الإمام محمد الباقر عليه السلام ، السيرة الكاملة

بسم الله الرحمن الرحيم

Asset 2@4x.png بقلم

الطبعة الأولى
1445هجرية- 2023 ميلادية

المؤلف: علي الكَوراني العاملي.

الناشر: دارالمعروف، قم المقدّسة.

الطبعة : الأولی.

تاریخ النشر: 1445 هـ - 2023 م

المطبعة : باقری - قم المقدّسة.

عدد المطبوع : 2000 نسخة.

مقدمة

بسْـمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم

الحمدُ لله ربِّ العالمين ، وأفضلُ الصلاة وأتمُّ السلام

على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين .

وبعد ، فقد كتبت المجلد الخامس من جواهر التاريخ في سيرة الإمامين الباقر والصادق قبل سبع عشرة سنة ، والآن أردت أن أفرد سيرة كل منهما عليهما السلام .

ومن خصائص أئمة العترة عليهم السلام أنك لو كتبت في سيرة أحدهم ، ثم رجعت بعد مدة لوجدت أنه فاتك الكثير! لأن سيرتهم غنية بما أعطاهم الله من صفات وقدرات ، وقد أعطاهم الكثير المبارك .

في سيرة الإمام الباقر عليه السلام يفرض هذا السؤال عليك نفسه: لماذا سماه جده رسول الله صلى الله عليه وآله باقر العلم ، والرسول لاينطق عن الهوى ، ولا يتكلم جزافاً ؟

وقد جعلت قول النبي صلى الله عليه وآله مصباحاً بيدي وأخذت أقرأ لأعرف كيف بقر علم النبوة ونشره في الأمة ، فوجدت العجب العُجاب !

وجدته عليه السلام عَمِد الى مصادر العلم المزيف عند الأمة فأسقطهم واحداً واحداً ، وكان يسميهم الأخابث الصادين عن سبيل الله ! ويقول عنهم يمصون الثماد ويتركون النهر العظيم: علم رسول الله صلى الله عليه وآله عند عترته !

وكان أكثرهم تأثيراً ابن عباس، وأنس خادم النبي صلى الله عليه وآله ، وكعب الأحبار وتلاميذه الذين نشر بهم ثقافة أهل الكتاب ، وعكرمة البربري ، وقتادة بن دعامة ، والحكم بن عتيبة وغيرهم .. وقد فضحهم الإمام عليه السلام واحد واحداً ، وحذر منهم !

ثم أخذ بثأر منع تدوين السنة فربى تلاميذ نابغين وسلحهم بعشرات ألوف الأحاديث النبوية ، وأرسلهم فنشروها في الأمة ، لتحل محل الثقافة المزيفة .

فكان عمله عليه السلام نقد ثقافة الخلافة القائمة على الرأي والظن وقصص أهل الكتاب وتقديم ثقافة الإسلام الصحيحة القائمة على العلم النبوي !

وهكذا شهدت الأمة موجة حديث نبوي فجرها الإمام الباقر عليه السلام حتى قال الترمذي: لولا جابر بن يزيد الجعفي لما كان عند أهل الكوفة حديث .

وقال مسلم في مقدمة صحيحه: إن جابر الجعفي كان عنده سبعون ألف حديث عن الباقر ، كلها عن النبي صلى الله عليه وآله !

وأما ابن عقدة فكان يحفظ مائة ألف حديث عن النبي صلى الله عليه وآله ، وأبان بن تغلب ثلاثين ألف حديث . ومحمد بن مسلم الثقفي نحو أربعين ألفاً .. وهكذا .

لذلك جعلت القسم الأول من سيرة الإمام الباقر عليه السلام خاصاً بإسقاط علماء الخلافة ، فبدأت بعمله في نقدهم ، ثم كشفت عن تلاميذه الذين أعدهم فأدوا مهمتهم العظيمة في الأمة ، ونشروا فيها عشرات ألوف الأحاديث النبوية !

كتبه: علي الكَوْراني العاملي

بقم المشرفة ، السادس من رجب الخير 1444

الفصل الأول

معالم شخصية الإمام الباقر عليه السلام وعصره

1- ولادته ووفاته عليه السلام

ولد عليه السلام في الأول من رجب سنة سبع وخمسين، وقبض في سابع ذي الحجة سنة أربع عشرة ومئة ، فكان عمره الشريف سبعاً وخمسين سنة .

وأمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي ، فهو حفيدٌ للحسن والحسين عليهما السلام  .

قال الصادق عليه السلام :(كانت أمه صديقة لم يدرك في آل الحسن مثلها).( الدعوات/69).

وقال ابن سعد في الطبقات(5/320): ( قال أبو نعيم الفضل بن دكين: توفي بالمدينة سنة أربع عشرة ومائة ، وكان ثقة كثير العلم والحديث ).

2- قتله هشام الأحول بالسُّم

في الكافي(1/471) بسند صحيح عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (قبض محمد بن علي الباقر وهو ابن سبع وخمسين سنة ، في عام أربع عشرة ومائة ، عاش بعد علي بن الحسين عليه السلام تسع عشرة سنة وشهرين ) .

وقال الصدوق رحمه الله في الإعتقادات/98: (علي بن الحسين سيد العابدين عليه السلام سمَّه الوليد بن عبد الملك فقتله. والباقر محمد بن علي عليهما السلام سمه إبراهيم بن الوليد فقتله. والصادق عليه السلام سمه المنصور فقتله. وموسى بن جعفر عليه السلام سمه هارون الرشيد فقتله . والرضا علي بن موسى عليه السلام قتله المأمون بالسم . وأبو جعفرمحمد بن علي عليه السلام قتله المعتصم بالسم . وعلي بن محمد عليه السلام قتله المعتضد بالسم . والحسن بن علي العسكري عليه السلام قتله المعتمد بالسم .

واعتقادنا في ذلك أنه جرى عليهم على الحقيقة ، وأنه ما شُبِّه للناس أمرهم كما يزعمه من يتجاوز الحد فيهم ، بل شاهدوا قتلهم على الحقيقة والصحة لا على الحسبان والخيلولة ولا على الشك والشبهة . فمن زعم أنهم شُبِّهوا أو واحد منهم فليس من ديننا على شئ ونحن منه برآء . وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام أنهم مقتولون ، فمن قال إنهم لم يقتلوا فقد كذبهم).

يقصد رحمه الله المغالين الذين ألهوا الأئمة عليهم السلام  ، أو ادعوا فيهم الحلول ، وأنهم لايموتون !

وفي مناقب آل أبي طالب(3/340): (قال أبو جعفر بن بابويه: سمَّهُ إبراهيم بن الوليد بن يزيد (والي المدينة) وقبره ببقيع الغرقد ).

لكن ذلك تصحيف أو اشتباه ، لأنه لا ذكر لإبراهيم هذا في عمال المدينة ، وليس هو من أولاد عبد الملك ، ولعل المقصود ابن خاله إبراهيم بن هشام المخزومي الذي ولي المدينة (النهاية:9/261) ثم عزله هشام الأحول وولَّى مكانه الوليد بن عبد الملك ، وفي ولايته استشهد الإمام الباقر عليه السلام .

وكذا لايصح قول ابن شهراشوب:(وكان في سني إمامته ملك الوليد بن يزيد وسليمان وعمر بن عبد العزيز ، ويزيد بن عبد الملك ، وهشام أخوه ، والوليد بن يزيد، وإبراهيم أخوه ، وفي أول ملك إبراهيم قبض ).

وهذه قائمة بالملوك من أولاد مروان:

1- عبد الملك بن مروان من سنة 65-86 .

2 - الوليد بن عبد الملك من 86 - 96 .

3 - سليمان بن عبد الملك من 96 - 99 .‍

4 - عمر بن عبد العزيز من 99 – 101.

5 - يزيد بن عبد الملك من 101-105 .

6- هشام بن عبد الملك من 105- 125.

7 - الوليد بن يزيد بن عبد الملك من 125-126.

8 - يزيد بن الوليد بن عبد الملك من 126-126.

9 - إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك أربعة أشهر في سنة 126.

10 - مروان بن محمد الملقب بالحمار من 127-132.

( أولاد الإمام محمد الباقر عليه السلام للزرباطي/28) .

وشهادة الإمام عليه السلام كانت في خلافة هشام ، الذي كان صدره يغلي بالحسد عليه وعلى أبيه عليهما السلام . وقد قتله واليه خالد الذي كان مثله يبغض أهل البيت عليهم السلام .

وقد وصفوا هشاماً فقال البلاذري(8/367):(وكان أحول بخيلاً.وكانت أمه حمقاء). وقال المسعودي(3/205): (كان هشام أحْوَلَ خشناً فظاً غليظاً ).

3-الحالة العلمية للأمة في عصره

يلاحظ كل باحث أنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله هبط المستوى العلمي للأمة دفعة واحدة ، هبوطاً حاداً ، فصارالسائد عند المسلمين السطحية والظنون ! صحيح أنه كان فيهم القرآن ، لكن لم يكن عند الخلفاء علم القرآن وحتى معرفة مفرداته !

فقد روى ابن حجر في فتح الباري (13/229) أن أبا بكر وعمر سئلا في خلافتهما عن معنى: وفاكهةً وَأَبّاً ، فلم يعرفا معنى كلمة (أبّاً ) !

وسئلا عن إرث الكلالة وسهم الجدة فلم يعرفا تفسير الآيات !

كما أحرق أبو بكر وعمر ما جمعه المسلمون من سنة النبي صلى الله عليه وآله ، ومنعا المسلمين من تدوين حديث واحد منها ! لأنهما خافا من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله في ذم قريش ومدح بني هاشم ! ثم سلطوا علماء الحكومة العوام الذين كان رأس مال أحدهم التفسير برأيه وظنه . ثم أطلق عمر يد كعب الأحبار فجنَّد تلاميذ ينشرون ثقافة أهل الكتاب ، وكان عند عبدالله بن عمرو تلميذ كعب عدلين منها ، أي كيسين كبيرين حصل عليهما من اليرموك يحدث منهما على أنهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله !! حتى قال له أحدهم: (حدثني ما سمعت من رسول الله ودعني وما وجدت في وسقك يوم اليرموك )! (مسند أحمد: 2 /195) !

وقد أفتى لهم أبو بكر وعمر بالأخذ من اليهود والنصارى فانتشرت ثقافتهم ، حتى كانت زوجة النبي صلى الله عليه وآله عائشة إذا مرضت تستدعي عجوزاً يهودية لترقيها !

روى مالك في الموطأ (2/943): (عن عمرة بنت عبد الرحمن، أن أبا بكر الصديق دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها ! فقال أبو بكر: إرقيها بكتاب الله).

أي إرقيها بالتوراة ، لأن العجوز اليهودية لا تؤمن بالقرآن !

إن الناظر في المستوى العلمي للمسلمين في القرن الأول تأخذه الدهشة لهذا المسوى البائس، حيث قام دين الخليفة على الرأي، وتبعه المسلمون فاعتمدوا على الآراء والظنون وثقافة اليهود ، وموروثات المجتمع العربي الجاهلي .

ولم يخرج عن هذه الحالة إلا أئمة العترة عليهم السلام الذين قال الله فيهم:

قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ..

أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ .

لكنهم كانوا معزولين وممنوعين أن يعلموا الأمة ، بل كان الذي يأخذ عنهم يُتهم !

وقد ضرب المحامي الأردني أحمد حسين يعقوب مثلاً لذلك فقال لي: إن سبب انهيار المستوى العلمي بسيط: فلو أن جماعة دخلوا المحكمة فكتفوا القاضي الخبير بالقانون ، وجلسوا في منصة القضاء ، وأرادوا أن يحكموا وليس عندهم علم ، فلا بد لهم أن يحكموا بآرائهم وظنونهم ! وهذا ما وقع في الأمة لما غيَّبَ الخلفاء علم النبي صلى الله عليه وآله عند أهل البيت عليهم السلام فلم يبق لهم إلا الظن والرأي !

وقد ارتكبوا في تفسير آيات القرآن تخريب معانيها ، وتمييعه ، وتحريفه ، والجهالة في تفسيرها ، لأنهم ليس عندهم علم بالكتاب ، ولا تعمق بفهم اللغة !

