أربعة مناهج ، وفي شرقيه ثلاثة مناهج ، وفي غربيه ثلاثة مناهج وعلمها ، فأنزل في ودعة الصحن سليماً وثقيفاً مما يلي الصحن على طريقين ، وهمدان على طريق ، وبجيلة على طريق آخر ، وتيم اللات على آخرهم وتغلب ، وأنزل في
--------------------------- 30 ---------------------------
قبلة الصحن بني أسد على طريق ، وبين بني أسد والنخع طريق ، وبين النخع وكندة طريق ، وبين كندة وأزد طريق ، وأنزل في شرقي الصحن الأنصار ومزينة على طريق ، وتميم ومحارب على طريق ، وأسد وعامر على طريق ، وأنزل في غربي الصحن بجالة وبجلة على طريق ، وجديلة وأخلاط على طريق ، وجهينة وأخلاط على طريق ، فكان هؤلاء الذين يلون الصحن ، وسائر الناس بين ذلك ومن وراء ذلك ، واقتسمت على السهمان ، فهذه مناهجها العظمى ) .
وقال في قصر الكوفة : ( فقال له دهقان من أهل همذان يقال له : روزبه بن بزرجمهر : أنا أبنيه لك وأبني لك قصراً فأصلهما ويكون بنياناً واحداً . فخط قصرالكوفة على ما خط عليه ، ثم أنشأه من نقض آخرقصر كان للأكاسرة في ضواحي الحيرة على مساحته اليوم . . ثم مدّ به عن يمين ذلك إلى منقطع رحبة عليّ ( عليه السلام ) والرحبة قبلته ثم مد به ، فكانت قبلة المسجد إلى الرحبة وميمنة القصر ، وكان بنيانه على أساطين من رخام كانت لكسرى بكنائس بغيرمجنبات ، فلم يزل على ذلك حتى بني زمان معاوية بن أبي سفيان بنيانه اليوم على يدي زياد .
ولما تم تمصير الكوفة شقت فيها شوارع سكك ، وكان عرض السكة خمسين ذراعاً ، وكانت السكك تنوّر أثناء الليل بالمشاعل ، وقد وصل إلينا من السكك : سكة البريد ، وسكة العلاء ، وسكة بني محرز ، وسكة شبث ، وسكة عميرة ، وسكة دار الروميين قريبة من قصر الإمارة ، وكثيرغيرها كانت تعرف بأسماء الأعلام والتجّار من قبيل سكة عنترة الحجام ، وأهم سكك الكوفة سكة البريد ، وموقعها بين الجسرالذي كان في الجانب الشرقي وبين القصر وبين الكناسة ، وموقع القصراليوم إلى جانب الجامع من الجنوب الشرقي . أما موقع الكناسة فستعرفه في الشمال الشرقي بين مسجد السهلة ومسجد الكوفة .
وكانت أرباع الكوفة تنقسم إلى خمسة عشر منهجاً : فمنهاج الربع الأول وهو الواقع شمال الجامع : محلات سليم وثقيف وهمذان وبجيلة وتيم اللات وتغلب .
--------------------------- 31 ---------------------------
ومنهاج الربع الثاني ، وموقعه في جهة القبلة جنوباً : محلات بني أسد ونخع وكندة والأزد . ومنهاج الربع الثالث وموقعه شرقي الجامع : محلات الأنصار ومزينة وتميم ومحارب وأسد وعامر . ومنهاج الربع الرابع وموقعه غربي الجامع : محلات بجيلة غطفان وبجيلة قيس وجديلة وجهينة ، وغيرها من عدة عشائر .

علي ( عليه السلام ) أول من حفر الآبار العذبة في الكوفة

وفي خلال القرن الأول لم تكن في الكوفة بئر للإستقاء ، وإنما كانت بعض أقنية والناس يعتمدون على السقائين الذين يحملون الماء من الشريعة ، وبعد ذلك عرفت بئر عليّ ( عليه السلام ) ، واستقى الناس منها ) .
ملاحظات
1 . كان طول الكوفة وعرضها عند تمصيرها نحو أربع كيلو مترات تقريباً ، فتكون أقل من عشرين كيلو متراً مربعاً . ولو جعلنا سكانها مئة ألف بيت ، لما بلغوا مليون نسمة ، ويؤيد ذلك عليه أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان يتجول في سوقها صباحاً ثم يرجع إلى عمله . وربما بلغ سكانها مليوناً ونصفاً في زمن عمر وعثمان .
وينبغي الالتفات إلى أن الدور كانت كبيرة لتسع الجمال والحيوانات الأخرى .
2 . كان اليمانيون أغلب أهل الكوفة ، فقد جاؤوا للجهاد بعوائلهم ، ثم سكنوا . قال الطبري ( 3 / 82 ) : ( لم يكن من قبائل العرب أحد أكثر امرأة يوم القادسية من بجيلة والنخع ، وكان في النخع سبع مائة امرأة فارغة ، وفي بجيلة ألف ، فصاهر هؤلاء ألفٌ من أحياء العرب ، وهؤلاء سبع مائة ) .
وكان في الكوفة زعماء منافقون يثيرون العصبة اليمانية ويستغلونها لزعامتهم ، وأبرز أمثلتهم الأشعث بن قيس الكندي ، وأبو موسى الأشعري . وبهذه العصبة فرضوا على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ولاية أبي موسى على الكوفة ، فولاه حتى ظهرت خيانته ، ثم فرضوا عليه الرضا بالحكمين ، وانسحاب الأشتر في صفين وقد شارف على النصر ، وفرضوا أبا موسى حكماً مقابل الداهية عمرو العاص !
--------------------------- 32 ---------------------------

ظهر الكوفة يشمل النجف وكربلاء

روت مصادرنا بأسانيد صحيحة أن اسم ظهر الكوفة يشمل النجف وكربلاء :
1 . ففي تهذيب الأحكام ( 6 / 34 ) : ( عن أبي بصير ، قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : أين دفن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ؟ قال : دفن في قبر أبيه نوح ( عليه السلام ) قلت : وأين قبر نوح ؟ الناس يقولون إنه في المسجد ؟ قال : لا ، ذاك في ظهر الكوفة ) .
قال الصادق ( عليه السلام ) : ( احتمله الحسن فأتي به ظهرالكوفة قريباً من النجف يسرة عن الغري يمنة عن الحيرة فدفنه بين ذكوات بيض ) . ( الكافي : 1 / 456 ) .
وفي الغارات ( 2 / 845 ) : ( اشترى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ما بين الخورنق إلى الحيرة إلى الكوفة . وفي رواية : ما بين النجف إلى الحيرة إلى الكوفة من الدهاقين بأربعين ألف درهم وأشهد على شرائه . . وقد تقدم ) .
وهذا هو الشراء الثاني بعد شراء جده إبراهيم ( ( صلى الله عليه وآله ) ) لهذه البقعة .
2 . وفي كامل الزيارات / 165 : ( قال علي ( عليه السلام ) : بأبي وأمي الحسين المقتول بظهر الكوفة ، والله كأني أنظر إلى الوحوش مادة أعناقها على قبره من أنواع الوحش يبكونه ويرثونه ليلاً حتى الصباح ، فإذا كان ذلك فإياكم والجفاء ) .
وفي كامل الزيارات / 314 : ( عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال : إن بظهر الكوفة لقبراً ما أتاه مكروب قط إلا فرج الله كربته ، يعني قبر الحسين ( عليه السلام ) ) .

ظهر الكوفة مجمع أرواح المؤمنين

في الكافي ( 3 / 243 ) : ( عن حبة العرني قال : خرجت مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى الظهر فوقف بوادي السلام كأنه مخاطب لأقوام ، فقمت بقيامه حتى أعييت ثم جلست حتى مللت ، ثم قمت حتى نالني مثل ما نالني أولاً ، ثم جلست حتى مللت ، ثم قمت وجمعت ردائي فقلت : يا أمير المؤمنين إني قد أشفقت عليك من طول القيام ، فراحة ساعة ثم طرحت الرداء ليجلس عليه ، فقال لي : يا حبة إن هو إلا محادثة مؤمن أو مؤانسته ، قال قلت : يا أمير المؤمنين وإنهم لكذلك ، قال : نعم ولو كشف لك لرأيتهم
--------------------------- 33 ---------------------------
حلقاً حلقاً محتبين يتحادثون ! فقلت : أجسام أم أرواح فقال : أرواح . وما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض إلا قيل لروحه إلحقي بوادي السلام ، وإنها لبقعة من جنة عدن ) .
وفي تهذيب الأحكام ( 1 / 466 ) : ( عن مروان بن مسلم ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال قلت له : إن أخي ببغداد وأخاف أن يموت فيها . قال : ما تبالِ حيثما مات ، أما إنه لا يبقى أحد في شرق الأرض ولا في غربها إلا حشر الله روحه إلى وادي السلام . قال قلت : جعلت فداك ، وأين وادي السلام ؟ قال : ظهر الكوفة . أما إني كأني بهم حلق حلق قعود يتحدثون ) .

وأرواح المؤمنين يخلق لها أبدان كأبدانهم

في الكافي ( 3 / 244 ) : ( عن أبي ولاد الحناط عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال قلت له : جعلت فداك يروون أن أرواح المؤمنين في حواصل طيور خضر حول العرش ؟ فقال : لا ، المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة طير ولكن في أبدان كأبدانهم . .
وقال له أبو بصير : قلت : فأين هي ؟ قال : في روضة كهيئة الأجساد في الجنة .
وعنه ( عليه السلام ) قال : إن أرواح المؤمنين لفي حجرات في الجنة يأكلون من طعامها ويشربون من شرابها ويقولون : ربنا أقم الساعة لنا وأنجز لنا ما وعدتنا وألحق آخرنا بأولنا . . إن الأرواح في صفة الأجساد في شجرة في الجنة تعارف وتساءل فإذا قدمت الروح على الأرواح يقول : دعوها فإنها قد أفلتت من هول عظيم ثم يسألونها : ما فعل فلان وما فعل فلان ؟ فإن قالت لهم : تركته حياً ارتجوه ،
وإن قالت لهم : قد هلك قالوا : قد هوى هوى ) .

وأرواح الأشرار في برهوت باليمن

في الكافي ( 3 / 245 ) : ( عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : سألته عن أرواح المشركين فقال : إن أرواح الكفار في نار جهنم يعرضون ؟ يقولون : ربنا لا تقم لنا الساعة ،
ولا تنجز لنا ما وعدتنا ، ولاتلحق آخرنا بأولنا . .
--------------------------- 34 ---------------------------
وروى عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : شربئر في النار برهوت الذي فيه أرواح الكفار . وروى : شر ماء على وجه الأرض ماء برهوت ، وهو الذي بحضرموت ترده هام الكفار ) . ورويَ : يرد عليه هام الكفار وصداهم .
أقول : أخطأ كثيرون في تفسير الهام والصدى مع وضوحهما ، فالهامة والهامة البدن والصدى ظل الهام ، لأنه رجع الصوت ، فالعذاب يشمل ظل الهام أيضاً .

أخذ جبرئيل حجراً من ظهر الكوفة لقواعد البيت

في الكافي في الصحيح ( 4 / 195 ) : ( أن الله تبارك وتعالى أوحى إلى جبرئيل ( عليه السلام ) : أنا الله الرحمن الرحيم ، وإني قد رحمت آدم وحواء لما شكيا إلي ما شكيا ، فأهبط عليهما بخيمة من خيم الجنة . . ثم قال : إن الله عز وجل أوحى إلى جبرئيل بعد ذلك أن اهبط إلى آدم وحواء ، فنحهما عن مواضع قواعد بيتي وارفع قواعد بيتي لملائكتي . . فرفع قواعد البيت الحرام بحجر من الصفا وحجر من المروة ، وحجر من طور سيناء ، وحجر من جبل السلام ، وهو ظهر الكوفة . وأوحى الله عز وجل إلى جبرئيل أن ابنه وأتمه ، فاقتلع جبرئيل الأحجار الأربعة بأمر الله عز وجل من مواضعهن بجناحه ، فوضعها حيث أمر الله عز وجل في أركان البيت على قواعده التي قدرها الجبار ونَصَّفَ أعلامها ، ثم أوحى الله عز وجل إلى جبرئيل ( عليه السلام ) أن ابنه وأتمه بحجارة من أبي قبيس ، واجعل له بابين باباً شرقياً وباباً غربياً ، قال : فأتمه جبرئيل ( عليه السلام ) فما أن فرغ طافت حوله الملائكة ، فلما نظر آدم وحواء إلى الملائكة يطوفون حول البيت ، انطلقا فطافا سبعة أشواط ) .
وفي تفسير العياشي ( 1 / 35 ) رواية مفصلة في نزول آدم ( عليه السلام ) عن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ( قال : ثم إن جبريل أتاهما فأنزلهما من المروة ، وأخبرهما أن الجبار تبارك وتعالى قد هبط إلى الأرض ( أهبط جبرئيل ) فرفع قواعد البيت الحرام . . قال : فأتمه جبرئيل . فلما أن فرغ منه طافت الملائكة حوله فلما نظرآدم وحوا إلى الملائكة يطوفون حول البيت انطلقا فطافا بالبيت سبعة أشواط ، ثم خرجا يطلبان ما يأكلان ، وذلك من يومهما الذي هبط بهما فيه ) .
أقول : ورد أن الأحجار الأربعة أحجار خضراء ، وأن أساس البيت تختلف أحجاره عن البناء الفوقي .

  • *
    --------------------------- 35 ---------------------------

الفصل التاسع والستون: أشرقت الكوفة ( عليه السلام ) بعلي فأعاد العهد النبوي

وَصْفُ دخول الإمام ( عليه السلام ) إلى الكوفة

1 . قال ابن حاتم في الدر النظيم ( 1 / 358 ) : ( وكان مقام علي في البصرة شهراً وأمر مالك بن الحارث الأشتر أن يتقدمه في الخيل إلى الكوفة . قال : فقدم علي ( عليه السلام ) إلى الكوفة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة ست وثلاثين من الهجرة . وخرج قوم من أشياخ الكوفة مع قرظة بن كعب الأنصاري يتلقون علياً ( عليه السلام ) في يوم ذي قَر ، وهو يتصبب عرقاً وكسوته خفيفة ! وقد روي أن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) دعا له ألا يصيبه حر ولا قَر . وكان مقام علي ( عليه السلام ) في حرب الجمل خمسة عشر يوماً ) . أي مدة المعارك . وفي الكافئة للمفيد / 31 :
( عن أبي جعفر ( عليه السلام ) : فقاله قرظة : لحمد لله يا أمير المؤمنين الذي أعز وليك وأذل عدوك ، ونصرك على القوم الباغين الطاغين الظالمين ) .
2 . وقال ابن قتيبة في الأخبار الطوال / 152 : ( شَخَصَ عليٌ عن البصرة ، واستعمل عليها عبد الله بن عباس ، فلما انتهى إلى المربد التفت إلى البصرة ، ثم قال : الحمد لله الذي أخرجني من شر البقاع تراباً ، وأسرعها خراباً ، وأقربها من الماء ، وأبعدها من السماء . ثم سار ، فلما أشرف على الكوفة قال : ويحك يا كوفان ، ما أطيب هواءك ، وأغذى تربتك ، الخارج منك بذنب ، والداخل إليك برحمة ، لا تذهب الأيام والليالي ، حتى يجئ إليك كل مؤمن ، ويبغض المقام بك كل فاجر ، وتعمرين حتى أن الرجل من أهلك ليبكر إلى الجمعة فلا يلحقها من بعد المسافة . قالوا : وكان مقدمه الكوفة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة ست وثلاثين ، فقيل له : يا أمير المؤمنين أتنزل القصر ؟ قال : لا حاجة لي في نزوله لكني نازل
--------------------------- 36 ---------------------------
الرحبة ! ثم أقبل حتى دخل المسجد الأعظم فصلى ركعتين ، ثم نزل الرحبة ، فقال الشني يحرض علياً على المسير إلى الشام :
قل لهذا الإمام قد خبت الحرب * وتمت بذلك النعماء
وفرغنا من حرب من نكث العهد * وبالشام حية صماء
تنفث السم ما لمن نهشته * فارمها قبل أن تعض شفاء
قالوا : وإن أول جمعة صلى بالكوفة خطب ، فقال : الحمد لله أحمده وأستعينه وأستهديه ، وأومن به وأتوكل عليه ، وأعوذ بالله من الضلالة والردى ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، انتخبه لرسالته ، واختصه لتبليغ أمره ، أكرم خلقه عليه ، وأحبهم إليه ، فبلغ رسالة ربه ، ونصح لأمته ، وأدى الذي عليه ( ( عليهما السلام ) ) .
أوصيكم عباد الله بتقوى الله ، فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله ، وأقربه لرضوان الله ، وأفضله في عواقب الأمور عند الله ، وبتقوى الله أمرتم ، وللإحسان خلقتم ، فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه ، فإنه حذر بأساً شديداً ، واخشوا الله خشية ليست بتعذير ، واعملوا من غير رياء ولا سمعة ، فإنه من عمل لغير الله وكله الله إلى ما عمل ، ومن عمل مخلصاً له تولاه الله ، وأعطاه أفضل نيته .
وأشفقوا من عذاب الله ، فإنه لم يخلقكم عبثاً ، ولم يترك شيئاً من أمركم سدًى ، قد سمي آثاركم ، وعلم أسراركم ، وأحصى أعمالكم ، وكتب آجالكم ، فلا تغرنكم الدنيا ، فإنها غرارة لأهلها ، والمغرور من اغتر بها ، وإلى فناء ما هي ، وإن الآخرة هي دار القرار . نسأل الله منازل الشهداء ، ومرافقة الأنبياء ، ومعيشة السعداء ، فإنما نحن به وله .
ثم وجه عماله إلى البلدان ، فاستعمل على المدائن وجوخى كلها يزيد بن قيس الأرحبي ، وعلى الجبل وأصبهان محمد بن سليم ، وعلى البهقباذات قرط بن كعب ، وعلى كسكر وحيزها قدامة بن عجلان الأزدي ، وعلى بهرسير وأستانها عدي بن الحارث ، وعلى أستان العالي حسان بن عبد الله البكري ، وعلى أستان الزوابي سعد بن مسعود الثقفي ، وعلى سجستان وحيزها ربعي بن كأس ، وعلى خراسان كلها خليد بن كأس .
--------------------------- 37 ---------------------------
فأما خليد بن كأس فإنه لما دنا من خراسان بلغه أن أهل نيسابور خلعوا يداً من طاعة ، وأنه قدمت عليهم بنت لكسرى من كابل ، فمالوا معها ، فقاتلهم خليد فهزمهم ، وأخذ ابنة كسرى بأمان وبعث بها إلى علي ، فلما أدخلت عليه قال لها : أتحبين أن أزوجك من ابني هذا ؟ يعني الحسن ، قالت : لا أتزوج أحداً على رأسه أحد ، فإن أنت أحببت رضيت بك ، قال : إني شيخ ، وابني هذا من فضله كذا وكذا ، قالت : قد أعطيتك الجملة . فقام رجل من عظماء دهاقين العراق يسمى نرسى ، فقال : يا أمير المؤمنين ، قد بلغك أني من سنخ المملكة وأنا قرابتها فزوجنيها . فقال : هي أملك بنفسها ، ثم قال لها : إنطلقي حيث شئت وانكحي من أحببت ، لا بأس عليك .
واستعمل على الموصل ونصيبين ودارا وسنجار وآمد وميافارقين وهيت وعانات ، وما غلب عليها من أرض الشام ، الأشتر ، فسار إليها فلقيه الضحاك بن قيس الفهري ، وكان عليها من قبل معاوية بن أبي سفيان ، فاقتتلوا بين حران والرقة بموضع يقال له المرج إلى وقت المساء . وبلغ ذلك معاوية ، فأمد الضحاك بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد في خيل عظيمة ، وبلغ ذلك الأشتر ، فانصرف إلى الموصل ، فأقام بها يقاتل من أتاه من أجناد معاوية ، ثم كانت وقعة صفين ) .

أول خطبة خطبها الإمام ( عليه السلام ) في الكوفة

روى نصر بن مزاحم ( صفين / 10 ) عن الإمام زين العابدين خطبة الجمعة لجده أمير المؤمنين ( ( صلى الله عليه وآله ) ) بالكوفة والمدينة : ( إن الحمد لله ، أحمده وأستعينه وأستهديه ، وأعوذ بالله من الضلالة . من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، انتجبه لأمره ، واختصه بالنبوة ، أكرم خلقه وأحبهم إليه ، فبلغ رسالة ربه ، ونصح لأمته ، وأدى الذي عليه . وأوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله وأقربه لرضوان الله ، وخيره في عواقب الأمور عند الله . وبتقوى الله أمرتم ، وللإحسان والطاعة خلقتم . فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه فإنه
--------------------------- 38 ---------------------------
حذر بأساً شديداً . واخشوا الله خشية ليست بتعذير ، واعملوا في غير رياء ولا سمعة ، فإن من عمل لغير الله وكله الله إلى ما عمل له ، ومن عمل لله مخلصاً تولى الله أجره .
وأشفقوا من عذاب الله ، فإنه لم يخلقكم عبثاً ، ولم يترك شيئاً من أمركم سدى ، قد سمى آثاركم ، وعلم أعمالكم ، وكتب آجالكم . فلا تُغروا بالدنيا فإنها غرارة بأهلها ، مغرور من اغتر بها ، وإلى فناء ما هي : وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ . أسأل الله منازل الشهداء ، ومرافقة الأنبياء ، ومعيشة السعداء ، فإنما نحن له وبه ) .
أقول : هذا مفتتح خطبة لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) في المدينة ، قد يكون قاله أيضاً لأهل الكوفة ، ورواية ابن قتيبة أكمل من هذه . كما ورد عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) شبيهه ، فيكون أخذه من جده أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
وروى اليعقوبي ( 1 / 193 ) خطبةً مختلفة ، قال : ( لما قدم علي الكوفة قام خطيباً فقال بعد حمد الله والثناء عليه والتذكير لنعمه والصلاة على محمد وذكره بما فضله الله به : أما بعد أيها الناس ، فأنا فقأت عين الفتنة ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيري ، ولو لم أكن فيكم ما قوتل الناكثون ، ولا القاسطون ، ولا المارقون ، ثم قال : سلوني قبل أن تفقدوني فإني عن قليل مقتول ، فما يحبس أشقاها أن يخضبها بدم أعلاها ، فوالذي فلق البحر وبرأ النسمة لا تسألوني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة ، ولا عن فتنة تضل مائة أو تهدي مائة ، إلا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها إلى يوم القيامة . إن القرآن لا يعلم علمه إلا من ذاق طعمه ، وعلم بالعلم جهله ، وأبصر عمله ، واستمع صممه ، وأدرك به مأواه ، وحي به إن مات ، فأدرك به الرضى من الله ، فاطلبوا ذلك عند أهله ، فإنهم في بيت الحياة ، ومستقر القرآن ، ومنزل الملائكة ، وأهل العلم الذين يخبركم عملهم عن علمهم ، وظاهرهم عن باطنهم هم الذين ، لا يخالفون الحق ، ولا يختلفون فيه ، قد مضى فيهم من الله حكم صادق ، وفي ذلك ذكرى للذاكرين .
أما أنكم ستلقون بعدي ذلاً شاملاً ، وسيفاً قاتلا ً ، وأثرة قبيحة ، يتخذها الظالمون عليكم سنة تفرق جموعكم ، وتبكي عيونكم ، وتدخل الفقر بيوتكم ، وستذكرون ما أقول لكم عن قليل ، ولا يبعد الله إلا من ظلم ) !
--------------------------- 39 ---------------------------
أقول : يبدو ان هذه الخطبة لما قدم ( عليه السلام ) من حرب النهروان ، وليس في أول قدومه إلى الكوفة . ويظهر منها أنه صلوات الله عليه كان على يقين بما أخبره به رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، ووضوح من المستقبل ، وأنه يوبخ من لم يعرفوا قدره َ

رفض الإمام ( عليه السلام ) أن يسكن قصرالإمارة

وصل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى الكوفة قبل أن تصل عائلته وأثقاله ، فنزل على باب المسجد ، فجلس قليلاً ثم دخل المسجد ، ولما وصل ثقله قالوا له : أعددنا لك قصرالإمارة فرفض أن ينزل فيه ، ونزل عند ابن أخته أم هاني : جعدة بن هبيرة ، ثم استأجر بيتاً متواضعاً في قبلة المسجد ونزل فيه :
قال نصر بن مزاحم / 6 : ( لما دخل الكوفة قيل له أيَّ القصرين ننزلك ؟ قال : قصر الخبال لا تنزلونيه ! فنزل على جعدة بن هبيرة المخزومي .
نزل على باب المسجد فدخل وصلى ، ثم تحول فجلس إليه الناس ، فسأل عن رجل من أصحابه كان ينزل الكوفة فقال قائل : استأثر الله به . فقال : إن الله لايستأثر بأحد من خلقه ، وقرأ : وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . قال : فلما لحق الثقلُ قالوا : أي القصرين تنزل ؟ فقال : قصرالخبال لا تنزلونيه ) !
أقول : استأجر الإمام ( عليه السلام ) بيتاً في قبلة المسجد ولم يشتر بيتاً ، وبعد وفاته جعل المسلمون بيته مزاراً . قال الثوري : ( ما بنى عليٌّ آجرة على آجرة ، ولا لبنة على لبنة ولاقصبة على قصبة ، وإن كان ليؤتى بحبوتة من المدينة في جراب ) .
أقول : في بعض المصادر يؤتى بحبوبه ، وفي بعضها برزقه ، أي بما يخبزه .
قال الإمام الباقر ( عليه السلام ) ( الكافي : 8 / 130 ) : ( إن رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ما رأته عين وهو يأكل وهو متكئ ، منذ أن بعثه الله إلى أن قبضه ، ثم قال : يا محمد لعلك ترى أنه شبع من خبز البرثلاثة أيام متوالية منذ أن بعثه الله إلى أن قبضه ! ثم قال : لا والله ما شبع من خبز البر ثلاثة أيام متوالية منذ بعثه الله إلى أن قبضه ، أما إني لا أقول : إنه كان لا يجد ، لقد كان يجيز الرجل الواحد بالمائة من الإبل ، فلو أراد أن يأكل
--------------------------- 40 ---------------------------
لأكل ، ولقد أتاه جبرئيل ( عليه السلام ) بمفاتيح خزائن الأرض ثلاث مرات ، يخيِّره من غير أن ينقصه الله تبارك وتعالى مما أعد الله له يوم القيامة شيئاً ، فيختار التواضع لربه عز وجل . وما سئل شيئاً قط فيقول لا . إن كان أعطى وإن لم يكن قال : يكون . وما أعطى على الله شيئاً قط إلا سلم ذلك إليه حتى أن كان ليعطي الرجل الجنة فيسلم الله ذلك له . ثم تناولني بيده وقال : وإن كان صاحبكم ( علي ( عليه السلام ) ) ليجلس جلسة العبد ويأكل أكلة العبد ، ويطعم الناس خبز البر واللحم ، ويرجع إلى أهله فيأكل الخبز والزيت ! وإن كان ليشتري القميص السنبلاني ثم يخير غلامه خيرهما ثم يلبس الباقي ، فإذا جاز أصابعه قطعه ، وإذا جاز كعبه حذفه ! وما ورد عليه أمران قط كلاهما لله رضى إلا أخذ بأشدهما على بدنه ، ولقد وليَ الناس خمس سنين فما وضع آجرة على آجرة ولا لبنة على لبنة ولا أقطع قطيعة ، ولا أورث بيضاء ولا حمراء إلا سبع مائة درهم فضلت من عطاياه ، أراد أن يبتاع لأهله بها خادماً . وما أطاق أحد عمله ، وإن كان علي بن الحسين لينظر في الكتاب من كتب علي فيضرب به الأرض ويقول : من يطيق هذا ) !
وكان ( عليه السلام ) أمر برد ما يكون معه إلى بيت المال ، فرد الإمام الحسن ( عليه السلام ) السبع مئة درهم إلى بيت المال !

وصف الرحالة ابن جبيرالكوفة وبيت علي ( عليه السلام )

قال في رحلته / 188 : ( هي مدينة كبيرة عتيقة البناء ، قد استولى الخراب على أكثرها فالغامر منها أكثر من العامر ، ومن أسباب خرابها قبيلة خفاجة المجاورة لها ، فهي لا تزال تضر بها . وكفاك بتعاقب الأيام والليالي محيياً ومفنياً . وبناء هذه المدينة بالآجر خاصة ولا سور لها . والجامع العتيق آخرها مما يلي شرقي البلد ولا عمارة تتصل به من جهة الشرق وهو جامع كبير ، في الجانب القبلي منه خمسة أبلطة ، وفي سائر الجوانب بلاطان ، وهذه البلاطات على أعمدة من السواري الموضوعة ، من صم الحجارة المنحوتة قطعة على قطعة مفرغة بالرصاص ولا قسي عليها على الصفة التي ذكرناها في مجسد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهي في نهاية الطول متصلة بسقف المسجد ، فتحار العيون في تفاوت ارتفاعها ، فما أرى في الأرض مسجداً أطول أعمدة منه ولا أعلى سقفاً . ولهذا الجامع
--------------------------- 41 ---------------------------
المكرم آثار كريمة فمنها بيت بإزاء المحراب عن يمين المستقبل القبلة يقال إنه كان مصلى إبراهيم الخليل ، عليه ستر أسود صوناً له ، ومنه يخرج الخطيب لابساً ثياب السواد للخطبة ، فالناس يزدحمون على هذا الموضع المبارك للصلاة فيه .
وعلى مقربة منه مما يلي الجانب الأيمن من القبلة محراب محلق عليه بأعواد الساج مرتفع عن صحن البلاط كأنه مسجد صغير ، وهو محراب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) ، وفي ذلك الموضع ضربه الشقي اللعين عبد الرحمن بن ملجم بالسيف ، فالناس يصلون فيه باكين داعين . وفي الزاوية من آخر هذا البلاط القبلي المتصل بآخر البلاط الغربي ، شبه مسجد صغير محلق عليه أيضاً بأعواد الساج ، هو موضع مفار التنور الذي كان آية لنوح ( عليه السلام ) ، وفي ظهره خارج المسجد بيته الذي كان فيه ، وفي ظهره بيت آخر يقال إنه كان متعبد إدريس .
ويتصل بهما فضاء متصل بالجدار القبلي من المسجد يقال إنه كان منشأ السفينة ، ومع آخر هذا الفضاء دار علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) ، والبيت الذي غسل فيه ( ويتصل به بيت يقال إنه كان بيت ابنة نوح صلى الله عليه وسلم ، وهذه الآثار الكريمة تلقيناها من ألسنة أشياخ من أهل البلد ، فأثبتناه حسبما نقلوه إلينا ، والله أعلم بصحة ذلك كله .
وفي الجهة الشرقية من الجامع بيت صغير يصعد إليه فيه قبر مسلم بن عقيل بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) ، وفي جوفي الجامع على بعد منه يسير سقاية كبيرة من ماء الفرات ، فيها ثلاثة أحواض كبار .
وفي غربي المدينة على مقدار فرسخ منها المشهد الشهير الشان المنسوب لعلي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) ، وحيث بركت ناقته وهو محمول عليها مسجى ميتاً على ما يذكر ، ويقال إن قبره فيه والله أعلم بصحة ذلك .
وفي هذا المشهد بناء حفيل على ما ذكر لنا ، لأنا لم نشاهده بسبب أن وقت المقام بالكوفة ضاق عن ذلك ، لأنا لم نبت فيها سوى ليلة يوم السبت ، وفي غداته رحلنا ، ونزلنا قريب الظهر علي نهر منسرب من الفرات ، والفرات من الكوفة
--------------------------- 42 ---------------------------
على مقدار نصف فرسخ مما يلي الجانب الشرقي والجانب الشرقي كله حدائق نخيل ملتفة يتصل سوادها ، ويمتد امتداد البصر ورحلنا من ذلك الموضع ، وبتنا ليلة الأحد منسلخ محرم بمقربة من الحلة ثم جئناها يوم الأحد المذكور .
ذكر مدينة الحلة حرسها الله تعالى : هي مدينة كبيرة عتيقة الوضع مستطيلة لم يبق من سورها الا حلق من جدار ترابي مستدير بها ، وهي على شط الفرات يتصل بها من جانبها الشرقي ويمتد بطولها ، ولهذه المدينة أسواق حفيلة جامعة للمرافق المدنية والصناعات الضرورية ، وهي قوية العمارة كثيرة الخلق ، متصلة حدائق النخيل داخلاً وخارجاً ، فديارها بين حدائق النخيل . وألفينا بها جسراً عظيماً معقوداً على مراكب كبار ، متصلة من الشط إلى الشط ، تحف بها من جانبها سلاسل من حديد كالأذرع المفتلة عظماً وضخامة ، ترتبط إلى خشب مثبتة في كلا الشطين تدل على عظم الاستطاعة والقدرة ، أمر الخليفة بعقده على الفرات اهتماماً بالحاج واعتناء بسبيله ، وكانوا قبل ذلك يعبرون في المراكب فوجدوا هذا الجسر قد عقده الخليفة في مغيبهم ، ولم يكن عند شخوصهم إلى مكة شرفها الله .
وعبرنا الجسر ظهر يوم الأحد المذكور نزلنا بشط الفرات على مقدار فرسخ من البلد ، وهذا النهر كاسمه فرات هو من أعذب المياه وأخفها ، وهو نهر كبير زخار تصعد فيه السفن وتنحدر .
والطريق من الحلة إلى بغداد أحسن طريق وأجملها ، في بسائط من الأرض وعمائر ، تتصل بها القرى يميناً وشمالاً ويشق هذه البسائط أغصان من ماء الفرات ، تتسرب بها وتسقيها ، فمحرثها لاحد لاتساعه وانفساحه ، فللعين في هذه الطريق مسرح انشراح ، وللنفس مزاد انبساط وانفساح والأمن فيها متصل بحمد الله سبحانه .
شهرصفر سنة ثمانين عرفنا الله يمنه وبركته هلاله على الكمال ، من ليلة الاثنين بموافقة الرابع عشر من مايه ، استهل هلاله ونحن على شط الفرات بظاهر مدينة الحلة ، وفي ضحوة يوم الاثنين المذكور رحلنا وأجزنا جسراً على نهر يسمى النيل ، وهو فرع متشعب من الفرات ، وكان عليه ازدحام غرق فيه كثير من الناس والدواب في الماء ،
--------------------------- 43 ---------------------------
فتنحينا مريحين إلى أن انفرج ذلك المزدحم ، وعبرنا على سلامة وعافية والحمد لله ) .

وصف الرحالة ابن بطوطة الكوفة وبيت علي ( عليه السلام )

قال في رحلته / 213 : ( وردنا إلى مدينة الكوفة وهي إحدى أمهات البلاد العراقية المتميزة فيها ، بفضل مزية مثوى الصحابة والتابعين ، ومنزل العلماء والصالحين ، وحضرة علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ، إلا أن الخراب قد استولى عليها بسبب أيدي العدوان التي امتدت إليها ، وفسادها من عرب خفاجة المجاورين لها فإنهم يقطعون طريقها .
ولا سور عليها وبناؤها بالآجر وأسواقها حسان ، وأكثر ما يباع فيها التمر والسمك ، وجامعها الأعظم جامع كبير شريف بلاطاته سبع ، قائمة على سواري حجارة ضخمة منحوته قد صنعت قطعاً ووضع بعضها على بعض وأفرغت بالرصاص وهي مفرطة الطول ، وبهذا المسجد آثار كريمة ، فمنها بيت إزاء المحراب عن يمين مستقبل القبلة يقال إن الخليل صلوات الله عليه كان له مصلى بذلك الموضع ، وعلى مقربة منه محراب محلق عليه بأعواد الساج مرتفع ، وهو محراب علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) ، وهنالك ضربه الشقي ابن ملجم ، والناس يقصدون الصلاة به .
وفي الزاوية من هذا البلاط مسجد صغيرمحلق عليه أيضاً بأعواد الساج ، يذكر أنه الموضع الذي فار منه التنور حين طوفان نوح ، وفي ظهره خارج المسجد بيت يزعمون أنه بيت نوح ( عليه السلام ) ، وإزاءه بيت يزعمون أنه متعبد إدريس ( عليه السلام ) ، ويتصل بذلك فضاء ويتصل بالجدار القبلي للمسجد ، يقال إنه موضع إنشاء سفينة نوح ( عليه السلام ) . وفي آخرهذا الفضاء دارعلي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) والبيت الذي غسل فيه . ويتصل به بيت يقال أيضاً إنه بيت نوح ( عليه السلام ) ، والله أعلم بصحة ذلك كله .
وفي الجهة الشرقية من الجامع بيت مرتفع يصعد إليه قبر مسلم بن عقيل بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) ، وبمقربة منه خارج المسجد قبر عاتكة وسكينة بنتي الحسين ( عليه السلام ) . وأما قصر الإمارة بالكوفة الذي بناه سعد بن أبي وقاص فلم يبق
--------------------------- 44 ---------------------------
إلا أساسه . والفرات من الكوفة على مسافة نصف فرسخ في الجانب الشرقي منها ، وهو منتظم بحدائق النخل الملتفة المتصل بعضها بعض ، ورأيت بغربي جبانة الكوفة موضعاً مسوداً شديد السواد في بسيط أبيض ، فأخبرت أنه قبر الشقي ابن ملجم ، وأن أهل الكوفة يأتون كل سنة بالحطب الكثير فيوقدون النار على موضع قبره سبعة أيام ، وعلى قرب منه قبة أخبرت أنها على قبر المختار بن أبي عبيد ) .
ويبدو أنه قرأ رحلة بن جبير ، وأخذ منها ، وقد نص على أن المسلمين جعلوا بيته الإمام ( عليه السلام ) مزاراً ، وهو الآن في قبلة مسجد الكوفة يزوره الناس ويتبركون بماء بئر فيه ، وفيه دهاليز وعدة غرف ، مثل بيوت الكوفة القديمة .
وقال البراقي في تاريخ الكوفة / 40 : ( إن ابن بطوطة شاهد آثاراً كثيرة ، وفي زماننا هذا ليس لها عين ولا أثر ، ويظهر من كلامه في محراب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنه المحراب الموجود الآن الذي بجنبه المنبر المبني بالجص والحجارة . وبقوله : في الزاوية من آخر هذا البلاط ، يشير إلى الزاوية الغربية ، وهي الآن حجرة كبيرة ، فعلى كلامه يكون منها فار التنور .
ويظهر من قوله : في ظهره خارج المسجد بيت يزعمون أنه بيت نوح ( عليه السلام ) ، أن بيت نوح ملاصق للزاوية الغربية ويتصل بالباب الذي ذكرنا أنه مقام نوح ( عليه السلام ) الذي بجنب المنبر ، وهو الباب الذي يدخل منه الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى المسجد . وأما متعبد إدريس فليس له اليوم عين ولا أثر . وأما الفضاء الذي ذكره المتصل بالجدار القبلي من المسجد الذي نجرت فيه السفينة ، فهو هذا الفضاء الموجود ما بين بيت أمير المؤمنين وبيت نوح ، الذي هو ملاصق للحائط القبلي ) .

وصفوا فرش بيت علي ( عليه السلام )

روى سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص ( 1 / 110 ) : ( عن سويد بن غفلة قال : دخلت على علي ( عليه السلام ) يوماً وليس في داره سوى حصير رثّ ، وهو جالس عليه ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، أنت ملك المسلمين والحاكم عليهم وعلى بيت المال ، وتأتيك الوفود ، وليس في بيتك سوى هذا الحصير شئ ؟ قال : يا سويد إن اللبيب لايتأثث في دار
--------------------------- 45 ---------------------------
النقلة ، وأمامنا دار المقامة قد نقلنا إليها متاعنا ، ونحن منقلبون إليها عن قريب ! قال : فأبكاني والله كلامه ) !

وصفوا ملبسه ومأكله

1 . كان ( عليه السلام ) يدعو الناس إلى الاقتداء برسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فقال ( عليه السلام ) ( نهج البلاغة : 2 / 60 ) : ( ولقد كان في رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ما يدلك على مساوي الدنيا وعيوبها ، إذ جاع فيها مع خاصته ، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته . فلينظر ناظر بعقله أكرم الله محمداً ( ( عليهما السلام ) ) بذلك أم أهانه ؟ فإن قال أهانه فقد كذب والعظيم ، وإن قال أكرمه فليعلم أن الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له وزواها عن أقرب الناس منه ! فتأسى متأس بنبيه ، واقتص أثره ، وولج مولجه ، وإلا فلا يأمن الهلكة ، فإن الله جعل محمداً ( ( عليهما السلام ) ) علماً للساعة ، ومبشراً بالجنة ، ومنذراً بالعقوبة ، خرج من الدنيا خميصاً ، وورد الآخرة سليماً ، لم يضع حجراً على حجر حتى مضى لسبيله وأجاب داعي ربه .
فما أعظم منة الله عندنا حين أنعم علينا به سلفاً نتبعه ، وقائداً نطأ عقبه . والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها ، ولقد قال لي قائل ألا تنبذها ؟ فقلت : أغرب عني ، فعند الصباح يحمد القوم السرى ) .
وراقعها ابنه الحسن ( عليه السلام ) ، لكن شخص آخر قال له : أنبذها فإن الأتان لا ترضاها بردعة لها ! فأجابه بما تقدم .
2 . وروى الصادق ( عليه السلام ) عن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) قصة ملفتة ، قال ( عليه السلام ) ( أمالي الصدوق / 211 ) : ( جاء رجل إلى رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وقد بلي ثوبه ، فحمل اليه اثني عشر درهماً ، فقال : يا علي خذ هذه الدراهم فاشتر لي ثوباً ألبسه . قال علي ( عليه السلام ) : فجئت إلى السوق فاشتريت له قميصاً باثني عشر درهماً ، وجئت به إلى رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فنظر إليه فقال : يا علي غيرهذا أحب إلي ، أترى صاحبه يقيلنا ؟ فقلت : لا أدري ، فقال : أنظر ، فجئت إلى صاحبه فقلت : إن رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) قد كره هذا يريد ثوباً دونه فأقلنا فيه ، فرد علي الدراهم ، وجئت بها إلى رسول الله فمشى معي إلى السوق
--------------------------- 46 ---------------------------
ليبتاع قميصاً ، فنظر إلى جارية قاعدة على الطريق تبكي فقال لها رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : ما شأنك ؟ فقالت : يا رسول الله إن أهل بيتي أعطوني أربعة دراهم لأشتري لهم بها حاجة فضاعت فلا أجسر أن أرجع إليهم ، فأعطاها رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) أربعة دراهم ، وقال : إرجعي إلى أهلك ، ومضى رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) إلى السوق واشترى قميصاً بأربعة دراهم ولبسه وحمد الله وخرج ، فرأى رجلاً عرياناً يقول : من كساني كساه الله من ثياب الجنة ، فخلع رسول الله قميصه الذي اشتراه وكساه السائل ، ثم رجع إلى السوق فاشترى بالأربعة التي بقيت قميصاً آخر فلبسهُ وحمد الله ورجع إلى منزله ، وإذا الجارية قاعدة على الطريق ، فقال لها رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : مالك لا تأتين أهلك ؟ قالت : يا رسول الله ، إنّي قد أبطأت عليهم فأخاف أن يضربوني ، فقال لها رسول الله : مري بين يديَّ ودلّيني على أهلك ، فجاء رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) حتى وقف على باب دارهم ثم قال : السلام عليكم يا أهل الدار فلم يجيبوه ، فأعاد السلام فلم يجيبوه ، فأعاد السلام فقالوا : عليك السلام يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ، فقال لهم : ما لكم تركتم إجابتي في أول السلام والثاني ؟ قالوا : يا رسول الله ، سمعنا سلامك فأحببنا أن نستكثر منه ! فقال رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : إن هذه الجارية أبطأت عليكم فلا تؤاخذوها فقالوا : يا رسول الله هي حرة لممشاك ، فقال رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : الحمد لله ، ما رأيت اثني عشر درهماً أعظم بركة من هذه ، كسا الله بها عريانين وأعتق بها نسمةً ) .
3 . وفي المحاسن للبرقي ( 2 / 409 ) : ( قال حبة العرني : أُتيَ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بخوان فالوذج ، فوضع بين يديه فنظر إلى صفائه وحسنه ، فوجأ بإصبعه فيه حتى بلغ بأسفله ، ثم سلها ولم يأخذ منه شيئاً وتلمظ إصبعه وقال : إنه لحلال طيب وما هو بحرام ، ولكني أكره أن أعود نفسي ما لم أعودها ، إرفعوه عني ، فرفعوه ) .
وفي شرح النهج ( 9 / 235 ) : ( عن أحمد بن حنبل قال : قيل لعلي : يا أمير المؤمنين لم تُرَقِّعُ قميصك ؟ قال : ليخشع القلب ، ويقتدى بي المؤمنون . وكان يطوف الأسواق مؤتزراً بإزار ، مرتدياً برداء ، ومعه الدرة ، فطاف مرة حتى بلغ سوق الكرابيس فقال لواحد : يا شيخ بعني قميصاً تكون قيمته ثلاثة دراهم ، فلما عرفه الشيخ لم يشتر منه شيئاً ، ثم
--------------------------- 47 ---------------------------
أتى آخر فلما عرفه لم يشتر منه شيئاً ، فأتى غلاماً حدثاً فاشترى منه قميصاً بثلاثة دراهم ، فلما جاء أبوالغلام أخبره فأخذ درهماً ، ثم جاء إلى علي ( عليه السلام ) ليدفعه إليه فقال له : ما هذا ؟ فقال يا مولاي إن القميص الذي باعك ابني كان يساوى درهمين . فلم يأخذ الدرهم وقال : باعني رضاي وأخذ رضاه !
وجاء إلى السوق ومعه غلام له وهو خليفة ، فاشترى قميصين وقال لغلامه : إختر أيهما شئت ، فأخذ أحدهما ، وأخذ عليٌّ الآخر ثم لبسه ومد يده ، فوجد كمه فاضلة فقال : اقطع الفاضل فقطعته ، ثم كفه وذهب .
وروى أحمد عن الصمال بن عمير قال : رأيت قميص علي ( عليه السلام ) الذي أصيب فيه ، وهو كرابيس سبيلاني ، ورأيت دمه قد سال عليه كالدردي .
وروى عن التميمي : خرج علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) بسيفه إلى السوق فقال : من يشتري مني سيفي هذا ؟ فلو كان عندي أربعة دراهم اشتري بها إزاراً ما بعته . وقال أبو رجاء : قلت يا أمير المؤمنين ، أنا أبيعك وأنسيك إلى العطاء ) .
أقول : أنسيك : أي أبيعك إزاراً نسيئة إلى أن يخرج عطاؤك . ولا بد أن يكون ذلك السيف غير ذي الفقار ، فإنه لا يباع ولا يوهب .
روى الخوارزمي عن سويد بن غفلة ، قال : دخلت على علي ( عليه السلام ) فوجدته جالساً وبين يديه صحفة فيها لبن حازر ، أجد ريحه من شدة حموضته ، وفي يديه رغيف أرى آثار قشار الشعير في وجهه ، وهو يكسره بيده أحياناً ، فإذا أعيا عليه كسره بركبتيه وطرحه في اللبن ، فقال : أدن فأصب من طعامنا هذا ، فقلت : إني صائم ، فقال : سمعت رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يقول : من منعه الصيام من طعام يشتهيه كان حقاً على الله أن يطعمه من طعام الجنة ويسقيه من شرابها . قال : فقلت لجاريته وهي قائمة بقرب منه : ويحك يا فضة ألا تتقين الله في هذا الشيخ ؟ ألا تنخلون له طعاماً مما أرى فيه من النخالة ، فقالت : لقد تقدم إلينا ألا ننخل له طعاماً .
قال لي : ما قلت لها ؟ فأخبرته فقال : بأبي وأمي من لم ينخل له طعام ( ( عليهما السلام ) ) ،
ولم يشبع من خبز البّر ثلاثة أيام ، حتى قبضه الله عز وجل ) .
--------------------------- 48 ---------------------------
وفي حلية الأولياء ( 1 / 83 ) : ( أُتيَ بشئ من خبيص فوضعه بين أيديهم ، فجعلوا يأكلون ، فقال علي : إن الإسلام ليس ببكر ضال ، ولكن قريش رأت هذا فتناحرت عليه ) !
أي جعلت قريش الإسلام مكسباً دنيوياً كالفصيل الضائع لا صاحب له ، فطمعوا به وتقاتلوا عليه ، وتناحروا عليه . ورواه أحمد في الفضائل / 435 .
وهو يدل على رأيه في قريش ، وأن مبادرتها إلى السقيفة كان طلباً للدنيا .
4 . وروى ابن حنبل في فضائل الصحابة / 535 : ( عن الأعمش قال : كان علي يُغدي ويعشي ، ويأكل هو من شئ يجيئه من المدينة . عن محمد بن كعب القرظي قال : سمعت علياً قال : كنت مع رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وإني لأربط على بطني الحجر من الجوع ، وإن صدقتي اليوم لأربعون ألفاً .
عن زيد بن وهب قال : قدم على عليٍّ وفد من أهل البصرة منهم رجل من رؤوس الخوارج يقال له الجعد بن بعجة ، فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال : يا علي ، إتق الله فإنك ميت ، وقد علمت سبيل المحسن ، يعني بالمحسن عمر ، ثم قال : إنك ميت ! فقال علي : كلا والذي نفسي بيده ، بل مقتول قتلاً ضربة على هذا يخضب ، هذا قضاء مقضي وعهد معهود وقد خاب من افترى . ثم عاتبه في لبوسه فقال : ما يمنعك أن تلبس ؟ قال : ما لك وللبوسي ، إن لبوسي هذا أبعد من الكبر ، وأجدر أن يقتدي به المسلم .
رأيت علي بن أبي طالب اشترى تمراً بدرهم ، فحمله في ملحفته ، فقالوا : نحمل عنك يا أمير المؤمنين ؟ قال : لا ، أبوالعيال أحق أن يحمل .
أبوخريم الباهلي قال : رأيت علي بن أبي طالب بشط الكلأ يسأل عن الأسعار . عن كريمة بنت همام الطابية قالت : كان علي يقسم فينا الورس بالكوفة . عن عبيدة السلماني قال : صحبت عبد الله بن مسعود سنة ثم صحبت علياً ، فكان فضل علي على عبد الله في العلم ، كفضل المهاجر على الأعرابي ! عن ابن عيينة قال : كان علي بن أبي طالب يقول : كفوا عني خفق نعالكم ، فإنها مفسدة لقلوب نوكى الرجال ) .
أي لا تتبعوني وتمشوا خلفي ، وأريحوني من ضرب أقدامكم خلفي ! فإن مشيكم خلف الحاكم يفسد قلبه ويورثه التكبر إن كان أحمق !
--------------------------- 49 ---------------------------
5 . وفي نهج البلاغة ( 2 / 187 ) : ( ومن كلام له ( عليه السلام ) بالبصرة وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي وهو من أصحابه يعوده ، فلما رأى سعة داره قال : ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا ؟ أما أنت إليها في الآخرة كنت أحوج ، وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة ، تُقري فيها الضيف ، وتصل فيها الرحم ، وتطلع منها الحقوق مطالعها ، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة .
فقال له العلاء : يا أمير المؤمنين أشكوا إليك أخي عاصم بن زياد . قال وما له ؟ قال : لبس العباءة وتخلى عن الدنيا . قال عليَّ به ، فلما جاء قال : يا عُدَيَّ نفسه لقد استهام بك الخبيث ، أما رحمت أهلك وولدك ! أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها ؟ أنت أهون على الله من ذلك .
قال : يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك . قال : ويحك إني لست كأنت ، إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس ، كيلا يتبيغ بالفقير فقره ) .
قال الشيخ مغنية في ظلال النهج ( 3 / 240 ) : ( على القائد أعباء قاسية وجسيمة وأولها إقامة العدل والمساواة بين الناس في السراء والضراء ، على أن يبدأ القائد بنفسه وأهله . وإن وجد فقير واحد في رعيته عمل لدفع المضرة عنه وإن عجز شاركه في مكاره العيش ، لئلا يزداد ألماً على ألم ، أو يعيبه ويعيره ببلواه عائب ومعير ، ما دامت هذه هي حال الخليفة ودنياه . وإذن فخشونة الإمام في عيشه جزء من جهاده وعمله من أجل الفقراء والمستضعفين ، وفضيلة من فضائل القادة والحاكمين ، أما خشونة عاصم فجمود وانهزام ) .
وفي شرح النهج ( 11 / 33 ) : ( يا عديَّ نفسه : تصغيرعدو وقد يمكن أن يراد به التحقير المحض هاهنا ، ويمكن أن يراد به الاستعظام لعداوته لها ، ويمكن أن يخرج مخرج التحنن والشفقة كقولك يا بني . واستهام بك الخبيث : يعني الشيطان أي جعلك هائماً ضالاً . . وتبيغ الدم بصاحبه وتبوغ به : أي هاج به . وفي الحديث : عليكم بالحجامة لايتبيغ بأحدكم الدم فيقتله . وقيل أصل يتبيغ يتبغى
--------------------------- 50 ---------------------------
فقلب جذب وجبذ أي يجب على الإمام العادل أن يشبه نفسه في لباسه وطعامه بضعفة الناس جمع ضعيف ، لكيلا يهلك الفقراء من الناس . فإنهم إذا رأوا إمامهم بتلك الهيئة وبذلك المطعم كان أدعى لهم إلى سلوان لذات الدنيا والصبر عن شهوات النفوس .
واعلم أن الذي رويته عن الشيوخ ورأيته بخط عبد الله بن أحمد بن الخشاب ( رحمه الله ) أن الربيع بن زياد الحارثي أصابته نشابة في جبينه ، فكانت تنتقض عليه في كل عام ، فأتاه علي ( عليه السلام ) عائداً فقال : كيف تجدك أبا عبد الرحمن ؟ قال : أجدني يا أمير المؤمنين لو كان لا يذهب ما بي إلا بذهاب بصري لتمنيت ذهابه . قال : وما قيمة بصرك عندك ؟ قال لو كانت لي الدنيا لفديته بها . قال : لاجرم ليعطينك الله على قدر ذلك ، إن الله تعالى يعطي على قدر الألم والمصيبة ، وعنده تضعيف كثير .
قال الربيع : يا أمير المؤمنين ألا أشكوا إليك عاصم بن زياد أخي ؟ قال : ما له ؟ قال : لبس العباء وترك الملاء وغم أهله وحزن ولده . فقال عليٌّ : ادعوا لي عاصماً ، فلما أتاه عبس في وجهه وقال : ويحك يا عاصم ، أترى الله أباح لك اللذات وهو يكره ما أخذت منها ! لأنت أهون على الله من ذلك . أوَما سمعته يقول : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ . ثم قال : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ . وقال : وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها .
أما والله إن ابتذال نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال ، وقد سمعتم اللَّه يقول : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ . وقوله : مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ا للهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِه وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ . إن الله خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ . وقال : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً . وقال رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) لبعض نسائه : مالي أراك شعثاء مرهاء سلتاء !
قال عاصم : فلم اقتصرت يا أمير المؤمنين على لبس الخشن وأكل الجشب ؟ قال ( عليه السلام ) : إن الله افترض على أئمة العدل أن يقدروا لأنفسهم بالقوام كيلا يتبيغ بالفقير فقره . فما قام علي ( عليه السلام ) حتى نزع عاصم العباء ، ولبس ملائة .
والربيع بن زياد هو الذي افتتح بعض خراسان وفيه قال عمر : دلوني على رجل إذا كان في القوم أميراً فكأنه ليس بأمير ، وإذا كان في القوم ليس بأمير فكأنه الأمير بعينه ،
--------------------------- 51 ---------------------------
وكان خيراً متواضعاً ) .
وقد فسر شمس الدين في دراسات في النهج / 233 ، قوله ( عليه السلام ) : أنت أهون على الله من ذلك ؟ بأن الله قد يحل شيئاً وهو يكره فعله ، والبشرأهون على الله تعالى من أن يحل لهم أمراً مجاملة واستصلاحاً .
بل معناه : أنه تعالى قد يرغب من بعض أوليائه ترك بعض الحلال كرامة لهم لتعلو درجتهم ، وليس عاصم منهم .
6 . قال العلامة في شرح التجريد / 526 : ( كان أزهد الناس بعد رسول الله فيكون أفضل من غيره ، كان سيد الأبدال واليه تشد الرحال في معرفة الزهد والتسليك فيه ، وترتيب أحوال الرياضات ، وذكر مقامات العارفين ، وكان أخشن الناس مأكلاً وملبساً ولم يشبع من طعام قط .
قال عبيد الله بن أبي رافع : دخلت عليه يوماً فقدم جراباً مختوماً فوجدنا فيه خبز شعير يابساً مرضوضاً فأكل منه ، فقلت يا أمير المؤمنين : كيف تختمه ، فقال : خفت هذين الولدين يلتانه بزيت أو سمن . وهذا شئ اختص به علي ( عليه السلام )
لم يشاركه فيه غيره ولم ينل أحد بعض درجته ، وكان نعلاه من ليف ، ويرقع قميصه بجلد تارة وبليف أخرى ، وقل أن يأتدم ، فإن فعل فبالملح أو بالخل ، فإن ترقى فبنبات الأرض ، فإن ترقى فبلبن . وكان لا يأكل اللحم إلا قليلاً ويقول : لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان ) .
7 . روى ابن حمدون في تذكرته ( 1 / 11 ) عن الأحنف بن قيس ، قال : ( دخلت على معاوية فقدم إليَّ من الحلو والحامض ما كثر تعجبي منه ، ثم قدم لوناً ما أدري ما هو ، فقلت ما هذا ؟ قال : مصارين البط محشوة بمخاخ العصافير قد قليَ بدهن الفستق وذُرَّ عليه الطبرزد ، فبكيت ، فقال ما يبكيك ؟ قلت : ذكرت علياً ، بينا أنا عنده فحضر وقت إفطاره فسألني المقام ، إذ دعا بجراب مختوم ، قلت : ما في الجراب ؟ قال : سويق شعير ، قلت خفت عليه أن يؤخذ أو بخلت به ؟ قال : لا ولا أحدهما ولكني خفت أن يلتَّه الحسن والحسين بسمن أو زيت .
--------------------------- 52 ---------------------------
قلت : محرم هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : لا ولكن يجب على أئمة الحق أن يعتدوا أنفسهم من ضعفة الناس ، لئلا يٌطغي بالفقير فقره ! قال معاوية : ذكرتَ من لا ينكر فضله ) . ونثر الدرر / 137 .
8 . وقال أبو نعيم في حلية الأولياء ( 1 / 71 ) : ( وكان مزيناً من بين العباد ، متحققاً بزينة الأبرار والزهاد . عن الأصبغ بن نباتة ، قال : سمعت عمار بن ياسر يقول : قال رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : يا علي إن الله تعالى قد زينك بزينة لم تزين العباد بزينة أحب إلى الله تعالى منها ، هي زينة الأبرار عند الله عز وجل ، الزهاد في الدنيا ، فجعلك لا ترزأ من الدنيا شيئاً ولا ترزأ الدنيا منك شيئاً ، ووهب لك حب المساكين ، فجعلك ترضي بهم أتباعاً ، ويرضون بك إماماً .
وروى أبو نعيم عن مجاهد ، قال : خرج علينا علي بن أبي طالب يوماً معتجراً فقال : جعت مرة بالمدينة جوعاً شديداً فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة ، فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدراً تريد بله ، فأتيتها فقاطعتها كل ذَنُوب على تمرة ، فمددت ستة عشر ذنوباً حتى مجلت يداي ، ثم أتيت الماء فأصبت منه ثم أتيتها فقلت بكفي هكذا بين يديها ، وبسط إسماعيل يديه وجمعهما ، فعدَّت لي ست عشرة تمرة ، فأتيت النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فأخبرته فأكل معي منها . وقال حماد في حديثه : فقال لي خيراً ودعا لي ) .
والإعتجار : لف العمامة على الرأس ، وإبقاء وسط الرأس مكشوفاً .

خصائصه وامتيازاته ( عليه السلام ) لا يسعها مجلد

ألَّفَ النسائي كتاباً باسم : خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، روى فيه الأحاديث التي تميزه عن غيره ، وترفعه على بقية الصحابة . وقد تبين لك مما تقدم من سيرته ( عليه السلام ) تميزه في علمه وعمله وأخلاقه وسلوكه . وتبين لك من مقارنة ماليته بمالية غيره أنه عمل في حفر العيون وزراعة النخيل فصار أغنى الصحابة ، وكان وارده من نخيل ينبع أربعين ألف دينار ، وفي رواية أربع مئة ألف دينار ، وكان يطعم الناس الثريد الخبز واللحم ، ويأكل هو خبز الشعير . ولم يكن ينفق من بيت المال ولا استقرض
--------------------------- 53 ---------------------------
منه ، بينما كان أبو بكر وعمر ينفقان على نفسيهما من بيت المال ، واستقرضا منه عشرات آلاف الدراهم ، وأوصيا بأن يوفى قرضاهما ، لكن ورثتهما لم يوفوا شيئاً .
وذكرنا امتيازه ( عليه السلام ) بأنه الوحيد الذي لم يجبرأحداً على بيعته ، ولا على القتال معه . وأنه أعطى مخالفيه حرية القول والعمل ، وأجرى عليهم حقوقهم من بيت المال ، ولم يقاومهم حتى بدؤوا بقتل الناس بغير حق . وخصائصه ( عليه السلام ) كثيرة لا يتسع لها فصل من كتاب .

نوى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الاستيطان في الكوفة

قال نصر بن مزاحم / 10 : ( عن أبي طيبة ، عن أبيه قال : أتم عليٌّ الصلاة يوم دخل الكوفة ، فلما كانت الجمعة وحضرت الصلاة ، صلى بهم وخطب خطبة .

كان الإمام ( عليه السلام ) يؤذن فيسمع أذانه كل أهل الكوفة !

في بحار الأنوار ( 42 / 263 ) أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان يبكر في صلاة الصبح ويؤذن للفجر فيقول السامع : ما أشبهه بصوت رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ! وكان إذا أذن يصل صوته إلى نواحي الكوفة كلها ) .
قال نصر / 532 : ( قال أبو محمد نافع بن الأسود التميمي :
ألا أبلغا عني علياً تحية * فقد قبَّل الصماء لما استقلت
بنى قبة الإسلام بعد انهدامها * فقامت عليه قصره فاستقرت
كأن نبياً جاءنا بعد هدمها * بما سن فيها بعد ما قد أبرت

وكان يجول على أسواق الكوفة كل يوم !

ففي الكافي ( 5 / 151 ) : ( عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالكوفة عندكم يغتدي كل يوم بكرةً من القصر ، فيطوف في أسواق الكوفة سوقاً سوقاً ومعه الدرة على عاتقه ، وكان لها طرفان وكانت تسمى السبيبة ، فيقف على أهل كل سوق فينادي : يا معشر التجار اتقوا الله عز وجل ، فإذا سمعوا صوته ( عليه السلام ) ألقوا ما بأيديهم وأرعوا إليه بقلوبهم وسمعوا بآذانهم ، فيقول ( عليه السلام ) : قدموا الاستخارة
--------------------------- 54 ---------------------------
وتبركوا بالسهولة ، واقتربوا من المبتاعين ، وتزينوا بالحلم ، وتناهوا عن اليمين ، وجانبوا الكذب ، وتجافوا عن الظلم وأنصفوا المظلومين ، ولا تقربوا الربا ، وأوفوا الكيل والميزان ، وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاتَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ . فيطوف ( عليه السلام )
في جميع أسواق الكوفة ، ثم يرجع فيقعد للناس ) .
وفي أمالي المفيد / 198 : ( وكان إذا نظروا إليه قد أقبل إليهم وقال : يا معشر الناس أمسكوا أيديهم ، وأصغوا إليه بآذانهم ، ورمقوه بأعينهم حتى يفرغ ( عليه السلام ) من كلامه ، فإذا فرغ قالوا : السمع والطاعة يا أمير المؤمنين ) .
وفي الجواهر ( 36 / 343 ) : ( مرَّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالقصابين فنهاهم عن بيع سبعة أشياء من الشاة : نهاهم عن بيع الدم ، والغدد ، وآذان الفؤاد ، والطحال والنخاع والخصي والقضيب ، فقال له بعض القصابين : يا أمير المؤمنين ما الطحال والكبد إلاسواء ، فقال ( عليه السلام ) : كذبت يا لكع ، آتني بتورين من ماء أنبئك بخلاف ما بينهما ، فأتى بكبد وطحال وتورين من ماء ، فقال : شقوا الكبد من وسطه والطحال من وسطه ، ثم أمر فمُرِسَتَا جميعاً في الماء فابيضت الكبد ، ولم ينقص منها شئ ولم يبيض الطحال ، وخرج ما فيه وصار دماً كله . . فقال له : هذا خلاف ما بينهما ، هذا لحم وهذا دم ) !
وفي الكافي ( 5 / 151 ) : ( مرَّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على جارية قد اشترت لحماً من قصاب وهي تقول : زدني . فقال له : زدها فإنه أعظم للبركة . قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : من اتجر بغيرعلم ارتطم في الربا ثم ارتطم . قال : وكان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يقول : لايقعدن في السوق إلا من يعقل الشراء والبيع ) .
وقال ابن كثير في النهاية ( 8 / 5 ) : ( ثم أتى أصحاب التمر فإذا خادم تبكي فقال : ما يبكيك ؟ فقالت : باعني هذا الرجل تمراً بدرهم ، فرده مولاي فأبى أن يقبله ، فقال له علي : خذ تمرك وأعطها درهماً فإنها ليس لها أمر ، فدفعه ، فقلت : أتدري من هذا ؟ فقال : لا . فقلت : هذا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين فصبت تمره وأعطاها درهماً . ثم قال الرجل : أحب أن ترضى عني يا أمير المؤمنين ، قال : ما أرضاني عنك إذا أوفيت الناس حقوقهم .
--------------------------- 55 ---------------------------
ثم مر مجتازاً بأصحاب التمرفقال : يا أصحاب التمر أطعموا المساكين يربُّ كسبكم . ثم مر مجتازاً ومعه المسلمون حتى انتهى إلى أصحاب السمك فقال :
لا يباع في سوقنا طافٍ ) . أي مات في الماء ، وليس خارج الماء .

أعطى الإمام الحريات للجميع وأعاد التحديث والتدوين

وقد روينا في الفصل الحادي والخمسين كيف أعاد ( عليه السلام ) العهد النبوي ، ومن أمثلته : ( كان ( عليه السلام ) جالساً في أصحابه فمرت امرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم ! فقال : إن أبصار هذه الفحول طوامح ، وإن ذلك سبب هُبابها ، فإذا نظرأحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس أهله ، فإنما هي امرأة كامرأة ! فقال رجل من الخوارج : قاتله الله كافراً ما أفقهه ! فوثب القوم ليقتلوه فقال : رويداً ، إنما هو سبٌّ بسب ، أو عفوٌ عن ذنب ) . ( نهج البلاغة : 4 / 98 ) .
يقول لهم : إن الناس أحرار ، ومَن سب رئيس الدولة فجزاؤه السب ،
أو العفو عنه ! وبهذه الحرية لخصومه ، فضح القرشيين الذين بطشوا بالناس للتهمة والظنة ، وقتلوهم على الكلمة ، وجعلوا رئيس الدولة أعظم حرمةً من الله تعالى !
لما أعاد الإمام ( عليه السلام ) حرية الحديث والتدوين ، أشرقت الكوفة بعلم الرسول ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يفيض به مدينة علمه ، في خطبه في مسجد الكوفة ، وتعليمه المسلمين بأحاديثه وكلماته . ومعه الحسنان ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، وخيار الصحابة ، وقراء القرآن .
وقد كتبنا في تدوين القرآن / 405 : ( وقف علي ( عليه السلام ) وشيعته ضد سياسة منع الحديث ، وكان يأمر من يطيعه بالتحديث والتدوين ، ويروي لهم أحاديث النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) بالتحديث عنه وتدوين حديثه .
وهو بذلك يطبق أمر النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : ( أكتبوا هذا العلم فإنكم تنتفعون به إما في دنياكم وإما في آخرتكم ، وإن العلم لا يضيع صاحبه ) . ( كنز العمال : 10 / 262 ) .
( يا معشر المسلمين واليهود أكتبوا بما سمعتم فقالوا : يا رسول الله قد سمعنا ووعينا ولا ننسى . فقال رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : الكتابة أذكر لكم ) ( الإحتجاج : 1 / 42 ) .
وكتب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لعماله : ( أدقوا أقلامكم ، وقاربوا بين سطوركم ، واحذفوا
--------------------------- 56 ---------------------------
عني فضولكم ، واقصدوا قصد المعاني ، وإياكم والإكثار ، فإن أموال المسلمين لا تحتمل الإضرار ) . ( الخصال للصدوق / 310 ) .

ونصب عدداً من ولاة الأمصار

وفي السنة الأولى نصب الإمام ( عليه السلام ) ولاة الأمصار ، وأرسل كتبه ورسله إلى الآفاق ، وقد خصصنا الفصل الخمسين لجهاز الدولة عند الإمام ( عليه السلام ) وبينا أنه نصب الولاة الأكفاء ، وعزل الولاة الفاسدين ، وأصلح القضاء وواصل الفتوح في جبهة خراسان ، وجبهة أرمينيا ، وجبهة الهند عن طريق البحر .
ومن نماذج نصب الولاة ، ما رواه نصر بن مزاحم في كتاب صفين / 11 ، قال : ( ثم إن علياً ( عليه السلام ) أقام بالكوفة ، واستعمل العمال . . . بعث يزيد بن قيس الأرحبي على المدائن وجوخا كلها . وقال أصحابنا : وبعث مخنف بن سليم على أصبهان وهمدان . . وبعث قرظة بن كعب على البهقباذات ، وبعث قدامة بن مظعون الأزدي على كسكر ، وعدي بن الحارث على مدينة بهرسير وأستانها ، وبعث أباحسان البكري على أستان العالي ، وبعث سعد بن مسعود الثقفي على أستان الزوابى ، واستعمل ربعي بن كأس على سجستان ، وكأس أمه يعرف بها ، وهو من بني تميم . وبعث خليداً إلى خراسان ، فسار خليد حتى إذا دنا من نيسابور بلغه أن أهل خراسان قد كفروا ونزعوا يدهم من الطاعة ، وقدم عليهم عمال كسرى من كابل ، فقاتل أهل نيسابور فهزمهم وحصر أهلها ، وبعث إلى علي بالفتح والسبي ، ثم صمد لبنات كسرى فنزلن على أمان فبعث بهن إلى علي ( عليه السلام ) فلما قدمن عليه قال : أزوجكن ؟ قلن : لا ، إلا أن تزوجنا ابنيك ، فإنا لا نرى لنا كفواً غيرهما . فقال علي ( عليه السلام ) : إذهبا حيث شئتما ، فقام نرسا فقال : مر لي بهن ، فإنها منك كرامة ، فبيني وبينهن قرابة ففعل ، فأنزلهن نرسا معه وجعل يطعمهن ويسقيهن في الذهب والفضة ، ويكسوهن كسوة الملوك ، ويبسط لهن الديباج .
وبعث علي الأشتر على الموصل ونصيبين ، ودارا ، وسنجار ، وآمد ، وهيت ، وعانات ، وما غلب عليه من تلك الأرضين من أرض الجزيرة .
وبعث معاوية بن أبي سفيان الضحاك بن قيس على ما في سلطانه من أرض الجزيرة ،
--------------------------- 57 ---------------------------
وكان في يديه حران والرقة والرها وقرقيسيا . وكان من كان بالكوفة والبصرة من العثمانية قد هربوا فنزلوا الجزيرة في سلطان معاوية ، فخرج الأشتر وهو يريد الضحاك بن قيس بحران ، فلما بلغ ذلك الضحاك بعث إلى أهل الرقة فأمدوه ، وكان جل أهلها يومئذ عثمانية ، فجاءوا وعليهم سماك بن مخرمة ، وأقبل الضحاك يستقبل الأشتر ، فالتقى الضحاك وسماك بن مخرمة ، بمرج مرينا بين حران والرقة ، فرحل الأشتر حتى نزل عليهم فاقتتلوا اقتتالاً شديداً حتى كان عند المساء ، فرجع الضحاك بمن معه فسار ليلته كلها حتى صبح بحران فدخلها ، وأصبح الأشتر فرأى ما صنعوا فتبعهم حتى نزل عليهم بحران فحصرهم ، وأتى الخبر معاوية فبعث إليهم عبد الرحمن بن خالد في خيل يغيثهم فلما بلغ ذلك الأشتر كتب كتائبه ، وعبى جنوده وخيله ، ثم ناداهم الأشتر : ألا إن الحي عزيز ، ألا إن الذمار منيع ، ألا تنزلون أيها الثعالب الرواغة ؟ احتجرتم احتجار الضباب . فنادوا : يا عباد الله أقيموا قليلاً ، علمتم والله أن قد أتيتم . فمضى الأشتر حتى مر على أهل الرقة فتحرزوا منه ، ثم مضى حتى مر على أهل قرقيسيا فتحرزوا منه ، وبلغ عبد الرحمن بن خالد انصراف الأشتر فانصرف . فلما كان بعد ذلك عاتب أيمن بن خريم الأسدي معاوية ، وذكر بلاء قومه بني أسد في مرج مرينا . وفي ذلك يقول :
أبلغ أمير المؤمنين رسالة * من عاتبين مساعر أنجاد
منيتهم إن آثروك ، مثوبة * فرشدت إذ لم توف بالميعاد
أنسيت إذ في كل عام غارة * في كل ناحية كرجل جراد
غارات أشتر في الخيول يريدكم * بمعرة ومضرة وفساد
وضع المسالح مرصداً لهلاككم * ما بين عانات إلى زيداد
وحوى رساتيق الجزيرة كلها * غصباً بكل طمرة وجواد
لما رأى نيران قومي أوقدت * وأبوأنيس فاتر الإيقاد
أمضى إلينا خيله ورجاله * وأغذ لا يجرى لأمر رشاد
ثرنا إليهم عند ذلك بالقنا * وبكل أبيض كالعقيقة صاد ) .
--------------------------- 58 ---------------------------

وجاءه المتخلفون عنه في حرب الجمل معتذرين

1 . قال نصر في كتاب صفين / 7 : عن ابن أبي الكنود : ( إن سليمان بن صرد الخزاعي دخل على علي بن أبي طالب بعد رجعته من البصرة ، فعاتبه وعذله وقال له : ارتبت وتربصت وراوغت ، وقد كنت من أوثق الناس في نفسي وأسرعهم فيما أظن إلى نصرتي ، فما قعد بك عن أهل بيت نبيك ، وما زهدك في نصرهم ؟ فقال يا أمير المؤمنين ، لا تردن الأمور على أعقابها ، ولا تؤنبني بما مضى منها واستبق مودتي تخلص لك نصيحتي . وقد بقيت أمور تعرف فيها وليك من عدوك . فسكت عنه .
وجلس سليمان قليلاً ، ثم نهض فخرج إلى الحسن بن علي وهو قاعد في المسجد فقال : ألا أعجبك من أمير المؤمنين وما لقيت منه من التبكيت والتوبيخ ؟ فقال له الحسن : إنما يعاتب من ترجى مودته ونصيحته . فقال : إنه بقيت أمور سيستوسق فيها القنا ، وينتضى فيها السيوف ويحتاج فيها إلى أشباهي ، فلاتستغشوا عتبي ولاتتهموا نصيحتي . فقال له الحسن : رحمك الله : ما أنت عندنا بالظنين ) .
2 . ( عن الشعبي ، أن سعيد بن قيس دخل على علي بن أبي طالب فسلم عليه ، فقال له عليٌّ : وعليك ، وإن كنت من المتربصين . فقال : حاش لله يا أمير المؤمنين لست من أولئك . قال : فعل الله ذلك ) . أي برأك الله .
3 . عن محمد بن مخنف قال : دخلت مع أبي على علي ( عليه السلام ) حين قدم من البصرة ، وهو عام بلغت الحلم ، فإذا بين يديه رجال يؤنبهم ويقول لهم : ما بطأ بكم عني وأنتم أشراف قومكم ؟ والله لئن كان من ضعف النية وتقصير البصيرة ، إنكم لبور . والله لئن كان من شك في فضلي ومظاهرة عليَّ إنكم لعدو . قالوا : حاش لله يا أمير المؤمنين ، نحن سلمك وحرب عدوك . ثم اعتذر القوم ، فمنهم من ذكر عذره ، ومنهم من اعتل بمرض ، ومنهم من ذكر غيبة . فنظرت إليهم فإذا عبد الله بن المعتم العبسي ، وإذا حنظلة بن الربيع التميمي وكلاهما كانت له صحبة ، وإذا أبو بردة بن عوف الأزدي ، وإذا غريب بن شرحبيل الهمداني .
--------------------------- 59 ---------------------------
قال : ونظرعلي ( عليه السلام ) إلى أبي فقال : لكن مخنف بن سليم وقومه لم يتخلفوا ، ولم يكن مَثَلهم مثل القوم الذين قال الله تعالى : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيدًا . وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِى كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ) .
أقول : دعا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) المسلمين إلى نصرته في حرب الجمل ، ولم يجبر أحداً على الحرب معه ، وكان بعضهم يخذل الناس عن الالتحاق به ، فغاضه موقفهم ، والذين عاتبهم ووبخهم كانوا منهم أو في جوهم . وهم يستحقون التوبيخ شرعاً لأنهم عملوا لمنع غيرهم من المشاركة في الجهاد معه ( عليه السلام ) .
4 . قال المفيد في الإرشاد ( 1 / 259 ) : ( ومن كلامه ( عليه السلام ) حين قدم الكوفة من البصرة بعد حمد الله والثناء عليه : أما بعد : فالحمدلله الذي نصر وليه ، وخذل عدوه ، وأعز الصادق المحق ، وأذل الكاذب المبطل .
عليكم يا أهل هذا المصر بتقوى الله وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم ، الذين هم أولى بطاعتكم من المنتحلين المدعين القائلين : إلينا إلينا ، يتفضلون بفضلنا ، ويجاحدونا أمرنا ، وينازعونا حقنا ويدفعونا عنه ، وقد ذاقوا وبال ما اجترحوا فسوف يلقون غياً . وقد قعد عن نصرتي منكم رجال وأنا عليهم عاتبٌ زارٍ ، فاهجروهم وأسمعوهم ما يكرهون ، حتى يعتبونا ونرى منهم ما نحب ) .

أسس الإمام ( عليه السلام ) شَرَطة الخميس قوة خاصة لحفظ النظام

1 . شكَّل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في الكوفة قوة خاصة باسم : شَرَطة الخميس ، بفتح الراء لابضمها ، وقد سماهم بها النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، وأخبر علياً ( عليه السلام ) بأنه سيشارطهم في يوم خميس على بذل أنفسهم ، ويضمن لهم الجنة بضمان النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) .
قال ابن النديم في الفهرست / 223 : ( معنى شَرَطة الخميس : أن علياً ( عليه السلام ) قال : لهذه الطائفة : تشرطوا فإنما أشارطكم على الجنة ، ولست أشارطكم على ذهب ولا فضة . إن نبياً من الأنبياء ( عليهم السلام ) فيما مضى قال لأصحابه : تشرطوا ، فإني لست أشارطكم إلا على الجنة ) .
--------------------------- 60 ---------------------------
وروى العلامة في الخلاصة / 191 ، وأفتى بصحته : ( عبد الله بن يحيى الحضرمي ، قال له علي ( عليه السلام ) يوم الجمل : أبشر يا ابن يحيى فإنك وأباك من شرطة الخميس حقاً ، لقد أخبرني رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) باسمك واسم أبيك في شرطة الخميس ، والله سماكم في السماء شرطة الخميس على لسان نبيه ( ( عليهما السلام ) ) ) .
2 . كان أن اسم الشُّرْطة قبلهم ، ففي الحديث النبوي : لا تكن شرطياً ولا عريفاً . وقال علي ( عليه السلام ) ( نهج البلاغة : 4 / 24 ) : ( يا نوف إن داود ( عليه السلام ) قام في مثل هذه الساعة من الليل فقال : إنها ساعة لا يدعو فيها عبد إلا استجيب له إلا أن يكون عشاراً أو عريفاً أو شرطياً أو صاحب عرطبة ، وهي الطنبور ) .
والشرطة : اسم مأخوذ برأي الخليل ( 6 / 235 ) من النخبة ، وهو أعلم اللغويين قال : ( سموا شرطاً ، لأن شرطة كل شئ خياره ، وهم نخبة السلطان من جنده ) .
وهو أصح من رأي الجوهري ( 3 / 1136 ) : ( سمي الشرَط لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها ، الواحد شرْطَة وشَرْطي ) .
وقال الكشي ( 1 / 24 ) : ( ذكر أن شرطة الخميس كانوا ستة آلاف رجل ) .
وكان ( عليه السلام ) يدعوهم فيقول : ( يا قنبر ، أدع لي شرطة الخميس ) . ( الكافي : 7 / 371 ) .
3 . وكان من مهام شرطة الخميس حراسة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ففي المناقب ( 2 / 84 ) : ( عن عبد الله بن الحسن أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان في مسجد الكوفة يوماً فلما جنه الليل أقبل رجل من باب الفيل عليه ثياب بيض فجاء الحرس وشرطة الخميس ، فقال لهم أمير المؤمنين : ما تريدون ؟ فقالوا : رأينا هذا الرجل أقبل الينا فخشينا أن يغتالك ، فقال : كلا ، انصرفوا رحمكم الله ، أتحفظوني من أهل الأرض ، فمن يحفظني من أهل السماء ! ومكث الرجل عنده ملياً يسأله فقال : يا أمير المؤمنين لقد ألبست الخلافة بهاء وزينة وكمالاً ، ولم تلبسك . ولقد افتقرت إليك أمة محمد وما افتقرت إليها ، ولقد تقدمك قوم وجلسوا مجلسك فعذابهم على الله ، وإنك لزاهد في الدنيا وعظيم في السماوات والأرض ، وإن لك في الآخرة لمواقف كثيرة تقر بها عيون شيعتك ، وإنك لسيد الأوصياء ، وأخوك سيد الأنبياء ، ثم ذكر الأئمة الاثني عشر ( عليهم السلام ) ، فانصرف .
--------------------------- 61 ---------------------------
وأقبل أمير المؤمنين على الحسن والحسين فقال : تعرفانه ؟ قالا : ومن هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : هذا أخي الخضر ( عليه السلام ) ) .
4 . اشتهر في رئاسة شرطة الخميس : الأصبغ بن نباتة التميمي وقيس بن سعد بن عبادة ( الطبقات : 6 / 52 ) وذكر البخاري ( الكبير : 6 / 31 ، والصغير : 1 / 275 ) : ( عَبَّاد بن نُسَيب أبوالوضئ القيسي . سمع علياً وأبابرزة ، يعد في البصريين سماه علي ، وكان من فرسان علي ( رضي الله عنه ) على شرطة الخميس ) .
وذكر عبد الرزاق في المصنف ( 6 / 252 ) أنه صاحب علي ( عليه السلام ) ، ووثقه ابن معين ، ورووا عنه خبر الخوارج وقتل المخدج ، ونسبه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ( 6 / 87 ) بالقيسي السحتني .
روى له أبو داود والنسائي في مسند علي ، وابن ماجة . ويبدو لي أن أصله من فرس بعلبك ، أي جيش كسرى الذي كان مستقراً في بعلبك ، وقد بقي بعضهم فيها ، ومنهم آل العجمي ، وآل حمادة .
كما ذكرالبغدادي في خزانة الأدب ( 7 / 120 ) : ( عُفَاق بن المسيح بن بشر بن أسماء بن عوف الفزاري . وكان عُفاق على شرطة الخميس مع علي بن أبي طالب . وكانوا يعرضون يوم الخميس ) .
أقول : يبدو أن أفضلهم الأصبغ ، قال نصر / 442 : ( فقام إليه الأصبغ بن نباتة فقال : يا أمير المؤمنين ، قدمني في البقية من الناس ، فإنك لاتفقد لي اليوم صبراً ولا نصراً . فقال علي : تقدم باسم الله والبركة . فتقدم وأخذ رايته فمضى وهو يقول :
حتى متى ترجو البقا يا أصبغ * إن الرجاء بالقنوط يدمغ . . .
فرجع الأصبغ وقد خصب رمحه دماً ، وكان شيخاً ناسكاً عابداً ، وكان إذا لقي القوم بعضهم بعضاً يغمد سيفه ( أي يقاتل بالرمح ) وكان من ذخائر علي ممن قد بايعه على الموت ، وكان من فرسان أهل العراق ، وكان علي ( عليه السلام ) يضن به على الحرب والقتال ) .
5 . ولم تقتصرمهام شرطة الخميس على الكوفة ، بل كانوا فرقة في جيش الإمام في حروبه في صفين والنهروان ، ففي دعائم الإسلام ( 1 / 372 ) : أنه ( عليه السلام ) قال في صفين :
--------------------------- 62 ---------------------------
( قدموا الرجالة والرماة فليرشقوا بالنبل وليتناوش الجنبان ، ولا تنشزوا عن مراكزكم لفارس شذ من العدو . . . فإذا أردتم الحملة فليبدأ صاحب المقدمة ، فإن تضعضع دعمته شرطة الخميس ، فإن تضعضعوا حملت المنتجبة ، ورشقت الرماة ) .
6 . وكان جيش الخميس نخبة أصحابه ( عليه السلام ) ، قال المفيد في الإختصاص / 6 : ( ذكر السابقين المقربين من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : حدثنا جعفر بن الحسين ، عن محمد بن جعفر المؤدب : الأركان الأربعة : سلمان والمقداد وأبو ذر وعمار ، هؤلاء الصحابة . ومن التابعين : أويس بن أنيس القرني الذي يشفع في مثل ربيعة ومضر ، عمرو بن الحمق الخزاعي ، وذكر جعفر بن الحسين أنه كان من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بمنزلة سلمان من رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) . رشيد الهجري ، ميثم التمار ، كميل بن زياد النخعي ، قنبر مولى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، محمد بن أبي بكر ، مزرع مولى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، عبد الله بن يحيى ، قال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يوم الجمل : أبشر يا ابن يحيى فأنت وأبوك من شرطة الخميس سماكم الله به في السماء . جندب بن زهير العامري ، وبنو عامر شيعة علي على الوجه ، حبيب بن مظهر الأسدي ، الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني ، مالك بن الحارث الأشتر ، العلم الأزدي ، أبو عبد الله الجدلي ، وجويرية بن مسهر العبدي ) .

كان مجتمع الكوفة مجتمعاً قبلياً وفيه فرس

1 . جمع الإمام ( عليه السلام ) الدهاقين ، أي المزارعين الفرس والنبط ( صفين / 14 ) : ( لما قدم علي ( عليه السلام ) حشر أهل السواد ، فلما اجتمعوا أذن لهم ، فلما رأى كثرتهم قال : إني لا أطيق كلامكم ، ولا أفقه عنكم ، فأسندوا أمركم إلى أرضاكم في أنفسكم وأعمه نصيحة لكم . قالوا : نَرْسَا ، ما رضي فقد رضيناه وما سخط فقد سخطناه . فتقدم فجلس إليه فقال : أخبرني عن ملوك فارس كم كانوا ؟ قال : كانت ملوكهم في هذه المملكة الآخرة اثنين وثلاثين ملكاً . قال : فكيف كانت سيرتهم ؟ قال : ما زالت سيرتهم في عظم أمرهم واحدة ، حتى ملكنا كسرى بن هرمز ، فاستأثر بالمال والأعمال ، وخالف أولانا وأخرب الذي للناس وعمر الذي له ، واستخف بالناس ، فأوغر نفوس فارس حتى ثاروا عليه
--------------------------- 63 ---------------------------
فقتلوه ، فأرملت نساؤه ويتم أولاده . فقال : يا نرسا ، إن الله عز وجل خلق الخلق بالحق ، ولا يرضى من أحد إلا بالحق ، وفي سلطان الله تذكرة مما خول الله ، وإنها لا تقوم مملكة إلا بتدبير ولا بد من إمارة ، ولا يزال أمرنا متماسكاً ما لم يشتم آخرنا أولنا ، فإذا خالف آخرنا أولنا وأفسدوا هلكوا وأهلكوا . ثم أمَّر عليهم أمراءهم . ثم إن علياً ( عليه السلام ) بعث إلى العمال في الآفاق ، وكان أهم الوجوه إليه الشام ) .
2 . قال نصر بن مزاحم وقعة صفين / 117 : ( فقدموا على علي ( عليه السلام ) بالنخيلة ، وأمَّر الأسباع من أهل الكوفة : سعد بن مسعود الثقفي على قيس وعبد القيس ، ومعقل بن قيس اليربوعي على تميم وضبة والرباب وقريش وكنانة وأسد ، ومخنف بن سليم على الأزد وبجيلة وخثعم والأنصار وخزاعة ، وحجر بن عدي الكندي على كندة وحضرموت وقضاعة ومهرة ، وزياد بن النضر على مذحج والأشعريين ، وسعيد بن قيس بن مرة الهمداني على همدان ومن معهم من حمير ، وعدي بن حاتم على طيئ ، ويجمعهم الدعوة مع مذحج وتختلف الرايتان : راية مذحج مع زياد بن النضر ، وراية طيئ مع عدي بن حاتم ) .
3 . وقال الطبري ( 3 / 152 ) : « وعرَّفوهم على مائة ألف درهم ، فكانت كل عَرَافة من القادسية خاصة ثلاثة وأربعين رجلاً ، وثلاثاً وأربعين امرأة ، وخمسين من العيال ، لهم مائة ألف درهم . وكل عرافة من أهل الأيام عشرين رجلاً على ثلاثة آلاف ، وعشرين امرأة وكل عيل على مائة ألف درهم . وكل عرافة من الرادفة الأولى ستين رجلاً وستين امرأة وأربعين من العيال ، ممن كان رجالهم ألحقوا على ألف وخمس مائة ، على مائة ألف درهم . . ثم على هذا من الحساب .
وقال عطية : قدأدركت مائة عريف ، وعلى مثل ذلك كان أهل البصرة ، كان العطاء يدفع إلى أمراء الأسباع وأصحاب الرايات ، والرايات على أيادي العرب ، فيدفعونه إلى العرفاء والنقباء والأمناء ، فيدفعونه إلى أهله في دورهم » .
وفي مناقب آل أبي طالب ( 1 / 379 ) : ( الحلية ، وفضايل أحمد : عاصم بن كليب عن أبيه أنه قال : أتيَ عليٌّ بمال من أصفهان وكان أهل الكوفة أسباعاً ، فقسمه
--------------------------- 64 ---------------------------
سبعة أسباع ، فوجد فيه رغيفاً فكسره بسبعة كسر ، ثم جعل على كل جزء كسرة . ثم دعا امراء الأسباع فأقرع أيهم ) .
4 . وجاء في موسوعة ويكيبيديا : ( كانت الكوفة مدينة واسعة كبيرة تتصل قراها وجباناتها إلى الفرات وقرى العذار . وكان فيها من الدور 50 ألف دار للعرب و 24 ألف دار لغير العرب ، وتبلغ مساحتها اليوم 510 كم 2 .
ومن أسواقها : سوق حراضة وسوق أسد وسوق حكمت وسوق يوسف .
ومن قراها القديمة : أستينيا ، أقساس ، حبانية ، الحصاصة ، الأكيراح سنينيا ، السوارية ، عقر بابل ، الغاضرية ، بانقيا ، الرداة ، برثة البويب ، جرعة ، جرير ، حرورا ، حضر السبيع ، حمام سعد ، حمام أعين ، الخورنق ، درتا ، زوره ، زيدان ، شانيا ، شوميا ، شيلي ، صحراء ، أم سلمة ، صريفين ، الصين ، عين جمل ، الغريان . ومن محلاتها الحديثة : محلة السراي ، الرشادية ، الجديدة ، السهيلية ، البوحداري ، البراكية ، ومحلة كندة ، وأحياء حديثة كثيرة .
أنهارها القديمة : نهر كوثى ، نهر أبا ، نهر البردان ، نهر البويب ، نهر سورا ، نهر التاجية ، نهر الغدير ، نهر شيلي ، نهر الصنين ، نهر نرس .
معالمها وآثارها التاريخية : مسجد الكوفة ، أول ما اختط في الكوفة مسجدها على بعد 5 / 1 كم من الفرات في الجهة الغربية من الكوفة ، وهو اليوم يتألف من أربعة جدران مدعومة بأبراج نصف دائرية ، يبلغ عددها 28 برجاً ، وفي ساحته عدة مقامات منها ، مقام النبي إبراهيم ، ومقام الخضر ، ومقام بيت الطشت ، ودكة القضاء ، ومقام النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، ومقام الإمام جعفر الصادق ، ومقام آدم ، ومقام جبرائيل ، ومقام الإمام زين العابدين .
وفي صدر الجدار القبلي للمسجد يقع محراب المسجد الذي ضرب فيه الامام وهو مزخرف بالقاشاني ، وفي وسطه مشبك نحاسي .
وفي وسط المسجد منفذ يؤدي إلى سرداب يعرف بسفينة نوح أو التنور . دار الإمارة : موضع الفضاء المتصل بمسجد الكوفة من جهة القبلة .
--------------------------- 65 ---------------------------
مسجد السهلة : يقع في الجهة الشمالية الغربية من مسجد الكوفة على بعد 2 كم عنها ، وفيه مقام الإمام المهدي المنتظر .
بيت الإمام علي : يقع على أرض مرتفعة ، ملاصق لسور دار الإمارة الغربي .
مسجد زيد بن صوحان : يقع في الجهة الجنوبية من مسجد السهلة .
مرقد مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة : في الجهة الشرقية من جامع الكوفة .
ضريح المختار بن أبي عبيدة الثقفي : في الزاوية الشرقية بجنب الحائط القبلي . مسجد الحمراء : وهو مسجد النبي يونس وليس بقبره ، سمي بذلك لأنه كان يسكن حوله جماعة من غير العرب ، تميل وجوهم إلى اللون الأحمر - غير الأسمر -
فأطلق عليهم الحمر .
مرقد ميثم التمار : يقع في الجهة الجنوبية الغربية من دار الإمارة وعلى بعد 1 كم عن مسجد الكوفة .
موضع حرق عبد الرحمن بن ملجم : وهو التل الذي أحرقت فيه جثته ويقع حالياً بجوار قبر ميثم التمار .
قبر خديجة بنت الإمام علي : وهو مكان لحانوت ميثم التمار .
قبرالسيد إبراهيم الغمر : يقع في الطريق العام بين الكوفة - النجف .
قبر السادة أولاد الحسن : على يسار الطريق للذاهب إلى مسجد السهلة .
كري سعدة أو خندق سابور : وهو الحد الفاصل بين الكوفة والنجف وينسب إلى سابور ذي الأكتاف الذي حفره ) .
5 . في دلائل النبوة للبيهقي ( 6 / 434 ) : ( عن مسروق قال : قالت عائشة : عندك علم من ذي الثدية الذي أصابه في الحرورية ؟ قلت : لا . قالت : فاكتب لي بشهادة من شهدهم ، فرجعت إلى الكوفة وبها يومئذ أسباع ، فكتبت شهادة عشرة من كل سُبع ، ثم أتيتها بشهادتهم فقرأتها عليها ، قالت : أكل هؤلاء عاينوه ؟ قلت : لقد سألتهم فأخبروني أن كلهم قد عاينه . قالت : لعن الله فلاناً ( ابن العاص ) فإنه كتب إلي أنه أصابهم بنيل مصر . ثم أرْخَت عينيها فبكت ، فلما سكتت عبرتها قالت :
--------------------------- 66 ---------------------------
رحم الله علياً ، لقد كان على الحق ، وما كان بيني وبينه إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها ) .
وفي شرح الأخبار ( 1 / 141 ) : ( قال مسروق قلت : يا أماه فإني أسألك بحق الله وبحق رسوله وبحقي فإني ابنك ، لما أخبرتني بما سمعت من رسول الله فيهم . قالت : سمعته يقول فيهم : هم شر الخلق والخليقة يقتلهم خيرالخلق والخليقة وأقربهم إلى الله وسيلة ! وفتح الباري ( 12 / 253 ) ومجمع الزوائد ( 6 / 239 ) .