وقد استمرت هذه الحالة طوال القرن الأول الى أن جاء الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز وكان معجباً بالإمام زين العابدين عليه السلام ويسميه سراج الملة ، فجلس ابنه الإمام محمد الباقر عليه السلام في المسجد وشق علم النبوة وأخذ يحدث الناس ، فقصده الطلبة والعلماء ، ومنهم علماء السلطة وقضاتها ، فكانوا يأخذون عنه ما أعجبهم ، ويتركون ما لم يعجبهم !

قال المفيد في الإرشاد (2/158): (كان الباقر أبوجعفرمحمد بن علي من بين إخوته خليفة أبيه علي بن الحسين عليهما السلام ووصيه والقائم بالإمامة من بعده ، وبرز على جماعتهم بالفضل في العلم والزهد والسؤدد ، وكان أنبههم ذكراً وأجلهم في العامة والخاصة وأعظمهم قدراً ، ولم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين عليهم السلام من علم الدين والآثار والسنة وعلم القرآن والسيرة وفنون الآداب ما ظهرعن أبي جعفر عليه السلام . وروى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين ورؤساء فقهاء المسلمين، وصار علماً لأهله تضرب به الأمثال، وتسير بوصفه الآثار والأشعار، وفيه يقول القرظي:

يا باقر العلم لأهل التقى
وخير من لبَّى على الأجبُل
وقال مالك بن أعين الجهني:
إذا طلب الناس علم القُرانْ
كانت قريشٌ عليه عيالا
وإن قيل هذا ابن بنت النبي
نال بذاك فروعاً طوالا
نجومٌ تهلل للمُدْلجين
جبالٌ تورث علماً جبالا).

(وقال الحكم بن عتيبة كبير قضاة السلطة في العراق: كنا على باب أبي جعفر عليه السلام ونحن جماعة ننتظره أن يخرج إذ جاءت امرأة فقالت: أيكم أبو جعفر؟ فقال لها القوم: ما تريدين منه؟ قالت: أريد أن أسأله عن مسألة ، فقالوا لها: هذا فقيه أهل العراق فسليه ، فقالت: إن زوجي مات وترك ألف درهم وكان لي عليه من صداقي خمس مائة درهم ، فأخذت صداقي وأخذت ميراثي ثم جاء رجل فادعى عليه ألف درهم فشهدتُ له ، فقال الحكم: فبينا أنا أحسب ما يصيبها إذ خرج أبو جعفر فقال: ما هذا الذي أراك تحرك به أصابعك يا حكم؟ فأخبرته بمقالة المرأة وما سألت عنه ، فقال أبو جعفر: أقرت بثلث ما في يديها ولا ميراث لها . قال الحكم: فوالله ما رأيت أحداً أفهم من أبي جعفر )! (الكافي:7/167).

وقال الامام الصادق عليه السلام : (وكانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر وهم لا يعرفون مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم حتى كان أبو جعفر ففتح لهم وبين لهم مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم حتى صار الناس يحتاجون إليهم من بعد ما كانوا يحتاجون إلى الناس). ( الكافي 2/30) .

(وقال محمد بن مسلم: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: ليس عند أحد من الناس حق ولا صواب ولا أحد من الناس يقضي بقضاء حق ، إلا ما خرج منا أهل البيت وإذا تشعبت بهم الأموركان الخطأ منهم والصواب من علي عليه السلام .

وقال أبو مريم: قال أبو جعفر عليه السلام لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة: شرِّقا وغرِّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلا شيئاً خرج من عندنا أهل البيت .

وقال أبو بصير: سألت أبا جعفر عليه السلام عن شهادة ولد الزنا تجوز؟ فقال: لا. فقلت: إن الحكم بن عتيبة يزعم أنها تجوز . فقال: اللهم لا تغفر ذنبه ! ما قال الله للحكم: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ! فليذهب الحكم يميناً وشمالاً ، فوالله لا يؤخذ العلم إلا من أهل بيت نزل عليهم جبرئيل عليه السلام ). ( الكافي1/399).

(وعن فضيل بن يسار، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كلما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل). (بصائر الدرجات/531).

وقال الباقر عليه السلام ( الكافي:1/393):(يا سدير فأريك الصادين عن دين الله ، ثم نظر إلى أبي حنيفة وسفيان الثوري في ذلك الزمان وهم حَلَقٌ في المسجد فقال: هؤلاء الصادون عن دين الله بلا هدى من الله ولا كتاب مبين ، إن هؤلاء الأخابث لو جلسوا في بيوتهم فجال الناس فلم يجدوا أحداً يخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله صلى الله عليه وآله حتى يأتونا فنخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله صلى الله عليه وآله ) .

(وقال عليه السلام : إن الأرض لاتبقى إلاوفيها منا من يعرف الحق، فإذا زاد الناس قال قد زادوا ، وإذا نقصوا منه قال قد نقصوا. ولولا ذلك لم يعرف الحق من الباطل . ولولا ذلك لالتبست على المؤمنين أمورهم). (بصائر الدرجات/٣٤٧).

في هذا الجو بقر الإمام عليه السلام علم النبوة ، وفجره ، ونشره في الأمة .

4 - كان علماء السلطة بين يديه كالصبيان بين يدي معلمهم !

قال ابن الجوزي في تذكرة الخواص/347: (عن عطاء المكي قال: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ! ولقد رأيت الحكم بن عتيبة مع جلالته في القوم بين يديه كأنه صبي بين يدي معلمه ! وكان جابر بن يزيد الجعفي إذا روى عن محمد بن علي شيئاً قال: حدثني وصيُّ الأوصياء ، ووارث علم الأنبياء: محمد بن علي بن الحسين).

قال في حلية الأولياء (3 / 185): (بسنده عن عبد الله بن عطاء قال: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علما منهم عند أبي جعفر لقد رأيت الحكم عنده كأنه متعلم ).

وقال تذكرة الخواص/302: (قال عطاء: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند أبي جعفر. لقد رأيت الحكم عنده كأنه مغلوب . ويعني بالحكم الحكم بن عتيبة وكان عالماً نبيلاً جليلاً في زمانه ).

ورواه ابن عساكر(54/ 278) بسنده عن عبد الله بن عطاء ، ثم روى عن عبد الله بن عبد الرحمن الزهري قال: دخل هشام بن عبد الملك بن مروان المسجد الحرام متوكئاً على مولاه سالم فنظر إلى محمد بن علي بن الحسين وقد أحدق الناس به حتى خلا الطواف فقال: من هذا؟ فقيل له محمد بن علي بن الحسين . وفي رواية: قال المفتون به أهل العراق )!

وقال عليه السلام في علماء السلطة

(إن من العلماء من يحب أن يخزن علمه ولا يؤخذ عنه ، فذلك في الدرك الأول من النار ! ومن العلماء من إذا وعظ أَنِف ، وإذا وعظ عَنِف ، فذلك في الدرك الثاني من النار ! ومن العلماء من يرى أن يضع العلم عند ذوي الثروة والشرف ، ولا يرى له في المساكين موضعاً ، فذلك في الدرك الثالث من النار !

ومن العلماء من يذهب في علمه مذهب الجبابرة والسلاطين ، فإن رد عليه شئ من قوله أو قصر في شئ من أمره غضب ، فذاك في الدرك الرابع من النار !

ومن العلماء من يطلب أحاديث اليهود والنصارى ليعزز به علمه ويكثر به حديثه فذاك في الدرك الخامس من النار !

ومن العلماء من يضع نفسه للفتيا ويقول سلوني ، ولعله لا يصيب حرفاً واحداً ، والله لا يحب المتكلفين ، فذلك في الدرك السادس من النار !

ومن العلماء من يتخذ علمه مروة وعقلاً (يرائي به) فذلك في الدرك السابع من النار)! ( الفصول المهمة:1/610) .

5 - بشَّر به النبي صلى الله عليه وآله لمهمة كبرى وسماه الباقر

روى أبو نصر البخاري في السلسلة العلوية/32: ( وَفَدَ زيد بن علي على هشام (الأحول) بن عبد الملك فقال له هشام: ما فعل أخوك البقرة ، يعني الباقر! فقال زيد: لَشَدَّ ما خالفت رسول الله صلى الله عليه وآله ! سماه رسول الله الباقر وتسميه البقرة ! لتُخَالفنَّه في يوم القيامة ، فيدخل الجنة وتدخل النار ) .

وقال ابن قتيبة في عيون الأخبار (1/313): (دخل زيد بن عليّ على هشام فقال: ما فعل أخوك البقرة؟ قال زيد سماه رسول الله باقراً وتسميه بقرة ! لقد اختلفتما.

أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي(ص) قال: يا جابر إنك ستعمر بعدي حتى يولد لي مولود اسمه كإسمي يبقر العلم بقراً ، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام . فكان جابر يتردّد في سكك المدينة بعد ذهاب بصره وهو ينادي: يا باقر ، حتى قال الناس قد جُنَّ جابر. فبينا هو ذات يوم بالبلاط إذ بصر بجارية يتوركها صبي فقال لها: يا جارية ، من هذا الصبي؟ قالت: هذا محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. فقال: أدنه مني فأدنيته منه فقبل بين عينيه وقال: يا حبيبي ، رسول الله يقرؤك السلام . ثم قال: نعيت إليَّ نفسي ورب الكعبة .

ثم انصرف إلى منزله وأوصى فمات من ليلته .

قال هشام لزيد بن علي: بلغني أنك تربَّص نفسك للخلافة وتطمع فيها وأنت ابن أمة . قال له زيد: مهلاً يا هشام ، فلو أن الله علم في أولاد السراري تقصيراً عن بلوغ غاية ، ما أعطى إسماعيل ما أعطاه . ثم خرج زيد وبعث إليه بهذه الأبيات:

مهـلاً بني عمّنـا عن نَحْـت أثلتنـا
سـيروا رويـداً كما كنتـم تسـيرونا
لا تجمعـوا أن تهينونا ونكرمكم
وأن نكـفَّ الأذى عنكـم وتـؤذونا
فاللَّه يعلم أنا لا نحبّكم
ولا نلومكمو ألَّا تحبونا

ثم إن زيداً أعطى اللَّه عهداً ألا يلقى هشاماً إلا في كتيبة حمراء ، فدخل الكوفة فطبع بها السيوف ، وكان من أمره ما كان حتى قتل رحمه الله ) .

6- اهتم الإمام الباقر عليه السلام بتفقيه الأمة

فكان يجلس لمن يسأل ويأمرهم أن يفقهوا بعضهم بعضاً .

وقال لجابر بن يزيد الجعفي: ( يا جابر والله لحديث تصيبه من صادق ، في حلال وحرام ، خير لك مما طلعت عليه الشمس حتى تغرب . وأمر العلماء أن يدرسوا الفقه وقال: عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد . إن الذي يُعلم العلم منكم له أجر مثل أجر المتعلم وله الفضل عليه ، فتعلموا العلم من حملة العلم وعلموه إخوانكم كما علمكموه العلماء. وقال عليه السلام :زكاة العلم أن تعلمه عباد الله.

وقال عليه السلام :الكمال كل الكمال التفقه في الدين والصبر على النائبة وتقدير المعيشة . وفرض على الشباب أن يتفقهوا فقال: (لو أُتيت بشاب من شباب الشيعة ، لا يتفقه في الدين لأوجعته ).

7- وحذر من طلب العلم للدنيا

فقال عليه السلام :من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه، فليتبوأ مقعده من النار، إن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها.

عن أبي بصير: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كان أبو ذر رحمه الله يقول: يا مبتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر، فاختم على لسانك كما تختم على ذهبك وورقك .

8- وصايا الإمام الباقر عليه السلام عند وفاته

(مرض مرضاً شديداً حتى خفنا عليه فبكى بعض أهله عند رأسه فنظر فقال: إني لست بميت من وجعي هذا ، إنه أتاني اثنان فأخبراني أني لست بميت من وجعي هذا ، قال: فبرأ ومكث ما شاء الله أن يمكث .

فبينا هو صحيح ليس به بأس قال: يا بني إن اللذين أتياني من وجعي ذلك ، أتيآني فأخبراني أني ميت يوم كذا وكذا. قال: فمات في ذلك اليوم !

عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: كنت عند أبي في اليوم الذي قبض فيه أبي فأوصاني بأشياء في غسله ، وفي كفنه ، وفي دخوله قبره . قال قلت: يا أبتاه والله ما رأيت منذ اشتكيت أحسن هيئة منك اليوم ، وما رأيت عليك أثر الموت . قال:يا بني أما سمعت علي بن الحسين ناداني من وراء الجدران: يا محمد تعال ، عجل .

عن الإمام الرضا عليه السلام قال: قال أبو جعفر عليه السلام :حين احتضر: إذا أنا متُّ فاحفروا لي وشقوا لي شقاً، فإن قيل لكم إن رسول الله صلى الله عليه وآله لُحد له فقد صدقوا . وأوصى بثمان مائة درهم لمأتمه وكان يرى ذلك للسنة ، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إتخذوا لآل جعفر بن أبي طالب طعاماً ، فقد شغلوا .

عن الإمام الصادق عليه السلام : كتب أبي في وصيته: أن أكفنه في ثلاث أثواب ، أحدها رداء له حبرة كان يصلي فيه يوم الجمعة ، وثوب آخر وقميص.

وشققنا له القبر شقاً من أجل أنه كان رجلاً بديناً ، وأمرني أن أجعل ارتفاع قبره أربعة أصابع مفرجات ).

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال لي أبي: يا جعفر أوقف لي من مالي كذا وكذا لنوادب تندبنني عشر سنين بمنى أيام منى ). يريد عليه السلام تثبيت جواز النوح على الميت .

قال المفيد: ووصى إليه أبوه أي إلى جعفر الصادق عليهما السلام وصية ظاهرة ونص عليه بالإمامة نصاً جلياً . (قال المسعودي: فلما قربت وفاته دعا بأبي عبد الله جعفر ابنه عليهما السلام فقال: إن هذه الليلة التي وعدت فيها ، ثم سلم إليه الإسم الأعظم ومواريث الأنبياء والسلاح .

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنَّ أبي عليه السلام استودعني ما هناك ، فلما حضرته الوفاة قال: أدع لي شهوداً فدعوت له أربعة من قريش ، فيهم نافع مولى عبد الله بن عمر ، فقال أكتب: هذا ما أوصى به يعقوب بنيه: يَا بَنِىَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَىْ لَكُمُ الدِينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنُتم مُسْلِمُونَ . وأوصى محمد بن على إلى جعفر بن محمد وأمره أن يكفنه في برده الذي كان يصلي فيه الجمعة ، وأن يعممه بعمامته ، وأن يربع قبره ، ويرفعه أربع أصابع وأن يحلَّ عنه أطماره عند دفنه ، ثم قال للشهود: إنصرفوا رحمكم الله ، فقلت له: يا أبت بعد ما انصرفوا: ما كان في هذا بأن تشهد عليه فقال: يا بني كرهت أن تغلب وأن يقال: إنه لم يوص إليه ، فأردت أن تكون لك الحجة .

عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال: أمرني أبي أن أجعل ارتفاع قبره أربع أصابع مفرجات ، وذكر أن الرش بالماء حسن ، وقال: توضأ إذا أدخلت الميت القبر.

إن أبي أوصاني عند الموت: يا جعفر ، كفني في ثوب كذا وكذا ، وثوب كذا وكذا واشتر لي برداً واحداً وعمامة وأجدْهما ، فإن الموتى يتباهون بأكفانهم .

إن أبي أمرني أن أغسله إذا توفي وقال لي: أكتب يا بني ، ثم قال: إنهم يأمرونك بخلاف ما تصنع . فقل لهم هذا كتاب أبي ولست أعدو قوله ، ثم قال: تبدأ فتغسل يديه ، ثم توضيه وضوء الصلاة ، ثم تأخذ ماءً وسدراً ..

كتب أبي في وصيته أن أُكفنه بثلاثة أثواب: أحدها رداء له حبرة كان يصلي فيه يوم الجمعة وثوب آخر وقميص ، فقلت لأبي: لم تكتب هذا ؟ فقال: أخاف أن يغلبك الناس وإن قالوا كفنه في أربعة أو خمسة ، فلا تفعل وعممني بعمامة وليس تعد العمامة من الكفن ، إنما يُعد ما يلفُّ به الجسد  .

عن عبد الحميد بن أبي جعفر الفرّاء قال: إن أبا جعفر عليه السلام انقلع ضرس من أضراسه فوضعه في كفه ثم قال: الحمد لله ، ثم قال: يا جعفر إذا أنا متُّ ودفنتني فادفنه معي، ثم مكث بعد حين ثم انقلع أيضاً آخر فوضعه على كفه ثم قال: الحمد لله ، يا جعفر إذا مت فادفنه معي). ( شهادة المعصومين عليهم السلام (3/83) .

9 - زاده الله بسطة في العلم والجسم

جاء في وصفه عليه السلام أنه شبيه جده النبي صلى الله عليه وآله في ملامح وجهه ، حنطي اللون له خال على خده ، ضامر الكشح أي ليس بطيناً مع أنه بدين ، حسن الصوت ، مطرق الرأس. (مناقب آل أبي طالب:3/339) .

وتميز من بين الأئمة عليهم السلام بأنه أكثرهم بدانةً وجسامةً ، فعن سديرقال: ( قلت لأبي جعفر عليه السلام : أتصلي النوافل وأنت قاعد؟ فقال: ما أصليها إلا وأنا قاعد منذ حملت هذا اللحم ، وبلغت هذا السن ). (الكافي:3/410 ) .

قال ابن سعد في الطبقات (5/320): ( أبو جعفر محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ، وأمه أم عبد الله بنت حسن بن علي... عن عبد الأعلى أنه رأى محمد بن علي يرسل عمامته خلفه . حكيم بن عباد قال: رأيت أبا جعفر متكئاً على طيلسان مطوي في المسجد ، قال محمد بن عمر: ولم يزل ذلك من فعل الأشراف وأهل المروءة عندنا ، الذين يلزمون المسجد يتكئون على طيالسة مطوية سوى طيلسانه وردائه الذي عليه .

عبد الأعلى قال: سألت محمد بن علي عن الوسمة فقال: هو خضابنا أهل البيت . عبد الله بن قشير الجعفي قال: قال لي أبو جعفر إخضب بالوسمة .

المعيصي قال: رأيت محمد بن علي على جبهته وأنفه أثر السجود ليس بالكثير ).

الفصل الثاني

بشر به جده صلى الله عليه وآله وسماه باقر علمي

1- اشتهر عليه السلام عند المؤالف والمخالف بلقب الباقر وباقر العلم

إسمه إسمي، وأشبه الناس بي ، يهب الله له النور ، والحكمة ، يبقر العلم بقراً .. وقد اشتهر بلقب الباقر، وباقرالعلم ، وباقر علم النبوة .

قال الزبيدي في القاموس(6/105): (والباقر:محمد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم ، لتبحره في العلم . وفي اللسان:لأنه بقرالعلم وعرف أصله واستنبط فرعه . قلت: وقد ورد في بعض الآثار عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن النبي (ص) قال له: يوشك أن تبقى حتى تلقى ولداً لي من الحسين يقال له محمد يبقر العلم بقراً ، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام . خرَّجه أئمة النسب ).

يقصد حديث النبي صلى الله عليه وآله مع جابر بن عبد الله الأنصاري رحمه الله !

وأقوى رواياته سنداً ما رواه الكشي(1/223):(عن محمد بن مسلم: قال لي أبي عبد الله عليه السلام :إن لأبي مناقب ما هن لآبائي: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لجابر بن عبد الله الأنصاري: إنك تدرك محمد بن علي فاقرأه مني السلام ، قال: فأتى جابر منزل علي بن الحسين عليهما السلام فطلب محمد بن علي ، فقال له علي عليه السلام هو في الكتاب أرسل لك إليه ، قال: لاولكني أذهب إليه ، فذهب في طلبه فقال للمعلم: أين محمد بن علي؟ قال: هو في تلك الرفقة أرسل لك إليه ؟ قال: لا ولكني أذهب إليه فجاءه فالتزمه وقبل رأسه وقال إن رسول الله صلى الله عليه وآله أرسلني إليك برسالة أن أقرئك السلام! قال:عليه وعليك السلام. ثم قال له جابر: بأبي أنت وأمي إضمن لي أنت الشفاعة يوم القيمة قال: فقد فعلت ذلك يا جابر ).

وفي الكافي(1/469) عن الصادق عليه السلام بسند صحيح قال: ( إن رسول الله قال ذات يوم لجابر بن عبد الله الأنصاري: يا جابر إنك ستبقى حتى تلقى وَلَدي محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، المعروف في التوراة بالباقر ، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام ، فدخل جابر إلى علي بن الحسين صلى الله عليه وآله فوجد محمد بن علي عنده غلاماً فقال له: يا غلام أقبل فأقبل ، ثم قال: أدبر فأدبر ، فقال جابر: شمائل رسول الله ورب الكعبة ، ثم أقبل علي بن الحسين فقال له: من هذا؟ قال: هذا ابني وصاحب الأمر بعدي محمد الباقر ، فقام جابر فوقع على قدميه يقبلهما ويقول: نفسي لنفسك الفداء يا ابن رسول الله ، إقبل سلام أبيك . إن رسول الله يقرأ عليك السلام. فدمعت عينا أبي جعفر ثم قال:يا جابر على أبي رسول الله السلام مادامت السماوات والأرض ، وعليك السلام يا جابر بما بلغت ).

وقال في مناقب آل أبي طالب:3/328:(وحديث جابر مشهور معروف ، رواه فقهاء المدينة والعراق كلهم.. عن سعيد بن المسيب ، وسليمان الأعمش، وأبان بن تغلب ، ومحمد بن مسلم ، وزرارة بن أعين ، وأبي خالد الكابلي).

وقال المفيد في الإرشاد (2/159) عن جابرقال: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله : يوشك أن تبقى حتى تلقى ولداً لي من الحسين ، يقال له محمد يبقر علم الدين بقراً ، فإذا لقيته فاقرئه مني السلام ).

وفي مناقب محمد بن سليمان:2/275:(تلقى رجلاً من ولدي يقال له محمد بن علي بن الحسين، يهب الله له النوروالحكمة ، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام).

وفي تاريخ اليعقوبي:2/320: (فلما كبرت سنُّ جابر وخاف الموت جعل يقول: يا باقر يا باقر أين أنت؟ حتى رآه فوقع عليه يقبل يديه ورجليه ، وهو يقول: بأبي وأمي ، شبيه أبيه رسول الله ! إن أباك يقرؤك السلام ).

وفي أمالي الطوسي:2/249 ، وغيره: (فأتى جابر بن عبد الله باب علي بن الحسين وبالباب أبو جعفر محمد بن علي ، في أغيلمة من بني هاشم قد اجتمعوا هناك فنظر جابر إليه مقبلاً فقال: هذه مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسجيته فمن أنت يا غلام؟ قال: فقال: أنا محمد بن علي بن الحسين ، فبكى جابر بن عبد الله ثم قال: أنت والله الباقر عن العلم حقاً.. فأقبل جابر على من حضر وقال:والله ما رؤي في أولاد الأنبياء مثل علي بن الحسين إلا يوسف بن يعقوب صلى الله عليه وآله ، والله لذرية علي بن الحسين أفضل من ذرية يوسف بن يعقوب إن منهم لمن يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ). أيضاً: أمالي الصدوق/434 والعلل:1/233، وإعلام الورى:1/505 والثاقب /104 ، والخرائج:2/892 ، وعمدة الطالب/194 ، وروضة الواعظين/202 ، بسند صحيح في عدد منها. وفي بعضها: اسمه في صحف الأولين باقر يبقر العلم بقراً .