وكان نظام الأسباع والعرفاء هو السائد

قال البراقي في تاريخ الكوفة / 161 : ( فأقطع عمر أصحاب رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فكانت عبس إلى جانب المسجد ، ثم تحول قوم منهم إلى أقصى الكوفة ، واختط سلمان بن ربيعة الباهلي والمسيب بن نجبة الفزاري وناس من قيس حيال دار مسعود ، واختط عبد الله بن مسعود وطلحة بن عبيد الله وعمرو بن حريث الدور حول المسجد ، وأقطع عمر بن جبير بن مطعم ، فبنى داراً ثم باعها من موسى بن طلحة ، وأقطع سعد بن قيس عند دار سلمان بن ربيعة بينهما طريقاً ، واستقطع سعد ابن أبي وقاص لنفسه الدار التي تعرف بدار عمر بن سعد ، وأقطع خالد بن عرفطة وخباب بن الأرثّ وعمرو بن الحرث بن أبي ضرار وعمارة بن رويبة التميمي ، وأقطع أبامسعود عقبة بن عمر الأنصاري ، وأقطع بني شمج بن فزارة مما يلي جهينة ، وأقطع هاشم بن عتبة بن أبي وقاص شهارسوج خنيس ، وأقطع شريح بن الحارث الطائي ، وأقطع عمر بن أسامة بن زيد داراً ما بين المسجد إلى دار عمرو بن الحارث ابن أبي ضرار ، وأقطع أبا موسى الأشعري نصف الآري ، وكان فضاء عند المسجد ، وأقطع حذيفة بن اليمان مع جماعة من عبس نصف الآري ، وهو فضاء كانت فيه خيل المسلمين ، وأقطع عمرو بن ميمون الآوي الرحبة التي تعرف بعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ،
وأقطع أباجبيرة الأنصاري وكان على ديوان الجند ، وأقطع علي بن حاتم وسائر طي ناحية جبانة بشر ، وأقطع الزبير بن العوام ، وأقطع جرير بن عبد الله البجلي وسائر بجيلة قطعة واسعة كبيرة ، وأقطع الأشعث بن قيس الكندي وكندة من ناحية جهينة إلى بني أود ، وجاء قوم من الأزد فوجدوا فرجة فيما بين بجيلة وكندة فنزلوا ، وتفرقت
--------------------------- 67 ---------------------------
همدان بالكوفة ، وجاءت تميم وبكر وأسد فنزلوا الأطراف . وأقطع أبا عبد الله الجدلي في بجيلة فقال جرير بن عبد الله : لم نزل هذا فينا وليس منا ؟ فقال له عمر : انتقل إلى ما هو خير لك . فانتقل للبصرة وانتقلت عامة أحمس عن جرير بن عبد الله إلى الجبانة ، وقد تغيرت الخطط وصارت تعرف بقوم اشتروا بعد ذلك وبنوا .
وكان لكل قبيلة جَبَّانة تعرف بهم ، وبرؤسائهم منها : جبانة عرزم ، وجبانة كندة ، وجبانة الصائدين ، وصحراء أثير ، وصحراء بني يشكر ، وصحراء بني عامر . وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد : أن يجعل سكك الكوفة خمسين ذراعاً بالسواء ، وجعلت السوق من القصر والمسجد إلى دار الوليد إلى القلائين إلى دور ثقيف وأشجع ، وعليها ظلال بواري إلى أيام خالد بن عبد الله القسري ، فإنه بنى الأسواق وجعل لأهل كل باعة داراً وطاقاً وجعل غلالها للجند ، وكان ينزلها عشرة آلاف مقاتل .

السُّبعة التي كانت عليها الكوفة

الأول : كنانة وحلفاؤها وجديلة ، وقد كانت هذه القبائل سناد العامل في الكوفة من زمن سعد إلى العهد الأموي ، وهم المعروفون بأهل العالية ، كان لهم العدد الأوفر ولكنه أخذ يتضاءل تدريجاً .
والقسم الثاني : قضاعة وبجيلة وغسان وخثعم وكندة وحضرموت والأزد .
الثالث : مذحج وحمير وهمدان ، ولعب هذا القسم دوره في حوادث الكوفة
وكانت له المواقف البارزة . الرابع : تميم ورباب . الخامس : بنوأسد ومحارب ونمر من بني بكر وتغلب ، وأكثرية هؤلاء من ربيعة .
والسادس : إياد وبنو عبد قيس وأهل هجر والحمر ، والأولان من هذا القسم بقية قبائل كانت تقيم هناك من السابق ، أمّا بنو عبد القيس فقد هبطوا من البحرين تحت زعامة زهرة بن حوية ، وقد كان الحمر حلفاء زهرة وينزلون معه ، وهؤلاء الحمر عدتهم أربعة آلاف جندي فارسي يسمون جند شاهنشاه ، كما ذكر البلاذري : استأموا يوم القادسية على أن ينزلوا حيث أحبوا ويخالفوا من أحبوا ،
--------------------------- 68 ---------------------------
ويفرض لهم في العطاء فأعطوا الذي سألوه ، وكان لهم نقيب يقال له : ديلم ، فقيل لهم : حمراء ديلم . ولما جاء عهد زياد فرقهم في الشام والبصرة والكوفة . وكان لهذا القسم السادس دور ثقافي في الكوفة والبصرة . السابع : مُلملمة ، أظهرهم طي ) .

محلات الكوفة وشوارعها أو سككها

أجرى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) تعديلاً على نظام الأسباع لرغبة القبائل وتناسبها ، فكانت أولاً : همدان وحمير والحمر . وثانياً : مذحج وأشعر وطي ، وثالثاً : قيس وعبس وذبيان وعبد القيس . ورابعاً : كندة وحضرموت وقضاعة ومهرة . وخامساً : الأزد وبجيلة وخثعم والأنصار . وسادساً : بكر وتغلب وبقية ربيعة . وسابعاً : قريش وكنانة وأسد وتميم وضبة ورباب .
وشُقت فيها شوارع بعرض خمسين ذراعاً وتسمى السكك ، وكانت تضاء في الليل بالمشاعل ، ومنها سكة البريد وهي أهمها وتقع بين الجسر والقصر والكناسة ، وسكة العلاء ، وسكة بني محرز ، وسكة شبث ، وسكة عميرة ، وسكة دار الروميين ، قريبة من قصرالإمارة .
والكناسة تقع بين مسجد الكوفة ومسجدالسهلة ، وهي كالمربد في البصرة .
وكانت أرباع الكوفة تنقسم إلى خمسة عشر منهاجاً :
فالأول : شمال الجامع محلات : سليم وثقيف وهمذان وبجيلة وتيم اللات وتغلب .
والمنهاج الثاني : في جهة القبلة جنوباً وفيه محلات بني أسد والنخع وكندة والأزد . والثالث : شرقي الجامع ، محلات الأنصار ومزينة وتميم ومحارب وأسد وعامر . والمنهاج الرابع : غربي الجامع ، محلات بجيلة غطفان وبجيلة قيس وجديلة وجهينة وغيرها . وألزم المنصورالكوفيين بحفر خندق يحيط بها يأخذ من الفرات وله قناطر ، وكانت تجري فيه القوارب لأعمال التجارة .
--------------------------- 69 ---------------------------
ومن مواقع الكوفة :
الجبانات والصحاري ، فكان يترك وسط كل خطة ومحلة رحبة من الأرض فسيحة يسمونها صفا ، ومناخة ، وبعضها يسمى الجبانة ، لأنه يدفن فيها الموتى ، ومنها جبانة السبيع ، وجبانة عرزم . وجبانة بشر لطي . وجبانة مخنف للأزد . وجبانة سالم لعامر بن قيس . وجبانة مراد لمذحج . وجبانة كندة وربيعة ، وجبانة الصعيدين لبني أسد . ( البراقي / 164 ) .

  • *
    --------------------------- 70 ---------------------------

الفصل السبعون: عدل علي ( عليه السلام ) كشف ظلم الآخرين !

كان ( عليه السلام ) يقسم بيت المال بالسوية

روى أبو نعيم في الحلية ( 1 / 82 ) : ( جاءه ابن النباج فقال : يا أمير المؤمنين امتلأ بيت مال المسلمين من صفراء وبيضاء ، فقال : الله أكبر ، فقام متوكئاً على ابن النباج حتى قام على بيت مال المسلمين فقال :
هذا جناي وخياره فيه وكل جان يده إلى فيه
يا ابن النباج : علي بأشباع الكوفة ، قال : فنودي في الناس ، فأعطى جميع ما في بيت مال المسلمين وهو يقول : يا صفراء ويا بيضاء غري غيري ، ها وها . حتى ما بقي منه دينار ولا درهم ، ثم أمره بنضحه وصلي فيه ركعتين . .
كان يكنس بيت المال ويصلي فيه ، يتخذه مسجداً رجاء أن يشهد له يوم القيامة . خطب الناس فقال : والله الذي لا إله إلا هو ، ما رزئت من فيئكم إلا هذه ، وأخرج قارورة من كم قميصه فقال : أهداها إلي مولاي دهقان .
وفي فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل / 535 : ( عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، أن علياً قسم ما في بيت المال على سبعة أسباع ، ثم وجد رغيفاً فكسره سبع كسر ، ثم دعا أمراء الأجناد فأقرع بينهم ) .
أقول : كانت بيوت الأموال متعددة ، وكانت قسمة كل بيت مال في منطقته . وكان عدد سكان الكوفة في عهده ( عليه السلام ) بتقديرنا مليوناً وكسراً .
--------------------------- 71 ---------------------------

كان الفقر والعوز شديداً في الكوفة في عهد عثمان

فقد روى المؤرخون والمحدثون صوراً عن فقر المسلمين في عهد عثمان ، لأن ثروة الفتوحات الضخمة كانت دُولة بين بني أمية ، بينما عامة المسلمين يعيشون الفقر والجوع والعوز . مثلاً ، رووا أن المسلمين في زمن أويس القرني كانوا يعانون الجوع والعري فلا يجد أحدهم طعاماً ولباساً !
قال سفيان الثوري كما روى الحاكم وصححه ( 3 / 406 ) : ( كان لأويس القرني رداء إذا جلس مس الأرض ، وكان يقول : اللهم إني أعتذر إليك من كل كبد جائعة وجسد عار ، وليس لي إلا ما على ظهري وفي بطني ) .
وروى البيهقي في شعب الإيمان ( 1 / 524 ) وأبو نعيم حلية الأولياء ( 2 / 87 ) : ( كان أويس القرني إذا أمسى تصدق بما في بيته من الفضل من الطعام والثياب ، ثم يقول : اللهم من مات جوعاً فلا تؤاخذني به ، ومن مات عرياناً فلا تؤاخذني به ) .
وروى الذهبي في سيره ( 4 / 29 ) : ( إن كان أويس القرني ليتصدق بثيابه ، حتى يجلس عرياناً ، لا يجد ما يروح فيه إلى الجمعة ) !
وفي لسان الميزان ( 1 / 80 ) : ( كان أويس يجالس رجلاً من فقهاء الكوفة يقال له يسير ففقدته ، فإذا هو في خص له قد انقطع من العري ) .
وروى الحاكم ( 3 / 405 ) : ( جاء رجل من مراد إلى أويس القرني فقال : السلام عليكم ، قال وعليكم . قال : كيف أنتم يا أويس ؟ قال : الحمد لله . قال : كيف الزمان عليكم ؟ قال : لا تسأل ! الرجل إذا أمسى لم يرأنه يصبح ، وإذا أصبح لم ير أنه يمسي ! يا أخا مراد ، إن الموت لم يبق لمؤمن فرحاً . يا أخا مراد إن عرفان المؤمن بحقوق الله لم تبق له فضة ولا ذهباً . يا أخا مراد ، إن قيام المؤمن بأمر الله لم يبق له صديقاً ! والله إنا لنأمرهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر فيتخذوننا أعداء ، ويجدون على ذلك من الفاسقين أعواناً ، حتى والله لقد يقذفوننا بالعظائم ، ووالله لا يمنعني ذلك أن أقول بالحق ) !
وقال ابن حبان في المجروحين ( 3 / 151 ) : ( كان ابن عم له يلزم السلطان تولع به ،
--------------------------- 72 ---------------------------
فإن رآه مع قوم أغنياء قال ما هو إلا يشاكلهم ! وإن رآه مع قوم فقراء ، قال ما هو إلا يخدعهم ! وأويس لا يقول في ابن عمه إلا خيراً ) !
ومن الواضح أن ابن عم أويس الذي يلزم السلطان كان من مخابرات والي الكوفة الأموي ، وكان مولعاً بأذية أويس ! وكان ضرر هؤلاء الجواسيس على المسلمين كضرر الفقر والجوع ! وتستطيع أن تقدر بؤس عامة الناس ما دام شخصياتهم وأعيانهم مثل أويس يعيشون في حالة بؤس وفقر واضطهاد !

في السنة الأولى من حكمه محى الفقر من الكوفة

أمضى الإمام ( عليه السلام ) في الكوفة قبل التوجه إلى صفين بضعة أشهر ، فقد وصل إليها في الثاني عشر من رجب سنة ست وثلاثين ( الدر النظيم ( 1 / 358 ) وخرج منها في الرابع من شوال من تلك ( وقعة صفين / 131 ) . ووصل إلى صفين في الثامن والعشرين من ذي القعدة .
( مروج الذهب : 2 / 377 ) .
وفي هذه المدة القصيرة من حكمه ( عليه السلام ) ، أعاد العدل والتسوية في العطاء ، وأنفق بيت المال ولم يكدسه ، ولم يعطه للمقربين ، فمحى الفقر من الكوفة .
لقد عمم الإمام رخاء الفتوحات على الناس ، بعد أن كان محصوراً ببني أمية ! وروى الحاكم وصححه ( 2 / 445 ) وأحمد في فضائل الصحابة ( 1 / 531 ) وابن شيبة ( 8 / 157 ) والبيهقي في الشعب ( 7 / 226 ) إعلانه ( عليه السلام ) انتهاء الفقر في الكوفة ، قال :
( ما أصبح بالكوفة أحد إلاناعماً ، وإن أدناهم منزلة يشرب من ماء الفرات ويجلس في الظل ، ويأكل من البُرّ ) ! وهكذا تغير الحال في فترة قصيرة !
وقال ابن أبي الحديد ( 2 / 200 ) : ( وروى بكر بن عيسى كان علي ( عليه السلام ) يقول : يا أهل الكوفة إذا أنا خرجت من عندكم بغير راحلتي ورحلي وغلامي فلان ، فأنا خائن ، فكانت نفقته تأتيه من غلته بالمدينة بينبع ، وكان يطعم الناس منها الخبز واللحم ، ويأكل هو الثريد بالزيت . وكان إذا أتيَ بغلة ماله من ينبع ، اشترى الزيت والعجوة واللحم ، فيتخذ لنفسه ثريداً يأتدمه ويطعم الناس اللحم ) .
وقال شمس الدين في دراسات في نهج البلاغة / 233 : ( إن الامام ليكره الفقر ويستعيذ
--------------------------- 73 ---------------------------
بالله منه ، ويأمر الناس بالاستعاذة بالله منه ، وينعته بأقبح النعوت . قال ( عليه السلام ) : الغنى في الغربة وطن ، والفقر في الوطن غربة . الفقر يخرس الفطن عن حجته . الفقر الموت الأكبر . ألا وإن من البلاء الفاقة ، وأشد من الفاقة مرض البدن ، وأشد من مرض البدن مرض القلب .
ألا وإن من النعم سعة المال ، وأفضل من سعة المال صحة البدن ، وأفضل من صحة البدن تقوى القلب .
وقال لابنه محمد بن الحنفية : يا بني إني أخاف عليك الفقر ، فاستعذ بالله منه فإن الفقر منقصة للدين ، مدهشة للعقل ، داعية للمقت .
وإن إنساناً ينعت الفقر بهذه النعوت لا يمكن أن يقال عنه إنه يحبذ الفقر ويكره الغنى ، ولقد كان ( عليه السلام ) يستعيذ بالله من الفقر ، ويسأله أن يغنيه ، فمن دعاء له ( عليه السلام ) : اللهم صن وجهي باليسار ، ولا تبذل جاهي بالإقتار ، فأسترزق طالبي رزقك ، واستعطف شرار خلقك ، وأبتلى بحمد من أعطاني ، وافتتن بذم من منعني ، وأنت من وراء ذلك كله ولي الاعطاء والمنع . إنك على كل شئ قدير .
ومن دعاء له ( عليه السلام ) : اللهم إني أعوذ بك أن أفتقر في غناك ، أو أضل في هداك ،
أو أضام في سلطانك ، أو اضطهدَ والأمر لك .
وهكذا ترى أنه ( عليه السلام ) يحارب الفقر حرباً لا هوادة فيها ، ويحذر منه ويستعيذ بالله أن يبتليه به . إن الدنيا عنده جديرة بالإقبال عليها ، والعمل فيها ، والأخذ بحظ من متعها ولذاتها ، وإن الفقر عنده أمر مذموم خطر ، على الإنسان أن يتخلص منه ، ويستعيذ بالله من بلوائه ) .

قيمة الخلافة عند علي ( عليه السلام )

في تذكرة الخواص ( 1 / 110 ) : ( قال أحمد في الفضائل : كان يأتزر بعباءة ويشد وسطه بعقال ، ويهنأ بعيره وهو يومئذ خليفة . وذكرأحمد أيضاً في الفضائل بإسناده إلى ابن عباس قال : دخلت عليه يوماً وهو يخصف نعله فقلت له : ما قيمة هذا النعل حتى تخصفها ؟ فقال : هي والله أحب إلي من دنياكم أو إمرتكم
--------------------------- 74 ---------------------------
هذه إلا أن أقيم حقاً أو ادفع باطلاً . ثم قال : كان رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يخصف نعله ويرقع ثوبه ويركب الحمار ويردف خلفه . قال ابن عباس : أقام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالكوفة مدة خمس سنين لم يأكل من طعامهم ، وما كان يأكل إلا من شئ يأتيه من المدينة ) . يهنأ بعيره : أي يدهنه بالقطران .

قصة أخيه عقيل بن أبي طالب ( رضي الله عنه )

1 . استطاع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أن يغني الناس ويمحو الفقر من الكوفة ، لأنه حفظ بيت المال ، ومنع سياسة التبذير والسرقات التي كانت سائدة ، ولم يسلط أقاربه وعشيرته على أموال المسلمين كما فعل الذين قبله . وعندما جاءه يوماً أخوه عقيل بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) يطلب منه أكثر من حقه ، قال ( عليه السلام ) : ( والله لأن أبيت على حسك السعدان مسهداً ، وأجرًّ في الأغلال مصفداً ، أحبُّ إلي من أن ألقى الله ورسوله ( ( عليهما السلام ) ) يوم القيامة ظالماً لبعض العباد ، أو غاصباً لشئ من الحطام ! وكيف أظلم أحداً لنفس يسرع إلى البلى قفولها ، ويطول في الثرى حلولها ! والله لقد رأيت عقيلاً وقد أملق ، حتى استماحني من بركم صاعاً ، ورأيت صبيانه شعث الشعورغُبرالألوان من فقرهم ، كأنما سُوِّدت وجوههم بالعِظْلم ، وعاودني مؤكداً وكرر علي القول مردداً ، فأصغيت إليه سمعي فظن أني أبيعه ديني وأتبع قياده مفارقاً طريقتي ! فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها ، فضج ضجيج ذي دنف من ألمها وكاد أن يحترق من ميسمها ! فقلت له : ثكلتك الثواكل يا عقيل أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه ، وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه ! أتئن من الأذى ولا أئن من لظى ) . ( نهج البلاغة : 2 / 216 ) .
2 . روى الثقفي في الغارات ( 1 / 64 ) : ( عن جعفر بن علي بن الحسين ( ( صلى الله عليه وآله ) ) قال : قدم عقيل على علي ( عليه السلام ) وهو جالس في صحن مسجد الكوفة فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله ، قال : وعليك السلام يا أبايزيد ، ثم التفت إلى الحسن بن علي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فقال : قم وأنزل عمك ، فذهب به فأنزله وعاد إليه فقال له : إشتر له قميصاً جديداً ورداء جديداً وإزاراً جديداً ونعلاً جديداً . فغدا على علي ( عليه السلام ) في الثياب ، فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين قال : وعليك السلام يا أبايزيد ، قال : يا أمير المؤمنين ما أراك أصبت من
--------------------------- 75 ---------------------------
الدنيا شيئاً إلا هذه الحصباء ! قال : يا أبايزيد يخرج عطائي فأعطيكاه ، فارتحل عن علي ( عليه السلام ) إلى معاوية فلما سمع به معاوية نصب كراسيه وأجلس جلساءه فورد عليه ، فأمر له بمائة ألف درهم فقبضها ، فقال له معاوية : أخبرني عن العسكرين ، قال : مررت بعسكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) فإذا ليل كليل النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ونهار كنهار النبي إلا أن رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ليس في القوم ، ومررت بعسكرك فاستقبلني قوم من المنافقين ممن نَفَّرَ برسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ليلة العقبة ! ثم قال : من هذا الذي عن يمينك يا معاوية ؟ قال : هذا عمرو بن العاص ، قال : هذا الذي اختصم فيه ستة نفر فغلب عليه جزارها !
فمن الآخر ؟ قال : الضحاك بن قيس الفهري ، قال : أما والله لقد كان أبوه جيد الأخذ لعسب التيس ! فمن هذا الآخر ؟ قال : أبو موسى الأشعري ، قال : هذا ابن المراقة [ السراقة ] ! فلما رأى معاوية أنه قد أغضب جلساءه ، قال : يا أبايزيد ما تقول فيَّ ؟ قال : دع عنك ، قال : لتقولن ، قال : أتعرف حمامة ؟ قال : ومن حمامة ؟ قال : أخبرتك ! ومضى عقيل ، فأرسل معاوية إلى النسابة ، قال : فدعاه فقال : أخبرني من حمامة ، قال : أعطني الأمان على نفسي وأهلي ، فأعطاه ، قال : حمامة جدتك وكانت بغيَّةً في الجاهلية ، لها راية تؤتى . قال الشيخ : قال أبو بكر بن زبين : هي أم أم أبي سفيان ) !
ورواه الطوسي في أماليه / 723 ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، وفيه أن علياً ( عليه السلام ) قال لعقيل : ( أكتب لك إلى ينبع . قال : ليس غيرهذا ؟ قال : لا . فبينما هو كذلك إذ أقبل الحسين ( عليه السلام ) فقال : إشتر لعمك ثوبين فاشترى له قال : يا ابن أخي ما هذا ؟ قال : هذه كسوة أمير المؤمنين . . قال عقيل : يا أمير المؤمنين ، إئذن لي إلى معاوية . قال : في حل محلل ، فانطلق نحوه ، وبلغ ذلك معاوية فقال : إركبوا أفره دوابكم ، والبسوا من أحسن ثيابكم ، فإن عقيلاً قد أقبل نحوكم ، وأبرز معاوية سريره ، فلما انتهى إليه عقيل قال معاوية : مرحباً بك يا أبايزيد ما نزع بك ؟ قال : طلب الدنيا من مظانها . قال : وفقت وأصبت ، قد أمرنا لك بمائة ألف فأعطاه المائة ألف . ثم قال :
--------------------------- 76 ---------------------------
أخبرني عن العسكرين اللذين مررت بهما عسكري وعسكر علي . قال : في الجماعة أخبرك أو في الوحدة ؟ قال : لا بل في الجماعة . قال : مررت على عسكر علي فإذا ليل كليل النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ونهار كنهار النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) إلا أن رسول الله ليس فيهم ومررت على عسكرك فإذا أول من استقبلني أبوالأعور وطائفة من المنافقين والمنفرين برسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) )
( ليلة العقبة ) إلا أن أبا سفيان ليس فيهم ! فكف عنه حتى إذا ذهب الناس قال له : يا أبايزيد ، أيش صنعت بي ؟ قال : ألم أقل لك : في الجماعة أو في الوحدة فأبيت عليَّ ؟
قال : أما الآن فاشفني من عدوي ( يقصد عمرو العاص ) قال : ذلك عند الرحيل . فلما كان من الغد شد غرائره ورواحله ، وأقبل نحو معاوية وقد جمع معاوية حوله ، فلما انتهى إليه قال : يا معاوية من ذا عن يمينك ؟ قال : عمرو بن العاص ، قال : هذا الذي اختصم فيه ستة نفرفغلب عليه جزارها ! فمن الآخر ؟ قال : الضحاك بن قيس الفهري ، فتضاحك ثم قال : لقد علمت قريش أنه لم يكن أخصى لتيوسها من أبيه ! ثم قال : من هذا ؟ قال : هذا أبو موسى ، فتضاحك ثم قال : لقد علمت قريش بالمدينة أنه لم يكن بها امرأة أطيب ريحاً من قب أمه ! قال : أخبرني عن نفسي يا أبايزيد . قال : تعرف حمامة ، ثم سار ، فألقي في خلد معاوية ، قال : أم من أمهاتي لست أعرفها ! فدعا بنسابين من أهل الشام فقال : أخبراني عن أم من أمهاتي يقال لها حمامة لست أعرفها . فقالا : نسألك بالله لاتسألنا عنها اليوم . قال : أخبراني أو لأضربن أعناقكما ، لكما الأمان . قالا : فإن حمامة جدة أبي سفيان السابعة وكانت بغياً ، وكان لها بيت توفي فيه . قال جعفر بن محمد ( عليه السلام ) : وكان عقيل من أنسب الناس ) .
أقول : في تاريخ دمشق ( 41 / 23 ) : ( قال ابن المرَّاقة ، كانت أمه طيبة المرق ، فقال له معاوية : أبايزيد على رسلك ، فقد علمنا مقصدك ) ! وهو يعني أنها كانت زانية ! وفي المنتظم ( 5 / 252 ) : ( أمه ظبية بنت وهب بن عك ، أسلمت وماتت بالمدينة . وكان خفيف الجسم ، قصيراً ، أثط . ( كوسج لا لحية له ) .
وقال في شرح النهج : ( وقال أبو بكر بن عبد الله بن جهم : ليس أبو موسى من مهاجرة الحبشة ، وليس له حلف في قريش ، وكان قد أسلم بمكة قديماً ثم رجع إلى بلاد قومه ،
--------------------------- 77 ---------------------------
فلم يزل بها حتى قدم هو وناس من الأشعريين على رسول الله ، فوافق قدومهم قدوم أهل السفينتين جعفر وأصحابه من أرض الحبشة ، ووافق رسول الله بخيبر . . . عن أبي هريرة قال : دخل رسول الله المسجد ، فسمع قراءة رجل فقال : من هذا ؟ قيل عبد الله بن قيس ، فقال : لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود » .
أقول : شهادة أبي هريرة فيه غير مقبولة ، لأنه شريكه في بغض علي ( عليه السلام ) .
3 . ولعقيل قصص وأخبار طريفة مع معاوية وغيره . وقد روى عبد الرزاق في مصنفه ( 6 / 513 ) : ( أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقالت : تضمن لي وأنفق عليك ، فكان إذا دخل عليها قالت : أين عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ؟ فيسكت عنها ، حتى إذا دخل عليها يوماً وهو برم ، قالت : أين عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ؟ قال : عن يسارك في النار إذا دخلت ، فشدت عليها ثيابها ، فجاءت عثمان ، فذكرت ذلك له فضحك ) . وفي رواية البلاذري ( 2 / 78 ) أنها شكته إلى عثمان ، فأراد عبد الله بن عباس أن يفرق بينهما فقالت : ( والله ما أريد بأبي يزيد بدلاً . فانصرفا ) .
أقول : بنت عتبة هذه أخت هند وكانت كثيرة المال ، وقد اشترطت على عقيل أن يضمن لها وتنفق عليه ، وشرطها أن يضمن لها أن لا يطلقها !
وقال البلاذري ( 2 / 75 ) : ( دخل عقيل على معاوية وقد كف بصره فلم يسمع كلاماً ، فقال : يا معاوية : أما في مجلسك أحد ؟ قال : بلى . قال : فما لهم لا يتكلمون ؟ فتكلم الضحاك بن قيس فقال عقيل : من هذا ؟ فقال له معاوية : هذا الضحاك بن قيس . قال عقيل : كان أبوه خاصي القردة ، ما كان بمكة أخصى لكلب وقرد من أبيه ) !
وقال البلاذري ( 2 / 72 ) : ( قال معاوية لعقيل بن أبي طالب : ما أبين الشبق في رجالكم يا بني هاشم ! قال : لكنه في نسائكم يا بني أمية أبين ) !
وقال في شرح النهج ( 11 / 252 ) : ( قال معاوية لعقيل : يا أبايزيد أين يكون عمك أبو لهب اليوم ؟ قال : إذا دخلت جهنم فاطلبه تجده مضاجعاً لعمتك أم جميل بنت حرب بن أمية !
--------------------------- 78 ---------------------------
وسأل معاوية عقيلاً عن قصة الحديدة المحماة المذكورة ، فبكى وقال : نعم أقويت وأصابتني مخمصة شديدة ، فجمعت صبياني وجئته بهم والبؤس والضرظاهران عليهم فقال : إئتني عشية لأدفع إليك شيئاً ، فجئته يقودني أحد ولدي فأمره بالتنحي ، ثم قال : ألا فدونك فأوهيت حريصاً قد غلبني الجشع ، أظنها صرة فوضعت يدي على حديدة تلتهب ناراً ، فلما قبضتها نبذتها وخرت كما يخورالثورتحت يد جازره ، فقال لي ثكلتك أمك ، هذا من حديدة أوقدت لها نار الدنيا ، فكيف بك وبي غداً إن سلكنا في سلاسل جهنم ! ثم قرأ : إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ . ثم قال ليس لك عندي فوق حقك الذي فرضه الله لك إلا ما ترى ، فانصرف إلى أهلك . فجعل معاوية يتعجب ويقول : هيهات هيهات عقمت النساء أن يلدن مثله ) .
أقول : زاد بعضهم في هذه الرواية أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) أخذ من بيت المال شيئاً من العسل لضيفه ، فوبخه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ويبدو أنها موضوعة للطعن في الحسين ( عليه السلام ) ، وهي رواية عامية لا تتفق مع مستواه وعصمته ( عليه السلام ) .
4 . وفي مناقب آل أبي طالب ( 1 / 376 ) : ( وقدم عليه عقيل فقال للحسن : أُكْسُ عمك ، فكساه قميصاً من قميصه ورداء من أرديته ، فلما حضر العشاء فإذا هو خبز وملح ، فقال عقيل : ليس غيرما أرى . فقال : أوليس هذا من نعمة الله ، فله الحمد كثيراً ، فقال : أعطني ما أقضي به ديني وعجل سراحي حتى أرحل عنك ، قال : فكم دينك يا أبايزيد ؟ قال مائة ألف درهم ، قال والله ما هي عندي ولا أملكها ، ولكن إصبر حتى يخرج عطاي فأواسيكه ، ولولا أنه لابد للعيال من شئ لأعطيتك كله .
فقال عقيل : بيت المال في يدك وأنت تسوفني إلى عطائك وكم عطاؤك وما عسى يكون ولو أعطيتنيه كله ! فقال : ما أنا وأنت فيه إلا بمنزلة رجل من المسلمين ، وكانا يتكلمان فوق قصرالامارة مشرفين على صناديق أهل السوق ، فقال له علي ( عليه السلام ) : إن أبيت يا أبايزيد ما أقول فانزل إلى بعض هذه الصناديق فاكسر أقفاله وخذ ما فيه ، فقال وما في هذه الصناديق ؟ قال فيها أموال التجار ، قال : أتأمرني أن أكسر صناديق قوم قد توكلوا على الله وجعلوا فيها أموالهم ! فقال أمير المؤمنين : أتأمرني أن أفتح بيت المال
--------------------------- 79 ---------------------------
المسلمين فأعطيك أموالهم وقد توكلوا على الله وأقفلوا عليها ! وإن شئت أخذت سيفك وأخذتُ سيفي وخرجنا جميعاً إلى الحيرة ، فإن بها تجاراً مياسير فدخلنا على بعضهم فأخذنا ماله ، فقال : أو سارقٌ جئتُ ! قال : تسرق من واحد خير من أن تسرق من المسلمين جميعاً !
قال له : أفتأذن لي أن أخرج إلى معاوية ؟ فقال له : قد أذنت لك ، قال : فأعني على سفري هذا ، قال يا حسن أعط عمك أربع مائة درهم فخرج عقيل وهو يقول :
سيغنيني الذي أغناك عني * ويقضي ديننا رب قريب
وذكر عمرو بن العاص أن عقيلاً لما سأل عطاه من بيت المال قال له : تقيم إلى يوم الجمعة ، فأقام فلما صلى الجمعة قال لعقيل : ما تقول فيمن خان هؤلاء أجمعين ؟ قال بئس الرجل ذاك ، قا : ل فأنت تأمرني أن أخون هؤلاء وأعطيك ) !
5 . ورواه الصدوق في أماليه / 718 ، وفيه : ( والله لقد رأيت عقيلاً أخي وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعاً ، وعاودني في عشروسق من شعيركم يطعمه جياعه ، ويكاد يلوي ثالث أيامه خامصاً ما استطاعه ، ورأيت أطفاله شعث الألوان من ضرهم كأنما اشمأزت وجوههم من قرهم ، فلما عاودني في قوله وكرره ، أصغيت إليه سمعي فغرَّه ، وظنني أوتغ ديني فأتبع ما سرَّه ، أحميت له حديدة لينزجر ، إذ لا يستطيع منها دنواً ولا يصبر ، ثم أدنيتها من جسمه ، فضج من ألمه ضجيج ذي دنف يئن من سقمه ، وكاد يسبني سفهاً من كظمه ، ولحرقة في لظى أضنى له من عدمه . فقلت له : ثكلتك الثواكل يا عقيل ، أتئن من حديدة أحماها إنسانها لمدعبه ، وتجرني إلى نار سجرها جبارها من غضبه ! أتئن من الأذى ، ولا أئن من لظى ! والله لو سقطت المكافاة عن الأمم ، وتركت في مضاجعها باليات في الرمم ، لاستحييت من مقت رقيب يكشف فاضحات من الأوزار تنسخ .
فصبراً على دنياً تمر بلأوائها ، كليلة بأحلامها تنسلخ ، كم بين نفس في خيامها ناعمة ، وبين أثيم في جحيم يصطرخ ) .
--------------------------- 80 ---------------------------
6 . وقال ابن قتيبة في عيون الأخبار ( 2 / 214 ) : ( أخرج ابن عساكر ، أن عقيلاً سأل علياً فقال : إني محتاج وإني فقير فأعطني ، قال : إصبر حتى يخرج عطاؤك مع المسلمين فأعطيك معهم فألحّ عليه ، فقال لرجل : خذ بيده وانطلق به إلى حوانيت أهل السوق فقل له : دق هذه الأقفال وخذ ما في هذه الحوانيت ! قال : تريد أن تتخذني سارقاً ! قال : وأنت تريد أن تتخذني سارقاً ، أن آخذ أموال المسلمين فأعطيكها دونهم . قال : لآتين معاوية قال : أنت وذاك . فأتى معاوية فسأله فأعطاه مائة ألف ثم قال : إصعد على المنبر فأذكر ما أولاك به علي وما أوليتك ، فصعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إني أخبركم إني أردت علياً على دينه ، فاختار دينه . وإني أردت معاوية على دينه ، فاختارني على دينه . وقال يوماً : لولا علمه بأني خير له من أخيه ما أقام عندنا وتركه ، فقال له عقيل : أخي خير لي في ديني ، وأنت خير لي في دنياي ، وقد آثرت دنياي ، واسأل الله خاتمة خير ) .
7 . عقيل بن أبي طالب صحابي جليل ( رضي الله عنه ) ، كان رسول الله يحبه حبين ، وقد وثق ذلك علماء السنة ، قال له : ( يا أبايزيد إني أحبك حبين : حباً لقرابتك مني وحباً لما كنت أعلم من حب عمي إياك ) ( الطبراني الكبير : 17 / 191 )
ومعناه أن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يحب أبا طالب ويحب من يحبه ، بينما يوجد مدعون للإسلام لا يحبون أبا طالب ، ولا يحبون من يحبه ! فاعجب لعقدة قريش من النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وأسرته بني هاشم ، كيف اتخذوها ديناً !
8 . قال في شرح النهج ( 11 / 250 ) : ( هو عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن
عبد مناف ، أخو أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لأمه وأبيه ، وكان بنو أبي طالب أربعة : طالب وهو أسن من عقيل بعشر سنين وعقيل وهو أسن من جعفر بعشر سنين وجعفر وهو أسن من على بعشر سنين وعلى وهو أصغرهم سناً وأعظمهم قدراً ، بل وأعظم الناس بعد ابن عمه قدراً .
وكان أبو طالب يحب عقيلاً أكثر من حبه سائر بنيه . قال له رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) :
يا أبايزيد إني أحبك حبين . . الخ .
أخرج عقيل إلى بدر مكرهاً كما أخرج العباس ، فأسر وفديَ وعاد إلى مكة ثم أقبل
--------------------------- 81 ---------------------------
مسلماً مهاجراً قبل الحديبية ، وشهد غزاة مؤتة مع أخيه جعفر ( عليه السلام ) وتوفى في خلافة معاوية في سنة خمسين ، وعمره ست وتسعون سنة .
وله دار بالمدينة معروفة ، وخرج إلى العراق ثم إلى الشام ثم عاد إلى المدينة ولم يشهد مع أخيه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) شيئاً من حروبه ، وعرض نفسه وولده عليه فأعفاه ، ولم يكلفه حضور الحرب ) .
أقول : نشك فيما ذكره المؤرخون من الفرق بين ولادة علي وجعفر وعقيل وأنها عشر سنوات . كما أن روايتهم بأن أبا طالب كان فقيراً وأن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) أخذ علياً ليخفف عائلته ، مكذوبة ، بل طلبه النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) من أبي طالب ليكون له عضداً .
9 . قال البلاذري ( 2 / 76 ) : ( المدائني قال : كان عقيل يقول : لا يختر أحدكم ولداً ، فإني كنت أعز ولد أبي فصرت أخسهم ) !
أقول : صدق عقيل ( رضي الله عنه ) فإخوته أفضل منه ، وأصغرهم أمير المؤمنين أفضل الخلق بعد رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) . وجعفر الطيار مقامه عظيم ، وكبيرهم طالب باعتقادي قتله المشركون في طريقهم إلى بدر ، لأنه دعا الله أن يغلب محمد ( ( عليهما السلام ) ) .
10 . قال في شرح النهج عن عقيل ( 11 / 250 ) : ( وكان أنسب قريش وأعلمهم بأيامها ، وكان مُبَغَّضاً إليهم لأنه كان يَعُدُّ مساوئهم ! وكانت له طنفسة تطرح في مسجد رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فيصلي عليها ، ويجتمع إليه الناس في علم النسب وأيام العرب ، وكان حينئذ قد ذهب بصره . وكان أسرع الناس جواباً وأشدهم عارضةً . كان يقال إن في قريش أربعة يتحاكم إليهم في علم النسب وأيام قريش ويرجع إلى قولهم : عقيل بن أبي طالب ، ومخرمة بن نوفل الزهري ، وأبوالجهم بن حذيفة العدوي ، وحويط بن عبد العزى ) .
أقول : قال أبو نصر البخاري في السلسلة العلوية / 88 : ( قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لعقيل بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) وهو أعلم قريش بالنسب : أطلب لي امرأة ولدتها شجعان العرب حتى تلد لي ولداً شجاعاً ، فوقع الاختيار على أم البنين الكلابية ، وولدت العباس بن علي وأخوته ) .
--------------------------- 82 ---------------------------
ولما أخذ عمر بنصحية علي ( عليه السلام ) بأن يقسم بيت المال ولا يدخره ، دعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا نُسَّاب قريش وقال : أكتبوا الناس على منازلهم فكتبوا فبدؤوا ببني هاشم ، ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه ثم عمر وقومه ، على ترتيب الخلافة ، فلما نظر إليه قال : وددت أنه كان هكذا ، لكن أبدأ بقرابة النبي الأقرب فالأقرب ، حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله .
قال أبو جعفر : جاءت بنو عدي إلى عمر ، فقالوا له أنت خليفة رسول الله ، قال : أو خليفة أبي بكر وأبو بكر خليفة رسول الله . فلو جعلت نفسك حيث جعلك هؤلاء القوم ! فقال : بخ بخ يا بني عدي ! أردتم الأكل على ظهري . والله ما أدركنا الفضل في الدنيا إلا بمحمد فهو شرفنا وقومه أشرف العرب ، ثم الأقرب منه فالأقرب فإنهم أولى بمحمد منا يوم القيامة ) ! ( شرح النهج : 12 / 94 ) .
وحالات عمر متناقضة ، وهذه من حالاته التي اعترف فيها بمكانة بني هاشم عترة النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، وبالأمس هدد علياً بالقتل إن لم يبايعه ، ومنع عجوزاً أنصارية من زيارة آل محمد ، لأنه لاحقوق اجتماعية لهم بعد النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) !
قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) ( الكافي : 8 / 156 ) : ( كانت امرأة من الأنصار تودنا أهل البيت وتكثر التعاهد لنا ، وإن عمر بن الخطاب لقيها ذات يوم وهي تريدنا فقال لها : أين تذهبين يا عجوز الأنصار ؟ فقالت : أذهب إلى آل محمد أسلم عليهم وأجدد بهم عهداً وأقضي حقهم ، فقال لها عمر : ويلك ليس لهم اليوم حق عليك ولا علينا ، إنما كان لهم حق على عهد رسول الله فأما اليوم فليس لهم حق فانصرفي ! فانصرفت حتى أتت أم سلمة فقالت لها أم سلمة : ماذا أبطأ بك عنا ؟ فقالت : إني لقيت عمر بن الخطاب وأخبرتها بما قالت لعمر وما قال لها عمر ، فقالت لها أم سلمة : كَذِبَ ، لا يزال حق آل محمد واجباً على المسلمين إلى يوم القيامة ) !
11 . وكان عمر يهابه ، قال ابن أبي شيبة ( 4 / 214 ) : ( أحرم عقيل بن أبي طالب في ثوبين ورديين فرآه عمرفقال : ما هذا ؟ فقال له : إن أحداً لايعلمنا بالسنة ) .
وفي الدعاء للطبراني / 291 : ( تزوج امرأة فقيل له : بالرفاء والبنين ، فقال : سمعت
--------------------------- 83 ---------------------------
رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يقول : إذا تزوج أحدكم فليقل له : بالخير والبركة , بارك الله عليك ، وبارك فيك ) .
12 . هاجر عقيل إلى النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) قبل الحديبية ، أي في السنة الخامسة بعد معركة الخندق ، وشارك في حروب النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، وسجل الرواة عنه تقواه ونزاهته ، فروى عبد الرزاق ( 1 / 137 ) أنه أخذ من الغنائم إبرة : ( فقال لامرأته خيطي بهذه ثيابك ، قال فبعث النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) منادياً : ألا يغُلَّنَّ رجلٌ إبرة فما دونها ، فقال عقيل لامرأته : ما أرى إبرتك إلا قد فاتتك ) !
كما رووا إيمانه ففي مسند أبي يعلى ( 12 / 176 ) وأوسط الطبراني ( 8 / 253 ) : ( قال جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا إن بن أخيك يؤذينا في نادينا وفي مسجدنا فانهه عن أذانا . فقال : يا عقيل ائتني بمحمد ، فذهبت فأتيته به فقال : يا ابن أخي إن بني عمك يزعمون أنك تؤذيهم في ناديهم وفي مسجدهم ، فانته عن ذلك . قال : فحلق رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) بصره إلى السماء فقال : أترون هذه الشمس ؟ قالوا : نعم . قال : ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك على أن تستشعلوا لي منها شعلة ! قال فقال أبو طالب ما كذبنا بن أخي ، والله ما كذب قط ، إرجعوا راشدين ) .
أي قال الحق وأنا أصدقه ، ولا شكوى لكم . وهو يثبت إيمان أبي طالب ( عليه السلام ) .
وقال : ( كنا إذا أصبحنا وليس عندنا طعام ، قال لنا أبي : إئتوا زمزم ، فنأتيها فنشرب منها فنجتزئ ) . ( عمدة القاري : 9 / 277 ) .
13 . وقد ثبت عقيل مع النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) في حنين : « فرَّ الناس جميعاً وأعْرَوْا رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فلم يبق معه إلا سبعة نفر من بني عبد المطلب : العباس وابنه الفضل وعلي وأخوه عقيل وأبو سفيان وربيعة ونوفل بنو الحارث بن عبد المطلب ، ورسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) مصلت سيفه في المجتلد ) . ( أمالي الطوسي / 575 ) .
14 . ولما أخرج عثمان أبا ذر إلى الربذة ، نادي مناديه : ألا يكلمه أحد ولا يشيعه . فتحاماه الناس إلا علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وعقيلاً أخاه وحسناً وحسيناً ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وعماراً ، فإنهم خرجوا معه يشيعونه ) . ( شرح النهج ( 8 / 252 ) .
--------------------------- 84 ---------------------------
15 . ولما طلب المسلمون عزل الوليد بن عقبة أخ عثمان من الرضاعة عن الكوفة ، لسوء سيرته ، واحتدم النقاش في دار الخلافة ، تصدى عقيل في دار الخلافة لابن أبي معيط فقال له : ( إنك لتتكلم يا ابن أبي مُعَيْط كأنك لا تدري من أنت ، وأنت علج من أهل صفورية ! وهي قرية بين عكاء واللجون ذكر أن أباه كان يهودياً منها ) ! ( مروج الذهب : 2 / 334 ) .
16 . وكان عقيل في حصار الشعب مع النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) . قال علي ( عليه السلام ) : « فأراد قومنا قتل نبينا واجتياح أصلنا ، وهموا بنا الهموم وفعلوا بنا الأفاعيل ، ومنعونا العذب ، وأحلسونا الخوف ، واضطرونا إلى جبل وعر ، وأوقدوا لنا نار الحرب ، فعزم الله لنا على الذب عن حوزته ، والرمي من وراء حرمته ، مؤمننا يبغي بذلك الأجر ، وكافرنا يحامي عن الأصل . ومن أسلم من قريش خلوٌ مما نحن فيه ، بحلف يمنعه ، أو عشيرة تقوم دونه ، فهو من القتل بمكان آمن » . « نهج البلاغة : 3 / 8 » .
وقال في شرح النهج ( 14 / 65 ) : ( وكان العباس في حصار الشعب معهم إلا أنه كان على دين قومه ، وكذلك عقيل بن أبي طالب وطالب بن أبي طالب ، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وابنه الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وكان شديداً على رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يبغضه ويهجوه بالأشعار ، إلا إنه كان لا يرضى بقتله ، ولا يقار قريشاً في دمه محافظة على النسب ) .
لكن بعض أكثر من ذكرهم أسلموا ولم يعلنوا إسلامهم .
17 . وأكره المشركون عقيلاً على الذهاب معهم إلى بدر . ففي الطبري ( 2 / 292 ) :
( قال النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) لأصحابه : إني قد عرفت رجالاً من بني هاشم قد خرجوا إلى بدر كرهاً ، فمن لقي منكم أحداً منهم فلا يقتله » .
وفي شرح النهج ( 14 / 199 ) : ( أُسِرَ من بني هاشم العباس بن عبد المطلب ، أسره أبو اليسر كعب بن عمرو ، وعقيل بن أبي طالب أسره عبيد بن أوس الظفري . ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب أسره جبار بن صخر ، وأسر حليف لبني هاشم من بني فهر ، اسمه عتبة . ومن بني المطلب بن عبد مناف السائب بن عبيد وعبيد بن عمرو بن علقمة ، رجلان أسرهما سلمة بن حريش الأشهلي ) .
--------------------------- 85 ---------------------------
وفي تفسير العياشي ( 2 / 69 ) : ( فأرسل علياً فقال : أنظر من ههنا من بني هاشم ، قال : فمر عليٌّ على عقيل بن أبي طالب فجاز عنه فقال له : يا ابن أم علي ، أما والله لقد رأيت مكاني . قال : فرجع إلى رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فقال له : هذا أبو الفضل في يد فلان ، وهذا عقيل في يد فلان ، وهذا نوفل بن الحارث في يد فلان ، فقام رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) حتى انتهى إلى عقيل فقال له : يا أبايزيد قتل أبو جهل . قال : إذاً لاتنازعون في تهامة . فقال : إن كنتم أثخنتم القوم وإلا فاركبوا أكتافهم . فقال : فجيئ بالعباس فقيل له : إفد نفسك وافد ابن أخيك . فقال : يا محمد تتركني أسأل قريشاً في كفي ! فقال : أعط مما خلفت عند أم الفضل وقلت لها : إن أصابني في وجهي هذا شئ فأنفقيه على ولدك ونفسك ، فقال له : يا ابن أخي من أخبرك بهذا ؟ فقال : أتاني به جبرئيل ( عليه السلام ) من عند الله عز وجل ، فقال ومحلوفه : ما علم بهذا أحد إلا أنا وهي ! أشهد أنك رسول الله ، قال : فرجع الأسرى كلهم مشركين إلا العباس وعقيل ونوفل كرم الله وجوههم ، وفيهم نزلت هذه الآية :
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا اُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) . ( الكافي : 8 / 202 ) .
وفي أسباب النزول للواحدي / 162 : ( نزلت في العباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب ، ونوفل بن الحرث ) .
18 . وكانت علاقة عقيل بعلي ( عليه السلام ) جيدة من صغرهما ، قال ابن حجر في الدراية ( 2 / 174 ) : ( وقد صح أن علياً وكل عقيلاً وبعد ما أسن وكل عبد الله بن جعفر . أخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن جعفر قال : كان علي يكره الخصومة ، فكان إذا كانت له خصومة وكل فيها عقيل بن أبي طالب ، فلما كبر عقيل وكلني ) .
وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كالمازح : ( ما زلت مظلوماً منذ ولدتني أمي ، حتى أن عقيلاً كان يصيبه الرمد فيقول : لا تذرُّوني حتى تذرُّوا علياً ، فيذرُّوني وما بي رمد ) !
( إعتقادات الصدوق / 105 ) .
وتقدم أن علياً ( عليه السلام ) أعفاه من المشاركة في حروبه لأنه كان كبير السن أو أعمى .
--------------------------- 86 ---------------------------
19 . وكان مخلصاً مناصحاً لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ففي شرح النهج ( 2 / 117 ) : ( كتب في أثر هذه الوقعة ( غارة الضحاك بن قيس الفهري على أطراف أعماله ) عقيل بن أبي طالب إلى أخيه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حين بلغه خذلان أهل الكوفة وتقاعدهم به : لعبد الله علي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من عقيل بن أبي طالب . سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فإن الله حارسك من كل سوء ، وعاصمك من كل مكروه ، وعلى كل حال ، إني قد خرجت إلى مكة معتمراً ، فلقيت عبد الله بن سعد بن أبي سرح في نحو من أربعين شاباً من أبناء الطلقاء ، فعرفت المنكر في وجوههم فقلت : إلى أين يا أبناء الشانئين ! أبمعاوية تلحقون ! عداوة والله منكم قديماً غير مستنكرة ، تريدون بها إطفاء نور الله وتبديل أمره . فأسمعني القوم وأسمعتهم ، فلما قدمت مكة ، سمعت أهلها يتحدثون أن الضحاك بن قيس أغار على الحيرة ، فاحتمل من أموالها ما شاء ، ثم انكفأ راجعاً سالماً . فأفٍّ لحياة في دهر جرأ عليك الضحاك ! وما الضحاك ، فقع بقرقر ! وقد توهمت حيث بلغني ذلك أن شيعتك وأنصارك خذلوك ، فاكتب إلى يا ابن أمي برأيك فإن كنت الموت تريد ، تحملت إليك ببني أخيك ، وولد أبيك ، فعشنا معك ما عشت ، ومتنا معك إذا مت ، فوالله ما أحب أن أبقى في الدنيا بعدك فواقاً . وأقسم بالأعز الاجل ، إن عيشاً نعيشه بعدك في الحياة لغير هنئ ولامرئ ولانجيع . والسلام عليك ورحمة الله وبركاته .
فكتب إليه ( عليه السلام ) : من عبد الله علي أمير المؤمنين : إلى عقيل بن أبي طالب . سلام الله عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد : كلأَنا الله وإياك كلاءة من يخشاه بالغيب ، إنه حميد مجيد . قد وصل إلي كتابك مع عبد الرحمن بن عبيد الأزدي ، تذكر فيه أنك لقيت عبد الله بن سعد بن أبي سرح مقبلاً من قديد في نحو من أربعين فارساً من أبناء الطلقاء ، متوجهين إلى جهة الغرب ، وإن ابن أبي سرح طالما كاد الله ورسوله وكتابه ، وصد عن سبيله وبغاها عوجاً ، فدع ابن أبي سرح ، ودع عنك قريشاً وخلهم وتركاضهم في الضلال ، وتجوالهم في الشقاق . ألا وإن العرب قد أجمعت على حرب أخيك اليوم إجماعها على حرب رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) قبل اليوم ، فأصبحوا قد جهلوا
--------------------------- 87 ---------------------------
حقه ، وجحدوا فضله ، وبادروه العداوة ، ونصبوا له الحرب ، وجهدوا عليه كل الجهد ، وجروا إليه جيش الأحزاب !
اللهم فاجز قريشاً عني الجوازي ! فقد قطعت رحمي ، وتظاهرت علي ، ودفعتني عن حقي ، وسلبتني سلطان ابن أمي ، وسلمت ذلك إلى من ليس مثلي في قرابتي من الرسول ، وسابقتي في الإسلام ! إلا أن يدعي مدع ما لا أعرفه ، ولا أظن الله يعرفه ، والحمد لله على كل حال .
فأما ما ذكرته من غارة الضحاك على أهل الحيرة ، فهو أقل وأذل من أن يلم بها أو يدنو منها ، ولكنه قد كان أقبل في جريدة خيل ، على السماوة ، حتى مر بواقصة وشراف والقطقطانة ، مما والى ذلك الصقع ، فوجهت إليه جنداً كثيفاً من المسلمين ، فلما بلغه ذلك فر هارباً ، فأتبعوه فلحقوه ببعض الطريق وقد أمعن ، وكان ذلك حين طفلت الشمس للإياب ، فتناوشوا القتال قليلاً كلا ولا ، فلم يصبر لوقع المشرفية وولى هارباً ، وقتل من أصحابه بضعة عشر رجلاً ، ونجا جريضاً ( مجهداً ) بعد ما أخذ منه بالمخنق ، فلأياً بلأيٍ ما نجا . ( أي بصعوبة ) .
فأما ما سألتني أن أكتب لك برأيي فيما أنا فيه ، فإن رأيي جهاد المحلين حتى ألقى الله ، لا يزيدني كثرة الناس معي عزة ، ولا تفرقهم عني وحشة ، لأنني محق والله مع المحق ، ووالله ما أكره الموت على الحق ، وما الخير كله إلا بعد الموت لمن كان محقاً . وأما ما عرضت به من مسيرك إليَّ ببنيك وبني أبيك فلا حاجة لي في ذلك ، فأقم راشداً محموداً ، فوالله ما أحب أن تهلكوا معي إن هلكت ، ولا تحسبن ابن أمك ولو أسلمه الناس متخشعاً ولا متضرعاً ، إنه لكما قال أخو بني سليم :
فإن تسأليني كيف أنت فإنني * صبور على ريب الزمان صليب
يعز علي أن تري بي كآبة * فيشمت عاد أو يساء حبيب ) .
20 . لكن موقفه أيام السقيفة كان ضعيفاً فقد سأل رجل الإمام الباقر ( عليه السلام ) ( أصلحك الله فأين كان عز بني هاشم وما كانوا فيه من العدد ؟ فقال أبو جعفر ( عليه السلام ) : ومن كان بقي من بني هاشم ، إنما كان جعفر وحمزة فمضيا وبقي
--------------------------- 88 ---------------------------
معه رجلان ضعيفان ذليلان حديثا عهد بالإسلام : عباس وعقيل وكانا من الطلقاء . أما والله لو أن حمزة وجعفراً كانا بحضرتهما ما وصلا إلى ما وصلا إليه ، ولوكانا شاهديهما لأتلفا نفسيهما ) . ( الكافي : 8 / 190 )
يقصد ( عليه السلام ) أن عقيلاً والعباس كانا ضعيفين ذليلين أي ليسا صاحبي همة عالية ، ولم يكونا راسخين في الإسلام . ومعنى قوله ( عليه السلام ) : ولو كانا شاهديهما لأتلفا نفسيهما ، أي لو كان حاضرين عند ظلامة علي وفاطمة ( ( صلى الله عليه وآله ) ) لنصراهما حتى الموت .
21 . رُزق عقيل ثمانية عشرولداً ، واستشهد منهم خمسة أو ستة مع الحسين وانحصرعقبه بابنه محمد ، وبارك الله في نسله ، ويوجد قبيلة بني عقيل منه .
قال العمري في أنساب الطالبين / 313 : ( وأما جعفر بن عبد الله بن عقيل النسابة ، فمات بحران سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة ، فمن ولده أبو الحسن محمد بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن عقيل بن عبد الله النسابة بن عقيل بن محمد الأكبر بن عبد الله الأحول بن محمد بن عقيل بن أبي طالب ، له بقية بحلب إلى يومنا ، وله بقية أيضاً ببيروت ومصر ) .
وقال البلاذري ( 2 / 69 ) : ( ولد عقيل مسلماً وعبد الله الأصغر وعبيد الله وأم عبد الله ومحمداً ورملة لأم ولد يقال لها : حلية ، وعبد الرحمان وحمزة وعلياً وجعفر الأصغر ، وعثمان وزينب ، وفاطمة تزوجها علي يزيد بن ركانة من بني عبد المطلب بن عبد مناف . وفاطمة وأسماء تزوجها عمر بن علي بن أبي طالب وأم هانئ لأمهات شتى . ويزيد وسعيد ، أمهما أم عمر بنت عمر الكلابية . وأباسعيد وجعفر الأكبر وعبد الله الأكبر ، أمهم أم البنين كلابية . وبعضهم يقول : أم أنيس . فقتل من بني عقيل مع الحسين ( عليه السلام ) جعفرالأكبر ومسلم ، وعبد الله الأكبر ، وعبد الرحمان ، ومحمد بن عقيل . ويقال : إن الذين قتلوا مع الحسين ستة ، قال الشاعر :
عين جودي بعبرة وعويل * واندبي إن ندبت آل الرسول
تسعة منهم لصلب علي * قد أبيدوا وستة لعقيل ويروى .
22 . اختلفت الرواية في تاريخ وفاته ومكان قبره ( رضي الله عنه ) . فذكرت أكثر الروايات أنه توفي في طريقه إلى الشام ، ولا يعرف له قبر بالشام إلا ما ذكره القلقشندي في صبح الأعشى
--------------------------- 89 ---------------------------
( 4 / 132 ) : ( أما الباب ( قرب حلب ) فبليدة صغيرة . قال في تقويم البلدان : بها مشهد به قبر عقيل بن أبي طالب رضي اللَّه عنه ، وبها أسواق وحمام ومسجد جامع ، وبها البساتين الكثيرة والنزه ) .
ويحتمل أن يكون قبر عقيل آخر . لأن آل عقيل عشيرة في حلب ومنهم نسابون .
وذكرت المصادر وجود قبر لعقيل في البقيع بين قبر العباس وقبور أزواج النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) . قال أبو الطيب الحسني في شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ( 2 / 466 ) : ( وقال محمد بن موسى : كان قبر صفية بنت عبد المطلب عند زاوية دار المغيرة بن شعبة ، وقبرعقيل بن أبي طالب أخي علي ( رضي الله عنه ) في قبة في أول البقيع أيضاً ، ومعه في القبر ابن أخيه عبد الله بن جعفرالطيار وابن أبي طالب الجواد المشهور ، وقبور أزواج النبي ، وهي أربعة قبورظاهرة ) .
ونحوه النويري في نهاية الإرب ( 33 / 217 ) وابن جبير في رحلته / 174 ، وابن بطوطة في رحلته / 119 ، قالوا : ( وبإزائه قبر عقيل بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) وقبر عبد الله بن ذي الجناحين جعفر بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) ، وبإزائهم روضة فيها قبور أمهات المؤمنين رضي‌الله‌عنهن ، ويليها روضة فيها قبرالعباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقبر الحسن بن علي بن أبي طالب ، وهي قبة ذاهبة في الهواء بديعة الإحكام ، عن يمين الخارج من باب البقيع ، ورأس الحسن إلى رجلي العباس ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، وقبراهما مرتفعان عن الأرض متسعان ، مغشيان بألواح بديعة الإلتصاق ، مرصعة بصفائح الصفر البديعة العمل ) .
وقال الأحمدي في كتابه : عقيل ابن أبي طالب / 100 : ( وفي تاريخ البخاري الأصغر : بسند صحيح أنه مات في أول خلافة يزيد قبل الحرة ، وقيل مات في خلافة معاوية ) .
وقال ابن النجار المتوفى 643 ، في كتابه : الدرة الثمينة في أخبار المدينة ( 1 / 166 ) : ( وقبر عقيل بن أبي طالب أخي علي ، في قبة في أول البقيع أيضاً ، ومعه في القبر ابن أخيه عبد الله بن جعفر الطيار ابن أبي طالب الجواد المشهور ) .
وقال السمهودي في وفاء الوفا ( 3 / 96 ) : ( وأول من رأيته ذكر أنه بذلك المشهد
--------------------------- 90 ---------------------------
ابن النجار ، فقال : . . قلت : والظاهر أنه بالمشهد المنسوب اليوم لعقيل ؛ لأن ابن زبالة وابن شبة لم يذكرا قبر عقيل بالبقيع ، وكذا الغزالي لما ذكر في الإحياء من يزار بالبقيع لم يذكره ، بل المنقول الذي ذكره ابن قدامة وغيره أن عقيلاً توفي بالشام في خلافة معاوية ، فكان سبب اشتهار ذلك المشهد به كون الدار التي هو بها له ، ويحتمل على بعد أنه نقل من الشام ودفن بذلك المحل أيضاً ، وأول من رأيته ذكر أنه بذلك المشهد ابن النجار ، فقال . . . ) .
وقال في الدرجات الرفيعة / 165 : ( توفي عقيل ( رحمه الله ) في خلافة معاوية ، قال ابن الضحاك : ولم يوقف على السنة التي مات فيها . وقال ابن أبي الحديد : توفي في خلافة معاوية في سنة خمسين وعمره ست وتسعون سنة ، وكان له من البنين ثمانية عشر ذكراً . قتل بالطف منهم مع الحسين ( عليه السلام ) خمسة ، وانقرض الجميع ولم يعقب منهم إلا محمد بن عقيل ، ولا عقب له من غيره ) .
وفي تهذيب التهذيب لابن حجر ( 7 / 227 ) : ( في تاريخ البخاري الأصغر بسند صحيح أنه مات في أول خلافة يزيد بن معاوية قبل وقعة الحرة . وقال ابن سعد : خرج عقيل مهاجراً في أول سنة ثمان فشهد مؤتة ثم رجع فعرض له مرض فلم يسمع له بخبر لا في فتح مكة ولا حنين ولا الطائف وله عقب . وفيما قال نظر فقد روى الزبير بن بكار من طريق الحسين بن علي قال : كان ممن ثبت مع النبي يوم حنين العباس وعلي وعقيل وسمي جماعة ) .
أقول : خلط ابن سعد في سيرة عقيل ووفاته ومكان قبره . والأقوى أن قبره في الشام ، لكن الباب ليس في طريق الحجاز إلى الشام ، بل في طريق تركيا إلى الشام .
لكن لامانع من زيارة قبره ( رضي الله عنه ) في البقيع وفي الشام ، في مدينة الباب ، أو في دمشق . ولعله دفن في دمشق ةلم يعرف ، لأن علاقته ساءت بمعاوية .

  • *
    --------------------------- 91 ---------------------------

الفصل الحادي والسبعون: رتب الإمام ( عليه السلام ) وضع الدولة واستعد لحرب معاوية

استشار الناس وراسل عماله في الأمصار

كان الناس يحثون الإمام ( عليه السلام ) على حرب معاوية من دخوله إلى الكوفة . قال في الأخبار الطوال / 153 : ( أقبل حتى دخل المسجد الأعظم فصلى ركعتين ثم نزل الرحبة ، فقال الشني يحرض علياً ( عليه السلام ) على المسير إلى الشام :
قل لهذا الإمام قد خَبَت الحرب * وتمت بذلك النعماء
وفرغنا من حرب من نكث ال - * عهد وبالشام حية صماء
تنفث السم ما لمن نهشته * فارمها قبل أن تعض ، شفاء ) .
وقد أشار عليه المهاجرين والأنصار وغيرهم بالتوجه إلى الشام لحرب معاوية . قال البلاذري ( 2 / 293 ) وابن مزاحم / 91 : ( عن عبد الرحمن بن عبيد بن أبي الكنود قال : لما أراد علي المسير إلى أهل الشام دعا إليه من كان معه من المهاجرين والأنصار ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد فإنكم ميامين الرأي ، مراجيح الحلم ، مقاويل بالحق ، مباركو الفعل والأمر ، وقد أردنا المسير إلى عدونا ، وعدوكم فأشيروا علينا برأيكم .
فقام هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : أما بعد يا أمير المؤمنين فأنا بالقوم جد خبير ، هم لك ولأشياعك أعداء ، وهم لمن يطلب حرث الدنيا أولياء ، وهم مقاتلوك ومجاهدوك لا يبقون جهداً ، مشاحة على الدنيا ، وضناً بما في أيديهم منها . وليس لهم إربة غيرها إلا ما يخدعون به الجهال من الطلب بدم عثمان بن عفان . كذبوا ليسوا بدمه يثأرون ، ولكن الدنيا يطلبون . فسر بنا إليهم فإن أجابوا إلى الحق فليس بعد الحق
--------------------------- 92 ---------------------------
إلا الضلال . وإن أبوإلا الشقاق فذلك الظن بهم . والله ما أراهم يبايعون وفيهم أحد ممن يطاع إذا نهى ويسمع إذا أمر .
ثم قام عمار بن ياسر ، فذكر الله بما هو أهله ، وحمده وقال : يا أمير المؤمنين إن استطعت ألا تقيم يوماً واحداً فافعل . إشخص بنا قبل استعار نار الفجرة واجتماع رأيهم على الصدود والفرقة ، وادعهم إلى رشدهم وحظهم .
فإن قبلوا سعدوا ، وإن أبوا إلا حربنا ، فوالله إن سفك دمائهم ، والجد في جهادهم ، لقربة عند الله ، وهو كرامة منه .
ثم قام قيس بن سعد بن عبادة ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا أمير المؤمنين ، انكمش بنا إلى عدونا ولا تعرد ، فوالله لجهادهم أحب إليَّ من جهاد الترك والروم ، لإدهانهم في دين الله ، واستذلالهم أولياء الله من أصحاب محمد من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان .
إذا غضبوا على رجل حبسوه أو ضربوه أو حرموه أو سيروه . وفيؤنا لهم في أنفسهم حلال ، ونحن لهم فيما يزعمون قطعين : يعني رقيق .
فقال أشياخ الأنصار ، منهم خزيمة بن ثابت ، وأبو أيوب الأنصاري وغيرهما : لمَ تقدمت أشياخ قومك وبدأتهم يا قيس بالكلام ؟ فقال : أما إني عارف بفضلكم معظم لشأنكم ، ولكني وجدت في نفسي الضغن الذي جاش في صدوركم حين ذكرت الأحزاب .
فقال بعضهم لبعض : ليقم رجل منكم فليجب أمير المؤمنين عن جماعتكم ، فقالوا : قم يا سهل بن حنيف . فقام سهل فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا أمير المؤمنين ، نحن سلم لمن سالمت ، وحرب لمن حاربت ، ورأينا رأيك ونحن كف يمينك . وقد رأينا أن تقوم بهذا الأمر في أهل الكوفة ، فتأمرهم بالشخوص ، وتخبرهم بما صنع الله لهم في ذلك من الفضل ، فإنهم هم أهل البلد وهم الناس . فإن استقاموا لك استقام لك الذي تريد وتطلب . وأما نحن فليس عليك منا خلاف ، متى دعوتنا أجبناك ، ومتى أمرتنا أطعناك .
--------------------------- 93 ---------------------------

من رسائل الإمام ( عليه السلام ) إلى عماله

روى نصر بن مزاحم وغيره عدداً من رسائل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى عماله ، ودعوته الناس إلى حرب معاوية ، واستجابتهم له ، ومخالفة بعضهم .
قال نصر : فكتب إلى مخنف بن سليم : سلام عليك ، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو . أما بعد فإن جهاد من صدف عن الحق رغبة عنه ، وهب في نعاس العمى والضلال اختياراً له فريضة على العارفين . إن الله يرضى عمن أرضاه ، ويسخط على من عصاه . وإنا قد هممنا بالمسير إلى هؤلاء القوم الذين عملوا في عباد الله بغير ما أنزل الله ، واستأثروا بالفئ ، وعطلوا الحدود ، وأماتوا الحق ، وأظهروا في الأرض الفساد ، واتخذوا الفاسقين وليجة من دون المؤمنين ، فإذا ولى لله أعظم أحداثهم أبغضوه وأقصوه وحرموه ، وإذا ظالم ساعدهم على ظلمهم أحبوه وأدنوه وبروه ، فقد أصروا على الظلم ، وأجمعوا على الخلاف . وقديماً ما صدوا عن الحق ، وتعاونوا على الإثم وكانوا ظالمين . فإذا أتيت بكتابي هذا فاستخلف على عملك أوثق أصحابك في نفسك ، وأقبل إلينا لعلك تلقى هذا العدو المحل فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، وتجامع الحق وتباين الباطل ، فإنه لا غناء بنا ولا بك عن أجر الجهاد . وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . وكتب عبد الله بن أبي رافع سنة سبع وثلاثين .
فاستعمل مخنف على أصبهان الحارث بن أبي الحارث بن الربيع ، واستعمل على همدان سعيد بن وهب ، وكلاهما من قومه ، وأقبل حتى شهد مع علي صفين .
وكتب له ابن عباس يذكر اختلاف أهل البصرة ، فكتب إليه عليٌّ :
من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس : أما بعد ، فقد قدم عليَّ رسولك وذكرت ما رأيت وبلغك عن أهل البصرة بعد انصرافي . وسأخبرك عن القوم : هم بين مقيم لرغبة يرجوها ، أو عقوبة يخشاها . فأرغب راغبهم بالعدل عليه ، والإنصاف له والإحسان إليه ، وحل عقدة الخوف عن قلوبهم ، فإنه ليس لأمراء أهل البصرة في قلوبهم عظم إلا قليل منهم . وانته إلى أمري ولا
--------------------------- 94 ---------------------------
تعده ، وأحسن إلى هذا الحي من ربيعة ، وكل من قبلك فأحسن إليهم ما استطعت ، إن شاء الله . والسلام .
وكتب : عبد الله بن أبي رافع ، في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين .
وكتب ( عليه السلام ) : من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى الأسود بن قطنة . أما بعد ، فإنه من لم ينتفع بما وعظ لم يحذر ما هو غابر . ومن أعجبته الدنيا رضي بها ، وليست بثقة ، فاعتبر بما مضى تحذر ما بقي ، واطبخ للمسلمين قبلك من الطلاء ما يذهب ثلثاه ، وأكثر لنا من لطف الجند ، واجعله مكان ما عليهم من أرزاق الجند ، فإن للولدان علينا حقاً ، وفي الذرية من يخاف دعاؤه ، وهو لهم صالح . والسلام .
وكتب ( عليه السلام ) : بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عامر أما بعد ، فإن خير الناس عند الله عز وجل أقومهم لله بالطاعة فيما له وعليه ، وأقولهم بالحق ولو كان مرا ، فإن الحق به قامت السماوات والأرض . ولتكن سريرتك كعلانيتك ، وليكن حكمك واحدا ، وطريقتك مستقيمة ، فإن البصرة مهبط الشيطان . فلا تفتحن على يد أحد منهم باباً لا نطيق سده نحن ولا أنت . والسلام .
وكتب ( عليه السلام ) : بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس . أما بعد ، فانظر ما اجتمع عندك من غلات المسلمين وفيئهم فاقسمه من قبلك حتى تغنيهم ، وابعث إلينا بما فضل نقسمه فيمن قبلنا . والسلام .
وكتب ( عليه السلام ) : بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس . أما بعد ، فإن الإنسان قد يسره ما لم يكن ليفوته ، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه وإن جهد . فليكن سرورك فيما قدمت من حكم أو منطق أو سيرة ، وليكن أسفك على ما فرطت لله فيه من ذلك . ودع ما فاتك من الدنيا فلا تكثر به حزناً ، وما أصابك فيها فلا تبغ به سروراً . وليكن همك فيما بعد الموت . والسلام .
وكتب ( عليه السلام ) إلى أمراء الجنود :
بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله علي أمير المؤمنين . أما بعد فإن حق الوالي ألا يغيره على رعيته أمر ناله ، ولا أمر خص به ، وأن يزيده ما قسم الله له دنواً من عباده
--------------------------- 95 ---------------------------
وعطفاً عليهم . ألا وإن لكم عندي ألا أحتجز دونكم سراً إلا في حرب ، ولا أطوى عنكم أمراً إلا في حكم ، ولا أؤخر حقاً لكم عن محله ، ولا أرزأكم شيئاً ، وأن تكونوا عندي في الحق سواء . فإذا فعلت ذلك وجبت عليكم النصيحة والطاعة . فلا تنكصوا عن دعوتي ، ولا تفرطوا في صلاح دينكم من دنياكم ، وأن تنفذوا لما هو لله طاعة ، ولمعيشتكم صلاح ، وأن تخوضوا الغمرات إلى الحق ولا يأخذكم في الله لومة لائم . فإن أبيتم أن تستقيموا لي على ذلك لم يكن أحد أهون عليَّ ممن فعل ذلك منكم ، ثم أعاقبه عقوبة لا يجد عندي فيها هوادة . فخذوا هذا
من أمرائكم ، وأعطوهم من أنفسكم ، يصلح الله أمركم . والسلام .
وكتب ( عليه السلام ) إلى أمراء الخراج :
بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أمراء الخراج . أما بعد ، فإنه من لم يحذر ما هو صائر إليه لم يقدم لنفسه ولم يحرزها . ومن اتبع هواه وانقاد له على ما يعرف نفع عاقبته ، عما قليل ليصبحن من النادمين . ألا وإن أسعد الناس في الدنيا من عدل عما يعرف ضره ، وإن أشقاهم من اتبع هواه . فاعتبروا واعلموا أن لكم ما قدمتم من خير ، وما سوى ذلك وددتم لو أن بينكم وبينه أمداً بعيداً ، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ . وإن عليكم ما فرطتم فيه ، وإن الذي طلبتم ليسير ، وإن ثوابه لكبير . ولو لم يكن فيما نهى عنه من الظلم والعدوان عقاب يخاف ، كان في ثوابه ما لا عذر لأحد بترك طلبته ، فارحموا ترحموا ، ولا تعذبوا خلق الله ولا تكلفوهم فوق طاقتهم ، وأنصفوا الناس من أنفسكم ، واصبروا لحوائجهم فإنكم خزان الرعية . لا تتخذن حجاباً ، ولا تحجبن أحداً عن حاجته حتى ينهيها إليكم . ولا تأخذوا أحداً بأحد إلا كفيلاً عمن كفل عنه ، واصبروا أنفسكم على ما فيه الاغتباط ، وإياكم وتأخير العمل ودفع الخير ، فإن في ذلك الندم . والسلام .
--------------------------- 96 ---------------------------
وكتب ( عليه السلام ) إلى معاوية :
بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان . سلام على من اتبع الهدى ، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو . أما بعد فإنك قد رأيت من الدنيا وتصرفها بأهلها وإلى ما مضى منها ، وخير ما بقي من الدنيا ما أصاب العباد الصادقون فيما مضى . ومن نسي الدنيا نسيان الآخرة يجد بينهما بوناً بعيداً .
واعلم يا معاوية أنك قد ادعيت أمراً لست من أهله لا في القدم ولا في الولاية ، ولست تقول فيه بأمر بين تعرف لك به أثرة ، ولا لك عليه شاهد من كتاب الله ، ولا عهد تدعيه من رسول الله ، فكيف أنت صانع إذا انقشعت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنياً أبهجت بزينتها ، وركنت إلى لذتها ، وخلى فيها بينك وبين عدو جاهد ملح ، مع ما عرض في نفسك من دنيا قد دعتك فأجبتها ، وقادتك فاتبعتها ، وأمرتك فأطعتها .
فاقعس عن هذا الأمر ، وخذ أهبة الحساب ، فإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا يجنك منه مجن . ومتى كنتم يا معاوية ساسة للرعية ، أو ولاة لأمر هذه الأمة بغيرقدم حسن ، ولا شرف سابق على قومكم .
فشمر لما قد نزل بك ، ولا تمكن الشيطان من بغيته فيك ، مع أني أعرف أن الله ورسوله صادقان . فنعوذ بالله من لزوم سابق الشقاء .
وإلا تفعل أعلمك ما أغفلك من نفسك ، فإنك مترف قد أخذ منك الشيطان مأخذه ، فجرى منك مجرى الدم في العروق .
واعلم أن هذا الأمر لو كان إلى الناس أو بأيديهم ، لحسدونا وامتنوا به علينا ، ولكنه قضاء ممن امتن به علينا على لسان نبيه الصادق المصدق .
لا أفلح من شك بعد العرفان والبينة . اللهم احكم بيننا وبين عدونا بالحق وأنت خير الحاكمين .
فكتب معاوية :
بسم الله الرحمن الرحيم . من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب . أما بعد فدع الحسد فإنك طالما لم تنتفع به ، ولا تفسد سابقة قدمك بشره نخوتك ، فإن الأعمال
--------------------------- 97 ---------------------------
بخواتيمها ، ولا تمحق سابقتك في حق من لا حق لك في حقه ، فإنك إن تفعل لا تضر بذلك إلا نفسك ، ولا تمحق إلا عملك ، ولا تبطل إلا حجتك . ولعمري ما مضى لك من السابقات لشبيه أن يكون ممحوقاً ، لما اجترأت عليه من سفك الدماء ، وخلاف أهل الحق . فاقرأ سورة الفلق ، وتعوذ بالله من شر نفسك ، فإنك الحاسد إذا حسد .
وكتب ( عليه السلام ) إلى عمرو بن العاص :
بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عمرو العاص . أما بعد فإن الدنيا مشغلة عن غيرها ، وصاحبها مقهور فيها ، لم يصب منها شيئاً قط إلا فتحت له حرصاً ، وأدخلت عليه مؤونة تزيده رغبة فيها ، ولن يستغني صاحبها بما نال عما لم يبلغه ، ومن وراء ذلك فراق ما جمع ، والسعيد من وعظ بغيره . فلا تحبط أجرك أبا عبد الله ، ولا تجارين معاوية في باطله ، فإن معاوية غَمَصَ الناس ، وسَفَهَ الحق . والسلام .
وكتب إليه عمرو بن العاص :
من عمرو بن العاص إلى علي بن أبي طالب . أما بعد فإن الذي فيه صلاحنا وألفة ذات بيننا أن تنيب إلى الحق ، وأن تجيب إلى ما تدعون إليه من شورى . فصَبَرَ الرجل منا نفسه على الحق ، وعذره الناس بالمحاجزة . والسلام . فجاء كتاب عمرو إلى علي ( عليه السلام ) قبل أن يرتحل من النخيلة .
وكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية :
بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد بن أبي بكر إلى الغاوي بن صخر . سلام على أهل طاعة الله ممن هو مسلم لأهل ولاية الله . أما بعد ، فإن الله بجلاله وعظمته وسلطانه وقدرته خلق خلقاً بلا عنت ولا ضعف في قوته ، ولا حاجة به إلى خلقهم ، ولكنه خلقهم عبيداً ، وجعل منهم شقياً وسعيداً ، وغوياً ورشيداً ، ثم اختارهم على علمه ، فاصطفى وانتخب منهم محمداً ( ( عليهما السلام ) ) فاختصه برسالته ، واختاره لوحيه ، وائتمنه على أمره ، وبعثه رسولاً مصدقاً لما بين يديه من الكتب ،
--------------------------- 98 ---------------------------
ودليلاً على الشرائع ، فدعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، فكان أول من أجاب وأناب ، وصدق ووافق ، وأسلم وسلم ، أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب فصدقه بالغيب المكتوم ، وآثره على كل حميم ، فوقاه كل هول ، وواساه بنفسه في كل خوف ، فحارب حربه ، وسالم سلمه ، فلم يبرح مبتذلاً لنفسه في ساعات الأزل ومقامات الروع ، حتى برز سابقاً لا نظير له في جهاده ، ولا مقارب له في فعله . وقد رأيتك تساميه وأنت أنت . وهو هو المبرز السابق في كل خير ، أول الناس إسلاماً ، وأصدق الناس نية ، وأطيب الناس ذرية ، وأفضل الناس زوجة ، وخير الناس ابن عم . وأنت اللعين ابن اللعين .
ثم لم تزل أنت وأبوك تبغيان الغوائل لدين الله ، وتجهدان على إطفاء نور الله ، وتجمعان على ذلك الجموع ، وتبذلان فيه المال ، وتخالفان فيه القبائل . على ذلك مات أبوك ، وعلى ذلك خلفته ، والشاهد عليك بذلك من يأوي ويلجأ إليك من بقية الأحزاب ، ورؤوس النفاق والشقاق لرسول الله . والشاهد لعلي مع فضله المبين وسبقه القديم ، أنصاره الذين ذكروا بفضلهم في القرآن فأثنى الله عليهم ، من المهاجرين والأنصار ، فهم معه عصائب وكتائب حوله ، يجالدون بأسيافهم ، ويهريقون دماءهم دونه ، يرون الفضل في اتباعه ، والشقاء في خلافه ، فكيف يا لك الويل تعدل نفسك بعلي ، وهو وارث رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ووصيه وأبو ولده وأول الناس له اتباعاً وآخرهم به عهداً ، يخبره بسره ويشركه في أمره ، وأنت عدوه وابن عدوه ! فتمتع ما استطعت بباطلك ، وليمدد لك ابن العاص في غوايتك ، فكأن أجلك قد انقضى ، وكيدك قد وهى ، وسوف يستبين لمن تكون العاقبة العليا . واعلم أنك إنما تكايد ربك الذي قد أمنت كيده ، وأيست من روحه ، وهو لك بالمرصاد ، وأنت منه في غرور ، وبالله وأهل رسوله عنك الغناء ، والسلام على من اتبع الهدى .
--------------------------- 99 ---------------------------
فكتب إليه معاوية :
بسم الله الرحمن الرحيم . من معاوية بن أبي سفيان إلى الزاري على أبيه محمد بن أبي بكر . سلام على أهل طاعة الله . أما بعد فقد أتاني كتابك ، تذكر فيه ما الله أهله في قدرته وسلطانه ، وما أصفى به نبيه ، مع كلام ألفته ووضعته ، لرأيك فيه تضعيف ، ولأبيك فيه تعنيف .
ذكرت حق ابن أبي طالب ، وقديم سوابقه وقرابته من نبي الله صلى الله عليه ، ونصرته له ومواساته إياه في كل خوف وهول ، واحتجاجك على بفضل غيرك لا بفضلك . فأحمد إلهاً صرف الفضل عنك وجعله لغيرك . وقد كنا وأبوك معنا في حياة من نبينا صلى الله عليه نرى حق ابن أبي طالب لازماً لنا ، وفضله مبرزاً علينا ، فلما اختار الله لنبيه ما عنده ، وأتم له ما وعده ، وأظهر دعوته وأفلج حجته ، قبضه الله إليه ، فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه وخالفه . على ذلك اتفقا واتسقا ، ثم دعواه إلى أنفسهم فأبطأ عنهما وتلكأ عليهما ، فهما به الهموم ، وأرادا به العظيم ، فبايع وسلم لهما ، لا يشركانه في أمرهما ، ولا يطلعانه على سرهما ، حتى قبضا وانقضى أمرهما .
ثم قام بعدهما ثالثهما عثمان بن عفان يهتدي بهديهما ، ويسير بسيرتهما ، فعبته أنت وصاحبك ، حتى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي ، وبطنتما له وأظهرتما ، وكشفتما عداوتكما وغلكما ، حتى بلغتما منه مناكما .
فخذ حذرك يا ابن أبي بكر ، فسترى وبال أمرك . وقس شبرك بفترك تقصرعن أن تساوي أو توازي من يزن الجبال حلمه ، ولا تلين على قسر قناته ، ولا يدرك ذو مدى أناته . أبوك مهد مهاده ، وبنى ملكه وشاده ، فإن يكن ما نحن فيه صواباً فأبوك أوله ، وإن يك جوراً فأبوك أسسه ونحن شركاؤه ، وبهديه أخذنا ، وبفعله اقتدينا .
ولولا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا ابن أبي طالب وأسلمنا له ، ولكنا رأينا أباك فعل ذلك فاحتذينا بمثاله ، واقتدينا بفعاله . فعب أباك ما بدا لك أو دع ، والسلام على من أناب ، ورجع عن غوايته وتاب !
--------------------------- 100 ---------------------------

خطبة أمير المؤمنين والحسنين ( عليهم السلام )

قال نصر / 112 : ( ثم إن علياً ( عليه السلام ) صعد المنبر فخطب الناس ودعاهم إلى الجهاد ، فبدأ بالحمدلله والثناء عليه ثم قال : إن الله قد أكرمكم بدينه ، وخلقكم لعبادته ، فانصبوا أنفسكم في أداء حقه ، وتنجزوا موعوده ، واعلموا أن الله جعل أمراس الإسلام متينة ، وعراه وثيقة ، ثم جعل الطاعة حظ الأنفس برضا الرب ، وغنيمة الأكياس عند تفريط الفجرة . وقد حملت أمر أسودها وأحمرها ، ولا قوة إلا بالله . ونحن سائرون إن شاء الله إلى من سفه نفسه ، وتناول ما ليس له وما لا يدركه : معاوية وجنده ، الفئة الباغية الطاغية ، يقودهم إبليس ، ويبرق لهم ببارق تسويفه ، ويدليهم بغروره . وأنتم أعلم الناس بحلاله وحرامه ، فاستغنوا بما علمتم ، واحذروا ما حذركم الله من الشيطان ، وارغبوا فيما أنالكم من الأجر والكرامة ، واعلموا أن المسلوب من سلب دينه وأمانته ، والمغرور من آثر الضلالة على الهدى . فلا أعرف أحدا منكم تقاعس عني وقال : في غيري كفاية ، فإن الذود إلى الذود إبل ، ومن لا يذد عن حوضه يتهدم .
ثم إني آمركم بالشدة في الأمر ، والجهاد في سبيل الله ، وألا تغتابوا مسلماً . وانتظروا النصر العاجل من الله ، إن شاء الله .
ثم قام الحسن بن علي ( عليه السلام ) خطيباً فقال :
الحمد لله لا إله غيره ، وحده لا شريك له ، وأثنى عليه بما هو أهله . ثم قال : إن مما عظم الله عليكم من حقه ، وأسبغ عليكم من نعمه ما لا يحصى ذكره ، ولا يؤدي شكره ، ولا يبلغه صفة ولا قول .
ونحن إنما غضبنا لله ولكم ، فإنه من علينا بما هو أهله أن نشكر فيه آلاءه وبلاءه ونعماءه ، قولاً يصعد إلى الله فيه الرضا ، وتنتشر فيه عارفة الصدق ، يصدق الله فيه قولنا ، ونستوجب فيه المزيد من ربنا ، قولاً يزيد ولا يبيد ، فإنه لم يجتمع قوم قط على أمر واحد إلا اشتد أمرهم ، واستحكمت عقدتهم . فاحتشدوا في قتال عدوكم : معاوية وجنوده ، فإنه قد حضر . ولا تخاذلوا فإن الخذلان يقطع نياط القلوب ، وإن الإقدام على الأسنة نجدة وعصمة ، لأنه لم يمتنع قوم قط إلا رفع الله عنهم العلة ، وكفاهم جوائح الذلة ،
--------------------------- 101 ---------------------------
وهداهم إلى معالم الملة .
والصلح تأخذ منه ما رضيت به * والحرب يكفيك من أنفاسها جرعُ .
ثم قام الحسين بن علي ( عليه السلام ) خطيباً :
فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : يا أهل الكوفة : أنتم الأحبة الكرماء ، والشعار دون الدثار ، جدوا في إحياء ما دثر بينكم ، وإسهال ما توعر عليكم ، وألفة ما ذاع منكم . ألا إن الحرب شرها ذريع ، وطعمها فظيع ، وهي جرع متحساة ، فمن أخذ لها أهبتها ، واستعد لها عدتها ، ولم يألم كلومها عند حلولها ، فذاك صاحبها .
ومن عاجلها قبل أوان فرصتها واستبصار سعيه فيها ، فذاك قمن ألا ينفع قومه ، وأن يهلك نفسه . نسأل الله بعونه أن يدعمكم بألفته . ثم نزل . فأجاب علياً ( عليه السلام ) إلى السير والجهاد جل الناس .
وقام هاشم بن عتبة فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
سر بنا يا أمير المؤمنين إلى هؤلاء القوم القاسية قلوبهم ، الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ، وعملوا في عباد الله بغير رضا الله ، فأحلوا حرامه وحرموا حلاله ، واستولاهم الشيطان ، ووعدهم الأباطيل ومناهم الأماني حتى أزاغهم عن الهدى ، وقصد بهم قصد الردى ، وحبب إليهم الدنيا ، فهم يقاتلون على دنياهم رغبة فيها كرغبتنا في الآخرة إنجاز موعود ربنا . وأنت يا أمير المؤمنين أقرب الناس من رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) رحماً ، وأفضل الناس سبقةً وقدماً ، وهم يا أمير المؤمنين منك مثل الذي علمنا ، ولكن كتب عليهم الشقاء ، ومالت بهم الأهواء وكانوا ظالمين . فأيدينا مبسوطة لك بالسمع والطاعة ، وقلوبنا منشرحة لك ببذل النصيحة ، وأنفسنا تنصرك جذلة على من خالفك وتولى الأمر دونك . والله ما أحب أن لي ما في الأرض مما أقلت ، وما تحت السماء مما أظلت ،
وأني واليت عدواً لك ، أو عاديت ولياً لك .
فقال علي ( عليه السلام ) : اللهم ارزقه الشهادة في سبيلك ، والمرافقة لنبيك ( ( عليهما السلام ) ) ) .
--------------------------- 102 ---------------------------
وقال نصر / 101 : ودخل يزيد بن قيس الأرحبي على علي ( عليه السلام ) فقال : يا أمير المؤمنين ، نحن على جهاز وعدة ، وأكثر الناس أهل قوة ومن ليس بمضعف وليس به علة . فمر مناديك فليناد الناس يخرجوا إلى معسكرهم بالنخيلة ، فإن أخا الحرب ليس بالسؤوم ولا النؤوم ، ولامن إذا أمكنه الفرص أجلها واستشار فيها ، ولا من يؤخرالحرب في اليوم إلى غد .
فقال زياد بن النضر :
لقد نصح لك يا أمير المؤمنين يزيد بن قيس ، وقال ما يعرف ، فتوكل على الله وثق به ، واشخص بنا إلى هذا العدو راشداً معاناً ، فإن يرد الله بهم خيراً لا يدعوك رغبة عنك إلى من ليس مثلك في السابقة مع النبي والقدم في الإسلام ، والقرابة من محمد ( ( عليهما السلام ) ) . وإلا ينيبوا ويقبلوا ويأبوا إلا حربنا نجد حربهم علينا هيناً ، ورجونا أن يصرعهم الله مصارع إخوانهم بالأمس .
ثم قام عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي فقال :
يا أمير المؤمنين إن القوم لو كانوا الله يريدون أو لله يعملون ، ما خالفونا . ولكن القوم إنما يقاتلون فراراً من الأسوة ، وحباً للأثرة ، وضناً بسلطانهم وكرهاً لفراق دنياهم التي في أيديهم ، وعلى إحن في أنفسهم ، وعداوة يجدونها في صدورهم ، لوقائع أوقعتها يا أمير المؤمنين بهم قديمة ، قتلت فيها آباءهم وإخوانهم ! ثم التفت إلى الناس فقال : فكيف يبايع معاوية علياً وقد قتل أخاه حنظلة ، وخاله الوليد ، وجده عتبة في موقف واحد .
والله ما أظن أن يفعلوا ، ولن يستقيموا لكم دون أن تقصد فيهم المران ، وتقطع على هامهم السيوف ، وتنثر حواجبهم بعمد الحديد ، وتكون أمور جمة بين الفريقين ! ( وفي رواية ابن الأعثم : 2 / 542 ) : ( ثم قال : أيها الناس ! وكيف يبايع معاوية علياً وقد قتل أخاه وخاله وجده وعم أمه في يوم بدر ) .
ودخل أبوزبيب بن عوف على علي فقال :
يا أمير المؤمنين ، لئن كنا على الحق لأنت أهدانا سبيلاً ، وأعظمنا في الخير نصيباً ، ولئن كنا في ضلالة إنك لأثقلنا ظهراً وأعظمنا وزراً : أمرتنا بالمسير إلى هذا العدو وقد قطعنا
--------------------------- 103 ---------------------------
ما بيننا وبينهم من الولاية ، وأظهرنا لهم العداوة ، نريد بذلك ما يعلم الله من طاعتك ، وفي أنفسنا من ذلك ما فيها . أليس الذي نحن عليه الحق المبين ، والذي عليه عدونا الغي والحوب الكبير ؟
فقال علي ( عليه السلام ) : شهدت أنك إن مضيت معنا ناصراً لدعوتنا ، صحيح النية في نصرتنا ، قد قطعت منهم الولاية ، وأظهرت لهم العداوة كما زعمت ، فإنك ولي الله تسيح في رضوانه ، وتركض في طاعته : فأبشر أبازبيب !
فقال له عمار : أثبت أبازبيب ولاتشك في الأحزاب عدو الله ورسوله .
فقال أبوزبيب : ما أحب أن لي شاهدين من هذه الأمة فيشهدان لي على ما سألت عنه من هذا الأمر الذي أهمني مكانكما . فخرج عمار وهو يقول :
سيروا إلى الأحزاب أعداء النبي * سيروا فخير الناس أتباع علي
هذا أوان طاب سل المشرفي * وقودنا الخيل وهز السمهري
وروى نصرعن عبد الله بن شريك قال : خرج حجر بن عدي ، وعمرو بن الحمق ، يظهران البراءة واللعن من أهل الشام ، فأرسل إليهما عليٌّ ( عليه السلام ) أن كفا عما يبلغني عنكما ، فأتياه فقالا : يا أمير المؤمنين ألسنا محقين ؟ قال : بلى . قالا : أو ليسوا مبطلين ؟ قال : بلى . قالا : فلم منعتنا من شتمهم ؟ قال : كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين ، تشتمون وتتبرؤون ، ولكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم فقلتم : من سيرتهم كذا وكذا ، ومن عملهم كذا وكذا ، كان أصوب في القول وأبلغ في العذر . ولوقلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم : اللهم احقن دماءنا ودماءهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم ، واهدهم من ضلالتهم ، حتى يعرف الحق منهم من جهله ، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به . كان هذا أحب إليَّ وخيراً لكم .
فقالا : يا أمير المؤمنين ، نقبل عظتك ، ونتأدب بأدبك .
وقال عمرو بن الحمق : إني والله يا أمير المؤمنين ما أجبتك ولا بايعتك على قرابة بيني وبينك ، ولا إرادة مال تؤتينيه ، ولا التماس سلطان يرفع ذكري به ، ولكن أجبتك لخصال خمس : أنك ابن عم رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وأول من آمن به ، وزوج
--------------------------- 104 ---------------------------
سيدة نساء الأمة فاطمة بنت محمد ( ( عليهما السلام ) ) وأبوالذرية التي بقيت فينا من رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، وأعظم رجل من المهاجرين سهماً في الجهاد . فلو أني كلفت نقل الجبال الرواسي ، ونزح البحور الطوامي حتى يأتي عليَّ يومي في أمر أقوى به وليك وأوهن به عدوك ، ما رأيت أني قد أديت فيه كل الذي يحق على من حقك . فقال أمير المؤمنين على : اللهم نور قلبه بالتقى ، واهده إلى صراط مستقيم ، ليت أن في جندي مائة مثلك !
فقال حجر : إذا والله يا أمير المؤمنين صح جندك ، وقل فيهم من يغشك . ثم قال حجر : يا أمير المؤمنين نحن بنو الحرب وأهلها ، الذين نلقحها وننتجها ، قد ضارستنا وضارسناها ، ولنا أعوان ذو وصلاح ، وعشيرة ذات عدد ، ورأي مجرب وبأس محمود ، وأزمتنا منقادة لك بالسمع والطاعة ، فإن شرقت شرقنا ، وإن غربت غربنا ، وما أمرتنا به من أمر فعلناه . فقال علي ( عليه السلام ) : أكل قومك يرى مثل رأيك ؟ قال : ما رأيت منهم إلا حسناً ، وهذه يدي عنهم بالسمع والطاعة وبحسن الإجابة . فقال له عليٌ ( عليه السلام ) خيراً ) .
أقول : اللعنة قرار من الله بطرد الملعون من رحمته ، يعرفه النبي أو الوصي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، ولعن حجر وعمرو لمعاوية وأتباعه مشروع ، لكن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لم يحب التبكير فيه والعلن حتى تجري المقادير ، فلما ظهر انحرافهم وأخذ معاوية يلعن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) والحسن والحسين ومالك الأشتر في صلاته ، أجابه الإمام ( عليه السلام ) باللعن ، وأطلق لأصحابه لعن معاوية ولعن أصحابه خاصة عمرو العاص وأباالأعور السلمي .