2- روى السنة حديث بشارة النبي صلى الله عليه وآله بالباقر عليه السلام

فقد رواه أبو نصر البخاري في سر السلسلة العلوية/32 ، ونصه: (يا جابر ، إنك ستعيش حتى تدرك رجلاً من أولادي إسمه إسمي ، يبقر العلم بقراً ، فإذا رأيته فاقرأه مني السلام ، ففعل ذلك جابر رحمه الله ).

ورواه محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول/81 و425،قال: (هو باقر العلم وجامعه ، وشاهر علمه ورافعه ، ومتفوق دره وواضعه ، ومنمق دره وراضعه ، صفا قلبه ، وزكا عمله ، وطهرت نفسه ، وشرفت أخلاقه ، وعمرت بطاعة الله أوقاته، ورسخت في مقام التقوى قدمه ، وظهرت عليه سمات الإزدلاف ، وطهارة الإجتباء ، فالمناقب تسبق إليه والصفات تشرف به .

ثم روى حديث جابر/431: (كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله والحسين في حجره وهو يلاعبه ، فقال: يا جابر يولد لابني الحسين ابن يقال له علي ، إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ليقم سيد العابدين . فيقوم علي بن الحسين ، ويولد لعلي ابن يقال له محمد ، يا جابر إن رأيته فاقرءه مني السلام ، واعلم أن بقاءك بعد رؤيته يسير . فلم يعش جابر بعد ذلك إلا قليلاً) .

ورواه ابن قتيبة في عيون الأخبار(2/91):(ستعيش بعدي حتى يولد لي مولود إسمه كاسمي يبقر العلم بقراً . فإذا لقيته فاقرئه مني السلام).

ورواه العاصمي في سمط النجوم(4/141،و:2/348) وصححه فقال: (يكنى أبا جعفر.. والهادي ، وأشهرها الباقر لقول النبي(ص) لجابر بن عبد الله الأنصاري إنك ستعيش حتى ترى رجلاً من أولادي إسمه إسمى يبقر العلم بقراً ، فإذا لقيته فأقره مني السلام فلقيه جابر وأقرأه السلام من رسول الله).

وصححه ابنُ أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج(15/277) قال: (وهو سيد فقهاء الحجاز ، ومنه ومن ابنه جعفر تعلم الناس الفقه ، وهو الملقب بالباقر باقر العلم ، لقبه به رسول الله (ص) ولم يُخلق بعد ، وبشر به ووعد جابر بن عبد الله برؤيته وقال: ستراه طفلاً، فإذا رأيته فأبلغه عني السلام! فعاش جابر حتى رآه وقال له ما وُصِّيَ به ) .

ورواه ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة (2/882) وفيه: ( يبقر العلم بقراً ، أي يفجره تفجيراً ، فإذا رأيته فاقرأه عني السلام ).

وقال الزرندي الشافعي في معارج الوصول/122: (سماه رسول الله الباقر ، وأهدى إليه سلامه على لسان جابر بن عبد الله فقال: يا جابر إنك تعيش حتى تدرك رجلاً من أولادي إسمه إسمي يبقر العلم بقراً ، فإذا رأيته فاقرأه مني السلام. فأدركه جابر بن عبد الله الأنصاري وهو صبي في الكتاب فأقرأه عن رسول الله (ص) السلام المستطاب ، وقال: هكذا أمرني رسول الله (ص) وهذه منقبة لم يشركه فيها أحد من الآل والأصحاب ).

وقال ابن حجر الهيتمي في الصواعق(2/585): (أبو جعفرمحمد الباقر سمي بذلك من بَقَرَ الأرض أي شقها وأثار مخبئاتها ومكامنها ، فكذلك هو أظهر من مخبئات كنوز المعارف وحقائق الأحكام والحكم واللطائف ما لا يخفى إلا على منطمس البصيرة أو فاسد الطوية والسريرة ومن ثَم قيل فيه: هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه. عمرت أوقاته بطاعة الله وله من الرسوخ في مقامات العارفين ما تكل عنه ألسنة الواصفين ، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لاتحتملها هذه العجالة وكفاه شرفاً أن ابن المديني روى عن جابرأنه قال له: رسول الله يسلم عليك ، فقيل له وكيف ذاك؟ قال: كنت جالساً عنده والحسين في حجره وهو يداعبه فقال: يا جابر يولد له مولود اسمه علي إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم سيد العابدين ، فيقوم ولده . ثم يولد له ولد اسمه محمد الباقر ، فإن أدركته يا جابر فاقرئه مني السلام ) .

3- روى المتعصبون حديث جابر وغيبوه وأبقوا لقب الباقر !

في شرح مسلم للنووي (6/137): (ومنه سميَ محمد الباقر رضي الله عنه ، لأنه بقر العلم ودخل فيه مدخلاً بليغاً ، ووصل منه غاية مرضية ).

وفي عمدة القاري بشرح البخاري للعيني (3/52): (أما محمد بن علي فهو: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، الهاشمي المدني ، أبو جعفر المعروف بالباقر ، سمي به لأنه بقر العلم أي شقه بحيث عرف حقائقه ، وهو أحد الأعلام التابعين الأجلاء ) .

وفي تفسير القرطبي(1/446): (ومنه الباقر لأبي جعفر محمد بن علي زين العابدين ، لأنه بقر العلم وعرف أصله ، أي شقه ).

وفي تذكرة حفاظ الذهبي (1/124): ( أبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين الإمام الثبت الهاشمي العلوي المدني..وكان سيد بني هاشم في زمانه . اشتهر بالباقر من قولهم بقر العلم ، يعني شقه فعلم أصله وخَفِيَّه ).

وبنحو هذا فسر لقب (الباقر) عامة من ترجم للإمام عليه السلام من علمائهم ، لكن المنصف منهم ذكر حديث النبي صلى الله عليه وآله وعامتهم متعصبون أخفوه !

4- شهد المؤالف والمخالف بعلمه وجلالته !

اشتهر قول (عطاء المكي قال: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ! ولقد رأيت الحكم بن عيينة مع جلالته في القوم بين يديه كأنه صبي بين يدي معلمه )! (تذكرة الخواص/347 لسبط ابن الجوزي).

وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب (9/313): (قال الزبير ابن بكار: كان يقال لمحمد باقر العلم . وقال محمد بن المنكدر: ما رأيت أحداً يفضل على علي بن الحسين حتى رأيت ابنه محمداً ، أردت يوماً أن أعظه فوعظني).

وقال محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول/436: (نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من الأئمة وأعلامهم ، مثل يحيى بن سعيد الأنصاري ، وابن جريح ، ومالك بن أنس ، والثوري ، وابن عيينة ، وشعبة ، وأيوب السجستاني وغيرهم ، وعدوا أخذهم عنه منقبة شرفوا بها ).

وقال الحافظ أبو نعيم (3/192): (ومنهم الإمام الحاضرالذاكر، الخاشع الصابر، أبو جعفر محمد بن علي الباقر. كان من سلالة النبوة وجمع حسب الدين والأبوة ، تكلم في العوارض والخطرات، وسفح الدموع والعبرات ، ونهى عن المراء والخصومات.. عمرو بن المقدام قال: كنت إذا نظرت الى أبي جعفر بن محمد ، علمت أنه من سلالة النبيين ).

وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق (54/268): (محمد بن علي بن الحسين.. باقر العلم من أهل المدينة ، أوفده عمر بن عبد العزيز عليه (أي طلب أن يفد اليه) حين ولي الخلافة يستشيره في بعض أموره.. لما وليَ بعث إلى الفقهاء فقربهم ، وكانوا أخص الناس به ، بعث إلى محمد بن علي بن حسين أبي جعفر ، وبعث إلى عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وكان من عُباد أهل الكوفة وفقهائهم ، فقدم عليه وبعث إلى محمد بن كعب القرظي ، وكان من أهل المدينة من أفاضلهم وفقهائهم، فلما قدم أبو جعفر محمد بن علي على عمر بن عبد العزيز وأراد الإنصراف إلى المدينة قال: بينما هو جالس في الناس ينتظرون الدخول على عمر إذ أقبل ابن حاجب عمر وكان أبوه مريضاً فقال: أين أبو جعفر ليدخل! فأشفق محمد بن علي أن يقوم فلا يكون هو الذي دعا به ، فنادى ثلاث مرات ، قال: لم يحضر يا أمير المؤمنين !

قال بلى قد حضر حدثني بذلك الغلام ، قال: فقد ناديته ثلاث مرات ، قال: كيف قلت؟ قال قلت: أين أبو جعفر؟! قال: ويحك أخرج فقل: أين محمد بن علي ، فخرج ، فقام فدخل فحدثه ساعة وقال إني: أريد الوداع يا أميرالمؤمنين ، قال عمر فأوصني يا أبا جعفر، قال: أوصيك بتقوى الله واتخذ الكبير أباً والصغير ولداً والرجل أخاً ، فقال: رحمك الله جمعت لنا والله ما إن أخذنا به وأماتنا الله عليه استقام لنا الخير إن شاء الله . ثم خرج . فلما انصرف إلى رحله أرسل إليه عمر: إني أريد أن آتيك فاجلس في إزار ورداء ، فبعث إليه: لا بل أنا آتيك ، فأقسم عليه عمر فأتاه عمر فالتزمه ووضع صدره على صدره وأقبل يبكي ثم جلس بين يديه ، ثم قام وليس لأبي جعفر حاجة سأله إياها إلا قضاها له ، وانصرف فلم يلتقيا حتى ماتا جميعاً ) .

ونقل الطبري في تاريخه (6/197) رسالة المنصور العباسي الى محمد بن عبدالله بن الحسن جاء فيها: (وزعمت أنك أوسط بني هاشم نسباً وأصرحهم أماً وأباً.. وما ولد فيكم بعد وفاة رسول الله (ص) أفضل من علي بن حسين وهو لأم ولد ، ولهو خير من جدك حسن بن حسن ، وما كان فيكم بعده مثل ابنه محمد بن علي ، وجدته أم ولد ولهو خير من أبيك ، ولا مثل ابنه جعفر وجدته أم ولد ، ولهو خير منك) .

وقال ابن كثير في النهاية (9/339): (وسمي الباقر لبقره العلوم واستنباطه الحكم ، كان ذاكراً خاشعاً صابراً ، وكان من سلالة النبوة رفيع النسب عالي الحسب ، وكان عارفاً بالخطرات كثير البكاء والعبرات ..

وقال جابر الجعفي: قال لي محمد بن علي: يا جابر إني لمحزون وإني لمشتغل القلب! قلت: وما حزنك وشغل قلبك؟قال: يا جابر إنه من دخل قلبه صافي دين الله عزّ وجلّ شغله عما سواه ، يا جابر ما الدنيا وما عسى أن تكون؟ هل هي إلا مركباً ركبته أو ثوباً لبسته أو امرأةً أصبتها ! يا جابر ، إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها فأنزلوا الدنيا حيث أنزلها مليكهم كمنزل نزلوه ثم ارتحلوا عنه وتركوه ، وكماء أصبته في منامك ، فلما استيقظت إذا ليس في يدك منه شئ ، فاحفظ الله فيما استرعاك من دينه وحكمته..).

5- كان المنصور يعظمه رغم أنه سماه جبار بني العباس !

أخبر الإمام الباقر عليه السلام الحسنيين بأنكم لا تصلون الى الحكم ، ويصل اليه بنو العباس ، فتحقق ما قاله حرفاً بحرف !

روى في الكافي (8/210) بسند صحيح عن أبي بصير رحمه الله قال:(كنت مع أبي جعفر جالساً في المسجد إذ أقبل داود بن علي وسليمان بن خالد وأبو جعفر عبد الله بن محمد أبو الدوانيق ، فقعدوا ناحية من المسجد فقيل لهم:هذا محمد بن علي جالس ، فقام إليه داود بن علي وسليمان بن خالد ، وقعد أبو الدوانيق مكانه حتى سلموا على أبي جعفر فقال لهم أبو جعفر: ما منع جباركم من أن يأتيني؟ فعذَّروه عنده ، فقال: أما والله لا تذهب الليالي والأيام حتى يملك ما بين قطريها ، ثم ليطأنَّ الرجال عقبه ، ثم لتذلن له رقاب الرجال ، ثم ليملكن ملكاً شديداً !