وصول أهل البصرة إلى النخيلة

وروى نصر ، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر : أن علياً ( عليه السلام ) لم يبرح النخيلة حتى قدم عليه ابن عباس ، وكان كتب له ولأهل البصرة :
أما بعد فأشخص إلى من قبلك من المسلمين والمؤمنين ، وذكرهم بلائي عندهم ، وعفوي عنهم ، واستبقائي لهم ، ورغبهم في الجهاد ، وأعلمهم الذي لهم في ذلك من الفضل . فقام فيهم ابن عباس فقرأ عليهم كتاب عليٍّ فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، استعدوا للمسير إلى إمامكم ، وإنْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فإنكم تقاتلون المحلين القاسطين ، الذين لا يقرؤون القرآن ولا يعرفون
--------------------------- 105 ---------------------------
حكم الكتاب ولا يدينون دين الحق ، مع أمير المؤمنين وابن عم رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) الآمر بالمعروف ، والناهي عن المنكر ، والصادع بالحق ، والقيم بالهدى ، والحاكم بحكم الكتاب ، الذي لا يرتشي في الحكم ، ولا يداهن الفجار ، ولا تأخذه في الله لومة لائم . فقام الأحنف بن قيس فقال : نعم ، والله لنجيبنك ، ولنخرجن معك على العسر واليسر ، والرضا والكره ، نحتسب في ذلك الخير ، ونأمل من الله العظيم من الأجر .
وقام إليه خالد بن المعمر السدوسي فقال : سمعنا وأطعنا ، فمتى استنفرتنا نفرنا ، ومتى دعوتنا أجبنا .
وقام إليه عمرو بن مرجوم العبدي ، فقال :
وفق الله أمير المؤمنين ، وجمع له أمر المسلمين ، ولعن المحلين القاسطين ، الذين لا يقرؤون القرآن ، نحن والله عليهم حنقون ولهم في الله مفارقون . فمتى أردتنا صحبك خيلنا ورجلنا . وأجاب الناس إلى المسير ، ونشطوا وخفوا ، فاستعمل ابن عباس على البصرة أبا الأسود الدؤلي ، وخرج حتى قدم على علي ومعه رؤوس الأخماس : خالد بن المعمر السدوسي على بكر بن وائل ، وعمرو بن مرجوم العبدي على عبد القيس ، وصبرة بن شيمان الأزدي على الأزد ، والأحنف بن قيس على تميم وضبة والرباب ، وشريك بن الأعور الحارثي على أهل العالية . فقدموا على علي ( عليه السلام ) بالنخيلة .

موقف الإمام ( عليه السلام ) من الكارهين للحرب معه

وروى نصر موقف جاسوسين لمعاوية هما حنظلة بن الربيع وعبد الله بن المعتم ومعهما جماعة من غطفان وبني تميم ، فقد جاؤوا إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقال له التميمي : يا أمير المؤمنين ، إنا قد مشينا إليك بنصيحة فاقبلها منا ، ورأينا لك رأياً فلا ترده علينا ، فإنا نظرنا لك ولمن معك . أقم وكاتب هذا الرجل ، ولا تعجل إلى قتال أهل الشام ، فإني والله ما أدري ولا تدري لمن تكون إذا التقيتم الغلبة ، وعلى من تكون الدبرة .
--------------------------- 106 ---------------------------
وقام ابن المعتم فتكلم ، وتكلم القوم الذين دخلوا معهما بمثل ما تكلم به !
فحمد على الله وأثنى عليه ، وقال : أما بعد فإن الله وإرث العباد والبلاد ، ورب السماوات السبع والأرضين السبع وإليه ترجعون ، يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء ، ويعز من يشاء ويذل من يشاء . أما الدبرة فإنها على الضالين العاصين ظفروا أو ظفر بهم . وأيم الله إني لأسمع كلام قوم ما أراهم يريدون أن يعرفوا معروفاً ، ولا ينكروا منكراً !
فقام إليه معقل بن قيس اليربوعي ثم الرياحي فقال : يا أمير المؤمنين ، إن هؤلاء والله ما أتوك بنصح ، ولادخلوا عليك إلا بغش ، فاحذرهم فإنهم أدنى العدو . فقال له مالك بن حبيب : يا أمير المؤمنين ، إنه بلغني أن حنظلة هذا يكاتب معاوية ، فادفعه إلينا نحبسه حتى تنقضي غزاتك ثم تنصرف .
وقام إلى علي عياش بن ربيعة ، وقائد بن بكير العبسيان ، فقالا : يا أمير المؤمنين ، إن صاحبنا عبد الله بن المعتم قد بلغنا أنه يكاتب معاوية ، فأحبسه أو أمكنا منه نحبسه حتى تنقضي غزاتك وتنصرف . فأخذا يقولان : هذا جزاء من نظر لكم وأشار عليكم بالرأي فيما بينكم وبين عدوكم . فقال لهما علي : الله بيني وبينكم ، وإليه أكلكم ، وبه أستظهر عليكم ، إذهبوا حيث شئتم .
ثم بعث علي إلى حنظلة بن الربيع المعروف بحنظلة الكاتب ، وهو من الصحابة فقال : يا حنظلة أعليَّ أم لي ؟ قال : لا عليك ولا لك . قال : فما تريد ؟ قال : أشخص إلى الرها ، فإنه فرج من الفروج ، أصمد به حتى ينقضي هذا الأمر . فغضب من ذلك خيار بني عمرو بن تميم وهم رهطه ، فقال : إنكم والله لا تغُّروني من ديني ، دعوني فأنا أعلم منكم . فقالوا : والله لئن لم تخرج مع هذا الرجل لا ندع فلانة تخرج معك ، لأم ولده ولا ولدها ، ولئن أردت ذلك لنقتلنك !
فأعانه ناس من قومه فاخترطوا سيوفهم ، فقال : أجلوني حتى أنظر . فدخل منزله وأغلق بابه حتى إذا أمسى هرب إلى معاوية ، وخرج من بعده إليه من قومه رجال كثير . ولحق ابن المعتم أيضاً حتى أتى معاوية ، وخرج معه أحد عشر رجلاً من قومه . وأما
--------------------------- 107 ---------------------------
حنظلة فخرج بثلاثة وعشرين رجلاً من قومه ، ولكنهما لم يقاتلا مع معاوية واعتزلا الفريقين جميعاً ، فقال حنظلة حين خرج إلى معاوية :
يسل غواة عند بابي سيوفها * ونادى مناد في الهجيم لأقبلا
سأترككم عوداً لأصعب فرقة * إذا قلتم كلا يقول لكم بلى
قال : فلما هرب حنظلة أمر على بداره فهدمت ، هدمها عريفهم بكر بن تميم ، وشبث بن ربعي ، فقال في ذلك :
أيا راكباً إما عرضت فبلغن * مغلغلةً عني سراةَ بني عمرو
فأوصيكم بالله والبر والتقى * ولا تنظروا في النائبات إلى بكر
ولا شبث ذي المنخرين كأنه * أزب جمال في ملاحية صفر
وقال أيضاً ، يحرض معاوية بن أبي سفيان :
أبلغ معاوية بن حرب خطة * ولكل سائلة تسيل قرار
لا نقبلن دنية تعطونها * في الأمر حتى تقتل الأنصار
وكما تبوء دماؤهم بدمائكم * وكما تهدم بالديار ديار
وترى نساؤهم يجلن حواسراً * ولهن من علق الدماء خوار
عن معبد قال : قام عليٌّ خطيباً على منبره ، فكنت تحت المنبر حين حرض الناس وأمرهم بالمسير إلى صفين لقتال أهل الشام . فبدأ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : سيروا إلى أعداء الله ، سيروا إلى أعداء السنن والقرآن ، سيروا إلى بقية الأحزاب ، قتلة المهاجرين والأنصار . فقام رجل من بني فزارة يقال له أربد فقال : أتريد أن تسيرنا إلى إخواننا من أهل الشام فنقتلهم لك ، كما سرت بنا إلى إخواننا من أهل البصرة فقتلناهم ! كلا ، ها الله إذاً لا نفعل .
فقام الأشتر فقال : من لهذا أيها الناس ؟ وهرب الفزاري واشتد الناس على أثره ، فلُحق بمكان من السوق تباع فيه البراذين ، فوطؤوه بأرجلهم وضربوه بأيديهم ونعال سيوفهم حتى قُتل ! فأتيَ علي فقيل له : يا أمير المؤمنين قتل الرجل . قال : ومن قتله ؟ قالوا : قتلته همدان وفيهم شَوْبةٌ من الناس . فقال : قتيل عمية ،
--------------------------- 108 ---------------------------
لا يدرى من قتله ، ديته من بيت مال المسلمين . وقال علاقة التيمي :
أعوذ بربي أن تكون منيتي * كما مات في سوق البراذين أربد
تعاوره همدان خفق نعالهم * إذا رفعت عنه يد وضعت يد !
قال : وقام الأشتر ، فحمد الله وأثنى عليه فقال : يا أمير المؤمنين ، لايهدنك ما رأيت ، ولايؤيسنك من نصرنا ما سمعت من مقالة هذا الشقي الخائن . جميع من ترى من الناس شيعتك ، وليسوا يرغبون بأنفسهم عن نفسك ، ولا يحبون بقاء بعدك ، فإن شئت فسر بنا إلى عدوك ، والله ما ينجو من الموت من خافه ، ولا يعطي البقاء من أحبه ، وما يعيش بالآمال إلا شقي ، وإنا لعلى بينة من ربنا أن نفساً لن تموت حتى يأتي أجلها ، فكيف لا نقاتل قوماً هم كما وصف أمير المؤمنين ، وقد وثبت عصابة منهم على طائفة من المسلمين بالأمس فأسخطوا الله ، وأظلمت بأعمالهم الأرض ، وباعوا خلاقهم بعرض من الدنيا يسير .
فقال علي ( عليه السلام ) : الطريق مشترك ، والناس في الحق سواء ، ومن اجتهد رأيه في نصيحة العامة فله ما نوى ، وقد قضى ما عليه . ثم نزل فدخل منزله .

اعتزال أصحاب عبد الله بن مسعود

قال نصر بن مزاحم / 115 : « فأجاب علياً إلى السير والجهاد جلُّ الناس إلا أن أصحاب عبد الله بن مسعود أتوه ، وفيهم عبيدة السلماني وأصحابه ، فقالوا له : إنا نخرج معكم ولاننزل عسكركم ، ونعسكر على حدةٍ حتى ننظر في أمركم وأمر أهل الشام ، فمن رأيناه أراد ما لا يحل له ، أو بدا منه بغي كنا عليه . فقال على : مرحباً وأهلاً ، هذا هو الفقه في الدين والعلم بالسنة . من لم يرض بهذا فهو جائر خائن .
وأتاه آخرون من أصحاب عبد الله بن مسعود ، فيهم ربيع بن خيثم وهم يومئذ أربع مائة رجل ، فقالوا : يا أمير المؤمنين إنا شككنا في هذا القتال على معرفتنا بفضلك ، ولاغناء بنا ولا بك ولا المسلمين عمن يقاتل العدو ، فولنا بعض الثغور نكون به ثم نقاتل عن أهله . فوجهه على على ثغر الري ، فكان أول لواء عقده بالكوفة لواء ربيع بن خيثم . قال : ودعا عليٌّ باهلة فقال : يا معشرباهلة ، أشهد الله أنكم تبغضوني
--------------------------- 109 ---------------------------
وأبغضكم ، فخذوا عطاءكم واخرجوا إلى الديلم . وكانوا كرهوا أن يخرجوا معه إلى صفين !

ترتيب الإمام ( عليه السلام ) جيشه في النخيلة

وأمَّر الأسباع من أهل الكوفة : سعد بن مسعود الثقفي على قيس وعبد القيس ، ومعقل بن قيس اليربوعي على تميم وضبة والرباب وقريش وكنانة وأسد . ومخنف بن سليم على الأزد وبجيلة وخثعم والأنصار وخزاعة .
وحجر بن عدي الكندي على كندة وحضرموت وقضاعة ومهرة .
وزياد بن النضر على مذحج والأشعريين .
وسعيد بن قيس بن مرة الهمداني ، على همدان ومن معهم من حمير .
وعدي بن حاتم على طيئ ، ويجمعهم الدعوة مع مذحج وتختلف الرايتان : راية مذحج مع زياد بن النضر ، وراية طيئ مع عدي بن حاتم .
وأمَر الحارث الأعور ينادي في الناس : أن اخرجوا إلى معسكركم بالنخيلة . فنادى : أيها الناس أخرجوا إلى معسكركم بالنخيلة . وبعث علي إلى مالك بن حبيب اليربوعي صاحب شرطته ، فأمره أن يحشر الناس إلى المعسكر . ودعا عقبة بن عمرو الأنصاري فاستخلفه على الكوفة ، وكان أصغر أصحاب العقبة السبعين . ثم خرج عليٌّ وخرج الناس معه .
نصر : عن عبد الله بن شريك : أن الناس لما توافوا بالنخيلة قام رجال ممن كان سير عثمان فتكلموا ، فقام جندب بن زهير ، والحارث الأعور ، ويزيد بن قيس الأرحبي فقال جندب : قد آن للذين أخرجوا من ديارهم .
نصر : عن ابن قطن : أن علياً ( عليه السلام ) حين أراد المسير إلى النخيلة دعا زياد بن النضر ، وشريح بن هانئ ، وكانا على مذحج والأشعريين . قال : يا زياد ، إتق الله في كل ممسى ومصبح ، وخف على نفسك الدنيا الغرور ، ولا تأمنها على حال من البلاء ، واعلم أنك إن لم تزع نفسك عن كثير مما يحب مخافة مكروهة ، سمت بك الأهواء إلى كثير من الضر . فكن لنفسك مانعاً وازعاً من البغي والظلم
--------------------------- 110 ---------------------------
والعدوان ، فإني قد وليتك هذا الجند فلاتستطيلن عليهم وإن خيركم عند الله أتقاكم . وتعلم من عالمهم ، وعلم جاهلهم ، واحلم عن سفيههم ، فإنك إنما تدرك الخير بالحلم ، وكف الأذى والجهل .
فقال زياد : أوصيت يا أمير المؤمنين حافظاً لوصيتك ، مؤدباً بأدبك ، يرى الرشد في نفاذ أمرك ، والغي في تضييع عهدك . فأمرهما أن يأخذا في طريق واحد ولا يختلفا ، وبعثهما في اثني عشرألفاً على مقدمته شريح بن هانئ على طائفة من الجند ، وزياد على جماعة . فأخذ شريح يعتزل بمن معه من أصحابه على حدة ، ولا يقرب زياد بن النضر ، فكتب زياد إلى علي ( عليه السلام ) مع غلام له أو مولى يقال له شوذب : لعبد الله علي أمير المؤمنين من زياد بن النضر ، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد فإنك وليتني أمر الناس ، وإن شريحاً لا يرى لي عليه طاعةً ولا حقاً ، وذلك من فعله بي استخفاف بأمرك ، وترك لعهدك . والسلام .
وكتب شريح بن هانئ : سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو .
أما بعد فإن زياد بن النضرحين أشركته في أمرك ووليته جنداً من جنودك ، تنكر واستكبر ومال به العجب والخيلاء والزهو إلى ما لا يرضاه الرب تبارك وتعالى من القول والفعل . فإن رأى أمير المؤمنين أن يعزله عنا ويبعث مكانه من يحب فليفعل ، فإنا له كارهون . والسلام .
فكتب إليهما على ( عليه السلام ) : بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى زياد بن النضر وشريح بن هانئ : سلام عليكما ، فإني أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإني قد وليت مقدمتي زياد بن النضر وأمرته عليها ، وشريح على طائفة منها أمير ، فإن أنتما جمعكما بأس فزياد بن النضر على الناس ، وإن افترقتما فكل واحد منكما أميرالطائفة التي وليناه أمرها . واعلما أن مقدمة القوم عيونهم وعيون المقدمة طلائعهم ، فإذا أنتما خرجتما من بلادكما فلا تسأما من توجيه الطلائع ، ومن نقض الشعاب والشجر والخمر في كل جانب ، كي لايغتركما عدو ، أو يكون لكم كمين . ولا تسيرن الكتائب والقبائل من لدن الصباح إلى المساء إلا على تعبية . فإن دهمكم داهم
--------------------------- 111 ---------------------------
أو غشيكم مكروه كنتم قد تقدمتم في التعبية . وإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم فليكن معسكركم في قبل الأشراف أو سفاح الجبال ، أو أثناء الأنهار ، كي ما يكون ذلك لكم ردءً وتكون مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين . واجعلوا رقباءكم في صياصي الجبال ، وبأعالي الأشراف ، ومناكب الهضاب ، يرون لكم لئلا يأتيكم عدو من مكان مخافة أو أمن . وإياكم والتفرق ، فإذا نزلتم فانزلوا جميعاً ، وإذا رحلتم فارحلوا جميعاً ، وإذا غشيكم ليل فنزلتم فحفوا عسكركم بالرماح والأترسة ، ورماتكم يلون ترستكم ورماحكم . وما أقمتم فكذلك فافعلوا كي لا تصاب لكم غفلة ، ولا تلفى منكم غرة ، فما قوم حفوا عسكرهم برماحهم وترستهم من ليل أو نهار إلا كانوا كأنهم في حصون . واحرسا عسكركما بأنفسكما ، وإياكما أن تذوقا نوماً حتى تصبحا إلا غراراً أو مضمضة ، ثم ليكن ذلك شأنكما ودأبكما حتى تنتهيا إلى عدوكما . وليكن عندي كل يوم خبركما ورسول من قبلكما ، فإني ولا شئ إلا ما شاء الله ، حثيث السير في آثاركما .
عليكما في حربكما بالتؤدة ، وإياكم والعجلة ، إلا أن تمكنكم فرصة بعد الإعذار والحجة . وإياكما أن تقاتلا حتى أقدم عليكما ، إلا أن تبدآ أو يأتيكما أمري
إن شاء الله . والسلام .
وفي حديث عمر أيضاً : ثم قال : إن علياً ( عليه السلام ) كتب إلى أمراء الأجناد : بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله علي أمير المؤمنين ، أما بعد فإني أبرأ إليكم وإلى أهل الذمة من معرة الجيش ، إلا من جوعة إلى شبعة ، ومن فقر إلى غنى ، أو عمى إلى هدى ، فإن ذلك عليهم . فاعزلوا الناس عن الظلم والعدوان ، وخذوا على أيدي سفهائكم ، واحترسوا أن تعملوا أعمالاً لا يرضى الله بها عنا ، فيرد علينا وعليكم دعاءنا ، فإن الله تعالى يقول : قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّى لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا . فإن الله إذا مقت قوماً من السماء هلكوا في الأرض ، فلا تألوا أنفسكم خيراً ، ولا الجند حسن سيرة ، ولا الرعية معونة ، ولا دين الله قوة ، وأبلوا في سبيله ما استوجب عليكم ، فإن الله قد اصطنع عندنا وعندكم ما يجب علينا أن
--------------------------- 112 ---------------------------
نشكره بجهدنا وأن ننصره ما بلغت قوتنا . ولا قوة إلا بالله . وكتب أبوثروان .
قال : وفي كتاب عمر بن سعد أيضاً :
وكتب إلى جنوده : من عبد الله علي أمير المؤمنين . أما بعد فإن الله جعلكم في الحق جميعاً سواء ، أسودكم وأحمركم ، وجعلكم من الوالي وجعل الوالي منكم بمنزلة الوالد من الولد ، وبمنزلة الولد من الوالد الذي لايكفيهم منعه إياهم طلب عدوه والتهمة به ، ما سمعتم وأطعتم وقضيتم الذي عليكم . وإن حقكم عليه إنصافكم والتعديل بينكم والكف عن فيئكم . فإذا فعل ذلك معكم وجبت عليكم طاعته بما وافق الحق ، ونصرته على سيرته ، والدفع عن سلطان الله ، فإنكم وَزَعَة الله في الأرض ( تمنعون الناس من الظلم ) فكونوا له أعواناً ولدينه أنصاراً ، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها . إن الله لا يحب المفسدين .

قبر يهودا بن يعقوب ( ( صلى الله عليه وآله ) )

قال نصر : قال الأصبغ بن نباتة : ومرت جنازة على علي ( عليه السلام ) وهو بالنخيلة ،
قال : ما يقول الناس في هذا القبر ؟ وفي النخيلة قبر عظيم يدفن اليهود موتاهم حوله ، فقال الحسن بن علي : يقولون هذا قبر هود النبي صلى الله عليه ، لما أن عصاه قومه جاء فمات هاهنا . قال : كذبوا ، لأنا أعلم به منهم ، هذا قبر يهودا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، بكر يعقوب . ثم قال هاهنا أحد من مهرة ؟ قال : فأتى بشيخ كبير ، فقال : أين منزلك ؟ قال : على شاطئ البحر . قال : أين من الجبل الأحمر ؟ قال : أنا قريب منه . قال : فما يقول قومك فيه ؟ قال : يقولون : قبر ساحر . قال : كذبوا ، ذاك قبر هود ، وهذا قبر يهودا بن يعقوب بكره . ثم قال ( عليه السلام ) : يحشر من ظهر الكوفة سبعون ألفاً على غرة الشمس ، يدخلون الجنة بغير حساب .

واصل معاوية استعداده لحرب علي ( عليه السلام )

قال نصر : فلما بلغ معاوية بن أبي سفيان مكان علي ( عليه السلام ) بالنخيلة ومعسكره بها ومعاوية بدمشق قد ألبس منبر دمشق قميص عثمان وهو مخضب بالدم ، وحول المنبر
--------------------------- 113 ---------------------------
سبعون ألف شيخ يبكون حوله ، لاتجف دموعهم على عثمان ! خطب معاوية أهل الشام فقال : يا أهل الشام ، قد كنتم تكذبوني في علي ، وقد استبان لكم أمره ، والله ما قتل خليفتكم غيره ، وهو أمر بقتله وألب الناس عليه وآوى قتلته ، وهم جنده وأنصاره وأعوانه ، وقد خرج بهم قاصداً بلادكم ودياركم لإبادتكم .
يا أهل الشام ، الله الله في عثمان ، فأنا ولي عثمان وأحق من طلب بدمه ، وقد جعل الله لو لي المظلوم سلطاناً ، فانصروا خليفتكم المظلوم ، فقد صنع به القوم ما تعلمون ، قتلوه ظلماً وبغياً ، وقد أمرالله بقتال الفئة الباغية حتى تفيئ إلى أمر الله . ثم نزل . فأعطوه الطاعة ، وانقادوا له وجمع إليه أطرافه ، واستعمل على فلسطين ثلاثة رهط فجعلهم بإزاء أهل مصر ليغيروا عليهم من خلفهم ، وكتب إلى معتزلة أهل مصر ، وهم يومئذ يكاتبون معاوية ولا يطيقون مكاثرة أهل مصر ، إن تحرك قيس عامل علي على مصر أن يثبتوا له . وفيها معاوية بن خديج ، وحصين بن نمير .
وأمراء فلسطين الذين أمرهم معاوية عليها : حباب بن أسمر ، وسمير بن كعب بن أبي الحميري ، وهيلة بن سحمة . واستعمل على أهل حمص محول بن عمرو بن داعية . واستخلف على أهل دمشق عمار بن السعر . واستعمل على أهل قنسرين صيفي بن علية بن شامل .

خطبة علي ( عليه السلام ) لما أراد الحركة من النخيلة

قال نصر : عن ابن أبي الكنود قال : لما أراد على الشخوص من النخيلة قام في الناس لخمس مضين من شوال يوم الأربعاء فقال : الحمد لله غير مفقود النعم ، ولا مكافأ الإفضال ، وأشهد ألا إله إلا الله ونحن على ذلكم من الشاهدين ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ( ( عليهما السلام ) ) .
أما بعد ذلكم فإني قد بعثت مقدماتي ، وأمرتهم بلزوم هذا الملطاط حتى يأتيهم أمري ، فقد أردت أن أقطع هذه النطفة إلى شرذمة منكم موطنين بأكناف دجلة ، فأنهضهم معكم إلى أعداء الله ، إن شاء الله ، وقد أمرت على المصر عقبة بن عمرو
--------------------------- 114 ---------------------------
الأنصاري ، ولم آلُكم ولا نفسي ، فإياكم والتخلف والتربص ، فإني قد خلفت مالك بن حبيب اليربوعي ، وأمرته ألا يترك متخلفاً إلا ألحقه بكم عاجلاً إن شاء الله . فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال : يا أمير المؤمنين ، والله لا يتخلف عنك إلا ظنين ، ولا يتربص بك إلا منافق . فأمر مالك بن حبيب أن يضرب أعناق المتخلفين . قال علي : قد أمرته بأمري ، وليس مقصراً في أمري إن شاء الله . وأراد قوم أن يتكلموا فدعا بدابته فجاءته ، فلما أراد أن يركب وضع رجله في الركاب وقال : بسم الله . فلما جلس على ظهرها قال : سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ . وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ . ثم قال : اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب والحيرة بعد اليقين ، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد . اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ولا يجمعهما غيرك ، لأن المستخلف لا يكون مستصحباً ، والمستصحب لا يكون مستخلفاً .
ثم خرج وأمامه الحر بن سهم بن طريف الربعي ربيعة تميم ، وهو يقول :
يا فرسي سيري وأمي الشاما * وقطعي الحزون والأعلاما
ونابذي من خالف الإماما * إني لأرجو إن لقينا العاما
جمع بني أمية الطعاما * أن نقتل العاصي والهماما
وأن نزيل من رجال هاما .
قال : وقال مالك بن حبيب وهو على شرطة علي ( عليه السلام ) وهو آخذ بعنان دابته ( عليه السلام ) : يا أمير المؤمنين ، أتخرج بالمسلمين فيصيبوا أجرالجهاد والقتال وتخلفني في حشر الرجال ؟ فقال له على : إنهم لن يصيبوا من الأجر شيئاً إلا كنت شريكهم فيه ، وأنت هاهنا أعظم غناء منك عنهم لو كنت معهم . فقال : سمعاً وطاعةً يا أمير المؤمنين . فخرج علي ( عليه السلام ) حتى إذا جاز حد الكوفة صلى ركعتين . عن عبد الرحمن بن يزيد أن علياً ( عليه السلام ) صلى بين القنطرة والجسر ركعتين . حتى إذا قطع النهرأمرمناديه فنادى بالصلاة . قال : فتقدم فصلى ركعتين ، حتى إذا قضى الصلاة أقبل علينا فقال : يا أيها الناس ، ألا من كان مشيعاً أو مقيماً فليتم الصلاة فإنا قوم على سفر ، ومن صحبنا فلا يصم المفروض ، والصلاة ركعتان . ثم خرج حتى أتى دير أبي موسى ، وهو من
--------------------------- 115 ---------------------------
الكوفة على فرسخين ، فصلى بها العصر ، فلما انصرف من الصلاة قال : سبحان ذي الطول والنعم ، سبحان ذي القدرة والإفضال . أسأل الله الرضا بقضائه ، والعمل بطاعته ، والإنابة إلى أمره ، فإنه سميع الدعاء . ثم خرج حتى نزل على شاطئ نرس ، بين موضع حمام أبي بردة وحمام عمر ، فصلى بالناس المغرب
فلما انصرف قال :
الحمد لله الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ، والحمد لله كلما وقب ليل وغسق ، والحمد لله كلما لاح نجم وخفق . ثم أقام حتى صلى الغداة ، ثم شخص حتى بلغ قبة قبين ، فيها نخل طوال إلى جانب البيعة من وراء النهر ، فلما رآها قال : والنخل باسقات لها طلع نضيد . ثم أقحم دابته النهر فعبر إلى تلك البيعة فنزلها ، فمكث بها قدر الغداة .
عن ابن مخنف قال : إني لأنظر إلى أبي ، مخنف بن سليم وهو يسايرعلياً ببابل وهو يقول إن ببابل أرضاً قد خسف بها ، فحرك دابتك لعلنا أن نصلي العصرخارجاً منها . قال : فحرك دابته وحرك الناس دوابهم في أثره ، فلما جاز جسر الصراة ، نزل فصلى بالناس العصر .
عن عبد خير قال : كنت مع علي أسير في أرض بابل ، وحضرت الصلاة صلاة العصر ، قال : فجعلنا لا نأتي مكاناً إلا رأيناه أفيح من الآخر . قال : حتى أتينا على مكان أحسن ما رأينا وقد كادت الشمس أن تغيب ، فنزل عليٌّ ونزلت معه . قال : فدعا الله فرجعت الشمس كمقدارها من صلاة العصر . قال : فصلينا العصر ثم غابت الشمس ، ثم خرج حتى أتى دير كعب ، ثم خرج منها فبات بساباط ، فأتاه دهاقينها يعرضون عليه النزل والطعام ، فقال : لا ، ليس ذلك لنا عليكم . فلما أصبح وهو بمظلم ساباط قال : أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ . قال : وبلغ عمرو بن العاص مسيره فقال :
لا تحسبني يا علي غافلاً * لأوردن الكوفة القنابلا

  • بجمعي العام وجمعي قابلا
    --------------------------- 116 ---------------------------
    فقال علي ( عليه السلام ) :
    لأوردن العاصي بن العاصي * سبعين ألفاً عاقدي النواصي
    مستحقبين حلق الدلاص * قد جنبوا الخيل مع القلاص
  • أسود غيل حين لا مناصُ
    قال : وكتب ( عليه السلام ) علي إلى معاوية :
    أصبحت مني يا ابن حرب جاهلاً * إن لم نرامِ منكم الكواهلا
    بالحق والحق يزيل الباطلا * هذا لك العام وعام قابلا
  • *
    --------------------------- 117 ---------------------------

الفصل الثاني والسبعون: رأس النفاق الأشعث بن قيس

كل فساد في خلافة علي وكل اضطراب أصله الأشعث !

1 . قال ابن أبي الحديد ( 2 / 280 ) : ( كل فساد كان في خلافة علي ( عليه السلام ) ، وكل اضطراب حدث ، فأصله الأشعث ) !
وقال الشيخ محمد عبده : كان الأشعث في أصحاب علي كعبد الله بن أبي سلول في أصحاب النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، كلٌّ منهما رأس النفاق .
وقد اتفق الأشعث مع معاوية وأنقذه من الهزيمة في صفين ومنع الأشتر من تحقيق النصر ، ثم اشترك الأشعث مع ابن ملجم في اغتيال علي ( عليه السلام ) .
كما اشترك ابنه محمد في قتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وقامت بنته جعدة بِسُمِّ الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، فجمعت أسرتهم اللؤم من أطرافه .
قال طه حسين ( علي وبنوه / 80 ) : « أسلم الأشعث أيام النبي ثم ارتد بعد وفاته ، وألب قومه حتى ورطهم في حرب المسلمين ، ثم أسلمهم إلى القتل وأسرع هو إلى المدينة تائباً » .
بل ارتد في حياة النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) مع الملوك لأربعة وأختهم ، ولعنهم رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) .
وفي ذيل تاريخ الطبري / 44 : ( وكان اسم الأشعث : معديكرب ، وكان أبداً أشعث الرأس ، فسمي الأشعث ) .
وقال عمر بن شبة في تاريخ المدينة ( 2 / 689 ) : ( قال عيينة : إن الأشعث بن قيس ارتد مرتين ، فغفروا له ذنبه وزوجه أبوبكرأخته ، ثم تلقفوه بأيديهم ) !
--------------------------- 118 ---------------------------
2 . كان الأشعث كافراً في فكره وأهدافه ، وهدفه الحقيقي إحياء ملك كندة على العرب ، وكان يؤجج الصراع بين علي ومعاوية ويعمل مرحلياً مع معاوية . ويدل على ذلك مواقفه في خلافة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ويكفي منها قوله في لقب أمير المؤمنين : ( أمح هذا الاسم تَرَّحَهُ الله ) . ( أمالي الطوسي / 187 ) .
3 . عزل عليٌّ ( عليه السلام ) الأشعث عن رئاسة كندة وربيعة قبل سفره إلى صفين ، ونصب بدله حسان بن مخدوج . فكان قراراً هاماً في ترتيب وضع جيشه وجمهوره .
قال ابن العديم في تاريخ حلب ( 5 / 2238 ) : ( قرأت في كتاب صفين وقد سقط اسم مؤلفه ، وأظنه عن المدائني قال : لما أراد علي المسير إلى صفين بلغه عن الأشعث تثاقل عن المسير ، من غير أن يصرح وكانت له رئاسة ربيعة مع كندة ، فلما بلغ ذلك علياً ( عليه السلام ) بعث إليه فقال يا أشعث إني أترك عتابك استبقاء لما بيني وبينك ، ولست أريد أن أمشي بك القهقرى ، إنه قد بدا لي فيك رأي وستعلمه فانصرف الأشعث ، ودعا علي حسان بن مخدوج الذهلي وهو يومئذ سيد ربيعة نسكاً وفضلاً فجمع له راية كندة وربيعة ، وجعل رئاسة الأشعث له ، فتكلم في ذلك رجال من أهل اليمن ) .
قال بن الأعثم ( 3 / 68 ) : ( فغضب لذلك سادات كندة حتى كاد أن يقع بين كندة وربيعة شئ من حرب ، فقالت ربيعة لكندة : يا هؤلاء ! لاعليكم إن كان صاحبكم الأشعث بن قيس ملكاً في الجاهلية وسيداً في الإسلام ، فإن صاحبنا ليس بدونه وهو أهل لهذه الرئاسة . ثم وثب حسان بن مخدوج إلى الأشعث فقال له : يا أخي ! إن كان أمير المؤمنين عزلك عن الرئاسة فهذه راية قومي لك ، ولي راية قومك ، فقال الأشعث : معاذ الله أن أفعل ذلك ! ما كان لي فهو لك ، وما كان لك فهو لي .
قال : وبلغ معاوية أن علياً قد عزل الأشعث عن الرئاسة ، فدعا بشاعره كعب بن جعيل وقال : أحب أن يلقى إلى الأشعث بن قيس شيئاً من الشعر يهيجه على علي ، فلعله أن يفارقه ويصير إلينا ، فكتب إليه كعب بن جعيل :
من يصبح اليوم مثلوجاً بأسرته * فالله يعلم أني غير مثلوج
زالت عن الأشعث الكندي رئاسته * واستجمع الأمر حسان بن مخدوج
--------------------------- 119 ---------------------------
يا للرجال لعار ليس يغسله * ماء الفرات وكرب غير مفروج
إن ترض كندة حساناً بصاحبها * ترضى الدناة وما قحطان بالهوج
هذا لعمرك نقص ليس ينكره * أهل العراق وعار غير ممزوج
كان ابن قيس هماماً في أرومته * بدراً ينوء بملك غير مبعوج
ثم استقل بعار في ذوي يمن * والقوم أعداد يأجوج ومأجوج
إن الذين تولوا بالعراق لهم * لا يستطيعون طراً ذبح فروج
فلما انتهى هذا الشعر إلى أهل اليمن وثب شريح بن هانئ المذحجي وقال :
يا معشر اليمن ! إن معاوية يريد أن يفرق بينكم وبين إخوانكم . وربيعة لم يزالوا حلفاءكم في الجاهلية وإخوانكم في الإسلام ، فلا تلتفتوا إلى تحريض معاوية فإنه عدو الله وعدو رسوله ، ثم أنشأ يقول :
قد كمل الله للحيين نعمته * إذ قام بالأمر حسان بن مخدوج
من كان يطمع فينا أن يفرقنا * بعد الإخاء وود غيرمخدوج
فالنجم أقرب منه في تناوله * فيما أراد فلا يولع بتهييج
أمست ربيعة أولى بالذي حدثت * من كل حي بحق غير مخدوج
وكندة الخير ما زالت لنا ولهم * حتى يرى فتح يأجوج ومأجوج
قال : فلما سمع معاوية شعره أيس من الأشعث بن قيس ، ثم أمر أصحابه بالخروج إلى الحرب ) .
وقال نصر : دعا عليٌّ حسان بن مخدوج ، فجعل له تلك الرياسة ، فتكلم في ذلك أناس من أهل اليمن منهم الأشتر ، وعدي الطائي ، وزحر بن قيس ، وهانئ بن عروة ، فقاموا إلى علي فقالوا :
يا أمير المؤمنين ، إن رياسة الأشعث لا تصلح إلا لمثله ، وما حسان بن مخدوج مثل الأشعث ! فغضبت ربيعة فقال حريث بن جابر : يا هؤلاء رجل برجل ، وليس بصاحبنا عجز في شرفه وموضعه ، ونجدته وبأسه ، ولسنا ندفع فضل صاحبكم وشرفه . فقال النجاشي في ذلك :
--------------------------- 120 ---------------------------
رضينا بما يرضى عليٌّ لنا به * وإن كان فيما يأتِ جدعُ المناخرِ
وصي رسول الله من دون أهله * ووارثه بعد العموم الأكابر
رضي بابن مخدوج فقلنا الرضا به * رضاك وحسان الرضا للعشائر
وللأشعث الكندي في الناس فضله * توارثه من كابر بعد كابر
متوج آباء كرام أعزة * إذ الملك في أولاد عمرو بن عامر
فلولا أمير المؤمنين وحقه * علينا لأشجينا حريث بن جابر
فلا تطلبنا يا حريث فإننا * لقومك ردء في الأمور الغوامر
وما بابن مخدوج بن ذهل نقيصة * ولا قومنا في وائل بعوائر
وليس لنا إلا الرضا بابن حرة * أشم طويل الساعدين مهاجر
على أن في تلك النفوس حزازة * وصدعاً يؤتيه أكف الجوابر ) .
4 . كان عزل الأشعث عملية جراحية ضرورية برأي الإمام ( عليه السلام ) لأن الأشعث عدو يعمل ضده ( عليه السلام ) من داخل جيشه وأصحابه ، بمكر إبليس وخبثه ! وهو متواطئ مع معاوية ! والعجب من الأشتر وعدي وأمثالهما كيف لم ينتبهوا للأمر ، ونظروا فقط إلى كفاءة الأشعث ونفوذه الواسع على كندة ، وتخوفوا من عزله !
قال نصر : وغضب رجال اليمنية ، فأتاهم سعيد بن قيس الهمداني فقال : ما رأيت قوماً أبعد رأياً منكم ، أرأيتم إن عصيتم على علي هل لكم إلى عدوه وسيلة ؟ وهل في معاوية عوض منه أو هل لكم بالشام من بدله بالعراق ، أو تجد ربيعة ناصراً من مضر ؟ القول ما قال والرأي ما صنع . فتكلم حريث بن جابرفقال : يا هؤلاء لا تجزعوا ، فإنه إن كان الأشعث ملكاً في الجاهلية وسيداً في الإسلام ، فإن صاحبنا أهل هذه الرياسة وما هو أفضل منها . فقال حسان للأشعث : لك راية كندة ، ولي راية ربيعة . وإن حسان بن مخدوج مشى إلى الأشعث بن قيس برايته حتى ركزها في داره ، فقال الأشعث : إن هذه الراية عظمت على علي ، وهو والله أخف عليَّ من زف النعام ، ومعاذ الله أن يغيرني ذلك لكم . قال : فعرض عليه عليٌّ ( عليه السلام ) أن يعيدها عليه فأبى وقال : يا أمير المؤمنين ، إن يكن أولها شرفاً فإنه ليس آخرها بعار . فقال له علي ( عليه السلام ) : أنا أشركك فيه . فقال له
--------------------------- 121 ---------------------------
الأشعث : ذلك إليك ، فولاه على ميمنته ، وهي ميمنة أهل العراق .
أقول : كندة هي العائلة المالكة لكل العرب ، وعندهم أن من كان من أولاد حجر أو الحارث بن عمرو آكل المرار ، أهل لأن يكون ملكاً . وآكل المرار نصبه تُبَّع أبوكرب على اليمن لما قصد العراق . ( المحبر / 368 ) .
ولما ضعفت كندة في اليمن ألصق الأشعث نفسه بمن بقي من ملوكها ، وتسلق إلى الإمرة وصار رئيس كندة ، ورئيس ربيعة لتحالفهما ، ولما عزله أمير المؤمنين لم يعين بدله كندياً كحجر بن عدي مثلاً ، وعين حسان بن مخدوج رئيس ربيعة ، وبذلك ضرب رئاسة كندة من أساسها .
وقد يكون هدفه صدمة الكنديين ثم يعين حجراً رئيساً عليهم . وقد أراد ( عليه السلام ) أن يوليه رئاسة كندة ويعزل الأشعث ، وكلاهما من ولد الحارث بن عمرو آكل المرار ، فأبى حِجر أن يتولى الأمر والأشعث حيّ » . ( الأخبار الطوال / 224 ) .
وحجرٌ صحابيٌّ جليل ، كان كثير العبادة ، قال الحاكم في المستدرك ( 3 / 468 ) : « ذكر مناقب حجر بن عدي ، وهو راهب أصحاب محمد ( ( عليهما السلام ) ) » .
وكان فارساً قائداً في فتح العراق وإيران ، في معركة القادسية ، وفتح المدائن ومعركة جلولاء . وشارك في فتح الشام ، وهو الذي فتح مرج عذراء ، الذي حبسه فيه معاوية وقتله فيه ! ( المحبر / 292 والطبري : 3 / 135 ) .
وحجر أصيل في نسبه وشرفه ، وليس هجيناً كالأشعث الذي كان حائكاً يهودياً وأمه خمارة من كندة ، فألصق نفسه بهم ، كما سنوثقه .
ولم ينتنبه الأشتر ( رضي الله عنه ) إلى أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بعزله الأشعث عن رئاسة كندة وربيعة حقق استقلال ربيعة عن كندة إلى آخر الدهر ، حتى لو لم تنجح عملية عزل الأشعث عن رئاسة كندة لشيطنته وتعصب الكنديين له !
5 . وصفوا الأشعث بأنه من ملوك حضرموت ، لكنه كان حائكاً وكان ملوك حضرموت أربعة لكل منهم وادٍ فيه قرى ، وجاء معهم وهو شاب وأسلموا ثم ارتدوا وارتد معهم ! وكانوا يعذبون المؤمنين ، وكانت أختهم العمردة تدوس
--------------------------- 122 ---------------------------
على رؤوس الساجدين . والعمردة : الطويلة .
وكانت أم الأشعث من بني وليعة ، وادعى أنه من ذرية آكل المرار الكندي المشهور ، فترك الحياكة وعمل للرئاسة وكان أشعث الشعر دائماً ، وكان جسيماً لأن علياً ( عليه السلام ) وصفه بالضيطر أي الرجل الضخم الفارغ . فهو من الذين قال الله :
وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ .
واستطاع أن يتزوج بنت جمد ، أحد أمراء حضرموت الأربعة .
قال الطبراني في الكبير ( 1 / 236 ) : ( قال الأشعث : قلت للنبي : ولد لي من بنت جمد بن وليعة الكندي . وددت لو كان لنا به قصعة ثريد . فقال : أما إن الأولاد مبخلة مجبنة محزنة ) . وفي تاريخ دمشق ( 9 / 124 ) : ( قال رسول الله للأشعث بن قيس هل لك من بنت جمد من ولد ؟ قال : نعم لي منها غلام وددت أن لي به جفنة من طعام ، أطعمها من معي ) .
أي كان معدماً لا يملك ما يطعمه عند ولادة ابن له . وهذا يكذب ادعاءه الثروة وأنه فدى نفسه بثلاثة آلاف بعير . قال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : والله لقد أسرك الكفر مرة والإسلام أخرى ، فما فداك من واحدة منهما مالك ولا حسبك !
6 . في شرح النهج ( 12 / 239 ) : ( روى أبو الفرج في كتاب الأغاني عن الجاحظ قال : كان المغيرة بن شعبة والأشعث بن قيس وجرير يوماً متوافقين بالكناسة في نفر ، وطلع عليهم أعرابي فقال لهم المغيرة : دعوني أحركه ، قالوا : لا تفعل فإن للأعراب جواباً يُؤْثر ، قال : لا بد ، قالوا : فأنت أعلم ، فقال له : يا أعرابي أتعرف المغيرة بن شعبة ؟ قال : نعم أعرفه أعور زانياً ، فوجم ثم تجلد ، فقال : أتعرف الأشعث بن قيس ؟ قال : نعم ذاك رجل لا يعرى قومه ، قال : وكيف ذاك ؟ قال : لأنهم حاكة . قال : فهل تعرف جرير بن عبد الله ؟ قال : كيف لا أعرف رجلاً لولاه ما عرفت عشيرته ! فقالوا : قبحك الله فإنك شر جليس ! هل تحب أن يوقر لك بعيرك هذا مالاً وتموت أكرم العرب موتة ؟ قال : فمن يبلغه إذن أهلي ؟ فانصرفوا عنه فتركوه ) !
أقول : هذا يؤيد قول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) للأشعث : حائك بن حائك ! ويرد محاولة البعض تفسير الحائك في كلام علي ( عليه السلام ) بأنه يحوك الكلام وليس على الحقيقة .
--------------------------- 123 ---------------------------
7 . كان الأشعث يهودياً ألصق نفسه بعشيرة أمه كندة ، وكانت أمه خمارة ! قال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يا ابن الخمارة ( الإحتجاج : 2 / 282 ) . وكانت أخته مع العمردة . وكانت عمته يهودية . ففي سنن الدارمي ( 2 / 369 ) : ( ماتت عمة الأشعث بن قيس وهي يهودية ، فأتي عمر بن الخطاب فقال : أهل دينها يرثونها ) .
بل كان الأشعث نفسه يهودياً ، قال ابن نما في المناقب المزيدية ( 1 / 269 ) : ( وروي أن قيس بن معدي كرب أباالأشعث بن قيس كان يهودياً ) .
وقال محمد حميد الله في : الوثائق السياسية / 353 : ( فقال له الأشعث بن قيس الكندي ، وكان يهودي الأصل ) .
8 . كان النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يعرض نفسه على قبائل العرب قبل الهجرة ، فعرض نفسه على كندة فرده بنو وليعة ! وبعد انتصاره قدم عليه بنو وليعة ملوك حضرموت : جمد ومخوس ومشرح وأبضعة ، ومعهم الأشعث فأسلموا . ثم ارتدوا قبل وفاة رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وأعلنوا فرحتهم بوفاته .
وفي المحبر / 187 ، وشرح النهج ( 1 / 295 ) : كان بحضرموت ست نسوة من كندة وحضرموت ، يتمنين موت رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فخضبن أيديهن بالحناء وضربن بالدفوف ، فخرج إليهن بغايا حضرموت ففعلن كفعلهن ، وكان اللواتي اجتمعن إلى الست النسوة نيفاً وعشرين امرأة ، فكن متفرقات في قرى حضرموت ، بتريم ومشطة والنجير وتنعة وشبوة وذمار ، منهن العمردة بنت معدي كرب ، وهنيدة بنت أبي شمر ، فهاتان من الأشراف . وممن تأشب إليهن التيحاء الحضرمية ، وهي أم سيف بن معديكرب ، وأم شراحبيل بنت عفير ، وهي جدة عبد الرحمن بن هارون من الأرحوب ، وحبرة بنت شريح من الأرحوب ، وفريضة جدة أبي الجليح من حضرموت وملكة بنت أماناة بن قيس بن الحارث بن شيبان بن العاتك من كندة ، وأسماء بنت يزيد بن قيس من بني وهب من كندة ، وملكة بنت قيس بن شراحيل ، كندية قتل أخوها يوم النجير ، وابنة الأودح بن أبي كرب كندية قتل أخوها يوم النجير ، وامرأة من تنعة شريفة ما سميت ، وهِرٌّ بنت يامين
--------------------------- 124 ---------------------------
اليهودية التي كانت يضرب بها المثل في الزنا فيقال : أزنى من هِرّ ! وكان لها أخ قين يقال له مورق . وأم معدان ) .
وروى عمر بن شبة ( تاريخ المدينة : 2 / 543 ) قول النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : ( ألا فلعن الله الملوك الأربعة : جمداً ومسرحاً ومخوساً وأبضعة ، وأختهم العمردة ، وفدوا على رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) مع الأشعث بن قيس فأسلموا ، ثم ارتدوا فقتلوا يوم النجير ، وكان لكل رجل منهم واد يملكه ، فسموا بذلك الملوك الأربعة ) .
وفي سيرة ابن هشام ( 4 / 1006 ) : ( قدم على رسول الله الأشعث في ثمانين راكباً من كندة ، فدخلوا على رسول الله مسجده ، وقد رجلوا جممهم وتكحلوا ، وعليهم جبب الحبرة ، وقد كففوها بالحرير ، فلما دخلوا على رسول الله قال : ألم تسلموا ؟ قالوا : بلى ، قال : فما بال هذا الحرير في أعناقكم ، قال : فشقوه منها ، فألقوه . ثم قال له الأشعث بن قيس : يا رسول الله نحو بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار ، قال : فتبسم رسول الله وقال : ناسِبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث ، وكان العباس وربيعة رجلين تاجرين وكانا إذا شاعا في بعض العرب ، فسئلا ممن هما ؟ قالا : نحن بنو آكل المرار يتعززان بذلك ، وذلك أن كندة كانوا ملوكاً . ثم قال لهم : لا ، بل نحن بنو النضر بن كنانة ، لانقفو أمنا ولاننتفي من أبينا .
فقال الأشعث بن قيس : هل فرغتم يا معشر كندة ؟ والله لا أسمع رجلاً يقولها إلا ضربته ثمانين . قال ابن هشام : الأشعث بن قيس من ولد آكل المرار من قبل النساء ، وآكل المرار : الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور مرتع بن معاوية بن كندي ، ويقال : كندة ، وإنما سمي آكل المرار لأن عمرو بن الهبولة الغساني أغار عليهم وكان الحارث غائباً فغنم وسبى ، وكان فيمن سبى أم أناس بنت عوف بن محلم الشيباني ، امرأة الحارث بن عمرو فقالت لعمرو في مسيره : لكأني برجل أدلم أسود ، كأن مشافره مشافر بعير آكل مرار قد أخذ برقبتك تعني الحارث ، فسمى آكل المرار والمرار شجر . ثم تبعه الحارث في بني بكر بن وائل فلحقه فقتله ، واستنقذ امرأته وما كان أصاب . فقال الحارث بن حلزة اليشكري لعمرو بن المنذر ،
--------------------------- 125 ---------------------------
وهو عمرو بن هند اللخمي :
وأقدناك رب غسان بالمنذر كرهاً إذ لا تكال الدماء
لأن الحارث الأعرج الغساني قتل المنذر أباه ، وهذا البيت في قصيدة له . ويقال : بل آكل المرار : حجر بن عمرو بن معاوية ، وإنما سمى آكل المرار ، لأنه أكل هو وأصحابه في تلك الغزوة شجراً يقال له المرار ) .
9 . وكان زياد بن لبيد البياضي والي النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) على حضرموت ، فقاتل بني وليعة المرتدين وهزمهم ، فقال النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : ( لينتهين بني وليعة ، أوْ لأبعثن إليهم رجلاً كنفسي يقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم ! قال عمر بن الخطاب : فما تمنيت الامارة إلا يومئذ ، وجعلت أنصب له صدري رجاء أن يقول : هو هذا ، فأخذ بيد علي بن أبي طالب وقال : هو هذا ) . ( مجمع الزوائد : 7 / 110 ، ووثقه ، وشرح النهج : 1 / 294 )
وقاتل بنو وليعة المسلمين بعد وفاة النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فهزمهم زياد بن لبيد ولحق فَلُّهم بالأشعث فاستنصروه فقال : لا أنصركم حتى تملكوني عليكم ، فملكوه وتوجوه كما يتوج الملك من قحطان ! فخرج إلى زياد في جمع كثيف وكتب أبو بكر إلى المهاجر بن أبي أمية وهو على صنعاء أن يسير بمن معه إلى زياد فلقوا الأشعث فهزموه ، ولجأ الأشعث إلى حصن النجير ، فحاصرهم المسلمون حتى ضعفوا ، ونزل الأشعث ليلاً إلى المهاجر وزياد ، فسألهما الأمان على نفسه ، حتى يقدما به على أبي بكر فيرى فيه رأيه ، على أن يفتح لهم الحصن ، ويسلم إليهم مَنْ فيه ) .
( شرح النهج : 1 / 295 والبلاذري : 1 / 120 ) .
10 . في كتاب الردة للواقدي / 76 : ( ارتد أهل حضرموت ، فخطب فيهم الأشعث وقال : ( فلتكن كلمتكم واحدة ، إن العرب لا تقر بطاعة بني تيم بن مرة ، وتدع سادات البطحاء من بني هاشم إلى غيرها ، ونحن له أحرى وأصلح من غيرنا ، لأنا الملوك وأبناء الملوك ، من قبل أن يكون على وجه الأرض قرشي ، ولا أبطحي ، ثم أنشأ الأشعث يقول :
لعمري لئن كانت قريش تتابعت * على بيعة بعد الرسول وسمحوا
--------------------------- 126 ---------------------------
بها لبني تيم بن مرة جهرة * وسموا عتيقاً عند ذاك وصرحوا
أميراً ونحوا عنه آل محمد * وكانوا بها أولى هناك وأصلح
وإن صلحت في تيم مرة إمرةٌ * ففي كندة الأملاك أحرى وأصلح
لأنا ملوك الناس من قبل أن * يرى على الأرض تيمي ولا متبطح
فمن مبلغٌ عني عتيقا بأنه * أنا الأشعث الكندي بذاك مصرح
إذا ما غضبنا مادت الأرض وانكفت * فإن رضينا الأرض لا تتزحزح
فأقبل إليه رجل ، من سادات القوم يقال له : الحارث بن معاوية ، فقال له : يا زياد ، إنك لتدعو إلى الطاعة لرجل لم يعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد ، فقال له زياد بن لبيد : صدقت , فإنه لم يعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد ، ولكن اخترناه لهذا الأمر فقال له الحارث : أخبرني فلم نحيتم عنها أهل بيته وهم أحق الناس بها ، لأن الله عز وجل يقول : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ! فقال له زياد بن لبيد : إن المهاجرين الأنصار أنظر لأنفسهم منك ، فقال له الحارث بن معاوية : لا والله ، ما أزلتموها عن أهلها إلا حسداً منكم لهم ، وما يستقر في قلبي أن رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) خرج من الدنيا ولم ينصب للناس علماً يتبعونه فارحل عنا أيها الرجل ، فإنك تدعو إلى غير رضا ! ثم أنشأ الحارث يقول :
كان الرسول هو المطاع فقد مضى * صلى عليه الله لم يستخلف
هذا مقالك يا زياد فقد أرى * أن قد أتيت بقول سوء مخلف
ومقالنا أن النبي محمداً * صلى عليه الله غير مكلف
ترك الخلافة بعده لولاته * ودعا زياد لامرئ لم يعرف
إن كان لابن أبي قحافة إمرة * فلقد أتى في أمره بتعسف
أم كيف سلمت الخلافة * هاشم لعتيق تيم كيف ما لم تأنف
قال : فوثب عرفجة بن عبد الله الذهلي فقال : صدق والله الحارث بن معاوية أخرجوا هذا الرجل عنكم فما صاحبه بأهل للخلافة ، ولايستحقها بوجه من الوجوه ،
وما المهاجرون والأنصار بأنظر لهذه الأمة من نبيها . ثم أنشأ :
--------------------------- 127 ---------------------------
لعمري وما عمري علي بهين * لقد قال حقاً حارث بن معاوية
أيملك عبد ربه إن دهرنا * ليطرقنا في كل حين بداهيه
فمن مبلغ عنا عتيقاً رسالة * لبست لباس الظالمين علانيه
لحا الله من أعطاك طاعة بيعةٍ * مقراً ولا أبقى له الدهر باقيه
أتملكها دون القرابة ظالماً * لك الذبح ذرها إنما هي عارية
قال : ثم وثب رجل من كندة يقال له : عدي بن عوف فقال : يا قوم لا تسمعوا كلام عرفجة بن عبد الله ولا تطيعوا أمره ، فإنه يدعوكم إلى الكفر ويصدكم عن الحق ، إقبلوا من زياد بن لبيد ما يدعوكم إليه ، وارضوا بما رضي به المهاجرون والأنصار ، فإنهم أنظر لأنفسهم منكم ، ثم أنشأ يقول :
يا قوم إني ناصح لا ترجعوا * في الكفر واتبعوا مقال الناصح
لا ترجعوا عن دينكم في ردة * بغياً فإن البغي أمر فاضح
لا يأخذنكم لقول عزةٌ * حتى يخالفكم عدو كاشح
إني لأرهب بعد هذا إن تكن * حرب زبون للكباش تناطح
لا بل أخاف عليكم مثل الذي * لاقت ثمود قبل ذاك وصالح
قال : فوثب إليه نفر ، من بني عمه فضربوه حتى أدموه وشتموه أقبح شتم ثم وثبوا إلى زياد وأخرجوه من ديارهم وهموا بقتله ، قال : فجعل زياد لا يأتي قبيلة من قبائل كندة فيدعوهم إلى الطاعة إلا ردوا عليه ما يكره ، فلما رأى ذلك سار إلى المدينة ، إلى أبي بكر فخبره بما كان م ن القوم ، وأعلمه أن قبائل كندة قد عزمت على الإرتداد والعصيان .
فاغتم أبو بكر لذلك غماً شديداً ، ثم جمع جيشاً فضمهم إلى زياد بن لبيد ، وأمره بالمسير إلى القوم فسار زياد ، من المدينة في أربعة ألاف من المهاجرين والأنصار يريد حضرموت . واتصل الخبر بقبائل كندة ، فكأنهم ندموا على ما كان منهم ثم قال رجل من أبناء ملوكهم يقال له : أبضعة بن مالك : يا معشر كندة ، إنا قد أضرمنا على أنفسنا ناراً لا أظن أنها تطفأ أو تحرق منا بشراً كثيراً ، والرأي عندي
--------------------------- 128 ---------------------------
أن نتدارك ما فعلنا ونسكن هذه الثائرة التي ثارت ، ونكتب إلى أبي بكر ونعلمه بطاعتنا ، وأن نؤدي إليه زكاة أموالنا طائعين غير مكرهين ، وإنا قد رضينا به خليفةً وإماماً .
قال : فاتصل الخبر بزياد بن لبيد ومن معه من المسلمين بأن الأشعث بن قيس قد ندم على ما كان منه ، فجزوه خيراً . فأرسل الأشعث إلى زياد أن يعطيه الأمان ولأهل بيته ولعشرة من وجوه أصحابه فأجابه زياد ، إلى ذلك وكتب بينهم الكتاب ، فظن أهل الحصن أن الأشعث قد أخذ لهم الأمان بأجمعهم فسكتوا ولم يقولوا شيئاً ، واتصل الخبر بعكرمة فقال للذين يقاتلونه : يا هؤلاء ، على ماذا تقاتلون ؟ إن صاحبكم قد طلب الأمان ، وهذا كتاب زياد بن لبيد إلي يخبرني بذلك ورمى الكتاب إليهم ، فلما قرأوه قالوا : يا هذا ننصرف ، فلا حاجة لنا في قتالك بعد هذا . ثم انصرف القوم عن محاربة عكرمة ، وهم في ذلك يسبون الأشعث ويلعنونه !
ثم جمع زياد بن لبيد من بقي من بقايا ملوك كندة ، وهم ثمانون رجلاً ، فصفدهم في الحديد ، ووجه بهم إلى أبي بكر .
أقول : فقد فهم الكنديون وهم القبيلة الحاكمة في العرب أن قريشاً حسدت بني هاشم وعزلتهم ، وأخذت منهم الخلافة ، وأنه يستحيل أن يترك النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) أمته بدون أن ينصب لها خليفة ! فكان موقفهم شيعياً لكنهم لم يكونوا شيعة ، ولم يتصلوا بعلي وبني هاشم ، فهزموا زياداً بالمنطق وطردوه من جنوب اليمن .
وقاد الأشعث المرتدين يريد الخلافة لأن كندة أولى من أبي بكر بن تيم بن مرة ، وغيره من قريش ! ولما جاء زياد بجيش ضَعُفَ الكنديون أمام قوات المسلمين التي أتت من المدينة وصنعاء ، فاشتبكوا معهم قليلاً ثم استسلموا !
وهنا برز دور الأشعث فنصب نفسه مفاوضاً عن كندة ، وأخذ يخطط لقطف الثمر ، فاقترح على لبيد أن يرسله إلى أبي بكر ، ووضع خطته لذلك ونجح فيها .
11 . بعثوه مقيداً إلى أبي بكر ، فاستعمل دهاءه لما عرف أن لأبي بكر أخت عمياء فقرر أن يخطبها ويصير صهره ، فيفتخر آل أبي بكر بأن صهرهم من ملوك كندة ، ويفتخر هو بأنه صهر خليفة رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) !
--------------------------- 129 ---------------------------
قال الطبري ( 2 / 548 ) : ( عن عبد الله بن أبي بكر أن الأشعث لما قُدم به على أبي بكر قال : ماذا تراني أصنع بك فإنك قد فعلت ما علمت ؟ قال : تمنُّ عليَّ يا خليفة رسول الله فتفكني من الحديد وتزوجني أختك ، فإني قد راجعت وأسلمت . فقال أبو بكر : قد فعلت . فزوجه أم فروة فكان بالمدينة ) .
وقال ابن الجوزي كانت عمياء ، وقيل كانت عوراء ، لكن المهم عند الأشعث مصاهرة الخليفة على أي امرأة ! وقد فرح بذلك وأقام وليمة واسعة في المدينة !
وفي شرح النهج ( 1 / 296 ) : ( وزوجه أخته أم فروة بنت أبي قحافة وكانت عمياء ، فولدت للأشعث محمداً وإسماعيل وإسحاق . وخرج الأشعث يوم البناء عليها إلى سوق المدينة ، فما مر بذات أربع إلا عقرها ، وقال للناس : هذه وليمة البناء ، وثمن كل عقيرة في مالي . فدفع أثمانها إلى أربابها ) .
واستطاع الأشعث يومها بدهائه أن يسكت عمر بن الخطاب !
فقد قال الواقدي في كتاب الردة / 97 : ( فوثب عمر بن الخطاب فقال : يا خليفة رسول الله هذا الأشعث بن قيس قد كان مسلماً وآمن بالنبي وقرأ القرآن وحج‌البيت الحرام ، ثم إنه رجع عن دينه وغير وبدل ومنع الزكاة ، وقد قال النبي : من بدل دينه فاقتلوه ، وقد وسع الله عليك فيه فاقتله فدمه حلال . فقال الأشعث : يا خليفة رسول الله إني ماغيرت ولابدلت ولا شححت على مال ، ولكن عاملك زياداً جارعلى قومي فقتل منهم من لاذنب له فأنفت لذلك وانتصرت لقومي فقاتلته ، وقد كان مني ما قد كان فإني أفدي نفسي وهؤلاء الملوك وأطلق كل أسير في بلاد اليمن وأكون عوناً لك وناصراً ما بقيت ، على أنك تزوجني أم فروة بنت أبي قحافة فإني لك نعم الصهر ، فهذا خير مما يقول عمر بن الخطاب .
قال : فأطرق أبو بكر ثم رفع رأسه وقال : إني قد فعلت . قال : ثم أطلقه أبو بكر من حديده ، وأطلق من كان معه من ملوك كندة ، ثم أمره فجلس ، وزوجه أبو بكر أخته أم فروة بنت أبي قحافة وأحسن إليه غاية الإحسان ، وكان الأشعث
--------------------------- 130 ---------------------------
بن قيس عند أبي بكر بأفضل المنازل وأرفعها !
ويقال إن أم فروة بنت أبي قحافة ولدت من الأشعث محمد بن الأشعث ، وإسحاق بن الأشعث ، وإسماعيل ) .
وروى الطبري الشيعي في المسترشد / 247 ، أن عمر بن الخطاب شكى لأبي موسى والمغيرة بن شعبة ظلم أبي بكر له في السقيفة لأنه تعارف معه فقال له مد يدك نبايعك ، فمدها ولم يردها عليه ! قال : ( لما قدم عليه الأشعث بن قيس أسيراً فمنَّ عليه وزوجه أخته ، قلت للأشعث وهو بين يديه : أبعد إسلامك ارتددت كافراً ! فنظر إليَّ الأشعث نظراً حديداً علمت أنه يريد كلاماً ثم أمسك ، فلقيني بعد ذلك في سكة من سكك المدينة فقال : أنت صاحب الكلمة يومئذ يا ابن الخطاب ؟ فقلت : نعم ولك عندي شرمن ذلك ! فقال : بئس الجزاء هذا لي منك ! فقلت : وعلى ما تريد مني حسن الجزاء ؟ فقال : أما تأنف من اتباع هذا الرجل يعني أبا بكر ، وما حداني على الخلاف عليه إلا تقدمه عليك ، ولو كنت صاحبها لما رأيت مني خلافاً ! فقلت : قد كان ذلك فما تأمرني الآن ؟ قال : هذا وقت صبر حتى يفرج الله ، ويأتي بمخرج ، فمضى ومضيت !
ولقي الأشعث الزبرقان بن بدر السعدي فذكر له ما جرى بيني وبينه من الكلام فنقل ذلك الزبرقان إلى أبي بكر فأرسل إلي فأتيته فذكر ذلك لي ثم قال : إنك لمتشوف إليها يا ابن الخطاب ؟ فقلت : وما يمنعني التشوف إلى ما كنت أحق به ممن غلبني عليه ! أما والله لتكفن أو لأقولن كلمة بالغة بي وبك في الناس ما بلغت ، وإن شئت لتستديمن ما أنت فيه عفواً ما أمكنك ذلك ، قال : إذاً أستديمه وهي صائرة إليك إلى أيام فما ظننته تأتي عليه جمعة بعد ذلك القول حتى يردها إلي ، فوالله ما ذكر لي منها حرفاً بعد ذلك . ولقد مد في أمدها عاضاً على نواجذه حتى كان عند يأسه منها وحضره الموت فكان ما رأيتما ، ثم قال : إحفظا ما قلت لكما وليكن منكما بحيث أمرتكما . قوما إذا شئتما على بركة الله وفي حفظه ، فنهضنا وما خرج ذلك الخبر من واحد منا حتى مات عمر !
فقد عرف الأشعث العلاقة بين عمر وأبي بكر فنافق لعمر فهو أدهى من إبليس !
وروى البلاذري ( 1 / 123 ) أن أبا بكر ندم على تزويجه الأشعث بأخته وقال :
--------------------------- 131 ---------------------------
( وددت أني يوم أتيت بالأشعث بن قيس ضربت عنقه ، فإنه تخيل إلي أنه لا يرى شراً إلا سعى فيه وأعان عليه ) .
لكنه صار صهر الخليفة ومستشاره ، وأطلقت يده في إفساد المسلمين ، وأول مكسب له أنه صار رئيس كندة العام ! ولا نعرف السبب في ارتداده في حياة أبي بكر ، والتحاقه بسجاح المتنبئة ، ثم كيف عاد إلى الإسلام ، وقبله عمر وجعله والياً ! فقد قال اليعقوبي ( 2 / 128 ) : وكان الأشعث بن قيس مؤذنها ، أي سجاح ! ويحتمل بعيداً أن يكون أشعثاً آخر !

من مواقف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من الأشعث

12 . لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) كلمات قاصعة في ذم الأشعث وتحقيره ، فقد أراد أن تبتعد عنه كندة واليمانيون وربيعة ، ليجعل رئاستهم لحجر بن عدي رضوان الله عليه ، لكن الأشعث كان داهية ، واستمر في إثارة العصبية اليمانية ، للسيطرة على كندة واليمانيين وربيعة ، وهم ثقل مهم في العرب !
وقد وصف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) جريراً وأستاذه الأشعث بقوله : « أما هذا الأعور يعني الأشعث فإن الله لم يرفع شرفاً إلا حسده ، ولا أظهرفضلاً إلا عابه ،
وهو يُمني نفسه ويخدعها ، يخاف ويرجو ، فهو بينهما لا يثق بواحد منهما . وقد من الله عليه بأن جعله جباناً ، ولو كان شجاعاً لقتله الحق !
وأما هذا الأكثف عند الجاهلية ، يعني جرير بن عبد الله البجلي ، فهو يرى كل أحد دونه ، ويستصغر كل أحد ويحتقره ، قد ملئ ناراً ، وهو مع ذلك يطلب رئاسة ويروم إمارة ، وهذا الأعور يغويه ويطغيه . إن حدثه كذبه ، وإن قام دونه نكص عنه ، فهما كالشيطان إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِئٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ » . ( شرح النهج : 20 / 286 ) .
ومعنى الأكثف عند الجاهلية : الثقيل التصرف عندما تثور جاهليته . والرجل الكثيف : الثقيل الغليظ المعاشرة ، لشدة أنانيته .
--------------------------- 132 ---------------------------
13 . قال ابن مزاحم في كتاب صفين / 20 : ( لما بويع عليٌّ وكتب إلى العمال ، كتب إلى الأشعث بن قيس مع زياد بن مرحب الهمداني ، والأشعث على أذربيجان عامل لعثمان ، وقد كان عمرو بن عثمان تزوج ابنة الأشعث بن قيس قبل ذلك ، فكتب إليه على : ( أما بعد ، فلولا هنات كن فيك كنت المقدم في هذا الأمر قبل الناس ، ولعل أمرك يحمل بعضه بعضاً إن اتقيت الله . ثم إنه كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك ، وكان طلحة والزبير ممن بايعاني ثم نقضا بيعتي على غير حدث ، وأخرجا أم المؤمنين وسارا إلى البصرة ، فسرت إليهما فالتقينا ، فدعوتهم إلى أن يرجعوا فيما خرجوا منه فأبوا ، فأبلغت في الدعاء وأحسنت في البقية . وإن عملك ليس لك بطعمة ولكنه أمانة ، وفي يديك مال من مال الله ، وأنت من خزان الله عليه حتى تسلمه إلي ، ولعلي ألا أكون شر ولاتك لك إن استقمت . ولا قوة إلا بالله .
فلما قرأ الكتاب قام زياد بن مرحب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ، إن من سمع بأمر عثمان ليس كمن عاينه . إن الناس بايعوا علياً راضين به ، وإن طلحة والزبير نقضا بيعته على غير حدث ، ثم أذنا بحرب فأخرجا أم المؤمنين ، فسار إليهما فلم يقاتلهم وفي نفسه منهم حاجة ، فأورثه الله الأرض وجعل له عاقبة المتقين .
ثم قام الأشعث بن قيس ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إن أمير المؤمنين عثمان ولاني أذربيجان فهلك وهي في يدي ، وقد بايع الناس علياً ، وطاعتنا له كطاعة من كان قبله . وقد كان من أمره وأمر طلحة والزبير ما قد بلغكم . وعليٌّ المأمون على ما غاب عنا وعنكم من ذلك الأمر .
فلما أتى منزله دعا أصحابه فقال : إن كتاب عليٍّ قد أوحشني ، وهو آخذي بمال أذربيجان وأنا لاحق بمعاوية ! فقال القوم : الموت خير لك من ذلك ! أتدع مصرك وجماعة قومك وتكون ذنَباً لأهل الشام ! فاستحيا فسار حتى قدم على علي . فقال السكوني له وقد خاف أن يلحق بمعاوية :
إني أعيذك بالذي هو مالك * بمعاذة الآباء والأجداد
مما يظن بك الرجال ، وإنما * ساموك خطة معشر أوغاد
--------------------------- 133 ---------------------------
إن آذربيجان التي مزقتها * ليست لجدك فاشنها ببلاد
كانت بلاد خليفة ولاكها * وقضاء ربك رائح أو غاد
فدع البلاد فليس فيها مطمع * ضربت عليك الأرض بالأسداد
فادفع بمالك دون نفسك إننا * فادوك بالأموال والأولاد
أنت الذي تثنى الخناصر دونه * وبكبش كندة يستهل الوادي
ومعصب بالتاج مفرق رأسه * ملك لعمرك راسخ الأوتاد
وأطع زيادا إنه لك ناصح * لا شك في قول النصيح زياد
وانظر علياً إنه لك جنة * ترشد ويهدك للسعادة هاد
ومما كُتب إلى الأشعث :
أبلغ الأشعث المعصب بالتاج * غلاماً حتى علاه القتير
يا ابن آل المرار من قبل الأم * وقيس أبوه غيث مطير
قد يصيب الضعيف ما أمر * الله ويخطئ المدرب النحرير
قد أتى قبلك الرسول جريراً * فتلقاه بالسرور جرير
وله الفضل في الجهاد وفي * الهجرة والدين كل ذاك كثير
إن يكن حظك الذي أنت فيه * فحقير من الحظوظ صغير
يا ابن ذي التاج والمبجل من * كندة ، ترضى بأن يقال أمير
أذربيجان حسرة فذرنها * وابغين الذي إليه تصير
واقبل اليوم ما يقول علي * ليس فيما يقوله تخيير
واقبل البيعة التي ليس للناس * سواها من أمرهم قطمير
عمرك اليوم قد تركت عليا * هل له في الذي كرهت نظير
ومما قيل على لسان الأشعث :
أتانا الرسول رسول عليٍّ * فسر بمقدمه المسلمونا
رسول الوصي وصي النبي * له الفضل والسبق في المؤمنينا
بما نصح الله والمصطفى * رسول الإله النبي الأمينا
يجاهد في الله لا ينثني * جميع الطغاة مع الجاحدينا
--------------------------- 134 ---------------------------
وزير النبي وذو صهره * وسيف المنية في الظالمينا
وكم بطل ماجد قد أذاق * منية حتف ، من الكافرينا
وكم فارس كان سال النزال * فآب إلى النار في الآئبينا
فذاك علي إمام الهدى * وغيث البرية والمقحمينا
وكان إذا ما دعا للنزال * كليث عرين يزين العرينا
أجاب السؤال بنصح ونصر * وخالص ود على العالمينا
فما زال ذلك من شأنه * ففاز وربى مع الفائزينا
وفي الإمامة والسياسة ( 1 / 84 ) : ( ذكروا أن جريراً كتب إلى الأشعث : أما بعد فإنه أتتني بيعة علي فقبلتها ولم أجد إلى دفعها سبيلاً ، وإني نظرت فيما غاب عني من أمر عثمان فلم أجده يلزمني ، وقد شهده المهاجرون والأنصار ، فكان أوثق أمرهم فيه الوقوف ، فاقبل بيعته ، فإنك لا تلتفت إلى خير منه . واعلم أن بيعة علي خير من مصارع أهل البصرة ، وقد تُحلب الناقة الضجور ، ويُجلس العود على البعير الدبر . فانظر لنفسك . والسلام ) .
أقول : تدل رسالة جرير البجلي إلى الأشعث على علاقة وطيدة بينهما ، وتشير إلى أنه يجمعهم تكبر الجاهلية وبغض علي ( عليه السلام ) ، فنصحه ببيعة علي ( عليه السلام ) لأنها خير من مصارع أهل البصرة ، أي طلحة والزبير ! وضرب له مثل الناقة الضجور والبعير الدبر ، يقصد أن الإنسان قد يتحمل على مضض ، فتحمل بيعة علي ( عليه السلام ) !
قال البلاذري ( 2 / 297 ) : ( فقدم الكوفة من حلوان ، فحاسبه على مالها ومال آذربيجان ، فغضب الأشعث وكاتب معاوية ) .
وقال البلاذري ( 2 / 159 ) : ( كتب ( علي ( عليه السلام ) ) إلى الأشعث : إنما غرك من نفسك إملاء الله لك ، فما زلت تأكل رزقه وتستمتع بنعمته وتذهب طيباتك في أيام حياتك ، فأقبل واحمل ما قبلك من الفئ ولا تجعل على نفسك سبيلاً ) .
14 . قال القاضي المغربي ( دعائم الإسلام : 1 / 396 ) : ( وكان أصاب مائة ألف درهم ، فأمره عليٌّ بإحضارها فدافعه وقال : يا أمير المؤمنين لم أصبها في عملك . قال : والله لئن أنت لم تحضرها بيت مال المسلمين ، لأضربنك بسيفي هذا أصاب منك ما أصاب ! فأحضرها
--------------------------- 135 ---------------------------
وأخذها منه وصيرها في بيت مال المسلمين ، وتتبع عمال عثمان ، فأخذ منهم كل ما أصابه قائماً في أيديهم ، وضمَّنهم ما أتلفوا )
15 . وكان الأشعث خبيثاً يطرح على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في المسجد قضايا ليثير عليه الناس ! روى في الإحتجاج ( 1 / 280 ) عن الكاظم ( عليه السلام ) ، قال : ( خطب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) خطبة بالكوفة فلما كان في آخر كلامه قال : ألا وإني لأولى الناس بالناس ، وما زلت مظلوماً منذ قبض رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) . فقام إليه أشعث بن قيس فقال : يا أمير المؤمنين لم تخطبنا خطبة منذ قدمت العراق إلا وقلت : والله إني لأولى الناس بالناس فما زلت مظلوماً منذ قبض رسول الله ولما ولي تيم وعدي ألا ضربت بسيفك دون ظلامتك ؟
فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : يا ابن الخمارة قد قلت قولاً فاسمع مني : والله ما منعني من ذلك إلا عهد أخي رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) أخبرَني وقال لي : يا أبا الحسن إن الأمة ستغدر بك وتنقض عهدي ، وإنك مني بمنزلة هارون من موسى . فقلت يا رسول الله فما تعهد إلي إذا كان ذلك كذلك ؟ فقال : إن وجدت أعواناً فبادر إليهم وجاهدهم ، وإن لم تجد أعواناً فكف يدك واحقن دمك ، حتى تلحق بي مظلوماً .
فلما توفي رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) اشتغلت بدفنه والفراغ من شأنه ، ثم آليت يميناً أني لا أرتدي إلا للصلاة ، حتى أجمع القرآن ففعلت ، ثم أخذته وجئت به فأعرضته عليهم قالوا : لا حاجة لنا به ، ثم أخذت بيد فاطمة وابني الحسن والحسين ، ثم درت على أهل بدر وأهل السابقة ، فأنشدتهم حقي ودعوتهم إلى نصرتي ، فما أجابني منهم إلا أربعة رهط : سلمان ، وعمار والمقداد ، وأبو ذر ، وذهب من كنت أعتضد بهم على دين الله من أهل بيتي ، وبقيت بين حفيرين قريبي العهد بجاهلية : عقيل والعباس .
فقال له الأشعث : كذلك كان عثمان لما لم يجد أعواناً كف يده حتى قتل . فقال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : يا ابن الخمارة ليس كما قِست ، إن عثمان جلس في غير مجلسه وارتدى بغير ردائه ، صارع الحق فصرعه الحق ، والذي بعث محمداً بالحق لو
--------------------------- 136 ---------------------------
وجدت يوم بويع أخو تيم أربعين رهط لجاهدتهم في الله إلى أن أبلي عذري . ثم قال : أيها الناس ، إن الأشعث لايزن عند الله جناح بعوضة ، وإنه أقل في دين الله من عفطة عنز ) !
16 . جاء الأشعث إلى صلاة الجمعة في مسجد الكوفة ، وأخذ يتخطى رقاب الناس ، حتى وصل إلى قرب المنبر فرأى الفرس حول المنبرفقال : ( يا أمير المؤمنين غلبتنا هذه الحَمْراء على قربك ، يعني العجم ، فركض المنبر برجله حتى قال صعصعة بن صوحان : ما لنا وللأشعث ! ليقولن أمير المؤمنين اليوم في العرب قولاً لا يزال يذكر !
فقال ( عليه السلام ) : من عذيري من هؤلاء الضياطرة ، يتمرغ أحدهم على فراشه تمرغ الحمار ، ويهجر قوماً للذكر ! أفتأمرني أن أطردهم ! ما كنت لأطردهم فأكون من الجاهلين . أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، لقد سمعت رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يقول : ليضربنكم على الدين عوداً ، كما ضربتموهم عليه بدءاً ) .
( شرح النهج : 20 / 284 ، ومسند أبي يعلى : 1 / 322 ، وكتاب الأم للشافعي : 7 / 176 ، وأمالي المحاملي / 200 ، والغارات للثقفي : 2 / 498 ، ونهج السعادة : 2 / 703 ، ولسان العرب : 4 / 549 ) . والضيطر والضيطار والضوطر والضوطرى : الرجل الضخم الذي لا غناء عنده . ( الصحاح ( 2 / 721 ) . والحديث صحيح عند الجميع ، وهو نص على نصرة الفرس للإمام المهدي ( عليه السلام ) وقتالهم معه من خالفه من العرب .
17 . وكان الأشعث سيئ الخلق عنيفاً ! فعن موسى بن أبي النعمان قال : جاء إلى علي ( عليه السلام ) يستأذن عليه فرده قنبر ، فأدمى الأشعث أنفه . فخرج عليٌّ وهو يقول : مالي ولك يا أشعث ! أما والله لو بعبد ثقيف تمرست لاقشعرت شعيراتك ! قيل يا أمير المؤمنين ومن غلام ثقيف ؟ قال : غلام يليهم لا يبقى أهل بيت من العرب إلا أدخلهم ذلاً . قيل : يا أمير المؤمنين كم يلي وكم يمكث ؟ قال : عشرين إن بلغها ) .
( مقاتل الطالبيين / 20 ) .
18 . وكان الأشعث مع خبثه وأذاه لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) يتزلف اليه بالهدايا ! قال ( عليه السلام ) ( نهج البلاغة : 2 / 218 ) : ( والله لأن أبيت على حسك السعدان مسهداً ، وأجر في الأغلال مصفداً ، أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد ، وغاصباً
--------------------------- 137 ---------------------------
لشئ من الحطام . وكيف أظلم أحداً لنفس يسرع إلى البلى قفولها ، ويطول في الثرى حلولها ! والله لقد رأيت عقيلاً وقد أملق ، حتى استماحني من بركم صاعاً ، ورأيت صبيانه شعث الشعور غبرالألوان من فقرهم كأنما سودت وجوههم بالعظلم ، وعاودني مؤكداً وكرر علي القول مردداً ، فأصغيت إليه سمعي فظن أني أبيعه ديني وأتبع قياده مفارقاً طريقي ، فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها ، فضج ضجيج ذي دنف من ألمها ، وكاد أن يحترق من ميسمها ، فقلت له ثكلتك الثواكل يا عقيل ، أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه ، وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه ! أتئن من الأذى ، ولا أئن من لظى !
وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها ، ومعجونة شنئتها ، كأنما عُجنت بريق حيةٍ أو قَيْئها ! فقلت أصلةٌ أم زكاةٌ أم صدقة ، فذلك محرم علينا أهل البيت ؟ فقال : لا ذا ولا ذاك ولكنها هدية . فقلت هبلتك الهبول ، أعن دين الله أتيتني لتخدعني ، أمختبطٌ أنت أم ذو جنة أم تهجر . والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت ، وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ! ما لعليٍّ ولنعيمٍ يفنى ولذة لا تبقى . نعوذ بالله من سُبات العقل وقبح الزلل ، وبه نستعين ) .
الملفوفة في وعائها : طبق حلواء أهداه له الأشعث وتأنق فيه ، ليعينه والياً على منطقة . وكان الإمام ( عليه السلام ) يعرف غرضه فرد هديته مع أنه : ( قبل هدايا جماعة من أصحابه ، ودعاه بعض من كان يأنس إليه إلى حلواء عملها يوم نوروز فأكل وقال : لم عملت هذا ؟ فقال لأنه يوم نوروز ، فضحك وقال : نورزوا لنا في كل يوم إن استطعتم . ( شرح النهج : 11 / 128 وتاريخ بغداد : 13 / 327 ) .
ومعنى هبلتك الهبول : ثكلتك أمك . والهبول : الأم التي اعتادت ثكل الولد . والمختبط : المصروع . وذو الجنة : من به مس من الشيطان . والذي يهجر : الذي يهذي في مرض غير الصرع . وجُلب الشعيرة : قشرها .
وقال ابن ميثم في شرح النهج ( 4 / 84 ) : ( السعدان : نبت شوكي ذو حسك ،
--------------------------- 138 ---------------------------
لها ثلاث أرؤس محددة ، على أي وجه وقعت من الأرض كان لها رأسان قائمان . والمصفّد : الموثوق شُدَّ بغِلٍّ أو قيد ونحوهما . والقفول : الرجوع من السفر . والإملاق : الافتقار . والإستماحة : طلب المنح وهو العطاء . والعِظْلِم : نبت النيل يصبغ به . والدنف : شدة المرض . وسجَّرها : أوقدها وأحماها . وشنئتها : أبغضتها ) .
19 . استشهده أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على حديث الغديرفلم يشهد فدعا عليه ! ( عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : خطبنا علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إن قدام منبركم هذا أربعة رهط من أصحاب محمد ( ( عليهما السلام ) ) منهم أنس بن مالك ، والبراء بن عازب ، والأشعث بن قيس ، وخالد بن يزيد البجلي ، ثم أقبل على أنس فقال : يا أنس إن كنت سمعت رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يقول : من كنت مولاه فهذا علي مولاه ثم لم تشهد لي اليوم بالولاية ، فلا أماتك الله حتى يبتليك ببرص لا تغطيه العمامة !
وأما أنت يا أشعث فإن كنت سمعت رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يقول : من كنت مولاه فهذا علي مولاه ثم لم تشهد لي اليوم بالولاية ، فلا أماتك الله حتى يذهب بكريمتيك !
وأما أنت يا خالد بن يزيد فإن كنت سمعت رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يقول : من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، ثم لم تشهد لي اليوم بالولاية ، فلا أماتك الله إلا ميتة جاهلية !
وأما أنت يا براء بن عازب فإن كنت سمعت رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يقول : من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ثم لم تشهد لي اليوم بالولاية ، فلا أماتك الله إلا حيث هاجرت منه !
قال : جابر بن عبد الله الأنصاري : والله لقد رأيت أنس بن مالك وقد ابتلي ببرص يغطيه بالعمامة فما تستره ! ولقد رأيت الأشعث بن قيس وقد ذهبت كريمتاه وهو يقول : الحمد الله الذي جعل دعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علي بالعمى في الدنيا ، ولم يدع علي بالعذاب في الآخرة فأعذب ! وأما خالد بن يزيد فإنه مات فأراد أهله أن يدفنوه وحفر له في منزله فدفن ، فسمعت بذلك كندة فجاءت بالخيل والإبل فعقرتها على باب منزله ، فمات ميتة جاهلية ! وأما البراء بن عازب فإنه ولاه معاوية اليمن
--------------------------- 139 ---------------------------
فمات بها ، ومنها كان هاجر ! ) . ( الخصال / 219 ) .
20 . ثبت عندنا أن رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) لعن الملوك الأربعة وأختهم العمردة ، لما ارتدوا والأشعث معهم . ففي الكافي ( 5 / 569 ) : ( عن سدير قال : قال لي أبو جعفر ( الباقر ) ( عليه السلام ) : يا سدير بلغني عن نساء أهل الكوفة جمال وحسن تبعل فابتغ لي امرأة ذات جمال في موضع ، فقلت : قد أصبتها جعلت فداك ، فلانة بنت فلان بن محمد بن الأشعث بن قيس . فقال لي : يا سدير إن رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) لعن قوماً فجرت اللعنة في أعقابهم إلى يوم القيامة ، وأنا أكره أن يصيب جسدي جسد أحد من أهل النار ) !
وفي رجال الكشي ( 2 / 712 ) : ( عن بعض أصحابنا أن رجلين من ولد الأشعث استأذنا على أبي عبد الله ( عليه السلام ) فلم يأذن لهما ، فقلت : إن لهما ميلاً ومودة لكم ، فقال : إن رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) لعن أقواماً ، فجرى اللعن فيهم وفي أعقابهم إلى يوم القيامة ) !
أقول : معنى اللعن : الطرد من رحمة الله تعالى ، والملعون على لسان النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) قد يكون بشخصه فقط ، وقد يشمل كل ذريته ، فلا يولد منه إلا ملعون . ولعنةُ الأشعث كلعنة ( ( عليهما السلام ) ) الحكَم تشمل ولدهما .
قال البخاري في صحيحه ( 6 / 42 ) : ( كان مروان على الحجاز استعمله معاوية فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه ، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئاً ! فقال : خذوه ! فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه فقال مروان : إن هذا الذي أنزل الله فيه : وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي . . فقالت عائشة من وراء الحجاب : ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن ، إلا أن الله أنزل عذري ) .
وقال ابن حجر ( 8 / 442 ) : ( قال بعض الشراح : وقد اختصره فأفسده ! والذي في رواية الإسماعيلي فقال عبد الرحمن : سنَّةُ هرقلَ وقيصر ! فدخل بيت عائشة فلم يقدروا : أي امتنعوا من الدخول خلفه إعظاماً لعائشة . في رواية أبي يعلى : فقال مروان : أسكتْ ، ألستَ الذي قال الله فيه فذكر الآية ، فقالت عائشة : ولكن رسول الله لعن أبامروان ومروان في صلبه ) !
--------------------------- 140 ---------------------------
وفي الصحيح عندهم : فقالت عائشة : ( ولكن رسول الله لعن أبامروان ومروان في صلبه ، فمروان فَضَضٌ ( قطعة ) من لعنة الله عز وجل ) . ( الحاكم : 4 / 481 ، وصححه بشرط الشيخين ، والنسائي : 6 / 459 ، وفتح الباري : 8 / 443 ، وعمدة القاري : 19 / 169 ) .
21 . روي أن الأشعث زوج أخته قتيلة للنبي ( ( عليهما السلام ) ) ، وفي سير الذهبي ( 2 / 260 ) توفي النبي قبل أن تقدم عليه . ويقال : إنها ارتدت ) . وقال ابن حجر في الإصابة ( 8 / 292 ) : ( ومات قبل أن يخيرها ، وهذا موصول قوي الإسناد ) .
( فتوفي عنها قبل أن يدخل بها ، فارتدت عن الإسلام مع أخيها ) ( الطبري : 2 / 417 ) .
أقول : قتيلة هذه من مجموعة العمردة ، وقد عرضها الأشعث على النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ليتقرب به ، وقد يكون قبلها لأنه يعلم أنه زواج لا يتم . وأختها فاطمة بنت قيس الصحابية المحترمة عند البخاري ومسلم ! لكنها من نوع أختها وأخيها !
22 . ومع شدة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) مع الأشعث فقد كان يجامله كرئيس كندة ، وكما هو العرف زاره وعزاه بموت ابنه : ( قال : يا أشعث إن تحزن على ابنك فقد استحقت ذلك منك الرحم . وإن تصبر ففي الله من كل مصيبة خلف . يا أشعث إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور . وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت مأزور . ابنك سرك وهو بلاء وفتنة ، وحزنك وهو ثواب ورحمة ) . ( نهج البلاغة : 4 / 70 ) .
23 . وعرض الأشعث بنته جعدة زوجة للإمام الحسن فقبل أمير المؤمنين ، وقبل بها الحسن ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ففرح الأشعث وافتخر بأن صهره ابن رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) !
ويظهر أن الإمام الحسن ( عليه السلام ) كان زاهداً في جعدة ولم يأت بها بعد عقد الزواج ولم يذهب إلى بيت الأشعث ، حتى طلب منه ذلك الأشعث !
قال في تاريخ حلب ( 4 / 1916 ) : ( جاء الأشعث إلى الحسن فقال يا أبا محمد ألا تزور أهلك ؟ فلما أراد ذلك قال : لاتمشي والله إلا على أردية قومي فقامت له كندة سماطين وجعلت له أرديتها بسطاً من بابه إلى باب الأشعث ) .
فانظر إلى تملق الأشعث وأسلوب فخره الملوكي بمصاهرة الإمام الحسن ، يريد الافتخار بكندة على الإمام ( عليه السلام ) والافتخار به على كندة والعرب !
--------------------------- 141 ---------------------------
والإمام الحسن ( عليه السلام ) يعرف الأشعث جيداً ويعرف أن قتله بيد جعدة ، وقد صرح بذلك ، ولكن المعصومين ( عليهم السلام ) عندهم علم الباطن وعلم الظاهر ، وهم يعملون بالظاهر إلا أن يؤمروا .
24 . وأسوأ موقفين للأشعث : مكيدته في صفين ، وإنقاذه معاوية من هزيمة محققة برفع المصاحف ، فقد جمع أنصاره من اليمن وغيرها ، وهدد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالقتل إن لم يوقف الحرب ويسحب الأشتر من هجومه ، ثم فرض أبا موسى الأشعري ممثلاً لعلي ( عليه السلام ) ومفاوضاً . الخ .
والثاني : اشتراكه مع ابن ملجم في قتل علي ( عليه السلام ) ! كما يأتي في شهادته ( عليه السلام ) . ونكتفي هنا برواية ابن سعد في الطبقات ( 3 / 36 ) قال : ( وبات عبد الرحمن بن ملجم تلك الليلة التي عزم فيها أن يقتل علياً في صبيحتها يناجي الأشعث بن قيس الكندي في مسجده ، حتى كاد أن يطلع الفجر فقال له الأشعث : فضحكَ الصبح فقم ، فقام عبد الرحمن بن ملجم وشبيب بن بجرة فأخذا أسيافهما ثم جاءا حتى جلسا مقابل السدة التي يخرج منها علي ! قال الحسن بن علي : وأتيته سحراً فجلست إليه فقال : إني بت الليلة أوقظ أهلي ، فملكتني عيناي وأنا جالس ، فسنح لي رسول الله فقلت : يا رسول الله ما لقيت من أمتك من الأوَد واللدد ! فقال لي : أدع الله عليهم . فقلت : اللهم أبدلني بهم خيراً لي منهم ، وأبدلهم شراً لهم مني ! ودخل بن النباح المؤذن على ذلك فقال : الصلاة ، فأخذت بيده فقام يمشي وابن النباح بين يديه وأنا خلفه ، فلما خرج من الباب نادى : أيها الناس الصلاة الصلاة ، كذلك كان يفعل في كل يوم يخرج ومعه درته يوقظ الناس ، فاعترضه الرجلان فقال بعض من حضر ذلك : فرأيت بريق السيف وسمعت قائلاً يقول : لله الحكم يا علي لا لك ! ثم رأيت سيفاً ثانياً فضربا جميعاً . فأما سيف عبد الرحمن بن ملجم فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه ، وأما سيف شبيب فوقع في الطاق . وسمعت علياً يقول لا يفوتنكم الرجل ، وشد الناس عليهما من كل جانب ، فأما شبيب فأفلت وأخذ عبد الرحمن بن ملجم
--------------------------- 142 ---------------------------
فأدخل على عليٍّ ( عليه السلام ) فقال : أطيبوا طعامه وألينوا فراشه ، فإن أعش فأنا أولى بدمه عفواً أو قصاصاً . وإن أمت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين ) .
25 . وسماه علي ( عليه السلام ) : عُرْف النار ، وعُنْق النار . ففي مناقب آل أبي طالب ( 2 / 99 )
قال الإمام الحسن ( عليه السلام ) : ( إن الأشعث بنى في داره مئذنة فكان يرقى إليها إذا سمع الأذان في أوقات الصلوات في مسجد جامع الكوفة فيصيح من على مئذنته : يا رجل إنك لكاذب ساحر ، وكان أبي ( عليه السلام ) يسميه : عنق النار ، فسئل عن ذلك فقال : إن الأشعث إذا حضرته الوفاة دخل عليه عنق من النار ممدودة من السماء فتحرقه ، فلا يدفن إلا وهو فحمة سوداء !
فلما توفي نظر ساير من حضر إلى النار وقد دخلت عليه كالعنق الممدود حتى أحرقته ، وهو يصيح ويدعو بالويل والثبور ) ! وسيأتي ذلك .
26 . أذل الله الأشعث بعد مشاركته في قتل علي ( عليه السلام ) فساءت علاقته بمعاوية ، وعاش بعده قليلاً ، أعمى مريضاً ، ولم يذهب إلى معاوية !
ففي شرح النهج ( 4 / 92 ) : ( فقال معاوية : فما الذي يمنع الأشعث أن يقدم علينا ، فيطلب ما قبلنا ؟ قال : إن الأشعث يكرم نفسه أن يكون رأساً في الحرب ، وذنباً في الطمع ) .
وروى الثقفي عن الهيثم أبي العريان وكان عثمانياً أن معاوية سأله : ( يا هيثم أهل العراق كانوا أنصح لعلي أم أهل الشام لي ؟ فقال : أهل العراق قبل أن يضربوا بالبلاء كانوا أنصح لصاحبهم من أهل الشام . قال : ولم ذلك ؟ قال : لأن القوم ناصحوا علياً على الدين ، وناصحك أهل الشام على الدنيا ، وأهل الدين أصبروهم أهل بصيرة وبصر ، وأهل الدنيا أهل بأس وطمع ، ثم والله ما لبث أهل العراق أن نبذوا الدين وراء ظهورهم ونظروا إلى الدنيا في يدك ، فما أصابها منهم إلا الذي لحق بك . قال معاوية : فما منع الأشعث بن قيس أن يقدم علينا ويطلب ما قبلنا ؟ قال : أكرم نفسه أن يكون رأساً في العار ، وذنباً في الطمع ) . ( الغارات : 2 / 545 ) .
والذي أقدره في إهمال معاوية له أنه نفذ خطته فيه في إيقاف الحرب ، ثم في قتل علي ( عليه السلام ) ، فلم يبق له فيه حاجة ، ومن جهة أخرى كان الأشعث يحتقر معاوية ويرى نفسه أحق
--------------------------- 143 ---------------------------
منه بالملك لأنه من ملوك كندة ، وقد صرح بذلك لما رتد في اليمن وحارب جيش أبي بكر . ثم اضطر للاستسلام لحكم أبي بكر .
27 . قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( إن الأشعث إذا حضرته الوفاة دخل عليه عنق من النار ممدودة من السماء فتحرقه ، فلا يدفن إلا وهو فحمة سوداء ! فلما توفي نظر ساير من حضر إلى النار وقد دخلت عليه كالعنق الممدود حتى أحرقته ، وهو يصيح ويدعو بالويل والثبور » ! ( مناقب آل أبي طالب : 2 / 99 )
وقال البلاذري ( 1 / 121 ) : ( مات بالكوفة وصلى عليه الحسن بن علي بعد صلحه معاوية . وكان الأشعث يكنى أبا محمد ، ويلقب عرف النار ) .
وقال النووي في المجموع ( 14 / 43 ) : ( نزل في الأشعث بن قيس قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ لاخَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلايَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلايُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . لأنه خاصم رجلاً في بئر ) .
وشهادة المفسرين بأنه سبب نزول هذه الآية ، تدل على أنه لادين له وأنه يقسم الأيمان الكاذبة ليأكل بها شيئاً من الدنيا !
28 . وروت المصادر ندم أبي بكر على أنه زوجه أخته ولم يقتله ، لأنه مصدر فتنة !
فقد روى الطبري ( 2 / 619 ) وابن عساكر ( 30 / 419 ) والمسعودي في مروج الذهب ( 2 / 302 ) والسيوطي في جامعه ( 24 / 359 ) وغيرهم ، أن أبا بكر قال في احتضاره : ( إني لا آسى على شئ من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني تركتهن ، وثلاث تركتهن وددت أني فعلتهن . . فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة ( عليها السلام ) عن شئ وإن كانوا قد غلقوه على الحرب ( أي ندم على مهاجمة البيت ) وأما اللاتي تركتهن ، فوددت أني يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيراً ، كنت ضربت عنقه ، فإنه يخيل إليَّ أنه لا يرى شراً إلا أعان عليه ) .
وفي رواية : لا يرى شراً إلا طار اليه . وفي البلاذري ( 1 / 123 ) إلا سعى فيه وأعان عليه .
29 . وكان أولاد الأشعث كأبيهم في الكفر والنفاق والخبث ، ويكفيك هذه الرواية في ابنه محمد بن أم فروة ! رواها الصدوق في أماليه / 221 ، قال :
--------------------------- 144 ---------------------------
( ثم أقبل رجل آخر من عسكر عمر بن سعد يقال له محمد بن الأشعث بن قيس الكندي فقال : يا حسين بن فاطمة أية حرمة لك من رسول الله ليست لغيرك ؟ ! فتلا الحسين ( عليه السلام ) هذه الآية : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . ثم قال : والله إن محمداً لمن آل إبراهيم ، وإن العترة الهادية لمن آل محمد ! مَنِ الرجل ؟ فقيل : محمد بن الأشعث بن قيس الكندي . فرفع الحسين ( عليه السلام ) رأسه إلى السماء فقال : اللهم أرِ محمد بن الأشعث ذلاً في هذا اليوم لا تعزه بعد هذا اليوم أبداً . فعرض له عارض فخرج من العسكر يتبرز ، فسلط الله عليه عقرباً فلدغته ، فمات بادي العورة ) !
أقول : ترى أن منطق محمد بن الأشعث وأصحابه جيش ابن سعد ، نفس منطق أبيه الأشعث ، وتلمس حقدهم على عترة النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، بل على النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ودينه !
هذا ، وستأتي نقاط من فعالية الأشعث ومكائده في فصول الكتاب .

  • *
    --------------------------- 145 ---------------------------

الفصل الثالث والسبعون: من رسائل الإمام ( عليه السلام ) إلى معاوية

رسائل الإمام ( عليه السلام ) إلى معاوية مادة غنية لسيرة الإمام ( عليه السلام )

1 . بَيَّنَ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هدفه من رسائله إلى معاوية فقال ( كتاب سليم / 310 ) : ( أما والله يا معاوية ، لقد كتبت إليك هذا الكتاب وإني لأعلم أنك لا تنتفع به ، وأنك ستفرح إذا أخبرتك أنك ستلي الأمر وابنك بعدك ، لأن الآخرة ليست من بالك ، وإنك بالآخرة لمن الكافرين . وستندم كما ندم من أسس هذا الأمر لك وحملك على رقابنا ، حين لم تنفعه الندامة .
ومما دعاني إلى الكتاب إليك بما كتبت به : أني أمرت كاتبي أن ينسخ ذلك لشيعتي ورؤوس أصحابي ، لعل الله أن ينفعهم بذلك ، أو يقرأه واحد ممن قبلك فيخرجه الله به وبنا من الضلالة إلى الهدى ، ومن ظلمك وظلم أصحابك وفتنتهم . وأحببت أن أحتج عليك ) .
فأجابه معاوية : ( هنيئاً لك يا أبا الحسن تملك الآخرة ، وهنيئاً لنا نملك الدنيا ) !
2 . ( من كتاب له إلى معاوية أول ما بويع له ( عليه السلام ) ذكره الواقدي في كتاب الجمل :
( من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان . أما بعد ، فقد علمت إعذاري فيكم وإعراضي عنكم حتى كان ما لا بد منه ولا دفع له ، والحديث طويل والكلام كثير ، وقد أدبر ما أدبر وأقبل ما أقبل ، فبايع من قبلك ، وأقبل إلي في وفد من أصحابك . والسلام ) .
( نهج البلاغة : 3 / 135 ) .
وقال في شرح النهج ( 18 / 68 ) : ( وقد علمت إعذاري فيكم : أي كوني ذا عذر لو لمتكم أو ذممتكم ، يعني في أيام عثمان . ثم قال : وإعراضي عنكم ، أي مع كوني ذا عذر لو فعلت ذلك فلم أفعله ، بل أعرضت عن إساءتكم إليَّ ، وضربت عنكم صفحاً ، حتى كان مالا بد منه : يعني
--------------------------- 146 ---------------------------
قتل عثمان ، وما جرى من الرجبة بالمدينة . ثم قاطعه الكلام مقاطعة وقال له : والحديث طويل والكلام كثير ، وقد أدبر ذلك الزمان ، وأقبل زمان آخر ، فبايع وأقدم .
فلم يبايع ولا قدم ، وكيف يبايع وعينه طامحة إلى الملك والرياسة منذ أمَّره عمر على الشام ، وكان عالي الهمة تواقاً إلى معالي الأمور ، وكيف يطيع علياً والمحرضون له على حربه عدد الحصا ! ولو لم يكن إلا الوليد بن عقبة لكفى وكيف يسمع قوله ( قول عقبة ) :
فوالله ما هند بأمك إن مضى * النهار ولم يثأر بعثمان ثائر
أيقتل عبد القوم سيد أهله * ولم تقتلوه ليت أمك عاقر !
ومن عجب أن بت بالشام وادعاً * قريراً وقد دارت عليه الدوائر !
أو يطيع علياً ويبايع له ويقدم عليه ويسلم نفسه إليه ، وهو نازل بالشام في وسط قحطان ، ودونه منهم حَرَّة لا ترام ، وهم أطوع له من نعله ! والأمر أمكنه الشروع فيه ! وتالله لوسمع هذا التحريض أجبن الناس وأضعفهم نفساً وأنقصهم همةً لحرَّكه وشحذ من عزمه ، فكيف معاوية وقد أيقظ الوليد بشعره من لا ينام ) !
3 . وروى الطوسي في أماليه / 88 : ( لما بويع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) بلغه أن معاوية قد توقف عن إظهار البيعة له ، وقال : إن أقرني على الشام وأعمالي التي ولانيها عثمان بايعته ، فجاء المغيرة إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقال له : يا أمير المؤمنين ، إن معاوية من قد عرفت ، وقد ولاه الشام من قد كان قبلك ، فوله أنت كيما تتسق عرى الأُمور ثم اعزله إن بدا لك . فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أتضمن لي عمري يا مغيرة فيما بين توليته إلى خلعه ؟ قال : لا . قال : لا يسألني الله عز وجل عن توليته على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبداً : وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ، لكن ابعث إليه وادعوه إلى ما في يدي من الحق ، فإن أجاب فرجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ، وإن أبى حاكمته إلى الله . فولّى المغيرة وهو يقول : فحاكمه إذن ، وأنشأ يقول :
نصحتُ علياً في ابن حرب نصيحةً * فردَّ ، فما مني له الدهر ثانيهْ
ولم يقبل النصح الذي جئتُه به * وكانت له تلك النصيحة كافيهْ
وقالوا له ما أخلص النصح كله * فقلتُ له إن النصيحة غاليهْ .
--------------------------- 147 ---------------------------
فقام قيس بن سعد ( رحمه الله ) فقال : يا أمير المؤمنين ، إن المغيرة أشار عليك بأمر لم يرد الله ، فقدم فيه رجلاً وأخر فيه أخرى ، فإن كان لك الغلبة تقرب إليك بالنصيحة ، وإن كانت لمعاوية تقرب إليه بالمشورة ، ثم أنشأ يقول :
كادَ ومن أرسى ثبيراً مكانه * مغيرة أن يُقوي عليك معاويهْ
وكنت بحمد الله فينا موفقاً * وتلك التي آراكها غير كافيه
فسبحان من أعلى السماء مكانها * وأرضاً دحاها فاستقرت كما هيهْ )
أقول : تقدم ذلك في بيعته ( عليه السلام ) وتقدمت رواية الطبري ( 3 / 461 ) بأن المغيرة رجع عن رأيه ، وأن ابن عباس وافقه أول الأمر ثم رجع عن رأيه وقال للمغيرة كما في شرح النهج ( 6 / 301 ) : ( كان والله أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أعلم بوجوه الرأي ومعاقد الحزم وتصريف الأُمور ، من أن يقبل مشورتك فيما نهى الله عنه وعنف عليه ، قال سبحانه : لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللهَ وَرَسُولَهُ ) .
وقال ابن كثير ( 8 / 137 ) : ( قال معاوية لجرير : إن ولاني عليٌّ الشام ومصر بايعته على أن لا يكون لأحد بعده عليَّ بيعة . فقال : أكتب إلى عليٍّ بما شئت وأنا أكتب معك . فلما بلغ علياً الكتاب قال : هذه خديعة ، وقد سألني المغيرة بن شعبة أن أولي معاوية الشام وأنا بالمدينة فأبيت ذلك : وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ) .
4 . ( ومن كتاب له ( عليه السلام ) إلى معاوية : فاتق الله فيما لديك ، وانظر في حقه عليك ، وارجع إلى معرفة مالا تعذر بجهالته ، فإن للطاعة أعلاماً واضحة ، وسبلاً نيرة ، ومحجة نهجة ، وغاية مطلوبة ، يردها الأكياس ، ويخالفها الأنكاس . من نكب عنها جار عن الحق وخبط في التيه ، وغيرالله نعمته ، وأحل به نقمته . فنفسك نفسك فقد بين الله لك سبيلك . وحيث تناهت بك أمورك فقد أجريتَ إلى غاية خسر ومحلة كفر ، وإن نفسك قد أولجتك شراً وأقحمتك غياً ، وأوردتك المهالك وأوعرت عليك المسالك ) . ( نهج البلاغة : 3 / 36 ) .
5 . ( ومن كلام له ( عليه السلام ) إلى معاوية : وأرديت جيلاً من الناس كثيراً خدعتهم بغيِّك ، وألقيتهم في موج بحرك ، تغشاهم الظلمات وتتلاطم بهم الشبهات ،
--------------------------- 148 ---------------------------
فجازوا عن وجهتهم ، ونكصوا على أعقابهم ، وتولوا على أدبارهم ، وعولوا على أحسابهم ، إلا من فاء من أهل البصائر ، فإنهم فارقوك بعد معرفتك ، وهربوا إلى الله من موازرتك ، إذ حملتهم على الصعب وعدلت بهم عن القصد . فاتق الله يا معاوية في نفسك ، وجاذب الشيطان قيادك ، فإن الدنيا منقطعة عنك والآخرة قريبة منك . والسلام ) .
( نهج البلاغة : 3 / 57 ) .
6 . ( ومن كتاب له ( عليه السلام ) إليه أيضاً : أما بعد فقد أتتني منك موعظة موصلة ، ورسالة محبرة نمقتها بضلالك ، وأمضيتها بسوء رأيك ، وكتاب امرئ ليس له بصر يهديه ولا قائد يرشده ، قد دعاه الهوى فأجابه ، وقاده الضلال فاتبعه ، فهجر لاغطاً ، وضل خابطاً .
منه : لأنها بيعة واحدة لا يثنى فيها النظر ، ولايستأنف فيها الخيار . الخارج منها طاعن ، والمروي فيها مداهن ) . ( نهج البلاغة : 3 / 8 ) .
7 . ( ومن كتاب له ( عليه السلام ) إلى معاوية : أما بعد فإن الله سبحانه قد جعل الدنيا لما بعدها ، وابتلى فيها أهلها ليعلم أيهم أحسن عملاً . ولسنا للدنيا خلقنا ، ولا بالسعي فيها أمرنا ، وإنما وضعنا فيها لنبتلى بها ، وقد ابتلاني الله بك وابتلاك بي ، فجعل أحدنا حجة على الآخر ، فعدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن فطلبتني بما لم تجن يدي ولا لساني ، وعصبته أنت وأهل الشام بي ، وألَّبَ عالمكم جاهلكم ، وقائمكم قاعدكم . فاتق الله في نفسك ، ونازع الشيطان قيادك واصرف إلى الآخرة وجهك ، فهي طريقنا وطريقك . واحذر أن يصيبك الله منه بعاجل قارعة تمس الأصل وتقطع الدابر ، فإني أُولِي لك بالله أَلِيَّة غير فاجرة : لئن جمعتني وإياك جوامع الأقدار لا أزال بباحتك ، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ) . ( نهج البلاغة : 3 / 112 ) .
8 . ( ومن كتاب له ( عليه السلام ) إليه : أما بعد فإن الدنيا مشغلة عن غيرها ، ولم يصب صاحبها منها شيئاً إلا فتحت له حرصاً عليها ولهجاً بها ، ولن يستغني صاحبها بما نال فيها عما لم يبلغه منها . ومن وراء ذلك فراق ما جمع ، ونقض ما أبرم . ولو اعتبرت بما مضى حفظت ما بقي . والسلام ) . ( نهج البلاغة : 3 / 78 ) .
--------------------------- 149 ---------------------------
9 . ( ومن كتاب له ( عليه السلام ) إلى معاوية : فسبحان الله ما أشد لزومك للأهواء المبتدعة والحيرة المتعبة ، مع تضييع الحقائق واطراح الوثائق التي هي لله طلبة ، وعلى عباده حجة . فأما إكثارك الحجاج في عثمان وقتلته فإنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك ، وخذلته حيث كان النصر له . والسلام ) . ( نهج البلاغة : 3 / 62 ) .
10 . ( ومن كتاب له ( عليه السلام ) إلى معاوية : أما بعد فإني على التردد في جوابك والاستماع إلى كتابك ، لموهنُ رأيي ومخطِّئُ فراستي . وإنك إذ تحاولني الأمور وتراجعني السطور كالمستثقل النائم تكذبه أحلامه ، أو المتحير القائم يبهظه مقامه ، لا يدري أله ما يأتي أم عليه . ولست به ، غير أنه بك شبيه . وأقسم بالله إنه لولا بعض الإستبقاء لوصلت إليك مني قوارع تقرع العظم وتهلس اللحم . واعلم أن الشيطان قد ثبطك عن أن تراجع أحسن أمورك وتأذن لمقال نصيحتك ) .
( نهج البلاغة : 3 / 134 ) .
11 . « ومن كتاب له ( عليه السلام ) إليه : أما بعد ، فوالله ما قتل ابن عمك غيرك ، وإني لأرجو أن ألحقك به على مثل ذنبه ، وأعظم من خطيئته » . ( نهج البلاغة : 3 / 135 ) .
12 . ( ومن كتاب له ( عليه السلام ) إليه أيضاً : أما بعد فقد آن لك أن تنتفع باللمح الباصر من عيان الأمور ، فقد سلكت مدارج أسلافك بادعائك الأباطيل ، وإقحامك غرور المين والأكاذيب ، وبانتحالك ما قد علا عنك ، وابتزازك لما اختزن دونك ، فراراً من الحق وجحوداً لما هو ألزم لك من لحمك ودمك ، مما قد وعاه سمعك وملئ به صدرك ، فما ذا بعد الحق إلا الضلال المبين ، وبعد البيان إلا اللبس . فاحذر الشبهة واشتمالها على لبستها ، فإن الفتنة طالما أغدفت جلابيبها وأعشت الأبصار ظلمتها . وقد أتاني كتاب منك ذو أفانين من القول ضعفت قواها عن السلم ، وأساطير لم يحكها منك علم ولا حلم ، أصبحت منها كالخائض في الدهاس ، والخابط في الديماس ، وترقيت إلى مرقبة بعيدة المرام ، نازحة الأعلام تقصر دونها الأنوق ، ويحاذى بها العيوق ، وحاش لله أن تلي للمسلمين بعدي صدراً أو ورداً ، أو أجري لك على أحد منهم عقداً أو عهداً ، فمن الآن فتدارك
--------------------------- 150 ---------------------------
نفسك وانظر لها ، فإنك إن فرطت حتى ينهد إليك عباد الله ، أرتجت عليك الأمور ومنعت أمراً هو منك اليوم مقبول . والسلام ) . ( نهج البلاغة : 3 / 122 ) .
13 . ( ومن كتاب له ( عليه السلام ) إلى معاوية : فأراد قومنا قتل نبينا واجتياح أصلنا ، وهموا بنا الهموم وفعلوا بنا الأفاعيل ، ومنعونا العذب ، وأحلسونا الخوف ، واضطرونا إلى جبل وعر ، وأوقدوا لنا نار الحرب ، فعزم الله لنا على الذب عن حوزته ، والرمي من وراء حرمته . مؤمننا يبغي بذلك الأجر ، وكافرنا يحامي عن الأصل . ومن أسلم من قريش خلوٌ مما نحن فيه ، بحلف يمنعه أو عشيرة تقوم دونه ، فهو من القتل بمكان آمن .
وكان رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) إذا احمر البأس وأحجم الناس قدم أهل بيته فوقى بهم أصحابه حر السيوف والأسنة . فقتل عبيدة بن الحارث يوم بدر ، وقتل حمزة يوم أحد ، وقتل جعفر يوم مؤتة . وأراد من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة ، ولكن آجالهم عجلت ومنيته أجلت .
فيا عجباً للدهر إذ صرت يقرن بي من لم يسع بقدمي ، ولم تكن له كسابقتي التي لا يدلي أحد بمثلها إلا أن يدعي مدع ما لا أعرفه ، ولا أظن الله يعرفه ! والحمد لله على كل حال . وأما ما سألت من دفع قتلة عثمان إليك فإني نظرت في هذا الأمر فلم أره يسعني دفعهم إليك ولا إلى غيرك ، ولعمري لئن لم تنزع عن غيك وشقاقك لتعرفنهم عن قليل يطلبونك ، لايكلفونك طلبهم في بر ولا بحر ولا جبل ولا سهل ، إلا أنه طلب يسوءك وجدانه ، وزور لايسرك لقيانه . والسلام لأهله ) . ( نهج البلاغة : 3 / 9 ) .
14 . ( ومن كتاب له ( عليه السلام ) إليه أيضاً : وكيف أنت صانع إذا تكشفت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا قد تبهجت بزينتها وخدعت بلذتها . دعتك فأجبتها ، وقادتك فاتبعتها ، وأمرتك فأطعتها . وإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه مجن . فاقعس عن هذا الأمر ، وخذ أهبة الحساب ، وشمر لما قد نزل بك ، ولا تمكن الغواة من سمعك ، وإلا تفعل أعلمك ما أغفلت من نفسك ، فإنك مترف قد أخذ الشيطان منك مأخذه وبلغ فيك أمله ، وجرى منك مجرى الروح والدم .
ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية ، وولاة أمر الأمة ؟ بغير قدم سابق ولا شرف
--------------------------- 151 ---------------------------
باسق ، ونعوذ بالله من لزوم سوابق الشقاء . وأحذرك أن تكون متمادياً في غرة الأمنية ، مختلف العلانية والسريرة ، وقد دعوت إلى الحرب فدع الناس جانباً واخرج إلي وأعف الفريقين من القتال ، لتعلم أينا المرين على قلبه ، والمغطى على بصره . فأنا أبو حسن قاتل جدك وخالك وأخيك شدخاً يوم بدر ، وذلك السيف معي ، وبذلك القلب ألقى عدوي ، ما استبدلت ديناً ، ولا استحدثت نبياً . وإني لعلى المنهاج الذي تركتموه طائعين ودخلتم فيه مكرهين !
وزعمت أنك جئت ثائراً بعثمان ، ولقد علمت حيث وقع دم عثمان فاطلبه من هناك إن كنت طالباً ، فكأني قد رأيتك تضج من الحرب إذا عضتك ضجيج الجمال بالأثقال ، وكأني بجماعتك تدعوني ، جزعاً من الضرب المتتابع والقضاء الواقع ومصارع بعد مصارع ، إلى كتاب الله ، وهي كافرة جاحدة ، أو مبايعة حائدة ) .
( نهج البلاغة : 3 / 9 ) .
15 . ( ومن كتاب له ( عليه السلام ) إلى معاوية ، جواباً عن كتاب منه : فأما طلبك إليَّ الشام ، فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك أمس . وأما قولك إن الحرب قد أكلت العرب إلا حشاشات أنفس بقيت ، ألا ومن أكله الحق فإلى الجنة ، ومن أكله الباطل فإلى النار .
وأما استواؤنا في الحرب والرجال ، فلست بأمضى على الشك مني على اليقين ، وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة .
وأما قولك إنا بنو عبد مناف فكذلك نحن ، ولكن ليس أمية كهاشم ، ولا حرب كعبد المطلب ، ولا أبو سفيان كأبي طالب ، ولا المهاجر كالطليق ، ولا الصريح كاللصيق ، ولا المحق كالمبطل ، ولاالمؤمن كالمدغل . ولبئس الخلف خلف يتبع سلفاً هوى في نار جهنم . وفي أيدينا بعد فضل النبوة التي أذللنا بها العزيز ، ونعشنا بها الذليل . ولما أدخل الله العرب في دينه أفواجاً وأسلمت له هذه الأمة طوعاً وكرهاً ، كنتم ممن دخل في الدين إما رغبة وإما رهبة ، على حين فاز أهل السبق بسبقهم ، وذهب المهاجرون الأولون بفضلهم . فلاتجعلن للشيطان
--------------------------- 152 ---------------------------
فيك نصيباً ، ولاعلى نفسك سبيلاً ) . ( نهج البلاغة : 3 / 16 ) .
16 . ( ومن كتاب له ( عليه السلام ) إليه أيضاً : أما بعد فقد أتتني منك موعظة موصلة ، ورسالة محبرة نمقتها بضلالك ، وأمضيتها بسوء رأيك ، وكتاب امرئ ليس له بصر يهديه ولا قائد يرشده ، قد دعاه الهوى فأجابه ، وقاده الضلال فاتبعه فهجر لاغطاً ، وضل خابطاً .
منه : لأنها بيعة واحدة لايثنى فيها النظر ولا يستأنف فيها الخيار . الخارج منها طاعن ، والمروي فيها مداهن ) . ( نهج البلاغة : 3 / 8 ) .
17 . ( ومن كتاب له ( عليه السلام ) إلى معاوية جواباً : أما بعد فإنا كنا نحن وأنتم على ما ذكرت من الألفة والجماعة ، ففرق بيننا وبينكم أمس أنا آمنا وكفرتم ، واليوم أنا استقمنا وفتنتم . وما أسلم مسلمكم إلا كرهاً ، وبعد أن كان أنف الإسلام كله لرسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) حزباً .
وذكرت أني قتلت طلحة والزبير ، وشردت بعائشة ، ونزلت بين المصرين ، وذلك أمر غبت عنه فلا عليك ولا العذر فيه إليك .
وذكرت أنك زائري في المهاجرين والأنصار وقد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك ، فإن كان فيك عجل فاسترفه ، فإني إن أزرك فذلك جدير أن يكون الله إنما بعثني للنقمة منك ، وإن تزرني فكما قال أخو بني أسد :
مستقبلين رياح الصيف تضربهم * بحاصب بين أغوار وجلمود
وعندي السيف الذي أعضضته بجدك وخالك وأخيك في مقام واحد . وإنك والله ما علمت لأغلف القلب المقارب العقل ، والأولى أن يقال لك إنك رقيت سلماً أطلعك مطلع سوء عليك لا لك ، لأنك نشدت غير ضالتك ، ورعيت غير سائمتك ، وطلبت أمراً لست من أهله ولا في معدنه ، فما أبعد قولك من فعلك . وقريب ما أشبهت من أعمام وأخوال حملتهم الشقاوة وتمني الباطل على الجحود بمحمد ( ( عليهما السلام ) ) ، فصرعوا مصارعهم حيث علمت ، لم يدفعوا عظيماً ، ولم يمنعوا حريماً ، بوقع سيوف ما خلا منها الوغى ، ولم تماشها الهوينى .
وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس ، ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله تعالى . وأما تلك التي تريد فإنها خدعة الصبي عن اللبن في أول
--------------------------- 153 ---------------------------
الفصال . والسلام لأهله ) .
18 . ( ومن كتاب له ( عليه السلام ) إلى معاوية : إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمروعثمان على ما بايعوهم عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد ، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار ، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضاً ، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على أتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى . ولعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان ، ولتعلمن أني كنت في عزلة عنه إلا أن تتجنى ، فتجنَّ ما بدا لك . والسلام ) . ( نهج البلاغة : 3 / 7 ) .
أقول : وهذه فقرة من خطبة ، وتمام النص رواه سليم بن قيس ( رحمه الله ) في كتابه / 291 ، قال : ( والواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين بعد ما يموت إمامهم أو يقتل ، ضالاً كان أو مهتدياً ، مظلوماً كان أو ظالماً ، حلال الدم أو حرام الدم ، أن لا يعملوا عملاً ولا يحدثوا حدثاً ، ولا يقدموا يداً ولا رجلاً ، ولا يبدؤوا بشئ قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً عفيفاً عالماً ورعاً عارفاً بالقضاء والسنة ، يجمع أمرهم ، ويحكم بينهم ، ويأخذ للمظلوم من الظالم حقه ، ويحفظ أطرافهم ، ويجبي فيئهم ، ويقيم حجهم وجمعتهم ، ويجبي صدقاتهم . ثم يحتكمون إليه في إمامهم المقتول ظلماً ، ويحاكمون قتلته إليه ليحكم بينهم بالحق : فإن كان إمامهم قتل مظلوماً حكم لأوليائه بدمه ، وإن كان قتل ظالماً نظر كيف الحكم في ذلك .
هذا أول ما ينبغي أن يفعلوه : أن يختاروا إماماً يجمع أمرهم إن كانت الخيرة لهم ، ويتابعوه ويطيعوه . وإن كانت الخيرة إلى الله عز وجل وإلى رسوله ( ( عليهما السلام ) ) فإن الله قد كفاهم النظر في ذلك والاختيار ، ورسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) رضي لهم إماماً وأمرهم بطاعته واتباعه . وقد بايعني الناس بعد قتل عثمان ، بايعني المهاجرون والأنصار بعد ما تشاوروا في ثلاثة أيام ، وهم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان وعقدوا إمامتهم ، وليَ ذلك أهل بدر والسابقة من المهاجرين والأنصار ، غير أنهم بايعوهم قبلي على
--------------------------- 154 ---------------------------
غير مشورة من العامة ، وإن بيعتي كانت بمشورة من العامة .
فإن كان الله جل اسمه قد جعل الاختيار إلى الأمة وهم الذين يختارون وينظرون لأنفسهم ، واختيارهم لأنفسهم ونظرهم لها خير لهم من اختيار الله ورسوله لهم ، وكان من اختاروه وبايعوه بيعته بيعة هدى ، وكان إماماً واجباً على الناس طاعته ونصرته ، فقد تشاوروا في واختاروني بإجماع منهم ، وإن كان الله عز وجل هو الذي يختار ،
له الخيرة فقد اختارني للأمة واستخلفني عليهم وأمرهم بطاعتي ونصرتي في كتابه المنزل وسنة نبيه ( ( عليهما السلام ) ) فذلك أقوى لحجتي وأوجب لحقي . ولو أن عثمان قتل على عهد أبي بكر وعمركان لمعاوية قتالهما والخروج عليهما للطلب ؟
قال أبو هريرة وأبو الدرداء : لا . قال علي ( عليه السلام ) : فكذلك أنا فإن قال معاوية : نعم ، فقولا : إذاً يجوز لكل من ظلم بمظلمة أو قتل له قتيل أن يشق عصى المسلمين ويفرق جماعتهم ويدعو إلى نفسه ! مع أن ولد عثمان أولى بطلب دم أبيهم من معاوية . قال : فسكت أبو الدرداء وأبو هريرة وقالا : لقد أنصفت من نفسك . قال علي ( عليه السلام ) : ولعمري لقد أنصفني معاوية إن تم على قوله وصدق ما أعطاني ، فهؤلاء بنو عثمان رجال قد أدركوا ليسوا بأطفال ولا مولى عليهم ، فليأتوا أجمع بينهم وبين قتلة أبيهم ، فإن عجزوا عن حجتهم فليشهدوا لمعاوية بأنه وليهم ووكيلهم وحربهم في خصومتهم . وليقعدوا هم وخصمائهم بين يدي مقعد الخصوم إلى الإمام والوالي الذي يقرون بحكمه وينفذون قضائه ، وأنظر في حجتهم وحجة خصمائهم . فإن كان أبوهم قتل ظالماً وكان حلال الدم أبطلت دمه ، وإن كان مظلوماً حرام الدم أقدتهم من قاتل أبيهم ، فإن شاءوا قتلوه وإن شاءوا عفوا ، وإن شاءوا قبلوا الدية . وهؤلاء قتلة عثمان في عسكري يقرون بقتله ويرضون بحكمي عليهم ولهم ، فليأتني ولد عثمان أو معاوية ، إن كان وليهم ووكيلهم ، فليخاصموا قتلته وليحاكموهم حتى أحكم بينهم وبينهم بكتاب الله وسنة نبيه ( ( عليهما السلام ) ) . وإن كان معاوية إنما يتجني ويطلب الأعاليل والأباطيل ، فليتجن ما بدا له فسوف يعين الله عليه .
قال أبو الدرداء وأبو هريرة : قد والله أنصفت من نفسك وزدت على النصفة ، وأزحت علته وقطعت حجته ، وجئت بحجة قوية صادقة ما عليها لوم ) .
--------------------------- 155 ---------------------------
فهي رسالة صريحة في أن الأمر لله تعالى ورسوله ( ( عليهما السلام ) ) فهو بالنص وقد اختاراني ، ولو تنزلنا وفرضنا أن الأمر للأمة ، فأول ما يجب عليها عمله أن تختار إماماً ، وعلى هذا الفرض فقد بايعني الذين بايعوا من قبلي . فإمامتي بالنص وبالبيعة .
وقد حاول الوهابية أن يحتجوا بكلامه ( عليه السلام ) على أن الخلافة بالبيعة وليست بالنص ، وقد أجبنا في رسالة : مسائل جيش الصحابة في باكستان ، على سؤالهم : إذا كان إمامكم علي يقول إن بيعة الخلفاء الثلاثة مرضية لله ، فلماذا تعترضون ولا ترضون بها ؟ أجبنا بأن هذا الكلام مقتطع ، وتكملته في كتاب سليم كما تقدم .
وقلنا إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يقول لمعاوية إنك أطعت أبا بكر وعمر وعثمان واعترفت بخلافتهم بسبب بيعة المهاجرين والأنصار لهم ، ونفس هذا السبب موجود في بيعتي . فقوله ( عليه السلام ) : ( فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله
رضا ) لا يعطي الشرعية لمن بايعه المهاجرون والأنصار ، بل هو على التنزل !
ولو سلمنا أنه يعطي الشرعية فهي لمن أجمع المهاجرون والأنصار على بيعته وهم في وقتهم الأمة التي لا تجتمع على ضلال لأن فيهم أهل البيت ( عليهم السلام ) .
( قال السيد النقوي الهندي في خلاصة عبقات الأنوار ( 3 / 299 ) : ( إن ما اجتمع عليه المهاجرون والأنصار كلهم حق ، لأن أهل البيت ( عليهم السلام ) من المهاجرين ، بل هم سادتهم بلا نزاع . وعلى هذا يكون التمسك بهكذا إجماع عين التمسك بالعترة المأمور به في حديث الثقلين ، وعين التمسك بالكتاب ، فلا تنافي ) .
19 . ( ومن كتاب له ( عليه السلام ) إلى معاوية جواباً ، وهو من محاسن الكتب : أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله محمداً ( ( عليهما السلام ) ) لدينه وتأييده إياه بمن أيده من أصحابه ، فلقد خبأ لنا الدهر منك عجباً ، إذ طفقت تخبرنا ببلاء الله عندنا ونعمته علينا في نبينا ، فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر ، أو داعي مسدده إلى النضال ! وزعمت أن أفضل الناس في الإسلام فلان وفلان ، فذكرت أمراً إن تم اعتزلك كله ، وإن نقص لم تلحقك ثلمته .
وما أنت والفاضل والمفضول ، والسائس والمسوس ، وما للطلقاء وأبناء
--------------------------- 156 ---------------------------
الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الأولين وترتيب درجاتهم وتعريف طبقاتهم . هيهات لقد حن قدح ليس منها ، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها . ألا تربع أيها الإنسان على ظَلْعِك ، وتعرف قصور ذَرْعك ؟ وتتأخر حيث أخرك القدر ، فما عليك غلبة المغلوب ولا لك ظفر الظافر .
وإنك لذهَّاب في التيه ، روَّاغ عن القصد ! ألا ترى غير مخبر لك ولكن بنعمة الله أحدث أن قوماً استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين ولكل فضل ، حتى إذا استشهد شهيدنا قيل سيد الشهداء ، وخصه رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه . أولا ترى أن قوماً قطعت أيديهم في سبيل الله ولكل فضل حتى إذا فعل بواحدنا ما فعل بواحدهم ، قيل الطيار في الجنة وذو الجناحين ، ولولا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه لذكر ذاكر فضائل جمة ، تعرفها قلوب المؤمنين ولا تمجها آذان السامعين . فدع عنك من مالت به الرمية ، فإنا صنائع ربنا والناس بعد صنائع لنا . لم يمنعنا قديم عزنا ، ولا عادي طولنا على قومك أن خلطناكم بأنفسنا ، فنكحنا وأنكحنا فعل الأكفاء ولستم هناك .
وأنى يكون ذلك كذلك ، ومنا النبي ومنكم المكذب ، ومنا أسد الله ومنكم أسد الأحلاف ، ومنا سيد شباب أهل الجنة ومنكم صبية النار ، ومنا خير نساء العالمين ومنكم حمالة الحطب ، في كثير مما لنا وعليكم ، فإسلامنا قد سمع ، وجاهليتنا لا تدفع ، وكتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا وهو قوله : وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ . وقوله تعالى : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ للَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِي الْمُؤْمِنِينَ . فنحن مرة أولى بالقرابة ، وتارة أولى بالطاعة . ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فلجوا عليهم ، فإن يكن الفلج به فالحق لنا دونكم ، وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت وعلى كلهم بغيت ، فإن يكن ذلك كذلك ، فليس الجناية عليك فيكون العذر إليك : وتلك شكاة ظاهر عنك عارها .
وقلتَ إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع ، ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت وأن تفضح فافتضحت . وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوماً
--------------------------- 157 ---------------------------
ما لم يكن شاكاً في دينه ولامرتاباً بيقينه . وهذه حجتي إلى غيرك قصدها ، ولكني أطلقت لك منها بقدر ماسنح من ذكرها .
ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان فلك أن تجاب عن هذه لرحمك منه ، فأينا كان أعدى له وأهدى إلى مقاتله . أمن بذل له نصرته فاستقعده واستكفه ، أمن استنصره فتراخى عنه وبث المنون إليه ، حتى أتى قدره عليه . كلا والله لقد علم الله الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لآخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قَلِيلاً . وما كنت لأعتذر من أني كنت أنقم عليه أحداثاً ، فإن كان الذنب إليه إرشادي وهدايتي له فرب ملوم لاذنب له ، وقد يستفيد الظنة المتنصح . وما أردت إلا الآصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ .
وذكرت أنه ليس لي ولأصحابي إلا السيف ، فلقد أضحكت بعد استعبار ! متى ألفيت بني عبد المطلب عن الأعداء ناكلين ، وبالسيوف مخوفين : لَبِّثْ قليلاً يلحق الهيجا حمل . فسيطلبك من تطلب ، ويقرب منك ما تستبعد ، وأنا مرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار ، والتابعين لهم بإحسان ، شديد زحامهم ، ساطع قتامهم ، متسربلين سرابيل الموت ، أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم ، قد صحبتهم ذرية بدرية ، وسيوف هاشمية ، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك وأهلك ، وما هي من الظالمين ببعيد ) ( نهج البلاغة : 3 / 30 ) .
20 . ( ومن كتاب له ( عليه السلام ) إلى معاوية بعد صفين : وإن البغي والزور يذيعان بالمرء في دينه ودنياه ، ويبديان خلله عند من يعيبه . وقد علمت أنك غير مدرك ما قضي فواته ، وقد رام أقوام أمراً بغير الحق فتأولوا على الله فأكذبهم . فاحذر يوماً يغتبط فيه من أحمد عاقبة عمله ، ويندم من أمكن الشيطان من قياده فلم يجاذبه .
وقد دعوتنا إلى حكم القرآن ، ولست من أهله . ولسنا إياك أجبنا ، ولكنا أجبنا القرآن في حكمه . والسلام ) . ( نهج البلاغة : 3 / 78 ) .
21 . قال الثقفي في الغارات ( 1 / 195 ) : ( إن علياً كتب إلى معاوية : من عبد الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى معاوية : إن الله تبارك وتعالى ذا الجلال والإكرام
--------------------------- 158 ---------------------------
خلق الخلق واختار خيرة من خلقه ، واصطفى صفوة من عباده ، يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ . فأمَّر الأمر وشرع الدين وقسم القسم على ذلك ، وهو فاعله وجاعله ، وهو الخالق وهو المصطفى وهو المشرع ، وهو القاسم وهو الفاعل لما يشاء ، له الخلق وله الأمر وله الخيرة والمشية والإرادة ، والقدرة والملك والسلطان ، أرسل رسوله خيرته وصفوته ( ( عليهما السلام ) ) بالهدى ودين الحق ، وأنزل عليه كتابه فيه تبيان كل شئ من شرائع دينه ، فبينه لقوم يعلمون وفرض فيه الفرائض ، وقسم فيه سهاماً أحل بعضها لبعض وحرم بعضها لبعض ، بينها يا معاوية إن كنت تعلم الحجة ، وضرب أمثالاً لايعقلها إلا العالمون . فأنا سائلك عنها أو بعضها إن كنت تعلم ، واتخذ الحجة بأربعة أشياء على العالمين ، فما هي يا معاوية ولمن هي ؟ واعلم أنهن حجة لنا أهل البيت على من خالفنا ونازعنا وفارقنا وبغى علينا ، والمستعان الله ، عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون .
وكانت جملة تبليغه رسالة ربه فيما أمره وشرع وفرض وقسم جملة الدين ، يقول الله : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ، هي لنا أهل البيت ليست لكم ، ثم نهى عن المنازعة والفرقة ، وأمر بالتسليم والجماعة ، فكنتم أنتم القوم الذين أقررتم لله ولرسوله بذلك ، فأخبركم الله أن محمداً ( ( عليهما السلام ) ) لم يك أباأحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ، وقال عز وجل : أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ . فأنت وشركاؤك يا معاوية القوم الذين انقلبوا على أعقابهم وارتدوا ، ونقضوا الأمر والعهد فيما عاهدوا الله ، ونكثوا البيعة ولم يضروا الله شيئاً ، ألم تعلم يا معاوية أن الأئمة منا ليست منكم ، وقد أخبركم الله أن أولي الأمر مستنبطوا العلم وأخبركم أن الأمر كله الذي تختلفون فيه يرد إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر مستنبطي العلم . فمن أوفى بما عاهد عليه يجد الله موفياً بعهده يقول الله : وَأَوْفُوا بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ . وقال عز وجل : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيماً ، وقال للناس بعدهم : فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا . نحن آل إبراهيم المحسودون وأنت الحاسد لنا . خلق الله آدم بيده ، ونفخ فيه
--------------------------- 159 ---------------------------
من روحه ، وأسجد له الملائكة ، وعلمه الأسماء كلها ، واصطفاه على العالمين ، فحسده الشيطان فكان من الغاوين ، ونوحاً حسده قومه إذ قالوا : مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ . ذلك حسداً منهم لنوح أن يقروا له بالفضل وهو بشر ، ومن بعده حسدوا هودا إذ يقول قومه : مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ . قالوا : ذلك حسداً أن يفضل الله من يشاء ، ويختص برحمته من يشاء ، ومن قبل ذلك ابن آدم قابيل قتل هابيل حسداً فكان من الخاسرين . وطائفة من بني إسرائيل :
إِذْ قَالُوا لِنَبِىٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . فلما بعث الله لهم طالوت ملكاً حسدوه وقالوا : أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ . وزعموا أنهم أحق بالملك منه ، كل ذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق ، وعندنا تفسيره وعندنا تأويله ، وقد خاب من افترى . ونعرف فيكم شبهه وأمثاله : وَمَا تُغْنِى الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ . وكان نبينا صلوات الله عليه فلما جاءهم كفروا به حسداً من عند أنفسهم أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده . حسداً من القوم على تفضيل بعضنا على بعض . ألا ونحن أهل البيت آل إبراهيم المحسودون ، حُسدنا كما حُسد آباؤنا من قبلنا سنة ومثلاً ، قال الله : وآل إبراهيم . . وآل لوط . . وآل عمران . . وآل يعقوب وآل موسى وآل هارون وآل داود . فنحن آل نبينا محمد ( ( عليهما السلام ) ) . ألم تعلم يا معاوية إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ للَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ، ونحن أولوا الأرحام قال الله تعالى : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، نحن أهل البيت اختارنا الله واصطفانا وجعل النبوة فينا ، والكتاب لنا ، والحكمة والعلم والإيمان ، وبيت الله ومسكن إسماعيل ومقام إبراهيم ، فالملك لنا ويلك يا معاوية ، ونحن أولى بإبراهيم ، ونحن آله وآل عمران وأولى بعمران ، وآل لوط ونحن أولى بلوط ، وآل يعقوب ونحن أولى بيعقوب ، وآل موسى وآل هارون وآل داود وأولى بهم ، وآل محمد وأولى به . ونحن أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم
--------------------------- 160 ---------------------------
تطهيرا . ولكل نبي دعوة في خاصة نفسه وذريته وأهله ، ولكل نبي وصية في آله ، ألم تعلم أن إبراهيم أوصى بابنه يعقوب ، ويعقوب أوصى بنيه إذ حضره الموت ، وأن محمداً أوصى إلى آله سنة إبراهيم والنبيين اقتداء بهم كما أمره الله ، ليس لك منهم ولا منه سنة في النبيين ، وفي هذه الذرية التي بعضها من بعض . قال الله لإبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت : رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ، فنحن الأمة المسلمة ، وقالا : رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ، فنحن أهل هذه الدعوة ورسول الله منا ونحن منه ، بعضنا من بعض وبعضنا أولى ببعض في الولاية والميراث ، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم . وعلينا نزل الكتاب ، وفينا بعث الرسول ، وعلينا تليت الآيات ، ونحن المنتحلون للكتاب والشهداء عليه والدعاة إليه ، والقوام ، به فبأي حديث بعده يؤمنون !
أفغير الله يا معاوية تبتغي رباً ! أم غير كتابه كتاباً ! أم غير الكعبة بيت الله ومسكن إسماعيل ومقام أبينا إبراهيم تبغي قبلة ! أم غير ملته تبغي ديناً ! أم غير الله تبغي ملكاً ! فقد جعل الله ذلك فينا .
فقد أبديت عداوتك لنا وحسدك وبغضك ، ونقضك عهد الله ، وتحريفك آيات الله ، وتبديلك قول الله ، قال الله لإبراهيم : رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ . أفترغب عن ملته ، وقد اصطفاه الله في الدنيا وهو في الآخرة من الصالحين ! أم غير الحكَم تبغي حكماً ! أم غير المستحفظ منا تبغي إماماً ! الإمامة لإبراهيم ( عليه السلام ) وذريته والمؤمنون تبع لهم لايرغبون عن ملته ، قال : فَمَنْ تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّي ، أدعوك يا معاوية إلى الله ورسوله وكتابه وولي أمره الحكيم من آل إبراهيم ، والى الذي أقررت به كما زعمت ، إلى الله والوفاء بعهده وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم : سمعنا وأطعنا . وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ . ولا تكونوا كالذين تفرقوا واخْتَلَفُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ . وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ . فنحن الأمة الأربى فلا تكونوا
--------------------------- 161 ---------------------------
كالذين قالوا : قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ . اتبعنا واقتد بنا فإن ذلك لنا آل إبراهيم على العالمين مفترض ، فإن الأفئدة من المؤمنين والمسلمين تهوي إلينا ، وذلك دعوة المرء المسلم ، فهل تنقم منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا ، واقتدينا واتبعنا ملة إبراهيم صلوات الله عليه وعلى محمد وآله .
فكتب معاوية : من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب : قد انتهى إليَّ كتابك ، فأكثرت فيه ذكر إبراهيم وإسماعيل وآدم ونوح والنبيين ، وذكر محمد وقرابتكم منه ومنزلتكم وحقك ، ولم ترض بقرابتك من محمد حتى انتسبت إلى جميع النبيين ، ألا وإنما كان محمد رسولاً من الرسل إلى الناس كافة فبلغ رسالات ربه ، لا يملك شيئاً غيره ، ألا وإن الله ذكر قوماً جعلوا بينه وبين الجنة نسباً ، وقد خفت عليك أن تضارعهم ، ألا وإن الله أنزل في كتابه أنه لم يك يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولا ولي من الذل ، فأخبرنا ما فضل قرابتك ، وما فضل حقك ، وأين وجدت اسمك في كتاب الله ، وملكك وإمامتك وفضلك ؟
ألا وإنما نقتدي بمن كان قبلنا من الأئمة والخلفاء الذين اقتديت بهم ، فكنت كمن اختار ورضي . قتل خليفتنا أمير المؤمنين عثمان وقال الله : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ، فنحن أولى بعثمان وذريته ، وأنتم أخذتموه على رضا من أنفسكم جعلتموه خليفة وسمعتم له وأطعتم .
فأجابه علي ( عليه السلام ) : أما الذي عيرتني به يا معاوية من كتابي ، وكثرة ذكر آبائي إبراهيم وإسماعيل والنبيين ( عليهم السلام ) ، فإنه من أحب آباءه أكثر ذكرهم ، فذكرهم حب الله ورسوله ، وأنا أعيرك ببغضهم ، فإن بغضهم بغض الله ورسوله ، وأعيرك بحبك آباءك وكثرة ذكرهم ، فإن حبهم كفر .
وأما الذي أنكرت من نسبي من إبراهيم وإسماعيل وقرابتي من محمد ( ( عليهما السلام ) ) وفضلي وحقي وملكي وإمامتي ، فإنك لم تزل منكراً لذلك لم يؤمن به قلبك ، ألا وإنما نحن أهل البيت كذلك لا يحبنا كافر ، ولا يبغضنا مؤمن .
والذي أنكرت من قول الله عز وجل : فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
--------------------------- 162 ---------------------------
وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيماً . فأنكرت أن يكون فينا فقد قال الله : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، ونحن أولى به . والذي أنكرت من إمامة محمد ( ( عليهما السلام ) ) زعمت أنه كان رسولاً ولم يكن إماماً ، فإن إنكارك على جميع النبيين الأئمة ، ولكنا نشهد أنه كان رسولاً نبياً إماماً ( ( عليهما السلام ) ) ولسانك دليل على ما في قلبك ! وقال الله تعالى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ . وَلَوْ نَشَاءُ لارَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ .
ألاوقد عرفناك قبل اليوم وعداوتك وحسدك وما في قلبك من المرض الذي أخرجه الله . والذي أنكرت من قرابتي وحقي ، فإن سهمنا وحقنا في كتاب الله قسمه لنا مع نبينا فقال : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَئٍْ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَللَّرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى . وقال : وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ، أوليس وجدت سهمنا مع سهم الله ورسوله وسهمك مع الأبعدين لا سهم لك إن فارقته ؟ فقد أثبت الله سهمنا وأسقط سهمك بفراقك .
وأنكرت إمامتي وملكي ، فهل تجد في كتاب الله قوله لآل إبراهيم : وَاصْطَفَاهُم عَلى العَالمين ، فهو فضلنا على العالمين ، أو تزعم أنك لست من العالمين أو تزعم أنا لسنا من آل إبراهيم ؟ فإن أنكرت ذلك لنا فقد أنكرت محمداً ( ( عليهما السلام ) ) فهو منا ونحن منه ، فإن استطعت أن تفرق بيننا وبين إبراهيم صلوات الله عليه وإسماعيل ومحمد وآله في كتاب الله ، فافعل ) .

  • *
    --------------------------- 163 ---------------------------

الفصل الرابع والسبعون: مبعوثوا الإمام ( عليه السلام ) إلى معاوية

أرسل له الإمام ( عليه السلام ) جرير بن عبد الله البجلي

1 . أشهرمبعوثي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى معاوية جرير بن عبد الله البجلي : وهو من شخصيات الصحابة . شارك في فتح العراق وإيران ، وأرسله أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى معاوية فبلغ رسالته ، ثم مال إلى معاوية فرفضته قبيلته ، وكانت مع علي ( عليه السلام ) فسكن في قرقيسيا قرب دير الزور بسوريا . وفي الإصابة ( 1 / 582 ) : ( مات سنة إحدى وقيل أربع وخمسين ) . وفي رجال الطوسي / 33 : ( أسلم في السنة التي قبض فيها النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وقيل إن طوله كان ستة أذرع ) .
2 . في كتاب صفين لنصر بن مزاحم / 31 : ( عن عامرالشعبي أن علياً ( عليه السلام ) حين قدم من البصرة نزع جريراً عن همدان ، فجاء حتى نزل الكوفة ، فأراد أن يبعث إلى معاوية رسولاً ، فقال له جرير : ابعثني إليه فأدعوه على أن يسلم لك هذا الأمر ، ويكون أميراً من أمرائك ، وأدعو أهل الشام إلى طاعتك ، وجلهم قومي وأهل بلادي ، وقد رجوت أن لايعصوني .
فقال له الأشتر : لا تبعثه ودعه ولا تصدقه ، فوالله إني لأظن هواه هواهم ، ونيته نيتهم ! فقال له علي ( عليه السلام ) : دعه حتى ننظر ما يرجع به إلينا .
فبعثه علي ( عليه السلام ) وقال له حين أراد أن يبعثه : إن حولي من أصحاب رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) من أهل‌الدين والرأي من قد رأيت ، وقد اخترتك عليهم لقول رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فيك : من خير ذي يمن ( ؟ ) إئت معاوية بكتابي ، فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون وإلا فانبذ إليه وأعلمه أني لا أرضى به أميراً ، وأن العامة لا ترضى به خليفة . فانطلق جرير حتى أتى الشام ونزل بمعاوية فدخل عليه ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد يا معاوية فإنه قد اجتمع
--------------------------- 164 ---------------------------
لابن عمك أهل الحرمين وأهل المصرين وأهل الحجاز وأهل اليمن وأهل مصر ،
وأهل العروض ( أي عُمان ) وأهل البحرين واليمامة ، فلم يبق إلا أهل هذه الحصون التي أنت فيها ، ولو سال عليها سيل من أوديته غرقها ، وقد أتيتك أدعوك إلى ما يرشدك ويهديك إلى مبايعة هذا الرجل .
ودفع إليه كتاب علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) :
بسم الله الرحمن الرحيم . أما بعد ، فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام لأنه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان ، على ما بويعوا عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغايب أن يرد ، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار ، إذا اجتمعوا على رجل فسموه إماماً كان ذلك لله رضاً ، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى ، ويصله جهنم وساءت مصيراً . وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي ، فكان نقضهما كردتهما ، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ، فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، فإن أحب الأمور إليَّ فيك العافية ، إلا أن تتعرض للبلاء ، فإن تعرضت له قاتلتك واستعنت بالله عليك . وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس وحاكم القوم إليَّ ، أحملك وإياهم على كتاب الله ، فأما تلك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن . ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان . واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ، ولا تعرض فيهم الشورى . وقد أرسلت إليك والى من قبلك جرير بن عبد الله ، وهو من أهل الإيمان والهجرة ، فبايع ولا قوة إلا بالله .
فلما قرأ الكتاب قام جرير فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إن أمر عثمان أعيا من شهده ، فما ظنكم بمن غاب عنه ، وإن الناس بايعوا علياً غير واتر ولا موتور ، وكان طلحة والزبير ممن بايعه ثم نكثا بيعته على غير حدث . ألا وإن هذا الدين لا يحتمل الفتن ، ألا وإن العرب لا تحتمل السيف ، وقد كانت بالبصرة أمس ملحمة إن تشفَّع البلاء بمثلها فلا نبأ للناس . ولو ملكنا والله أمورنا لم نختر لها غيره ، ومن خالف
--------------------------- 165 ---------------------------
هذا استعتب . فادخل يا معاوية فيما دخل فيه الناس ، فإن قلت : استعملني عثمان ثم لم يعزلني ، فإن هذا أمر لو جاز لم يقم لله دين ، وكان لكل امرئ ما في يده ، ولكن الله لم يجعل للآخر من الولاة حق الأول ، وجعل تلك أموراً موطأة وحقوقاً ينسخ بعضها بعضاً .
فقال معاوية : أنظر وتنظر ، وأستطلع رأي أهل الشام .
فلما فرغ جرير من خطبته أمر معاوية منادياً فنادى الصلاة جامعة ، فلما اجتمع الناس صعد المنبر وقال بعد كلام طويل : أيها الناس قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، وأني خليفة عثمان بن عفان عليكم ، وأني لم أقم رجلاً منكم على خزاية قط ، وأني ولي عثمان وقد قتل مظلوماً والله يقول : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ، وأنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان ! فقام أهل الشام بأجمعهم وأجابوا إلى الطلب بدم عثمان وبايعوه على ذلك ، وأوثقوا له على أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم أو يدركوا ثاره ، أو يفني الله أرواحهم ) !
( وذكر له في نهج السعادة ( 4 / 89 ) مصادر : والعقد الفريد : 3 / 106 / ط 2 ، والإمامة والسياسة : 1 / 93 وابن أبي الحديد في : 3 / 75 . وتاريخ دمشق : 56 / 974 و / 60 ) .
وما نسبته الرواية إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من قوله : ( وقد اخترتك عليهم لقول رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فيك : من خير ذي يمن ) رواية عامية لم نروها نحن ، فقد رواها النسائي في فضائل الصحابة / 60 ، عن جرير نفسه ، فزعم أن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) كان كلما رآه تبسم له ، وبشر به المسلمين ، وقال له إنه فيه سيماء الملوك : ( عن جرير قال ما رآني رسول الله إلا تبسم في وجهي وقال : يدخل عليكم من هذا الباب من خير ذي يمن ، على وجهه مسحة مَلِك ) . وهو مردود لأنه قول جرير ولم يروه غيره !
3 . كان جرير نظرياً شيعياً تام التشيع ، فله تصريحات وأبيات في فضائل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وبأنه وصي النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وخليفته على أمته . ولكنه كان يداهن أبا بكر وعمر وعثمان ، وعده الأشتر معهم ومنهم ! ويدل على رأي الأشتر أن
--------------------------- 166 ---------------------------
جريراً افترى كذبة في حديث الغدير لايغسلها ماء البحر !
قال كما في الطبراني الكبير ( 2 / 358 ) : ( شهدنا الموسم في حجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حجة الوداع فبلغنا مكاناً يقال له غدير خم ، فنادى الصلاة جامعة ، فاجتمعنا المهاجرون والأنصار ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطنا فقال : أيها الناس بم تشهدون ؟ قالوا : نشهد أن لا إله إلا الله . قال : ثم مه ؟ قالوا : وأن محمداً عبده ورسوله . قال : فمن وليكم ؟ قالوا الله ورسوله مولانا . قال : من وليكم ، ثم ضرب بيده على عضد علي ( رضي الله عنه ) فأقامه فنزع عضده فأخذ بذراعيه ، فقال من يكن الله ورسوله مولياه فإن هذا مولاه . اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . اللهم من أحبه من الناس ، فكن له حبيباً ، ومن أبغضه فكن له مبغضاً . اللهم إني لا أجد أحداً أستودعه في الأرض بعد العبدين الصالحين غيرك ، فاقض فيه بالحسنى ! قال بشر : قلت من هذين العبدين الصالحين ؟ قال : لا أدري ) . ومعناه أن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) استودع علياً ( عليه السلام ) عند أبي بكر وعمر لأنه يعرف أنهما سيحكمان بعده ! وهذا افتراء مفترع ، لم يخترعه أحد غير جرير !

جرير البجلي مقاول حرب في سبيل الله !