فقال له داود بن علي: وإن ملكنا قبل ملككم؟ قال: نعم يا داود إن ملككم قبل ملكنا وسلطانكم قبل سلطاننا . فقال له داود: أصلحك الله ، فهل له من مدة ؟ فقال: نعم يا داود والله لا يملك بنو أمية يوماً إلا ملكتم مثليه ، ولا سنة إلا ملكتم مثليها ، وليتلقفها الصبيان منكم كما تلقفُ الصبيان الكرة !

فقام داود بن علي من عند أبي جعفر فرحاً ، يريد أن يخبر أبا الدوانيق بذلك ، فلما نهضا جميعاً هو وسليمان بن خالد ، ناداه أبو جعفر من خلفه: يا سليمان بن خالد: لايزال القوم في فسحة من ملكهم ما لم يصيبوا منا دماً حراماً ، وأومأ بيده إلى صدره ، فإذا أصابوا ذلك الدم فبطن الأرض خير لهم من ظهرها ، فيومئذ لا يكون لهم في الأرض ناصر ولا في السماء عاذر .

ثم انطلق سليمان بن خالد فأخبر أبا الدوانيق فجاء أبو الدوانيق إلى أبي جعفر فسلم عليه ، ثم أخبره بما قال له داود بن علي وسليمان بن خالد ، فقال له: نعم يا أبا جعفر دولتكم قبل دولتنا وسلطانكم قبل سلطاننا سلطانكم شديد عَسِرٌ لايسر فيه ، وله مدة طويلة . والله لا يملك بنو أمية يوماً إلا ملكتم مثليه ولا سنة إلا ملكتم مثليها، وليتلقفها صبيان منكم فضلاً عن رجالكم كما يتلقف الصبيان الكرة ، أفهمت ! ثم قال عليه السلام : لا تزالون في عنفوان الملك ترغدون فيه ما لم تصيبوا منا دماً حراماً ، فإذا أصبتم ذلك الدم غضب الله عزّ وجلّ عليكم فذهب بملككم وسلطانكم ، وذهب بريحكم ) !

وفي منهاج الكرامة للعلامة/56: (وكان عبد الله بن الحسن جمع أكابر العلويين للبيعة لولده فقال له الصادق عليه السلام : إن هذا الأمر لا يتم ! فاغتاظ من ذلك فقال عليه السلام : إنه لصاحب القباء الأصفر ، وأشار بذلك إلى المنصور ! فلما سمع المنصور بذلك فرح لعلمه بوقوع ما يُخبر به . ولما هرب المنصور (من جيش ابراهيم بن عبد الله بن الحسن وقد شارف الكوفة) كان يقول: أين قول صادقهم) !

وكان المنصور يذكر الإمام الباقر عليه السلام بإجلال، ليقينه بأن ما يقوله من علم النبوة ! فقد روى في الكافي(8/209)عن سيف بن عميرة قال: كنت عند أبي الدوانيق فسمعته يقول ابتداء من نفسه: يا سيف بن عميرة: لابد من مناد ينادي باسم رجل من ولد أبي طالب ! قلت: يرويه أحد من الناس؟ قال: والذي نفسي بيده لسمعتْ أذني منه يقول:لابد من مناد ينادي باسم رجل. قلت: يا أمير المؤمنين إن هذا الحديث ما سمعت بمثله قط! فقال لي: يا سيف إذا كان ذلك فنحن أول من يجيبه ، أما إنه أحد بني عمنا! قلت: أي بني عمكم؟قال: رجل من ولد فاطمة عليها السلام .ثم قال: ياسيف لولا أني سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقوله ثم حدثني به أهل الأرض ما قبلته منهم ، ولكنه محمد بن علي) !

6- ملاحظات على بشارة النبي صلى الله عليه وآله بالباقر عليه السلام

1- اتضح بما تقدم صحة بشارة النبي صلى الله عليه وآله بحفيده الباقر عليه السلام وتسميته باقر العلم فلماذا لم تنعكس هذه البشارة بحجمها على عامة المسلمين وأجيالهم ؟!

فلوأن نبياً آخر بَشَّرَ أمته بأنه سيكون من عترته بعد قرن أو نصف قرن من يبقر لها علم النبوة ، لعظَّمَته أمته ، والتفَّتْ حوله ودَوَّنَتْ علومه .

لكن الأمة الظالمة تغيب الحقائق المرتبطة بأهل البيت عليهم السلام  ، وتمنع نشرها في المسلمين ! وإذا عرفها الناس قام علماء السلطة بتهوِين أمرها !

لكن لو كان الذي بشر النبي صلى الله عليه وآله شخصاً من بني أمية ، أو من بني تيم وعدي ، لرأيت تطبيلهم وتزميرهم وتعظيمهم لباقر علم النبوة الأموي !

2- يتبادر الى ذهن المسلم سؤال الى نبيه صلى الله عليه وآله : ألست أنت يارسول الله باقر العلم؟ علم الكتاب والحكمة وبقية الوحي الذي أنزله الله عليك ، فبقرته للناس وبينته؟ فكيف صار حفيدك باقر العلم ، وأعطاه الله هذا الإسم ؟

والجواب: أن النبي صلى الله عليه وآله شق العلم وبينه للناس ، ولكن الحكومات المنحرفة بعده ستغيبه وتخفيه ، فتحتاج الأمة الى من يشقه من جديد ، وهو ولده الباقر عليه السلام  ! لذلك لا تعجب إن أخفوا هذه البشارة النبوية ، بل اعجب لمن رواها منهم وفيها إدانة لحكوماتهم وكل ثقافتهم !

3- والسؤال الأشد عليهم: هل صدق رسول الله صلى الله عليه وآله في بشارته بحفيده أم لا؟ فإن صدق فقد أدان حكوماتهم وحكم بأنها أماتت علم النبوة وغيبته وأخفته واستبدلته بثقافة مزيفة! وإن صدق فأين علم النبوة الذي شقه حفيده الباقر عليه السلام !

أما الخليفة الأموي هشام الأحول فقد: كذَّب النبي صلى الله عليه وآله ! لما دخل عليه زيد أخ الإمام الباقر عليه السلام فأهانه وقال له:ما فعل أخوك البقرة ؟!

فأجابه زيد عليه السلام : سماه رسول الله باقر العلم وأنت تسميه بقرة ! لشدَّ ما اختلفتما إذن ، ولتخالفنه في الآخرة كما خالفته في الدنيا فيرد الجنة وترد النار !

فقال هشام: خذوا بيد هذا الأحمق المائق ! فأخرجوه.. ومعه نفر يسير حتى طردوه عن حدود الشام ). ( رواها ابن قتيبة في عيون الأخبار:1/212 ، والطبقات:5/325 ، وتاريخ دمشق:19/468 ، وتاريخ الطبري:5/486 ، والوافي:15/21 والكامل:4/445 ، وسير الذهبي: 5/447 ، والعقد الفريد/837 ، ومواعظ المقريزي/1872 ، ومناقب آل أبي طالب:3/328 ، وعمدة الطالب/194 ، والفرق والمذاهب/46 ، وسر السلسلة العلوية/33 ، وشرح النهج:3/285 ، وأنساب الأشراف/825 ، ووفيات الأعيان:3/317 وسمط النجوم/848 ).

وجاء في بعضها: (أذن له بعد حبس طويل وهشام في عليَّة له فرقى زيد إليها ، وقد أمر هشام خادماً له أن يتبعه حيث لا يراه زيد ويسمع ما يقول ، فصعد زيد وكان بادناً فوقف في بعض الدرجة ، فسمعه الخادم وهو يقول: ما أحبَّ الحياة إلا من ذَل ، فأخبر الخادم هشاماً بذلك ، فلما قعد زيد بين يدي هشام وحدثه حلف له على شئ فقال هشام: لا أصدقك . فقال زيد: إن الله لا يرفع أحداً عن أن يرضى بالله ، ولم يضع أحداً عن أن يرضى بذلك منه . قال له هشام: إنه بلغني أنك تذكر الخلافة وتتمناها ولست هناك لأنك ابن أمة ! فقال زيد: إن لك جواباً ! قال: تكلم قال: إنه ليس أحد أولى بالله ولا أرفع درجة عنده من نبي ابتعثه وهو إسماعيل بن إبراهيم وهو ابن أمة قد اختاره الله لنبوته وأخرج منه خير البشر . فقال هشام: فما يصنع أخوك البقرة ! فغضب زيد حتى كاد يخرج من إهابه ، ثم قال: سماه رسول الله صلى الله عليه وآله الباقر ، وتسميه أنت البقرة ! لشدَّ ما اختلفتما ، لتخالفنه في الآخرة كما خالفته في الدنيا ، فيرد الجنة وترد النار ) .

يقصد هشام أنك إذا كنت أنت تصلح للخلافة ، فما هو دور أخيك الباقر ؟

وفي طبقات الشعراء لابن المعتز/262: (قال زيد بن علي لرجل سبَّه عند هشام بن عبد الملك: إني والله ما أنا بالوشيظة المستلحقة ، ولا الحقيبة المستردفة ، ولا أنت بعبدي فأضربك ، ولا بكُفْئي فأسبُّك ) ! والوشيظة: الملحق بالقبيلة. والحقيبة: الكيس الذي يحتقبه الراكب خلفه ، فهو ملحق أيضاً. (لسان العرب:7/466 ، و:1/325) .

ويتضح لك من كلام هشام أن الحكام الأمويين لم يكونوا يخجلون من تكذيب النبي صلى الله عليه وآله والسخرية بكلامه ! أما علماؤهم فيختلفون عنهم بالشكل دون الجوهر! وسترى أن الذهبي وهو من كبار أئمتهم يزعم عدم صدق النبي صلى الله عليه وآله في بشارته بحفيده الباقر عليه السلام ، لأنه فضَّل عليه معاصراً له هو ابن كثير وغيره !

انتقم الباقر عليه السلام لمراسيم تغييب السنة

4- أما السؤال الأكثر إحراجاً للحكومات القرشية ، فهو عن العلم الذي كان مغيباً من عقيدة الإسلام وشريعته فيبقره الإمام الباقر عليه السلام ويبينه للأمة ؟!

والجواب: أن علم الإسلام كله كان مغيباً وأوله علم الألوهية ، فقد أخذت الخلافة بمتشابه القرآن بدل محكماته ، وبقصص اليهود بدل أحاديث النبي صلى الله عليه وآله  ، ونشرت عقيدة التجسيم لله تعالى ، واللامنطقية في أفعاله !

وقد أصدرت الخلافة عدة مراسيم تشدد على منع تدوين السنة وعدم التحديث عن النبي صلى الله عليه وآله ! كما غيبت عصمة النبي صلى الله عليه وآله الكاملة الشاملة في منطقه وفعله ، واستبدلته بنبي يشك في نبوته فيقرر أن يلقي بنفسه من شاهق وينتحر ، حتى يطمئنه قسيس هو ورقة بن نوفل (وهو في أول البخاري) !

أو نبي مسحور يتخيل أنه فعل الشي ولم يفعله ! أو نبي يخطئ فيصحح له أخطاءه عمر بن الخطاب ، فينزل الوحي مؤيداً لعمر موبخاً للنبي صلى الله عليه وآله !

أو نبي عصبي المزاج يظلم قادة قريش ويلعنهم بغير حق ، ثم يندم فيطلب أن يجعل الله لعنته عليهم رحمة وبركة وزكاة ومغفرة !

كما غيبت مكانة أهل البيت النبوي عليهم السلام التي أعطاهم الله في إمامة الأمة وحفظ الدين ، واستبدلتها بقيادة اللعناء والطرداء والطلقاء ، الذين حذر النبي صلى الله عليه وآله الأمة منهم ! فوقعت في فتنتهم وذاقت الويلات من تسلطهم !

أقول: إن هذه الحقائق بعض دلالات هذه البشارة النبوية الإعجازية ، التي توجب علينا الإعتراف بانحراف الوضع الثقافي في عصر الإمام الباقر عليه السلام ، وبأنه قام ببقر العلم النبوي ، وأخرج جواهره في العقائد والفقه !