4 . ترجمنا لجرير في أول المجلد الثاني من : قراءة جديدة في الفتوحات الإسلامية . ونورد خلاصة منه : فهو جرير بن عبد الله بن جابر من بني زيد بن كهلان بن سبأ . وبجيلة جدتهم زوجة أنمار . ( سيرة ابن هشام : 1 / 49 ) .
وقد بالغ رواة السلطة في طوله فجعلوه ستة أذرع ورأسه يصل إلى سنام البعير ، ونعله ذراع . وكان يتباهى بأنه جميل ، وقال إن عمر رآه عارياً فشبهه بيوسف . وأمَّره على قبيلته بجيلة ، فشارك بهم في القادسية وبعدها . ( الإصابة : 1 / 583 ) .
5 . « قال جرير ( الإستيعاب : 1 / 237 ) : « أسلمت قبل موت النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) بأربعين يوماً » . وزعم أن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) بشر به قبل مجيئه ودعا له بالبركة ولذريته ، ومسح بيده على رأسه ووجهه وصدره وبطنه ، حتى انحنى جرير حياء أن تدخل يد النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) تحت إزاره ! ( أوسط الطبراني : 6 / 179 ، ومسند أحمد : 4 / 360 ) .
--------------------------- 167 ---------------------------
وفي صحيح بخاري : 4 / 25 : « ما حجبني النبي منذ أسلمت ، ولا رآني إلا تبسم في وجهي . ودعا لي : اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً » .
وحذف البخاري كذبة جرير بأن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) كان يتبسم له حتى في الصلاة ! ( مبسوط السرخسي : 1 / 77 ) وأنه ( ( عليهما السلام ) ) قال : « جرير منا أهل البيت ظهراً لبطن ، قالها ثلاثاً » . وأنه كان يقول له إلبس حلتك ليباهي به الوفود !
كما زعم جرير أن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) بعثهً إلى المتنبئ العنسي ، وذي الكلاع اليهودي . والى صنم ذي الخلصة فخربه . ( الزوائد : 9 / 373 ، والبلاذري : 1 / 125 ، والبخاري : 4 / 23 ) .
وصار كذب جرير لتعظيم نفسه أحاديث بخارية صحيحة ، لأنه مع الخليفة !
6 . وتقدم في الأشعث وصف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لجرير وأستاذه الأشعث بقوله : « أما هذا الأعور يعني الأشعث ، فإن الله لم يرفع شرفاً إلا حسده . .
وأما هذا الأكثف عند الجاهلية ، يعنى جرير بن عبد الله البجلي ، فهو يرى كل أحد دونه ، ويستصغر كل أحد ويحتقره ، قد ملئ ناراً ، وهو مع ذلك يطلب رئاسة ويروم إمارة ، وهذا الأعور يغويه ويطغيه ، إن حدثه كذبه وإن قام دونه نكص عنه ، فهما كالشيطان إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِئٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ » . ( شرح النهج : 20 / 286 ) .
والأكثف عند الجاهلية : الثقيل التصرف عندما تثور جاهليته .
7 . دخل إلى العراق مع خالد بعد اليمامة ، وساعده في عقود الصلح وجباية الأموال في السنة الثانية عشرة للهجرة ، أما قبلها فلم يكن له دور إلا ادعاؤه بأن أبا بكر ( الكامل : 2 / 375 ) أمره أن يقاتل من ارتد عن الإسلام من قومه . ونشك في ذلك ، لأن بجيلة كانت متفرقة في القبائل .
وقالوا إن أبا بكر أمد به خالداً ( البلاذري : 2 / 296 ) فلقيه منصرفاً من اليمامة فكان معه في العراق ، وواقع صاحب المذار بأمره » .
والمذار : قرب ميسان ، ولم يكن فيه قوة فارسية ولا معركة . وقد أثبتنا صحة قول الواقدي إن خالداً لم يخض أي معركة في العراق ، وأن جربراً غارمعه على بني تغلب ،
--------------------------- 168 ---------------------------
وغدرا بهم وارتكبوا مجزرة ! « فأغاروا على الهذيل وهم نائمون من ثلاثة أوجه فقتلوهم وهم يصيحون : سبحانك اللهم رب محمد ! ( الطبري : 2 / 326 ) .
8 . كان جرير جندياً في جيش خالد بن سعيد بن العاص فاتح فلسطين فتركه !
ففي تاريخ الطبري : 2 / 568 : « كان جرير بن عبد الله ممن خرج مع خالد بن سعيد بن العاص إلى الشام ، فاستأذن خالداً إلى أبي بكر ليكلمه في قومه ليجمعهم ) .
9 . وبعد هزيمة المسلمين في معركة الجسر قاول جرير عمر على « الجهاد بقومه !
قال البلاذري : 2 / 310 : « مكث عمر بن الخطاب سنة لا يذكر العراق ، وقدم جرير بن عبد الله من السراة في بجيلة ، فسأله أن يأتي العراق على أن يعطيه وقومه ربع ما غلبوا عليه . فأجابه عمر إلى ذلك » .
قال ابن الأعثم : 1 / 136 : « فسار جرير بن عبد الله من المدينة في سبع مائة رجل حتى صار إلى العراق فنزلها ، وبلغ ذلك المثنى بن حارثة الشيباني ، فكتب إليه : أما بعد يا جرير فإنا نحن الذين أقدمنا المهاجرين والأنصار من بلدهم وأقمنا نحن في نحر العدو نكابدهم ليلاً ونهاراً ، وإنما أنت مدد لنا ، فما انتظارك رحمك الله لا تصير إلينا ؟ فصر إلينا وكثِّرنا بأصحابك . . .
قال فكتب إليه جرير : أما بعد فقد ورد كتابك عليَّ فقرأته وفهمته ، فأما ما ذكرت أنك الذي أقدمت المهاجرين والأنصار إلى حرب العدو ، فصدقت وليتك لم تفعل ! وأما قولك : إن المهاجرين والأنصار لحقوا ببلدهم ، فإنه لما قتل أميرهم لحقوا بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب . وأما ما ذكرت أنك أقمت في نحر العدو فإنك أقمت في بلدك ، وبلدك أحب إليك من غيره . وأما ما سألتني من المصير إليك ، فإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لم يأمرني بذلك ، فكن أنت أميراً على قومك وأنا أمير على قومي . والسلام » . « وتنازع جرير والمثنى بن حارثة الإمارة ، فبعث عمر سعد بن مالك وكتب إليهما أن اسمعا له وأطيعا » . ( تاريخ خليفة / 87 ) .
ثم شارك جرير في المعركة ، ولا بد أنه قاول المثنى ، وأخذ منه امتيازاً !
--------------------------- 169 ---------------------------
10 . ثم شارك جرير في معركة البويب بقيادة المثنى ( رضي الله عنه ) : « فأمر المثنى أن يعقد لهم الجسرثم أخرجهم في آثار القوم ، وخيول من المسلمين تغذُّ من كل فارس ، فانطلقوا في طلبهم حتى بلغوا السيب ، فأصابوا من البقر والسبي وسائرالغنائم شيئاً كثيراً فقسمه المثنى عليهم ، ونفل بجيلة يومئذ ربع الخمس ، وبعث بثلاثة أرباعه مع عكرمة » . إلى عمر . ( الطبري : 2 / 652 ) .
11 . ورأى جرير القائد الفارسي مهران مقتولاً ، فأخذ سلبه ، وادعى أنه قتله ! في الأخبار الطوال / 114 : « اجتمع عظماء فارس إلى بوران ، فأمرت أن يتخير اثنا عشرألف رجل من أبطال الأساورة وولت عليهم مهران بن مهرويه الهمداني ) . « فلما طالت مدة الحرب جمع المثنى جماعة من أصحابه الأبطال يحمون ظهره ، وحمل على مهران فأزاله عن موضعه . قال محمد بن إسحاق : حمل عليه المنذر بن حسان بن ضرار الضبي فطعنه واحتز رأسه جرير ، واختصما في سلبه فأخذ جرير السلاح وأخذ المنذر منطقته » . ( النهاية : 7 / 36 ) .
قال ابن الأعثم : 1 / 158 : « ولحق المنذر بن حسان فرسه فأخذه ، ثم رجع إلى مهران ليسلبه ، فإذا جرير بن عبد الله قد سبقه وأخذ سلبه ، فقال له المنذر : أبا عمرو ! أنا قتلت مهران وسلبه لي ولا حق لك فيه ! قال جرير : فادفع إليَّ المنطقة وخذ باقي السلب ، فقال المنذر بن حسان : إذاً لا أفعل لأني أنا طعنت مهران وأنا صرعته عن فرسه ، وأنا قطعت رجله » .
أقول : هذا يكشف شخصية جرير وتعصب السلطة له ، فلا هو حمل على مهران عندما تبارزا بل هرب منه ، ثم حمل عليه المثنى فهرب مهران وقتله آخر . ولما رآه جرير قتيلاً سارع إلى سرقة سلبه ! فقال أتباع السلطة إن جريراً قتله ! « عن الشعبي أن جرير بن عبد الله البجلي بارز مهران فقتله ، فقومت منطقته بثلاثين ألفاً » . ( نصب الراية : 4 / 302 ) .
12 . سكن جرير وقومه الكوفة ، وشارك في معركة القادسية وكان قائد الميمنة . قال الطبري : 3 / 79 : « وجعل على مقدمة الناس هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ،
--------------------------- 170 ---------------------------
وعلى ميمنتهم جرير بن عبد الله البجلي ، وعلى ميسرتهم زهرة بن حوية التميمي ، وتخلف سعد لما به من الوجع » .
وكان دور جرير والبجليين مؤثراً في معركة القادسية ، لكن الرواة بالغوا فجعلوا بجيلة ربع الجيش مع أنهم ست مئة رجل ، والجيش نحو ثلاثين ألفاً !
13 . وارتكب عمر خطأ كبيراً ، فقسم أرض العراق على المقاتلين في القادسية ! وجعل لبجيلة سهمهم ، وربع الخمس ، وربع ما فتحوه من أرض العراق ! ( المجموع : 19 / 454 ، والبيهقي : 9 / 135 ) ثم أقنعه علي ( عليه السلام ) فرجع عن خطئه حتى لا تتكون في العراق طبقة إقطاعية « شرعية » وحولها جماهير فقيرة لا تملك شيئاً !
قال في فتح الباري ( 6 / 157 ) : « روى أبو عبيد عن عمر أنه أراد أن يقسم السواد فشاور في ذلك فقال له علي : دعهم يكونوا مادة للمسلمين ، فتركهم » .
وفي سنن النسائي ( 9 / 134 ) : ( أراد أن يقسم أهل السواد بين المسلمين وأمر بهم أن يحصوا ، فوجدوا الرجل المسلم يصيبه ثلاثة من الفلاحين يعني العلوج فشاور أصحاب النبي في ذلك فقال علي ( رضي الله عنه ) : دعهم يكونون مادة للمسلمين ) !
« فقال : تقرها في أيديهم يعملونها فتكون لنا ولمن بعدنا ) . ( اليعقوبي : 2 / 151 ) .
وقد ذكرت المصادر أن عمر فاضطر أن يسحب الأراضي من جرير وقومه !
14 . وكان جرير قائداً فعالاً في معركة جلولاء ، بإمرة القائد هاشم المرقال ، قال ابن الأعثم في الفتوح : 1 / 210 : « وحمل جرير بن عبد الله من الميمنة ، وحجر بن عدي من الميسرة ، والمكشوح المرادي من الجناح ، وعمرو بن معد يكرب من القلب ، وصدقوهم الحملة لولوا مدبرين ، ووضع المسلمون فيهم السيف ، فقتل منهم من قتل ، وانهزم الباقون حتى صاروا إلى خانقين » .
وقال ابن الأعثم : 1 / 166 : « فكان أول من تقدم إلى الحرب من المسلمين جرير بن عبد الله الجبلي ، ثم حمل فقاتل فأحسن القتال ، وحمل على أثره علي بن جحش العجلي ، ثم حمل في أثره إبراهيم بن الحارثة الشيباني ، ثم تقدم عمرو بن معد يكرب الزبيدي . قال : فجعل القوم يقتتلون . قال : ثم حمل جرير بن عبد الله على جمع أهل جلولاء ،
--------------------------- 171 ---------------------------
فلم يزل يطاعن حتى انكسر رمحه وجرح جراحات ) . وبذلك كفَّر جرير عن هربه من مهران في القادسية .
15 . ثم أمره عمار أن يُمد أبا موسى الأشعري في محاصرة عاصمة الأهواز : « فكتب عمار إلى جرير يأمره باللحاق بأبي موسى » . ( الأخبار الطوال / 130 ) .
أقول : تحصن أهل تستر داخل المدينة ، وتحصن الهرمزان في قلعتها . ثم جاء فارسي ليلاً ودل المسلمين على طريق إلى المدينة فدخلوا واحتلوها ، واستسلم الهرمزان على أن يبعثوا به إلى عمر ، فأخذه عمار إلى المدينة مع الغنائم . والصحيح أنه أسلم على يد سلمان ، ولذلك صار ولاؤه لعلي ( عليه السلام ) .
وكان دور جرير في فتح تستر عادياً ضمن دور الكوفيين بقيادة والي الكوفة عمار بن ياسر ( رضي الله عنه ) .
16 . ثم أرسله أبو موسى إلى رامهرمز ، ليدعوهم إلى الإسلام ، فسباهم ! قال ابن الأعثم في الفتوح : 2 / 276 : « وفتح جرير بن عبد الله مدينة رام هرمز بالسيف قسراً ، فاحتوى على أموالها ونسائها وذريتها . قال : وكتب بعض أصحاب جرير إلى عمر بن الخطاب أبياتاً يذكر فعل جرير بأهل رام هرمز فحكم صلحاء معسكر أبي موسى بأن جريراً أخطأ أو تعمد ، فنهب وسبى بغير وجه شرعي ! وحكموا عليه فأرجع جنده شيئاً مما أخذوه وبعض الرجال والنساء اللائي لم يحملن ، وبقيت الحوامل حتى تضعن حملهن ! وهي صورة سيئة عما ارتكبه المسلمون في الفتوحات !
17 . ثم التحق بجيش المسلمين لمواجهة تجمع جيش الفرس في نهاوند ، فقد جمعوا مئة وخمسين ألفاً ليقصدوا المدينة المنورة ويستأصلوا دين العرب ! فكتب عمار والي الكوفة إلى عمر بخبرهم ، فخاف عمر وجمع الصحابة .
قال ابن الأعثم ( 2 / 291 ) : « فلما ورد الكتاب على عمر وقرأه ، وقعت عليه الرعدة والنفضة حتى سمع المسلمون أطيط أضراسه ! ثم قام عن موضعه حتى دخل المسجد ، وجعل ينادي : أين المهاجرون والأنصار ! ألافاجتمعوا رحمكم الله وأعينوني أعانكم الله » . فقال له علي ( عليه السلام ) : « فأقم بالمدينة ولاتبرحها
--------------------------- 172 ---------------------------
فإنه أهيب لك في عدوك وأرعب لقلوبهم ، فإنك متى غزوت الأعاجم بنفسك يقول بعضهم لبعض : إن ملك العرب قد غزانا بنفسه لقلة أتباعه وأنصاره ، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وعلى المسلمين ، فأقم بمكانك الذي أنت فيه وابعث من يكفيك هذا الأمر ) .
فأطلق يد علي ( عليه السلام ) في إدارة المعركة ، وكان لجرير وبجيلة دور محمود فيها .
18 . وعيَّنه عمر والياً على همدان ، وبقي عليها زمن عثمان ، وعزله علي ( عليه السلام ) ،
ويظهر أنه كان ينتقد عثمان ، فقد كان مع مالك الأشتر في الذين ذهبوا لشكاية والي عثمان على الكوفة ، وكانوا عائدين من العمرة ، فوجدوا أبا ذر قد توفي في الربذة ، فجهزوه ودفنوه . ( أنساب الأشراف : 5 / 545 ) .
قال اليعقوبي : 2 / 165 : « ولي الوليد بن عقبة بن أبي معيط الكوفة مكان سعد وصلى بالناس الغداة وهو سكران أربع ركعات ، ثم تهوع في المحراب ، والتفت إلى من كان خلفه فقال : أزيدكم ! وأخذ الوليد أباسنان فضربه مائتي سوط ، فوثب عليه جرير بن عبد الله ، وعدي بن حاتم ، وحذيفة بن اليمان ، والأشعث بن قيس ، وكتبوا إلى عثمان مع رسلهم ، فعزله وولى سعيد بن العاص مكانه » .
لكن يظهر أن جريراً تقرب إلى عثمان واسترضاه ، وكان الأشتر ( رضي الله عنه ) يتهمه بأن عثمان اشترى منه دينه بولاية همدان . ( وقعة صفين / 60 ) .
19 . وكان جرير البجلي يشرب الخمر ، ويظهر من كلامه أنه كان مدمناً عليها ! فقد روى ابن حزم في المحلى : 7 / 488 : « عن عثمان بن قيس أنه خرج مع جرير بن عبد الله البجلي إلى حمام له بالعاقول ، فأكلوا معه ثم أوتوا بعسل وطلاء ، فقال : إشربوا العسل أنتم ، وشرب هو الطلاء وقال : إنه يستنكر منكم ولا يستنكر مني ! قال : وكانت رائحته توجد من هنالك » !
أقول : معناه أن جريراً كان عنده بستان فيه حمام ، فدعا اليه بعض الشخصيات وجاء لهم بعد الغداء بشراب عسل ، وجاء لنفسه بخمر ، وقال لهم : هذا يناسبني ولا يناسبكم ! وكانت رائحته قوية ، فوصلت إلى آخر المجلس !
--------------------------- 173 ---------------------------
20 . وكان جرير تلميذ الأشعث ، وأداته في الحسد والفتنة والتحريش ، وقد رووا كيف كذب على عمر فسقَّط شرحبيل بن السمط ، وذم عماراً .
قال عمر بن شبَّة في تاريخ المدينة ( 3 / 819 ) : « أوفد سعد بن أبي وقاص جرير بن عبد الله إلى عمر ، فقال له الأشعث بن قيس : إن استطعت أن تنال من شرحبيل بن السمط عند عمر فافعل ) !
وفي مصنف ابن أبي شيبة : 8 / 9 ، أن جريراً وفد مع عمار إلى عمر : « فقال عمر : ألا تخبروني عن أميركم هذا أمجزٍ هو ؟ قالوا : لا والله ما هو بمجزٍ ولاعالم بالسياسة . فعزله وبعث المغيرة بن شعبة » . والطبري : 3 / 242 .
ولا بد أن عمر أراد مبرراً لعزل عمار ، فأوحى إلى جرير بأن يشهد ضده فشهد !
21 . ولما بايع المسلمون علياً ( عليه السلام ) دعا جرير المسلمين إلى بيعته ، ومدحه ووفد اليه ، قال في أعيان الشيعة ( 4 / 73 ) : « فخطبهم جرير فقال : أيها الناس ، هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو المأمون على الدين والدنيا ، وقد كان أمره وأمر عدوه ما نحمد الله عليه ، وقد بايعه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان ولو جعل هذا الأمر شورى بين المسلمين كان أحقهم بها . ألا وإن البقاء في الجماعة والفناء في الفرقة ، وعليٌّ حاملكم على الحق ما استقمتم فإن ملتم أقام ميلكم . فقال الناس : سمعاً وطاعةً رضينا . فكتب جرير وأب كتابه بالطاعة . . وقال جرير في ذلك :
نردَّ الكتاب بأرض العجم * أتانا كتاب عليٍّ فلم
ولما نُضام ولما نُلَم * ولم نعصِ ما فيه لمَّا أتى
نضيم العزيز ونحمي الذمم * ونحن ولاةٌ على ثغرها
بكأس المنايا ونشفي القرم * نساقيهم الموت عند اللقاء
وضرب سيوف تطير اللمم * طحناهم طحنةً بالقنا
ودين النبي مجلي الظلم * مضينا يقيناً على ديننا
وعدل البرية والمعتصم * أمين الإله وبرهانه
--------------------------- 174 ---------------------------
خليفتنا القائم المدَّعم * رسول المليك ومِن بعده
نجالد عنه غواة الأمم * علياً عنيت وصيَّ النبي
وبيتُ النبوة لا يهتضم * له الفضل والسبق والمكرمات
قال : ثم أقبل جرير سائراً من ثغر همذان حتى ورد على علي ( عليه السلام ) بالكوفة ، فبايعه ودخل فيما دخل فيه الناس من طاعة علي ( عليه السلام ) واللزوم لأمره » . وكتاب صفين لنصر / 7 ، والإمامة والسياسة : 1 / 82 ، وجمهرة خطب العرب : 1 / 308 .
22 . وكان جرير والأشعث بن قيس وابن حريث وبعض مترفي الكوفة ، يتنزهون ويشربون الخمر في بيت الأشعث بالخورنق ، وقد سخروا من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وبايعوا ضباً بإمرة المؤمنين فكشفهم الإمام ( عليه السلام ) ! وسيأتي ذلك في معجزاته ( عليه السلام ) في طريقه إلى صفين . ( رجال الطوسي / 33 ) .
23 . وفي شرح النهج ( 4 / 75 ) : ( روى الحارث بن حصين أن رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) دفع إلى جرير بن عبد الله نعلين من نعاله وقال : احتفظ بهما ، فإن ذهابهما ذهاب دينك ، فلما كان يوم الجمل ذهبت إحداهما ، فلما أرسله علي ( عليه السلام ) إلى معاوية ذهبت الأخرى ، ثم فارق علياً واعتزل الحرب ) .
24 . وفي شرح النهج ( 2 / 61 ) : ( لما نزل علي ( عليه السلام ) الكوفة بعد فراغه من أمر البصرة ، كتب إلى معاوية كتاباً يدعوه إلى البيعة ، أرسل فيه جرير بن عبد الله البجلي فقدم عليه به الشام ، فقرأه واغتم بما فيه ، وذهبت به أفكاره كل مذهب وطاول جريراً بالجواب عن الكتاب ) .
وقال اليعقوبي ( 2 / 184 ) : ( فقال : أبلعني ريقي يا جرير ) .
25 . قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في إرساله جريراً ( كتاب سليم / 292 ) : ( فلما قضى الله لي الحسنى سرتُ إلى الكوفة ، وقد اتسقت لي الوجوه كلها إلا الشام ، فأحببت أن أتخذ الحجة وأفضي العذر ، أخذت بقول الله تعالى : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ، فبعثت جرير بن عبد الله إلى معاوية معذراً إليه ، متخذاً للحجة عليه ، فردَّ كتابي وجحد حقي ودفع بيعتي ، وبعث إليَّ أن ابعث إليَّ قتلة عثمان ، فبعثت
--------------------------- 175 ---------------------------
إليه ما أنت وقتلة عثمان ؟ أولاده أولى به ، فادخل أنت وهم في طاعتي ثم خاصم القوم لأحملكم وإياهم على كتاب الله ، وإلا فهذه خدعة الصبي عن رضاع الملي ! فلما يئس من هذا الأمر بعث إليَّ أن اجعل الشام لي حياتك ، فإن حدث بك حادث من الموت لم يكن لأحد عليَّ طاعة ، وإنما أراد بذلك أن يخلع طاعتي من عنقه فأبيتُ عليه ، فبعث إليَّ إن أهل الحجاز كانوا الحكام على أهل الشام ، فلما قتلوا عثمان صار أهل الشام الحكام على أهل الحجاز !
فبعثتُ إليه إن كنت صادقاً فسمِّ لي رجلاً من قريش الشام تحل له الخلافة ، ويُقبل في الشورى ، فإن لم تجده سميت لك من قريش الحجاز من يحل له الخلافة ، ويُقبل في الشورى .
ونظرت إلى أهل الشام فإذا هم بقية الأحزاب ، فراش نار ، وذباب طمع ، تجمَّع من كل أوب ، ممن ينبغي أن يؤدب ويحمل على السنة ، ليسوا مهاجرين ولا أنصار ، ولا تابعين بإحسان ، فدعوتهم إلى الطاعة والجماعة فأبوا إلا فراقي وشقاقي ، ثم نهضوا في وجه المسلمين ينضحونهم بالنبل ويشجرونهم بالرماح ! فعند ذلك نهضت إليهم فلما عضتهم السلاح ووجدوا ألم الجراح ، رفعوا المصاحف فدعوكم إلى ما فيها ، فأنبأتكم أنهم ليسوا بأهل دين ولا قرآن ، وإنما رفعوها مكيدة وخديعة فامضوا لقتالهم ، فقلتم إقبل منهم واكفف عنهم فإنهم إن أجابوا إلى ما في القرآن ، جامعونا على ما نحن عليه من الحق ، فقبلت منهم وكففت عنهم ، فكان الصلح بينكم وبينهم على رجلين حكمين ليحييا ما أحياه القرآن ، ويميتا ما أماته القرآن ، فاختلف رأيهما واختلف حكمهما ، فنبذا ما في الكتاب ، وخالفا ما في القرآن وكانا أهله .
ثم إن طائفة اعتزلت فتركناهم ما تركونا ، حتى إذا عاثوا في الأرض يفسدون ويقتلون ، وكان فيمن قتلوه أهل ميرة من بني أسد ، وخباباً وابنه وأم ولده ، والحارث بن مرة العبدي ، فبعثت إليهم داعياً فقلت ادفعوا إلينا قتلة إخواننا ، فقالوا : كلنا قتلتهم ، ثم شدت خيلهم ورجالهم ، فصرعهم الله مصارع الظالمين ) .
--------------------------- 176 ---------------------------
أقول : لم يأخذ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بنصيحة الأشتر ، وأصر على إرسال جرير مع معرفته به لأنه صاحب معاوية ، وله نفوذ على قادة اليمانين في الشام وهم عمدة جيش معاوية ، وقد أراد إعطاءهم الفرصة ليتضح لهم أمره وأمر معاوية .
26 . وقد أجاد جريرأحياناً في إبلاغ الرسالة ، وتقدمت رواية اليعقوبي ( 2 / 184 ) : ( فقدم جرير على معاوية ، وهو جالس والناس حوله ، فدفع إليه كتاب علي فقرأه ثم قام جرير فقال : يا أهل الشأم ! إنه من لم ينفعه القليل لم ينفعه الكثير ، وقد كانت بالبصرة ملحمة لن يشفع البلاء بمثلها ، فلا بقاء للإسلام ، فاتقوا الله يا أهل الشام ، ورَوْا في علي ومعاوية خيراً ، فانظروا لأنفسكم ، ولا يكونن أحد أنظر لها منكم ) .
وفي شرح نهج ( 3 / 76 ) : ( قام جرير فخطب فقال . . فقال معاوية : أنظروتنظر .
قال نصر : فلما أمسى معاوية اغتم بما هو فيه وجنه الليل وعنده أهل بيته ، فقال :
تطاول ليلى واعترتني وساوسي * لات أتى بالترهات البسابس
أتاني والحوادث جمة * بتلك التي فيها اجتداع المعاطس
أكايده والسيف بيني وبينه * ولست لأثواب الدنئ بلابس
إن الشام أعطت طاعة يمنية * تواصفها أشياخها في المجالس
فإن يفعلوا أصدم علياً بجبهة ( بخَيْل ) * تفت عليه كل رطب ويابس
وإني لأرجو خير ما نال نائل * وما أنا من ملك العراق بايس
فاستحثه جرير بالبيعة فقال : يا جرير ، إنها ليست بخلسة وإنه أمرله ما بعده ، فأبلعني ريقي حتى أنظر ! ودعا ثقاته فأشار عليه أخوه بعمرو العاص ) .
وفي نهج البلاغة ( 3 / 8 ) : ( ومن كتاب له ( عليه السلام ) إلى جرير بن عبد الله البجلي لما أرسله إلى معاوية : أما بعد فإذا أتاك كتابي فاحمل معاوية على الفصل ، وخذه بالأمر الجزم ، ثم خيره بين حرب مجلية أو سلم مخزية فإن اختار الحرب فانبذ إليه ، وإن اختار السلم فخذ بيعته . والسلام ) .
27 . في نهج البلاغة ( 1 / 93 ) : ( ومن كلام له ( عليه السلام ) وقد أشارعليه أصحابه بالاستعداد للحرب بعد إرساله جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية : إن استعدادي لحرب أهل
--------------------------- 177 ---------------------------
الشام وجريرعندهم إغلاق للشام وصرف لأهله عن خير إن أرادوه . ولكن قد وَقَّتُّ لجرير وقتاً لا يقيم بعده إلا مخدوعاً أو عاصياً . والرأي عندي مع الأناة فأرودوا ، ولا أكره لكم الإعداد .
ولقد ضربت أنف هذا الأمر وعينه ، وقلبت ظهره وبطنه ، فلم أر لي إلا القتال أو الكفر ، إنه قد كان على الناس والٍ أحدث أحداثاً وأوجد للناس مقالاً ، فقالوا ثم نقموا فغيروا ) .
28 . وتأخر جرير عند معاوية حتى اتهمه الناس ! ( شرح النهج : 3 / 87 ) : ( في حديث صالح بن صدقة قال : أبطأ جرير عند معاوية حتى اتهمه الناس وقال علي ( عليه السلام ) : قد وقت لجرير وقتاً لا يقيم بعده إلا مخدوعاً أو عاصياً ، وأبطأ على على حتى أيس منه . قال : وفي حديث محمد وصالح بن صدقة ، قالا : فكتب علي ( عليه السلام ) إلى جرير بعد ذلك : إذا أتاك كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل ، ثم خيره وخذه بالجواب بين حرب مخزية أو سلم محظية ، فإن اختار الحرب فانبذ إليه ، وإن اختار السلم فخذه ببيعته . والسلام .
قال : فلما انتهى الكتاب إلى جرير أتى معاوية فأقرأه الكتاب وقال له : يا معاوية ، إنه لا يطبع على قلب إلا بذنب ، ولا يشرح صدر إلا بتوبة ، ولا أظن قلبك إلا مطبوعاً عليه ، أراك قد وقفت بين الحق والباطل ، كأنك تنتظر شيئاً في يد غيرك ! فقال معاوية : ألقاك بالفصل في أول مجلس إن شاء الله . فلما بايع معاوية أهل الشام قال : يا جرير إلحق بصاحبك وكتب إليه بالحرب : من معاوية بن صخر إلى علي بن أبي طالب . أما بعد فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت برئ من دم عثمان كنت كأبي بكر وعمر وعثمان ، ولكنك أغريت بعثمان المهاجرين ، وخذلت عنه الأنصار ، فأطاعك الجاهل ، وقوى بك الضعيف ، وقد أبى أهل الشام إلا قتالك ، حتى تدفع إليهم قتله عثمان ، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين ، ولعمري ليس حججك عليَّ كحججك على طلحة والزبير ، لأنهما بايعاك ولم أبايعك ، وما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة ،
--------------------------- 178 ---------------------------
لأن أهل البصرة أطاعوك ولم يطعك أهل الشام .
فأما شرفك في الإسلام ، وقرابتك من النبي وموضعك من قريش ، فلست أدفعه . ثم كتب في آخر الكتاب شعر كعب بن جعيل الذي أوله :
أرى الشام تكره أهل العراق * وأهل العراق لهم كارهونا
وكل لصاحبه مبغض * يرى كل ما كان من ذاك دينا
إذا ما رمونا رميناهم * ودناهم مثل ما يقرضونا
وقالوا علي إمام لنا * فقلنا رضينا ابن هند رضينا
وقالوا نرى أن تدينوا لنا * فقلنا ألا لا نرى أن ندينا
ومن دون ذلك خرط القتاد * وطعن وضرب يقر العيونا
وكل يسر بما عنده * يرى غث ما في يديه سمينا
وما في علي لمستعتب * مقال سوى ضمه المحدثينا
فكتب إليه علي ( عليه السلام ) جواباً عن كتابه هذا :
من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى معاوية بن صخر بن حرب : أما بعد فإنه أتاني منك كتاب امرئ ليس له بصر يهديه ، ولا قائد يرشده ، دعاه الهوى فأجابه ، وقاده الضلال فاتبعه ، زعمت أنك إنما أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان ، ولعمري ما كنت إلا رجلاً من المهاجرين ، أوردت كما أوردوا ، وأصدرت كما أصدروا ، وما كان الله ليجمعهم على الضلال ، ولا ليضربهم بالعمى . وبعد ، فما أنت وعثمان ! إنما أنت رجل من بني أمية وبنو عثمان أولى بمطالبة دمه ، فإن زعمت أنك أقوى على ذلك ، فادخل فيما دخل فيه المسلمون ثم حاكم القوم إليَّ . وأما تمييزك بينك وبين طلحة والزبير ، وبين أهل الشام وأهل البصرة ، فلعمري ما الأمر فيما هناك إلا سواء ، لأنها بيعة شاملة لايستثنى فيها الخيار ، ولا يستأنف فيها النظر . وأما شرفي في الإسلام وقرابتي من رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وموضعي من قريش ، فلعمري لو استطعت دفعه لدفعته . قال : ثم دعا النجاشي أحد بني الحارث بن كعب فقال له : إن ابن جعيل شاعر أهل الشام ، وأنت شاعر أهل العراق فأجب الرجل . فقال : يا أمير المؤمنين ، أسمعني قوله ،
--------------------------- 179 ---------------------------
قال : إذن أسمعك شعر شاعر ، ثم أسمعه ، فقال النجاشي يجيبه :
دعا يا معاوي ما لن يكونا * فقد حقق الله ما تحذرونا
أتاكم عليٌّ بأهل العراق * وأهل الحجاز فما تصنعونا !
على كل جرداء خيفانة * وأشعث نهد يسر العيونا
عليها فوارس مخشية * كأسد العرين حمين العرينا
يرون الطعان خلال العجاج * وضرب الفوارس في النقع دينا
هم هزموا الجمع جمع الزبير * وطلحة والمعشر الناكثينا
وآلوا يميناً على حلفة * لنهدي إلى الشام حرباً زبونا
تشيب النواهد قبل المشيب * وتلقى الحوامل منها الجنينا
فإن تكرهوا الملك ملك العراق * فقد رضى القوم ما تكرهونا
فقل للمضلل من وائل * ومن جعل الغث يوماً سمينا
جعلتم علياً وأشياعه * نظير ابن هند أما تستحونا !
إلى أفضل الناس بعد الرسول * وصنو الرسول من العالمينا
وصهر الرسول ومن مثله * إذا كان يوم يشيب القرونا ) !
29 . ولما أراد جرير أن يلتحق بمعاوية واجهته قبيلته ، وأجمعت على نصرة علي وحرب معاوية ، فاعتزل الطرفين ، واتخذ من توبيخ الأشتر مبرراً لذلك ! وعزلت بجيلة جريراً رغم ثروته من الفتوحات ورأَّست رفاعة بن شداد . وذكر نصر بن مزاحم في صفين / 205 ، أن رفاعة ( رضي الله عنه ) كان فقيهاً فارساً ، سيد قراء الكوفة وكان من كبار شيعة علي ( عليه السلام ) وشارك معه في حرب الجمل . وروى عنه النسائي وابن ماجة ووثقوه . وروى هو عن أستاذه الصحابي الجليل عمرو بن الحمق الخزاعي . ( تهذيب التهذيب : 3 / 243 ) .
وثبت رفاعة على التشيع بعد علي ( عليه السلام ) . ولما قبض معاوية على حجر بن عدي وأصحابه ، طلبه فهرب مع عمرو بن الحمق إلى الموصل . ثم كان من رؤساء التوابين . ثم خرج مع المختار للطلب بدم الإمام الحسين ( عليه السلام ) .
( راجع : أنساب الأشراف : 5 / 272 ، و : 6 / 364 ، والفتوح لابن الأعثم : 2 / 462 ، والطبري : 4 / 523 ) .
--------------------------- 180 ---------------------------
ولم يكن من بجيلة مع معاوية أحد !
قال نصر / 229 : « وأمر ( علي ( عليه السلام ) ) كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام ، إلا قبيلة ليس منهم بالشام أحد مثل بجيلة لم يكن بالشام منهم إلا عدد يسيرفصرفهم إلى لخم » . جعلهم مقابلهم .
30 . وقال نصر بن مزاحم / 60 : « فلما سمع جرير ذلك لحق بقرقيسيا ولحق به أناس من قسر من قومه ( بطن صغير من بجيلة ) ولم يشهد صفين من قسرغير تسعة عشر ! وخرج علي إلى دار جرير فشعث منها ، وحرق مجلسه ( دون بقية داره ) وخرج أبو زرعة بن عمر بن جرير فقال : أصلحك الله إن فيها أرضاً لغير جرير ، فخرج عليٌّ منها إلى دار ثوير بن عامر فحرقها وهدم منها مجلسه وكان ثوير قد لحق بجرير . وقال الأشتر فيما كان من تخويف جرير إياه :
لعمرُك يا جرير لَقولُ عَمْرٍ * وصاحبه معاويةُ الشآمي
وذي كلع وحوشبَ ذي ظليمٍ * أخفُّ عليَّ من زفِّ النعام
إذا اجتمعوا عليَّ فخلِّ عنهم * وعن بازٍ مخالبه دوام
فلستُ بخائف ما خوفوني * وكيف أخاف أحلامَ النيام
وهمُّهمُ الذين حاموا عليه * من الدنيا ، وهمي ما أمامي
فإن أسلم أعمُّهم بحربٍ * يشيبُ لهولها رأس الغلام
وإن أهلك فقد قدمتُ أمراً * أفوز بفلجةٍ يوم الخصام
وقد زأروا إليَّ وأوعدوني * ومن ذا مات من خوف الكلام »
أقول : أحرق أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من بيت جرير وثوير غرفة مجلسهما فقط لأنها مركز الفساد والنفاق ! وكان المنافقون كالأشعث وجرير يتخذون في بيوتهم مراكز لجماعتهم فسماها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : المساجد الملعونة في الكوفة !
قال الإمام الباقر ( عليه السلام ) : « إن بالكوفة مساجد ملعونة ومساجد مباركة . وأما المساجد الملعونة فمسجد ثقيف ، ومسجد الأشعث ، ومسجد جرير ، ومسجد سماك ، ومسجد بالخمراء بُنِيَ على قبر فرعون من الفراعنة ) . ( الكافي : 3 / 490 ) .
--------------------------- 181 ---------------------------
والخمراء : باخمرى قرية قرب الكوفة ، فيها قبر إبراهيم بن عبد الله بن الحسن ) .

  • *

وأرسل معاوية إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أبا مسلم الخولاني

قال البلاذري ( 2 / 276 ) : ( فأتى جريرمعاوية ، ودعاه إلى ما أمره علي بدعائه إليه ، فانتظر معاوية قدوم شرحبيل بن السمط الكندي عليه ، فقال له جرير : إني قد رأيتك توقفت بين الحق والباطل وقوف رجل ينتظر رأي غيره . وقدم شرحبيل فقال له معاوية : هذا جرير يدعونا إلى بيعة علي . فقام شرحبيل فقال : أنت عامل أمير المؤمنين عثمان ، وابن عمه وأولى الناس بالطلب بدمه وقتل من قتله . ولم ير جرير عند معاوية انقياداً له ، ولا مقاربة لذلك ، فانصرف يائساً منه .
وقام أبو مسلم الخولاني واسمه عبد الرحمان ويقال عبد الله بن مشكم إلى معاوية فقال له : على مَ تقاتل علياً وليس لك مثل سابقته وقرابته وهجرته ! فقال معاوية : ما أقاتله وأنا أدعي في الإسلام مثل الذي ذكرت أنه له ، ولكن ليدفع إلينا قتلة عثمان فنقتلهم به ، فإن فعل فلا قتال بيننا وبينه ، قال : فاكتب إليه كتاباً تسأله فيه أن يسلم إليك قتلة عثمان . فكتب إليه معاوية فيما ذكرالكلبي عن أبي مخنف ، عن أبي روق الهمداني :
بسم الله الرحمن الرحيم . من معاوية بن أبي سفيان ، إلى علي بن أبي طالب . أما بعد فإن الله اصطفى محمداً بعلمه ، وجعله الأمين على وحيه ، والرسول إلى خلقه ، ثم اجتبى له من المسلمين أعواناً أيده بهم فكانوا في المنازل عنده على قدر فضائلهم في الإسلام ، وكان أنصحهم لله ورسوله خليفته ، ثم خليفة خليفته ، ثم الخليفة الثالث المقتول ظلماً عثمان ، فكلهم حسدت وعلى كلهم بغيت ، عرفنا ذلك في نظرك الشزر ، وقولك الهجر ، وتنفسك الصعداء ، وإبطائك عن الخلفاء ، في كل ذلك تقاد كما يقاد الجمل المخشوش ، ولم تكن لأحد منهم أشد حسداً منك لابن عمك ، وكان أحقهم أن لا تفعل به ذلك لقرابته وفضله ، فقطعت رحمه وقبحت حسنه وأظهرت له العداوة وبطنت له بالغش ، وألبت الناس عليه
--------------------------- 182 ---------------------------
حتى ضربت آباط الإبل إليه من كلّ وجه ، وقيدت اليه الخيل من كل أفق ، وشهر عليه السلاح في حرم رسول الله فقتل معك في المحلة وأنت تسمع الهائعة لا تدرأ عنه بقول ولا فعل ! ولعمري يا ابن أبي طالب لو قمت في حقه مقاماً واحداً تنهى الناس فيه عنه ، وتقبح لهم ما ابتهلوا منه ، ما عدل بك من قبلنا من الناس أحداً ، ولمحى ذلك عندهم ما كانوا يعرفونك به من المجانبة له والبغي عليه . وأخرى أنت بها عند أولياء ابن عفان ظنيناً : إيواؤك قتلته ، فهم عضدك ويدك وأنصارك ، وقد بلغني أنك تتنصل من دم عثمان وتتبرأ منه ، فإن كنت صادقاً فادفع إلينا قتلته كي نقتلهم به ، ثم نحن أسرع الناس إليك ، وإلا فليس بيننا وبينك إلا السيف ، ووالذي لا إله غيره لنطلبن قتلة عثمان في الجبال والرمال والبر والبحر حتى نقتلهم أو تلحق أرواحنا بالله . والسلام .
فدفع الكتاب إلى أبي مسلم الخولاني وأمره أن يسير به إلى علي ، فصار به إلى الكوفة فأوصله إلى علي واجتمع الناس في المسجد ، وقرئ عليهم فقالوا : كلنا قتلة عثمان وكلنا كان منكراً لعمله ، ولم يجبه علي إلى ما أراد ، فجعل أبو مسلم يقول : الآن طاب الضراب . وكتب علي ( عليه السلام ) إليه في جواب كتابه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله علي أمير المؤمنين ، إلى معاوية بن أبي سفيان . أما بعد فإن أخا خولان قدم علي بكتاب منك تذكر فيه محمداً وما أكرمه الله به من الهدى والوحي ، فالحمدلله الذي صدق له الوعد ، ومكَّن له في البلاد ، وأظهره على الدين كله ، وقمع به أهل العداوة والشنآن من قومه الذين كذبوه وشنعوا له وظاهروا عليه ، وعلى إخراج أصحابه ، وقلَّبوا له الأمور حتى ظهر أمر الله وهم له كارهون ، فكان أشد الناس عليه الأدنى فالأدنى من قومه ، إلا قليلاً ممن عصم الله .
وذكرت أن الله جلّ ثناؤه وتباركت أسماؤه اختار له من المؤمنين أعواناً أيده بهم فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام ، فكان أفضلهم خليفته وخليفة خليفته من بعده .
وذكرت أن ابن عفان كان في الفضل ثالثاً لهما ، فإن يكن عثمان محسناً فسيلقى رباً شكوراً يضاعف الحسنات ويجزي بها ، وإن يكن مسيئاً فسيلقى رباً غفوراً رحيماً ،
--------------------------- 183 ---------------------------
لايتعاظمه ذنب أن يغفره ، وإني لأرجو إذا أعطى الله المؤمنين على قدر أعمالهم أن يكون قسمنا أوفر قسم أهل بيت من المسلمين .
إن الله بعث محمداً ( ( عليهما السلام ) ) فدعا إلى الإيمان بالله والتوحيد له ، فكنا أهل البيت أول من آمن وأناب ، فمكثنا وما يعبد الله في ربع سكن من أرباع العرب أحد غيرنا ، فبغانا قومنا الغوائل وهموا بنا الهموم ، وألحقوا بنا الوشائط ، واضطرونا إلى شعب ضيق ، ووضعوا علينا فيه المراصد ، ومنعونا من الطعام والماء العذب ، وكتبوا بينهم كتاباً أن لا يواكلونا ولا يشاربونا ولا يبايعونا ولا يناكحونا ولا يكلمونا ، أو ندفع إليهم نبينا فيقتلوه ، أو يمثلوا به ! وعزم الله لنا على منعه والذب عنه ، وسائر من أسلم من قريش أخلياء مما نحن فيه منهم ، من حليف ممنوع وذي عشيرة لا تبغيه كما بغانا قومنا ، فهم من التلف بمكان نجوة وأمن . فمكثنا بذلك ما شاء الله ، ثم أذن الله لرسوله في الهجرة وأمره بقتال المشركين ، فكان إذا حضر البأس ودعيث نزال قدم أهل بيته فوقى بهم أصحابه ، فقتل عبيدة يوم بدر ، وحمزة يوم أحد ، وجعفر يوم مؤتة ، وتعرض من لو شئت ان أسميه سميته لمثل ما تعرضوا له من الشهادة ، لكن آجالهم حضرت ومنيته أخرت .
وذكرت إبطائي عن الخلفاء وحسدي لهم ، فأما الحسد فمعاذ الله أن أكون أسررته أو أعلنته ، وأما الإبطاء عنهم فما أعتذر إلى الناس منه ، ولقد أتاني أبوك حين قبض رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وبايع الناس أبا بكر ، فقال : أنت أحق الناس بهذا الأمر فأبسط يدك أبايعك ! قد علمت ذلك من قول أبيك ، فكنتُ الَّذي أبيتُ ذلك مخافة الفرقة لقرب عهد الناس بالكفر والجاهلية ، فإن تعرف من حقي ما كان أبوك يعرفه تصب رشدك ، وإلا تفعل فسيغني الله عنك . وذكرت عثمان وتأليبي الناس عليه فإن عثمان صنع ما رأيت ، فركب الناس منه ما قد علمت ، وأنا من ذلك بمعزل ، إلا أن تتجنى فتجنَّ ما بدا لك . وذكرت قتلته بزعمك وسألتني دفعهم إليك ، وما أعرف له قاتلاً بعينه ، وقد ضربت الأمر أنفه وعينيه فلم أره يسعني دفع من قبلي ممن اتهمته وأظننته ، إليك ، ولئن لم تنزع عن غيك
--------------------------- 184 ---------------------------
وشقائك لتعرفن الذين تزعم أنهم قتلوه طالبين لك لايكلفونك طلبهم في سهل ولا جبل . والسلام ) .
وأنفذ عليّ الكتاب إلى معاوية مع أبي مسلم الخولاني . وقال بعض الرواة : أن أبا هريرة الدوسي كان مع أبي مسلم ) .
والخولاني من خاصة معاوية : ( كانت أم حبية بنت أبي سفيان زوج النبي بعثت بقميص عثمان إلى معاوية ، فأخذه أبو مسلم الخولاني من معاوية ، فكان يطوف به في الشام في الأجناد ويحرض الناس على قتلة عثمان . وكان كعب بن عجرة الأنصاري أيضاً ممن بالغ في الحث على الطلب بدم عثمان ) . ( البلاذري : 2 / 291 ) .

  • *

وأرسل معاوية إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أبا هريرة وأباالدرداء

روى سُليم بن قيس في كتابه / 288 : ( أن معاوية دعا أباالدرداء ونحن مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بصفين ودعا أبا هريرة فقال لهما : انطلقا إلى علي فاقرآه مني السلام وقولا له : والله إني لأعلم أنك أولى الناس بالخلافة وأحق بها مني ، لأنك من المهاجرين الأولين وأنا من الطلقاء ، وليس لي مثل سابقتك في الإسلام وقرابتك من رسول الله ، وعلمك بكتاب الله وسنة نبيه .
ولقد بايعك المهاجرون والأنصار بعد ما تشاوروا فيك ثلاثة أيام ، ثم أتوك فبايعوك طائعين غير مكرهين ، وكان أول من بايعك طلحة والزبير ، ثم نكثا بيعتك وظلماك وطلبا ما ليس لهما . وأنا ابن عم عثمان والطالب بدمه ، وبلغني أنك تعتذر من قتل عثمان وتتبرأ من دمه ، وتزعم أنه قتل وأنت قاعد في بيتك ، وأنك قلت حين قتل واسترجعت : اللهم لم أرض ولم أمالئ ، وقلت يوم الجمل حين نادوا يا لثارات عثمان ، حين ثار من حول الجمل قلت : كب قتلة عثمان اليوم لوجوههم إلى النار ، أنحن قتلناه ؟ وإنما قتله هما وصاحبتهما وأمروا بقتله وأنا قاعد في بيتي .
وأنا ابن عم عثمان ووليه والطالب بدمه ، فإن كان الأمر كما قلت فأمكنا من قتلة عثمان وادفعهم إلينا نقتلهم بابن عمنا ، ونبايعك ونسلم إليك الأمر . هذه واحدة .
--------------------------- 185 ---------------------------
وأما الثانية فقد أنبأتني عيوني وأتتني الكتب من أولياء عثمان ، ممن هو معك يقاتل وتحسب أنه على رأيك وراض بأمرك وهواه معنا وقلبه عندنا وجسده معك ، أنك تظهر ولاية أبي بكر وعمر وتترحم عليهما ، وتكف عن عثمان ولا تذكره ولا تترحم عليه ولا تلعنه .
وبلغني عنك أنك إذا خلوت ببطانتك الخبيثة وشيعتك وخاصتك الضالة المغيرة الكاذبة ، تبرأت عندهم من أبي بكر وعمر وعثمان ولعنتهم ، وادعيت أنك خليفة رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) في أمته ووصيه فيهم ، وأن الله فرض على المؤمنين طاعتك وأمر بولايتك في كتابه وسنة نبيه ، وأن الله أمرمحمداً أن يقوم بذلك في أمته ، وأنه أنزل عليه : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، فجمع أمته بغدير خم فبلغ ما أمر به فيك عن الله ، وأمر أن يبلغ الشاهد الغائب ، وأخبرهم أنك أولى بهم من أنفسهم ، وأنك منه بمنزلة هارون من موسى .
وبلغني عنك أنك لاتخطب الناس خطبة إلا قلت قبل أن تنزل عن منبرك : والله إني لأولى الناس بالناس ، وما زلت مظلوماً منذ قبض رسول الله .
لئن كان ما بلغني عنك من ذلك حقاً ، فلظلم أبي بكر وعمر إياك أعظم من ظلم عثمان ! لقد قبض رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ونحن شهود ، فانطلق عمر وبايع أبا بكر وما استأمرك ولا شاورك ، ولقد خاصم الرجلان بحقك وحجتك وقرابتك من رسول الله ، ولو سلما لك وبايعاك لكان عثمان أسرع الناس إلى ذلك لقرابتك منه وحقك عليه ، لأنه ابن عمك وابن عمتك .
ثم عمد أبو بكر فردها إلى عمر عند موته ، ما شاورك ولا استأمرك حين استخلفه وبايع له ، ثم جعلك عمر في الشورى بين ستة منكم ، وأخرج منها جميع المهاجرين والأنصار وغيرهم ، فوليتم ابن عوف أمركم في اليوم الثالث حين رأيتم الناس قد اجتمعوا واخترطوا سيوفهم ، وحلفوا بالله لئن غابت الشمس ولم تختاروا أحدكم ليضربن أعناقكم ، ولينفذن فيكم أمر عمر ووصيته !
--------------------------- 186 ---------------------------
فوليتم أمركم ابن عوف ، فبايع عثمان ، فبايعتموه .
ثم حوصر عثمان فاستنصركم فلم تنصروه ، ودعاكم فلم تجيبوه ، وبيعته في أعناقكم وأنتم يا معاشر المهاجرين والأنصار حضور شهود ، فخليتم عن أهل مصر حتى قتلوه ، وأعانهم طوائف منكم على قتله ، وخذله عامتكم ، فصرتم في أمره بين قاتل وآمر وخاذل .
ثم بايعك الناس وأنت أحق بهذا الأمر مني ، فأمْكِنِّي من قتلة عثمان حتى أقتلهم وأسلم الأمر لك ، وأبايعك أنا وجميع من قبلي من أهل الشام !
فلما قرأ علي ( عليه السلام ) كتاب معاوية وأبلغه أبو الدرداء وأبو هريرة رسالته ومقالته ، قال علي ( عليه السلام ) لأبي الدرداء : قد أبلغتماني ما أرسلكما به معاوية ، فاسمعا مني ثم أبلغاه عني كما أبلغتماني عنه وقولا له : إن عثمان بن عفان لا يعدو أن يكون أحد رجلين :
إما إمام هدى حرام الدم واجب النصرة ، لا تحل معصيته ولا يسع الأمة خذلانه ،
أو إمام ضلالة حلال الدم ، لا تحل ولايته ولا نصرته . فلا يخلو من إحدى الخصلتين ، والواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين بعد ما يموت إمامهم أو يقتل ، ضالاً كان أو مهتدياً ، مظلوماً كان أو ظالماً ، حلال الدم أو حرام الدم ، أن لايعملوا عملاً ولا يحدثوا حدثاً ، ولا يقدموا يداً ولا رجلاً ولا يبدؤوا بشئ ، قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً عفيفاً عالماً ورعاً عارفاً بالقضاء والسنة ، يجمع أمرهم ويحكم بينهم ، ويأخذ للمظلوم من الظالم حقه ، ويحفظ أطرافهم ، ويجبي فيئهم ، ويقيم حجهم وجمعتهم ، ويجبي صدقاتهم . ثم يحتكمون إليه في إمامهم المقتول ظلماً ، ويحاكمون قتلته إليه ليحكم بينهم بالحق : فإن كان إمامهم قتل مظلوماً حكم لأوليائه بدمه ، وإن كان قتل ظالماً نظر كيف الحكم في ذلك . هذا أول ما ينبغي أن يفعلوه : أن يختاروا إماماً يجمع أمرهم ، إن كانت الخيرة لهم ويتابعوه ويطيعوه .
وإن كانت الخيرة إلى الله عز وجل وإلى رسوله ( ( عليهما السلام ) ) فإن الله قد كفاهم النظرفي ذلك والاختيار ، ورسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) قد رضي لهم إماماً وأمرهم بطاعته واتباعه .
وقد بايعني الناس بعد قتل عثمان ، بايعني المهاجرون والأنصار بعد ما تشاوروا فيَّ
--------------------------- 187 ---------------------------
ثلاثة أيام ، وهم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان وعقدوا إمامتهم ، وليَ ذلك أهل بدر والسابقة من المهاجرين والأنصار ، غير أنهم بايعوهم قبلي على غير مشورة من العامة ، وإن بيعتي كانت بمشورة من العامة . فإن كان الله جل اسمه قد جعل الاختيار إلى الأمة وهم الذين يختارون وينظرون لأنفسهم ، واختيارهم لأنفسهم ونظرهم لها خير لهم من اختيار الله ورسوله ( ( عليهما السلام ) ) لهم ، وكان من اختاروه وبايعوه بيعته بيعة هدى ، وكان إماماً واجباً على الناس طاعته ونصرته ، فقد تشاوروا فيَّ واختاروني بإجماع منهم ، وإن كان الله عز وجل هو الذي يختار ، وله الخيرة فقد اختارني للأمة واستخلفني عليهم وأمرهم بطاعتي ونصرتي في كتابه المنزل وسنة نبيه ( ( عليهما السلام ) ) ، فذلك أقوى لحجتي وأوجب لحقي .
ولو أن عثمان قتل على عهد أبي بكر وعمر ، كان لمعاوية قتالهما والخروج عليهما للطلب بدمه ؟ قال أبو هريرة وأبو الدرداء : لا . قال علي ( عليه السلام ) : فكذلك أنا . فإن قال معاوية : نعم ، فقولا : إذاً يجوز لكل من ظلم بمظلمة أو قتل له قتيل أن يشق عصى المسلمين ويفرق جماعتهم ويدعو إلى نفسه ، مع أن ولد عثمان أولى بطلب دم أبيهم من معاوية . قال : فسكت أبو الدرداء وأبو هريرة وقالا : لقد أنصفت من نفسك .
قال علي ( عليه السلام ) : ولعمري لقد أنصفني معاوية إن تم على قوله وصدق ما أعطاني فهؤلاء بنو عثمان رجال قد أدركوا ليسوا بأطفال ولا مولى عليهم ، فليأتوا أجمع بينهم وبين قتلة أبيهم ، فإن عجزوا عن حجتهم فليشهدوا لمعاوية بأنه وليهم ووكيلهم في خصومتهم ، وليقعدوا هم وخصماؤهم بين يديَّ مقعد الخصوم إلى الإمام والوالي ، الذي يقرون بحكمه وينفذون قضاءه ، وأنظر في حجتهم وحجة خصمائهم ، فإن كان أبوهم قتل ظالماً وكان حلال الدم أبطلت دمه ، وإن كان مظلوماً حرام الدم أقدتهم من قاتل أبيهم ، فإن شاءوا قتلوه ، وإن شاءوا عفوا ، وإن شاءوا قبلوا الدية .
وهؤلاء قتلة عثمان في عسكري يقرون بقتله ، ويرضون بحكمي عليهم ولهم ، فليأتني ولد عثمان أو معاوية ، إن كان وليهم ووكيلهم ، فليخاصموا قتلته ،
--------------------------- 188 ---------------------------
وليحاكموهم حتى أحكم بينهم وبينهم بكتاب الله وسنة نبيه ( ( عليهما السلام ) ) .
وإن كان معاوية إنما يتجني ويطلب الأعاليل والأباطيل ، فليتجن ما بدا له فسوف يعين الله عليه .
قال أبو الدرداء وأبو هريرة : قد والله أنصفت من نفسك وزدت على النصفة ، وأزحت علته وقطعت حجته ، وجئت بحجة قوية صادقة ما عليها لوم . ثم خرج أبو هريرة وأبو الدرداء ، فإذا نحو من عشرين ألف رجل مقنعين بالحديد فقالوا : نحن قتلة عثمان ، ونحن مقرون راضون بحكم علي ( عليه السلام ) علينا ولنا ، فليأتنا أولياء عثمان فليحاكمونا إلى أمير المؤمنين في دم أبيهم ، فإن وجب علينا القود أو الدية ، اصطبرنا لحكمه وسلمنا .
فقالا : قد أنصفتم ، ولا يحل لعلي ( عليه السلام ) دفعكم ولا قتلكم حتى يحاكموكم إليه فيحكم بينكم وبين صاحبكم بكتاب الله وسنة نبيه ( ( عليهما السلام ) ) .
فانطلق أبو الدرداء وأبو هريرة حتى قدما على معاوية فأخبراه بما قال علي ( عليه السلام )
وما قال قتلة عثمان ، فقال لهما معاوية : فما رد عليكما في ترحمه على أبي بكر وعمر وكفه عن الترحم على عثمان وبراءته منه في السر ، وما يدعي من استخلاف رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) )
إياه ، وأنه لم يزل مظلوماً منذ قبض رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ؟ قالا : بلى ، قد ترحم على أبي بكر وعمر وعثمان عندنا ونحن نسمع . ثم قال لنا فيما يقول : إن كان الله جعل الخيار إلى الأمة ، فكانوا هم الذين يختارون وينظرون لأنفسهم ، وكان اختيارهم لأنفسهم ونظرهم لها خيراً لهم وأرشد من اختيار الله واختيار رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، فقد اختاروني وبايعوني فبيعتي بيعة هدى ، وأنا إمام واجب على الناس طاعتي ونصرتي ، لأنهم قد تشاوروا في واختاروني ، وإن كان اختيار الله واختيار رسول الله خيراً لهم وأرشد من اختيارهم لأنفسهم ونظرهم لها ، فقد اختارني الله ورسوله ( ( عليهما السلام ) ) للأمة واستخلفاني عليهم وأمراهم بنصرتي وطاعتي في كتاب الله المنزل على لسان نبيه المرسل ، وذلك أقوى لحجتي وأوجب لحقي !
ثم صعد ( عليه السلام ) المنبر في عسكره وجمع الناس ومن بحضرته من النواحي والمهاجرين والأنصار ، ثم حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : يا معاشر الناس ، إن مناقبي أكثر من أن
--------------------------- 189 ---------------------------
تحصى أو تعد ، ما أنزل الله في كتابه من ذلك ، وما قال فيَّ رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) أكتفي بها عن جميع مناقبي وفضلي .
أتعلمون أن الله فضل في كتابه الناطق ، السابق إلى الإسلام في غير آية من كتابه على المسبوق وإنه لم يسبقني إلى الله ورسوله أحد من الأمة ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : أنشدكم الله ، سئل رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) عن قوله : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ؟ فقال رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : أنزلها الله في الأنبياء وأوصيائهم ، وأنا أفضل أنبياء الله ، وأخي ووصيي علي بن أبي طالب أفضل الأوصياء ؟ فقام نحو من سبعين بدرياً جلهم من الأنصار وبقيتهم من المهاجرين ، منهم أبو الهيثم بن التيهان ، وخالد بن زيد أبو أيوب الأنصاري ، ومن المهاجرين عمار بن ياسر وغيره ، فقالوا : نشهد أنا قد سمعنا رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يقول ذلك !
قال : أنشدكم الله في قول الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ، وقوله : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ، ثم قال : وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ، فقال الناس : يا رسول الله ، أخاص لبعض المؤمنين أم عام لجميعهم ؟ فأمر الله عز وجل رسوله أن يعلمهم فيمن نزلت الآيات وأن يفسر لهم من الولاية ما فسر لهم من صلاتهم وصيامهم وزكاتهم وحجهم . فنصبني بغدير خم وقال : إن الله أرسلني برسالة ضاق بها صدري وظننت أن الناس مكذبوني ، فأوعدني لأبلغنها أو يعذبني . قم يا علي ، ثم نادى بالصلاة جامعة ، فصلى بهم الظهر ثم قال :
أيها الناس ، إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأولى بهم من أنفسهم . ألا من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله ، فقام إليه سلمان الفارسي فقال : يا رسول الله ولاؤه كماذا ؟ فقال : ولاؤه كولايتي ، من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه ، وأنزل الله تبارك وتعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً . فقال سلمان الفارسي : يا رسول الله ، أنزلت هذه الآيات في
--------------------------- 190 ---------------------------
علي خاصة ؟ فقال رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : بل فيه وفي أوصيائي إلى يوم القيامة . ثم قال رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : يا سلمان ، إشهد أنت ومن حضرك بذلك وليبلغ الشاهد الغائب ، فقال سلمان الفارسي : يا رسول الله بينهم لنا ، فقال : عليٌّ أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن بعدي ، وأحد عشر إماماً من ولده . أولهم ابني الحسن ثم الحسين ثم تسعة من ولد الحسين ، واحداً بعد واحد . القرآن معهم وهم مع القرآن ، لا يفارقونه حتى يردوا علي الحوض ؟
فقام اثنا عشر رجلاً من البدريين فقالوا : نشهد أنا سمعنا ذلك من رسول الله كما قلت سواء ، لم تزد فيه ولم تنقص حرفاً ، وأشهدنا رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) على ذلك . وقال بقية السبعين : قد سمعنا ذلك ولم نحفظ كله ، وهؤلاء الإثنا عشر خيارنا وأفضلنا . فقال ( عليه السلام ) : صدقتم ليس كل الناس يحفظ ، بعضهم أحفظ من بعض .
فقام من الاثني عشر أربعة : أبو الهيثم بن التيهان وأبو أيوب الأنصاري وعمار بن ياسر وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين رحمهم الله ، فقالوا : نشهد أنا قد سمعنا قول رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وحفظناه أنه قال يومئذ وهو قائم وعلي قائم إلى جنبه ، ثم قال رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : يا أيها الناس ، إن الله أمرني أن أنصب لكم إماماً ووصياً يكون وصي نبيكم فيكم وخليفتي في أمتي وفي أهل بيتي من بعدي والذي فرض الله على المؤمنين في كتابه طاعته ، وأمركم فيه بولايته ، فراجعت ربي خشية طعن أهل النفاق وتكذيبهم ، فأوعدني لأبلغها أو ليعذبني ! ثم قال رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) :
أيها الناس ، إن الله جل اسمه أمركم في كتابه بالصلاة وقد بينتها لكم وسننتها ، والزكاة والصوم والحج فبينتها وفسرتها لكم ، وأمركم في كتابه بالولاية وإني أشهدكم أيها الناس أنها خاصة لعلي بن أبي طالب والأوصياء من ولدي وولد أخي ووصيي ، علي أولهم ثم الحسن ثم الحسين ثم تسعة من ولد الحسين ابني ، لا يفارقون الكتاب ولا يفارقهم حتى يردوا علي الحوض . يا أيها الناس ، إني قد أعلمتكم مفزعكم وإمامكم بعدي ، ودليلكم وهاديكم وهو أخي علي بن أبي طالب ، وهو فيكم بمنزلتي فيكم ، فقلدوه دينكم وأطيعوه في جميع أموركم ، فإن عنده جميع ما علمني الله ،
--------------------------- 191 ---------------------------
وأمرني الله أن أعلمه إياه وأعلمكم أنه عنده ، فاسألوه وتعلموا منه ومن أوصيائه بعده ، ولا تعلموهم ولاتتقدموهم ، ولاتتخلفوا عنهم ، فإنهم مع الحق والحق معهم لا يزايلوه ولا يزايلهم .
فلما حدث أبو الدرداء وأبو هريرة معاوية بكل ذلك ، وبما رد عليه الناس ، وَجَمَ من ذلك وقال : يا أباالدرداء ويا أبا هريرة ، لئن كان ما تحدثاني عنه حقاً لقد هلك المهاجرون والأنصار ، غيره وغير أهل بيته وشيعته . ثم كتب معاوية إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
لئن كان ما قلت وادعيت واستشهدت عليه أصحابك حقاً ، لقد هلك أبو بكر وعمر وعثمان وجميع المهاجرين والأنصار غيرك وغير أهل بيتك وشيعتك ! وقد بلغني ترحمك عليهم واستغفارك لهم ، وإنه لعلى وجهين ما لهما ثالث : إما تقية ، إن أنت تبرأت منهم خفت أن يتفرق عنك أهل عسكرك الذين تقاتلني بهم ، أو أن الذي ادعيت باطل وكذب .
وقد بلغني وجاءني بذلك بعض من تثق به من خاصتك بأنك تقول لشيعتك الضالة وبطانتك بطانة السوء : إني قد سميت ثلاثة بنين لي أبا بكر وعمر وعثمان ، فإذا سمعتموني أترحم على أحد من أئمة الضلالة ، فإني أعني بذلك بنيَّ ! والدليل على صدق ما أتوني به ورَقَوْه إلي أنا قد رأيناك بأعيننا ، فلا نحتاج أن نسأل من ذلك غيرنا ، رأيتك حملت امرأتك فاطمة على حمار وأخذت بيد ابنيك الحسن والحسين إذ بويع أبو بكر ، فلم تدع أحداً من أهل بدر وأهل السابقة إلا دعوتهم واستنصرتهم عليه ، فلم تجد منهم إنساناً غير أربعة : سلمان وأبا ذر والمقداد والزبير ، ولعمري لو كنت محقاً لأجابوك وساعدوك ونصروك ، ولكن ادعيت باطلاً وما لا يقرون به . وسمعتك أذناي وأنت تقول لأبي سفيان حين قال لك : غلبت يا ابن أبي طالب على سلطان ابن عمك ، ومن غلبك عليه أذل أحياء قريش تيم وعدي ، ودعاك إلى أن ينصرك فقلت : لو وجدت أعواناً أربعين رجلاً من المهاجرين والأنصار من أهل السابقة لناهضت هذا الرجل ،
--------------------------- 192 ---------------------------
فلما لم تجد غير أربعة رهط ، بايعت مكرهاً !
قال : فكتب إليه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : بسم الله الرحمان الرحيم ، أما بعد ، فقد قرأت كتابك فكثرتعجبي مما خطت فيه يدك ، وأطنبت فيه من كلامك ! ومن البلاء العظيم والخطب الجليل على هذه الأمة أن يكون مثلك يتكلم أو ينظر في عامة أمرهم أو خاصته ، وأنت من تعلم وابن من تعلم ، وأنا من قد علمت وابن من قد علمت ، وسأجيبك فيما قد كتبت بجواب لا أظنك تعقله أنت ولا وزيرك ابن النابغة عمرو ، الموافق لك كما وافق شن طبقة ، فإنه هو الذي أمرك بهذا الكتاب وزينه لك ، وحضركما فيه إبليس ومردة أصحابه . والله لقد أخبرني رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وعرفني أنه رأى على منبره اثني عشر رجلاً ، أئمة ضلال من قريش يصعدون منبر رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، وينزلون على صورة القرود ، يردون أمته على أدبارهم عن الصراط المستقيم . قد خبرني بأسمائهم رجلاً رجلاً ، وكم يملك كل واحد منهم واحد بعد واحد . عشرة منهم من بني أمية ، ورجلان من حيين مختلفين من قريش ، عليهما مثل أوزار الأمة جميعاً إلى يوم القيامة ، ومثل جميع عذابهم ! فليس من دم يهراق في غير حقه ، ولا فرج يغشى حراماً ، ولا حكم بغير حق ، إلا كان عليهما وزره !
وسمعته يقول : إن بني أبي العاص إذا بلغوا ثلاثين رجلاً جعلوا كتاب الله دخلاً وعباد الله خَوَلاً ومال الله دِوَلاً . وقال رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : يا أخي إنك لست كمثلي ، إن الله أمرني أن أصدع بالحق ، وأخبرني أنه يعصمني من الناس ، وأمرني أن أجاهد ولو بنفسي فقال : فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاتُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ . وقال : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ . فكنت أنا وأنت المجاهدين . وقد مكثت بمكة ما مكثت لم أؤمر بقتال ، ثم أمرني الله بالقتال ، لأنه لا يُعرف الدين إلا بي ، ولا الشرائع ولا السنن والأحكام والحدود والحلال والحرام .
وإن الناس يَدَعون بعدي ما آمرهم الله به ، وما أمرتهم فيك من ولايتك ، وما أظهرت من حجتك ، متعمدين غير جاهلين ، ولا اشتبه عليهم فيه ، ولا سيما لما أتوك قبل مخالفة ما أنزل الله فيك ، فإن وجدت أعواناً عليهم فجاهدهم ، وإن لم تجد أعواناً
--------------------------- 193 ---------------------------
فاكفف يدك واحقن دمك ، فإنك إن نابذتهم قتلوك . وإن تبعوك وأطاعوك فاحملهم على الحق وإلا فدع ، وإن استجابوا لك ونابذوك فنابذهم وجاهدهم ، وإن لم تجد أعواناً فكف يدك واحقن دمك . واعلم أنك إن دعوتهم لم يستجيبوا لك ، فلا تدعن أن تجعل الحجة عليهم . إنك يا أخي لست مثلي ، إني قد أقمت حجتك ، وأظهرت لهم ما أنزل الله فيك فإن سكت عنهم لم تأثم ، وإن حكمت ودعوت لم تأثم ، غير أني أحب أن تدعوهم . وإن لم يستجيبوا لك ولم يقبلوا منك وتظاهر عليك ظلمة قريش ، فإني أخاف عليك إن ناهضت القوم ونابذتهم وجاهدتم من غيرأن يكون معك فئة أعوان تقوي بهم أن يقتلوك ، فيطفأ نور الله ولا يعبد الله في الأرض ، والتقية من دين الله ولا دين لمن لا تقية له .
وإن الله قد قضى الفرقة والاختلاف بين هذه الأمة ، ولو شاء لجمعهم على الهدى ولم يختلف اثنان منهم ولا من خلقه ، ولم يُتنازع في شئ من أمره ، ولم يَجحد المفضول ذا الفضل فضله . ولو شاء عجل منهم النقمة ، وكان منه التغيير حتى يكذب الظالم ويعلم الحق أين مصيره .
والله جعل الدنيا دار الأعمال ، وجعل الآخرة دار الثواب والعقاب : ليَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى . فقلت : شكراً لله على نعمائه ، وصبراً على بلائه وتسليماً ورضى بقضائه .
ثم قال ( ( عليهما السلام ) ) : يا أخي ، أبشر فإن حياتك وموتك معي ، وأنت أخي وأنت وصيي ، وأنت وزيري وأنت وارثي ، وأنت تقاتل على سنتي ، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى ، ولك بهارون أسوة حسنة ، إذ استضعفه أهله وتظاهروا عليه وكادوا أن يقتلوه . فاصبر لظلم قريش إياك وتظاهرهم عليك ، فإنها ضغائن في صدور قوم ، أحقاد بدر وترات أحد .
وإن موسى أمر هارون حين استخلفه في قومه : إن ضلوا فوجد أعواناً أن يجاهدهم بهم ، وإن لم يجد أعواناً أن يكف يده ويحقن دمه ولا يفرق بينهم . فافعل أنت كذلك ، إن وجدت عليهم أعواناً فجاهدهم ، وإن لم تجد أعواناً فاكفف يدك
--------------------------- 194 ---------------------------
واحقن دمك ، فإنك إن نابذتهم قتلوك . واعلم أنك إن لم تكف يدك وتحقن دمك إذا لم تجد أعواناً ، أتخوف عليك أن يرجع الناس إلى عبادة الأصنام والجحود بأني رسول الله فاستظهرالحجة عليهم ، وادعهم ليهلك الناصبون لك والباغون عليك ، ويسلم العامة والخاصة . فإذا وجدت يوماً أعواناً على إقامة الكتاب والسنة فقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ، فإنما يهلك من الأمة من نصب نفسه لك ، أو لأحد من أوصيائك بالعداوة ، وعادى وجحد ودان بخلاف ما أنتم عليه .
ولعمري يا معاوية ، لو ترحمت عليك وعلى طلحة والزبير ، ما كان ترحمي عليكم واستغفاري لكم ليحق باطلاً ، بل يجعل الله ترحمي عليكم واستغفاري لكم لعنةً وعذاباً ! وما أنت وطلحة والزبير بأحقر جرماً ، ولا أصغر ذنباً وأهون بدعة وضلالة ، ممن استنالك ولصاحبك الذي تطلب بدمه ، ووطآ لكم ظلمنا أهل البيت ، وحملاكم على رقابنا ، فإن الله يقول : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ للَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً . أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا . أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذَا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا . أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ! فنحن الناس ونحن المحسودون . قال الله عز وجل : فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيماً . فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا . فالملك العظيم أن جعل الله فيهم أئمة من أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم عصى الله ، والكتاب والحكمة النبوة . فلمَ تقرون بذلك في آل إبراهيم ، وتنكرونه في آل محمد !
يا معاوية : فإن تكفر بها أنت وصاحبكومن قبلك من طغاة الشام واليمن والأعراب أعراب ربيعة ومضرجفاة الأمة : فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ . يا معاوية : إن القرآن حق ونور ، وهدى ورحمة ، وشفاء للمؤمنين ، والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر ، وهو عليهم عمى .
ىا معاوىة ، إن الله جل جلاله لم يدع صنفاً من أصناف الضلالة والدعاة إلى النار إلا وقد رد عليهم ، واحتج عليهم في القرآن ، ونهى فيه عن اتباعهم ، وأنزل فيهم قرآناً قاطعاً ناطقاً عليهم قد علمه من علمه وجهله من جهله .
--------------------------- 195 ---------------------------
وإني سمعت من رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يقول : ليس من القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن وما منه حرف إلا وإن له تأويل ، وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، الراسخون نحن آل محمد . وأمر الله سائر الأمة أن يقولوا : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ، وأن يسلموا لنا ويردوا علمه إلينا وقد قال الله : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ، هم الذين يسألون عنه ويطلبونه .
لعمري لو أن الناس حين قبض رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) سلموا لنا واتبعونا وقلدونا أمورهم ، لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، ولما طمعت فيها أنت يا معاوية ، فما فاتهم منا أكثر مما فاتنا منهم . ولقد أنزل الله فيَّ وفيك خاصة آية من القرآن تتلوها أنت ونظراؤك على ظاهرها ، ولا تعلمون تأويلها وباطنها ، وهي في سورة الحاقة : فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ . إلى قوله : وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ . إلى آخر الآية ، وذلك أنه يدعى بكل إمام ضلالة وإمام هدى ، ومع كل واحد منهما أصحابه الذين بايعوه ، فيدعى بي ويدعى بك !
يا معاوية ، وأنت صاحب السلسلة الذي يقول : يَا لَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ . وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ . . إلى آخر القصص . والله لقد سمعت ذلك من رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يقوله فيك ! وكذلك كل إمام ضلالة كان قبلك ويكون بعدك ، له مثل ذلك من خزي الله وعذابه . ونزل فيكم قول الله عز وجل : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً للَّنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ . وذلك حين رأى رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) اثني عشر إماماً من أئمة الضلالة على منبره يردون الناس على أدبارهم القهقرى ، رجلان من حيين مختلفين من قريش ، وعشرة من بني أمية ، أول العشرة صاحبك الذي تطلب بدمه ، وأنت وابنك وسبعة من ولد الحكم بن أبي العاص ، أولهم مروان ، وقد لعنه رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وطرده وما ولد ، حين استمع لنساء رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) !
يا معاوية ، إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ، ولم يرض لنا الدنيا ثواباً .
يا معاوية ، إن نبي الله زكريا ( عليه السلام ) نشر بالمنشار ، ويحيى ( عليه السلام ) ذبح وقتله قومه وهو
--------------------------- 196 ---------------------------
يدعوهم إلى الله عز وجل ، وذلك لهوان الدنيا على الله . إن أولياء الشيطان قديماً حاربوا أولياء الرحمن ، قال الله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِحَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَامُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ .
يا معاوية ، إن رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) قد أخبرني أن أمته سيخضبون لحيتي من دم رأسي ، وإني مستشهد ، وستلي الأمة من بعدي ، وأنك ستقتل ابني الحسن غدراً بالسم ، وأن ابنك يزيد لعنه الله سيقتل ابني الحسين ، يلي ذلك منه ابن الزانية . وأن الأمة سيليها من بعدك سبعة من ولد أبي العاص وولد مروان بن الحكم ، وخمسة من ولده تكملة اثني عشر إماماً ، قد رآهم رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يتواثبون على منبره تواثب القردة ، يردون أمته عن دين الله على أدبارهم القهقرى ، وأنهم أشد الناس عذاباً يوم القيامة ، وأن الله سيخرج الخلافة منهم برايات سود تقبل من الشرق ، يذلهم الله بهم ويقتلهم تحت كل حجر . وإن رجلاً من ولدك مشوم ملعون ، جلف جاف منكوس القلب ، فظ غليظ ، قد نزع الله من قلبه الرأفة والرحمة ، أخواله من كلب ، كأني أنظر إليه ولو شئت لسميته ووصفته وابن كم هو ، فيبعث جيشاً إلى المدينة فيدخلونها فيسرفون فيها في القتل والفواحش ، ويهرب منه رجل من ولدي زكي نقي ، الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً . وإني لأعرف اسمه وابن كم هو يومئذ وعلامته ، وهو من ولد ابني الحسين الذي يقتله ابنك يزيد ، وهو الثائر بدم أبيه ، فيهرب إلى مكة ويقتل صاحب ذلك الجيش رجلاً من ولدي زكياً برياً عند أحجار الزيت ، ثم يسير ذلك الجيش إلى مكة ، وإني لأعلم اسم أميرهم وعدتهم وأسماءهم وسمات خيولهم ، فإذا دخلوا البيداء واستوت بهم الأرض خسف الله بهم . قال الله عز وجل : وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ . قال من تحت أقدامكم ، فلا يبقى من ذلك الجيش أحد غير رجل واحد يقلب الله وجهه من قبل قفاه . ويبعث الله للمهدي أقواماً يجتمعون من أطراف الأرض قزع كقزع الخريف . والله إني لأعرف أسماءهم واسم أميرهم ومناخ ركابهم ، فيدخل المهدي الكعبة ويبكي ويتضرع ، قال الله عز وجل : أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ . هذا لنا خاصة أهل البيت ) .
--------------------------- 197 ---------------------------
أقول : إن نور هذا الحديث ظاهر عليه ، مهما قلنا في سنده ، ومضامينه عالية ، وحججه ناصعة ، ولا يمكن أن يصدر مثل هذا الكلام إلا من معدن النبوة .

  • *

وأرسل إلى معاوية ضمرة بن يزيد وعمرو بن زرارة النخعي

قال البلاذري ( 2 / 293 ) : ( إن علياً كتب إلى معاوية يدعوه إلى بيعته وحقن دماء المسلمين ، وبعث بكتابه مع ضمرة بن يزيد وعمرو بن زرارة النخعي فقال معاوية : إن دفع إلي قتلة ابن عمي وأقرني على عملي بايعته ، وإلا فاني لا أترك قتلة ابن عمي وأكون سَوَقَة ، هذا ما لا يكون ولا أقار عليه ) .
وفي جمهرة الأمثال ( 2 / 159 ) : ( كتب إلى معاوية مع ضمرة بن يزيد الضمري وعمرو بن زرارة النخعي ، يريده على البيعة فقال لهما معاوية : إن علياً آوى قتلة ابن عمي وشرك في دمه فإن دفع إلي قتلته وأقرني على عملي بايعته . وكتب بذلك إليه فقال علي : يشرط علي معاوية الشروط في البيعة ويسألني قتلة عثمان ، والله ما قتلته ولا مالأت على قتله . ويسألني أن أدفع إليه قتلة عثمان وما معاوية والطلب بدم عثمان ، وإنما هو رجل من بني أمية وبنو عثمان أحق بالطلب بدم أبيهم ، فإن زعم أنه أقوى على ذلك منهم فليبايعني وليتحاكم إلي ، فقال الوليد بن عقبة :
ألا أبلغ معاوية بن صخر * فإنك من أخي ثقة مليم
قطعت الدهر كالسدم المعنى * تهدر في دمشق ولا تريم
يمنيك الإمارة كل ركب * بأنقاض العراق لها رسيم
فإنك والكتاب إلى علي * كدابغة وقد حلم الأديم
لك الخيرات فاحملنا عليهم * فخير الطالب الترة الغشوم
وقومك بالمدينة قد أصيبوا * لهم صرعى كأنهم الهشيم
فلو كنت القتيل وكان حياً * لشمر لا ألف ولا سؤوم
فتمثل معاوية قول أوس بن حجر :
ومستعجب مما يرى من أناتنا * ولو زبنته الحرب لم يترمرم
--------------------------- 198 ---------------------------
أقول : ذكروا أن عمرو بن زرارة الأنصاري صحابي ، وأنه أول من أعلن خلع عثمان ودعا إلى بيعة علي ( عليه السلام ) . ( الإصابة : 4 / 520 ) .

وأرسل علي ( عليه السلام ) إلى معاوية خفاف بن عبد الله الطائي

في شرح النهج ( 3 / 110 ، ووقعة صفين / 68 ) : ( قام عدي بن حاتم الطائي إلى علي ( عليه السلام ) فقال : يا أمير المؤمنين إن عندي رجلاً لايوازى به رجل ، وهو يريد أن يزورابن عمة حابس بن سعد الطائي بالشام ، فلو أمرناه أن يلقى معاوية لعله أن يكسره ويكسرأهل الشام ، فقال علي ( عليه السلام ) : نعم ، فأمره عدي بذلك وكان اسم الرجل خفاف بن عبد الله ، فقدم على ابن عمه حابس بن سعد بالشام ، وحابس سيد طئ بها ، فحدث خفاف حابساً أنه شهد عثمان بالمدينة وسار مع علي إلى الكوفة ، وكان لخفاف لسان وهيئة وشعر ، فغدا حابس بخفاف إلى معاوية فقال : إن هذا ابن عم لي ، قدم الكوفة مع علي وشهد عثمان بالمدينة وهو ثقة .
فقال له معاوية : هات حدثنا عن عثمان ، فقال : نعم حصره المكشوح وحكم فيه حكيم ووليه عمار ، وتجرد في أمره ثلاثة نفر : عدي بن حاتم ، والأشتر النخعي ، وعمرو بن الحمق ، وجد في أمره رجلان طلحة والزبير ، وأبرأ الناس منه علي . قال : ثم مه ، قال : ثم تهافت الناس على عليٍّ بالبيعة تهافت الفراش ، حتى ضاعت النعل وسقط الرداء ، ووطئ الشيخ . ولم يذكر عثمان ولم يُذكر له ، ثم تهيأ للمسير وخف معه المهاجرون والأنصار .
وكره القتال معه ثلاثة نفر : سعد بن مالك ، وعبد الله بن عمر ، ومحمد بن مسلمة ، فلم يستكره أحداً ، واستغنى بمن خف معه عمن ثقل . ثم سار حتى أتى جبل طئ ، فأتته منا جماعة كان ضارباً بهم الناس ، حتى إذا كان ببعض الطريق أتاه مسير طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة ، فسرح رجالاً إلى الكوفة يدعونهم فأجابوا دعوته ، فسار إلى البصرة ، فإذا هي في كفه .
ثم قدم الكوفة فحمل إليه الصبي ودبت إليه العجوز ، وخرجت إليه العروس ، فرحاً به وشوقاً إليه ، وتركته وليس له همة إلا الشام . فذعر معاوية من قوله ، وقال
--------------------------- 199 ---------------------------
حابس : أيها الأمير لقد أسمعني شعراً غير به حالي في عثمان ، وعظم به علياً عندي . فقال معاوية : أسمعنيه ياخفاف فأنشده :
قلت والليل ساقط الأكناف * ولجنبي عن الفراش تجاف
أرقب النجم مائلاً ومتى * الغمض بعين طويلة التذراف
ليت شعري وإنني لسؤول * هل لي اليوم بالمدينة شاف
من صحاب النبي إذ عظم الخط * ب وفيهم من البرية كاف
أحلال دم الإمام بذنب * أم حرام بسنة الوقاف
قال لي القوم لا سبيل إلى ما * تطلب اليوم قلت حسب خفاف
عند قوم ليسوا بأوعية * العلم ولا أهل صحة وعفاف
قلت لما سمعت قولا دعوني * إن قلبي من القلوب الضعاف
قد مضى ما مضى ومر به * الدهر كما مر ذاهب الأسلاف
إنني والذي يحج له الناس * على لحق البطون العجاف
تتبارى مثل القسي من النبع * بشعث مثل الرصاف نحاف
أرهب اليوم إن أتاك عليٌّ * صيحة مثل صيحة الأحقاف
إنه الليث عادياً وشجاع * مطرق نافث بسم زعاف
فارس الخيل كل يوم نزال * ونزال الفتى من الإنصاف
واضع السيف فوق عاتقه الأيمن * يذرى به شؤون القحاف
لا يرى القتل في الخلاف عليه * ألف ألف كانوا من الإسراف
سوم الخيل ثم قال لقوم * تابعوه إلى الطعان خفاف
ةاستعدوا لحرب طاغية * الشام فلبوه كالبنين اللطاف
ثم قالوا أنت الجناح لك الريش * القدامى ونحن منه الخوافي
أنت وال وأنت والدنا * البر ونحن الغداة كالأضياف
وقرى الضيف في الديار قليل * قد تركنا العراق للإتحاف
وهم ما هم إذا نشب البأس * ذووا الفضل والأمور الكوافي
وانظر اليوم قبل نادية القوم * بسلم أردت أم بخلاف
--------------------------- 200 ---------------------------
إن هذا رأي الشفيق على الشام * ولولاه ما خشيت مشاف
فانكسر معاوية وقال : يا حابس ، إني لا أظن هذا إلا عيناً لعلي ، أخرجه عنك لا يفسد أهل الشام . ثم بعث إليه بعد فقال : يا خفاف أخبرني عن أمور الناس ، فأعاد عليه ، فعجب معاوية من عقله وحسن وصفه للأمور ) .

وأرسل معاوية إلى علي ( عليه السلام ) رجلاً من بني عبس

قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ( 1 / 77 ) : ( ثم إن معاوية انتخب رجلاً من عبس وكان له لسان ، فكتب معاوية إلى علي كتاباً عنوانه : من معاوية إلى علي ، وداخله : بسم الله الرحمن الرحيم . لا غير .
فلما قدم الرسول دفع الكتاب إلى علي ، فعرف علي ما فيه وأن معاوية محارب له ، وأنه لا يجيبه إلى شئ مما يريد ، وقام رسول معاوية خطيباً ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : هل ها هنا أحد من أبناء قيس عيلان ، وبني عبس وذبيان ؟ قالوا : نعم هم حولك ، قال : فاسمعوا ما أقول لكم ، يا معشر قيس ، إني أحلف بالله لقد خلفت بالشام خمسين ألف شيخ خاضبين لحاهم من دموع أعينهم تحت قميص عثمان ، رافعيه على الرماح مخضوباً بدمائه ، قد أعطوا الله عهداً أن لا يغمدوا سيوفهم ، ولايغمضوا جفونهم ، حتى يقتلوا قتلة عثمان ، يوصى به الميت الحي ، ويرثه الحي من الميت ، حتى والله نشأ عليه الصبي وهاجر عليه الأعرابي ، وترك القوم تعس الشيطان ، وقالوا : تعساً لقتلة عثمان ، وأحلف بالله ليأتينكم من خضرالخيل اثنا عشرألفاً ، فانظروا كم الشهب وغيرها ؟
فقال له علي : ما يريدون بذلك ؟ قال : يريدون بذلك والله خبط رقبتك . فقال علي : تربت يداك وكذب فوك ، أما والله لو أن رسولاً قتل لقتلتك .
فقام الصلت بن زفر فقال : بئس وافد أهل الشام أنت ورائد أهل العراق ، ونعم العون لعلي ، وبئس العون لمعاوية ، يا أخا عبس أتخوف المهاجرين والأنصار بخضر الخيل ، وغضب الرجال ! أما والله ما نخاف غضب رجالك ولاخضرخيلك ، فأما بكاء أهل الشام على قميص عثمان ، فوالله ما هو بقميص يوسف ولا بحزن يعقوب ،
--------------------------- 201 ---------------------------
ولئن بكوا عليه بالشام ، لقد خذلوه بالحجاز ، وأما قتالهم علياً ، فإن الله يصنع في ذلك ما أحب . قال : وإن العبسي أقام بالعراق عند علي ، حتى اتهمه معاوية ، ولقيه المهاجرون والأنصار فأشربوه حب علي ، وحدثوه عن فضائله ، حتى شك في أمره ) .

وأرسل علي ( عليه السلام ) الطرماح بن عدي الطائي إلى معاوية

1 . قال المفيد في الإختصاص / 138 : ( كتب معاوية بن أبي سفيان إلى علي صلوات الله عليه : بسم الله الرحمن الرحيم . أما بعد يا علي لأضربنك بشهاب قاطع لا يدكنه الريح ، ولايطفئه الماء . إذا اهتز وقع وإذا وقع نقب ، والسلام .
فلما قرأ علي ( عليه السلام ) كتابه دعا بدواة وقرطاس ، ثم كتب : بسم الله الرحمن الرحيم . أما بعد يا معاوية فقد كذبت ، أنا علي بن أبي طالب ، وأنا أبو الحسن والحسين ، قاتل جدك وعمك وخالك وأخيك ، وأنا الذي أفنيت قومك في يوم بدر ويوم فتح ويوم أحد ، وذلك السيف بيدي ، تحمله ساعدي بجرأة قلبي ، كما خلفه النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) بكف الوصي ، لم أستبدل بالله رباً وبمحمد ( ( عليهما السلام ) ) نبياً ، وبالسيف بدلاً . والسلام على من اتبع الهدى .
ثم طوى الكتاب ودعا الطرماح بن عدي الطائي وكان رجلاً مفوهاً طوالاً فقال له : خذ كتابي هذا فانطلق به إلى معاوية ، ورد جوابه ، فأخذ الطرماح الكتاب ودعا بعمامة فلبسها فوق قلنسوته ، ثم ركب جملاً بازلاً فتيقاً مشرفاً عالياً في الهواء ، فسار حتى نزل مدينة دمشق ، فسأل عن قواد معاوية ، فقيل له : من تريد منهم ؟ فقال : أريد جرولاً وجهضماً وصلادة وقلادة وسوادة وصاعقة وأباالمنايا وأباالحتوف وأباالأعور السلمي وعمرو بن العاص ، وشمر بن ذي الجوشن ، والهدى بن الأشعث الكندي ، فقيل إنهم يجتمعون عند باب الخضراء ، فنزل وعقل بعيره وتركهم حتى اجتمعوا ركب إليهم ، فلما بصروا به قاموا إليه يهزؤون به ، فقال واحد منهم : يا أعرابي أعندك خبر من السماء ؟ قال : نعم جبرئيل في السماء ، وملك الموت في الهواء ، وعلي في القضاء ! فقالوا له : يا أعرابي
--------------------------- 202 ---------------------------
من أين أقبلت ؟ قال : من عند التقي النقي إلى المنافق الردي ، قالوا له : يا أعرابي فما تنزل إلى الأرض حتى نشاورك ؟ قال : والله ما في مشاورتكم بركة ولا مثلي يشاور أمثالكم ، قالوا : يا أعرابي فإنا نكتب إلى يزيد بخبرك وكان يزيد يومئذ ولي عهدهم ، فكتبوا إليه : أما بعد يا يزيد فقد قدم علينا من عند علي بن أبي طالب أعرابي له لسان يقول فما يمل ، ويكثر فما يكل والسلام .
فلما قرأ يزيد الكتاب أمر أن يهول عليه ، وأن يقام له سماطان بالباب بأيديهم أعمدة الحديد فلما توسطهم الطرماح قال : من هؤلاء كأنهم زبانية مالك ، في ضيق المسالك ، عند تلك الهوالك ؟ قالوا : أسكت هؤلاء أعدوا ليزيد ، فلم يلبث أن خرج يزيد ، فلما نظر إليه قال : السلام عليك يا أعرابي ، قال : الله السلام المؤمن المهيمن على ولد أمير المؤمنين ، قال : إن أمير المؤمنين يقرؤ عليك السلام . قال : سلامه معي من الكوفة . قال : إنه يعرض عليك الحوائج ، قال : أما أول حاجتي إليه فنزع روحه من بين جنبيه ، وأن يقوم من مجلسه حتى يجلسه فيه من هو أحق به وأولى !
قال له : يا أعرابي فإنا ندخل عليه ، فما فيك حيلة . قال : السلام عليك أيها الملك ، قال : وما منعك أن تقول : يا أمير المؤمنين ؟ قال : نحن المؤمنون فمن أمرك علينا ؟ فقال : ناولني كتابك ، قال : إني لأكره أن أطأ بساطك ، قال فناوله وزيري ، قال : خان الوزير وظلم الأمير ، قال : فناوله غلامي ، قال : غلام سوء اشتراه مولاه من غير حل واستخدمه في غير طاعة الله ، قال : فما الحيلة يا أعرابي ؟ قال : ما يحتال مؤمن مثلي لمنافق مثلك قم صاغراً فخذه ، فقام معاوية صاغراً فتناوله ثم فصه وقرأ ، ثم قال : يا أعرابي كيف خلفت علياً ؟ قال : خلفته والله جلداً ، حرياً ، ضابطاً ، كريماً ، شجاعاً ، جواداً ، لم يلق جيشاً إلا هزمه ولا قرناً إلا أرداه ، ولا قصراً إلا هدمه . قال : فكيف خلفت الحسن والحسين ؟ قال : خلفتهما صحيحين ، فصيحين ، كريمين ، شجاعين ، جوادين ، شابين ، طريين مصلحان للدنيا والآخرة . قال : فكيف خلفت أصحاب علي ؟ قال : خلفتهم وعلي ( عليه السلام ) بينهم كالبدر وهم كالنجوم ، إن أمرهم ابتدروا وإن نهاهم ارتدعوا .
فقال له : يا أعرابي ما أظن بباب علي أحداً أعلم منك ، قال : ويلك استغفر ربك وصم
--------------------------- 203 ---------------------------
سنة كفارة لما قلت ، كيف لو رأيت الفصحاء الأدباء النطقاء ، ووقعت في بحر علومهم لغرقت يا شقي . قال : الويل لأمك ! قال : بل طوبى لها ولدت مؤمناً يغمز منافقاً مثلك ، قال له : يا أعرابي هل لك في جائزة ؟ قال : أرى استنقاص روحك ، فكيف لا أرى استنقاص مالك ، فأمر له بمائة ألف درهم ، قال : أزيدك يا أعرابي ؟ قال أسد يداً سد أبداً ، فأمر له بمائة ألف أخرى ، فقال ثلِّثها فإن الله فرد ، ثم ثلثها ، فقال : الآن ما تقول ؟ فقال : أحمد الله وأذمك ، قال : ولم ويلك ؟ قال : لأنه لم يكن لك ولأبيك ميراثاً ، إنما هو من بيت مال المسلمين أعطيتنيه .
ثم أقبل معاوية على كاتبه فقال : أكتب للأعرابي جواباً ، فلا طاقة لنا به . فكتب : أما بعد يا علي فلأوجهن إليك بأربعين حملاً من خردل ، مع كل خردلة ألف مقاتل يشربون الدجلة ، ويستقون الفرات !
فلما نظر الطرماح إلى ما كتب به الكاتب أقبل على معاوية فقال له : سوءة لك يا معاوية ، فلا أدري أيكما أقل حياء أنت أم كاتبك ؟ ويلك لو جمعت الجن والإنس وأهل الزبور والفرقان كانوا لا يقولون بما قلت ، قال : ما كتبه عن أمري ، قال : إن لم يكن كتبه عن أمرك فقد استضعفك في سلطانك وإن كان كتبه بأمرك فقد استحييت لك من الكذب ، أمن أيهما تعتذر ومن أيهما تعتبر ؟ أما إن لعلي ديكاً أشتر جيد العنصر ، يلتقط الخردل لجيشه وجيوشه ، فيجمعه في حوصلته . قال : ومن ذلك يا أعرابي ؟ قال : ذلك مالك بن الحارث الأشتر ، ثم أخذ الكتاب والجائزة وانطلق به إلى علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ، فأقبل معاوية على أصحابه فقال : نرى لو وجهتكم بأجمعكم في كل ما وجه به صاحبه ما كنتم تؤدون عني عشر عشير ما أدى هذا عن صاحبه ) !
2 . هذه الرواية غير مقبولة عندي ، فالصنعة فيها ظاهرة ، والتكلف ، ولم يكن يزيد ولي عهد أبيه يومها ، وكان صغيراً عن استقبال الرسل ، ولا كان معاوية يسمى أمير المؤمنين قبل التحكيم . لكن فائدة الرواية أنها تدل على جَوِّ الحِجَاج ، الذي كان سائداً بين أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ومعاوية ، وبين أهل العراق وأهل الشام ،
--------------------------- 204 ---------------------------
وعن افتخار أهل العراق بالأشتر ( رضي الله عنه ) .
3 . معنى الطِّرِمَّاح : الطويل : ( طَرْمَحَ الرجل بناءه : إذا رفعه ) ( العين : 3 / 335 ) .
والمقصود به الطرماح بن عدي بن حاتم الطائي ، من أصحاب أمير المؤمنين والحسين صلوات الله عليهما ، ووصفه علماؤنا بالجلالة والنبل ، ويبدو أنه ابن عدي بن حاتم آخر . ( الفصول المهمة : 2 / 814 ) .
4 . اشتهر في مصادرسيرة الحسين ( عليه السلام ) أن الطرماح دلهم على طريق كربلاء ،
قال البلاذري ( 3 / 172 ) : ( حتى انتهوا إلى عذيب الهجانات وكان بها هجائن النعمان ترعى هنالك ، فإذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرساً لنافع بن هلال يقال له الكامل ، ومعهم دليلهم الطرماح بن عدي على فرسه . وأقبل إليهم الحر بن يزيد فقال إن هؤلاء النفر الذين من أهل الكوفة ليسوا ممن أقبل معك وأنا حابسهم أو رادهم فقال له الحسين : لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي ، إنما هؤلاء أنصاري وأعواني وقد كنت أعطيتني أن لا تعرض لي بشئ حتى يأتيك كتاب من ابن زياد ، فقال : أجل لكن لم يأتوا معك قال : هم أصحابي وهم بمنزلة من جاء معي فإن أتممت على ما كان بيني وبينك وإلا ناجزتك ، فكف عنهم الحر .
ثم قال لهم الحسين : أخبروني خبر الناس وراءكم ؟ فقال له مجمع بن عبد الله العائذي ، وهو أحد النفر الأربعة الذين جاؤوه : أما الأشراف فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم ليستمال ودهم وتستنزل نصائحهم ، فهم عليك إلباً واحداً ! وما كتبوا إليك إلا ليجعلوك سوقاً ومكسباً !
وأما سائر الناس فأفئدتهم تهوي إليك وسيوفهم غداً مشهورة عليك ! وكان الطرماح بن عدي دليل هؤلاء النفر فأخذ بهم على الغريين ، ثم طعن بهم في الجوف وخرج بهم على البيضة إلى عذيب الهجانات ، وكان يقول وهو يسير :
يا ناقتي لا تذعري من زجري * وشمري قبل طلوع الفجر
بخير ركبان وخير سفري * حتى تجلى بكريم النجر
--------------------------- 205 ---------------------------
أتى به الله بخير أمري * ثمت أبقاه بقاء الدهر
فدنا الطرماح بن عدي من الحسين ( عليه السلام ) فقال له : والله إني لأنظر فما أرى معك كبير أحد ، ولو لم يقاتلك إلا هؤلاء الذين أراهم ملازمين لك مع الحر لكان ذلك بلاءا ، فكيف وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة بيوم ظهر الكوفة مملوءً رجالاً ، فسألت عنهم فقيل : عرضوا ليوجهوا إلى الحسين ! فنشدتك الله إن قدرت أن لا تتقدم إليهم شبراً إلا فعلت .
وعرض عليه أن ينزله أجأ أو سلمى ، أحد جبلي طيئ ، فجزَّاه الحسين خيراً ، ثم ودعه ومضى إلى أهله ، ثم أقبل يريده فبلغه مقتله فانصرف ) .
أقول : قول العائذي للإمام ( عليه السلام ) : ( وما كتبوا إليك إلا ليجعلوك سوقاً ومكسباً ) ! بليغ الدلالة يدل على أن هلاك معاوية فتح سوقاً للمنافقين في الكوفة ، فكتبوا للحسين ( عليه السلام ) ليساوموا السلطة ويقولوا لهم أعطونا ما يرضينا لنكف عن دعوة الحسين إلى الكوفة ، وإلا واصلنا دعوته . فرسائلهم له سوق ومكسب للدنيا !
وفيهم استثناء من الأتقياء المخلصين ، لكنهم قلة .
5 . الرواية المشهورة أن الطرماح كان دليلاً لخمسة من أنصار الحسين ( عليه السلام ) : عمرو بن خالد الصيداوي ، ومجمع بن عبد الله العائذي ، وابنه ، وجنادة بن الحارث السلماني ، وغلام لنافع بن هلال الجملي ، فأراد الحر منعهم فمنعه الحسين ( عليه السلام ) والتحقوا به ( أعيان الشيعة : 1 / 597 ) .
وأن الطرماح كان تسوق لقومه ، فاستجاز الحسين ( عليه السلام ) أن يوصل ما اشتراه إلى في منازل طيئ ويرجع لنصرته ، ولما رجع وجده قد استشهد .
لكن الميرزا النوري روى في خاتمة المستدرك : 8 / 90 ، عن نسخة مقتل أبي مخنف قول الطرماح : ( كنت في القتلى وقد وقع فيَّ جراحات ، ولو حلفت لكنت صادقاً : أني كنت غير نائم إذْ أقبل عشرون فارساً وعليهم ثياب بيض يفوح منها المسك والعنبر فقلت في نفسي : هذا عُبيدُ الله بن زياد قد أقبل يريد جثّة الحسين ( عليه السلام ) ليمثل بها . فجاؤوا حتى صاروا قريباً منه ، فتقدم رجل إلى جثة
--------------------------- 206 ---------------------------
الحسين ( عليه السلام ) وأجلسه قريباً منه ، فأومى بيده إلى الكوفة وإذا بالرأس قد أقبل . . الخبر . فإنْ أخْرجناه من عصابة الشهداء فلا ينبغي عدم عده من الممدوحين لهذه الأخبار وإن كانت ضعيفة ، ولذا قال في الوجيزة : ممدوح ) . وقد ردوا هذه الرواية لكنها تتوقف على التدقيق في نسخ مقتل أبي مخنف .
6 . يوجد طرماح آخر ، هو الشاعر الطرماح بن حكيم بن نفير ، وهو أيضاً طائي ،
وجدُّه قيس بن جحدر صحابي مشهور ( الإستيعاب : 3 / 1284 ) . وكان ناصبياً خارجياً ، وكان مع ذلك صديقاً للكميت ، رغم أنهما تهاجيا !
قال الزمخشري في ربيع الأبرار ( 1 / 369 ) : ( لم يرالناس أعجب حالاً من الكميت والطرماح ، كان الكميت عدنانياً عصبياً وشيعياً من الغالية ، ومتعصباً لأهل الكوفة . والطرماح قحطانياً عصبياً وخارجياً من الصفرية ومتعصباً لأهل الشام . وبينهما من الخالصة والمخالصة ما لم يكن بين نفسين قط ، لم يكن بينهما صرم ولا جفوة ! وقيل لهما علام تصادقتما ؟ قالا : على بغض العامة !
ونحوه تزوُّجُ السيد الحميري ببنت الفجاءة ( رئيس الخوارج ) واتفاقهما عمرهما ) !

رسائل الإمام ( عليه السلام ) إلى معاوية أيام حرب صفين وبعدها

مضافاً إلى الرسل والمبعوثين قبل صفين ، فقد واصل الإمام ( عليه السلام ) رسائله ورسله إلى معاوية ، وكذا معاوية ، في أيام حرب صفين ، وبعدها .

  • *
    --------------------------- 207 ---------------------------

الفصل الخامس والسبعون: عمرو العاص كبير وزراء معاوية ، وأهم قادة جيشه

عمرو العاص . . لا نبلٌ ولا شجاعة !

1 . كان عمرو العاص أكبر سناً من معاوية بنحو أربعين سنة ، فقد عاش تسعاً وتسعين سنة ( الإصابة : 6 / 120 ) ومات سنة 43 هجرية ، فيكون عمره عند هجرة النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) نحو الستين ، وكان معاوية يومها في العشرينات ( الإصابة : 4 / 540 ) . وكانت لهما حفلات لهو . قال الصحابي أبو برزة : « كنا مع رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) في سفر , فسمع رجلين في غرفة في ربوة يتغنيان ، وأحدهما يجيب الآخر ، وهو يقول :
تركت حوارياً تلوح عظامه * زوى الحربُ عنه أن يُجنَّ فيُقبرا
فقال النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : أنظروا من هما ؟ قال : فقالوا : عمرو ومعاوية . فقال ( ( عليهما السلام ) ) : الّلهم اركسهما ركساً ، ودُعَّهما إلى النار دعّاً » . رواه أبو يعلى : 13 / 429 ، والطبراني الكبير : 11 / 38 ، والأوسط : 7 / 133 ، وابن أبي شيبة : 7 / 508 ، وجزء الشعر للمقدسي / 95 . وصححوه . ومعنى البيت : أن مشركي قريش يفتخرون بأنهم تركوا بعيراً في أحُد ظاهرةً عظامه ، شغلت الحرب ذويه أن يدفنوه ! يقصدون به حمزة ( رضي الله عنه ) . والرَّكْسُ : قلبُ الشئ على رأْسه وردُّ أوله على آخره . والدَّعُّ : الدفع بدون احترام . وهذا الدعاء من النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) مستجاب لا محالة !
2 . أرسلت قريش عمرواً مرتين إلى النجاشي ، ليرد المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة فرجع خائباً ! وكان هو ومن سموه أباه مبغضين لرسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ففي سيرة ابن هشام : 2 / 265 ، وأسباب النزول للواحدي / 307 : « كان العاص بن وائل السهمي إذا ذُكر رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) قال : دعوه فإنما هو رجل أبتر لاعقب له ، لوهلك انقطع ذكره واسترحتم منه ، فأنزل الله تعالى في
--------------------------- 208 ---------------------------
ذلك : إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ . ما هو خيرلك من الدنيا وما هو فيها ، والكوثر : العظيم من الأمر . إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ : العاص بن وائل » .
وفي إمتاع الأسماع : 5 / 333 ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : لما مات القاسم بن رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) « قال عمرو حين رأى رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : إني لأشنؤه ، فقال العاص : لاجرم لقد أصبح أبتراً ، وأنزل الله تعالى : إِنَّ شَانِئَكَ هُوَالأَبْتَرُ » .
ومعنى الكوثر : كوثر الذرية من فاطمة ( عليها السلام ) ، وحوض الكوثر في المحشر ، ونهر الكوثر في الجنة . فقد استعملت الكلمة في عدة معان ، وهذا من بلاغة القرآن .
وفي الاحتجاج ( 1 / 411 ) قال له الإمام الحسن ( عليه السلام ) : « قمتَ خطيباً وقلتَ : أنا شانئ محمد . ولسنا نلومك على بغضنا ، ولا نعاتبك على حبنا ، وأنت عدو لبني هاشم في الجاهلية والإسلام ، وقد هجوت رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) بسبعين بيتاً فقال : اللهم إني لا أحسن الشعر ولا ينبغي لي أن أقوله ، فالعن عمرواً بكل بيت ألف لعنة » !
أقول : معنى أن العاص أبتر أنه ليس له ولد ، ومعنى قول النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : فالعن عمرواً بكل بيت ألف لعنة ! أنه ركبته سبعون ألف لعنة ، فأي خير يرجى منه ! فعندما يقول بعضهم : سيدنا عمرو بن العاص ( رضي الله عنه ) ، يعني أن سيده صاحب السبعين ألف لعنة ! ولا يمكن لأهل الأرض أن يرفعوا عنه لعنة واحدة !
أما إذا أخذنا برواية ابن أبي الحديد عن الإمام الحسن ( عليه السلام ) فيتضاعف الأمر ، قال له ( شرح النهج : 6 / 291 ) : ( إنك هجوت رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) بسبعين بيتاً من الشعر فقال رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : اللهم إني لا أقول الشعر ولا ينبغي لي ، اللهم العنه بكل حرف ألف لعنة ، فعليك إذاً من الله مالا يحصى من اللعن ) !
3 . اسم أم عمرو النابغة ، وهي أمَةٌ لبني عنزة ، كانت في مكة صاحبة راية ، وقال المؤرخون إنها اختارت العاص أباً لعمرو من بين خمسة رجال ادعوه !
قال الزمخشري في ربيع الأبرار ( 4 / 275 ) : « كانت النابغة أمةً رجل من عنزة ، فسبيت فاشتراها عبد الله بن جدعان فكانت بَغِيّاً ، ووقع عليها أبو لهب ، وأمية بن خلف ، وهشام بن المغيرة ، وأبو سفيان بن حرب ، والعاص بن وائل في طهر واحد ، فولدت
--------------------------- 209 ---------------------------
عمراً ، فادعاه كلهم فحُكِّمَتْ فيه أمه فقالت : هو للعاص لأن العاص كان ينفق عليها ، وقالوا : كان أشبه بأبي سفيان » .
ووصفوا عمرواً بأنه قصير ، يخضب لحيته بالسواد . ( الحاكم : 3 / 452 ) .
« ناتئ الجبهة ، واسع الفم ، عظيم اللحية » . ( فتوح مصرللقرشي / 133 ) .
وقال له الإمام الحسن ( عليه السلام ) ( الإحتجاج : 1 / 411 ) : « وكانت أمك تمشي إلى عبد قيس تطلب البغية ، تأتيهم في دورهم ورحالهم ، وبطون أوديتهم ) فهذا نبوغها !
4 . وكان عمرو يكذب على رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، قال : « بعثني رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) على جيش فيه أبو بكر وعمر فظننت أنه إنما بعثني لكرامتي عليه ، فلما قدمت قلت : يا رسول الله ، أي الناس أحب إليك ؟ فقال : عايشة . قلت : من الرجال ؟ قال : أبوها . وهذا عليٌّ يطعن على أبي بكر وعمر وعثمان ، وقد سمعت رسول الله يقول : إن الله ضرب بالحق على لسان عمر وقلبه ، وقال في عثمان : إن الملائكة لتستحي من عثمان . يا علي هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين ولاتحدثهما بذلك فيهلكا ! ( مصباح البلاغة : 4 / 27 ) .
قال علي ( عليه السلام ) : ( العجب من طغاة أهل الشام يقبلون قول عمرو ويصدقونه ، وقد بلغ من حديثه وكذبه وقلة ورعه أن يكذب على رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وقد لعنه سبعين لعنة تترى على عقبه إلى يوم القيامة ! ما لقيتُ من هذه الأمة من كُذابها ومنافقيها ! اللهم العن عمرواً ، والعن معاوية بصدهما عن سبيلك واستخفافهما بنبيك ( ( عليهما السلام ) ) وكذبهما عليه وعليَّ » . ( كتاب سليم / 279 ) .
وفي شرح النهج : 4 / 63 : « إن معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي ( عليه السلام ) تقتضي الطعن فيه والبراءة منه ، وجعل لهم على ذلك جُعْلاً يرغب في مثله ، فاختلقوا ما أرضاه . منهم أبو هريرة ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين عروة بن الزبير . وأما عمرو بن العاص ، فروى عنه الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم قال : سمعت رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يقول : إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح
--------------------------- 210 ---------------------------
المؤمنين ! وأما أبو هريرة فروى أن علياً خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فأسخطه ، فخطب على المنبر وقال : لاها الله ! لا تجتمع ابنة وليُّ الله وابنة عدو الله أبي جهل » .
ومعناه أن عمرو العاص كان محترفاً للكذب ، وكان يُسوق كذبه بالفجور !
5 . وقد افترى عمرو العاص هذا الحديث ، ليرد به حديث : من كنت مولاه فعلي مولاه ويزعم أن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) أعلن براءته من آل أبي طالب ! وقد تلقفه منه مبغضوا علي ( عليه السلام ) ودونوه في صحاحهم ! فروى البخاري ( 7 / 73 ) : ( سمعت النبي جهاراً غير سر يقول : إن آل أبي ( . . . قال عمر : وفي كتاب محمد بن جعفر بياض ) ليسوا بأوليائي ، إنما وليي الله وصالح المؤمنين ) .
وزعم ابن القيم أن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يقصد آل أبيه ( زاد المعاد : 5 / 158 ) لكن ابن حجر قال
( فتح الباري : 10 / 352 ) : إن أصل نص البخاري : آل أبي طالب ) !
ثم قال ( استشكل بعض الناس في صحة هذا الحديث لما نسب إلى بعض رواته من النصب وهو الانحراف عن علي وآل بيته . . . وأما عمرو بن العاص وإن كان بينه وبين علي ما كان ، فحاشاه أن يُتَّهم ) !
فعمرو العاص عندهم صادق مقدس ولم يلعنه النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) سبعين ألف لعنة ! وهذا من نبوغ علماء السلطة في مدح ابن النابغة !
ولهذا استبشر النواصب بحديثه واعتبروه ناسخاً لقول النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : من كنت مولاه فعلي مولاه ، وحديث : الثقلين ، وعشرات الأحاديث في حق عترته ( ( عليهما السلام ) ) .
قال ابن تيمية في منهاجه ( 7 / 76 ) : ( كما ثبت في الصحيح أنه قال : إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء وإنما وليي الله وصالح المؤمنين ! فبيَّنَ أن أولياءه صالح المؤمنين ، وكذلك في حديث آخر : إن أوليائي المتقون حيث كانوا وأين كانوا ) . وكرره في فتاويه : 10 / 543 ، وتفسيره : 2 / 48 ، ومجموع الفتاوى : 11 / 164 ، و : 27 / 435 , و : 28 / 227 ، و 543 ، وجامع الرسائل / 510 والفتاوى الكبرى : 4 / 353 ! وتلميذه : ابن قيم في جلاء الأفهام / 226 ، وابن رجب / 347 . والمهم عندهم أن يثبتوا أن علياً ( عليه السلام ) ليس ولي النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، بل الصحابة !
--------------------------- 211 ---------------------------
6 . وبنوا على حديث عمرو العاص ، وكذبوا على النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) أنه حذر من فتنة من تحت قدم رجل من أهل بيته ، وأنه ليس من أوليائه ! يقصدون علياً ( عليه السلام ) !
روى أحمد في مسنده ( 2 / 133 ) عن عبد الله بن عمر : ( كنا عند رسول الله قعوداً فذكر الفتن فأكثر ذكرها . . ثم فتنة السراء دخلها أو دُخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي ، يزعم أنه مني وليس مني ، إنما وليي المتقون ) .
وأبو داود : 2 / 299 ، والحاكم : 4 / 466 وصححه ، وحلية الأولياء : 5 / 158 ، ومسند الشاميين : 3 / 401 ، وابن أبي حاتم : 2 / 417 والدر المنثور : 6 / 56 . ومعالم السنن : 4 / 336 ، عن أبي داود ، وابن حماد : 1 / 57 ، و 2 / 526 .
وغرضهم أن حرب علي ( عليه السلام ) للخارجين عليه فتنة ، وأن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) تبرأ من علي بسببها ! والواجب عليه أن يسكت حتى يأخذوا البلاد وينتصروا عليه !
أما أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية ، فالخروج عليهم هو الفتنة ! ومرتكبه باغ يشق عصا المسلمين ، ويجب عليهم أن يقاتلوه ! أما قول النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) إن علياً يقاتل بعده على تأويل القرآن ، فقد كان يهجر ! أعاذنا الله من ضلالهم .
7 . كان عمرو في الثمانيات وكان معاوية يشعر بالحاجة إلى مكائده فطلب حضوره من فلسطين ، رغم أنه كان شريكاً في التحريض على عثمان ! وفاوضه معاوية وعقد معه اتفاقية على إعطائه مصرطعمةً له ! وجعله وزيره ومستشاره الخاص ، وكانت كثير من جرائم معاوية بآراء عمرو ! وأعظم مكائده في التاريخ الإسلامي ، رفع المصاحف في صفين لما شارف علي ( عليه السلام ) على النصر ومعاوية على الهزيمة !
قال البلاذري : 2 / 285 : أرسل معاوية إلى عمرو بن العاص وكان مقيماً في فلسطين : فلما أتاه الكتاب دعا ابنيه عبد الله ومحمداً فاستشارهما ، فقال له عبد الله : أيها الشيخ إن رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) قبض وهو عنك راض ، ومات أبو بكر وعمر وهما عنك راضيان ، فإياك أن تفسد دينك بدنيا يسيرة تصيبها من معاوية ، فتكبَّ كبّاً في النار . ثم قال لمحمد : ما ترى ؟ فقال : بادر هذا الأمر ، تكن فيه رأساً قبل أن تكون ذنَباً .
فلما أصبح عمرو دعا مولاه وردان فقال : إرحل بنا يا وردان فرحل . ثم قال :
--------------------------- 212 ---------------------------
حطَّ ، فحط . ففعل ذلك مراراً فقال له وردان : أنا أخبرك بما في نفسك ! اعترضت الدنيا والآخرة في قلبك فلست تدري أيتهما تختار ! قال : لله درك ما أخطأت ، فما الرأي ؟ قال : تقيم في منزلك فإن ظهر أهل الدين عشت في دينهم ، وإن ظهر أهل الدنيا لم يُستغن عنك !
فقال عمرو : إرحل يا وردان على عزم . ( وقال اليعقوبي : إن ابنه عبد الله لما سمع شعر أبيه ليلاً ، قال : بَالَ الشيخ على عقبيه وباع دينه بدنياه ) !
ثم قدم على معاوية فذاكره أمره ، فقال : أما عليٌّ فلا تسوي العرب بينك وبينه في شئ من الأشياء ، وإن له في الحرب لَحَظَّاً ما هو لأحد من قريش . قال : صدقت ، وإنما نقاتله على ما في أيدينا ونلزمه دم عثمان . فقال عمرو : وإن أحق الناس أن لا يذكر عثمان لأنا وأنت ، أما أنا فتركته عياناً وهربت إلى فلسطين ، وأما أنت فخذلته ومعك أهل الشام حتى استغاث بيزيد بن أسد البجلي فسار إليه ! فقال معاوية : دع ذا وهات فبايعني . قال : لا لعمر الله لا أعطيك ديني حتى آخذ من دنياك ! فقال معاوية : سل . قال : مصر تطعمني إياها . فغضب مروان بن الحكم وقال : ما لي لا أستشار ؟ فقال معاوية : أسكت فما يستشار إلا لك ( أي لمصلحة بني أمية ) فقام عمرو مغضباً فقال له معاوية : يا أبا عبد الله أقسمت عليك أن تبيت الليلة عندنا ) .
قال نصر في صفين / 33 ، والدينوري في الأخبار الطوال / 156 : ( قال عمرو : والله يا معاوية ما أنت وعلي بعكمي بعير ، مالك هجرته ولاسابقته ، ولا صحبته ولا جهاده ، ولا فقهه وعلمه . . والله إن له مع ذلك حداً وجداً ، وحظاً وحظوة ، وبلاء من الله حسناً ، فما تجعل لي إن شايعتك على حربه ، وأنت تعلم ما فيه من الغرر والخطر ؟ قال : حكمك . قال : مصر طُعمة . قال : فتلكأ عليه معاوية . قال نصر : وفي حديث غير عمر قال : قال له معاوية : يا أبا عبد الله ، إني أكره أن يتحدث العرب عنك أنك إنما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا . قال : دعني عنك . قال معاوية : إني لو شئت أن أمنيك وأخدعك لفعلت . قال عمرو : لا لعمر الله ما مثلي يخدع ، لأنَا أكيس من ذلك . قال له معاوية : أُدْنُ مني برأسك أسارُّك . قال فدنا منه عمرو يسارُّه ، فعض معاوية أذنه !
--------------------------- 213 ---------------------------
وقال : هذه خدعة ، هل ترى في بيتك أحداً غيري وغيرك ؟ فأنشأ عمرو يقول :
معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل * بذلك دنياً فانظرن كيف تصنع
فإن تعطني مصراً فأربح بصفقة * أخذت بها شيخاً يضر وينفع
وما الدين والدنيا سواءٌ وإنني * لآخذ ما تعطي ورأسي مقنع
ولكني أغضى الجفون وإنني * لأخدع نفسي والمخادع يخدع
وأعطيك أمراً فيه للملك قوة * وإني به إن زلت النعل أضرع
وتمنعني مصراً وليست برغبة * وإني بذا الممنوع قدماً لمولع
قال : أبا عبد الله ، ألم تعلم أن مصراً مثل العراق ؟ قال : بلى ، ولكنها إنما تكون لي إذا كانت لك ، وإنما تكون لك إذا غلبت علياً على العراق وقد كان أهلها بعثوا بطاعتهم إلى علي . قال : فدخل عتبة بن أبي سفيان فقال : أما ترضى أن نشتري عمراً بمصر إن هي صفت لك . فليتك لا تغلب على الشام . فقال معاوية : يا عتبة ، بت عندنا الليلة . قال : فلما جن على عتبة الليل رفع صوته ليسمع معاوية ، وقال :
أيها المانع سيفاً لم يهز * إنما ملتَ على خز وقز
إنما أنت خروفٌ ماثل * بين ضرعين وصوفٌ لم يُجز
أعط عمراً إن عمراً تارك * دينه اليوم لدنيا لم تُحز
يا لك الخير فخذ من دره * شخبه الأولى وأبعد ما غرز
واسحب الذيل وبادر فوقها * وانتهزها إن عمراً ينتهز
أعطه مصراً وزده مثلها * إنما مصر لمن عَز وبَز
واترك الحرص عليها ضلة * واشبب النار لمقرور يُكز
إن مصراً لعلي أو لنا * يُغلب اليوم عليها من عجز
فلما سمع معاوية قول عتبة أرسل إلى عمرو وأعطاها إياه . قال : فقال له عمرو : ولي الله عليك بذلك شاهد ؟ قال له معاوية : نعم لك الله عليَّ بذلك لئن فتح الله علينا الكوفة . قال عمرو : والله على ما نقول وكيل .
قال : فخرج عمرو ومن عنده فقال له ابناه : ما صنعت ؟ قال : أعطانا مصر
--------------------------- 214 ---------------------------
طعمة . قالا : وما مصر في ملك العرب ؟ قال : لا أشبع الله بطونكما إن لم تشبعكما مصر . قال : فأعطاها إياه وكتب له كتاباً ، وكتب معاوية : على أن لا ينقض شرط طاعة ، وكتب عمرو : على ألا تنقض طاعة شرطاً . وكايد كل واحد منهما صاحبه ) . ( أي بيعته مشروطة بمصر . ويقول معاوية غير مشروطة ) .
وكان مع عمرو ابن عم له فتى شاب ، وكان داهياً حليماً ، فلما جاء عمرو بالكتاب مسروراً عجب الفتى وقال : ألا تخبرني يا عمرو بأي رأي تعيش في قريش ؟ أعطيت دينك ومنيت دنيا غيرك . أترى أهل مصر وهم قتلة عثمان يدفعونها إلى معاوية وعلي حي ؟ وتراها إن صارت إلى معاوية لا يأخذها بالحرف الذي قدمه في الكتاب ؟ فقال عمرو : يا ابن الأخ ، إن الأمر لله دون علي ومعاوية . فقال الفتى في ذلك شعراً :
ألا يا هند أخت بني زياد * دُهي عمرو بداهية البلاد
رمى عمرو بأعور عبشمي * بعيد القعر مخشيَّ الكياد
له خدع يحار العقل فيها * مزخرفة صوائد للفؤاد
فشرَّط في الكتاب عليه حرفاً * يناديه بخدعته المنادي
وأثبت مثله عمرو عليه * كلا المرأين حية بطن واد
ألا يا عمرو ما أحرزت مصراً * وما ملت الغداة إلى الرشاد
وبعت الدين بالدنيا خساراً * فأنت بذاك من شر العباد
فلو كنت الغداة أخذت مصراً * ولكن دونها خرط القتاد
وفدت إلى معاوية بن حرب * فكنت بها كوافد قوم عاد
وأعطيت الذي أعطيت منه * بطرسٍ فيه نَضْحٌ من مداد
ألم تعرف أباحسن علياً * وما نالت يداه من الأعادي
عدلت به معاوية بن حرب * فيا بُعد البياض من السواد
ويا بُعد الأصابع من سهيل * ويا بعد الصلاح من الفساد
أتأمن أن تراه على خِدَبٍّ * يحثُّ الخيل بالأسَل الحداد
ينادي بالنزال وأنت منه * بعيد فانظرن من ذا تعادي
فقال عمرو : يا ابن أخي ، لو كنت مع علي وسعني بيتي ، ولكني الآن مع معاوية .
--------------------------- 215 ---------------------------
فقال له الفتى : إنك إن لم ترد معاوية لم يردك ، ولكنك تريد دنياه وهو يريد دينك . وبلغ معاوية قول الفتى فطلبه فهرب فلحق بعلي فحدثه بأمر عمرو ومعاوية . قال : فسرَّذلك علي وقربه . قال : وغضب مروان وقال : ما بالي لا أشترى كما اشتري عمرو ؟ قال : فقال له معاوية : إنما تبتاع الرجال لك . قال : فلما بلغ علياً ما صنعه معاوية وعمرو ، قال :
يا عجباً لقد سمعت منكرا * كذباً على الله يُشيب الشَّعَرا
يسترقُ السمع ويغشي البصرا * ما كان يرضى أحمد لو خبرا
أن يقرنوا وصيه والأبترا * شاني الرسول واللعين الأخزرا
كلاهما في جنده قد عسكرا * قد باع هذا دينه فأفجرا
من ذا بدنيا بيعه قد خسرا * بملك مصر أن أصاب الظفرا
إني إذا الموت دنا وحضرا * شمرت ثوبي ودعوت قنبرا
قدم لوائي لا تؤخر حذرا * لن يدفع الحذار ما قد قدرا
لما رأيت الموت موتاً أحمرا * عبأت همدان وعبوا حميرا
حي يمان يعظمون الخطرا * قرن إذا ناطح قرناً كسرا
قل لابن حرب لا تدب الخمرا * أرود قليلاً أبدِ منك الضجرا
لا تحسبني يا ابن حرب غمرا * وسل بنا بدراً معاً وخيبرا
كانت قريش يوم بدر جزرا * إذ وردوا الأمر فذموا الصدرا
لو أن عندي يا ابن حرب جعفرا * أو حمزة القرم الهمام الأزهرا

  • رأت قريش نجم ليل ظهرا ) .
    8 . ثم نقض معاوية اتفاقه مع عمرو ! قال ابن سعد في الطبقات ( 4 / 258 ) :
    « لما صار الأمر في يدي معاوية استكثرطُعْمَةَ مصرلعمرو ما عاش ، ورأى عمروأن الأمر كله قد صلح به وبتدبيره وعنائه وسعيه فيه ، وظن أن معاوية سيزيده الشام مع مصر فلم يفعل معاوية ، فتنكر عمرو لمعاوية فاختلفا وتغالطا ، وتميز الناس وظنوا أنه لا يجتمع أمرهما ، فدخل بينهما معاوية بن حديج فأصلح أمرهما ، وكتب بينهما كتاباً وشرط فيه شروطاً لمعاوية وعمرو خاصة وللناس
    --------------------------- 216 ---------------------------
    عليه ، وأن لعمرو ولاية مصر سبع سنين ، وعلى أن على عمرو السمع والطاعة لمعاوية ، وتواثقا وتعاهدا على ذلك وأشهدا عليهما به شهوداً . ثم مضى عمرو بن العاص على مصر والياً عليها وذلك في آخر سنة تسع وثلاثين ، فوالله ما مكث بها إلا سنتين أو ثلاثاً حتى مات !
    وتاريخ دمشق : 46 / 174 ، وتاريخ اليعقوبي : 2 / 185 ، ومروج الذهب : 2 / 354 ، وتاريخ أبي الفدا / 184 . والراوي يشير إلى أن معاوية دس السم لعمرو !
    9 . في أول اتفاقه مع معاوية سكن عمرو الشام وباشرعمله ، فنصح معاوية بإيقاف الفتوحات فأوقفها ، وبعث إلى قيصربهدايا واتفق معه على جزية سنوية يدفعها معاوية وهي مئة ألف دينار ذهباً !
    وقال ابن أعثم إنه اتفق مع هرقل على أن يساعده إذا انهزم في صفين !
    قال المسعودي في مروج الذهب ( 2 / 377 ) : « وامتنع المسلمون عن الغزو في البحر والبرلشغلهم بالحروب ، وقد كان معاوية صالح ملك الروم على مال يحمله اليه لشغله بعلي ( عليه السلام ) . وصححه أحمد : 4 / 111 ، وابن كثير : 2 / 333 .
    وقال ابن أعثم ( 2 / 539 ) : « فنادى عليٌّ ( عليه السلام ) في الناس فجمعهم ثم خطبهم خطبة بليغة وقال : أيها الناس ، إن معاوية بن أبي سفيان قد وادع ملك الروم ، وسار إلى صفين في أهل الشام عازماً على حربكم ، فإن غلبتموهم استعانوا عليكم بالروم » .
    10 . وفي المقابل لم يوقف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الفتوحات رغم أن أعداءه شغلوه بثلاثة حروب داخلية ، ففتح ولاته ( عليه السلام ) مناطق كثيرة من خراسان والهند وإفريقيا . وأرسل ابن أخته جعدة بن هبيرة لإكمال فتح خراسان . وأرسل من لم يرغب المشاركة في صفين إلى مناطق من فارس والقفقاز . وأرسل جيشاً من البحرين لفتح مناطق في الهند . كما أرسل تهديداً لهرقل .
    وقال اليعقوبي في تاريخه ( 2 / 183 ) : « ولما فرغ من حرب أصحاب الجمل ، وجه جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي إلى خراسان » .
    وفي شرح النهج ( 18 / 308 ) : « وهو ابن أخت علي بن أبي طالب ، أمه أم هاني بنت
    --------------------------- 217 ---------------------------
    أبي طالب ، وابنه عبد الله بن جعدة بن هبيرة ، هو الذي فتح القندهار وكثيراً من خراسان ، فقال فيه الشاعر :
    ولا خراسانُ حتى ينفخ الصور * لولا ابن جعدةَ لم تُفتح قهندركم
    وفي معجم البلدان : 4 / 419 ، وصحاح الجوهري : 1 / 433 : قهندز بالزاي ، ومعناها الحصن ، ويظهر أن جعدة ( رضي الله عنه ) فتح بقية خراسان وأفغانستان .
    قال الطبري ( 4 / 46 ) : « فانتهى إلى أبرشهروقد كفروا وامتنعوا فقدم على علي فبعث خليد بن قرة اليربوعي فحاصرأهل نيسابورحتى صالحوه وصالحه أهل مرو ، وأصاب جاريتين من أبناء الملوك نزلتا بأمان ، فبعث بهما إلى علي فعرض عليهما الإسلام وأن يزوجهما ، قالتا : زوجنا ابنيك فأبى ، فقال له بعض الدهاقين : إدفعهما إليَّ فإنه كرامة تكرمني بها ، فدفعهما إليه فكانتا عنده يفرش لهما الديباج ويطعمهما في آنية الذهب ، ثم رجعتا إلى خراسان » .
    وقال ابن خياط / 143 ، في حوادث سنة 36 : « وفيها ندب الحارث بن مرة العبدي الناس ( أهل البحرين ) إلى غزو الهند ، فجاوز مكران إلى بلاد قندابيل ووغل في جبال الفيقان . . . » .
    وفي فتوح البلدان للبلاذري ( 3 / 531 ) : « فلما كان آخر سنة ثمان وثلاثين وأول سنة تسع وثلاثين في خلافة علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) ، توجه إلى ذلك الثغرالحارث بن مرة العبدي متطوعاً بإذن علي ( عليه السلام ) ، فظفر وأصاب مغنماً وسبياً ، وقسم في يوم واحد ألف رأس » .
    11 . كان عمرو حريصاً على احتلال مصر لتكون له طعمة ، فغزاها بجيش معاوية وقتل واليها محمد بن أبي بكر ، فلعنته عائشة ، وكان عمرو لايحترمها ، فقد قال لها بعد هزيمتها في حرب الجمل : « لوددت أنك قُتِلْتِ يوم الجمل . قالت : ولمَ لا أباً لك ! قال : كنت تموتين بأجلك وتدخلين الجنة ونجعلك أكبرالتشنيع على علي بن أبي طالب » ! ( شرح النهج : 6 / 322 ) .
    وعندما جاءها خبر قتل أخيها محمد وإحراق جثته ، بكت عليه ولعنت معاوية
    --------------------------- 218 ---------------------------
    وعمرو بن العاص ! ثم استرضاها معاوية بالمال فسكتت . ثم ساءت علاقتها به لما أراد أخذ البيعة ليزيد لأنها أرادتها لأخيها عبد الرحمن !
    قال الثقفي في الغارات : 1 / 285 : « لما أتاها نعي محمد بن أبي بكر وما صُنع به كظمت حزنها ، وقامت إلى مسجدها حتى تشخَّبَتْ دماً » .
    وفي رواية تشخَّب ثدياها دماً ، وقد يفسر ذلك إن صح بارتفاع ضغط الجسم من الحزن ! لكن الذي رفع ضغط عائشة أن ضُرَّتها أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان فرحت بقتل محمد أخ عائشة ، واحتفلت به بطريقة أمها هند آكلة الأكباد ! « لما قتل ووصل خبره إلى المدينة مع مولاه سالم ومعه قميصه ، ودخل به داره اجتمع رجال ونساء ! فأمرت أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي بكبش فَشُوِيَ ، وبعثت به إلى عائشة وقالت : هكذا قد شُوِيَ أخوك ! فحلفت عائشة لا تأكل شواءً أبداً ، فما أكلت شواءً بعد مقتل محمد سنة 38 حتى لحقت بالله سنة 57 ، وما عثرت قط إلا قالت : تَعِسَ معاوية بن أبي سفيان وعمرو ومعاوية بن حديج » . وقالت عن حبيبة : بنت العاهرة !
    وفي الكامل لابن الأثير ( 3 / 357 ) : « وقنتت في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو ، وأخذت عيال محمد إليها » . ( والغارات : 1 / 287 ، و : 2 / 757 وأنساب الأشراف : 2 / 403 ، وحياة الحيوان للدميري : 1 / 404 ) .
    12 . كان العاص من الزنادقة وسماه الله الأبتر فلا يكون عمرو ابنه . قال المؤرخ ابن حبيب في المنمق / 388 ، إن زنادقة قريش . . تعلموا الزندقة ( الإلحاد ) من نصارى الحيرة : « وهم : الوليد بن المغيرة المخزومي ، والعاص بن وائل السهمي ، وصخر بن حرب ، وعقبة بن أبي معيط » .
    وكان العاص أحد المستهزئين الخمسة وهم الأشد عداوةً للنبي ( ( عليهما السلام ) ) ، فكانوا يعملون لقتله ( ( عليهما السلام ) ) ويطالبون أبا طالب أن يدفعه إليهم ليقتلوه ، ثم حددوا له وقتاً ليتراجع عن نبوته وإلا قتلوه جهاراً ! فأنزل الله قوله : فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ . وقتلهم الله خمستهم في يوم واحد ، كل واحد بقتلة ، وكان كل منهم يقول : قتلني رب محمد !
    --------------------------- 219 ---------------------------
    13 . نص المؤرخون على أن أبا بكر أرسل إلى بلاد الشام أربعة ، وأمَّر كل واحد منهم على جيشه ، وأمَّر عليهم إن اجتمعوا أبا عبيدة بن الجراح . فكان الجيش الأول بقيادة يزيد بن أبي سفيان ، إلى البلقاء في الأردن ، وكان أول من خرج . والثاني بقيادة شرحبيل بن حسنة إلى الأردن ، وقصد في طريقه بُصرى في شرق سوريا . والثالث بقيادة أبي عبيدة إلى الجابية قرب دمشق . والرابع بقيادة عمرو بن العاص إلى فلسطين ، وكان آخر الجيوش .
    أما خالد بن سعيد بن العاص ، فعينه أبوبكرالقائد العام لجيوش الشام ، ثم أصرَّ عمرعلى أبي بكر فعزله وهو في الطريق ، فسلم الجيش ليزيد بن أبي سفيان ، وذهب مع شرحبيل وكان شرحبيل يعامله كقائده .
    قال في الطبقات : 4 / 98 : « لما عزل أبوبكرخالد بن سعيد أوصى به شرحبيل بن حسنة ، وكان أحد الأمراء فقال : أنظر خالد بن سعيد فاعرف له من الحق عليك مثلما كنت تحب أن يعرفه لك من الحق عليه لو خرج والياً عليك ، وقد عرفت مكانه من الإسلام ، وأن رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) توفي وهو له وال ، وقد كنتُ وليتُه ثم رأيت عزله ، وعسى أن يكون ذلك خيراً له في دينه ، ما أغبط أحداً بالأمارة ! وقد خيرته في أمراء الأجناد فاختارك على غيرك على ابن عمه ، فإذا نزل بك أمرتحتاج فيه إلى رأي التقي الناصح فليكن أول من تبدأ به أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل ، وليكن خالد بن سعيد ثالثاً ، فإنك واجد عندهم نصحاً وخيراً . وإياك واستبداد الرأي عنهم ، أو تطوي عنهم بعض الخبر .
    وتدل نصوص المعارك في فلسطين والشام على دورخالد بن سعيد المميز ، وأنه لم يكن لعمرو العاص وخالد بن الوليد أي دور في القتال ، فلم يسجل لهما ضربة بسيف ولا طعنةَ برمح ، لكنهم مع ذلك جعلوا المعركة مرة لهذا ، ومرة لذاك !
    قال ابن عبد البر في الإستيعاب ( 1 / 64 ) : « وكان بأجنادين أمراء أربعة : أبو عبيدة ابن الجراح ، وعمرو بن العاص ، ويزيد بن أبي سفيان ، وشرحبيل بن حسنة كلٌّ على جنده . وقيل إن عمرو بن العاص كان عليهم يومئذ .
    --------------------------- 220 ---------------------------
    لاحظ « قيلَ » وهو قول ابنه ( تاريخ دمشق : 2 / 102 ) لكن لو صح فهو قائد شكلي كما قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
    14 . واشتهر عمرو بأنه جبانٌ يحتمي بسوءته ! ففي الغارات ( 2 / 513 ) : « بلغ علياً ( عليه السلام )
    أنه ينتقصه فقال : أما وشرالقول الكذب ، إنه ليقول فيكذب ، وينقض العهد ويقطع الإلّ . فإذا كان عند البأس فزاجر وآمر ، ما لم تأخذ السيوف مآخذها من الهام ، فإذا كان ذلك فأكبر مكيدته أن يُمَرْقط ، ويمنح استه ، قبحه الله وتَرَّحه » .
    وفي شرح النهج ( 6 / 317 ) : « قال معاوية يوماً لعمرو بن العاص : يا أبا عبد الله لا أراك إلاويغلبني الضحك ! قال : بماذا ؟ قال : أذكر يوم حمل عليك أبو تراب في صفين ، فأزريت نفسك فرقاً من شبا سنانه وكشفت سوأتك له ! فقال عمرو : أنا منك أشد ضحكاً ، إني لأذكر يوم دعاك إلى البراز فانتفخ سحرك ، وربا لسانك في فمك ، وغصصت بريقك ، وبدا منك ما أكره ذكره لك ! فقال : خض بنا الهزل إلى الجد : إن الجبن والفرار من عليٍّ لا عارَ على أحد فيهما » ! وسيأتي أن الإمام ( عليه السلام ) طرد عمرواً من جلسة التفاوض على التحكيم في صفين ، ليطهر مجلسه منه !
    15 . وضخموا دور عمرو في الفتوحات واخترعوا له بطولات ! وكان مختبئاً في معارك الردة ، في معركة بزاخة مع طليحة ، واليمامة مع مسيلمة ، ومعارك البحرين وعمان مع المرتدين ، وكذا في فتح العراق وفارس .
    ونسبوا دور شرحبيل وخالد بن سعيد وغيرهم إلى عمرو العاص وابن الوليد ! قال الحموي في معجم البلدان : 2 / 127 : « فتحت طبرية على يد شرحبيل بن حسنة في سنة 13 صلحاً على أنصاف منازلهم وكنائسهم ، وقيل إنه حاصرها أياماً ، ثم صالح أهلها على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم ، إلا ما جلوا عنه وخلوه ، واستثنى لمسجد المسلمين موضعاً . ثم نقضوا في خلافة عمر ، واجتمع إليهم قوم من شواذ الروم ، فسير أبو عبيدة إليهم عمرو بن العاص في أربعة آلاف وفتحها على مثل صلح شرحبيل . وفتحَ ( شرحبيل ) جميع مدن الأردن على مثل هذا الصلح ، بغير قتال . . . جرش . . وهو من فتوح شرحبيل بن حسنة في أيام عمر » . واليعقوبي : 2 / 141 .
    --------------------------- 221 ---------------------------
    16 . اخترع عمرو لنفسه بطولات في المكر والحيلة ، وقصصاً كاذبة عن دهائه ، كقصة ذهابه متنكراً إلى الأرطبون ، الذي جعله قائد جيش الروم في معركة أجنادين . ففي الطبري : 2 / 101 : « وكان الأرطبون أدهى الروم وأبعدها غوراً وأنكاها فعلاً ، وقد كان وضع بالرملة جنداً عظيماً ، وبإيلياء جنداً عظيماً ، وكتب عمرو إلى عمر بالخبر ، فلما جاءه كتاب عمرو قال : قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب ، فانظروا عم تتفرج ! فذهب عمرو إلى الأرطبون كأنه رسول من عمرو ، فاكتشفه أرطبون من فصاحته أنه هو عمرو قائد جيوش المسلمين فأراد أن يقتله ، لكن عمرواً تخلص منه وقال له نحن عشرة قادة فصحاء أرسلنا عمر بن الخطاب مشاورين لولي الله عمرو العاص فأرسل معي شخصاً لآتيك بهم ، فأرسل معه شخصاً فتخلص منه ونجا ! « وعلم الرومي بأنه قد خدعه فقال : خدعني الرجل ، هذا أدهى الخلق ، فبلغت عمر فقال : غلبه عمرو ، لله عمرو » !
    ثم صار الأرطبون صديقاً له وكان يعلم المغيبات ! فأخبره أن فاتح بيت المقدس عمر : « قال : صاحبها رجل اسمه عمرثلاثة أحرف فرجع الرسول إلى عمرو فعرف أنه عمر ، وكتب إلى عمر يستمده ويقول : إني أعالج حرباً كؤداً صدوماً وبلاداً ادُّخِرَتْ لك ، فرأيك . ولما كتب عمرو إلى عمرو بذلك فنادى في الناس ، ثم خرج فيهم حتى نزل بالجابية » . ( الطبري : 3 / 103 ) .
    ثم ذكرت الأسطورة أن الأرطبون هذا ذهب إلى مصر ، فكان في بلبيس يحرك المقوقس أن يقاتل المسلمين ولايصالحهم ، ويعدهم بنصرة الروم لهم لكن عمرواً قاتلهم وانتصر عليهم ، وهرب الأرطبون ! ( الطبري : 3 / 198 ) .
    قال الدكتور حسن إبراهيم حسن في : تاريخ عمرو / 76 : « ذكر بطلر / 215 ، أن لفظ أرطبون الذي يطلقه العرب على هذا القائد خطأ والصحيح أريطيون » . فترى هذا الدكتور يقبل أساطير عمرو ، ولم يكن في الروم قائد عام اسمه أرطبون ، بل كان القائد أخ هرقل لأبيه وأمه ، وابنه ولي عهده ، وآخرون ليس فيهم أرطبون . أما الواقدي فلم يعجبه الأرطبون فجعله المقوقس ملك مصر ! وروى قصته ( 2 / 56 ) شبيهاً بأرطبون
    --------------------------- 222 ---------------------------
    الطبري وذكر أن عمرواً ذهب اليه متنكراً ! قال : « فلما سمعوا كلام عمرو وفصاحته وجوابه الحاضرقالوا بالقبطية للملك : إن هذا العربي فصيح اللسان جرئ الجنان ، ولا شك أنه المقدم على قومه وصاحب الجيش ، فلو قبضت عليه لانهزم أصحابه عنا ) .
    ثم ذكر أن عمرواً وعدهم أن يأتي بعشرة ، وتخلص منهم ! ( فأقبل يحدثهم بما وقع له معهم ، وبما قالوه وبما قاله وردان ، فحمدوا الله على سلامته » .
    17 . واخترع عمرو عن نفسه أسطورة العروس أرمانوسة بنت الملك المقوقس !
    قال الواقدي ( 2 / 43 ) إنه غزا موكب الملكة أرمانوسة بنت الملك المقوقس ، وكانوا يزفونها إلى زوجها ابن هرقل ، ويحرسها عشرة آلاف مقاتل ، فغنمها عمرو ، ومن معها وما معها ، ثم تفضل وأرجعها إلى أبيها ، فأسلمت !
    يريد عمرو بهذه الأسطورة أن يثبت أنه مؤمنٌ ونبيل وشجاع ، فقد أخذ بنت المقوقس ثم أطلقها ، ليشكر المقوقس ويردَّ اليه احترامه للنبي ( ( عليهما السلام ) ) وهديته له !
    18 . ونسبوا إلى عمرو العاص قصة اليمامة التي باضت على خيمته لإثبات رأفته قال الحموي في معجم البلدان ( 4 / 263 ) : « وذكر يزيد بن أبي حبيب أن عدد الجيش الذين شهدوا فتح الحصن خمسة عشرألفاً وخمس مائة ، فلما حاز عمرو ومن معه ما كان في الحصن ، أجمع على المسير إلى الإسكندرية فسار إليها في ربيع الأول سنة 20 ، وأمر بفسطاطه أن يقوض فإذا بيمامة قد باضت في أعلاه فقال : لقد تحرمت بجوارنا ، أقروا الفسطاط حتى تنقف ( تخرج من البيضة ) وتطير فراخها ، فأقر فسطاطه ووكل به من يحفظه أن لاتهاج ومضى إلى الإسكندرية وأقام عليها ستة أشهر حتى فتحها الله عليه » .
    والصحيح أنه لم المصريين دعوا المسلمين ليحكموا مصر ! بعد انسحاب الروم من مصر وسحبهم جيشهم منها ومن فلسطين وسوريا إلى القسطنطينة ، فقرر الأقباط أن يصالحوا المسلمين ، وتحملوا لذلك غضب هرقل .
    وقد استقبل المقوقس ملك مصرعمرواً ودخل في ثلاثة آلاف ، ووقَّع معه عهد الصلح على أن يدفع عن كل مصري دينارين في السنة ، وتم ذلك بدون ضربة سيف ولاسوط ، وحكم المسلمون مصر بدل الروم ، وأتوا إليها للسكنى . وقد وثقنا ذلك في
    --------------------------- 223 ---------------------------
    كتاب : مصر وأهل البيت .
    19 . أحرق ابن أبي وقاص كتب الفرس ، وأحرق عمرو مكتبة الإسكندرية وكل ذلك بأمر عمر ، وقد رواه المؤرخون وافتخر به علماء الوهابية !
    قال ابن خلدون في تاريخه : 1 / 480 : « ولما فتحت أرض فارس ووجدوا فيها كتباً كثيرة ، كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ليستأذنه في شأنها وتنقيلها للمسلمين ، فكتب إليه عمرأن اطرحوها في الماء ، فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه ، وإن يكن ضلالاً فقد كفانا الله ! فطرحوها في الماء أو في النار ، وذهبت علوم الفرس فيها عن أن تصل إلينا » .
    وقد ألف الشيخ ناصر بن حمد الفهد ، وهو من علماء الوهابية ، كتاباً للدفاع عن فعل عمر سماه : إقامة البرهان على وجوب كسر الأوثان . وألف الشيخ سفر الحوالي الوهابي كتاباً باسم : ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي وزعم في ( 2 / 41 ) أن قوله تعالى : مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضًِ . يدل على وجوب إحراق هذه الكتب ! لكن الآية لا علاقة له بالموضوع !
    قال الحوالي : « فهذه الآية نسفت كل النظريات والفلسفات المخالفة للوحي ، الكوني منها والإنساني وعلى هذا المنهج سار عمر بن الخطاب نفسه . وعلى هذا ثبتت الطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة في كل العصور ، فقد تعرضت كتب الفلسفة والمنطق للحرق والمصادرة في عصور متعاقبة » .
    فالخلافة القرشية تمسكت بفتوى عمر وقامت بحرقها ومعاقبة الذين يدرسونها . أما مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فأمربالمحافظة علىها ورد الأفكارالمخالفة فيها .
    20 . من جبروت عمرو العاص أنه نذر أن يهدم سورالإسكندرية فهدمه !
    وهو نذر غير شرعي ، في كل مذاهب المسلمين !
    قال في فتوح مصر ( 1 / 190 ) : « كان على الإسكندرية سور فحلف عمرو بن العاص لئن أظهره الله عليهم ليهدمن سورها ، حتى تكون مثل بيت الزانية تؤتى من كل مكان » . والكلاعي : 4 / 49 ، والمواعظ : 1 / 210 .
    --------------------------- 224 ---------------------------
    21 . وخان عمرو العاص في خراج مصر ، فخوَّنه عمر ، وصادر نصف أمواله !
    ففي فتوح مصر / 173 : « لما فتح عمرو بن العاص مصر ، صولح على جميع من فيها من الرجال من القبط ، ممن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك ، ليس فيهم امرأة ولاصبي ولاشيخ على دينارين دينارين فأحصوا ذلك فبلغت عدتهم ثمانية آلاف ألف » . وفي معجم البلدان ( 4 / 263 ) : « وأن لهم أرضهم وأموالهم لا يعترضون في شئ منها ، وكان عدد القبط يومئذ أكثر من ستة آلاف ألف نفس ، والمسلمون خمسة عشر ألفاً » .
    وفي شرح النهج ( 1 / 174 ) : بلغ عمرأنه قد صار له مال عظيم من ناطق وصامت ، فكتب إليه : « أما بعد ، فقد ظهر لي من مالك ما لم يكن في رزقك ولا كان لك مال قبل أن أستعملك ، فأنى لك هذا ! ولقد كان عندي من المهاجرين الأولين من هو خير منك ، ولكني قلدتك رجاء غنائك .
    فكتب إليه عمرو : قدمنا بلاداً رخيصة الأسعار كثيرة الغزو ، فجعلنا ما أصابنا في الفضول التي اتصل بأمير المؤمنين نبؤها ، إن لنا أحساباً إذا رجعنا إليها أغنتنا عن خيانتك . فكتب إليه عمر : أما بعد ، فإني لست من تسطيرك الكتاب وتشقيقك الكلام في شئ ، ولكنكم معشر الأمراء قعدتم على عيون الأموال ولن تعدموا عذراً ، وإنما تأكلون النار وتتعجلون العار !
    وقد وجهت إليك محمد بن مسلمة ، فسلم إليه شطر مالك .
    فلما قدم محمد صنع له عمرو طعاماً ودعاه فلم يأكل ، وقال له نح عني طعامك وأحضر لي مالك فأحضره فأخذ شطره . فلما رأى عمرو كثرة ما أخذ منه قال : لعن الله زماناً صرت فيه عاملاً لعمر ، والله لقد رأيت عمر وأباه على كل واحد منهما عباءة قطوانية لا تجاوز مأبض ركبتيه ، وعلى عنقه حزمة حطب ، والعاص بن وائل في مزررات الديباج . فقال محمد : صدقت فاكتم عليَّ . قال : أفعل » .
    وفي أنساب الأشراف ( 1 / 258 ) : « قال عمرو : إن زماناً عاملنا فيه ابن حنتمة هذه المعاملة لزمان سوء . قال : أنشدك الله أن لاتخبر عمر بقولي . فقال : لا أذكر شيئاً مما جرى بيننا وعمر حي » .
    --------------------------- 225 ---------------------------
    22 . نقض عمرو صلحه مع أهل مصر وزعم أن بعضهم استنصر بالروم ! فهاجم عمرو قرى الإسكندرية ومدينتها ، ونهبها وسباها وهدم سورها !
    والصحيح أنه هو نقض عهد الصلح ، ليرفع مبلغ الصلح المتفق عليه ! وكان لا يخبرأهل الإسكندرية بقدر ما يريد منهم حتى يأتي الموسم فيعلن مقرراته لهذه السنة ، فلما سأله رئيس الأقباط في إخنا عن مقدار الجزية في تلك السنة لم يخبره وقال كلمة سيئة : إنما أنتم خزانة لنا ، نأخذ منها حسب حاجتنا ورغبتنا !
    فغضب رئيس إخنا ، فزعموا أنه استنصر بالروم ، فقتلهم عمرو جميعاً !
    قال في شرح النهج ( 6 / 320 ) : « فنقم عليه عثمان ، ولم يصح عنده نقضهم العهد فأمر برد الذي سبوا من القرى إلى مواضعهم ، وعزل عمراً عن مصر » .
    قال ابن العماد في شذرات الذهب : 1 / 36 : « فأمر برد السبي وعزله ، فاعتزل عمرو في ناحية فلسطين ، وكان ذلك بدء المخالفة » .
    والمرجح عندي أن عمرواً عندما أحس أن عثمان سيعزله عن مصر ، وضع هذه المكيدة فادعى أن هرقل أرسل جيشاً إلى قرى الإسكندرية ، فهاجمها ونهبها ) .
    ولما عزله عثمان وولى أخاه ابن سرح غضب عمرو !
    قال الطبري ( 3 / 392 ) : « قدم عمرو بن العاص المدينة جعل يطعن على عثمان ، فأرسل إليه يوماً عثمان خالياً به فقال : يا ابن النابغة ! ما أسرع ما قَمِلَ جِرْبَانُ جُبَّتِك ، إنما عهدك بالعمل عام أول ، أتطعن عليَّ وتأتيني بوجه وتذهب عني بآخر ، والله لولا أكلةٍ ( تريدها ) ما فعلت ذلك ! قال فقال عمرو : إن كثيراً مما يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل ، فاتق الله يا أمير المؤمنين في رعيتك . قد رأيت العاص بن وائل ورأيت أباك عفان ، فوالله للعاص كان أشرف من أبيك ! قال : فانكسرعثمان وقال : مالنا ولذكر الجاهلية . قال : وخرج عمرو ودخل مروان فقال يا أمير المؤمنين وقد بلغت مبلغاً يذكر عمرو بن العاص أباك ؟ فقال عثمان : دع هذا عنك . من ذكر آباء الرجال ذكروا أباه . قال : فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه ، يأتي علياً مرة فيؤلبه على عثمان ، ويأتي الزبير مرة فيؤلبه
    --------------------------- 226 ---------------------------
    على عثمان ، ويأتي طلحة مرة فيؤلبه على عثمان ، ويعترض الحاج فيخبرهم بما أحدث عثمان ! فلما كان حصرعثمان الحصر الأول خرج من المدينة حتى انتهى إلى أرض له بفلسطين يقال لها السبع ، فنزل في قصرله يقال له العجلان وهو يقول : العجب ما يأتينا عن ابن عفان ! قال فبينا هو جالس في قصره ذلك ومعه ابناه محمد وعبد الله وسلامة بن روح الجذامي ، إذ مر بهم راكب فناداه عمرو : من أين قدم الرجل ؟ فقال : من المدينة . قال : ما فعل الرجل يعني عثمان ؟ قال : تركته محصوراً شديد الحصار . قال عمرو : أنا أبو عبد الله ، قد يضرط العير والمكواة في النار ! فلم يبرح مجلسه ذلك حتى مر به راكب آخر فناداه عمرو : ما فعل الرجل يعني عثمان ؟ قال : قتل . قال : أنا أبو عبد الله إذا حككت قرحة نكأتها ، إن كنت لأحرِّض عليه حتى الراعي في غنمه في رأس الجبل ! فقال له سلامة بن روح : يا معشر قريش إنه كان بينكم وبين العرب باب وثيق فكسرتموه فما حملكم على ذلك ؟ فقال : أردنا أن نخرج الحق من خاصرة الباطل ، وأن يكون الناس في الحق شرعاً سواء .
    وكانت عند عمرو أخت عثمان لأمه ، أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، ففارقها حين عزله » . وقد غفر له معاوية كل ذلك لأنه وافقه في بغض علي ( عليه السلام ) !
    23 . جمع عمرو العاص ثروة طائلة ، وكان جشعاً لجمع المال حتى جاءه الموت ! ففي معجم البلدان ( 5 / 386 ) : « الوَهَط . . عَرَشَ عمرو بن العاص بالوهط ألف ألف عود كرم ، على ألف ألف خشبة ، ابتاع كل خشبة بدرهم ، فحج سليمان بن عبد الملك فمر بالوهط فقال : أحب أن أنظر إليه ، فلما رآه قال : هذا أكرم مال وأحسنه ، ما رأيت لأحد مثله لولا أن هذه الحرة ( بورة ) في وسطه فقيل له : ليست بحرة ولكنها مسطاح الزبيب ، وكان زبيبه جمع في وسطه ، فلما رآه من البعد ظنه حرة سوداء » .
    وفي التراتيب الإدارية ( 2 / 402 ) : « من أغنياء الصحابة عمرو بن العاص خرج ابن عساكر أن عمراً كان يلقح كروم الوهط بستان له بالطائف بألف الف خشبة كل خشبة بدرهم . فالكرم الذي يحتاج إلى خشب بألف ألف ، كم تكون غلته . وكانت له دور كثيرة بمصر ، ودور بدمشق » .
    --------------------------- 227 ---------------------------
    وفي مستدرك الحاكم ( 3 / 452 ) : « لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة قال : كيلوا مالي ، فكالوه فوجدوه اثنين وخمسين مُداً ، فقال من يأخذه بما فيه ! يا ليته كان بعراً ! قال : وكان المد ستة عشر أوقية ، الأوقية منه مكوكان » .
    24 . وكان موقف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من عمرو العاص شديداً ، متناسباً مع شدة نفاقه ، فلم يسمه إلا ابن النابغة ، يُعيره بأمه وسلوكها السيئ ، ويبدو أنه ثبت عنده أنه ليس ابن العاص ، لأن العاص أبتر بنص القرآن !
    وقال الإمام ( عليه السلام ) في إحدى خطبه : « قد بدت الرغوة عن الصريح ، وقد بان الصبح لذي عينين ، إنما تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء ، وأولي الجفاء ،
    ومن أسلم كرهاً ، وكان لرسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) أنفَ الإسلام كله حرباً . أعداءُ الله والسنة والقرآن ، وأهلُ البدع والإحداث ، ومن كانت بوائقه تتقى ، وكان على الإسلام وأهله مخوفاً ، وأكَلَة الرشا ، وعبدة الدنيا ! لقد أنهيَ إليَّ أن ابن النابغة لم يبايع حتى أعطاه ثمناً وشرط أن يؤتيه أَتِيَّةً ، هي أعظم ما في يده من سلطانه . ألاصفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا ، وخزيت أمانة هذا المشترى نصرة فاسق غادر ، بأموال المسلمين » . ( الغارات : 1 / 316 ) .
    وقال ( عليه السلام ) كما في شرح النهج ( 20 / 326 ) : « كنت في أيام رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) كجزء من رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ينظر إلي كما ينظر إلى الكواكب في أفق السماء ، ثم غض الدهرمني فقُرِنَ بي فلانٌ وفلان ، ثم قُرِنْتُ بخمسة أمثلهم عثمان ، فقلت : واذفراه ! ثم لم يرض الدهر لي بذلك حتى أرذلني ، فجعلني نظيراً لابن هند وابن النابغة ! لقد استنت الفصال حتى القرعى » !
    ومعنى واذِفْرَاهْ : فاحت رائحةٌ كريهة . واستنَّت الفصال حتى القرعى : أي تسابقت الإبل حتى المريضة بالقرع . وهو مثل : « يضرب لمن يتشبه بمن هو فوقه » . ( فتح الباري : 6 / 4 ) « يضرب للذي يتكلم مع الذي لا ينبغي له أن يتكلم بين يديه لجلالة قدره ، والقرعى : جمع قريع كمريض ومرضى ، وهو الذي به قرع بالتحريك ، وهو بثر أبيض يطلع في الفصال » . ( حياة الحيوان : 2 / 304 ) .
    --------------------------- 228 ---------------------------
    وقال ( عليه السلام ) في كتابه إلى معاوية : « وسأجيبك فيما قد كتبت بجواب ، لا أظنك تعقله أنت ولاوزيرك ابن النا بغة عمرو ، الموافق لك كما وافق شنٌّ طَبَقَة ، فإنه هو الذي أمرك بهذا الكتاب وزينه لك ، وحضركما فيه إبليس ومردة أصحابه . والله لقد أخبرني رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وعرفني أنه رأى على منبره اثني عشر رجلاً أئمة ضلال من قريش . . وتقدم ذلك في رسالته ( عليه السلام ) إلى معاوية » . ( كتاب سُلَيْم / 302 ) .
    ولما غزا عمرو مصروقاتل محمد بن أبي بكر ، خطب علي ( عليه السلام ) مستنهضاً المسلمين لمساعدة المصريين فقال : « أما بعد فهذا صريخ محمد بن أبي بكروإخوانكم من أهل مصر ، وقد سار إليهم ابن النابغة عدو الله وعدوكم ، فلا يكونن أهل الضلال إلى باطلهم والركون إلى سبيل الطاغوت ، أشد اجتماعاً على باطلهم وضلالتهم منكم على حقكم ، فكأنكم بهم قد بدؤوكم وإخوانكم بالغزو ، فاعجلوا إليهم بالمواساة والنصر . عباد الله إن مصر أعظم من الشام خيراً ، وخير أهلاً ، فلا تُغلبوا على مصر ، فإن بقاء مصر في أيديكم
    عزٌّ لكم ، وكبتٌ لعدوكم » . ( الغارات : 1 / 290 ) .
    وروى الإسكافي في المعيار والموازنة / 103 ، جواب علي ( عليه السلام ) إلى عمرو : « من علي بن أبي طالب إلى عمرو بن العاصي . أما بعد ، فإن الذي أعجبك مما تلويت من الدنيا ، ووثقت به منها منفلت منك ، فلاتطمئن إلى الدنيا فإنها غرارة ، ولو اعتبرت بما مضى حذرت ما بقي ، وانتفعت منها بما وعظت به ، ولكن أتبعت هواك وآثرته ، ولولا ذلك لم تؤثر على ما دعوناك إليه » .
    25 . وأشد مواقف الإمام ( عليه السلام ) من عمرو في صفين ، يوم كتبوا عهد التحكيم .
    رواه الطوسي في أماليه / 187 : « لما وقع الاتفاق على كتْب القضية بين أمير المؤمنين وبين معاوية بن أبي سفيان ، حضرعمرو بن العاص في رجال من أهل الشام ، وعبد الله بن عباس في رجال من أهل العراق ، فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) للكاتب : أكتب هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان . فقال عمرو بن العاص : أكتب اسمه واسم أبيه ، ولا تسمه بإمرة المؤمنين ، فإنما هو أمير هؤلاء وليس بأميرنا . فقال الأحنف بن قيس : لاتمح هذا الاسم فإني أتخوف إن محوته لا يرجع
    --------------------------- 229 ---------------------------
    إليك أبداً . فامتنع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من محوه فتراجع الخطاب فيه ملياً من النهار ، فقال الأشعث بن قيس : أمح هذا الاسم ترَّحه الله ! فقال أمير المؤمنين : الله أكبر سُنَّةٌ بسنة ومَثَلٌ بمثل ، والله إني لكاتب رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) يوم الحديبية وقد أملى عليَّ : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو . فقال له سهيل :
    أمح رسول الله فإنا لا نقر لك بذلك ولا نشهد لك به ، أكتب اسمك واسم أبيك ، فامتنعت من محوه فقال النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : أمحه يا علي وستدعى إلى مثلها فتجيب وأنت على مضض ! ( وفي رواية : وأنت مضطهد )
    فقال عمرو بن العاص : سبحان الله ومثل هذا يشبه بذلك ، ونحن مؤمنون وأولئك كانوا كفاراً ! فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : يا ابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين ولياً وللمسلمين عدواً ، وهل تُشبه إلا أمك التي دفعت بك ؟ فقال عمرو : لا جرم لا يجمع بيني وبينك مجلس أبداً . فقال ( عليه السلام ) : والله إني لأرجو أن يطهر الله مجلسي منك ، ومن أشباهك ! ثم كتب الكتاب وانصرف الناس » .
    وفي الإيضاح / 235 ، أن معاوية كان يلعن في قنوته علياً ( عليه السلام ) وأصحابه على المنابر . وأن علياً كان يلعن معاوية في قنوته ، وعمرو بن العاص ، وأباالأعور السلمي ، وأبا موسى الأشعري ) .
    26 . وللإمام الحسن ( عليه السلام ) مواقف في مناظراته لعمرو ، بعد صلحه مع معاوية
    منها قوله له ( الإحتجاج : 1 / 411 ) : « وأما أنت يا عمرو بن العاص الشاني اللعين الأبتر ، فإنما أول أمرك أن أمك بَغِيَّة ، وأنك ولدت على فراش مشترك ، فتحاكمت فيك رجال قريش منهم أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة ، وعثمان بن الحرث ، والنضر بن الحرث بن كلدة ، والعاص بن وايل ، كلهم يزعم أنك ابنه ، فغلبهم عليك من بين قريش ألأمهم حسباً ، وأعظمهم بغية . ثم قمت خطيباً وقلت : أنا شانئ محمد ، وقال العاص بن وايل : إن محمداً رجل أبتر لا ولد له ، فلو قد مات انقطع ذكره . فأنزل الله تبارك وتعالى : إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ . وكانت أمك تمشي إلى عبد قيس تطلب البغية ، تأتيهم في دورهم ورجالهم وبطون أوديتهم ، ثم كنت
    --------------------------- 230 ---------------------------
    في كل مشهد يشهده رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) من عدوه أشدهم له عداوة ، وأشدهم له تكذيباً .
    ثم كنت في أصحاب السفينة الذين أتوا النجاشي في المهجرالخارج إلى الحبشة والإشاطة بدم جعفر بن أبي طالب وسايرالمهاجرين إلى النجاشي ، فحاق المكر السئ بك ، وجعل جدك الأسفل ، وأبطل أمنيتك وخيب سعيك ، وأكذب أحدوثتك : وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا .
    وأما قولك في عثمان ، فأنت يا قليل الحياء والدين ، ألهبت عليه ناراً ، ثم هربت إلى فلسطين تتربص به الدوائر ، فلما أتاك خبرقتله حبست نفسك على معاوية ، فبعته دينك يا خبيث بدنيا غيرك ، ولسنا نلومك على بغضنا ، ولانعاتبك على حبنا ، وأنت عدو لبني هاشم في الجاهلية والإسلام ، وقد هجوت رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) بسبعين بيتاً من شعر ، فقال رسول الله : اللهم إني لا أحسن الشعر ، ولا ينبغي لي أن أقوله فالعن عمرواً بكل بيت ألف لعنة !
    ثم أنت يا عمرو المؤثر دنياك على دينك . أهديتَ إلى النجاشي الهدايا ، ورحلت إليه رحلتك الثانية ، ولم تنهك الأولى عن الثانية ، كل ذلك ترجع مغلوباً حسيراً تريد بذلك هلاك جعفر وأصحابه ، فلما أخطأك ما رجوت وأملت ، أحلت على صاحبك عمارة بن الوليد » . فطمع بزوجته ودبر قتله !
    27 . ونقل الرواة عن عمرو حالات اعترافٍ بأنه ومعاوية على الباطل ، منها :
    « قال عمرو بن العاص : أعجب الأشياء أن المبطل يغلب المحق ! يُعَرِّض بعلي ومعاوية ! فقال معاوية : بل أعجب الأشياء أن يعطى الإنسان ما لا يستحق ! يعرض بعمرو الذي أخذ مصرطُعمة » ( الدكتور حسن إبراهيم / 270 ) .
    ورووا له أشعاراً يذكر فيها فضله على معاوية ، وأنه جعله خليفة ، وجعل باطله حقاً ، وحق علي ( عليه السلام ) باطلاً !
    ويأتي قوله لمعاوية لما عزله عن مصر ( العقد النضيد / 122 ) : ( فكرت في أصغر بذلي عندك فوجدته يعلو الأيادي التي ذكرتها ! فقال معاوية : وكيف ذلك ؟ قال : لأنّي طمست لك الشمس بالطين نهاراً ، والقمر بالعهن المنفوش ليلاً ، وأبطلت حقاً وحققتُ باطلاً ،
    --------------------------- 231 ---------------------------
    حتى سحرتُ أعين الناظرين وآذان السامعين ، في إخفاء أودك وإطفاء نورغيرك ، فهل رأيت حقاً كان أحق من عليٍّ ! وهل رأيت باطلاً أبطل منك ! فكيف تمن عليَّ بإحسانك إلي ! وأنا فرشت لك الخلافة ) !
    28 . أشهر زوجات عمرو العاص بنت أبي معيط الخمَّار ، أخت عثمان من أمه . ( الطبقات : 8 / 230 ) وكان له ولدان محمد وعبد الله ، وكان عبد الله يكتب حديث النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فنهوه لأنها أحاديث تفضح قريشاً !
    قال : « كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا : أتكتب كل شئ تسمعه ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا ! فأمسكت عن الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال : أكتب ، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق » .
    ( سنن أبي داود : 2 / 176 ) . لكن عبد الله أطاع أباه وقريشاً ولم يكتب الحديث ، ثم أُغرم بكعب وثقافة اليهود ، وأخذ حمل بعيرين من كتبهم فجعلها أحاديث نبوية !
    قال ابن حجر في فتح الباري ( 1 / 167 ) : « إنه قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب ، فكان ينظر فيها ، ويحدث منها » !
    وقال عنه الشيخ الأزهري محمود أبو رية في : شيخ المضيرة أبو هريرة / 124 : « فتجنب كثير من أئمة التابعين الأخذ عنه ، وكان يقال له : لا تحدثنا من الزاملتين » .
    ومعناه : أنه كان ينسب ما فيهما إلى رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) لأنه قال : حدثوا عن أهل الكتاب ولا حرج ! قال ابن تيمية في فتاواه : ( 13 / 366 ) : « قال ( صلى الله عليه وآله ) : بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولاحرج . رواه البخاري . ولهذا كان عبد الله قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدث منهما ، بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك » . أي فهم ابن عمرو أن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) أذن أن تجعل الإسرائيليات أحاديث له تنسب اليه !
    لكن مقصود النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : حدثوا عن انحرافهم ما شئتم فهو صحيح !
    ورووا أن عبد الله ندم على قتاله علياً ( عليه السلام ) : « كان يقول : ما لي ولصفين !
    --------------------------- 232 ---------------------------
    مالي ولقتال المسلمين ! والله لوددت أني متُّ قبل هذا بعشر سنين : ولوددت أني لم أحضر شيئاً منها وأستغفرالله عز وجل عن ذلك » . ( الإستيعاب : 3 / 958 )
    لكن ذلك لا ينفعه ، لأنه لم يتب من كذبه على رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ! ولا من اتباعه معاوية ، ثم يزيد ، ولا تاب من بذخه وترفه الفاحش !
    وقد وصف الذهبي في سيره ( 3 / 93 ) صورته المضحكة فقال : ( حج زمن معاوية في عصابة من القراء ، فحدثنا أن عبد الله في أسفل مكة فعمدنا إليه ، فإذا نحن بثقل عظيم يرتحلون ثلاث مئة راحلة ، منها مئة راحلة ومئتا زاملة وكنا نُحدث أنه أشد الناس تواضعاً ! فقلنا : ما هذا ! قالوا : لإخوانه يحملهم عليها ولمن ينزل عليه ، فعجبنا ! فقالوا : إنه رجل غني . ودلونا عليه أنه في المسجد الحرام ، فأتيناه فإذا هو رجل قصير أرمص ، بين بردين وعمامة ، قد علق نعليه في شماله ) . ( والزاملة : المحملة . والراحلة : احتياط للحمل ) . فتأمل في زهده وأثقال سفره ، ونعله في رقبته أو يده ، ورمَصه أي موق عينيه ، وهو أشد من العمش ! فهذا مصدر يتلقى منه الدين أئمة المذاهب وعلماؤها !
    29 . « جزع عمرو العاص عند الموت جزعاً شديداً فلما رأى ذلك ابنه عبد الله قال : يا أبا عبد الله ما هذا الجزع وقد كان رسول الله يدنيك ويستعملك ؟ قال : أي بنيَّ قد كان ذلك وسأخبرك : إني والله ما أدري أحباً ذلك كان ، أم تألفاً يتألفني ! ولكن أشهد على رجلين أنه قد فارق الدنيا وهو يحبهما : ابن سمية وابن أم عبد » « أحمد : 4 / 200 ، وصححه في الزائد : 9 / 353 ) .
    ومعناه أنه يعرف أن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) كان يحسبه من المؤلَّفة قلوبهم ، وليس من المؤمنين !
    وفي الإستيعاب لابن عبد البر ( 3 / 1190 ) عن الشافعي قال : « دخل ابن عباس على عمرو بن العاص في مرضه فسلَّم عليه وقال : كيف أصبحت يا أبا عبد الله ؟ قال : أصلحت من دنياي قليلاً وأفسدت من ديني كثيراً ! فلو كان الَّذي أصلحت هو الَّذي أفسدت والَّذي أفسدت هو الَّذي أصلحت ، لفُزت ! ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت ، ولو كان ينجيني أن أهرب هربت ! فصرت كالمنجنيق بين السماء والأرض ، لاأرقى بيدين ولا أهبط برجلين » !
    وهكذا اعترف بعد فوات الأوان بأنه أفسد دينه ! ولو كانت معاصيه شخصية
    --------------------------- 233 ---------------------------
    هان الأمر ، لكنها جرائم دموية كتبت تاريخ المسلمين وعقيدتهم إلى يومنا هذا !
    وفي تاريخ اليعقوبي : 2 / 187 ، والحاكم : 3 / 454 : « فلما نزل به قال له ابنه عبد الله بن عمرو : يا أبت إنك كنت تقول : عجباً لمن نزل به الموت وعقله معه ، كيف لايصفه ! فصف لنا الموت وعقلك معك . فقال : يا بني الموت أجلُّ من أن يوصف ، ولكني سأصف لك منه شيئاً : أجدني كأن على عنقي جبال رضوى ! وأجدني كأن في جوفي شوك السلاء ، وأجدني كأن نَفَسي يخرج من ثقب إبرة » ! وتوفي سنة اثنتين وأربعين بمصر ، وقال ابن حجر الإصابة ( 4 / 540 ) عاش تسعين سنة . وروى أنه عاش ستاً وتسعين سنة !
    فهذا إمام للمسلمين ، ومصدر يتلقى عنه الدين أئمة المذاهب وعلماؤها !
  • *

أنواع قادة جيش معاوية

قادة جيش معاوية نوعان : نوع عندهم جنودهم وأتباعهم ، وهم اليمانيون الثلاثة : شرحبيل بن السمط الكندي ، وذو الكلاع الحميري ، وحوشب ذو ظليم الحميري . أما بقية قادته فقليلمنهم رؤساء قبائل صغيرة عند أحدهم عدد من المقاتلين ، وأكثرهم قادة مهنيون ، يعين معاوية الواحد منهم على جيش جمعه من قبائل الشام والأردن وفلسطين .
وأشهر هؤلاء المهنيين : أبوالأعور السلمي واسمه سفيان بن عمرو . وبُسْر بن أرطاة القرشي . وحسان بن بَحْدل الكلبي ، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، وعبيد الله بن عمر بن الخطاب ، ومسلم بن عُقبة المري ، وحبيب بن مسلمة الفِهري ، والضحاك بن قيس الفهري ، وزُفَر بن الحارث ، ومَسلمة بن مخلَّد ، وعشرات من القادة الصغار .
--------------------------- 234 ---------------------------

كانت رئاسة اليمانيين العامة لشرحبيل بن السمط

1 . كان اليمانيون عمدة جيش معاوية ، وقد جاؤوا من اليمن لفتح الشام ، أو اختاروا السكن فيها بعد الفتح . كما أن عمدة جيش أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من اليمانيين . وهذا يدلك على أن اليمانيين هم عمدة القوة المقاتلة من العرب !
وكان قادة اليمانيين في بلاد الشام ثلاثة : ذوالكلاع وحوشب وهما من حمير وشرحبيل وكان كندياً ، فهو أعرق منهما ، لأن كندة بيت ملك العرب كلها حتى قبائل العراق ، ومن كندة اتصل الملك إلى حمير . وكانوا ثلاثتهم شجعاناً ، ضو الكلاع ثم حوشب ، قتلا في صفين ، وشرحبيل لم يقتل .
2 . وكان السمط أبوشرحبيل فارساً شجاعاً ، فشارك في معركة اليرموك وسكن حمص فكان رئيس كندة . وشارك ابنه شرحبيل في القادسية وسكن الكوفة فكان رئيس كندة . وجاء الأشعث بن قيس إلى الكوفة فظهرالعداء بينه وبين شرحبيل ، وأخذ الأشعث يحرك عمر ضده حتى أمره عمر بالسكن في الشام ، فسكن مع أبيه ، ثم صار رئيس كندة وحمير بعده .
قال البلاذري ( 1 / 163 ) : ( أبلى السمط بن الأسود الكندي بالشام وفي يوم اليرموك . وكان ابنه شرحبيل بن السمط بالكوفة مقاوماً للأشعث بن قيس الكندي في الرياسة ) .
وكان أشرف بيت في ملوك كندة بني آكل المرار ، وهو جد امرئ القيس الشاعر ،
فهو ابن حجر بن الحارث بن عمرو ابن حجر آكل المرار بن عمرو بن معاوية بن الحارث ابن يعرب بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة . ( تاريخ دمشق : 9 / 222 ) .
وكان شرحبيل من هذا الفرع ، قال العوتبي في أنساب العرب ( 1 / 153 ) : ( ومنهم شرحبيل بن السمط بن حمر بن النعمان بن عمرو بن عرفجة بن امرئ القيس بن نجاب بن معاوية بن ذهل بن معاوية الأكرمين بن الحارث الأكبر بن معاوية بن ثور مرتع بن معاوية بن كندة ، أدرك الإسلام وأدرك القادسية ، وهو الذي قسم منازل حمص بين أهلها حين افتتحوها ، وكان من أشراف أهل الشام ، وإياه أطاع أهل الشام في زمان معاوية ،
--------------------------- 235 ---------------------------
وهو بيت كندة اليوم بحمص ) . فشرحبيل معرق في نسبه الملوكي ، وهو يعتقد أن الأشعث يهودي حائك ألصق نفسه بكندة ، لأنه أمه كندية . . كما تقدم في ترجمته .
لكنه كان شيطاناً يعمل لكسب الكنديين وتسقيط شرحبيل ، وقد احتال على أبي بكر وتزوج أخته العمياء فصار صهر الخليفة ! وجمع عزاب كندة وزوجهم !
قال العَوْتَبِي في أنساب العرب ( 1 / 153 ) : ( جمع عزاب كندة وحضرموت والنخع فبلغوا ثلاثة آلاف فزوجهم ، وأبان كل كريمة منهم بكفوها ، وساق عنهم المهور وأغناهم من ماله ) ! وكانت علاقته بعمر جيدة ، فاستطاع أن يزيح شرحبيل من الكوفة ، فأرسله عمر إلى الشام ، وخلصت رئاسة كندة للأشعث على أساس أنه من عائلة ملوكها ، وصهر خليفة المسلمين !
3 . كانت الرئاسة العامة على اليمانيين في الشام لشرحبيل بن السمط ، وكان ذوالكلاع وذو ظليم أذكى منه ، فقد سادا في حمير وكندة مع وجوده وكانا يحفظان له مقامه كرئيس كندة العام . فلما أرسل علي ( عليه السلام ) جريراً إلى معاوية ، شاور عمروالعاص فقال له : ( رأس أهل الشام شرحبيل بن السمط الكندي ، وهو عدو لجرير المرسل إليك ، فأرسل إليه ووطن له ثقاتك فليفشوا في الناس أن علياً قتل عثمان ، وليكونوا أهل الرضا عند شرحبيل ، فإنها كلمة جامعة لك أهل الشام على ما تحب ، وإن تعلقت بقلب شرحبيل لم تخرج منه بشئ أبداً ) . ( نصر / 44 ) .
فكتب معاوية إلى شرحبيل ( نصر / 45 ) : ( إن جرير بن عبد الله قدم علينا من عند علي بن أبي طالب بأمر فظيع ، فأقدم . فلما قدم كتاب معاوية على شرحبيل وهو بحمص استشار أهل اليمن فاختلفوا عليه ، فقام إليه عبد الرحمن بن غنم الأزدي وكان أفقه أهل الشام فقال : يا شرحبيل بن السمط ، إن الله لم يزل يزيدك خيراً مذ هاجرت إلى اليوم ، وإنه قد ألقي إلينا قتل عثمان ، وأن علياً قتل عثمان ، فإن يك قتله فقد بايعه المهاجرون والأنصار وهم الحكام على الناس ، وإن لم يكن قتله فعلام تصدق معاوية عليه ؟ لا تهلك نفسك وقومك . فإن كرهت أن يذهب بحظها جرير ، فسر إلى علي فبايعه على شامك وقومك . فأبى شرحبيل إلا
--------------------------- 236 ---------------------------
أن يسير إلى معاوية ، فبعث إليه عياض الثمالي وكان ناسكاً :
يا شرح يا ابن السمط إنك بالغ * بود على ما تريد من الأمر
ويا شرح إن الشام شامك ما بها * سواك فدع قول المضلل من فهر
فإن ابن حرب ناصب لك خدعة * تكون علينا مثل راغية البكر
فإن نال ما يرجو بنا كان ملكنا * هنيئاً له والحرب قاصمة الظهر
فلا تبغين حرب العراق فإنها * تحرم أطهار النساء من الذعر
وإن علياً خير من وطأ الحصى * من الهاشميين المداريك للوتر
له في رقاب الناس عهد وذمة * كعهد أبي حفص وعهد أبي بكر
فبايع ولا ترجع على العقب كافراً * أعيذك بالله العزيز من الكفر
ولا تسمعن قول الطغام فإنما * يريدون أن يلقوك في لجة البحر
وماذا عليهم أن تطاعن دونهم * علياً بأطراف المثقفة السمر
فإن غلبوا كانوا علينا أئمة * وكنا بحمد الله من ولد الظهر
وإن غلبوا لم يصل بالحرب غيرنا * وكان على حربنا آخر الدهر
يهون على عليا لؤي بن غالب * دماء بني قحطان في ملكهم تجري
فدع عنك عثمان بن عفان إننا * لك الخير لا ندري وإنك لا تدري
على أي حال كان مصرع جنبه * فلا تسمعن قول الأعيور أو عمرو ) .
( وفي رواية : فلما سمع شرحبيل هذا الشعركأنه وقع بقلبه . ثم أقبل على ابن غنم فقال : إني سمعت ما قلت . وقد أحببت أن أسمع كلام معاوية ) .
4 . قال نصر بن مزاحم / 46 : ( لما قدم شرحبيل على معاوية تلقاه الناس فأعظموه ، ودخل على معاوية فتكلم معاوية فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : يا شرحبيل ، إن جرير بن عبد الله يدعونا إلى بيعة علي ، وعلي خير الناس لولا أنه قتل عثمان بن عفان ، وقد حبست نفسي عليك ، وإنما أنا رجل من أهل الشام أرضى ما رضوا وأكره ما كرهوا .
فقال شرحبيل : أخرج فانظر . فخرج فلقيه هؤلاء النفرالموطؤون له ، فكلهم يخبره بأن علياً قتل عثمان بن عفان ، فخرج مغضباً إلى معاوية فقال : يا معاوية ، أبى الناس إلا أن علياً قتل عثمان ، ووالله لئن بايعت له لنخرجنك من الشام أو لنقتلنك . قال
--------------------------- 237 ---------------------------
معاوية : ما كنت لأخالف عليكم وما أنا إلا رجل من أهل الشام ! قال : فرُدَّ هذا الرجل ( رسول علي ( عليه السلام ) ) إلى صاحبه إذاً . قال : فعرف معاوية أن شرحبيل قد نفذت بصيرته في حرب أهل العراق ، وأن الشام كله مع شرحبيل ) .
أقول : كان شرحبيل يفكر كملك كندة فهو مسكون بالمنطق القبلي والمعادلة السياسية الدنيوية ، وقد فكر أنه لو اتخذ موقفاً مع علي ( عليه السلام ) فلامكان له مع الأشعث وجرير ، ولو وقف مع معاوية لكان صاحب الكلمة في الشام ، لذلك لم يقبل نصيحة صديقه فقيه الشام عبد الرحمن بن غنم الأزدي ، ومال إلى معاوية وبرر موقفه بأن الناس يشهدون بأن علياً قتل عثمان وعلى معاوية أن يأخذ بثأره !
وسيأتي أن قناعته اهتزت مع ذي الكلاع وكاد ينقلب معه على معاوية بعد مناظرة عمرو العاص مع عمار ( رضي الله عنه ) ، لكنه ذا الكلاع قتل قبل إعلان موقفه ففرح بذلك معاوية ، ولعله قتله ، وكان فرح عمرو العاص أكثر !
5 . بالغ شرحبيل في تأليب أهل الشام ضد علي ( عليه السلام ) قال ابن الأعثم ( 2 / 523 ) :
( ثم سار شرحبيل حتى دخل حمص ، ثم نادى في أهلها فجمعهم ثم قام فيهم خطيباً ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا أهل حمص إعلموا أن علياً قتل عثمان بن عفان وفرق الجماعة ، وواقع بقتل البصرة وقعة لها ما بعدها ، وقد هزم الجميع وغلب على الأرض حتى لم يبق له إلا الشام ، وقد وضع سيفه على عاتقه وعزم على أن يخوض إليكم غمار الموت حتى يأتيكم فينزل بكم ما أنزله بغيركم . ألا وإني لا أجد أحداً هو أقوى على حربه من معاوية ، فخفوا معه وجاهدوا عدو الله ،
فإن اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ . قال : فأجابه أهل حمص بأجمعهم إلى ذلك . قال : وجعل شرحبيل لا يأتي مدينة من مدائن الشام إلا دعاهم إلى نصر معاوية وحرضهم على قتال علي بن أبي طالب ، حتى اجتمع إليه خلق كثير ، فأقبل بهم إلى معاوية ، فبايعوه على أنهم يقاتلون بين يديه ويموتون تحت ركابه . قال : فوثب رجل من أهل السكاسك وكان مجتهداً فاضلاً وكان شاعراً واسمه الأسود بن عرفجة ، فوقف بين يدي معاوية وأنشأ وجعل يقول أبياتاً من الشعر
--------------------------- 238 ---------------------------
مطلعها :
كانت الشام قبل شرح وبيل * لعلي ظهراً له حدباء
غير أنا نحب أباالسبطين * إذ كان سيد الأوصياء
شهد الفتح والنضير وبدراً * وحنيناً وأحد يوم البلاء
وله يوم خيبر راية النصر * وقد فَلَّ شوكة الأعداء
وله في قريظة الخطر الأعظم * إذ قل جد أهل اللواء
فاحذر اليوم صولة الأسد الور * د إذا جاء في رحى الهيجاء
قال : فقطع عليه معاوية كلامه ثم قال : من هذا الأسد الورد ؟ فقال : هذا والله علي بن أبي طالب ، أخو رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وابن عمه ، وزوج ابنته ، وأبوسبطيه ، الذي قتل جدك وعم أمك وأخاك وخالك يوم بدر ! فأنت تطالبه في الإسلام بما فعل في قومك الكفرة الفجرة .
فقال معاوية : خذوه ! فوثب إليه غلامان من غلمان معاوية ، وقام إليه شرحبيل فقال : كف عنه يا معاوية ، فإنه رجل من سادات قومه ، فلا تؤذيه فأنقض والله ما في عنقي من بيعتك .
قال معاوية : فإني قد وهبته لك . قال : فهرب الرجل إلى مصر ، ثم كتب إلى علي ( رضي الله عنه ) أبياتاً من الشعر مطلعها :
ألا أبلغ أباحسن علياً * فكفى بالذي تهوى طويله
[ أعد مآثراً عظمت وطالت * وأخرى منك أذكرها جميله
فسر بها معاوية بن صخر * وأيقن أنها ليست قليله
وقال لشرحبيل منك هذا * فقال المرء من أعلى قبيله
وأهل الشام يستمعون قولي * أجوز بالقلوب لها فضيلة
فكاشرني وكنت من أجرى * كذئب السوء في الشاة الأكيله
أريهم ما أحب ويزلقوني * بأبصار على البغضا دليله
فأمست بعد سابقة بمصر * وكانت من مقالته جليله
فأيقن أنني منها برئ * وأني منه منقطع الوسيلة
--------------------------- 239 ---------------------------
فلا تفرح معاوية بن حرب * فإن الشام عزتها ذليله ]
قال : وأقبل سعيد بن قيس الهمداني إلى علي ( رضي الله عنه ) فقال : يا أمير المؤمنين ! إن شرحبيل رجل عمي القلب ، وقد سار في مدائن الشام فاستنفرهم إلى حربنا ، فأذن لي أن أكتب إليه كتاباً فلعلي أشككه فيما هو فيه فقال علي : أكتب ما أحببت . فكتب إليه سعد بن قيس :
أما بعد يا شرحبيل : فإن أهلك من أرض اليمن غير أنك هاجرت إلى الكوفة وانتقلت إلى الشام فكنت بها ما شاء الله ، حتى إذا قتل عثمان وبايع الناس علياً عبى لك معاوية رجالاً لا يعرفون الحلال ولا ينكرون الحرام ، فاختدعوك وشهدوا عندك أن علياً قتل عثمان ، ولو نظرت بعقلك لعلمت أن ذلك باطل وزور ، ولو كان على ما شهدوا عندك أن علياً قتل عثمان لما بايعه المهاجرون والأنصار ! وهم واضعون أسيافهم على عواتقهم ، يقاتلون معه من خالفه من أهل البصرة وغيرهم من الناس ، فلا تكن رأس الخطيئة ومفتاح البلية ، فإني ما زلت لك ناصحاً وعليك مشفقاً , والسلام .
قال : فلما انتهى الكتاب إلى شرحبيل أخذه فأتى به معاوية فأقرأه إياه ، فقال معاوية : لا عليك ، هو سيد في همدان وأنت سيد في كندة ، فأجبه على كتابه . قال : فكتب إليه شرحبيل : أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه أني هاجرت إلى الكوفة وانتقلت إلى الشام ، ولعمري ما العراق لي بدار ولا الشام علي بعار ، وإنما أنا رجل من أهل اليمن ، وأما قولي بأن علياً قتل عثمان ، فإني أخذت ذلك عن الثقات من أهل الرضا ، ولا يقال للشاهد : من أين قلت ؟ فأما المهاجرون والأنصار ، فلهم ما في أيديهم من بيعة علي ، ولنا ما في أيدينا من بيعة معاوية . والسلام ) .
أقول : يظهر أن شرحبيل انفعالي غضوب ، يدل عليه تهديده لمعاوية بنقض بيعته إن قتل الشاعر . وقول سعد بن قيس إنه عمي القلب ، أي غضوب إذا أحب شيئاً فقلبه أعمى لا يرى غيره !
--------------------------- 240 ---------------------------
6 . ومع موقفه المتطرف مع معاوية ، كان شرحبيل يعمل لحل القضية مع علي ( عليه السلام ) حلاً سلمياً ، فقد روى ابن الأعثم ( 3 / 168 ) أنه جاء إلى علي ( عليه السلام ) في صفين قبل بدء المعركة في وفد ، ليكلموه في تجنب الحرب . قال : ( وجه إلى علي بجماعة من قريش وغيرهم من أهل الشام يكلمونه ، منهم عمرو بن العاص وعتبة بن أبي سفيان ، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، وحبيب بن مسلمة ، والضحاك بن قيس وجماعة من عرب الشام ، فأقبلوا حتى وقفوا قريباً من عسكر علي ( رضي الله عنه ) . ثم بعثوا إليه يسألونه أن يأذن لهم في كلامه ، فقال علي ( رضي الله عنه ) ما أمنعهم من ذلك . قال : فأقبلوا حتى دخلوا العسكر ، ثم صاروا إلى علي وهو في خيمته ، فسلموا فرد عليهم السلام ، ومجلسه يومئذ غاص بالمهاجرين والأنصار ، فقال : تكلموا بما أحببتم ! فقال عمرو بن العاص : بل أنت فتكلم يا أبا الحسن ! فإنك أول من آمن بربنا وبقي حقك العظيم على الناس ، وأنت أول من صدق بنبينا محمد ، وصلى إلى قبلتنا ، ووحد الله قبلنا .
فقال علي : إن أول كلامي أن أثني على الله ربي أحسن الثناء طول الحياة وبعد الممات ، وأحمده على طول العافية وحسن البلاء ، وفي كل حال من شدة ورخاء ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، بعثه الله رحمة للعالمين وخاتماً للنبيين ، فأدى عن الله ما أمره ، وعبد ربه حتى أتاه اليقين ، فصلى الله عليه وسلم كثيراً .
ثم إن الله تبارك وتعالى قد ابتلانا أيتها الأمة بما ترون ، والمستعان بالله ولا قوة إلا بالله ، وبعد فالله يعلم أني كنت كارهاً أن أتولى شيئاً من أمور أمة محمد ( ( عليهما السلام ) ) ولكن قوماً أنكروا على عثمان فاجتمعوا على قتله ، فقتلوه وأنا جالس في منزلي لا آمر ولا ناهٍ ، وإنما قتلوه وتذاكروا عني بالبيعة فكرهت ذلك ، ثم إن توكلت على الله وأحببت أن يكون بقية عمري في صلاح أمور الأمة ، فبايعت القوم على العمل بكتاب الله وسنة نبيه محمد ( ( عليهما السلام ) ) .
ثم إن جماعة ممن بايعني غدر بي ونكث بيعتي ، فقد حكم الله بيني وبين بعضهم ، والله للباقين بالمرصاد ، ألا ، وإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبي الله ، فإن تجيبوا إلى ذلك فالرشد أصبتم وللخير وفقتم ، وإن تأبوا ذلك لم تروا من الله إلا بعداً . والسلام .
قال : فلما فرغ علي من كلامه تكلم عمرو بن العاص ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
--------------------------- 241 ---------------------------
أما بعد فإن عثمان ( رضي الله عنه ) وجعل ما أصابه كفارة لذنوبه ، قد كان أفضل أصحاب محمد حسباً ونسباً وقدماً وصهراً ، فالله حسيب قاتله وخاذله ، وأيم الله إننا لنعلم أن علياً ومن معه من المهاجرين والأنصار قد كانت لهم سوابق قديمة عظيمة وفضل لا يجهل ، وقد رأينا رأياً نسأل الله تعالى فيه التوفيق لما يحب ويرضى ، ولعل الله تبارك وتعالى يحقن دماءنا ويصلح ذات البين ، وهؤلاء أشرافنا من أهل الشام قد اجتمعوا لذلك ، وكذلك أشراف أهل العراق مجتمعون يا أبا الحسن وأنتم يا معشر من حضر . قال فقال علي : تكلموا بما تريدون حتى ننظر ما الذي تطلبون .
قال فتكلم شرحبيل بن السمط فقال : أما بعد فيا معشر أهل العراق ! إن الله تبارك وتعالى قد جعل بيننا حقوقاً عظاماً من الأرحام الماسة ، والأنساب القربية ، والأصهار الشابكة ، وقد علمنا يا أبا الحسن أن لك سابقة مع رسول الله وصهراً وقرابة وفقهاً في الدين وبأساً وتجربة وشرفاً قديماً . والله يعلم وإنك لتعلم أنا قد اقتتلنا لحمية الجاهلية بالسيوف الهندية لأنها جارات القرب وحصون الحومات ، وأنها بيضة الروم ، وأما حرماتكم فإنها بيضة فارس ، وقد رأينا أن تنصرف عنا يا أبا الحسن أنت ومن معك ، فنخلي بينكم وبين عراقكم وحجازكم وتخلونا بيننا وبين شامنا ونحقن دماء المسلمين . والله يعلم أنني قد أتيت بغاية النصيحة ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت وإليه أنيب .
فقال علي ( رضي الله عنه ) : والله لقد نظرت في هذا الأمر ، فضربت ظهره وبطنه ، وأنفه وعينه حتى لقد منعني النوم ، فما وجدته يسعني إلا قتالكم أو الكفر بما جاء به محمد ( ( عليهما السلام ) ) ، وأيم الله لوددت أنني فديت حقن دماء المسلمين بمهجتي ، ولكن قولوا لصاحبكم هذا يخرج إلى هذه الصحراء ، ثم أدعو الله ويدعو هو أيضاً أن يقتل المحق منا المبطل ، ثم إني أبارزة فأينا قتل صاحبه ملتم معه بأجمعكم .
فوالله لا يقاتل مع معاوية أحد إلا أكبه الله غداً في نار جهنم ! قال : فالتفت الشامي إلى أصحابه فقال : ما يقعدكم ! إنهضوا فلا والله ما عند هذا الرجل إلا السيف . قال : فوثب أهل الشام وهم يقولون : هلكت العرب ورب محمد .
--------------------------- 242 ---------------------------
ثم رجعوا إلى معاوية فأخبروه بذلك ، فعلم معاوية أن علياً لا يجيبه إلى شئ مما يريد ) .
أقول : لا يبعد أن يكون هذا الوفد إلى علي ( عليه السلام ) بطلب شرحبيل ، وأنه استثير بقوله ( عليه السلام ) : فوالله لا يقاتل مع معاوية أحد إلا أكبه الله غداً في نار جهنم !
فطلب من الوفد الرجوع . كما استثير بقول جرير ( وأما قولك إن علياً قتل عثمان فوالله ما في يديك من ذلك إلا القذف بالغيب من مكان بعيد ، ولكنك ملت إلى الدنيا ، وشئ كان في نفسك زمن سعد بن أبي وقاص ) !
هذا ويظهر أن ابن حوشب أخذ هذه المناشدة من شرحبيل ، وناشدها لعلي ( عليه السلام ) في أواخر الحرب . فقد روى ابن عبد البر في الإستيعاب ( 1 / 411 ) : ( عن عبد الواحد الدمشقي قال : نادى حوشب الحميري علياً يوم صفين فقال : انصرف عنا يا بن أبي طالب ، فإنا ننشدك الله في دمائنا ودمك ، ونخلي بينك وبين عراقك ، وتخلي بيننا وبين شامنا ، وتحقن دماء المسلمين . فقال علي ( عليه السلام ) : هيهات يا بن أم ظليم ، والله لو علمت أن المداهنة تسعني في دين الله لفعلت ولكان أهون علي في المؤنة ، ولكن الله لم يرض من أهل القرآن بالسكوت والإدهان إذا كان الله يعصى وهم يطيقون الدفاع والجهاد حتى يظهر أمر الله ) .
وروى نصر / 474 ، نحوه قرب ليلة الهرير : ( قال : وخرج رجل من أهل الشام ينادي بين الصفين : يا أبا الحسن يا علي أبرز إلي . قال : فخرج إليه علي حتى إذا اختلف أعناق دابتيهما بين الصفين فقال : يا علي ، إن لك قدماً في الإسلام وهجرة ، فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء وتأخير هذه الحروب حتى ترى من رأيك ؟ فقال له على : وما ذاك ؟ قال : ترجع إلى عراقك فنخلي بينك وبين العراق ، ونرجع إلى شامنا فتخلي بيننا وبين شامنا . فقال له علي ( عليه السلام ) : لقد عرفت إنما عرضت هذا نصيحة وشفقة . ولقد أهمني هذا الأمر وأسهرني وضربت أنفه وعينيه ، فلم أجد إلا القتال ، أو الكفر بما أنزل الله على محمد ( ( عليهما السلام ) ) . إن الله تبارك وتعالى لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون ، لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ، فوجدت القتال أهون على من معالجة الأغلال في جهنم . فرجع الشامي وهو يسترجع ) .
وروى نحوه ابن الأعثم ( 3 / 157 ) وأبو نعيم في الحلية ( 1 / 85 ) وابن عساكر في تاريخ دمشق ( 37 / 291 ) وابن الأثير في أسد الغابة ( 2 / 92 ) .
--------------------------- 243 ---------------------------
7 . ومن غرائب الأمور أن جرير البجلي نصح شرحبيل باتباع علي ( عليه السلام ) !
قال له ( ابن الأعثم : 2 / 520 ) : ( وأما قولك إن صاحبي قتل عثمان بن عفان ، فوالله ما في يديك شئ من ذلك إلا القذف من مكان بعيد ، والله سائلك عن ذلك يوم القيامة ! ولكنك يا شرحبيل ملت إلى الدنيا كما مال غيرك ، وشئ كان في نفسك عليَّ ، وستعلم عن قريب أن العاقبة للمتقين .
قال : فخرج شرحبيل من عند جرير مغضباً حتى دخل على معاوية فقال لمعاوية : إننا قد علمنا أنك عامل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ووليه وابن عمه ، فإن كنت رجلاً تجاهد علياً حتى تدرك بثأر عثمان وإلا عزلناك واستعملنا على أنفسنا سواك ممن نريد . . الخ . ! ثم أرسل معاوية إلى جرير أن الحق بصاحبك فأخبره بالذي سمعت من مقالة أهل الشام ) .
ثم ذكر أن جريراً رجع إلى علي ( عليه السلام ) بعدما بقي في الشام أربعة أشهر !
8 . شارك شرحبيل في معارك صفين ، لكنه كان يتحفظ ويحفظ نفسه .
وكان حاكم حمص من قبل معاوية لمدة عشرين سنة . وعاش بعد صفين سنتين ، وهلك سنة أربعين للهجرة . ( تاريخ دمشق : 22 / 463 ) . ولم يثبت عند المؤرخين أنه رأى رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فهو تابعي وليس صحابياً .