فهذه هي النظرة الصحيحة الى أحاديث الإمام الباقر عليه السلام  ، لا كما يزعم الذهبي الناصبي فيفضل عليه أصحاب الآراء الهوائية والإحتمالات والظنون !

7- لماذا غصَّ الذهبي وابن تيمية بحديث جابر؟!

قال الذهبي في سيره (4/401) في ترجمة الإمام الباقر عليه السلام : ( هو السيد الإمام ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي ، العلوي الفاطمي ، المدني ، وَلَد زين العابدين ، وُلد سنة ست وخمسين في حياة عائشة وأبي هريرة . أرخ ذلك أحمد بن البرقي . روى عن جديه النبي وعلي مرسلاً ، وعن جديه الحسن والحسين مرسلاً أيضاً. وليس هو بالمكثر ، هو في الرواية كأبيه وابنه جعفر ، ثلاثتهم لا يبلغ حديث كل واحد منهم جزءاَ ضخماَ ، ولكن لهم مسائلُ وفتاوى . وكان أحد من جمع بين العلم والعمل والسؤدد والشرف والثقة والرزانة ، وكان أهلاً للخلافة .

وهو أحد الأئمة الإثني عشر الذين تبجلهم الشيعة الإمامية وتقول بعصمتهم وبمعرفتهم بجميع الدين ، فلا عصمة إلا للملائكة والنبيين ، وكل أحد يصيب ويخطئ ، ويؤخذ من قوله ويُترك ، سوى النبي (ص) فإنه معصوم مؤيد بالوحي .

وشُهر أبو جعفر بالباقر ، من بقر العلم ، أي شقه فعرف أصله وخَفِيَّه .

ولقد كان أبو جعفر إماماً مجتهداً ، تالياً لكتاب الله ، كبير الشأن ، ولكن لا يبلغ في القرآن درجة ابن كثير ونحوه ، ولا في الفقه درجه أبي الزناد وربيعة ، ولا في الحفظ ومعرفة السنن درجة قتادة وابن شهاب ، فلا نحابيه ولا نحيف عليه ، ونحبه في الله لما تجمع فيه من صفات الكمال ).

هذا كلام الذهبي ورأيه في الإمام الباقر عليه السلام ، وهو يقدم لك نفسه على أنه كاتبٌ برئ ، وأنه ترجم لإمام من أهل البيت عليهم السلام وأنصفه ، مع أنه ارتكب تكذيب النبي صلى الله عليه وآله والتعتيم ، والبتر، والتزوير ، جميعاً !

1- فقد تعمد التعتيم ، لما روى في نفس الترجمة ، عن الزبير بن بكار بيت القرظي: يا باقر العلم لأهل التقى وخير من لبَّى على الأجْبُلِ..

ثم أبيات الجهني: إذا طلب الناس علم القُرَان...الخ.

ثم تعامى عن قصة زيد رحمه الله مع هشام بن عبد الملك التي فيها حديث النبي صلى الله عليه وآله ، مع أن المؤلفين قبله رووه مع الأبيات .

2- وتعمد تكذيب البشارة النبوية ، المروية عندهم بسند صحيح ، قال: (ابن عقدة: حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي نجيح ، حدثنا علي بن حسان القرشي، عن عمه عبد الرحمن بن كثير، عن جعفر بن محمد ، قال: قال أبي: أجلسني جدي الحسين في حجره وقال لي: رسول الله يقرؤك السلام ).

والذهبي يعرف جيداً: لماذا أرسل النبي صلى الله عليه وآله سلامه الى حفيده وسماه الباقر عليه السلام  !

3- ارتكب الإنتقاء الكيفي بخباثة ، حيث روى في نفس الترجمة/404 صيغةً مستهجنةً لحديث جابر رحمه الله وكأنه للطعن! قال: (عن أبان بن تغلب ، عن محمد بن علي قال: أتاني جابر بن عبد الله وأنا في الكتَّاب فقال لي: إكشف عن بطنك فكشفت ، فألصق بطنه ببطني ثم قال: أمرني رسول الله أن أقرئك منه السلام. قال ابن عدي: لا أعلم رواه عن أبان غير المفضل بن صالح ).

والمعقول فيه ما رواه اليعقوبي (2/320): (حتى رآه فوقع عليه يقبل يديه ورجليه ، ويقول: بأبي وأمي شبيه أبيه عليهما السلام ).

وقد تعمد الذهبي بخباثة أن يغمض عينيه عن أصله الصحيح الذي رواه العلماء كبشارة المصطفى لمحمد بن علي الطبري/113 ، وهو قبل الذهبي بأربعة قرون !

وجاء فيه: (فأتى جابر بن عبد الله باب علي بن الحسين ، وبالباب أبو جعفر محمد بن علي في أغيلمة من بني هاشم قد اجتمعوا هناك ، فنظر جابر بن عبد الله إليه مقبلاً فقال: هذه مشية رسول الله عليهما السلام وسمته ، فمن أنت يا غلام؟ قال: أنا محمد بن علي بن الحسين ، فبكى جابر وقال: أنت والله الباقر عن العلم حقاً ، أدنُ مني بأبي أنت ، فدنا منه فحل جابر أزراره ثم وضع يده على صدره فقبله وجعل عليه خده ووجهه ، وقال: أقرؤك عن جدك رسول الله السلام ، وقد أمرني أن أفعل بك ما فعلت ، وقال لي: يوشك أن تعيش وتبقى حتى تلقى من ولدي من اسمه محمد بن علي ، يبقر العلم بقراً ).

وما نسبه الذهبي الى جابر، محرَّفٌ عن حديث مشابه لأبي هريرة رواه الحاكم (3/168) وصححه ، وأحمد (2/427) أن (أبا هريرة لقي الحسن فقال له: إكشف عن بطنك حتى أقبل حيث رأيت رسول الله (ص) يقبِّل منه . قال: فكشف عن بطنه فقبَّله). وتاريخ دمشق:13/220، وقال في الزوائد (9/177): رواه أحمد والطبراني.. ورجالهما رجال الصحيح ، غير عمير بن إسحاق وهو ثقة) .

ثم إن الحديث الذي رووه في بشارة النبي صلى الله عليه وآله بالباقر عليه السلام وضعفوه بالمفضل النحاس أو النخاس ، مروي بواسطة آخرين عن أبان بن تغلب رحمه الله وهو من كبار القراء والمحدثين ، ومروياته معروفة لأمثال الذهبي ، وقد ترجمت له المصادر الرجالية الشيعية والسنية وترجم له الذهبي في الكاشف (1/205) وقال: ثقة شيعي. وقال عنه في سيره (6/308): (أبان بن تغلب الإمام المقرئ أبو سعد... وهو صدوق في نفسه، عالم كبير وبدعته خفيفة لايتعرض للكبار، وحديثه نحو المئة ، لم يخرج له البخاري. توفي في سنة إحدى وأربعين ومئة) .

وقال عنه في ميزان الإعتدال (1/5): (شيعي جلد، لكنه صدوق فلنا صدقه وعليه بدعته . وقد وثقه أحمد بن حنبل ، وابن معين ، وأبو حاتم . وأورده ابن عدي وقال: كان غالياً في التشيع . وقال السعدي: زائغ مجاهر.

فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع وحد الثقة العدالة والإتقان، فكيف يكون عدلاً من هو صاحب بدعة ؟! وجوابه: أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرف ، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق . فلو رُدَّ حديث هؤلاء لذهبت جملة من الآثار النبوية ، وهذه مفسدة بينة .

ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه ، والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما والدعاء إلى ذلك ، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة) .

راجع رواية أبان في تسمية النبي صلى الله عليه وآله للإمام بالباقر عليه السلام في الكافي(1/469) وفي ترجمته في رجال الطوسي(1/217) وقد نقل الذهبي عن رجال الطوسي كثيراً .

4- ولم يكتف الذهبي ببغضه لأهل البيت عليهم السلام بما فعله، بل انتقص من الإمام الباقر عليه السلام وطعن فيه ، بل طعن في قول النبي صلى الله عليه وآله وتسميته إياه باقر العلم ! فكأنه يقول: نعم أرسل النبي سلامه الى حفيده الباقر ، وسماه باقر العلم لكن قوله صلى الله عليه وآله لم يتحقق فلم يبقر محمد بن علي العلم ولاشق علوم القرآن ، لأن الإمام ابن كثير زميل الذهبي ، في التفسير أفضل من محمد الباقر عليه السلام  !

كما أن الباقر لم يشق علم الفقه والشريعة لأن ربيعة الرأي وأبا الزناد أعلم منه في الفقه ! وأبو الزناد الذي يمدحه الذهبي هو ابن أخ أبي لؤلؤة قاتل عمر.

5- ثم أفاض الذهبي في موقف الإمام الباقر وابنه الإمام الصادق عليهما السلام من أبي بكر وعمر، وروى مكذوبات عليهما في مديحهما ، ليبرر بذلك مدحه الجزئي له!

8 - فهم ابن تيمية لقب الباقر عليه السلام أكثر من الذهبي !

فهم ابن تيمية معنى تسمية النبي عليهما السلام لحفيده بباقر العلم ولوازمه ، أكثر من الذهبي ، ولذلك بادر الى تكذيب الحديث بدون أن يراجعه !

قال السيد الميلاني في دراسات في منهاج السنة/367 ، ما خلاصته: (ذكرنا طرفاً من كلمات أعلام أهل السنة المتقدمين منهم والمتأخرين في مدح الأئمة عليهم السلام والإعتراف بفضائلهم ومناقبهم.. إلا أنك تجد في المقابل من يتجاسر على أهل البيت عليهم السلام ويحط من شأنهم ويكذب عليهم.. حتى أن قائلاً منهم قال إن الحسين قتل بسيف جده ! وبعضهم قدح في وثاقة بعض الأئمة الأطهار وقال إن في نفسه منه شيئاً ! ولعل أشهر هؤلاء ابن تيمية ، فقد أطلق في كتابه لسانه البذئ عليهم ، فحاول سلبهم فضائلهم كلها ، وجعلهم كأناس عاديين لا يجوز تفضيلهم بعلم ولا زهد ، بل كذب عليهم وافترى! وردَّ أن أبا حنيفة درس عند الإمام الصادق عليه السلام  ، وادعى أن الإمام السجاد عليه السلام تعلم من مروان بن الحكم !

وتراه يعظم الجنيد وسهلاً التستري وأمثالهما ويصفهم بالزهد ، بينما ينفي أن يكون الحسن والحسين عليهما السلام أزهد الناس في عصرهما !

ثم يُكذِّب أن النبي صلى الله عليه وآله لقب أحدهم زين العابدين، وأحدهم الباقر، وينفي حتى توبة بشر الحافي بواسطة أحدهم، وأن معروفاً الكرخي كان خادماً لأحدهم! فحتى مثل هذه الأمور لم يتحملها ابن تيمية !

قال في منهاج سنته (4/51) في حديث تسمية النبي صلى الله عليه وآله للإمام بالباقر: (لا أصل له عند أهل العلم ، بل هو من الأحاديث الموضوعة ، وكذلك حديث تبليغ جابر له السلام ، هو من الموضوعات عند أهل العلم بالحديث).

وعندما يقول ابن تيمية: أهل العلم بالحديث ، فهو يقصد نفسه فقط ، لأنه لا يوجد أحد من أهل العلم كذب حديث بشارة النبي صلى الله عليه وآله بالباقر عليه السلام غيره !

ورد عليه السيد الميلاني برواية ابن قتيبة في خبر زيد وهشام ، وبقول ابن شهراشوب:(حديث جابر مشهور معروف رواه فقهاء المدينة والعراق كلهم).