من منطق جنود شرحبيل تعرف منطقه !

قال ابن الأعثم ( 3 / 132 ) : ( أقبل إلى معاوية رجل من أجلاء أهل الشام حتى وقف بين يديه فقال : يا معاوية إنه قتل منا في هذا اليوم سبع مئة رجل ولم يقتل من أصحاب علي إلا أقل من ذلك ! وأنت الذي تفعل بنا ذلك ، لأنك تولي علينا من لا يقاتل معنا مثل عمرو بن العاص ، وبسر بن أرطاة ، وعبد الرحمن بن خالد ، وعتبة بن أبي سفيان ، وكل واحد من هؤلاء إنما يقاتل ساعة ثم يخرج من الغبار ! فإن وليت علينا رجلاً مثلنا حتى نقاتل معه فذاك ، وإلا فلا حاجة لنا فيك . والسلام .
--------------------------- 244 ---------------------------
قال : ثم ولى مغضباً ، وأنشأ يقول :
معاوي إما تدعنا لعظيمة * فنحن لها إن لم نحام على الحقب
فول علينا من يحوط ذمارنا * من الحميريين الملوك على العرب
أفي كل يوم لا يزال يقودنا * إلى الموت فجفاج إذا الحرب اقترب
يحامي علينا ساعة ثم يمتري * بساقية خراج الغبار من الكرب
لعمرو وبسر والجبان ابن خالد * وعتبة الفرار في حومة اللهب
قال : فدعاه معاوية فترضاه وقال : يا أخا حمير ! فإني لا أولي عليكم إلا من
تحبون بعد هذا اليوم ، وأنزل الأمر حيث تريدون .
قال : فلما كان من غد وثب معاوية فعبأ أصحابه ثم قال : يا أهل الشام ! دعوا ما مضى ، إني أريد منكم اليوم أن تجدوا في حربكم وتقدموا عزمكم وتفرغوا مجهودكم ، وسلوني حوائجكم . قال : فوثب عك والأشعريون فقالوا : يا معاوية ! إننا قد قاتلنا معك علي بن أبي طالب ، ثم إن قلوبنا لتميل إليه لأننا لا نشك في حقه ولا نشك في باطلك ، غير أننا قوم من أهل الشام فلم تحب أن تخرج أيدينا من طاعتك ، وقد علمت أنه ليس لنا ضياع ولا قرى ، إنما نحن أصحاب إبل وغنم ، فنريد منك الفرض والقطائع والعقارات ، وإلا والله قلبنا أعنة الخيل إلى غيرك !
فقال معاوية : نعم والله وكرامة لكم ، فهاتوا ما الذي تريدون ؟ قالت عك : أما نحن فإننا نريد الفرض والعطاء . وقال الأشعريون : نريد منك أن تقطعنا حوران والتثنية فتكون لنا ولعقبنا من بعدنا . فقال معاوية : فإني قد فعلت ذلك وكرامة لكم .
قال : وبلغ أصحاب علي ذلك فلم يبق خلق من أهل العراق ممن كان في قلبه مرض أو شك إلا وطمع في معاوية وشخص ببصره نحوه ، أو همَّ أن يصير إليه ، حتى فشا ذلك في الناس . قال : فوثب المنذر بن حفصة الهمذاني إلى علي بن أبي طالب فقال : يا أمير المؤمنين : إن عكاً والأشعريين قد طلبوا من معاوية الفرض والعطاء والعقارات من حوران والثنية وغير ذلك ، قد باعوا الدين بالدنيا واشتروا الضلالة بالهدى ، ونحن قد رضينا بالآخرة من الدنيا ، وبالعراق من الشام وبك من معاوية ، والله إننا لنعلم أن
--------------------------- 245 ---------------------------
آخرتنا لأشرف من دنياهم ، وإن عراقنا لخير من شامهم ، وأن إمامنا لأهدى من إمامهم ، فعليك بالصبر واحملنا على الموت ، فها نحن بين يديك وتحت ركابك ، ثم أنشأ يقول :
ليس منا من لم يكن لك في الله * ولياً يا ذا الولا والوصية
قد بذلنا النفوس في طاعة الله * لكيما تنال داراً عليه
حبذ القتل في السبيل فلا بد * لنا من ورود حوض المنيه
حسبنا منك ما يبلغنا اليوم * إلى مثله ورب البنية
قال : فأدناه علي منه وقبل بين عينية ، وقال : أبشروا ، فإني أرجو من الله أن
تكونوا ممن يجاور محمداً ( ( عليهما السلام ) ) غداً في جنة النعيم ) .

  • *

ترجمة ذي الكلاع الحميري ومقتله

1 . كان ذوالكلاع بن ناكور ، وحوشب ذو ظليم ، أهم قائدين عند معاوية ،
فهما فارسان شجاعان ، ورئيسا قبيلة حمير التي منها ومن كندة ملوك اليمن . وكان ينزلان حمص ، وقد بالغ الرواة في عدد جنودهما فقال بعضهم إن ذا الكلاع كان تحت إمرته ستون ألف مقاتل ، وكان ذو ظليم رئيساً معه وكانا متفقين . لكني أقدر جنودهما بنحو العشرة آلاف ، وذكرت الرواية أن أربعة آلاف بايعوه على الموت ، وكانوا معه في معارك صفين .
2 . قال ابن عبد البر في الإستيعاب ( 2 / 469 ) : ( ذوالكلاع ، اسمه أيفع بن ناكور ، أظنه من حمير ، يكنى أباشرحبيل . كان رئيساً في قومه مطاعاً متبوعاً أسلم فكتب النبي ( صلى الله عليه وآله ) في التعاون على الأسود ومسيلمة . .
وكان ذوالكلاع القائم بأمر معاوية في حرب صفين ، وقُتل قبل انقضاء الحرب ، ففرح معاوية بموته ، وذلك أنه بلغه أن ذا الكلاع ثبت عنده أن علياً برئ من دم عثمان وأن معاوية لبَّس عليهم ذلك ، فأراد التشتيت على معاوية ، فعاجلته منيته بصفين سنة سبع وثلاثين !
--------------------------- 246 ---------------------------
ولما قتل ذوالكلاع أرسل ابنه إلى الأشعث يرغب إليه في جثة أبيه ليأذن له في أخذها ، وكان في الميسرة ، فقال له الأشعث : إني أخاف أن يتهمنى أمير المؤمنين ، ولكن عليك بسعد بن قيس فإنه في الميمنة ، وكانوا قد منعوا أهل الشام تلك الأيام أن يدخلوا عسكر علي ، لئلا يفسدوا عليهم .
فأتى ابن ذي الكلاع معاوية فاستأذنه في دخول عسكرهم إلى سعد بن قيس فأذن له ، فلما ولَّى قال معاوية : لأنا أفرح بموت ذي الكلاع مني بمصر لو فتحتها ، وذلك أنه كان يخالفه ، وكان مطاعاً في قومه .
فأتى ابنُ ذي الكلاع سعدَ بن قيس فأذن له في أبيه ، فأتاه فوجده قد رُبط برجله طنب فسطاط ، فأتى أصحاب الفسطاط فسلَّم عليهم وقال : أتأذنون في طنب من أطناب فسطاطكم ، قالوا : نعم ومعذرة إليك ، ولولا بغيه علينا ما صنعنا به ما ترون . فنزل إليه وقد انتفخ وكان عظيماً جسيماً وكان مع ابن ذي الكلاع أسود له فلم يستطيعا رفعه ، فقال ابنه : هل من معاون ؟ فخرج إليه رجل من أصحاب علي يدعى الخندف فقالوا : تنحوا . فقال ابن ذي الكلاع : ومن يرفعه ؟ قال : يرفعه الَّذي قتله ! فاحتمله حتى رمى به على ظهر البغل ، ثم شده بالحبل ، وانطلقا به إلى عسكرهم ) .
أقول : قال عن الأشعث : وكان في الميسرة ، يعني أن علياً ( عليه السلام ) عزله عن الميمنة بعد هزيمته الخيانية . بل منعه هو وغيره أن يدخلوا إلى الميمنة !
3 . وفي الأخبار الطوال / 179 : ( وخرج ذوالكلاع في يوم من تلك الأيام في كتيبة من أهل الشام من عك ولخم ، فخرج إليه عبد الله بن عباس في ربيعة فالتقوا ، ونادى رجل من مذحج العراق : يا آل مذحج خذموا ، فاعترضت مذحج عكاً يضربون سوقهم بالسيوف فيبركون .
فنادى ذوالكلاع : يا آل عك بروكاً كبروك الإبل ! وحمل رجل من بكر بن وائل يسمى خندفاً على ذي الكلاع فضربه بالسيف على عاتقه فقد الدرع وفرى عاتقه فخر ميتاً ، فلما قتل ذوالكلاع تمحكت عك ، وصبروا لعض السيوف ، فلم يزالوا كذلك حتى أمسوا ) .
--------------------------- 247 ---------------------------
4 . وقال نصر / 239 : ( عن صعصعة بن صوحان العبدي قال : سمعت زامل بن عمرو الجذامي يقول : طلب معاوية إلى ذي الكلاع أن يخطب الناس ويحرضهم على قتال عليٍّ ومن معه من أهل العراق ، فكان مما قال :
ثم كان مما قضى الله أن ضم بيننا وبين أهل ديننا بصفين ، وإنا لنعلم أن فيهم قوماً كانت لهم مع رسول الله صلى الله عليه سابقة ذات شأن وخطر ، ولكني ضربت الأمر ظهراً وبطناً فلم أر يسعني أن يهذر دم عثمان صهر رسول الله نبينا ، الذي جهز جيش العسرة ، وألحق في مسجد رسول الله بيتاً وبنى سقاية ، وبايع له نبي الله صلى الله عليه بيده اليمنى على اليسرى ، واختصه رسول الله بكريمتيه : أم كلثوم ورقية ابنتي رسول الله .
فإن كان أذنب ذنباً فقد أذنب من هو خير منه ، وقد قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر . وقتل موسى نفساً ثم استغفر الله فغفر له ، ولم يَعْرَ أحد من الذنوب ) !
ومعناه أن إعلام الخلفاء بنى في أذهانهم مكانة خيالية لعثمان ، وأن عثمان مغفور ذنبه ، وهو غيرمعصوم مثل النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وموسى ( عليه السلام ) ! فيجب قتل الألوف بدمه ! وهذا منطق معاوية والسلطة القرشية !
5 . ذكر الرواة أن ذا الكلاع لما خرج السهم أن تكون حمير مقابل ربيعة ، استصغر ربيعة ، فحلف الخندف الحنفي أن يقتله !
قال نصر / 227 : ( فجاء بحمير فجعلهم بإزاء ربيعة على قرعة أقرعها ، فقال ذوالكلاع : بإستك من سهم لم تبغ الضراب ! كأنه أَنِفَ من أن تكون حمير بإزاء ربيعة ، فبلغ ذلك الخندف الحنفي ، فحلف بالله لئن عاينه ليقتلنه أو ليموتن دونه ) . فأعانه الله عليه ، وقتله . وروي أن علياً قتل رجلاً اسمه ذوالكلاع ، فإن صحت الرواية ، فهو شخص آخر غير المشهور .
وروى نصر / 297 : ( عن زيد بن بدر ، أن زياد بن خصفة أتى عبد القيس يوم صفين وقد عبيت قبائل حمير مع ذي الكلاع ، وفيهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب
--------------------------- 248 ---------------------------
لبكر بن وائل ، فقاتلوا قتالاً شديداً خافوا فيه الهلاك ، فقال زياد لعبد القيس : لابكر بعد اليوم ، إن ذا الكلاع وعبيد الله أبادا ربيعة ، فانهضوا لهم وإلا هلكوا ! فركبت عبد القيس وجاءت كأنها غمامة سوداء ، فشدت إزاء الميسرة ، فعظم القتال فقتل ذوالكلاع الحميري قتله رجل من بكر بن وائل اسمه خندف ، وتضعضعت أركان حمير ، وثبتت بعد ذي الكلاع تحارب مع عبيد الله بن عمر .
وبعث عبيد الله بن عمر إلى الحسن بن علي ( عليه السلام ) فقال : إن لي إليك حاجة فالقني ، فلقيه الحسن فقال له عبيد الله : إن أباك قد وتر قريشاً أولاً وآخراً ، وقد شنؤوه ، فهل لك أن تخلفه ونوليك هذا الأمر ؟ قال : كلا والله لا يكون ذلك . ثم قال له الحسن : لكأني أنظر إليك مقتولاً في يومك أو غدك ! أما إن الشيطان قد زين لك وخدعك ، حتى أخرجك مخلقاً بالخلوق ، تُري نساء أهل الشام موقفك ، وسيصرعك الله ويبطحك لوجهك قتيلاً !
قال : فوالله ما كان إلا كيومه أو كالغد وكان القتال ، فخرج عبيد الله في كتيبة رقطاء وهي الخضرية كانوا أربعة آلاف عليهم ثياب خضر ، ونظر الحسن فإذا هو برجل متوسد رجل قتيل قد ركز رمحه في عينه ، وربط فرسه برجله ، فقال الحسن لمن معه : أنظروا من هذا ، فإذا هو برجل من همدان ، فإذا القتيل عبيد الله بن عمر بن الخطاب ، قد قتله وبات عليه حتى أصبح ، ثم سلبه ! فسأل الرجل من هو ؟ فقال : رجل من همدان ، وإنه قتله . وحِزْنا القوم حتى اضطررناهم إلى معسكرهم ) .
ملاحظات
تدل نصوص متعددة على أن معاوية استعمل الحيل المختلفة ، لما كان جرير في الشام ، لإقناع ذي كلاع بأن علياً ( عليه السلام ) قتل عثمان ، حتى اقتنع ذوالكلاع وقرر أن يدخل الحرب إلى جانب معاوية لأخذ ثأر عثمان !
ثم اكتشف ذوالكلاع الحقيقة من رسائل ابن عمه أبي نوح الكلاعي وغيرها . ولذلك رتب في صفين مناظرة عمار ( رضي الله عنه ) وعمرو العاص ، ورأى أن عماراً أفحمه فتيقن بأن
--------------------------- 249 ---------------------------
معاوية غشه ، وثبت له أنه الفئة الباغية .
لكنه أبطأ في اتخاذ قراره ، وواصل القتال فقتل قبل أن يثور على معاوية ، ففرح بذلك معاوية كما نص عليه المؤرخون .
قال ابن الأثير في أسد الغابة ( 2 / 143 ) : ( فلما قتل ذوالكلاع وقتل عمار قال معاوية : لو كان ذوالكلاع حياً لمال بنصف الناس إلى علي ، وقيل إنما أراد الخلاف على معاوية لأنه صح عنده أن علياً برئ من دم عثمان ) .
قال نصر بن مزاحم / 341 : ( فأصيب عمار مع علي ، وأصيب ذوالكلاع مع معاوية ، فقال عمرو : والله يا معاوية ما أدري بقتل أيهما أنا أشد فرحاً . والله لو بقي ذوالكلاع حتى يقتل عمار ، لمال بعامة قومه إلى علي ، ولأفسد علينا جندنا ) . ومعناه أن ذا الكلاع أبصرالحق ، لكنه واصل نصرته للباطل فلم يتوفق للتوبة ، ثم لم تنعكس قناعته الجديدة على أولاده ، فقتل أحدهم في صفين ، وبقي ابنه شرحبيل وعبد الرحمن مع معاوية ، وكان شرحبيل مع ابن زياد ضد الإمام الحسين ( عليه السلام ) ! وأما حوشب ذي ظليم ، فهو يشبه ذا الكلاع وكان يطيعه .

  • *

ترجمة حوشب ذي ظليم ومقتله

1 . قال ابن حجر في الإصابة ( 2 / 185 ) : ( حوشب ذو ظليم هو بن طخية وقيل بن طخمة ، ويقال بن الساعي بن عتبان بن ظلم بن ذي أستار . .
روى سيف في الفتوح قال : بعث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) جرير بن عبد الله إلى ذي الكلاع وذي ظليم ، وهاجر حوشب بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) وشهد اليرموك .
ونزل حوشب الشام ، وشهد صفين مع معاوية ، واتفقوا على أنه قتل بصفين . فروى يعقوب بن سفيان وإبراهيم بن ديزيل في كتاب صفين والبيهقي في الدلائل وغيرهم بإسناد صحيح عن أبي وائل قال : رأى عمرو بن شرحبيل أنه أدخل الجنة فإذا قباب مضروبة فقلت : لمن هذه ؟ قالوا : لذي الكلاع وحوشب . قلت : فأين عمار ؟ قال : أمامك . قلت : وكيف وقد قتل بعضهم بعضاً ؟ ! قال :
--------------------------- 250 ---------------------------
إنهم لقوا الله فوجدوه واسع المغفرة ) .
أقول : هذا المنام ليس حديثاً نبوياً ، بل منام من خيال من رآه ابن شرحبيل ، ويدل على أنه كان كأبيه شاكاً في أنه على الحق ، لكن منامه يعجبه وأمثاله الذين يتبنون مقولة : القاتل والمقتول في الجنة ! وتجدهم يكررون منام ابن حوشب فرحين به ، ليرفعوا صفة الفئة الباغية والدعاة إلى النار ، عن أحبائهم !
2 . قال ابن الأعثم في الفتوح ( 3 / 121 ) : ( خرج ذو الظليم قائلاً :
أهل العراق ناسبوا وانتسبوا * نحن اليمانيون منا حوشب
أنا الظليم أين أين المهرب * فينا الصفيح والقنا المغلب
والخيل أمثال الوشيح شذب * إن العراق خيلها مذبذب
قي قتل عثمان وكل مذنب * هذا علي فيكم محبب
قال : فخرج إليه سليمان بن صرد الخزاعي وهو يقول :
يا لك يوماً كاسفاً عصبصبا * يا لك يوماً لا يواري كوكبا
يا أيها الحي الذي تذبذبا * لسنا نخاف ذا الظليم حوشبا
لأن فينا بطلاً مجربا * ابن بديل كالهزبر مغضبا
أمسى علي عندنا محببا * نفديه بالأم ولا نبقي أبا
قال : ثم حمل عليه سليمان فطعنه في بطنه طعنة أنفذ السنان من ظهره ، فسقط حوشب قتيلاً . ودخل على معاوية من قتل حوشب مصيبة عظيمة ) .
3 . وفي مناقب ابن شهرآشوب ( 2 / 354 ) : ( فحملت الأنصار حملة رجل واحد وقتلوا ذا الكلاع وذا الظليم وساروا إليهم ، وكاد يؤخذ معاوية ، فقال الأنصار :
معاوي ما أفلت إلا بجرعة * من الموت حتى تحسب الشمس كوكبا
فإن تفرحوا بابن البديل وهاشم * فإنا قتلنا ذا الكلاع وحوشبا

  • *
    --------------------------- 251 ---------------------------

ترجمة أبي الأعور السلمي

1 . قال ابن حجر في الإصابة ( 4 / 529 ) اسمه : عمرو بن سفيان بن عبد شمس ، بن سعد ، بن قائف ، بن الأوقص ، بن مرة بن هلال ، بن فالج بن ذكوان ، بن ثعلبة ، بن سليم ، فهو من بني سُليم ، وأمه من قريش من بني سهم . قال بن معين : صحابي ، وقال أبو حاتم : لا صحبة له ولم يذكره البخاري في الصحابة . وقال ابن عبد البر : هو حليف أبي سفيان وشهد حنيناً مع هوازن وهو مشرك ، وكانت له مواقف بصفين مع معاوية . وقال أبو سعيد بن يونس : إنه قدم مصر مع مروان سنة خمس وستين ) .
أقول : كان مقاتلاً ضد النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) في حنين ، قيمون عمره عشرين أو خمساً وعشرين ، ويكون في صفين بعد ثلاين سنة من حنين ن في نحو السبعين .
وقال في إمتاع الأسماع ( 1 / 162 ) : قتل أبوه سفيان بن عبد شمس أباجابر بن عبد الله الأنصاري ( رضي الله عنه ) في أحُد وكان شيخاً كبيراً ، فكان أول قتيل من المسلمين ، فصلى عليه رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) قبل الهزيمة ) .
2 . ذكر المؤرخون أن أباالأعور كان حامل الكتاب إلى والي مصر بأن يقتل محمد بن أبي بكر ومن معه ، ولم يذكر التاريخ له مبارزة وانتصاراً ، وذكر ابن الأعثم ( 3 / 18 ) أنه جاء يوم معركة الماء يرتجز : ( فحمل عليه الأشعث فطعنه طعنة كادت أن تأتي على نفسه ، فولى عنه أبوالأعور جريحاً ) .
3 . وكان يخاف من الأشتر ، فقد كان على مقدمة معاوية قرب صفين وجاءه الأشتر فخنس منه ، قال ابن الأعثم ( 2 / 566 ) : ( فلما نظر أبوالأعور إلى جند أهل العراق قد وافوا صاح بأصحابه : احملوا على هؤلاء الكلاب !
قال : فحمل القوم بعضهم على بعض فاقتتلوا قتالاً شديداً ، وجعل الأشتر يقول لأصحابه : ويلكم ! أروني أباالأعور هذا الذي بدأنا به معاوية حتى أنظر إليه ، فقالوا : هو الواقف على التل صاحب الفرس الأشقر ، فقال الأشتر لرجل
--------------------------- 252 ---------------------------
من أصحابه يقال له سنان بن مالك النخعي : إذهب إلى أبي الأعور فادعه إلى المبارزة ! قال : فأقبل الفتى حتى وقف قريباً من عسكر أهل الشام ثم قال : إني رسول ولا تؤذوني ، فقال له أهل الشام : أنت آمن فهلم وقل ما أحببت . قال : فجاء الفتى إلى أبي الأعور فقال : إن الأشتر يدعوك إلى مبارزته ، قال : فسكت أبوالأعور ساعة ثم قال : إن جهل الأشتر وسوء رأيه هو الذي حمله على ما فعل بعثمان بن عفان ، أنه قبح محاسنه وأظهر عداوته ، ثم سار إليه في داره وقراره حتى قتله ، انصرف عني فلا حاجة لي في مبارزته ، فقال سنان : إنك قد تكلمت فاسمع الجواب ! فقال : لا حاجة لي في جوابك ، انصرف من حيث جئت .
قال : فرجع سنان إلى الأشتر فأخبره بذلك ، فتبسم الأشتر وقال : إنه نظر لنفسه ، ولو بارزني لبريت يديه ، ولكن احملوا عليهم !
قال : فحملت أهل العراق على أهل الشام واقتتلوا قتالاً عظيماً يوم ذلك إلى الليل ، فلما كان وجه السحر انهزم أبوالأعور في أصحابه ، حتى سار إلى معاوية فأخبره بما كان من أمره ، فقال معاوية : فكيف رأيت حرب القوم ؟ فقال : يا معاوية لا تسأل عن شئ فإن الخطر عظيم ) .
4 . كان معاوية يعبئ أصحابه بضغائن بدر وأحد والأحزاب وحنين .
ففي مناقب الخوارمي / 234 : ( اجتمع عند معاوية الملأ من قومه ، فذكروا شجاعة علي وشجاعة الأشتر فقال عتبة بن أبي سفيان : إن كان الأشتر شجاعاً لكن علياً لانظيرله في شجاعته وصولته وقوته . قال معاوية : ما منا أحد إلا وقد قتل علي أباه أو أخاه أو ولده ، قتل يوم بدر أباك يا وليد ، وقتل عمك يا أباالأعور يوم أحد ، وقتل يا ابن طلحة الطلحات أباك يوم الجمل ، فإذا اجتمعتم عليه أدركتم ثاركم منه ، وشفيتم صدوركم ، فضحك الوليد بن عقبة بن أبي معيط من قوله وأنشأ يقول :
يقول لكم معاوية بن حرب * أما فيكم لواتركم طلوب
يشد على أبي حسن علي * بأسمر لا تهجنه الكعوب
فيهتك مجمع اللبات منه * ونقع القوم مطرد يثوب
--------------------------- 253 ---------------------------
فقلت له أتلعب بابن هند * كأنك وسطنا رجل غريب
أتأمرنا بحية بطن واد * إذا نهشت فليس لها طبيب
وبُسْر مثلها لاقى جهاداً * فأخطأ نفسه الأجل القريب
سوى عمرو وقته خصيتاه * نجا ولقلبه منها وجيب
كأن القوم لما عاينوه * خلال النقع ليس لها قلوب
وقد نادى معاوية بن حرب * فاسمعه ولكن لا يجيب )
وروي أن علياً حمل عليه وقال : خذها يا ابن النابغة ، فسقط عن فرسه وأبدى عورته ، فقال له على : يا ابن النابغة أنت طليق دبرك أيام عمرك ) !
5 . قال الخوارزمي في المناقب / 220 : ( فأرسل الأشتر إلى أبي الأعور : أن أبرز إلي فبرز إليه لكثرة ما دعاه الأشتر إليه وعليه درع مذهب وبيضة عادية ، فتقهقرا ليحمل كل واحد منهما على صاحبه وعمرو ينظر إليهما ، فحمل الأشتر عليه فضربه على بيضته فقطع أنف البيضة ووقع السيف في وجنته فدمي وجهه ، وهرب أبوالأعور ، وحمل الأشعث وانهزم عسكر أبي الأعور وعمرو بن العاص ) .
6 . روى البلاذري ( 2 / 351 ) أن معاوية كان يلعن في صلاته : علياً والأشتر ، وقيس بن سعد والحسن والحسين ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وابن عباس ، وعبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهم . وأن علياً ( عليه السلام ) كان يقول في قنوته في صلاة الصبح : اللهم العن معاوية ، وعمراً ، وأباالأعور ، وحبيب بن مسلمة ، وعبد الرحمان بن خالد بن الوليد ، والضحاك بن قيس ، والوليد بن عقبة ) .
7 . روى ابن عساكر ( 62 / 432 ) أن معاوية عزل عمروالعاص عن مصر وأرسل إليها أباالأعور ، فاحتال عليه عمرو وأخذ كتاب معاوية وأخفاه فقال : أين كتابي ؟ فقال له عمرو : أليس إنما جئتنا زائراً لنحسن إليك ونكرمك ونبرك ؟ قال : إستعملني أمير المؤمنين وعزلك ! قال مهلاً لا تظهرن هذا منك ، إنه قبيح ! نحن نصلك ونحسن جائزتك ! وبلغ معاوية الخبر فاستضحك ، وأقر عمرواً على مصر ) . ثم عزله وأرجعه فمات أو قتله معاوية !
--------------------------- 254 ---------------------------
8 . وذكر المؤرخون أن أباالأعور السلمي ، كان مبعوث مروان بكتاب عثمان السري إلى ابن أبي سرح في مصر ، بأن يقتل محمد بن أبي بكر ومن معه ! فعثر عليه المصريون في الطريق ورجعوا إلى عثمان غاضبين !

  • *

ترجمة بُسْر بن أبي أرطاة

1 . قال ابن عبد البر في الإستيعاب ( 1 / 157 ) ملخصاً : ( بُسْر بن أبي أرطاة القرشي ، واسم أبي أرطاة عمير من بني عامر بن لؤي بن غالب بن فهر ، لم يسمع من النبي لأن رسول الله قبض وهو صغير . هذا قول الواقدي وابن معين وأحمد بن حنبل وغيرهم . وقالوا : خرف في آخره عمره . وأما أهل الشام فيقولون : إنه سمع من النبي . وكان يحيى بن معين يقول : لا تصح له صحبة وكان يقول فيه : رجل سوء ، لأمور عظام ركبها في الإسلام من ذبحه ابني عبيد الله بن العباس وهما صغيران بين يدي أمهما ، فأنشأت :
ها من أحس بنيي اللذين هما * سمعي وقلبي فقلبي اليوم مختطف
ها من أحس بنيي اللذين هما * مخ العظام فمخي اليوم مزدهف
ها من أحس بنيي اللذين هما * كالدرتين تشظى عنهما الصدف
نبئت بسراً وما صدقت ما زعموا * من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا
أنحى على ودجي ابني مرهَّفةً * مشحوذة وكذاك الأمر مقترف
من دل والهة حرى وثاكلة * على صبيين ضلا إذ غدا السلف
ثم وسوست فكانت تقف في الموسم تنشد هذا الشعر ، وتهيم على وجهها !
وجه معاوية بسر بن أرطاة الفهري لقتل شيعة علي فسار حتى أتى المدينة ،
وعامل المدينة يومئذ لعلي بن أبي طالب أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ، ففر أبو أيوب ولحق بعلي ، ودخل بسر المدينة فصعد منبرها ، فقال : يا أهل المدينة والله لولا ما عهد إلى معاوية ما تركت فيها محتلماً إلا قتلته . ثم أمر أهل المدينة بالبيعة لمعاوية وأرسل إلى بني سلمة فقال : ما لكم عندي أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله فأخبر جابر ، فانطلق حتى جاء إلى أم سلمة زوج النبي فقال لها : ما ذا ترين ؟
--------------------------- 255 ---------------------------
فإني خشيت أن أقتل وهذه بيعة ضلالة . فقالت : أرى أن تبايع ، وقد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع . فأتى جابر بسراً فبايعه لمعاوية ، وهدم بسر دوراً بالمدينة ثم مضى إلى اليمن وعامل اليمن لعلي عبيد الله بن العباس ، فلما بلغه أمر بسر فر إلى الكوفة حتى أتى علياً ، فأتى بسر ولقي ثقل عبيد الله بن العباس وفيه ابنان صغيران لعبيد الله بن العباس ، فقتلهما .
وكان بسر بن أرطاة من الأبطال الطَّغاة ، وكان مع معاوية بصفين ، فأمره أن يلقى علياً في القتال وقال له : سمعتك تتمنى لقاءه فلوأظفرك الله به وصرعته حصلت على دنياً وآخرة ، ولم يزل به يشجعه ويمنيه حتى رآه فقصده في الحرب فالتقيا فطعنه علي فصرعه ، فانكشف له فكف عنه ، كما عرض له فيما ذكروا مع عمرو بن العاص ) .
ومعنى انكشف له : أنه رمى بنفسه عن فرسه وسجد على الأرض وكشف دبره ! فقد تعلم ذلك من عمرو العاص ، الذي كان يعرف أن علياً ( عليه السلام ) لا ينظر إلى العورات ، فأعرض علي ( عليه السلام ) عن عمرو وقال له : يا ابن النابغة ، أنت طليق دبرك أيام عمرك ! ونادى بسراً : يا بسر ، معاوية كان أحق بهذا منك ! فرجع بسر إلى معاوية فقال له معاوية : إرفع طرفك قد أدال الله عمراً منك ) .
2 . وكان بسر معروفاً بالجبن ، ويدل على جبنه وحشيته وكثرة تقتيله في غارته . قال ابن الأعثم في الفتوح ( 3 / 132 ) : ( وأقبل إلى معاوية رجل من أجلاء أهل الشام حتى وقف بين يديه فقال : يا معاوية إنه قتل منا في هذا اليوم سبع مئة رجل ، ولم يقتل من أصحاب علي إلا أقل من ذلك ، وأنت الذي تفعل بنا ذلك ! لأنك تولي علينا من لا يقاتل معنا ، مثل عمرو بن العاص ، وبسر بن أرطاة ، وعبد الرحمن بن خالد ، وعتبة بن أبي سفيان ، وكل واحد من هؤلاء إنما يقاتل ساعة ثم يخرج من الغبار ) !
3 . كانت غارة بسر بن أرطاة على المدينة ومكة واليمن أفظع غارات معاوية ، وأكثرها فتكاً وتخريباً ونهباً وحرقاً وتقتيلاً ، فقد بلغ قتلاها ثلاثون ألفاً !
--------------------------- 256 ---------------------------
قال اليعقوبي ( 2 / 197 ) : ( وجه معاوية بُسر بن أبي أرطاة العامري في ثلاثة آلاف رجل ، فقال له : سر حتى تمر بالمدينة فاطرد أهلها ، وأخف من مررت به ، وانهب مال كل من أصبت له مالاً ممن لم يكن دخل في طاعتنا ، وأوهم أهل المدينة أنك تريد أنفسهم ، وأنه لا براءة لهم عندك ولا عذر ، وسرحتى تدخل مكة ولا تعرض فيها لأحد ، وأرهب الناس فيما بين مكة والمدينة ، واجعلهم شرادات .
ثم امض حتى تأتي صنعاء ، فإن لنا بها شيعة وقد جاءني كتابهم . فخرج بسر ، فجعل لا يمر بحي من أحياء العرب إلا فعل ما أمره معاوية !
وهدم دوراً بالمدينة ، ثم مضى حتى أتى مكة ، ثم مضى حتى أتى اليمن ، وكان على اليمن عبيد الله بن عباس عامل علي وبلغ علياً الخبر ، فقام خطيباً فقال : أيها الناس إن أول نقصكم ذهاب أولي النهي والرأي منكم الذين يحدثون فيصدقون ويقولون فيفعلون ، وإني قد دعوتكم عوداً وبدأً ، وسراً وجهراً ، وليلاً ونهاراً ، فما يزيدكم دعائي إلا فراراً ، ما ينفعكم الموعظة ولا الدعاء إلى الهدى والحكمة ، أما والله إني لعالم بما يصلحكم ، ولكن في ذلك فسادي ! أمهلوني قليلاً ، فوالله لقد جاءكم من يحزنكم ويعذبكم ويعذبه الله بكم ، إن من ذل الإسلام وهلاك الدين أن ابن أبي سفيان يدعو الأراذل والأشرار فيجيبون ، وأدعوكم وأنتم لاتصلحون فتراعون ! هذا بسر قد صار إلى اليمن وقبلها إلى مكة والمدينة ! فقام جارية بن قدامة السعدي فقال : يا أمير المؤمنين ! لاعدمنا الله قربك ، ولا أرانا فراقك ، فنعم الأدب أدبك ، ونعم الإمام والله أنت ، أنا لهؤلاء القوم فسرحني إليهم ! قال : تجهز فإنك ما علمتك رجل في الشدة والرخاء المبارك الميمون النقيبة ، ثم قام وهب بن مسعود الخثعمي فقال : أنا أنتدب يا أمير المؤمنين . قال : إنتدب بارك الله عليك .
فخرج جارية في ألفين ووهب ابن مسعود في ألفين وأمرهما علي أن يطلبا بُسراً حيث كان حتى يلحقاه ، فإذا اجتمعا فرأس الناس جارية ، فخرج جارية من البصرة ووهب من الكوفة حتى التقيا بأرض الحجاز ، ونفذ بسر من الطائف حتى قدم اليمن وقد تنحى عبيد الله بن عباس عن اليمن ، واستخلف بها عبد الله بن عبد المدان الحارثي ،
--------------------------- 257 ---------------------------
فأتاه بسرفقتله وقتل ابنه مالك بن عبد الله ، وقد كان عبيد الله خلف ابنيه عبد الرحمن وقثم عند جويرية ابنة قارظ الكنانية وهي أمهما ، وخلف معها رجلاً من كنانة ، فلما انتهى بسر إليها دعا ابني عبيد الله ليقتلهما ، فقام الكناني فانتضى سيفه وقال : والله لأقتلن دونهما فألاقي عذراً لي عند الله والناس ، فضارب بسيفه حتى قتل ! وخرجت نسوة من بني كنانة فقلن : يا بسر ! هذا الرجال يقتلون فما بال الولدان ! والله ما كانت الجاهلية تقتلهم ، والله إن سلطاناً لا يشتد إلا بقتل الصبيان ورفع الرحمة لسلطان سوء !
فقال بسر : والله لقد هممت أن أضع فيكن السيف ! وقدم الطفلين فذبحهما بيده بخنجر ! فقالت أمهما ترثيهما . . . ثم جمع بسر أهل نجران فقال : يا إخوان النصارى ! أما والذي لا إله غيره لئن بلغني عنكم أمرأكرهه لأكثرن قتلاكم . ثم سار نحو جيشان وهم شيعة لعلي فقاتلهم فهزمهم وقتل فيهم قتلاً ذريعاً ، ثم رجع إلى صنعاء .
وسار جارية بن قدامة السعدي حتى أتى نجران وطلب بسراً ، فهرب منه في الأرض ولم يقم له ، وقتل من أصحابه خلقاً ، وأتبعهم بقتل وأسر حتى بلغ مكة ، ومر بسر حتى دخل الحجاز لايلوي على شئ ، فأخذ جارية بن قدامة أهل مكة بالبيعة فقالوا : قد هلك عليٌّ فلمن نبايع ؟ قال : لمن بايع له أصحاب عليٍّ بعده .
حدثني أبو خالد الوالبي قال : قرأت عهد علي لجارية بن قدامة : أوصيك يا جارية بتقوى الله فإنها جموع الخير ، وسر على عون الله فالق عدوك الذي وجهتك له ولا تقاتل إلا من قاتلك ، ولا تجهز على جريح ، ولا تسخرن دابة وإن مشيت ومشى أصحابك ! ولا تستأثر على أهل المياه بمياههم ، ولا تشربن إلا فضلهم عن طيب نفوسهم ، ولا تشتمن مسلماً ولا مسلمة فتوجب على نفسك ما لعلك تؤدب غيرك عليه ، ولا تظلمن معاهداً ولا معاهدة ، واذكر الله ولا تفتر ليلاً ولا نهاراً ، واحملوا رجالتكم وتواسوا في ذات أيديكم ، واجدد السير وأجل العدو من حيث كان ، واقتله مقبلاً واردده بغيظه صاغراً ، واسفك الدم في الحق
--------------------------- 258 ---------------------------
واحقنه في الحق ، ومن تاب فاقبل توبته . وأخبارك في كل حين بكل حال ، والصدق الصدق فلا رأي لكذوب . قال : وحدث أبو الكنود أن جارية مر في طلب بسر فما كان يلتفت إلى مدينة ولا يعرج على شئ حتى انتهى إلى اليمن ونجران ، فقتل من قتل . وهرب منه بسر ، وحرَّق تحريقاً فسمي محرقاً ) .
4 . ( وقيل لمالك بن أنس : كان معاوية حليماً ، فقال : وكيف يكون حليماً من أرسل بسر بن أرطاة ما بينه وبين اليمن لا يسمع بأحد عنده خبر يخاف منه إلا قتله ! ما كان بحليم ولا مبارك ) ! ( شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2 / 169 ) .
5 . ذكر المؤرخون أن أبا هريرة ساعد بسراً على ظلم أهل المدينة فنصبه والياً عليها لمعاوية ! ولما قدم جارية بن قدامة هرب منه أبو هريرة !
قال الطبري ( 4 / 107 ) : ( وهرب بُسر وأصحابه منه واتبعهم حتى بلغ مكة . . ثم سار حتى أتى المدينة وأبو هريرة يصلي بهم فهرب منه ، فقال جارية : والله لو أخذت أباسنَّوْر لضربت عنقه ، ثم قال لأهل المدينة : بايعوا الحسن بن علي فبايعوه ، وأقام يومه ثم خرج منصرفاً إلى الكوفة ، وعاد أبو هريرة فصلى بهم ) ! . ( ومثله ابن كثير في النهاية : 7 / 357 ) .
6 . جعل معاوية فعل بسر فعل الله تعالى ! قال الثقفي في الغارات ( 2 / 639 ) : ( فقدم على معاوية فقال : يا أمير المؤمنين أحمد الله ، فإني سرت في هذا الجيش أقتل عدوك ذاهباً وراجعاً ، لم ينكب رجل منهم نكبة !
فقال معاوية : اللهُ فعل ذلك لا أنت ! وكان الذي قتل بسر في وجهه ذاهباً وراجعاً ثلاثين ألفاً ، وحرَّق قوماً بالنار ) !
7 . روى المفيد في الأمالي / 306 : ( اجتمع عبيد الله بن العباس من بعد وبسر بن أرطاة عند معاوية ، فقال معاوية لعبيد الله : أتعرف هذا الشيخ قاتل الصبيين ؟ فقال بسر : نعم أنا قاتلهما ، فمه ؟ فقال عبيد الله : لو أن لي سيفاً ! قال بسر : فهاك سيفي وأومأ بيده إلى سيفه ، فزبره معاوية وانتهره وقال : أف لك من شيخ ما أحمقك ! تعمد إلى رجل قد
--------------------------- 259 ---------------------------
قتلت ابنيه ، تعطيه سيفك ! كأنك لا تعرف أكباد بني هاشم . والله لو دفعته إليه لبدأ بك وثنى بي . فقال عبيد الله : بل والله كنت أبدأ بك ، ثم أثني به ) !
8 . ذكرالثقفي أن علياً ( عليه السلام ) دعا على بسر بن أرطاة فقال : ( اللهم إن بسراً باع دينه بدنياه وانتهك محارمك ، وكانت طاعة مخلوق فاجر آثرَ عنده مما عندك ! اللهم فلا تمته حتى تسلبه عقله !
اللهم العن معاوية وعمراً وبسراً ! أما يخاف هؤلاء المعاد ! فاختلط بسر بعد ذلك فكان يهذي ويدعو بالسيف ، فاتخذ له سيف من خشب ، فإذا دعا بالسيف أعطي السيف الخشب فيضرب به حتى يغشى عليه ، فإذا أفاق طلبه فيدفع إليه ، فيصنع به مثل ذلك ! حتى مات ، لارحمه الله ) !
9 . وكان أبو هريرة متحمساً لمعاوية ، فتقرب اليه بمساعدة بسر بن أرطاة على أهل المدينة ، ثم أخذ يتقرب اليه بالطعن بعلي ( عليه السلام ) والافتراء عليه !
قال الأعمش : ( لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة ، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثى على ركبتيه ثم ضرب صلعته مراراً وقال : يا أهل العراق أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسوله وأحرق نفسي بالنار ! والله لقد سمعت رسول الله يقول : إن لكل نبي حرماً ، وإن حرمي بالمدينة ما بين عير إلى ثور ، فمن أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين . وأشهد بالله أن علياً أحدث فيها ! فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاه إمارة المدينة ) . ( شرح النهج : 4 / 67 ) .
وكان أبو هريرة يجلس بالعشيات بباب كندة ويجلس الناس إليه ، فجاء شاب من الكوفة فجلس إليه فقال : يا أبا هريرة أنشدك الله أسمعتَ رسول الله يقول لعلي بن أبي طالب : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ؟ فقال : اللهم نعم . فقال : أنا منك برئ ، فأشهد بالله لقد واليت عدوه وعاديت وليه ! فحصبه الناس بالحصباء ) ! ( مصنف ابن أبي شيبة : 7 / 499 ) .
ولم يحفظ أكثر الرواة والمؤلفين الأمانة في هذا الحديث ، فحذفوا كلام هذا الشاب ! كما في
--------------------------- 260 ---------------------------
مجمع الزوائد : 9 / 105 ، وأبي يعلى : 11 / 307 ، وابن سعد : 2 / 110 ، وتاريخ دمشق : 42 / 232 والنهاية : 5 / 232 . وقد استوفاه الأميني ( رحمه الله ) في المناشدة بحديث الغدير / 82 ، والسيد الميلاني في نفحات الأزهار : 7 / 53
والسيد الطباطبائي في طرق حديث من كنت مولاه / 81 ، والأنصاري في المسانيد : 2 / 493 )
وروى في الغارات ( 2 / 636 ) خطبته ( عليه السلام ) : ( أيها الناس ! ألا إن بُسراً قد أطلع اليمن ، وهذا عبيد الله بن عباس وسعيد بن نمران ( والياه على اليمن ) قدما عليَّ هاربين ! ولا أرى هؤلاء القوم إلا ظاهرين عليكم لاجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم ، وطاعتهم لإمامهم ومعصيتكم لإمامكم ، وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم إياي ! إني وليت فلاناً فخان وغدر واحتمل فيئ المسلمين إلى معاوية ، ووليت فلاناً فخان وغدر وفعل مثله ، فصرت لا أئتمنكم على علاقة سوط ، وإن ندبتكم إلى عدوكم في الصيف قلتم : أمهلنا ينسلخ الحر عنا ، وإن ندبتكم في الشتاء قلتم : أمهلنا ينسلخ القَرُّ عنا ، اللهم إني قد مللتهم وملوني وسئمتهم وسئموني ، فأبدلني بهم من هوخير لي منهم ، وأبدلهم بي من هو شر لهم مني ، اللهم مث قلوبهم ميث الملح في الماء ، ثم نزل ) !

  • *
    --------------------------- 261 ---------------------------

الفصل السادس والسبعون: معجزات الإمام الست في طريقه إلى صفين

المسافة والطريق الذي سلكه أمير المؤمنين ( عليه السلام )

1 . تبلغ المسافة من الكوفة إلى دمشق 777 كيلو متراً . والمسافة من الكوفة إلى الرقة 478 كيلومتراً . ( جدول المسافات في شبكة النت ) .
ومعناه أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قصد بجيشه دمشق مركز معاوية ، وقطع أكثر المسافة بينها وبين الكوفة ، وجعل المعرطة مع معاوية في صفين داخل سوريا .
وقد سلك أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى صفين : طريق الكوفة إلى كربلاء ، ثم إلى المدائن ، ثم إلى الرمادي أو الأنبار ، ثم هيت ، ثم حديثة ، ثم عانات ، ثم البو كمال ، ثم الميادين أو الرحبة ، ويقابلها في غربي الفرات قرقيسيا ، ثم مراط ، ثم زلبية ، ثم الرقة ، ومنها عَبَرالإمام ( عليه السلام ) الفرات إلى صفين في الضفة الأخرى . فأرض صفين متصلة بالرقة ، وهي وادي صفين وجبل صفين ، وهي قريبة نسبياً من حلب ، يفصلها عنها : بالِس ومَسْكَنَةُ حلب .
2 . كانت الحيرة قبل الإسلام مهداً للنصرانية ، وقد وصل بعض الباحثين المعاصرين إلى أن النجف وحدها كان فيها أكثر من ثلاثين ديراً وكنيسة :
http : / / www . ankawa . com / forum / index . php ? topic = 565802 . 0 ; wap 2
ونلاحظ في نصوص صفين وجود أديرة عديدة في طريق الشام ، كالذي بين هيت وحديثة ، والذي عند الرقة ، وفيهما راهبان من ذرية شمعون ، وهذا يدل على عراقة المسيحية في العراق ، وتأثير شمعون الصفا ( عليه السلام ) فيها .
--------------------------- 262 ---------------------------
3 . في مراصد الاطلاع ( 2 / 853 ) : ( صندوداء : قرية كانت في غربي الفرات ،
فوق الأنبار ، خربت ، وبها مشهد لعلي بن أبي طالب ) .
وفي الخرائج ( 2 / 864 ) : ( وصندوداء : بلدة في الطريق ما بين الشام والعراق ) . راجع معجم البلدان ( 3 / 425 ) ووقعة صفين / 528 .
وفي معجم البلدان ( 1 / 493 ) : ( البليخ ، الخاء معجمة : اسم نهر بالرقة يجتمع فيه الماء من عيون ، وأعظم تلك العيون عين يقال لها الذهبانية في أرض حران ، فيجري نحو خمسة أميال ثم يسير إلى موضع قد بنى عليه مسلمة بن عبد الملك حصناً ، يكون أسفله قدر جريب وارتفاعه في الهواء أكثر من خمسين ذراعاً ، وأجرى ماء تلك العيون تحته ، فإذا خرج من تحت الحصن يسمى بليخا ، ويتشعب من ذلك الموضع أنهار تسقي بساتين وقرى ثم تصب في الفرات تحت الرقة بميل ، قال ابن دريد : لا أحسب البليخ عربياً ) .
4 . في معجم البلدان ( 3 / 414 ) : ( صِفِّين : بكسرتين وتشديد الفاء . . وهو موضع بقرب الرقة على شاطئ الفرات من الجانب الغربي بين الرقة وبالس ، وكانت وقعة صفين بين علي ومعاوية في سنة 37 ، في غرة صفر ) .
5 . وقال ابن حوقل في كتابه : صورة الأرض ( 1 / 34 ) : ( بَرِّيَّة خَسَّاف : فيما بين الرقة وبالس عن يسار الذاهب إلى الشام ، وصفين أرض من هذه البادية بقرب الفرات ، ما بين الرقة وبالس ، وهو الموضع الذي كان به حرب علي ومعاوية . ورأيت هذا الموضع فرأيت عجباً ! وذلك أنا كنا سائرين من تحته في الفرات وهو ربوة عظيمة ، فعددنا عليها ثمانية قبور أو تسعة ، ومن فوقها ربوة أعلى منها ، فعددنا عليها بضعة عشر قبراً ظاهرة بيِّنة لمن يتأملها ، ولم تختلف جماعة كنت فيهم في عدد قبور الموضعين ، ثم صعدنا المكان الذي عددنا فيه هذه القبور ، فلم نر فيه ولا لقبر واحد أثراً ) !
وقال ابن حوقل أيضاً ( 1 / 226 ) : ( وفي غربي الفرات بين الرقة وبالس أرض صفين ، وبها قبر عمار بن ياسر وأكثر أصحاب علي ( عليه السلام ) . وصفين أرض على الفرات مطلة من شرف عالي السَّمْك ، ويرى من كان بالفرات منه عجباً ، وذلك أنه يرى قبوراً في موضعين أحدهما أعلى من الآخر ، ويَعُدُّ في أحد الموضعين دون العشرة قبور ، وفي
--------------------------- 263 ---------------------------
الآخر نحو عشرين قبراً ، ويصعد إلى المكان فلا يرى لذلك أثراً ، ولا يحس منه خبراً ! وإني لأستقبح أن أحكي هذه الحكاية ولكن بلغتني فكذبتها ، ثم رأيتها فلزمني حكايتها تصديقاً لمن تقدم بالحكاية اليَّ وإن عَرَّضت نفسي للتهم ! على أن أكثر من قتل من أصحاب علي هناك معروفة قبورهم ، وخبرني من رأى هنالك بيتاً ، ينسب أنه كان بيت مال علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) .
وحَرَّان مدينة تلي الرقة في الكبر ، وهي مدينة الصابئين وبها سدنتهم ، ولهم بها طربال كالطربال ( علم مبني ) الذي بمدينة بلخ ، عليه مصلى الصابئين ، يعظمونه وينسبونه إلى إبراهيم ( عليه السلام ) ) .
أقول : يقصد ابن حوقل أن أرض صفين مرتفعة ونهر الفرات منخفض كثيراً عندها ، والراكب في سفينة في الفرات ينظراليها فوقه فيرى عليها قبوراً في موضعين أحدهما أعلى من الآخر ، في ربوة نحو عشرة قبور ، وفي الثانية أكثر ، لكنه إذا صعد إليها لا يجد أثراً لأي قبر ! ويؤكد ابن حوقل وهو عالم موثوق أن ذلك حقيقة ، وأنه لم يصدقه حتى رآه بعينه ! واعتبره معجزة وأن الله تعالى يخفي قبور الشهداء من أصحاب علي ( عليه السلام ) ليحفظها من الإهانة والتخريب من أعدائه .
أما اليوم فقد رأينا قبر عمار بن ياسر وأويس القرني ( رضي الله عنه ) ، ولم نلاحظ المعجزة المذكورة . وقد قام الوهابيون بتفجير مسجده ، ولو كان لبني أمية لأبقوه !

  • *

المعجزة الأولى : إخباره ( عليه السلام ) عن كربلاء

1 - قال نصر : قال هرثمة بن سليم : غزونا مع علي بن أبي طالب غزوة صفين ، فلما نزلنا بكربلا صلى بنا صلاة ، فلما سلم رفع إليه من تربتها فشمها ثم قال : واهاً لك أيتها التربة ، ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب . فلما رجع هرثمة من غزوته إلى امرأته وهي جرداء بنت سمير ، وكانت شيعة لعلي ، فقال لها زوجها هرثمة : ألا أعجبك من صديقك أبي الحسن ؟ لما نزلنا كربلا رفع إليه من تربتها فشمها وقال : واهاً لك يا تربة ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير
--------------------------- 264 ---------------------------
حساب ، وما علمه بالغيب ؟ فقالت : دعنا منك أيها الرجل ، فإن أمير المؤمنين لم يقل إلا حقاً . فلما بعث عبيد الله بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين بن علي وأصحابه ، قال : كنت فيهم في الخيل التي بعث إليهم ، فلما انتهيت إلى القوم وحسين وأصحابه ، عرفت المنزل الذي نزل بنا عليٌّ فيه والبقعة التي رفع إليه من ترابها ، والقول الذي قاله ، فكرهت مسيري فأقبلت على فرسي حتى وقفت على الحسين فسلمت عليه وحدثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل ، فقال الحسين : معنا أنت أو علينا ؟ فقلت : يا ابن رسول الله لامعك ولا عليك . تركت أهلي وولدي أخاف عليهم من ابن زياد . فقال الحسين : فول هرباً حتى لا ترى لنا مقتلاً ، فوالذي نفس محمد بيده لا يرى مقتلنا اليوم رجل ولا يغيثنا إلا أدخله الله النار . قال : فأقبلت في الأرض هارباً حتى خفى علي مقتله ) .
ورواه في أمالي الصدوق / 199 ، بتفاوت يسير ، عن جرداء بنت سمين ، عن زوجها هرثمة . راجع أيضاً : كامل الزيارات : 108 / 3 ، وشرح الأخبار : 3 / 141 ، ومناقب محمد بن سليمان : 2 / 26 ، وشرح الأخبار : 3 / 141 ، والبحار : 44 : 255 ، 257 ، 284 .
وقال نصر : قال سعيد بن وهب : ( بعثني مخنف بن سليم إلى علي فأتيته بكربلاء : فوجدته يشير بيده ويقول : ها هنا ، ها هنا ! فقال له رجل : وما ذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال : ثقل لآل محمد ينزل هاهنا ، فويل لهم منكم وويل لكم منهم . فقال له الرجل : ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين ؟ قال : ويل لهم منكم : تقتلونهم ، وويل لكم منهم : يدخلكم الله بقتلهم إلى النار .
عن الحسن بن كثير عن أبيه : أن علياً أتى كربلاء فوقف بها فقيل يا أمير المؤمنين هذه كربلاء . قال : ذات كرب وبلاء . ثم أومأ بيده إلى مكان فقال : هاهنا موضع رحالهم ومناخ ركابهم ، وأومأ بيده إلى موضع آخر فقال : هاهنا مهراق دمائهم !
2 - وقد روت عامة المصادر أنه ( عليه السلام ) مرَّ بكربلاء في ذهابه إلى صفين أو إيابه .
ففي مسند أحمد ( 1 / 85 ) : ( عن عبد الله بن نجي عن أبيه ، إنه سار مع علي كرم الله وجهه وكان صاحب مطهرته ، فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين فنادى علي : إصبر أبا عبد الله ! إصبر أبا عبد الله بشط الفرات !
قلت : وماذا ؟ قال : دخلت على النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ذات يوم وعيناه تفيضان قلت : يا نبي الله
--------------------------- 265 ---------------------------
أغضبك أحد ، ما شأن عينيك تفيضان ؟ قال : بل قام عندي جبريل فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات ! قال فقال : هل لك أن أشمك من تربته ؟ قال قلت : نعم . فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها ، فلم أملك عينيَّ أن فاضتا ) !
وروى ابن أبي شيبة ( 15 / 98 ) : ( عن أبي هرثمة قال : بَعَرت شاة له فقال لجارية له : يا جرداء لقد أذكرني في هذا البعر حديثاً سمعته من أمير المؤمنين وكنت معه كربلاء ، فمر بشجرة تحتها بعر غزلان ، فأخذ منه قبضة فشمها ثم قال : يحشرون من هذا الظهر سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ) . وقال في الزوائد ( 9 / 191 ) : رواه الطبراني ، ورجاله ثقات .
وروى ابن أبي شيبة أيضاً ( 5 / 97 ) : ( عن هانئ بن هانئ ، عن علي كرم الله وجهه قال : ليقتلن الحسين قتلاً ، وإني لأعرف تربة الأرض التي بها يقتل ، يقتل قريباً من النهرين ، وليقتلن الحسين ظلماً ) . ووثقه في الزوائد ( 9 / 190 ) .
ووثق أيضاً ما رواه الطبراني في المعجم الكبير ( 3 / 110 ) : ( عن علي قال : ليقتلن الحسين ، وإني لأعرف التربة التي يقتل فيها ، قريباً من النهرين ) .
3 - وروته مصادرناً مفصلاً ، كما في إرشاد المفيد ( 1 / 332 ) : ( عن جويرية بن مسهرالعبدي قال : لما توجهنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) إلى صفين فبلغنا طفوف كربلاء وقف ( عليه السلام ) ناحية من العسكر ، ثم نظر يميناً وشمالاً واستعبر ، ثم قال : هذا والله مناخ ركابهم وموضع منيتهم !
فقيل له : يا أمير المؤمنين ما هذا الموضع ؟ قال : هذا كربلاء ، يقتل فيه قوم يدخلون الجنة بغير حساب ! ثم سار . فكان الناس لا يعرفون تأويل ما قال حتى كان من أمر أبي عبد الله الحسين بن علي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وأصحابه بالطف ما كان ، فعرف حينئذ من سمع مقاله مصداق الخبر فيما أنبأهم به ( عليه السلام ) ) .
وفي كامل الزيارات / 453 ، عن الصادق ( عليه السلام ) قال : ( مرَّأمير المؤمنين ( عليه السلام ) بكربلاء في أناس من أصحابه ، فلما مر بها اغرورقت عيناه بالبكاء ، ثم قال : هذا مناخ ركابهم ، وهذا ملقى رحالهم ، وهنا تهرق دماؤهم ، طوبى لك من تربة ،
--------------------------- 266 ---------------------------
عليك تهرق دماء الأحبة ) . وقرب الإسناد / 26 ، وخصائص الأئمة / 47 .
4 - وروى ابن مردويه الأصفهاني في مناقب علي وما نزل فيه من القرآن / 208 :
( عن ابن عباس ، قال : كنت مع علي بن أبي طالب في خروجه إلى صفين ، فلما نزل بنينوى وهو شط الفرات قال بأعلى صوته : يا ابن عباس أتعرف هذا الموضع ؟ قلت : نعم . قال : لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتى تبكي كبكائي . قال : فبكى طويلاً حتى اخْضَلَّت لحيته وسالت الدموع على صدره وبكينا معه وهو يقول : أوه أوه ! مالي ولآل أبي سفيان ؟ مالي ولآل حرب حزب الشيطان وأولياء الكفر ! صبراً أبا عبد الله ، فقد لقيَ أبوك مثل الذي تلقى منهم . ثم دعا بماء فتوضأ وضوء الصلاة فصلى ما شاء الله أن يصلي . ثم ذكر نحو كلامه الأول ، إلا أنه نعس عند انقضاء صلاته ساعة ، ثم انتبه فقال : يا ابن عباس ؟ فقلت : ها أنا ذا . قال : ألا أُحدثك بما رأيت في منامي آنفاً عند رقدتي ؟ قلت : نامت عيناك ورأيت خيراً .
قال : رأيت كأني برجال بيض قد نزلوا من السماء ، معهم أعلام بيض قد تقلدوا سيوفهم وهي بيض تلمع ، وقد خطوا حول هذه الأرض خطة ، ثم رأيت كأن هذه النخيل وقد ضربت بأغصانها الأرض ، وهي تضطرب بدم عبيط ، وكأني بالحسين سخلي وفرخي وبضعتي قد غرق فيه ، يستغيث فلا يغاث ، وكأن الرجال البيض الذين نزلوا من السماء ينادونه ويقولون : صبراً آل الرسول فإنكم تُقتلون على أيدي شرار الناس ، وهذه الجنة يا أبا عبد الله إليك مشتاقة . ثم يعزونني ويقولون : يا أبا الحسن ، أبشر فقد أقرالله به عينك يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين . ثم انتبهت هكذا !
والذي نفسي بيده ، لقد حدثني الصادق المصدَّق أبو القاسم ( ( عليهما السلام ) ) أني سأراها في خروجي إلى أهل البغي علينا . وهذه أرض كرب وبلاء يدفن فيها الحسين وسبعة عشر رجلاً كلهم من ولدي وولد فاطمة ( عليها السلام ) ، وإنها لفي السماوات معروفة ، تذكر أرض كرب وبلاء كما تذكر بقعة الحرمين ، وبقعة بيت المقدس . ثم قال : يا بن عباس ، أطلب لي حولنا بعرالظباء ، فوالله ما كَذبت ولا كُذبت ولا كَذَبني قط ، وهي مصفرة ، لونها لون الزعفران . قال ابن عباس : فطلبتها فوجدتها مجتمعة فناديته : يا أمير المؤمنين قد
--------------------------- 267 ---------------------------
أصبتها على الصفة التي وصفتها . فقال علي : صدق الله وصدق رسوله ( ( عليهما السلام ) ) ثم قام يهرول إلينا فحملها وشمها ، فقال : هي هي بعينها ، أتعلم يا ابن عباس ما هذه الأباعر ؟ هذه قد شمها عيسى بن مريم وقال : هذا الطيب لمكان حشيشها ، وتكلم بكل ما قدمناه إلى أن قال : اللهم فابقها أبداً حتى يشمها أبوه فتكون له عزاء . قال : فبقيت إلى يوم الناس هذا !
ثم قال علي ( عليه السلام ) : اللهم يا رب عيسى بن مريم لاتبارك في قتلته ، والحامل عليه والمعين عليه والخاذل له . ثم بكى طويلاً فبكينا معه حتى سقط لوجهه مغشياً عليه ، ثم أفاق وأخذ البعر وصره في ردائه ، وأمرني أن أصرها كذلك . ثم قال : إذا رأيتها تنفجر دماً عبيطاً فاعلم أن أبا عبد الله قد قُتل بها ودفن . قال ابن عباس : لقد كنت أحفظها ولا أحلها من طرف كمي ، فبينا أنا في البيت نائم وقد خلا عشرالمحرم إذ انتبهت فإذا تسيل دماً فجلست وأنا باكٍ فقلت : قُتل الحسين ، وذلك عند الفجر ، فرأيت المدينة كأنها ضباب ، ثم طلعت الشمس وكأنها منكسفة ، وكأن على الجدران دماً فسمعت صوتاً يقول وأنا باك :
إصبروا آل الرسول * قُتل الفرخ البجول
نزل الروح الأمين * ببكاء وعويل
ثم بكى وبكيت ، ثم حَدثت الذين كانوا مع الحسين فقالوا : لقد سمعنا ما سمعت ونحن في المعركة . فكنا نرى أنه الخضر ( عليه السلام ) ) .

  • *

المعجزة الثانية : ثمانية إمامهم الضب !

سار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من الكوفة يوم الأحد ، وأعلن للناس أن موعدهم في المدائن يوم الجمعة ، فتأخر عنهم الأشعث وأصدقاؤه المترفون ، وقالوا نحن على خيولنا ، نتأخر أياماً ثم نصل في الموعد ! فخرجوا للصيد وشرب الخمر في منتزه الكوفة ، ونزلوا في قصرالخورنق ، وكان اشتراه الأشعث .
روى في الخرائج ( 2 / 747 ) ومناقب آل أبي طالب ( 2 / 97 ) : « بإسناده عن الأصبغ
--------------------------- 268 ---------------------------
قال : أمرنا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالمسيرمن الكوفة إلى المداين ، فسرنا يوم الأحد وتخلف عنا عمرو بن حريث ، والأشعث بن قيس ، وجرير بن عبد الله البجلي ، مع خمسة نفر فخرجوا إلى مكان بالحيرة يقال له الخورنق والسدير وقالوا : إذا كان يوم الجمعة لحقنا علياً قبل أن يُجَمِّعَ الناس فصلينا معه .
فبينا هم جلوس وهم يتغدون إذ خرج عليهم ضب فاصطادوه ، فأخذه عمرو بن حريث فبسط كفه فقال : بايعوا هذا أمير المؤمنين ! فبايعه الثمانية ثم أفلتوه وارتحلوا ، وقالوا : إن علي بن أبي طالب يزعم أنه يعلم الغيب ، فقد خلعناه وبايعنا مكانه ضباً ! فقدموا المداين يوم الجمعة فدخلوا المسجد وأمير المؤمنين يخطب على المنبر فقال : يا أيها الناس ، إن رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) أسرَّ فيما أسرَّ إليَّ من العلم حديثاً فيه ألف باب ، وكل باب يفتح منه ألف باب ، وإني سمعت الله يقول : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ . وإني أقسم بالله قسماً حقاً ليبعثن يوم القيامة ثمانية نفر من عسكري هذا يدعون أنهم أصحابي لحقوا بنا آنفاً ، إمامهم ضبٌّ اصطادوه في طريقهم وبايعوه ، ولو شئت أن أسميهم لفعلت ! فتغيرت ألوانهم وارتعدت فرائصهم ، وكان عمرو بن حريث ينتفض كما تنتفض السعفة ، جبناً وفرقاً » !
ورواه الصفار في بصائر الدرجات / 326 ، في الصحيح وفيه : ( فصادوه فأخذه عمرو بن حريث ، فبسط كفاً فقال : بايعوه هذا أمير المؤمنين ! فبايعه السبعة وعمرو ثامنهم . فلما دخلوا نظر إليهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقال : يا أيها الناس إن رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) أسر إليَّ ألف حديث في كل حديث ألف باب لكل باب مفتاح ، وإني سمعت الله يقول : يوم ندعو كل أناس بإمامهم ، وإني أقسم لكم بالله ليبعثن ثمانية نفر إمامهم الضب ، ولو شئت أن أسميهم فعلت ! قال : فلو رأيت عمرو بن حريث ينتقض كما تنتقض السعفة ،
حياء وفرقاً ) .
وفي الهداية الكبرى / 134 : ( وخرج القوم إلى الخندق وذهبوا ومعهم سُفرة وبسطوا في الموضع وجلسوا يشربون الخمر ، فمر بهم ضبٌّ فأمروا غلمانهم فصادوه لهم وأتوهم به ، فخلعوا أمير المؤمنين وبايعوا الضب وبسطوا يده ، وقالوا له : أنت والله إمامنا ما
--------------------------- 269 ---------------------------
بيعتنا لك ولعلي بن أبي طالب إلا واحدة ، وإنك لأحب إلينا منه ) ! والنجاشي / 71 ، والوافي للصفدي : 1 / 59 ، والنهاية : 5 / 91 .
( وفي رواية أن الإمام الباقر ( عليه السلام ) وصف عيني أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقال : فنظر اليه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بعينيه تينك العظيمتين ) ! ( الخصال : 2 / 240 )

  • *

ملاحظات على الحديث

1 . في الدر النظيم / 313 ، أن قول النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) هذا كان يوم جاء الحارث بن النعمان الفهري بعد غدير خم معترضاً فقال له النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) إن ذلك بأمر الله تعالى ، فقال : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَالْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . فرماه الله بحجر فقتله ، فقال أحد أصحابه وقد رأى ضباً : والله لولاية هذا الضب علينا أجود من ولاية علي بن أبي طالب ! فقال إلى رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) :
إنه يأتي يوم القيامة قوم وإمامهم ضب ) !
وقال الصادق ( عليه السلام ) ( المناقب : 2 / 242 ) قال رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : أما إن جبرئيل نزل علي وأخبرني أنه يؤتى يوم القيامة بقوم إمامهم ضب ، فانظروا أن لا تكونوا أولئك ، فإن الله تعالى يقول : يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) .
2 . يظهرأن الصيغة المتقدمة لحديث الألف باب من العلم ، من أدقِّ الصيغ فالموضوعات التي علمه إياها النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ألف حديث ، وفي كل حديث منها ألف باب ، ولكل باب ألف مفتاح ! وكلها أسرارٌ لا يمكن للإنسان العادي أن يستوعبها ! فهذا المستوى من القدرة على الإستيعاب والتحمل ، لا يتحقق إلا في أناس نادرين يصير أحدهم أهلاً لأن يصطفيه الله تعالى ، فيطوِّر قدراته العقلية والنفسية ، ويضع في شخصيته جنبة ملائكية يتلقى بها هذه العلوم ! وعندما يعطيه هذه العلوم يجعل معه ملائكة يحفظونها ليعيش حياته الطبيعية بالعلم الظاهري ، ويستعمل طرفاً من العلم اللدني في وقته المناسب ! وهذا هو معنى
--------------------------- 270 ---------------------------
قوله تعالى : عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً . إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً .
3 . يظهر بذلك مقام النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وأن ما أعطاه ربه عز وجل فوق تصور أذهاننا وإدراك عقولنا ! فقد استطاع أن يلقن تلك العلوم لعلي ( عليه السلام ) في جلسة واحدة ، لم تزد على ساعة أو ساعتين ، فقد روى المسلمون أن هذا الحديث كان في مرض وفاته ( ( عليهما السلام ) )
وأنه دعا علياً وناجاه بمفرده طويلاً ، وكان المسلمون ينتظرونه ! وهذا مقام يشبه مقام جبرئيل ( عليه السلام ) في تلقينه النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) !
4 . يظهر من نصوص الألف باب أن جزءً منها علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب فهي إذن أعظم من ذلك . ويظهر أن هذه المعجزة التي أظهرها في ابن حريث وأصحابه ، إحدى ثمرات الألف باب ، وأن باستطاعته ( عليه السلام ) وهو يخطب على منبرالمدائن أن يوجه نفسه الشريفة لمعرفة حال عمرو بن حريث وحزبه ، الذين وصلوا لتوهم ، فيريه الله تعالى سبب تأخرهم ، ومشهدهم عندما أخذ ابن حريث يد الضب وأعلن خلع علي ( عليه السلام ) وبيعة الضب بدله فبايعوه كلهم سخرية بأمير المؤمنين ( عليه السلام ) وبالدين ! ثم يريه الله تعالى إياهم في المحشر ، يوم يدعون وإمامهم الضب الذي بايعوه !
5 . يظهر أن تأثير هذه المعجزة كان بليغاً في إفحام المنافقين وخشوع المؤمنين !
ولكن المنافقين كانوا مع ذلك يتمادون في عنادهم ! وهذه سنة الله تعالى ، فقد واجهت قريش معجزات النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) بالقول إنها سحر ، وإن بني عبد المطلب سَحَرَة ! وكذلك واجه أبناؤهم وأتباعهم كالأشعث وابن حريث عترة النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ! فكان الأشعث بن قيس يقول لمعاوية إن علياً ساحر كذاب ! وقد ذكرنا في ترجمته أنه في احتضاره جاءه عنق النار وأحرقه !

  • *
    --------------------------- 271 ---------------------------

المعجزة الثالثة : كلمته جمجمة كسرى

قال نصر : ثم مضى نحو ساباط حتى انتهى إلى مدينة بَهْرَ سِير ( أكبر مدن المدائن ) وإذا رجل من أصحابه يقال له حر بن سهم بن طريف من بني ربيعة بن مالك ، ينظر إلى آثار كسرى ، وهو يتمثل قول ابن يعفر التميمي :
جرت الرياح على مكان ديارهم * فكأنما كانوا على ميعاد
فقال علي ( عليه السلام ) : أفلا قلت : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ . كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ . فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ . إن هؤلاء كانوا وارثين فأصبحوا موروثين ، إن هؤلاء لم يشكروا النعمة فسلبوا دنياهم بالمعصية . إياكم وكفر النعم لا تحل بكم النقم . ثم قال : إنزلوا بهذه النجوة .
وروى عن حبة العرني قال : أمر علي بن أبي طالب الحارث الأعور فصاح في أهل المدائن : من كان من المقاتلة فليواف أمير المؤمنين صلاة العصر . فوافوه في تلك الساعة فحمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد فإني قد تعجبت من تخلفكم عن دعوتكم ، وانقطاعكم عن أهل مصركم في هذه المساكن الظالم أهلها ، والهالك أكثر سكانها لا معروفاً تأمرون به ، ولا منكراً تنهون عنه . قالوا : يا أمير المؤمنين ، إنا كنا ننتظر أمرك ورأيك ، مرنا بما أحببت .
فسار وخلف عليهم عدي بن حاتم ، فأقام عليهم ثلاثاً ثم خرج في ثمان مائة ، وخلف ابنه يزيد فلحقه في أربع مائة رجل منهم ، ثم لحق علياً ( عليه السلام ) .
وجاء عليٌّ حتى مر بالأنبار فاستقبله بنو خُشْنَوِشْك دهاقنتها . قال سليمان : خش : طيب . نوشك : راض . يعني بني الطيب الراضي ، بالفارسية . فلما استقبلوه نزلوا ثم جاؤوا يشتدون معه قال : ما هذه الدواب التي معكم ؟ وما أردتم بهذا الذي صنعتم ؟ قالوا : أما هذا الذي صنعنا فهو خلق منا نعظم به الأمراء . وأما هذه البراذين فهدية لك . وقد صنعنا لك وللمسلمين طعاماً ، وهيأنا لدوابكم علفاً كثيراً . قال : أما هذا الذي زعمتم أنه منكم خلق تعظمون به الأمراء فوالله
--------------------------- 272 ---------------------------
ما ينفع هذا الأمراء ، وإنكم لتشقون به على أنفسكم وأبدانكم ، فلا تعودوا له .
وأما دوابكم هذه فإن أحببتم أن نأخذها منكم فنحسبها من خراجكم أخذناها منكم . وأما طعامكم الذي صنعتم لنا فإنا نكره أن نأكل من أموالكم شيئاً إلا بثمن . قالوا : يا أمير المؤمنين ، نحن نقومه ثم نقبل ثمنه . قال : إذا لا تقومونه قيمته ، نحن نكتفي بما دونه . قالوا : يا أمير المؤمنين فإن لنا من العرب موالي ومعارف فتمنعنا أن نهدي لهم وتمنعهم أن يقبلوا منا ؟ قال : كل العرب لكم موال ، وليس ينبغي لأحد من المسلمين أن يقبل هديتكم . وإن غصبكم أحد فأعلمونا . قالوا : يا أمير المؤمنين ، إنا نحب أن تقبل هديتنا وكرامتنا . قال لهم : ويحكم ، نحن أغنى منكم . فتركهم ثم سار .
أقول : لم يذكر نصر بن مزاحم قصة جمجمة كسرى ، وقد ذكرنا أن جماعة ألَّهوا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لأنهم رأوا بعض معجزاته ( عليه السلام ) فضاقت عقولهم عن تفسيرها فزعموا أنه إله ! وكان أول ظهورهم الزط في البصرة ، ثم بعض الفرس في ساباط المدائن ، ثم جماعة عبد الله بن سبأ .
روى الحسين بن عبد الوهاب في عيون المعجزات / 10 : ( عن عمار الساباطي قال : قدم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) المدائن فنزل بإيوان كسرى وكان معه دلف ابن منجم كسرى ، فلما ظل الزوال فقال لدلف : قم معي ، وكان معه جماعة من أهل ساباط ، فما زال يطوف في مساكن كسرى ويقول لدلف : كان لكسرى هذا المكان لكذا وكذا ، فيقول : هو والله كذلك . فما زال على ذلك حتى طاف المواضع بجميع من كانوا معه ، ودلف يقول يا مولاي كأنك وضعت الأشياء في هذه الأمكنة ! ثم نظر ( عليه السلام ) إلى جمجمة نخرة فقال لبعض أصحابه : خذ هذه الجمجمة وكانت مطروحة ، وجاء ( عليه السلام ) إلى الإيوان وجلس فيه ودعا بطست وصب فيه ماء ، وقال له : دع هذه الجمجمة في الطست ، ثم قال ( عليه السلام ) : أقسمت عليك يا جمجمة أخبريني من أنا ومن أنت ؟ فنطقت الجمجمة بلسان فصيح فقالت : أما أنت فأمير المؤمنين وسيد الوصيين وإمام المتقين في الظاهر والباطن ، وأعظم من أن توصف . وأما أنا فعبد الله وابن أمة الله كسرى أنوشيروان ! فانصرف القوم الذين كانوا معه من أهل ساباط إلى أهاليهم وأخبروهم بما كان ، وبما سمعوه
--------------------------- 273 ---------------------------
من الجمجمة ، فاضطربوا واختلفوا في معنى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وحضروه وقال بعضهم : قد أفسد هؤلاء قلوبنا بما أخبروا عنك ! وقال بعضهم فيه ( عليه السلام ) مثلما قال النصارى في المسيح ، ومثل ما قال عبد الله بن سبأ وأصحابه ! فأحضرهم وقال : ما حملكم على ما قلتم ؟ قالوا : سمعنا كلام الجمجمة النخرة ، ومخاطبتها إياك ، ولا يجوز ذلك إلا لله تعالى فمن ذلك قلنا ما قلنا ! فقال ( عليه السلام ) إرجعوا عن كلامكم وتوبوا إلى الله ، فقالوا : ما كنا نرجع عن قولنا فاصنع ما أنت صانع ! فأمر ( عليه السلام ) أن تضرم لهم النار فحرقهم ، فلما احترقوا قال إسحقوهم وذرُّوهم في الريح فسحقوهم وذروهم في الريح ، فلما كان اليوم الثالث من إحراقهم دخل إليه أهل الساباط وقالوا : الله الله في دين محمد ! إن الذين أحرقتهم بالنار قد رجعوا إلى منازلهم بأحسن ما كانوا ! فقال ( عليه السلام ) : أليس قد أحرقتموهم بالنار وسحقتموهم وذريتموهم في الريح قالوا : بلى . قال : أحرقتهم والله أحياهم فانصرف أهل الساباط متحيرين ) !
ورواه شاذان بن جبرئيل في الفضائل / 70 ، وفيه : ( فقال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : كيف حالك ؟ فقال يا أمير المؤمنين إني كنت ملكاً عادلاً شفيقاً على الرعايا رحيماً لا أرضي بظلم ، ولكن كنت على دين المجوس وقد ولد محمد ( ( عليهما السلام ) ) في زمان ملكي فسقط من شرفات قصري ثلاث وعشرون شرفة ليلة ولد ، فهممت أن أؤمن به من كثرة ما سمعت من الزيادة من أنواع شرفه وفضله ومرتبته وعزه في السماوات والأرض ، ومن شرف أهل بيته ، ولكني تغافلت عن ذلك وتشاغلت عنه في الملك ، فيالها من نعمة ومنزلة ذهبت مني حيث لم أؤمن به ، فأنا محروم من الجنة لعدم إيماني به ، ولكني مع هذا الكفر خلصني الله تعالى من عذاب النار ببركة عدلي وإنصافي بين الرعية ، فأنا في النار والنار محرمة علي ، فواحسرتاه لو آمنت به ، لكنت معك يا سيد أهل بيت محمد ويا أمير المؤمنين ! قال : فبكى الناس وانصرف القوم الذين كانوا معه من أهل ساباط إلى أهلهم ، وأخبروهم بما كان وبما جرى من الجمجمة ، فاضطربوا واختلفوا في معنى أمير المؤمنين ( عليه السلام )
--------------------------- 274 ---------------------------
فقال المخلصون منهم إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عبد الله ووليه ووصي رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ،
وقال بعضهم : بل هو النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) . وقال بعضهم : بل هو الرب ، وهم مثل عبد الله بن سبأ وأصحابه ، وقالوا : لولا أنه الرب وإلا كيف يحيي الموتى !
قال : فسمع بذلك أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فضاق صدره وأحضرهم وقال : يا قوم غلب عليكم الشيطان ، إن أنا إلا عبد الله أنعم علي بإمامته وولايته ووصيته رسوله ( ( عليهما السلام ) ) ، فارجعوا عن الكفر فأنا عبد الله وابن عبده ، ومحمد خير مني وهو أيضاً عبد الله ،
وإن نحن إلا بشر مثلكم .
فخرج بعضهم من الكفر ، وبقس قوم على الكفر فألح عليهم أمير المؤمنين بالرجوع فما رجعوا ، فأحرقهم بالنار وتفرق منهم قوم في البلاد وقالوا : لولا أن فيه من الربوبية وإلا فما كان أحرقنا بالنار ! فنعوذ بالله من الخذلان ) .
أقول : يدلك وصف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لكسرى وقصره وإيوانه ، على علمه الرباني ( عليه السلام )
بما كان عليه كسرى ، والذي هو أعظم القياصرة والأكاسرة على الإطلاق . وكانت عاصمته مدينة بهرسير في المدائن وقصره وإيوانه فيها مضرب المثل ، ولا يزال أثر إيوانه إلى اليوم ، وقد رأيته وارتفاع سقفه اثنان وخمسون متراً وطوله ستون متراً ، وتبعد المدائن عن بغداد نحو ستين كيلو متراً !
ومن الواضح أن فقرة مدح كسرى وأنه آمن بالإسلام ، ووصف نجاته لعدله ، من إضافات راوي الحديث . وكذلك قول الراوي إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أحرق الذين ألهوه بالنار ، فقد ذكرنا في الفصل الستين ، أنه دخن عليهم فتاب بعضهم فأطلقهم ، وأخرج من لم يتوبوا ، وقتلهم .

كما كلمته جمجمة الجلندي في بابل

روى ابن حمزة في الثاقب / 227 ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : ( لما صلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) صلاة الظهر بأرض بابل ، التفت إلى جمجمة ملقاة وكلمها وقال : أيتها الجمجمة مَن أنت ؟ فقالت : أنا فلان بن فلان ملك بلد فلان . قال علي :
أنا أمير المؤمنين ، فقُصَّ عليَّ الخبر وما كنت ، وما كان في عمرك فأقبلت الجمجمة
--------------------------- 275 ---------------------------
وقصت خبرها ، وما كان في عصرها من خير وشر .
قال مصنف هذا الكتاب : إن مسجد الجمجمة معروف بأرض بابل ، وقد بنيَ مسجدٌ على الموضع الذي كلمته جمجمة فيه ، وهو إلى اليوم باق معروف ، يزوره أكثر من يمر به من الحجاج وغيرهم ) .
وقال الشاعر ابن مكي ( نهج الإيمان لابن جبر / 646 ) :
رددتَ الكف جهراً بعد قطع * كرد العين من بعد الذهاب
وجمجمة الجلندي وهي عظم * رميمٌ جاوبتك عن الخطاب
وقال القمي في منتهى الآمال ( ترجمة الميلاني : 1 / 181 ) : ( عُمِّر مسجد رد الشمس وبني بناء جيداً بيد المخلصين لأهل البيت بقربه من الحلة ، بخلاف مسجد الجمجمة الذي ترك لعدم المرور عليه فهجر ومحي اسمه ، مع أن جمعاً من علمائنا كابن شهرآشوب والقطب الراوندي وابن حمزة الطوسي وغيرهم ذكروا هذا المسجد في ذكر معاجز أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
وقد ذهب شيخنا العلامة النوري طاب ثراه إلى الحلة في أواخر عمره لاستكشاف أمر هذا المسجد ، فذهب إلى قرية الجمجمة بقرب الحلة والتي فيها قبر عمران بن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فوجد ذلك المسجد بمشقة في بستان بآخر القرية من جانبها الشرقي ، ونقل كهول القرية عن كهولها أنهم أدركوا قبة ذلك المسجد ، ومن المسلمات عندهم أن كل من يأخذ من أحجار قواعد هذا المسجد لبناء بيته أو بئره ، فإنه لا بد من خرابهما ، فلذا لم يجرؤ أحد على أخذ شيء منه ، وبعدما رفعوا التراب وجدوا أساس المسجد لكن لم يتصد أحد لتعميره لحد الآن ، نرجو من المتمكنين الحريصين على ترويج الدين وتشييد مبانيه ، أن يتحركوا وتثور الحمية في عروقهم فيعمروا هذا البيت الخرب ، ويشيدوا مصلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ويحيوا معجزة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كي تفتخر الشيعة
وتقر عيونها ) .

  • *
    --------------------------- 276 ---------------------------

وكلمته جمجمة أخرى في النهروان

في نوادر المعجزات للطبري الشيعي / 23 : ( عن حبة العرني قال : كنت مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وقد أراد حرب معاوية ، فنظرنا إلى جمجمة في جانب الفرات قد أتت عليها الأزمنة ، فوقف عليها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ودعاها ، فأجابته بالتلبية وتدحرجت بين يديه ، وتكلمت بلسان فصيح ثم أمرها بالرجوع فرجعت إلى مكانها كما كانت . وفى رواية أخرى : أنه ( عليه السلام ) وقف على جمجمة نخرة في النهروان فقال لها : من أنت ؟ فقالت : أنا فلان بن فلان .
وقال في مدينة المعاجز ( 1 / 228 ) : ( الشيخ البرسي : قال : روى أبورواحة الأنصاري عن المغربي قال : لما فرغ يعني أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من حرب النهروان أبصرنا جمجمة نخرة بالية فقال : هاتوها ، فحركها بسوطه وقال : أخبريني من أنت فقيرة أم غنية ، شقية أم سعيدة ، ملك أم رعية ؟
فقالت بلسان فصيح : السلام عليك يا أمير المؤمنين ، أنا كنت ظالماً ، فأنا برويز بن هرمز ملك الملوك ، ملكت مشارقها ومغاربها ، وسهلها وجبلها ، وبرها وبحرها ،
أنا الذي أخذت ألف مدينة في الدنيا ، وقتلت ألف ملك من ملوكها . يا أمير المؤمنين أنا الذي بنيت خمسين مدينة ، وفضضت خمس مائة جارية بكر ، واشتريت ألف عبد تركي وألف أرمني وألف رومي وألف زنجي ، وتزوجت بسبعين من بنات الملوك ، وما ملك في الأرض إلا غلبته وظلمت أهله ، فلما جاءني ملك الموت قال لي : ياظالم ، يا طاغي ، خالفت الحق ، فتزلزلت أعضائي وارتعدت فرائصي ، وعرض علي أهل حبسي فإذا هم سبعون ألف من أولاد الملوك قد شقوا من حبسي ، فلما رفع ملك الموت روحي سكن أهل الأرض من ظلمي ، فأنا معذب في النار أبد الآبدين ، فوكل الله بي سبعين ألف ألف من الزبانية في يد كل واحد منهم مرزبة من نارلو ضربت على جبال أهل الأرض لأحرقت الجبال فتدكدكت وكلما ضربني الملك بواحدة من تلك المرازب اشتعلت بي النار وأحترق ، فيحييني الله تعالى ، ويعذبني بظلمي على عباده أبد الآبدين ، وكذلك وكل الله تعالى بعدد كل شعرة في بدني حيةً تلسعني ، وعقرباً تلدغني وكل
--------------------------- 277 ---------------------------
ذلك أحس به كالحي في دنياه فتقول لي الحيات والعقارب : هذا جزاء ظلمك على عباده ، ثم سكتت الجمجمة ، فبكى جميع عسكر أمير المؤمنين وضربوا على رؤوسهم ، وقالوا : يا أمير المؤمنين جهلنا حقك بعد ما أعلمنا رسول الله ، وإنما خسرنا حقنا ونصيبنا فيك ، وإلا أنت ما ينقص منك شئ ، فاجعلنا في حل مما فرطنا فيك ورضينا بغيرك على مقامك وشرفك فإنا نادمون .
فأمر بتغطية الجمجمة ، فعند ذلك وقف ماء النهر من الجري ، وصعد على وجه الماء كل سمك وحيوان كان في النهر ، فتكلم كل واحد منهم مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ودعا له وشهد بإمامته . وفي ذلك يقول بعضهم :
سلامي على زمزم والصفا * سلامي على سدرة المنتهى
لقد كلمتك لدى النهروان * نهاراً جماجم أهل الثرى
وقد بدرت لك حيتانها * تناديك مذعنة بالولا ) .
وفي علل الشرائع ( 2 / 351 ) : ( العلة التي من أجلها ترك أمير المؤمنين ( عليه السلام ) صلاة العصر في حياة رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) حتى فاتته ، والعلة التي من أجلها تركها بعد وفاته حتى ردت عليه الشمس ، مرتين :
( عن حنان قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : ما العلة في ترك أمير المؤمنين ( عليه السلام ) صلاة العصر وهو يجب له أن يجمع بين الظهر والعصر فأخرها ؟ قال : إنه لما صلى الظهر التفت إلى جمجمة ملقاة فكلمها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقال أيتها الجمجمة من أين أنت ؟ فقالت : أنا فلان ابن فلان ملك بلاد آل فلان .
قال لها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : فقصي على الخبر وما كنت وما كان عصرك ؟ فأقبلت الجمجمة تقص من خبرها وما كان في عصرها من خير وشر ، فاشتغل بها حتى غابت الشمس ، فكلمها بثلاثة أحرف من الإنجيل لئلا يفقه العرب كلامه ، فلما فرغ من حكاية الجمجمة قال للشمس : إرجعي قالت : لا أرجع وقد أَفِلْت ! فدعا الله عز وجل فبعث إليها سبعين ألف ملك بسبعين ألف سلسلة حديد ، فجعلوها في رقبتها وسحبوها على وجهها ، حتى عادت بيضاء نقية ، حتى صلى
--------------------------- 278 ---------------------------
أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ثم هوت كهويِّ الكوكب ، فهذه العلة في تأخير العصر ) .
أقول : ثبت رد الشمس لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) في حياة النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وبعده ، كما ثبت أن الجمجمة كلمته ( عليه السلام ) . لكن فقرات مدح كسرى من إضافة الراوي .
وهذه الرواية لا تصح عندنا لضعف سندها وضعف متنها ، وقد أخذ الراوي جر الشمس بسلاسل ، من رواية العامة التي تقول إن الملائكة يجرونها ويجلدونها إن لم تطع ( مسند أحمد : 1 / 256 ) !
ورواه في مناقب آل أبي طالب ( 2 / 161 ) عن معرفة الفضائل وعلل الشرائع ، عن حنان بن سدير ، وقال : وقالت الغلاة : نادى علي الجمجمة ثم قال : يا جلندي بن كراكرأين الشريعة ؟ فقال ههنا . فبنى هناك مسجداً وسمي مسجد الجمجمة . وجلندي ملك الحبشة صاحب الفيل . قال شاعرهم :
من كلم الأموات في يوم * الفرات من القبور
إذ قال هل في مائكم * عبر لملتمس العبور
قالوا له أنت العليم * بكنه تصرف الأمور
فعلام تسال أعظماً * رمماً على مر الدهور
أنت الذي أنوار قدسك * قد تمكن في الصدور
أنت الذي نصب النبي * لقومه يوم الغدير
أنت الصراط المستقيم * وأنت نور فوق نور ) .
أقول : الصحيح أن تكليم الجمجمة له ( عليه السلام ) ثابت ، وكذلك رد الشمس له ( عليه السلام )
في حياة النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وبعده . ولعل الرواة والغلاة أضافوا له إضافات .

  • *

المعجزة الرابعة : كشف عين راحوما بين حديثة وهيت

تقع صندوداء بين حديثة وهيت ، وفيها مشهد لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) . وأما عين راحوما التي كشفها وسقى منها جيشه ، فتقع بعد صندوداء قبل هيت باتجاه صفين ، وقربها دير راهب من ذرية شمعون الصفا ( عليه السلام ) .
--------------------------- 279 ---------------------------
قال ابن الأعثم في الفتوح ( 2 / 553 ) : ( وأقام علي بالأنبار يومين ، فلما كان في اليوم الثالث سار بالناس في برية ملساء وعطش الناس واحتاجوا إلى الماء ، قال : وإذا براهب في صومعته ، فدنا منه علي وصاح به فأشرف عليه ، فقال له علي : هل تعلم بالقرب منك ماء نشرب منه ؟ فقال : ما أعلم ذلك ، وإن الماء ليحمل إلينا من قريب من فرسخين . قال : فتركه علي وأقبل إلى موضع من الأرض فطاف به ، ثم أشار إلى مكان منه فقال : إحفروا هاهنا ، فحفروا قليلاً وإذا هم بصخرة صفراء كأنما طليت بالذهب ، وإذا هي على سبيل الرحى لاينتقلها إلا مائة رجل ، فقال علي : إقلبوها فالماء من تحتها ، فاجتمع الناس عليها فلم يقدروا على قلبها ، قال : فنزل علي عن فرسه ، ثم دنا من الصخرة وحرك شفتيه بشئ لم يسمع ، ثم دنا من الصخرة وقال : باسم الله ثم حركها ورفعها فدحاها ناحية ، قال : فإذا بعين من الماء لم تَر الناس أعذب منها ولا أصفى ولا أبرد ، فنادى في الناس أن هلموا إلى الماء قال : فورد الناس فنزلوا وشربوا وسقوا ما معهم من الظهر ، وملؤوا أسقيتهم ، وحملوا من الماء ما أرادوا ، ثم حمل على الصخرة وهو يحرك شفتيه بمثل كلامه الأول حتى رد الصخرة إلى موضعها .
ثم سار حتى نزل في الماء الذي أرادوا وإذا ماؤه متغير ، فقال علي لأصحابه : أفيكم من يعرف مكان الماء الذي كنتم عليه ؟ فقالوا : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : فانطلقوا إليه فطلبوا مكان الصخرة فلم يقدروا عليه ، فانطلقوا إلى الراهب فصاحوا به : يا راهب ! فأشرف عليهم فقالوا : أين هذا الماء الذي هو بالقرب من ديرك ؟ فقال الراهب : إنه ما بقربي شئ من الماء ، فقالوا : بلى ! قد شربنا منه نحن وصاحبنا ، وهو الذي استخرج لنا الماء وقد شربنا منه . فقال الراهب : والله ما بني هذا الدير إلا بذلك الماء ، وإن لي في هذه الصومعة منذ كذا سنة ما علمت بمكان هذا الماء ، وإنها عين يقال لها عين راحوما ، مااستخرجها إلا نبي أو وصي نبي ، ولقد شرب منها سبعون نبياً وسبعون وصياً ! قال : فرجعوا إلى علي فأخبروه بذلك ، فسكت ولم يقل شيئاً ! ثم سار من منزله ذلك حتى نزل بمدينة هيت ، ورحل منها حتى
--------------------------- 280 ---------------------------
نزل بموضع يقال له الأقطار فبنى هنالك مسجداً والمسجد ثابت إلى يومنا هذا .
ثم إنه عبر الفرات وشق البلاد حتى خرج إلى بلاد الجزيرة ، ثم سار يريد الرقة حتى نزل بموضع يقال له البليخ ، فنزل على شاطئ نهر البليخ ) .
وقد رواها نصر باختصار ، قال : ( عطش الناس واحتاجوا إلى الماء ، فانطلق بنا علي حتى أتى بنا على صخرة ضرس من الأرض ، كأنها ربضة عنز ، فأمرنا فاقتلعناها فخرج لنا ماء ، فشرب الناس منه وارتووا . قال : ثم أمرنا فأكفأناها عليه . قال : وسار الناس حتى إذا مضينا قليلاً قال علي ( عليه السلام ) : منكم أحد يعلم مكان هذا الماء الذي شربتم منه ؟ قالوا : نعم يا أمير المؤمنين . قال : فانطلقوا إليه . قال : فانطلق منا رجال ركباناً ومشاة ، فاقتصصنا الطريق إليه حتى انتهينا إلى المكان الذي نرى أنه فيه فطلبناها فلم نقدر على شئ ، حتى إذا عيل علينا انطلقنا إلى ديرقريب منا فسألناهم : أين الماء الذي هو عندكم ؟ قالوا : ما قربنا ماء . قالوا : بلى ، إنا شربنا منه . قالوا : أنتم شربتم منه ؟ قلنا : نعم : قال صاحب الدير : ما بنى هذا الدير إلا بذلك الماء ، وما استخرجه إلا نبي أو وصي نبي ) !
ورواها الصدوق ( قدس سره ) في أماليه / 250 ، بسند صحيح ، قال : ( حدثنا محمد بن علي
ماجيلويه ( رحمه الله ) قال : حدثنا علي بن إبراهيم ، عن أبيه إبراهيم بن هاشم ، قال : حدثني أبو الصلت عبد السلام بن صالح ، قال : حدثني محمد بن يوسف الفريابي ، عن سفيان ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن حبيب بن الجهم ، قال : لما رحل بنا علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) إلى بلاد صفين ، نزل بقرية يقال لها صندوداء ، ثم أمرنا فعبرنا عنها ثم عرَّسَ بنا في أرض بلقع ، فقام إليه مالك بن الحارث الأشتر فقال : يا أمير المؤمنين ، أتنزل الناس على غير ماء ! فقال : يا مالك إن الله عز وجل سيسقينا في هذا المكان ماء أعذب من الشهد ، وألين من الزبد الزلال ، وأبرد من الثلج ، وأصفى من الياقوت ! فتعجبنا ولاعجب من قول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ثم أقبل يجر رداءه وبيده سيفه حتى وقف على أرض بلقع فقال : يا مالك ، إحتفر أنت وأصحابك ، فقال مالك : إحتفرنا فإذا نحن بصخرة سوداء عظيمة فيها حلقة تبرق كاللجين ، فقال لنا : روموها ، فرمناها بأجمعنا ونحن مائة رجل فلم نستطع أن نزيلها عن موضعها ،
--------------------------- 281 ---------------------------
فدنا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) رافعاً يده إلى السماء يدعو وهو يقول : طاب طاب مريا عالم طيبوا ثابوثه شمثيا كوبا حاحانو ثاتو ديثابر حوثا ، آمين آمين رب العالمين ،
رب موسى وهارون . ثم اجتذبها فرماها عن العين أربعين ذراعاً !
قال مالك بن الحارث الأشتر : فظهر لنا ماء أعذب من الشهد ، وأبرد من الثلج ، وأصفى من الياقوت ، فشربنا وسقينا ، ثم رد الصخرة وأمرنا أن نحثو عليها التراب ثم ارتحل ، فما سرنا إلا غير بعيد ، قال : من منكم يعرف موضع العين ؟ فقلنا : كلنا يا أمير المؤمنين ، فرجعنا فطلبنا العين فخفي مكانها علينا أشد خفاء ، فظننا أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قد رهقه العطش فأومأنا بأطرافنا ، فإذا نحن بصومعة راهب فدنونا منها ، فإذا نحن براهب قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر ، فقلنا : يا راهب ، عندك ماء نسقي منه صاحبنا . قال : عندي ماء قد استعذبته منذ يومين ، فأنزل إلينا ماء مُرّاً خشناً فقلنا : هذا قد استعذبته منذ يومين ! فكيف لو شربت من الماء الذي سقانا منه صاحبنا ؟ وحدثناه بالأمرفقال : صاحبكم هذا نبي ؟ قلنا : لا ، ولكنه وصي نبي . فنزل إلينا بعد وحشته منا وقال : إنطلقوا بي إلى صاحبكم فانطلقنا به فلما بصر به أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، قال : شمعون ! قال الراهب : نعم شمعون ، هذا اسم سمتني به أمي ، ما اطلع عليه أحد إلا الله تبارك وتعالى ثم أنت فكيف عرفته ، فأتمَّ حتى أتمه لك ؟ قال : وما تشاء يا شمعون ؟ قال : هذه العين واسمها ؟ قال : هذه عين راحوما وهي من الجنة ، شرب منها ثلاث مائة وثلاثة عشر وصياً ، وأنا آخر الوصيين شربت منه .
قال الراهب : هكذا وجدت في جميع كتب الإنجيل ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأنك وصي محمد ( ( عليهما السلام ) ) ! ثم رحل أمير المؤمنين والراهب يقدمه ، حتى نزل صفين ، ونزل معه بعابدين ، والتقى الصفان ، فكان أول من أصابته الشهادة الراهب ، فنزل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وعيناه تهملان ، وهو يقول : المرء مع من أحب ، الراهب معنا يوم القيامة ، ورفيقي في الجنة ) ! وفي رواية مختصر البصائر / 119 : ( ثم قال علي ( عليه السلام ) : والله لو أن رجلاً منا قام على جسرثم عُرضت
--------------------------- 282 ---------------------------
عليه هذه الأمة لحدثهم بأسمائهم وأنسابهم ) . ورواه ابن حمزة في الثاقب / 258 . ورواه النيسابوري في روضة الواعظين / 114 ، بنحوه ، والراوندي في الخرائج ( 2 / 864 ) بنحوه ، وفيه : ( فلم نستطع أن نزيلها ، فقال علي ( عليه السلام ) : اللهم إني أسألك أن تمدني بحسن المعونة ، وتكلم بكلام حسبناه سريانياً ، ثم أخذها فرمى بها ) .
واستفاضت رواية عين راحوما فقال ابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب ( 2 / 122 ) : ( أهل السير عن حبيب بن الجهم ، وأبي سعيد التميمي ، والنطنزي في الخصايص ، والأعثم في الفتوح ، والطبري في كتاب الولاية ، بإسناد له عن محمد بن القاسم الهمداني ، وأبوعبد الله البرقي ، عن شيوخه عن جماعة من أصحاب علي أنه نزل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالعسكرعند وقعة صفين عند قرية صندودياء فقال مالك الأشتر : ينزل الناس على غيرماء ؟ الحديث . . بنحوه . وقال : ( وفي رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل : حدثنا أبو محمد الشيباني ، حدثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن أبي سعيد التميمي قال : فسرنا فعطشنا فقال بعض القوم : لو رجعنا فشربنا ، قال فرجع أناس وكنت فيمن رجع قال : فالتمسنا فلم نقدر على شئ ) .
ورواه الطبرسي في إعلام الورى ( 1 / 346 ) بتفاوت يسير ، وقال : ( والخبر بذلك مشهور بين الخاص والعام . . لحق أصحابه عطش ، فأخذوا يميناً وشمالاً يطلبون الماء فلم يجدوه ، فعدل بهم أمير المؤمنين عن الجادة وسار قليلاً ، فلاح لهم دير فسار بهم نحوه وأمر من نادى ساكنه بالاطلاع إليهم ، فنادوه فاطلع فقال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : هل قرب قائمك ماء ؟ فقال : هيهات ، بينكم وبين الماء فرسخان ، وما بالقرب مني شئ من الماء ! فلوى عنق بغلته نحو القبلة وأشار بهم إلى مكان يقرب من الديرفقال : اكشفوا الأرض في هذا المكان ، فكشفوه بالمساحي فظهرت لهم صخرة عظيمة تلمع ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، هاهنا صخرة لا تعمل فيها المساحي ، فقال ( عليه السلام ) : إن هذه الصخرة على الماء ، فاجتهدوا في قلعها ، فاجتمع القوم وراموا تحريكها فلم يجدوا إلى ذلك سبيلاً واستصعبت عليهم ، فلوى ( عليه السلام ) رجله عن سرجه حتى صار إلى الأرض ، وحسر ذراعيه ووضع أصابعه تحت جانب الصخرة فحركها ، ثم قلعها بيده ودحا بها أذرعاً
--------------------------- 283 ---------------------------
كثيرة ، فلما زالت عن مكانها ظَهَرَ لهم بياض الماء ، فتبادروا إليه فشربوا منه ، فكان أعذب ماء وأبرده وأصفاه ، فقال لهم : تزودوا وارتووا ففعلوا ذلك .
ثم جاء إلى الصخرة فتناولها بيده ووضعها حيث كانت ، وأمر أن يعفى أثرها بالتراب ، والراهب ينظر من فوق ديره ، فلما علم ما جرى نادى : يا معشر الناس أنزلوني أنزلوني ، فأنزلوه فوقف بين يدي أمير المؤمنين فقال له : أنت نبي مرسل ؟ قال : لا ، قال : فملك مقرب ؟ قال : لا ، قال : فمن أنت ؟ قال : أنا وصي رسول الله محمد بن عبد الله ( ( عليهما السلام ) ) خاتم النبيين . قال : أبسط يدك أسلم لله على يدك ، فبسط ( عليه السلام ) يده وقال له : إشهد الشهادتين فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله ، وأشهد أنك وصي رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، وأحق الناس بالأمر من بعده .
وقال : يا أمير المؤمنين إن هذا الدير بني على طلب قالع هذه الصخرة ومخرج الماء من تحتها ، وقد مضى عالم كثير قبلي ولم يدركوا ذلك ، وقد رزقنيه الله عز وجل ، إنا نجد في كتاب من كتبنا مآثر عن علمائنا أن في هذا الصقع عيناً عليها صخرة ، لا يعرف مكانها إلا نبي أو وصي نبي ، وإنه لا بد من ولي لله يدعو إلى الحق ، آيته معرفة مكان هذه الصخرة وقدرته على قلعها ، وإني لما رأيتك قد بلغت ذلك تحققت ما كنا ننتظره وبلغت الأمنية منه ، فأنا اليوم مسلمٌ على يدك ومؤمنٌ بحقك ، ومولاك ! فلما سمع بذلك أمير المؤمنين بكى حتى اخضلت لحيته من الدموع وقال :
الحمد لله الذي كنت في كتبه مذكوراً ، الحمد لله الذي لم أك عنده منسياً . ثم دعا الناس وقال : إسمعوا ما يقوله أخوكم المسلم ، فسمع الناس مقالته وشكروا الله على ذلك ، وساروا والراهب بين يديه حتى لقي أهل الشام ، فكان الراهب في جملة من استشهد معه ، فتولى الصلاة عليه ودفنه ، وأكثر من الاستغفار له ، وكان إذا ذكره يقول : ذاك مولاي ) .
أقول : يظهر لك بهذا أن هذه الرواية هي المشهورة بين السنة والشيعة ، لأن السيد الحميري ( رحمه الله ) ، أخذ بعض ألفاظها في قصيدته ، وأرخ لهذه المعجزة .
قال الشريف الرضي ( رحمه الله ) في : خصائص الأئمة / 50 : ( روي أن أمير المؤمنين ( عليه السلام )
--------------------------- 284 ---------------------------
لما أقبل من صفين ، مرَّ في زهاء سبعين رجلاً [ سبع مئة ] بأرض ليس فيها ماء ، فقالوا له : يا أمير المؤمنين ليس هاهنا ماء ونحن نخاف العطش ، قالوا : فمررنا براهب في ذلك الموضع فسألناه هل بقربك ماء ؟ فقال : ما من ماء دون الفرات ، فقلنا يا أمير المؤمنين العطش وليس قربنا ماء ، فقال : إن الله تعالى سيسقيكم ، فقام يمشي حتى وقف في مكان ودعا بمساح ، وأمر بذلك المكان فكنس فأجلى عن صخرة ، فلما انجلى عنها قال ( عليه السلام ) : إقلبوها فرُمْنَاها بكل مَرام فلم نستطعها ، فلما أعيتنا دنا منها فأخذ بجانبها فدحا بها فكأنها كُرَة ، فرمى بها فانجلت عن ماء لم ير أشد بياضاً ولا أصفى ولا أعذب منه ، فتنادى الناس الماء ، فاغترفوا وسقوا وشربوا وحملوا ، ثم أخذ ( عليه السلام ) الصخرة فردها مكانها . ثم تحمل الناس فسار غير بعيد ، فقال : أيكم يعرف مكان هذه العين ؟ فقالوا : كلنا يعرف مكانها ، قال : فانطلقوا حتى تنظروا ، فانطلق من شاء الله منا فدرنا حتى أعيينا فلم نقدر على شئ ، فأتينا الراهب فقلنا له : ويحك ألست زعمت أنه ليس قبلك ماء ، ولقد استثرنا هاهنا ماءً ، فشربنا واحتملنا ! قال : فوالله ما استثارها إلا نبي أو وصي نبي ! قلنا : فإن فينا وصي نبينا ( ( عليهما السلام ) ) !
قال : فانطلقوا إليه فقولوا له : ماذا قال له النبي حين حضره الموت ؟ قال : فأتيناه فقلنا له إن هذا الراهب قال : كذا ، وكذا ، قال : فقولوا له إن خبرناك لتنزلن ولتسلمن ، فقلنا له فقال : نعم ، فأتينا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقلنا قد حلف ليسلمن ، قال : فانطلقوا فأخبروه أن آخر ما قال النبي : الصلاة الصلاة ، إن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) كان واضعاً رأسه في حجري فلم يزل يقول : الصلاة الصلاة ، حتى قبض . قال : فقلنا له ذلك ، فأسلم .
وفي ذلك يقول السيد الحميري من قصيدته البائية المعروفة بالمذهبة :
ولقد سرى فيما يسير بليلةٍ * بعد العشاء مغامراً في موكبِ
حتى أتى متبتلاً في قائمٍ * ألقى قواعدَه بقاعٍ مُجدبِ
فدنا فصاحَ به فأشرف ماثلاً * كالنسر فوق شظيةٍ من مَرقب
هل قربَ قائمك الذي بُوِّأته * ماءٌ يصابُ فقال ما من مشرب
إلا بغاية فرسخين ومن لنا * بالماء بين نقا وقي سلسب
--------------------------- 285 ---------------------------
فثنى الأعنة نحو وَعْثٍ فاجتلى * بيضاء تبرق كاللجين المذهب
قال : اقلبوها إنكم إن تفعلوا * تَرْوُوا ولا تروون إن لم تُقلب
فاعصوصبوا في قلعها فتمنعتْ * منهم تمنعَ صعبةٍ لم تُركب
حتى إذا أعيتهم أهوى لها * كفٌّ متى تَرد المغالبَ تَغلب
فكأنها كرةٌ بكفِّ حَزَوَّرٍ * عَبْلِ الذراع دحا بها في مَلعب
فسقاهمُ من تحتها متسلسلاً * عذباً يزيد على الألذِّ الأعذب
حتى إذا شربوا جميعاً ردَّها * ومضى فخِلْتَ مكانها لم يُقْرَب
ذاك ابن فاطمةِ الوصيُّ ومن يقلْ * في فضله وفعاله لا يَكذب ) .
قال الشريف المرتضى ( رحمه الله ) في رسائله ( 4 / 84 ) :
حتى أتى متبتلاً في قائمٍ * ألقى قواعدَه بقاعٍ مجُدبِ )
أراد بالمتبتل الراهب ، من البتل وهو القطع ، ومثله البت والبلت . وإنما سمي الراهب متبتلاً لقطعه نفسه عن الناس وعن اللذات . ومنه امرأة متبتلة : كل جزء منها يقوم بنفسه في الحسن . والعذراء البتول : التي انقطعت عن الأزواج . وصدقة بتلة على هذا المعنى . وإذا انفردت الفيلة واستغنت عن أمهاتها فهي البتول وأمها مبتل . وتبرت الشئ مثل بتلته وبتكته أيضاً : قطعته .
وأما القائم فهو صومعة الراهب . والقاع : الأرض الحرة الطين التي لاحزونة فيها ولا انهباط ، والجمع : القيعان ، وقاعة الدار : ساحتها . والقواعد : جمع قاعدة وهي أساس الجدار وكل ما يبنى . ويجدب : مأخوذ من الجدب الذي هو ضد الخصب . والجدب : العيب ، يقال جدبه يجدبه فهو جادب إذا عابه . قال ذو الرمة :
فيا لك من خَدٍّ أسيلٍ ومنطقٍ * رخيمٍ ومن خُلقٍ تعلل جادبه
وهذه قصة مشهورة ، قد جاءت الرواية بها ، فإن أبا عبد الله البرقي روى عن شيوخه عمن خبرهم قال : خرجنا مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) نريد صفين ، فمررنا بكربلا فقال ( عليه السلام ) : أتدرون أين نحن ؟ ها هنا مصرع الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه . ثم سرنا يسيراً فانتهينا إلى راهب في صومعة ، وقد انقطع الناس من العطش ، فشكوا ذلك إلى
--------------------------- 286 ---------------------------
أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وذلك لأنه أخذ بنا على طريق البر وترك الفرات عياناً ، فدنا من الراهب فهتف به فأشرف من صومعته ، فقال : يا راهب هل قرب صومعتك من ماء ؟ قال : لا . فسار قليلاً حتى نزل بموضع فيه رمل ، فأمر الناس فنزلوا ، فأمرهم أن يبحثوا في ذلك الرمل فأصابوا تحت ذلك الرمل صخرة بيضاء ، فاقتلعها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بيده ونحاها ، فإذا تحتها ماء أرقُّ من الزلال وأعذب من كل ماء ، فشرب الناس وارتووا وحملوا منه ، ورد الصخرة والرمل كما كان . قال : فسِرْنا قليلاً وقد علم كل واحد من الناس مكان العين ، فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : بحقي عليكم إلارجعتم إلى موضع العين ، فنظرتم هل تقفون عليها ؟ فرجع الناس يقفون الأثر إلى موضع الرمل ، فبحثوا ذلك الرمل فلم يصيبوا العين فقالوا : يا أمير المؤمنين لا والله ما أصبناها ، ولا ندري أين هي ! قال : فأقبل الراهب فقال : أشهد يا أمير المؤمنين أن أبي أخبرني عن جدي وكان من حواريي عيسى ( عليه السلام ) أنه قال : إن تحت هذا الرمل عيناً من ماء أبرد من الثلج وأعذب من كل ماء عذب ، وإنه لا يقع عليها إلا نبي أو وصي نبي ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً ( ( عليهما السلام ) ) عبده ورسوله ، وأنك وصي رسول الله وخليفته والمؤدي عنه . وقد رأيت أن أصحبك في سفرك فيصيبني ما أصابك من خير وشر . فقال له خيراً ودعا له بالخير ، وقال : يا راهب إلزمني وكن قريباً مني ففعل . فلما كانت ليلة الهرير والتقى الجمعان واضطرب الناس فيما بينهم ، قُتل الراهب فلما أصبح أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال لأصحابه : إنهضوا بنا فادفنوا قتلاكم وأقبل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يطلب الراهب حتى وجده فصلى عليه ودفنه بيده في لحده ، ثم قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : والله لكأني أنظر إليه وإلى زوجته وإلى منزلته ودرجته التي أكرمه الله بها ! وليس لأحد أن ينكر هذا الخبر من حيث كان خارقاً للعادة ولاحقاً بالمعجزات ، لأنا قد بينا في مواضع من كتبنا ، وفي كتاب الشافي في الإمامة خاصة ، أن المعجزات يجب ظهورها على أيدي الأئمة ( عليهم السلام ) ، وتكلمنا على شُبه من امتنع من ذلك ) .
أقول : في رواية الشريف المرتضى ( رحمه الله ) فروق عن غيرها ، ونحن نرجح روايته لجلالة راويها ودقته ، ولأن عنده مصادر لم تصل الينا . ومن فروق روايته : أن الحادثة كانت في سفر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى صفين ، وأن الأرض فوق الصخرة كانت رملية ، فقد ظهرت
--------------------------- 287 ---------------------------
الصخرة بسهولة ، وأسلم الراهب على يد الإمام ( عليه السلام ) وذهب معه واستشهد في صفين . وقوله عن جده : وكان من حواريي عيسى ( عليه السلام ) ، يقصد أنه هو من ذرية شمعون الصفا ، وصي عيسى ( ( صلى الله عليه وآله ) ) . . الخ .

مشهد علي ( عليه السلام ) في صندوديا

تقدم قول ابن الأعثم : ( ثم سار من منزله ذلك حتى نزل بمدينة هيت ، ورحل منها حتى نزل بموضع يقال له الأقطار [ الأنطار ] فبنى هنالك مسجداً ، والمسجد ثابت إلى يومنا هذا ) . ولم أجد معنى مناسباً هنا للأقطار أو الأنطار ، ولا عرفت السبب في بناء أمير المؤمنين ( عليه السلام ) مسجداً في ذلك المكان .
وقوله ما زال موجوداً إلى عصره وقد توفي سنة 314 ، يدل على تعاهد المسلمين لذلك المسجد ، مع أنه في طريق بري من العراق إلى الشام قلما يسلك . والظاهر أنه المسجد المعروف بمشهد علي ( عليه السلام ) بصندوديا أو صندوداء .
وعدَّ ابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب ( 2 / 45 ) مجموعة مساجد ومشاهد لعلي ( عليه السلام ) تدل على أن المسلمين اتخذوا مكان صلاته مسجداً ، وكذا المكان إلي اتخذه هو مسجداً ، قال : ( ومنازله كلها لما توجه إلى البصرة ، مساجد : النخيلة ، وزواطة ، والشرط ، ومذار ، ومطاراة ، وزكية ، وعند مشهد عزيرفوق البصرة على أربع فراسخ ، وعند قلعة البصرة ، وأيلة ، وبلجان ، والمحرزي ، وعبادان ، ودقلة ، وقرية عبد الله ، وكرخ زادو . ومن طريق العراق : في المداين ، وبغداد ، والأنبار ، وتحت الحديثة ، وعند الجب ، وصندوديا ، وعانة ، وبين الرحبة وعانة ، وفي الرحبة ، وزيلبيا ، ويلنج ، ورقة ، وصفين ) .
أقول : كان مشهد علي ( عليه السلام ) في صندوديا مزاراً إلى القرن السابع ، وقد زاره اثنان من خلفاء بني العباس : الخليفة المقتفي ، ثم الناصر ، زاره مع والدته .
قال أسامة بن مرشد المتوفى 584 ، في كتابه : الاعتبار / 176 : ( حدثني الأجل شهاب الدين أبو الفتح المظفر بن أسعد بن مسعود بن نجتكين بن سبكتكين ، مولى معز الدولة بن بويه بالموصل في ثامن عشر شهر رمضان سنة خمس وستين
--------------------------- 288 ---------------------------
وخمس مأة قال : زار المقتفي بأمر الله أمير المؤمنين ( رحمه الله ) مسجد صندوديا بظاهرالأنبار على الفرات الغربي ومعه الوزير وأنا حاضر ، فدخل المسجد وهو يعرف بمسجد أمير المؤمنين علي رضوان الله عليه ، إلى أن قال : فجعل قيم المسجد يدعو للوزير ( البويهي الشيعي ) : ويحك ! أدع لأمير المؤمنين ، فقال له المقتفي : سله عما ينفع ، قل له : ما كان في المرض الذي كان في وجهه ، فإني رأيته في أيام مولانا المستظهر وبه مرض في وجهه ، وكان في وجهه سلعة ( جلدة ) قد غطت أكثر وجهه ، فإذا أراد الأكل سدها بمنديل حتى يصل الطعام إلى فمه ! إلى أن قال : ضاق صدري فنمت الليلة في المسجد فرأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عنه ، فشكوت إليه مابي فأعرض عني ، ثم راجعته وشكوت إليه فقال : أنت ممن يريد العاجلة ، ثم استيقظت والسلعة مطروحة إلى جانبي وقد زال ما كان بي . فقال المقتفي ( رحمه الله ) : صدق !
ثم قال لي : تحدث معه وأبصر ما يلتمسه واكتب به توقيعاً وأحضره لأعلم عليه . فتحدث معه فقال : أنا صاحب عائلة وبنات ، وأريد في كل شهر ثلاثة دنانير ، فكتب عنه مطالعة وعنونها : الخادم قيم مسجد علي ، فوقع عليها بما طلب وقال : لي إمض ثبتها في الديوان ، فمضيت ولم أقرأ منها سوى يوقع له بذلك . وكان الرسم أن يكتب لصاحب المطالعة توقيع ويؤخذ منه ما فيه خط أمير المؤمنين ، فلما فتحها الكاتب لينقلها وجد تحت قيم مسجد علي ، بخط المقتفي أمير المؤمنين . ولو كان طلب أكثر من ذلك لوقع له به ) .
وقال الأيوبي المتوفى سنة 617 ، في كتابه : مضمار الحقائق ( 1 / 177 ) : ( وفي هذه السنة 580 سألت أم الخليفة ( الناصر ) أن يؤذن لها في زيارة مشهد سرمن رأى على ساكنه السلام ، ومشهد صندوديا ، فتقدم الخليفة إلى المخزن المعمور ، أن يعمل لها ما تحتاج من الإقامة ، وتقدم إلى ابن يونس الوكيل بباب الحجرة الشريفة أن يكون على عزم السفر ، وأن يتسلم جميع ما عمل للسفر وأن يتقدم إلى جميع العسكر والمماليك أن يكونوا في الخدمة ، وأن ينادي في جميع العسكر أن الخليفة في الصحبة للزيارة ، فأخرجت الخيم والمضارب والنوتيات ، وخرج الخليفة وأمه إلى الزيارة ،
--------------------------- 289 ---------------------------
وكان يركب ويتصيد والعسكر في خدمته وهو غير متظاهر . وكان الخليفة قد تقدم إلى أستاذ الدار أن يعمر مشهد سر من رأى ، وأن يشيده وينفذ إليه فرشاً وبسطاً وجميع ما يحتاج إليه ، وكذلك فعل بمشهد صندوديا ، وأن يعطى جميع المجاورين بهذين المشهدين ثلاثة ألاف دينار ، وأعطى مشهد موسى بن جعفر على ساكنه السلام ألف دينار لعمارته ، وخمس مائة دينار تُفرق على ساكنيه ) . هذا ، وقد عَدَّ علي بن أبي بكر الهروي المتوفى 611 ، في كتابه ( الإشارات إلى معرفة الزيارات ) ثلاثاً وأربعين مسجداً ومشهداً ، منسوباً إلى علي ( عليه السلام )
في العراق والحجاز وسوريا : http : / / ahmad . kateban . com / entry 2060 . html

  • *

المعجزة الخامسة : مع راهب دير نهر البليخ في قرقيسيا

1 . قال ابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب ( 2 / 92 ) : ( إبراهيم النخعي عن علقمة بن عباس في خبر ، أنه أتيَ براهب قرقيسيا إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فلما رآه قال : مرحباً ببحيراء الأصغر ، أين كتاب شمعون الصفا ؟ قال : وما يدرك يا أمير المؤمنين ! قال : إن عندنا علم جميع الأشياء ، وعلم جميع تفسير المعاني ، فأخرج الكتاب وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) واقف فقال : أمسك الكتاب معك ثم قرأ : بسم الله الرحمن الرحيم : قضى فيما قضى وسطَّر فيما كتب ، أنه باعث في الأميين رسولاً منهم يعلمهم الكتاب والحكمة ، ويدلهم على سبيل الله ، لافظٌّ ولا غليظ ، وذكر من صفاته واختلاف أمته بعده إلى أن قال : ثم يظهر رجل من أمته بشاطئ الفرات يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقضي بالحق ، وذكر من سيرته ، ثم قال : ومن أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره فإن نصرته عبادة والقتل معه شهادة .
فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : الحمد لله الذي لم يجعلني عنده منسياً . الحمد لله الذي ذكر عبده في كتب الأبرار . فقتل الرجل في صفين . .
--------------------------- 290 ---------------------------
2 . أمالي أبي الفضل الشيباني ، وأعلام النبوة ، عن الماوردي ، والفتوح عن الأعثم ،
في خبر طويل أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : لما نزل ببليخ من جانب الفرات نزل إليه شمعون بن يوحنا ، وقرأ عليه كتاباً من إملاء المسيح ( عليه السلام ) وذكر بعثة النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وصفته ، ثم قال : فإذا توفاه الله اختلفت أمته ، ثم اجتمعت لذلك ما شاء الله ، ثم اختلفت على عهد ثالثهم فقتل قتلاً ، ثم يصير أمرهم إلى وصي نبيهم فيبغون عليه وتسل السيوف من أغمادها ، وذكر من سيرته وزهده ، ثم قال : فإن طاعته لله طاعة ، ثم قال : ولقد عرفتك ونزلت إليك ، فسجد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وسمع منه يقول : شكراً للمنعم شكراً عشراً ، ثم قال : الحمد لله الذي لم يخمل ذكري ولم يجعلني عنده منسياً ، فأصيب الراهب ليلة الهرير ) .
3 . قال الموفق الخوارزمي في المناقب ( 1 / 241 ) : ( ورويَ عن حبة العرني قال : لما نزل علي ( عليه السلام ) بمكان يقال له البليخ على جانب الفرات ، نزل راهب من صومعته فقال لعلي : إن عندنا كتاباً توارثناه من آبائنا كتبه أصحاب عيسى بن مريم أعرضه عليك ؟ فقال علي ( عليه السلام ) : نعم فما هو ؟ قال الراهب : بسم الله الرحمن الرحيم . الذي قضى فيما قضى وسطَّر فيما كتب ، أنه باعثٌ في الأميين رسولاً منهم يعلمهم الكتاب والحكمة ، ويدلهم على سبيل الله ، لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ، ولا يجزى بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل نشز ، ألسنتهم بالتهليل والتكبير ، وينصره الله على كل من ناواه .
فإذا توفاه الله اختلفت أمته ، ثم اجتمعت فلبثت بذلك ما شاء ، ثم يمر رجل من أمته بشاطئ هذا الفرات ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويقضي بالحق ولايوكس الحكم ، الدنيا أهون عليه من الرماد في يوم عصفت به الريح ، والموت أهون عليه من شرب الماء على الظمأ ، يخاف الله في السر وينصح له في العلانية ، لا يخاف في الله لومة لائم .
فمن أدرك ذلك النبي من أهل هذه البلاد فآمن به كان ثوابه رضوان والجنة ، ومن أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره فإن القتل معه شهادة . فأنا مصاحبك لا أفارقك حتى يصيبني ما أصابك .
قال : فبكى عليٌّ ( عليه السلام ) وقال : الحمد لله الذي لم يجعلني عنده منسياً ، الحمد لله الذي
--------------------------- 291 ---------------------------
ذكرني عنده في كتب الأبرار . فمضى الراهب معه ، وكان فيما ذكر يتغدى مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ويتعشى حتى أصيب بصفين . فلما خرج الناس يدفنون قتلاهم ، قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أطلبوه فلما وجده صلى عليه ودفنه وقال : هذا منا أهل البيت ، واستغفر له مراراً ) .
ورواه العقد النضيد / 85 ، ونحوه محمد بن سليمان في المناقب ( 1 / 144 ) عن نصر بن مزاحم . والمعيار والموازنة / 134 ، وشرح النهج ( 3 / 205 ) وشرح الأخبار ( 2 / 367 ) .
4 . وفي كتاب سليم بن قيس / 252 : ( أبان ، عن سليم قال : أقبلنا من صفين مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فنزل العسكر قريباً من دير نصراني ، فخرج إلينا من الدير شيخ كبير جميل حسن الوجه حسن الهيئة والسمت ، ومعه كتاب في يده حتى أتى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فسلم عليه بالخلافة . فقال له علي ( عليه السلام ) : مرحباً يا [ ابن ] أخي شمعون بن حمون ، كيف حالك رحمك الله ؟ فقال : بخير يا أمير المؤمنين وسيد المسلمين ووصي رسول رب العالمين ، إني من نسل رجل من حواري أخيك عيسى بن مريم ( عليه السلام ) وأنا من نسل شمعون بن يوحنا وصي عيسى بن مريم ( عليهم السلام ) ، وكان من أفضل حواري عيسى بن مريم الاثني عشر وأحبهم إليه وآثرهم عنده ، وإليه أوصى عيسى بن مريم ( عليه السلام ) وإليه دفع كتبه وعلمه وحكمته ، فلم يزل أهل بيته على دينه متمسكين بملته ، فلم يكفروا ولم يبدلوا ولم يغيروا . وتلك الكتب عندي إملاء عيسى بن مريم وخط أبينا بيده ، وفيها كل شئ يفعل الناس من بعده ملك ملك ، وكم يملك وما يكون في زمان كل ملك منهم ، حتى يبعث الله رجلاً من العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن ، من أرض تدعى تهامة ، من قرية يقال لها مكة ، يقال له أحمد ، الأنجل العينين المقرون الحاجبين ، صاحب الناقة والحمار والقضيب والتاج ، يعني العمامة . له اثنا عشر إسماً .
ثم ذكر مبعثه ومولده وهجرته ومن يقاتله ، ومن ينصره ومن يعاديه ، وكم يعيش ، وما تلقى أمته من بعده من الفرقة والاختلاف . وفيه تسمية كل إمام هدى وإمام ضلالة ، إلى أن ينزل الله عيسى بن مريم ( عليه السلام ) من السماء . فذكر
--------------------------- 292 ---------------------------
في الكتاب ثلاثة عشر رجلاً من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الله ، هم خيرمن خلق الله وأحب من خلق الله إلى الله ، وأن الله ولي من والاهم وعدو من عاداهم ، من أطاعهم اهتدى ومن عصاهم ضل ، طاعتهم لله طاعة ومعصيتهم لله معصية . مكتوبة فيه أسماؤهم وأنسابهم ونعتهم ، وكم يعيش كل رجل منهم واحداً بعد واحد ، وكم رجل منهم يستسر بدينه ويكتمه من قومه ، ومن يظهر منهم ومن يملك وينقاد له الناس ، حتى ينزل الله عيسى بن مريم ( عليه السلام ) على آخرهم فيصلي عيسى خلفه ويقول : إنكم أئمة لا ينبغي لأحد أن يتقدمكم ، فيتقدم فيصلي بالناس وعيسى خلفه في الصف الأول . أولهم أفضلهم ، وآخرهم له مثل أجورهم وأجور من أطاعهم واهتدى بهداهم ) .
5 . ورواه النعماني في الغيبة / 74 ، عن سليم ، وفيه : ( باسمه جرى القلم في اللوح المحفوظ : محمد رسول الله ، وبصاحب اللواء يوم الحشرالأكبر أخيه ووصيه ووزيره وخليفته في أمته ، ومن أحب خلق الله إلى الله بعده : علي ابن عمه لأمه وأبيه ، وولي كل مؤمن بعده ، ثم أحد عشر رجلاً من ولد محمد وولده ، أولهم يسمى باسم ابني هارون شبر وشبير ، وتسعة من ولد أصغرهما واحد بعد واحد ، آخرهم الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه ) .
أقول : في العقد النضيد : هذا منا أهل البيت واستغفر له مِراراً . وهذا الراهب غير راهب دير راحوما . وهو من ذرية شمعون الصفا ( عليه السلام ) أيضاً ، وبعض الرواة خلطوا بينهما . كما اختلط الأمر على الرواة هل كان ذلك في ذهابه ( عليه السلام ) إلى صفين أو في رجوعه منها . والظاهر أنها في ذهابه .
6 . في معجم البلدان ( 1 / 493 ) : ( البليخ : اسم نهر بالرقة يجتمع فيه الماء من عيون ، وأعظم تلك العيون عين يقال لها الذهبانية في أرض حران ، فيجري نحو خمسة أميال ثم يسير إلى موضع قد بنى عليه مسلمة بن عبد الملك حصناً ، يكون أسفله قدر جريب وارتفاعه في الهواء أكثر من خمسين ذراعاً ، وأجرى ماء تلك العيون تحته ، فإذا خرج من تحت الحصن يسمى بليخا ، ويتشعب من ذلك الموضع أنهار تسقي بساتين وقرى ، ثم تصب في الفرات تحت الرقة بميل ، قال ابن دريد : لا أحسب البليخ عربياً ) .

  • *
    --------------------------- 293 ---------------------------

السادسة : خروج شمعو ن الصفا من قبره للسلام على علي ( عليه السلام )

1 . حدثت هذه المعجزة العجيبة لما نزل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بجيشه في صفين ، فظهر له شمعون الصفا ( عليه السلام ) من الجبل وكلمه ، ثم رجع إلى قبره ! وقد رواها المحدث الصفار ( قدس سره ) في بصائر الدرجات / 300 ، قال : ( حدثني الحسن بن علي بن عبد الله ، عن علي بن حسان ، عن عمه عبد الرحمن بن كثير الهاشمي مولى محمد بن علي ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : خرج أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالناس يريد صفين حتى عبر الفرات فكان قريباً من الجبل بصفين ، إذ حضرت صلاة المغرب ، فأمعن بعيداً ثم توضأ وأذن ، فلما فرغ من الأذان انفلق الجبل عن هامة بيضاء ، بلحية بيضاء ، ووجه أبيض ، فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، مرحباً بوصي خاتم النبيين ، وقائد الغر المحجلين ، والأعز المأثور ، والفاضل والفايق بثواب الصديقين ، وسيد الوصيين ! قال له : وعليك السلام يا أخي شمعون بن حمَوُّن ، وصي عيسى بن مريم روح القدس ، كيف حالك ؟ قال : بخير يرحمك الله ، أنا منتظر روح الله ينزل . فلا أعلم أحداً أعظم في الله بلاءً ، ولا أحسن غداً ثواباً ، ولا أرفع مكاناً منك ! إصبر يا أخي على ما أنت عليه حتى تلقى الحبيب غداً ، فقد رأيت أصحابك بالأمس أقواماً لقوا ما لاقوا من بني إسرائيل ، نشروهم بالمناشير ، وحملوهم على الخشب ! فلو تعلم هذه الوجوه الغريرة الشائهة ( أعداؤك ) ما أعد الله لهم من عذاب ربك وسوء نكاله لأقصروا . ولو تعلم هذه الوجوه المضيئة ( أنصارك ) ماذا لهم من الثواب في طاعتك ، لتمنت أنها قُرضت بالمقاريض . والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته . والتأم الجبل !
وخرج أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى عسكره ، فسأله عمار بن ياسر وابن عباس ومالك الأشتر وهاشم بن عتبه بن أبي وقاص وأبو أيوب الأنصاري وقيس بن سعد الأنصاري وعمرو بن الحمق الخزاعي وعبادة بن صامت وأبو الهيثم بن التيهان ، عن الرجل ، فأخبرهم أنه شمعون بن حمون وصي عيسى بن مريم . وسمعوا كلامهما فازدادوا بصيرةً . فقال له عبادة بن الصامت وأبو أيوب : لاهَلِعَ قلبك
--------------------------- 294 ---------------------------
يا أمير المؤمنين ، بأمهاتنا وآبائنا نفديك . يا أمير المؤمنين ، فوالله لننصرنك كما نصرنا أخاك رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، ولا يتخلف عنك من المهاجرين والأنصار إلا شقي ! فقال لهما معروفاً وذكرهما بخير ) .
2 . ورواها المفيد في أماليه / 104 ، بسند آخر عن قيس مولى علي بن أبي طالب قال : ( حدثني أبو الحسن علي بن بلال المهلبي قال : حدثنا علي بن عبد الله بن أسد الإصفهاني قال : حدثنا إبراهيم بن محمد الثقفي قال : حدثنا إسماعيل بن يسار قال : حدثنا عبد الله بن ملح ، عن عبد الوهاب بن إبراهيم الأزدي ، عن أبي صادق ، عن مزاحم بن عبد الوارث ، عن محمد بن زكريا ، عن شعيب بن واقد المزني ، عن محمد بن سهل مولى سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس ، عن أبيه ، عن قيس مولى علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) قال : إن علياً أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان قريباً من الجبل بصفين ، فحضرت صلاة المغرب فأمعن بعيداً ، ثم أذن ، فلما فرغ من أذانه إذا رجل مقبل [ من ] نحو الجبل ، أبيض الرأس واللحية والوجه ، فقال . . مثله . ثم غاب من موضعه ! فقام عمار بن ياسر . . الخ . ورواها بنحوه ابن حمزة في الثاقب / 225 ، وابن سليمان في المناقب ( 1 / 172 ) وابن ميثم في شرح مئة كلمة / 254 ، والقطب الراوندي في الخرائج ( 2 / 743 ) .

ملاحظات

1 . قد يقال : هذه النصوص تدل على ظهور شمعون الصفا ، وقد يقال إن روحه التي ظهرت ، فما هو الدليل على أن جسده دفن هناك ؟
والجواب : أن النصوص ظاهرة في أن قبره ( عليه السلام ) هناك ، كقوله في رواية البصائر : ( انفلق الجبل عن هامة بيضاء بلحية بيضاء ووجه أبيض . . قال : بخير يرحمك الله ، أنا منتظر روح الله ينزل ) .
وقوله في رواية ابن سليمان : 1 / 172 ، وأمالي المفيد / 105 : ( إذا هو برجل مقبل من نحو الجبل أبيض الرأس واللحية والوجه . . ثم غاب من موضعه ) .
وقوله في رواية البصائر / 301 : ( انفلق الجبل عن هامة بيضاء بلحية بيضاء ووجه
--------------------------- 295 ---------------------------
أبيض . . والسلام عليك يا أمير المؤمنين . . والتأم الجبل ) .
وفي الخرائج ( 2 / 744 ) والإيقاظ / 178 : ( ثم التأم الجبل عليه ) . وفي رواية ابن ميثم : ( فتحدثا ملياً ثم ودعه شمعون ، والتأم الجبل ) . وفي رواية المفيد : ( هذا شمعون وصي عيسى ( عليه السلام ) ، بعثه الله يُصَبِّرُني على قتال أعدائه ) .
فهي تعابير تدل على أن قبره هناك ، وأنه ينتظر أن يبعث من قبره عندما ينزل عيسى المسيح ( ( صلى الله عليه وآله ) ) . ولو كان الذي حضر روح شمعون الصفا ( عليه السلام ) دون جسده ، لما قالت الرواية انفلق الجبل والتأم الجبل ، فانشقاق الأرض عنه ثم التئامها عليه يعني أنه خرج من قبره ليكلم علياً ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، ثم عاد اليه .
2 . هذه النصوص الصحيحة أقوى سند علمي نملكه ، لتعيين مكان قبر شمعون الصفا ( عليه السلام ) ، وهي أقوى من النص اليتيم الغربي الذي يقول إن قبره في روما ، ومن الشائعات التي تقول إنه في جبل عامل في شمع .
وقد وثقنا ذلك في كتابنا شمعون الصفا ، وذكرنا أن البابوية قامت بحفريات تحت كنيسة القديس بطرس في روما ، لمدة عشر سنين فلم تجد أي عظم ! ولا أي أثر لجسد ، ولو أنها قامت بحفريات في صفين عند أول الجبل لوجدت بدنه الشريف سالماً ، فذلك أولى من حفرها في روما تحت كنيسة بطرس ! على أنه عندنا لاىجوز .

  • *
    --------------------------- 296 ---------------------------

الفصل السابع والسبعون: المعركة على ماء الفرات وما بعدها إلى صفر !

ثلاث معارك في شهر ذي الحجة

وقعت بين أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ومعاوية ثلاث معارك في ذي الحجة ، ثم كانت المهادنة في محرم الحرام ، ثم بدأت معارك صفين في أول شهر صفر سنة 37 .
وكانت المعركة الأولى بين مقدمة جيش معاوية بقيادة أبي الأعور السلمي ، ومقدمة جيش الإمام ( عليه السلام ) بقيادة الأشتر ، وكانت قصيرة ، انهزم فيها أبوالأعور .
وكانت المعركة الثانية على الماء ، واستمرت أياماً ، وانتصرفيها جيش الإمام ( عليه السلام ) وسيطروا على ساحل الفرات ، ثم سمحوا لجيش معاوية بالإستقاء منه .
وكانت الثالثة لاسترجاع مكانهم بعد حيلة معاوية بأنه سيفجر النهر عليهم فخافوا ولم يطيعوا الإمام ( عليه السلام ) وغيروا مكانهم ، فاحتله معاوية ، ثم استرجعوه !

معركة المقدمتين وهروب أبي الأعور من الأشتر

ذكر نصر / 153 : أن علياً ( عليه السلام ) أرسل خالد بن قطن وزياد بن النضر ، في اثني عشر ألفاً نحومعاوية ، فذهبوا ليعبروا من عانات فمنعهم أهلها فأقبلوا راجعين حتى عبروا من هيت ، ثم لحقوا علياً بقرية دون قرقيسيا فقال ( عليه السلام ) متعجباً : مقدمتي تأتي من ورائي ! ثم قبل عذرهما ، وأرسلهما أمامه .
ثم أرسلا له أنهم واجهوا مقدمة معاوية يقودها أبوالأعور عند سورالروم فأرسل إلى الأشتر : يا مالِ ، إن زياداً وشريحاً أرسلا إليَّ يعلماني أنهما لقيا أباالأعور ، فنبأني الرسول أنه
--------------------------- 297 ---------------------------
تركهم متواقفين ، فالنجاء إلى أصحابك النجاء . فإذا أتيتهم فأنت عليهم ، وإياك أن تبدأ القوم بقتال إلا أن يبدؤوك حتى تلقاهم وتسمع منهم ، ولا يجرمنك شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم والإعذار إليهم مرة بعد مرة . واجعل على ميمنتك زياداً ، وعلى ميسرتك شريحاً ، وقف بين أصحابك وسطاً ، ولاتدن منهم دنو من يريد أن ينشب الحرب ، ولا تباعد منهم تباعد من يهاب البأس ، حتى أقدم عليك ، فإني حثيث السير إليك ، إن شاء الله .
وكتب إليهما : أما بعد ، فإني قد أمَّرت عليكما مالكاً فاسمعا له وأطيعا أمره ، فإنه ممن لا يخاف رهقه ولاسقاطه ، ولا بطؤه عما الإسراع إليه أحزم ، ولا الإسراع إلى ما البطء عنه أمثل . وقد أمرته بمثل الذي أمرتكما : ألا يبدأ القوم بقتال حتى يلقاهم فيدعوهم ويعذر إليهم ، إن شاء الله .
فخرج الأشتر حتى قدم على القوم فاتبع ما أمره به علي ( عليه السلام ) ، وكف عن القتال . فلم يزالوا متواقفين حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبوالأعور السلمي فثبتوا له ، واضطربوا ساعة ، ثم إن أهل الشام انصرفوا .
ثم خرج هاشم بن عتبة في خيل ورجال حسن عدتها وعددها ، وخرج إليهم أبوالأعور السلمي فاقتتلوا يومهم ذلك ، تحمل الخيل على الخيل والرجال على الرجال ، فصبر القوم بعضهم لبعض ، ثم انصرفوا .
وبكر عليهم الأشتر فقتل منهم عبد الله بن المنذر التنوخي ، قتله ظبيان بن عمارة التميمي ، وما هو يومئذ إلا فتى حديث السن ، وإن كان الشامي لفارس أهل الشام ! وأخذ الأشتر يقول : ويحكم ، أروني أباالأعور !
ثم إن أباالأعور دعا الناس فرجعوا نحوه ، فوقف على تل من وراء المكان الذي كان فيه أول مرة ، وجاء الأشتر حتى صف أصحابه في المكان الذي كان فيه أبوالأعور أول مرة ، فقال الأشتر لسنان بن مالك النخعي : انطلق إلى أبي الأعور فادعه إلى المبارزة ، فقال : إلى مبارزتي أو مبارزتك ؟ فقال : إلى مبارزتي ، فقال الأشتر : أوَلو أمرتك بمبارزته فعلتَ ؟ قال : نعم ، والذي لا إله إلا هو
--------------------------- 298 ---------------------------
لو أمرتني أن أعترض صفهم بسيفي فعلته حتى أضربه بالسيف . فقال : يا ابن أخي أطال الله بقاءك ، وقد والله ازددت فيك رغبة . لا ، ما أمرتك بمبارزته ، إنما أمرتك أن تدعوه إلى مبارزتي ، لأنه لا يبارز إن كان ذلك من شأنه إلا ذوي الأسنان والكفاءة والشرف ، وأنت بحمد الله من أهل الكفاءة والشرف ، ولكنك حديث السن ، وليس يبارز الأحداث ، فاذهب فادعه إلى مبارزتي . فأتاهم فقال : آمنوني فإني رسول ، فأمنوه حتى انتهى إلى أبي الأعور قال فقلت له : إن الأشتر يدعوك إلى مبارزته ، فسكت عني طويلاً ثم قال : إن خفة الأشتر وسوء رأيه هو الذي دعاه إلى إجلاء عمال عثمان من العراق ، وافترائه عليه ، يقبح محاسنه ويجهل حقه ، ويظهر عداوته . ومن خفة الأشتر وسوء رأيه أنه سار إلى عثمان في داره وقراره ، فقتله فيمن قتله فأصبح مبتغى بدمه . لا حاجة لي في مبارزته !
قال قلت له : قد تكلمت فاستمع مني حتى أخبرك . فقال : لا حاجة لي في جوابك ولا الاستماع منك ، إذهب عني ! وصاح بي أصحابه ، فانصرفت عنه ! ولو سمع مني لأخبرته بعذر صاحبي وحجته . فرجعت إلى الأشتر فأخبرته أنه قد أبى المبارزة ، فقال : لنفسه نظر .
قال : فتواقفنا حتى حجز بيننا وبينهم الليل وبتنا متحارسين ، فلما أن أصبحنا نظرنا فإذا هم قد انصرفوا . قال : وصبحنا على غدوة فسار نحو معاوية ، فإذا أبوالأعور السلمي قد سبق إلى سهولة الأرض وشريعة الماء ، مكان أفيح ، وكان على مقدمة معاوية ) .
أقول : معناه أن أباالأعور انسحب من المعركة لما خاف من الأشتر ، ورجعوا باتجاه الشام ونزلوا في مكان مناسب ، فوصل جيش معاوية ونزل هناك أيضاً ، ويبدو أن نزولهم في ذلك المكان كان طبيعياً ، وليس عن تخطيط .
قال نصر / 157 : ( فأتى الأشتر صاحب مقدمة معاوية وقد سبقه إلى المعسكر على الماء ، وكان الأشتر في أربعة آلاف من متبصري أهل العراق ، فأزالوا أباالأعور عن معسكره ، وأقبل معاوية في جميع الفيلق بقضه وقضيضه ، فلما رأى ذلك الأشتر انحاز إلى علي ( عليه السلام ) ، وغلب معاوية على الماء وحال بين أهل العراق وبينه ،
--------------------------- 299 ---------------------------
وأقبل علي ( عليه السلام ) حتى إذا أراد المعسكر ، إذا القوم قد حالوا بينه وبين الماء ) .
لا يقال : لماذا انسحب الأشتر وترك المكان المناسب لأبي الأعور . فالصحيح أنه جاء لمواجهة مقدمة معاوية واشتبك معها فهرب منه أبوالأعور ، فجاء جيش معاوية الكبير ، ولم يؤمر الأشتر بمواجهته ، فرجع إلى علي ( عليه السلام ) فأخذ جيش معاوية المكان المناسب ، وأحكم قبضته عليه ، ومنع الماء عن جيش الإمام ( عليه السلام ) !

لماذا استطاع معاوية أن يمنع ماء الفرات عن جيش علي ( عليه السلام ) ؟

1 . ينبع الفرات من تركيا ويجري في سوريا بين جبال وسهول ، ثم يدخل إلى العراق فيقطعه من شماله إلى جنوبه ، ويصب في الخليج .
وتقع قرية صفين غربي الفرات عند مكان يسمى سور الروم ، شرقي بالس أو مسكنة ، وتقابلها قلعة جعبر ، فبينها وبين الرقة جعبر ودامان .
وقرب صفين جبل وأمامها سهل ، وقد غمرتها اليوم مياه بحيرة الأسد ، وبقي جبلها ويسمى جبل بنات أبي هريرة ، وهو تلال فيها قبورقتلى صفين .
قال ابن العديم في تاريخ حلب ( 1 / 280 ) : ( عن كعب أنه رأى صفين والحجارة التي على الطريق فقال : لقد وجدت نعتها في الكتاب أن بني إسرائيل اقتتلوا فيها تسع مرات حتى تفانوا ، وأن العرب ستقتتل فيها العاشرة حتى يتفانوا ، ويتقاذفوا بالحجارة التي تقاذفت بها بنو إسرائيل !
فاقتتل فيها أهل الشام مع معاوية ، وأهل العراق مع علي حتى تفانوا ، وتقاذفوا بتلك الحجارة ! سئل كعب الذماري : من أين كان كعب يعلم ملحمة صفين ؟ قال : أما ملحمة صفين فإنها في كتاب الله ( أي في موروثات اليهود ) إني حابس الأميين حيث حبست بني إسرائيل . قال : وكانت قبل صفين تسع ملاحم كانت صفين العاشرة .
وقال ابن العديم عن صفين : هي قرية كبيرة عامرة على مكان مرتفع ، على شط الفرات والفرات في سفحها ، وفيها مشهد لأمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) وقيل بأنه موضع فسطاطه . وموضع الوقعة من غربيه في الأرض السهلة .
--------------------------- 300 ---------------------------
وقَتْلَى علي في أرض قِبْلي المشهد وشرقيُّهُ ، وقتلى معاوية من غربي المشهد ، وجثثهم في تلال من التراب والحجارة .
كانوا لكثرة القتلى يحفرون حفائر ويطرحون القتلى فيها ويهيلون التراب عليهم ، ويرفعونه عن وجه الأرض ، فصارت لطول الزمان كالتلال .
وفي حديث محمد بن إسحاق قال : أقبل معاوية حتى نزل صفين ، والصفين مدينة عتيقة من مدائن الأعاجم في أرض قنسرين على شاطئ الفرات ، فيما بين منبج والرقة ، على نجفة مشرفة الجذل ، وبين النجفة وبين الفرات غيضة آسنة ذات ماء آجن ، لايُقدر على الفرات إلا من شرائع الغيضة ، فمن قدر على الشريعة استقى ، ومن لم يقدر على الشريعة استقى من الجرف بالدلاء ، ماء آجناً غليظاً لا يشرب إلا بالشن ) .
وقال ابن قتيبة في الأخبار الطوال / 167 : ( وهي قرية خراب من بناء الروم ، منها إلى الفرات غلوةٌ ، وعلى شط الفرات مما يليها غيضة ملتفة ، فيها نزور طولها نحو من فرسخين ، وليس في ذينك الفرسخين طريق إلى الفرات إلا طريق واحد مفروش بالحجارة ، وسائر ذلك خَلافٌ وغَرْب ( شجر ) ملتف لا يسلك ، وجميع الغيضة نُزُورٌ ووحل ، إلا ذلك الطريق الذي يأخذ من القرية إلى الفرات . وأمر معاوية أباالأعور أن يقف في عشرة آلاف من أهل الشام على طريق الشريعة فيمنع من أراد السلوك إلى الماء من أهل العراق .
وأقبل علي حتى وافى المكان ، فصادف أهل الشام قد احتووا على القرية والطريق ، فأمر الناس فنزلوا بالقرب من عسكر معاوية وانطلق السقاؤون والغلمان إلى طريق الماء ، فحال أبوالأعور بينهم وبينه ، وأُخبر علي بذلك فقال لصعصعة بن صوحان : إيت معاوية . .
وظل أهل العراق يومهم ذلك وليلتهم بلا ماء ، إلا من كان ينصرف من الغلمان إلى طرف الغيضة ، فيمشي مقدار فرسخين فيستقي ، فغمَّ علياً أمر الناس غماً شديداً ، وضاق بما أصابهم من العطش ذرعاً ، فأتاه الأشعث بن قيس فقال : يا أمير المؤمنين ، أيمنعنا القوم الماء وأنت فينا ومعنا سيوفنا ؟ وَلِّنِي الزحف إليه فوالله لا أرجع أو
--------------------------- 301 ---------------------------
أموت ومُرِ الأشترفلينضم إلي في خيله ، فقال له علي : إيت في ذلك ما رأيت . فلما أصبح زاحف أباالأعور ، فاقتتلوا وصدقهم الأشتر والأشعث حتى نفيا أباالأعوروأصحابه عن الشريعة ) .
وقال نصر / 157 : ( إن رجلاً من أهل الشام قال لمعاوية : إمنعهم من الماء ، فقال معاوية : الرأي ما تقول ولكن عمرواً لايدعني . قال عمرو : خَلِّ بينهم وبين الماء فإن علياً لم يكن ليظمأ وأنت ريان ، وفي يده أعنة الخيل وهو ينظر إلى الفرات حتى يشرب أو يموت ، وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق ، ومعه أهل العراق وأهل الحجاز ، وقد سمعته أنا وأنت وهو يقول : لو استمكنت من أربعين رجلاً فذكر أمراً ، يعني لو أن معي أربعين رجلاً يوم فتش البيت ، يعني بيت فاطمة ) !
يقصد عمرو أن علياً ( عليه السلام ) قال لما هاجموا بيت فاطمة ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وهددوهم بالإحراق إن لم يبايعوا أبا بكر : لو أن معي أربعون لقاتلهم ، فكيف به الآن ومعه ألوف !
وذكر نصر : أن أهل الشام فرحوا بالغلبة فقال معاوية : يا أهل الشام هذا أول الظفر ، لاسقاني الله ولاسقا أبا سفيان إن شربوا منه أبداً حتى يقتلوا بأجمعهم !

أرسل علي ( عليه السلام ) صعصعة وشبث بن ربعي لمعالجة قضية الماء

في مناقب آل أبي طالب ( 2 / 351 ) : ( فأنفذ علي ( عليه السلام ) شبث بن ربعي وصعصعة بن صوحان ، فقالا في ذلك لطفاً وعنفاً ، فقالوا : أنتم قتلتم عثمان عطشاً ) !
وقال الطبري ( 3 / 568 ) : ( فدعا صعصعة بن صوحان فقال له : إئت معاوية وقل له : إنا سرنا مسيرنا هذا إليكم ونحن نكره قتالكم قبل الإعذار إليكم وإنك قدمت إلينا خيلك ورجالك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك وبدأتنا بالقتال ، ونحن من رأينا الكف عنك حتى ندعوك ونحتج عليك .
وهذه أخرى قد فعلتموها : قد حلتم بين الناس وبين الماء ، والناس غير منتهين أو يشربوا ، فابعث إلى أصحابك فليخلوا بين الناس وبين الماء ، ويكفوا حتى ننظر فيما بيننا وبينكم ، وفيما قدمنا له وقدمتم له ، وإن كان أعجب إليك أن نترك ما جئنا له ونترك الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب ، فعلنا .
--------------------------- 302 ---------------------------
فقال معاوية لأصحابه : ما ترون ؟ فقال الوليد بن عقبة : إمنعهم الماء كما منعوه عثمان ، حصروه أربعين صباحاً يمنعونه برد الماء ولين الطعام ، أقتلهم عطشاً قتلهم الله عطشاً !
فقال له عمرو : خل بينهم وبين الماء ، فإن القوم لن يعطشوا وأنت ريان ، ولكن بغير الماء فانظرما بينك وبينهم . فأعاد الوليد بن عقبة مقالته .
وقال ابن أبي سرح : إمنعهم الماء إلى الليل فإنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا ، ولو قد رجعوا كان رجوعهم فلَّاً ! إمنعهم الماء منعهم الله يوم القيامة !
فقال صعصعة : إنما يمنعه الله عز وجل يوم القيامة الكفرة الفسقة وشَرَبَة الخمر ، ضَرْبَك وضرب هذا الفاسق يعني الوليد بن عقبة ! قال : فتواثبوا إليه يشتمونه ويتهددونه ، فقال معاوية : كفوا عن الرجل فإنه رسول ) !
وقد ذكرنا أن الذي منع عثمان الماء طلحة ، وأن علياً ( عليه السلام ) أدخل اليه الماء بالقوة .
وقال نصر / 160 : قال عبد الله بن الأحمر : ( لما رجع الينا صعصعة فحدثنا بما قال معاوية وما رد عليه ، قال : لما أردت الانصراف من عنده قلت : ما ترد عليَّ ؟ قال : سيأتيكم رأيي ! قال : فوالله ما راعنا إلا تسوية الرجال والخيل والصفوف ! فأرسل إلى أبي الأعور : إمنعهم الماء ، فازدلفنا والله إليهم ، فارتمينا واطَّعنا بالرماح ، واضطربنا بالسيوف فطال ذلك بيننا وبينهم ، فصار الماء في أيدينا فقلنا : والله لا نسقيهم !
فأرسل إلينا علي ( عليه السلام ) : خذوا من الماء حاجتكم وارجعوا إلى عسكركم ، وخلوا بينهم وبين الماء ، فإن الله قد نصركم ببغيهم وظلمهم !
قال نصر / 193 : ( خطب علي يوم الماء فقال : أما بعد فإن القوم قد بدؤوكم بالظلم ، وفاتحوكم بالبغي واستقبلوكم بالعدوان ، وقد استطعموكم القتال حيث منعوكم الماء ، فأقروا على مذلة وتأخير محلة ، أو روُّوا السيوف من الدماء تُرووا من الماء ، فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين . ألا وإن معاوية قاد لُمَّةً من الغواة وعَمَّس عليهم الخبر ، حتى جعلوا نحورهم أغراض المنية ) .
--------------------------- 303 ---------------------------

ثم أرسل الإمام ( عليه السلام ) آخرين إلى معاوية لمعالجة قضية الماء

روى الخوارزمي في المناقب / 203 ، خبرأشخاص أرسلهم الإمام ( عليه السلام )
إلى معاوية يحتجون عليه ، فبقي مصراًعلى منعهم الماء ، وكان علي ( عليه السلام )
وأصحابه يشربون من ماء آسن حتى فشا فيهم السقم !
وكان جواب معاوية : إنك أغريت بعثمان المهاجرين والأنصار ، وخذلت عنه الأنصار حتى قتل ، فكتب له علي ( عليه السلام ) جوابه وأرسله مع الأصبغ بن نباتة ، فقال الأصبغ : دخلت على معاوية وهو جالس على نطع من الأدم متكياً على وسادتين خضراوين ، فلما قرأ الكتاب قال : إن علياً لا يدفع إلينا قتلة عثمان ، فقلت له : يا معاوية لاتعتل بدم عثمان ، فإنك تطلب الملك والسلطان ، ولو كنت أردت نصرته حياً لنصرته ، ولكنك تربصت به لتجعل ذلك سبباً إلى وصولك إلى الملك !
فغضب من كلامي فأردت أن يزيد غضبه فقلت لأبي هريرة : يا صاحب رسول الله إني أحلفك بالله الذي لا إله إلا هو إلا أخبرتني أشهدت غدير خم ؟ قال : بلى شهدته ، قلت : فما سمعته يقول في علي ؟ قال : سمعته يقول : من كنت مولاه فعلى مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه !
قلت له : فإذاً أنت واليت عدوه وعاديت وليه ، فتنفس أبو هريرة الصعداء وقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ! فتغير معاوية وقال : كفَّ عن كلامك ، فلا تستطيع أن تخدع أهل الشام بالكلام عن طلب دم عثمان ، فإنه قتل مظلوماً في حرم رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وعند صاحبك قتلة عثمان ، أغراهم به حتى قتلوه ، وما كان عثمان ليهدر دمه ! وغضب وصاح عليَّ وقال : ليت شعري أجئت رسولاً أم مشنعاً ! فانصرفت .
فأرسل علي إلى معاوية عبد الله بن بديل الخزاعي وهو الذي فتح أصبهان في أيام عمر ، وقال له يقول علي : لو كنت سبقتك إلى الماء لما منعتكه ، وإن منعك الماء محرم عليك فدع أصحاب النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ليشربوا ويسقوا حتى ننظر إلى ما يؤول أمرنا ، فإن القتال شديد ، فلا نبدأ في الشهر الحرام .
--------------------------- 304 ---------------------------
فأصر معاوية وقال : قل له يدفع إلي قتلة عثمان أقتلهم ، فقال له عبد الله : أتظن يا معاوية أن علياً عجز عن أخذ الماء ، ولكنه يحتج عليك !
وانصرف عبد الله بن بديل الخزاعي إلى علي ( عليه السلام ) وأخبره بخبره . .
ثم بعث الإمام ( عليه السلام ) جماعة من الأنصاروغيرهم إلى معاوية ليحتجوا عليه فأتوه وكلموه وبالغوا في ذلك وقالوا : يا معاوية جُدْ به تفضلاً قبل أن نأخذه قهراً . فقال : غداً يأتيكم رسولي بما يبدو لي ، فأصبح القوم ، وقد تقدم جيش معاوية للقتال !
وفي مروج الذهب ( 2 / 274 ) : ( خرج علي يدورفي عسكره بالليل فسمع قائلاً :
أيمنعنا القوم ماء الفرات * وفينا عليٌّ وفينا الهدى
وفينا الصلاة وفينا الصيام * وفينا المناجون تحت الدجى
وبات عليٌّ وجيشه في البر ليلتهم عطاشاً ، قد حيل بينهم وبين الماء . . الخ .
ثم ذكر المسعودي أن علياً ( عليه السلام ) سيَّرالأشعث بأربعة آلاف والأشتر بأربعة آلاف من الخيل والرجَّالة ، وسار وراء الأشتر بباقي الجيش ، ومضى الأشعث فما رَدَّ وجهه أحد حتى هجم على عسكر معاوية ، فأزال أباالأعور عن الشريعة ، وغَرَّقَ منهم بشراً وخيلًا ، وأورد خيله الفرات ) .
وقال نصر / 193 : ( ثم غاداهم عليٌّ ( عليه السلام ) القتال ، وعلى رايته يومئذ هاشم بن عتبة المرقال ، قال : ومعه الحَدَل ، التي يقول فيها الأشتر :
إنا إذا ما احتسبنا الوغى * أدرنا الرحى بصنوف الحدل
وضرباً لهاماتهم بالسيوف * وطعناً لهم بالقنا والأسل
عرانين من مذحج وسطها * يخوضون أغمارها بالهبل
ووائل تسعر نيرانها * ينادونهم أمرنا قد كمل
أبو حسن صوت خيشومها * بأسيافه كل حام بطل
على الحق فينا له منهج * على واضح القصد لا بالميل
والحدَل : نوع من الأقواس المائلة واحدها حَدْلاء . ( الصحاح : 4 / 1668 ) .
وقال المسعودي ( مروج الذهب : 2 / 275 ) : ( إن الأشعث كان يقدم رمحه ثم يحث أصحابه ،
--------------------------- 305 ---------------------------
فبلغ ذلك علياً فقال : هذا اليوم نصرنا فيه بالحمية ) !
وقال نصر / 192 : ( فلما غلب علي ( عليه السلام ) على الماء فطرد عنه أهل الشام ، بعث إلى معاوية : إنا لانكافيك بصنعك ، هَلُمَّ إلى الماء ، فنحن وأنتم فيه سواء . فأخذ كل واحد منهما بالشريعة مما يليه ، وقال علي ( عليه السلام ) لأصحابه : أيها الناس ، إن الخطب أعظم من منع الماء . وقال معاوية : لله در عمرو ، ما عصيته في أمر قط إلا أخطأت الرأي فيه ) .
لكن عمرو العاص كان متضامناً مع معاوية ، وقاتل معه على الماء بكل طاقته ! ولما غلب علي ( عليه السلام ) على الماء اختلف مع معاوية ، فقال له ( نصر / 185 ) :
أمرتك أمراً فسخفته * وخالفني ابن أبي سرحه
وأغمضت في الرأي إغماضة * ولم تر في الحرب كالفسحه
فكيف رأيت كباش العراق * ألم ينطحوا جمعنا نطحه
فإن ينطحونا غداً مثلها * نكن كالزبيري أو طلحة
أظن لها اليوم ما بعدها * وميعاد ما بيننا صبحه
وإن أخروها لما بعدها * فقد قدموا الخبط والنفحة
وقد شرب القوم ماء الفرات * وقلدك الأشتر الفضحه ) !

اعترض رجل همْداني على فعل معاوية فأراد قتله !

قال نصر / 163 : ( وتباشرأهل الشام فقام إلى معاوية رجل من أهل الشام همداني يقال له المعري بن الأقبل وكان ناسكاً ، وكان صديقاً مواخياً لعمرو بن العاص ، فقال : يا معاوية سبحان الله ، ألأن سبقتم القوم إلى الفرات فغلبتموهم عليه تمنعونهم عنه ؟ أما والله لو سبقوكم إليه لسقوكم منه . أليس أعظم ما تنالون من القوم أن تمنعونهم الفرات فينزلوا على فرضة أخرى فيجازوكم بما صنعتم ؟ أما تعلمون أن فيهم العبد والأمة والأجير والضعيف ومن لا ذنب له . هذا والله أول الجور ! لقد شجعت الجبان ، وبصرت المرتاب ، وحملت من لا يريد قتالك على كتفيك ! فأغلظ له معاوية وقال لعمرو : إكفني صديقك . فأتاه عمرو
--------------------------- 306 ---------------------------
فأغلظ ، فقال الهمداني :
لعمرو أبي معاوية بن حرب * وعمرو ما لدائهما دواء
سوى طعن يحار العقل فيه * وضرب حين يختلط الدماء
فلست بتابع دين ابن هند * طوال الدهر ما أرسى حراء
لقد ذهب العتاب فلا عتاب * وقد ذهب الولاء فلا ولاء
وقولي في حوادث كل أمري * على عمرو وصاحبه العفاء
ألا لله درك يا ابن هند * لقد برح الخفاء فلا خفاء
أتحمون الفرات على رجال * وفي أيديهم الأسل الظماء
وفي الأعناق أسياف حداد * كأن القوم عندهم نساء
فترجو أن يجاوركم علي * بلا ماء وللأحزاب ماء
دعاهم دعوة فأجاب قوم * كجرب الإبل خالطها الهناء
قال : ثم سار الهمداني في سواد الليل فلحق بعلي . قال : ومكث أصحاب علي ( عليه السلام )
يوماً وليلة بغير ماء ، واغتم عليٌّ بما فيه أهل العراق ) .
وقال ابن الأعثم ( 3 / 6 ) : ( فأمر معاوية بقتل هذا الرجل ، فوثب قوم من بني عمه فاستوهبوه منه فوهبه لهم ، فلما كان الليل هرب إلى علي بن أبي طالب فصارمعه ) .

بطولة مالك الأشتر ( رضي الله عنه ) في معركة الماء

أطال الرواة في أخبار معركة الماء ، ورواية الشعر فيها ، وأعطوا أكثر بطولتها للأشعث بن قيس ، وبعضهم أعطاها للأشتر ، وهاشم المرقال .
قال الخوارزمي في المناقب / 219 ، رويَ أن الأشتر كان يخطب ويقول : أثبتوا في مواضعكم وأقيموا صفوفكم ، فلما كتب الكتائب ورتب الصفوف أقبل علينا بوجهه فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على نبيه ( ( عليهما السلام ) ) ثم قال : أما بعد فقد كان سابقاً في علم الله اجتماعنا في هذه البقعة من الأرض لآجال اقتربت وأمور تصرفت وآمال تصرمت ، يسوسنا سيد الأوصياء ويرأسنا ابن عم خيرالأنبياء ، إمامنا المؤيد بنصرالله من السماء وسيف من سيوف الله . ورئيسهم ابن آكلة الأكباد يسوقهم إلى النار والشقاء ، ونحن
--------------------------- 307 ---------------------------
نرجو الثواب وهم ينتظرون العقاب ، فإذا حمى الوطيس وجبن الرئيس ، وثار القتال وطال العتاب والملام ، والتقت حلقتا البطان وتقصف المران ، وجالت الخيل بالأبطال وبلغت النفوس الآجال ، فلا أستمع إلا غماغم الفرسان وهماهم الشجعان ، فإن الله ولينا وعلي إمامنا ، والنصرلواؤنا .
أيها الناس ، غضوا الأبصار وعضوا على النواجذ والأضراس ، فإنها أشد لشؤون الرأس ، واستقبلوا القوم بهامكم ، وخذوا قوائم سيوفكم بأيمانكم واطعنوا الشرسوف الأيسرفإنه مقتل ، وشدوا شدة قوم موتورين بدينهم ودماء إخوانهم ، حنقين على عدوهم ، قد وطنوا على الموت أنفسهم ، لئلا تسبقوا بثار ، ولا تلحقوا في الآخرة بنار . واعلموا أن الفرار من الزحف مسبة ، وفيه الخزي والمذمة إلى يوم القيامة ، والوقوف محمدة ، والحمد أفضل من الذم . أعاننا الله وإياكم على طاعته واتباع مرضاته ، ونَصْر أوليائه وقَهْر أعدائه ، إنه خير معين ) .
وقال نصر / 172 : ( طال بيننا وبين أهل الشام القتال ، فما أنسى قول عبد الله بن عوف بن الأحمر يوم الفرات ، وكان من فرسان علي ( عليه السلام ) :
خلوا لنا عن الفرات الجاري * أو اثبتوا للجحفل الجرار
لكل قرم مستميت شاري * مطاعنٍ برمحه كرار
ضراب هاماتِ العدى مغوار
قال : ثم إن الأشتر دعا الحارث بن همام النخعي فأعطاه لواءه ثم قال : يا حارث لولا أني أعلم أنك تصبرعند الموت لأخذت لوائي منك ولم أَحْبُكَ بكرامتي . قال : والله لأسرنك اليوم أو لأموتن ، فتقدم باللواء وهو يقول :
يا أشتر الخير ويا خير النخع * وصاحب النصر إذا عم الفزع
وكاشف الأمر إذا الأمر وقع * ما أنت في الحرب العوان بالجذع
قد جزع القوم وعموا بالجزع * وجرعوا الغيظ وغصوا بالجرع
إن تسقنا الماء فما هي بالبدع * أو نعطش اليوم فجند مقتطع

  • ما شئت خذ منها وما شئت فدع
    --------------------------- 308 ---------------------------
    فقال الأشتر : أدن مني يا حارث ، فدنا منه فقبل رأسه . ثم قام الأشتر يحرض أصحابه يومئذ ويقول : فدتكم نفسي ، شدوا شدة المحرج الراجي الفرج ، فإذا نالتكم الرماح فالتووا فيها ، وإذا عضتكم السيوف فليعض الرجل نواجذه فإنه أشد لشؤون الرأس ، ثم استقبلوا القوم بهاماتكم .
    قال : وكان الأشتر يومئذ على فرس له محذوف أدهم كأنه حَلَك الغراب .
    وروى نصرعن صعصعة قال : قَتل الأشتر في تلك المعركة سبعة ، وقتل الأشعث فيها خمسة ، ولكن أهل الشام لم يثبتوا . فكان الذين قتلهم الأشتر : صالح بن فيروز العكي ، ومالك بن أدهم السلماني ، ورياح بن عتيك الغساني ، والأجلح بن منصور الكندي وكان فارس أهل الشام ، وإبراهيم بن وضاح الجمحي ، وزامل بن عبيد الحزامي ، ومحمد بن روضة الجمحي . فأول قتيل قتل الأشتر ذلك اليوم بيده من أهل الشام رجل يقال له صالح بن فيروز ، وكان مشهوراً بشدة البأس ، فقال وارتجز على الأشتر :
    يا صاحب الطرف الحصان الأدهم * أقدم إذا شئت علينا أقدم
    أنا ابن ذي العز وذي التكرم * سيد عِكٍّ كل عِك فاعلم
    فبرز إليه الأشتر وهو يقول :
    آليت لا أرجع حتى أضربا * بسيفي المصقول ضرباً معجبا
    أنا ابن خير مذحج مركبا * من خيرها نفساً وأماً وأبا
    ثم شد عليه بالرمح فقتله وفلق ظهره ثم رجع إلى مكانه . ثم خرج إليه فارس آخر يقال له مالك بن أدهم السلماني ، وكان من فرسان أهل الشام ، وهو يقول :
    إني منحت مالكاً سنانيا * أجيبه بالرمح إذ دعانيا
  • لفارس أمنحه طعانيا
    ثم شد على الأشتر فلما رهقه التوى الأشتر على الفرس مار السنان فأخطأه ، ثم استوى على فرسه وشد عليه بالرمح وهو يقول :
    خانك رمح لم يكن خوانا * وكان قدماً يقتل الفرسانا
    لويته لخير ذي قحطانا * لفارس يخترم الأقرانا
  • أشهلُ لا وغلاً ولا جبانا . فقتله .
    --------------------------- 309 ---------------------------
    ثم خرج فارس آخر يقال له رياح بن عتيك ، وهو يقول :
    إني زعيم مالك بضرب * بذي غرارين جميع القلب
  • عبل الذراعين شديد الصلب
    فخرج إليه الأشتر وهو يقول :
    رويد لا تجزع من جلادي * جلاد شخص جامع الفؤاد
    يجيب في الروع دعا المنادي * يشد بالسيف على الأعادي .
    فشد عليه فقتله . ثم خرج إليه فارس يقال له إبراهيم بن الوضاح وهو يقول :
    هل لك يا أشتر في برازي * براز ذي غشم وذي اعتزاز
  • مقاوم لقرنه لزاز
    فخرج إليه الأشتر وهو يقول :
    نعم نعم أطلبه شهيدا * معي حسام يقصم الحديدا
  • يترك هامات العدى حصيدا . فقتله .
    ثم خرج إليه فارس آخر يقال له زامل بن عتيك الحزامي ، وكان من أصحاب الألوية ، فشد عليه وهو يقول :
    يا صاحب السيف الخضيب المرسب * وصاحب الجوشن ذاك المذهب
    هل لك في طعن غلام ٍمحرب * يحمل رمحاً مستقيمَ الثعلب
  • ليس بحيادٍ ولا مُغَلَّب .
    فطعن الأشتر في موضع الجوشن فصرعه عن فرسه ولم يصب مقتلاً ، وشد عليه الأشتر راجلاً فكسف قوائم الفرس بالسيف ، وهو يقول :
    لا بد من قتلي أو من قتلكا * قتلت منكم خمسة من قبلكا
  • وكلهم كانوا حماةً مثلكا
    ثم ضربه بالسيف وهما راجلان ، فقتله . ثم خرج إليه فارس يقال له الأجلح وكان من أعلام العرب وفرسانها ، وكان على فرس يقال له لاحق ، فلما استقبله الأشتر كره لقاءه واستحيا أن يرجع ، فخرج إليه وهو يقول :
    --------------------------- 310 ---------------------------
    أقدم باللاحق لا تهلل * على صملٍ ظاهر التسلل
    كأنما يقشم مُرَّ الحنظل * إن سمته خسفاً أبى لم يقبل
    وإن دعاه القرن لم يعول * يمشي إليه بحسام مفصل
    مشياً رويداً غيرما مستعجل * يخترم الآخر بعد الأول
    فشد عليه الأشتر وهو يقول :
    بليت بالأشتر ذاك المذحجي * بفارس في حلق مدجج
    كالليث ليث الغابة المهيج * إذا دعاه القرن لم يعرِّج
    فضربه الأشتر فقتله . ثم خرج إليه محمد بن روضة ، وهو يضرب في أهل العراق ضرباً منكراً ويقول :
    يا ساكني الكوفة يا أهل الفتن * يا قاتلي عثمان ذاك المؤتمن
    ورث صدري قتله طول الحزن * أضربكم ولا أرى أباحسن
    فشد عليه الأشتر وهو يقول :
    لا يبعد الله سوى عثمانا * وأنزل الله بكمُ هوانا
    ولا يسلي عنكم الأحزانا * مخالف قد خالف الرحمانا
  • نصرتموه عابداً شيطانا .
    ثم ضربه فقتله .
    وقالت أخت الأجلح بن منصور الكندي حين أتاها مصابه ، واسمها حبلة :
    ألا فابكي أخا ثقة * فقد والله أبكينا
    لقتل الماجد القمقام * لا مثل له فينا
    أتانا اليوم مقتله * فقد جزت نواصينا
    كريم ماجد الجدين * يشفي من أعادينا
    وممن قاد جيشهم * عليٌّ والمضلونا
    شفانا الله من أهل * العراق فقد أبادونا
    أما يخشون ربهم * ولم يرعوا له دينا
    --------------------------- 311 ---------------------------
    قال جابر : بلغني أنها ماتت حزناً على أخيها ! وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حين بلغه مرثيتها أخاها : أما إنهن ليس بملكهن ما رأيتم من الجزع ، أما إنهم قد أضروا بنسائهم فتركوهن أيامى خزايا بائسات ، من قبل ابن آكلة الأكباد . اللهم حمله آثامهم وأوزارهم وأثقالاً مع أثقالهم ، اللهم لا تعف عنه ) .
    قال نصر / 168 : ( سمعت بكر بن تغلب السدوسي يقول : والله لكأني أسمع الأشتر وهو يحمل على عمرو بن العاص يوم الفرات ، وهو يقول :
    ويحك يا ابن العاصي * تنح في القواصي * واهرب إلى الصياصي
    اليوم في عراص * نأخذ بالنواصي * لا نحذر التناصي
  • نحن ذوي الخماص * لا نقرب المعاصي
  • في الأدرع الدلاص * في الموضع المصاص
    فأجابه عمرو بن العاص :
    ويحك يا ابن الحارث * أنت الكذوب الحانث
    أنت الغرير الناكث * أعدَّ مال الوارث
    وفي القبور ماكث
    عن بكر بن تغلب قال : حدثني من سمع الأشتر يوم الفرات ، وقد كان له يومئذ غناء عظيم من أهل العراق ، وهو يقول :
    اليوم يوم الحفاظ * بين الكماة الغلاظ * نحفزها والمظاظ
    قال : وقد قتل لَقْوَة من آل ذي لقوة ، وكان يومئذ فارس أهل الأردن ، وقتل رجالاً من آل ذي يزن ) . ونحفزها والمظاظ : أي : نثير المعركة ونلح عليها .
    وقال الخوارزمي في المناقب / 215 : ( قال أبوهاني السدوسي : كنت مع الأشتر وقد تبين فيه العطش فقلت لرجل من بني عمي : إن الأميرعطشان ، فقال : عندي إداوة ماء لنفسي أوثره على نفسي ، فتقدم إلى الأشتر فعرض عليه الماء فقال :
    لا أشرب حتى يشرب الناس ! ودنا أصحاب أبي الأعور يرشقون بالنبل والأشتر ينادي : يا معاشرالناس صبراً ، ثم حمل على أصحاب أبي الأعور وبدد الرماة ) .
    --------------------------- 312 ---------------------------
    وذكر الخوارزمي في المناقب / 219 ، أن معاوية أرسل عمرو العاص مدداً لأبي الأعور في معركة الماء ، فقال الأشتر : جاءهم مدد ولكن يا أصحابي أبشروا فإنا على الحق والباطل زاهق . وكان عمرو لبس فوق درعه خفتاناً أحمر ( رداء فارسي خفيف ) فقال له الأشتر : ويلك يا ابن العاصي ، أهرب إلى الصياصي ، ثم حمل الأشتر عليه فاتقاه بالحجفة وانهزم عمرو ، وزعق أصحاب أبي الأعور ! فأرسل الأشتر إلى أبي الأعور : أن أبرز إلي فبرز إليه لكثرة ما دعاه الأشتر إليه وعليه درع مذهب وبيضة عادية ، فحمل الأشتر عليه فضربه على بيضته فقطع أنف البيضة ، ووقع السيف في وجنته فدمي وجهه ، وهرب أبوالأعور ) !

دور الأشعث بن قيس في معركة الماء

قال نصر / 165 : ( مضى ( علي ( عليه السلام ) ) إلى راية كندة ، فإذا مناد ينادي إلى جنب منزل الأشعث وهو يقول :
لئن لم يجل الأشعث اليوم كربة * من الموت فيها للنفوس تعنت
فنشرب من ماء الفرات بسيفه * فهبنا أناساً قبل كانوا فموتوا
فإن أنت لم تجمع لنا اليوم أمرنا * وتلق التي فيها عليك التشتت
فمن ذا الذي تثنى الخناصر باسمه * سواك ومن هذا إليه التلفت
وهل من بقاء بعد يوم وليلة * نظل عطاشاً والعدو يصوت
هلموا إلى ماء الفرات ودونه * صدور العوالي والصفيح المشتت
وأنت امرؤ من عصبة يمنية * وكل امرئ من غصنه حين ينبت
فلما سمع الأشعث قول الرجل أتى علياً من ليلته فقال : يا أمير المؤمنين أيمنعنا القوم ماء الفرات وأنت فينا ، ومعنا السيوف ؟ خل عنا وعن القوم فوالله لا نرجع حتى نرده أو نموت . ومُرِالأشتر فليعل بخيله فيقف حيث تأمره . فقال : ذاك إليكم . فرجع الأشعث فنادى في الناس : من كان يريد الماء أو الموت فميعاده الصبح فإني ناهض إلى الماء . فأتاه من ليلته اثنا عشر ألف رجل ، وشد عليه سلاحه وهو يقول :
--------------------------- 313 ---------------------------
ميعادنا اليوم بياض الصبح * هل يصلح الزاد بغير ملح
لا لا ، ولا أمر بغير نصح * دبوا إلى القوم بطعن سمح
مثل العزالي بطعان نفح * لا صلح للقوم وأين صلحي

  • حسبي من الإقحام قاب رمح
    فلما أصبح دب في الناس وسيوفهم على عواتقهم ، وجعل يلقي رمحه ويقول : بأبي أنتم وأمي ، تقدموا قاب رمحي هذا . فلم يزل ذلك دأبه حتى خالط القوم وحسر عن رأسه ونادى : أنا الأشعث بن قيس ، خلوا عن الماء . فنادى أبوالأعور السلمي : أما والله لا ، حتى تأخذنا وإياكم السيوف . فقال : قد والله أظنها دنت منا . وكان الأشتر قد تعالى بخيله حيث أمره علي فبعث إليه الأشعث أن أقحم الخيل . فأقحمها حتى وضع سنابكها في الفرات ، وأخذت القوم السيوف ، فولوا مدبرين .
    وقال نصر / 167 : ( نادى الأشعث عمرو بن العاص قال : ويحك يا ابن العاص ، خل بيننا وبين الماء ، فوالله لئن لم تفعل لتأخذنا وإياكم السيوف . فقال عمرو : والله لا نخلي عنه حتى تأخذنا السيوف وإياكم ، فيعلم ربنا أينا اليوم أصبر . فترجل الأشعث والأشتر وذوو البصائر من أصحاب على وترجل معهما اثنا عشر ألفاً ، فحملوا على عمرو ومن معه من أهل الشام فأزالوهم عن الماء ، حتى غمست خيل على سنابكها في الماء .
    ثم إن علياً ( عليه السلام ) عسكر هناك . وقبل ذاك قال شاعر أهل العراق :
    ألا يتقون الله أن يمنعوننا * الفرات وقد يروي الفرات الثعالب
    وقد وعدونا الأحمرين فلم نجد * لهم أحمراً إلا قراع الكتائب
    إذا خفقت راياتنا طحنت لها * رحى تطحن الأرحاء والموت طالب
    فنعطى إله الناس عهداً نفي به * لصهر رسول