ثم ذكر السيد الميلاني استدلال ابن تيمية على أن الأئمة عليهم السلام تعلموا من علماء زمانهم بقوله: (ومن المعلوم أن علي بن الحسين وأبا جعفر محمد بن علي وابنه جعفر بن محمد ، كانوا هم العلماء الفضلاء ، وأن من بعدهم من الإثني عشر لم يعرف عنه من العلم ما عرف من هؤلاء . ومع هذا فكانوا يتعلمون من علماء زمانهم ويرجعون إليهم ، حتى قال أبو عمران بن الأسس القاضي البغدادي: أخبرنا أصحابنا أنه ذكر ربيعة بن أبي عبد الرحمن جعفر بن محمد وأنه تعلم العلوم ، فقال ربيعة:إنه اشترى حائطاً من حيطان المدينة، فبعث إلي حتى أكتب له شرطاً في ابتياعه.نقله عنه محمد بن حاتم ابن ريحوته في كتاب إثبات إمامة الصديق) !

لكن الى الآن لا يعرف أحد من هو ابن الأسس ، ولا من هو ابن ريحونة البخاري اللذين جعلهما ابن تيمية أستاذين للأئمة عليهم السلام !

ولا يعرف من روى طلب الصادق عليه السلام من ربيعة أن يكتب له وثيقة شراء بستان !

وكذا يفعل بغض أهل البيت بصاحبه فيجعله رقيعاً من الرقعاء !

ولعل ابن تيمية شعر بأنه أفرط في تحامله على أئمة أهل البيت عليهم السلام فقال في منهاجه (4/110) كالمعتذر عن عدم روايته عنهم ، وتفضيل نكرات عليهم: (لكن المنقول الثابت عن بعض هؤلاء من الحديث والفتيا قد يكون أكثر من المنقول الثابت عن الآخر، فتكون شهرته لكثرة علمه أو لقوة حجته أو نحو ذلك. وإلا فلا يقول أهل السنة إن يحيى بن سعيد وهشام بن عروة وأبا الزناد أولى بالإتباع من جعفر بن محمد ، ولا يقولون إن الزهري ويحيى بن أبي كثير وحماد بن أبي سليمان ومنصور بن المعتمر أولى بالإتباع من أبيه أبي جعفر الباقر، ولا يقولون إن القاسم بن محمد وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله أولى بالإتباع من على بن الحسين ، بل كل واحد من هؤلاء ثقة فيما ينقله مصدق في ذلك.. لكن كلام ابن تيمية لايجبر جريمته ولذا حكم عليه علماء المذاهب بأنه ناصبي مبغض لعلي عليه السلام )!انتهى كلام الميلاني .

أقول: وللذهبي كلام من نوع كلام ابن تيمية حاول فيه جبر انتقاصه لحقهم عليهم السلام ! قال في سيره (13/120): (فسبطا رسول الله (ص) وسيدا شباب أهل الجنة لو استخلفا لكانا أهلاً لذلك . وزين العابدين كبير القدر من سادة العلماء العاملين يصلح للإمامة ، وله نظراء ، وغيره أكثر فتوى منه ، وأكثر رواية . وكذلك ابنه أبو جعفر الباقر: سيدٌ ، إمام ، فقيه ، يصلح للخلافة . وكذا ولده جعفر الصادق: كبير الشأن من أئمة العلم ، كان أولى بالأمر من أبي جعفر المنصور . وكان ولده موسى كبير القدر جيد العلم ، أولى بالخلافة من هارون ، وله نظراء في الشرف والفضل . وابنه علي بن موسى الرضا كبير الشأن له علم وبيان ووقع في النفوس ، صيره المأمون ولي عهده لجلالته فتوفي سنة ثلاث ومئتين .

وابنه محمد الجواد من سادة قومه ، لم يبلغ رتبة آبائه في العلم والفقه .

وكذلك ولده الملقب بالهادي شريف جليل .

وكذلك ابنه الحسن بن علي العسكري . رحمهم الله تعالى).

لكن مدح الذهبي وابن تيمية لأئمة العترة النبوية إنما هو لدفع تهمة النصب والنفاق عنهما ، وتغطية ما ارتكباه من تحريف وتزوير لانتقاص حقوقهم عليهم السلام  !

9- الإمام الباقر عليه السلام في حديث اللوح والوصية

جاء جبرئيل عليه السلام الى النبي صلى الله عليه وآله بلوح مقدس، فيه أسماء الأئمة من أبناء فاطمة عليها السلام ، وقد رآه الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري رحمه الله واستنسخه .

رواه في الكافي(1/528 ) ونصه: (بسم الله الرحمن الرحيم . هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمد نبيه ونوره وسفيره وحجابه ودليله ، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين . عظِّمْ يا محمد أسمائي ، واشكر نعمائي ، ولا تجحد آلائي.

إني أنا الله لا إله إلا أنا ، قاصم الجبارين ، ومديل المظلومين ، وديان الدين. إني أنا الله لا إله إلا أنا ، فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي، عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ، فإياي فاعبد وعليَّ فتوكل .

إني لم أبعث نبياً فكملت أيامه وانقضت مدته ، إلا جعلت له وصياً .

وإني فضلتك على الأنبياء ، وفضلت وصيك على الأوصياء ، وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسن وحسين ، فجعلت حسناً معدن علمي بعد انقضاء مدة أبيه ، وجعلت حسيناً خازن وحيي وأكرمته بالشهادة ، وختمت له بالسعادة ، فهو أفضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة .

جعلت كلمتي التامة معه وحجتي البالغة عنده ، بعترته أثيب وأعاقب ، أولهم علي سيد العابدين وزين أوليائي الماضين ، وابنه شبه جده المحمود محمد الباقر علمي ، ومعدن حكمتي .

سيهلك المرتابون في جعفر ، الراد عليه كالراد عليَّ ، حق القول مني لأكرمنَّ مثوى جعفر ولأسرنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه .

أتيحت بعده موسى فتنة عمياء حندس لأن خيط فرضي لاينقطع ، وحجتي لاتخفى ، وأن أوليائي يسقون بالكأس الأوفى . من جحد واحداً منهم فقد جحد نعمتي، ومن غيَّر آيةً من كتابي ، فقد افترى عليَّ.

ويلٌ للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدة موسى عبدي وحبيبي وخيرتي في عليٍّ وليِّي وناصري، ومن أضع عليه أعباء النبوة وأمتحنه بالإضطلاع بها، يقتله عفريتٌ مستكبر، يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شر خلقي . حقَّ القولُ مني لأسرَّنَّهُ بمحمد ابنه وخليفته من بعده ووارث علمه فهو معدن علمي وموضع سري، وحجتي على خلقي ، لايؤمن عبد به إلا جعلت الجنة مثواه وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجبوا النار .

وأختمُ بالسعادة لابنه علي وليي وناصري ، والشاهد في خلقي ، وأميني على وحيي . أخرج منه الداعي إلى سبيلي والخازن لعلمي الحسن .

وأكمل ذلك بابنه محمد رحمة للعالمين ، عليه كمال موسى ، وبهاء عيسى ، وصبر أيوب ، فيذل أوليائي في زمانه وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم فيقتلون ويحرقون ، ويكونون خائفين مرعوبين وجلين ، تصبغ الأرض بدمائهم ، ويفشو الويل والرنا في نسائهم ، أولئك أوليائي حقاً ، بهم أدفع كل فتنة عمياء حندس وبهم أكشف الزلازل ، وأدفع الآصار والأغلال ، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون .

قال عبد الرحمن بن سالم: قال أبو بصير: لو لم تسمع في دهرك إلا هذا الحديث لكفاك فصنه إلا عن أهله). والفضائل لابن شاذان/113 ، والإمامة والتبصرة/103 ، والعيون: 2/50 ، والإختصاص/210 ، وكمال الدين/310، وغيبة النعماني/71، وأمالي الطوسي/292، والإحتجاج:1/85، ومناقب آل أبي طالب:1/255، وبشارة المصطفى/284، وإعلام الورى:2/176. والجواهر السنية/207.

ونحوه في كفاية الأثر/74 ، عن أنس بن مالك من حديث معراج النبي صلى الله عليه وآله وأنه رأى أسماءهم مكتوبة على ساق العرش: ( اثني عشر إسماً مكتوباً بالنور فيهم علي بن أبي طالب وسبطيَّ ، وبعدهما تسعة أسماء علياً علياً ثلاث مرات ، ومحمداً محمداً مرتين ، وجعفر وموسى والحسن ، والحجة يتلألأ من بينهم).

أقول: ليس معنى قوله (فيذل أوليائي في زمانه وتُتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم) تبرئة لمن يتهادون رؤوس الترك والديلم ، بل تشبيه الجبابرة الذين يقتلون الشيعة بالجبابرة الذين يقتلون الترك والديلم حتى صار فعلهم مثلاً .

10- صحيفة الوصية التي نزل بها جبرئيل عليه السلام

نزلت هذه الصحيفة على النبي صلى الله عليه وآله في مرض وفاته، يأمره فيها أن يورِّث العلم لعترته ويأخذ الميثاق منهم. ومعها صحيفة لكل إمام تتضمن برنامج عمله العام.

وقد عقد في الكافي(1/279): (باب أن الأئمة عليهم السلام لم يفعلوا شيئاً ولا يفعلون إلا بعهد من الله عزّ وجلّ وأمر منه لايتجاوزونه ، روى فيه عدة أحاديث منها: (عن معاذ بن كثير عن أبي عبد الله عليه السلام قال:إن الوصية نزلت من السماء على محمد كتاباً لم ينزل على محمد صلى الله عليه وآله كتاب مختوم إلا الوصية ، فقال جبرئيل عليه السلام : يامحمد هذه وصيتك في أمتك عند أهل بيتك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أيُّ أهل بيتي يا جبرئيل؟ قال: نجيب الله وذريته ، ليرثك علم النبوة كما ورَّثه إبراهيم عليه السلام وميراثك لعلي عليه السلام وذريتك من صلبه ، قال: وكان عليها خواتيم قال: ففتح علي عليه السلام الخاتم الأول ومضى لما أمر به فيها، ثم فتح الحسن عليه السلام الخاتم الثاني ومضى لما أمر به فيها ، فلما توفي الحسن ومضى فتح الحسين عليه السلام الخاتم الثالث فوجد فيها أن قاتل فاقتل وتقتل ، واخرج بأقوام للشهادة لا شهادة لهم إلا معك ، قال: ففعل عليه السلام .

فلما مضى دفعها إلى علي بن الحسين عليه السلام قبل ذلك ففتح الخاتم الرابع فوجد فيها أن اصمت وأطرق لمَّا حجب العلم. فلما توفي ومضى دفعها إلى محمد بن علي صلى الله عليه وآله ففتح الخاتم الخامس فوجد فيها: أن فسر كتاب الله تعالى ، وصدق أباك ، وورث ابنك ، واصطنع الأمة ، وقم بحق الله عزّ وجلّ  ، وقل الحق في الخوف والأمن ، ولا تخش إلا الله ، ففعل .

ثم دفعها إلى الذي يليه قال: قلت له: جعلت فداك فأنت هو؟ قال فقال: ما بي إلا أن تذهب يا معاذ فتروي عليَّ ! قال فقلت: أسأل الله الذي رزقك من آبائك هذه المنزلة أن يرزقك من عقبك مثلها قبل الممات . قال: قد فعل الله ذلك يا معاذ ، قال: فقلت: فمن هو جعلت فداك؟ قال: هذا الراقد وأشار بيده إلى العبد الصالح وهو راقد). يقصد ابنه موسى بن جعفر عليه السلام  .

وروى حديثاً عن الإمام الباقر عليه السلام ، جاء فيه: (ثم دفعه إلى ابنه محمد بن علي ففك خاتماً فوجد فيه: حدث الناس وأفتهم ولا تخافن إلا الله عزّ وجلّ  ، فإنه لاسبيل لأحد عليك ، ففعل ، ثم دفعه إلى ابنه جعفر ففك خاتماً فوجد فيه: حدث الناس وأفتهم وانشر علوم أهل بيتك ، وصدق آبائك الصالحين ، ولا تخافن إلا الله عزّ وجلّ  ، وأنت في حرز وأمان ، ففعل .

وروى ضريس الكناسي عن أبي جعفر عليه السلام قال: ( قال له حمران: جعلت فداك أرأيت ما كان من أمر علي والحسن والحسين عليهم السلام  ، وخروجهم وقيامهم بدين الله عزّ وجلّ وما أصيبوا من قتل الطواغيت إياهم والظفر بهم حتى قتلوا وغلبوا؟ فقال أبو جعفر عليه السلام : يا حمران إن الله تبارك وتعالى كان قدَّر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتمه ثم أجراه . فبتقدم علم ذلك إليهم من رسول الله صلى الله عليه وآله قام علي والحسن والحسين عليهم السلام ، وبعلمٍ صمت من صمت منا ).

كما روى حديثاً عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (حين نزل برسول الله صلى الله عليه وآله الأمر نزلت الوصية من عند الله كتاباً مسجلاً ، نزل به جبرئيل مع أمناء الله تبارك وتعالى من الملائكة ، فقال جبرئيل: يا محمد مُرْ بإخراج من عندك إلا وصيك ليقبضها منا وتُشهدنا بدفعك إياها إليه ضامناً لها يعني علياً عليه السلام .

فأمر النبي صلى الله عليه وآله بإخراج من كان في البيت ما خلا علياً وفاطمة عليها السلام فيما بين الستر والباب ، فقال جبرئيل: يا محمد ربك يقرؤك السلام ويقول: هذا كتاب ما كنت عهدت إليك وشرطت عليك وشهدت به عليك وأشهدت به عليك ملائكتي، وكفى بي يا محمد شهيداً ! قال: فارتعدت مفاصل النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا جبرئيل ربي هو السلام ومنه السلام وإليه يعود السلام ، صدق عزّ وجلّ وبر ، هات الكتاب ، فدفعه إليه وأمره بدفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال له: إقرأه . فقرأه حرفاً حرفاً فقال: يا علي هذا عهد ربي تبارك وتعالى إليَّ وشرطه عليَّ وأمانته وقد بلغت ونصحت وأديت ، فقال علي عليه السلام : وأنا أشهد لك بأبي وأمي أنت بالبلاغ والنصيحة والتصديق على ما قلت، ويشهد لك به سمعي وبصري ولحمي ودمي! فقال: جبرئيل عليه السلام : وأنا لكما على ذلك من الشاهدين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا علي أخذتَ وصيتي وعرفتَها وضمنتَ لله ولي الوفاء بما فيها ؟ فقال علي عليه السلام : نعم بأبي أنت وأمي ، عليَّ ضمانها وعلى الله عوني وتوفيقي على أدائها . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ياعلي إني أريد أن أشْهِدَ عليك بموافاتي بها يوم القيامة . فقال علي عليه السلام نعم أشْهِدْ ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : إن جبرئيل وميكائيل فيما بيني وبينك الآن وهما حاضران ، معهما الملائكة المقربون لأشهدهم عليك!

فقال: نعم ليشهدوا وأنا بأبي أنت وأمي أشهدهم. فأشهدهم رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكان فيما اشترط عليه النبي صلى الله عليه وآله بأمر جبرئيل عليه السلام فيما أمر الله عزّ وجلّ أن قال له: يا علي تفي بما فيها من موالاة من والى الله ورسوله والبراءة والعداوة لمن عادى الله ورسوله ، والبراءة منهم على الصبر منك وكظم الغيظ ، وعلى ذهاب حقك وغصب خمسك ، وانتهاك حرمتك؟ فقال: نعم يا رسول الله .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد سمعت جبرئيل يقول للنبي: يا محمد عرِّفْهُ أنه تنتهك الحرمة وهي حرمة الله وحرمة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وعلى أن تُخضب لحيته من رأسه بدم عبيط ! قال أمير المؤمنين عليه السلام : فصعقت حين فهمت الكلمة من الأمين جبرئيل حتى سقطت على وجهي ، وقلت: نعم قبلت ورضيت وإن انتهكت الحرمة وعطلت السنن ومزق الكتاب وهُدمت الكعبة ، وخُضبت لحيتي من رأسي بدم عبيط ، صابراً محتسباً أبداً ، حتى أقدم عليك !

ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة والحسن والحسين ، وأعلمهم مثل ما أعلم أمير المؤمنين عليه السلام ، فقالوا مثل قوله !

فختمت الوصية بخواتيم من ذهب لم تمسه النار ، ودفعت إلى أمير المؤمنين عليه السلام !

فقلت لأبي الحسن عليه السلام : بأبي أنت وأمي ألا تذكر ما كان في الوصية؟ فقال: سنن الله وسنن رسوله صلى الله عليه وآله فقلت:أكان في الوصية توثبهم وخلافهم على أمير المؤمنين؟ فقال: نعم والله شيئاً شيئاً وحرفاً حرفاً ، أما سمعت قول الله عزّ وجلّ : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَئٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ.

والله لقد قال رسول الله عليهما السلام لأميرالمؤمنين وفاطمة صلى الله عليه وآله : أليس قد فهمتما ما تقدمت به إليكما وقبلتماه ؟ فقالا:بلى وصبرنا على ما ساءنا وغاظنا .

وفي نسخة الصفواني عن حريز قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : جعلت فداك ما أقلَّ بقاءكم أهل البيت وأقرب آجالكم بعضها من بعض مع حاجة الناس إليكم! فقال: إن لكل واحد منا صحيفة فيها ما يحتاج إليه أن يعمل به في مدته ، فإذا انقضى ما فيها مما أمر به عَرَفَ أن أجله قد حضر، فأتاه النبي صلى الله عليه وآله ينعى إليه نفسه وأخبره بما له عند الله . وإن الحسين عليه السلام قرأ صحيفته التي أعطيها ، وفسر له ما يأتي بنعي ، وبقي فيها أشياء لم تقض فخرج للقتال ، وكانت تلك الأمور التي بقيت ، وإن الملائكة سألت الله في نصرته فأذن لها ، ومكثت تستعد للقتال وتتأهب لذلك حتى قتل ، فنزلت وقد انقطعت مدته وقتل عليه السلام فقالت الملائكة: يا ربِّ أذنت لنا في الإنحدار ، وأذنت لنا في نصرته فانحدرنا وقد قبضته ! فأوحى الله إليهم: أن الزموا قبره حتى تروه وقد خرج فانصروه ، وابكوا عليه وعلى ما فاتكم من نصرته). ونحوه النعماني/60، وروضة الواعظين/210 ، وبصائر الدرجات/166 و170، والإرشاد:2/189 ، وقال: والأخبار في هذا المعنى كثيرة .

وعن أمير المؤمنين عليه السلام :(دعاني رسول الله عنده موته وأخرج من كان عنده في البيت غيري ، والبيت فيه جبرئيل والملائكة عليهم السلام أسمع الحس ولا أرى شيئاً ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله كتاب الوصية من يد جبرئيل عليه السلام مختومة فدفعها إليَّ وأمرني أن أفضها ففعلت ، وأمرني أن أقرأها فقرأتها ، فقال: إن جبرئيل عندي أتاني بها الساعة من عند ربي ، فقرأتها فإذا فيها كل ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يوصي به شيئاً شيئاً ما تغادر حرفاً..).(البحار:22/478 ، عن الطرائف).

أقول: رفعت قريش أكثر من مرة في وجه النبي صلى الله عليه وآله ورقة التهديد بإعلان الردة عن الإسلام ! وكان النبي صلى الله عليه وآله مأموراً أن يقبل من الناس ظاهر إسلامهم وأن يداريهم ، وأن يوجه العرب الى قتال الفرس والروم ويطمعهم في كنوزهم !

ولذلك تحمل محاولة قريش لاغتياله في عودته من تبوك ، وكتم أسماء الذين شاركوا فيها ، وتحمل منع قريش له أن يكتب وصيته بالخلافة لعترته عليهم السلام !

وأخبر أن قريشاً ستأخذ خلافته من بعده وتظلم أهل بيته عليهم السلام ، فكان المهم عنده أن لا يجرد علي عليه السلام ذا الفقار ويبطش بقريش ، لأنها ستعلن الردة ويرتد معها عامة العرب ، ويكون أصل وجود الإسلام في خطر، فأكد على علي عليه السلام بالسكوت وعلى أهل بيته بالتحمل والصبر ، حتى تمر موجة قريش العاتية !

ونزلت الوصية من الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وآله ، وأمره الله تعالى أن يأخذ العهد والميثاق على علي بالسكوت ، وعلى فاطمة والحسنين بالصبر ، فأخذ منهم عليهم السلام  .

11- صحيفة الولاية والبراءة في قراب سيف النبي صلى الله عليه وآله

أمر النبي صلى الله عليه وآله علياً بكتابة صحيفة وجعلها في قراب سيفه وورَّثها مع سيفه لعلي والعترة عليهم السلام ، ففي قرب الإسناد/103، عن الإمام الباقر عليه السلام قال: (وُجد في غمد سيف رسول الله صلى الله عليه وآله صحيفة مختومة ففتحوها فوجدوا فيها: إن أعتى الناس على الله القاتل غير قاتله والضارب غير ضاربه . ومن أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً . ومن تولى غير مواليه فقد كفر بما أنزل على محمد ).

وفي تفسير فرات/394: (عن الأصبغ بن نباتة قال: كنت جالساً عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في مسجد الكوفة ، فأتاه رجل من بجيلة يكنى أبا خديجة ومعه ستون رجلاً من بجيلة فسلم وسلموا ثم جلس وجلسوا ، ثم إن أبا خديجة قال: يا أمير المؤمنين أعندك سرٌّ من أسرار رسول الله صلى الله عليه وآله تحدثنا به؟ قال: نعم يا قنبر إئتني بالكتابة ففضها فإذا في أسفلها سليفة مثل ذنَب الفارة مكتوب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم . إن لعنة الله وملائكته والناس أجمعين على من انتمى إلى غير مواليه ، ولعنة الله وملائكته والناس أجمعين على من أحدث في الإسلام أو آوى محدثاً ، ولعنة الله على من ظلم أجيراً أجره ، ولعنة الله على من سرق منار الأرض وحدودها . يكلف يوم القيامة أن يجئ بذلك من سبع سماوات وسبع أرضين . ثم التفت إلى الناس فقال: والله لو كلفت هذا دواب الأرض ما أطاقته . فقال له أبو خديجة: ولكن أهل البيت موالي كل مسلم فمن تولى غير مواليه؟ فقال: لست حيث ذهبت يا أبا خديجة ، ولكنا أهل البيت موالي كل مسلم فمن تولى غيرنا فعليه مثل ذلك ! يا أبا خديجة والأجير ليس بالدينار ولا بالدينارين ولا بالدرهم ولا بالدرهمين ، بل من ظلم رسول الله صلى الله عليه وآله أجره في قرابته قال الله تعالى: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ، فمن ظلم رسول الله أجره في قرابته فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).

12- صحيفة رموز العلوم في قراب سيف علي عليه السلام

وهي رموز الألف باب التي علمها النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام في مرض وفاته .

ففي بصائر الدرجات/327 ، والكافي:1/296 والخصال/649، عن الإمام الصادق عليه السلام : (كان في ذؤابة سيف علي عليه السلام صحيفة صغيرة ، وإن علياً عليه السلام دعا ابنه الحسن فدفعها إليه ودفع إليه سكيناً ، وقال له: إفتحها فلم يستطع أن يفتحها ! ففتحها له ثم قال له: إقرأ ، فقرأ الحسن الألف والباء والسين واللام ، وحرفاً بعد حرف ، ثم طواها فدفعها إلى ابنه الحسين عليه السلام فلم يقدر على أن يفتحها ، ففتحها له ثم قال له: إقرأ يا بنيَّ فقرأها كما قرأ الحسن ثم طواها ، فدفعها إلى ابنه ابن الحنفية فلم يقدر على أن يفتحها ففتحها له فقال له: إقرأ فلم يستخرج منها شيئاً ، فأخذها علي عليه السلام وطواها ثم علقها من ذؤابة السيف . قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام : وأي شئ كان في تلك الصحيفة؟ قال: هي الأحرف التي يفتح كل حرف ألف حرف . قال أبو بصير قال أبو عبد الله عليه السلام : فما خرج منها إلا حرفان إلى الساعة ) !

أقول: وهناك صحف أخرى تتعلق بأهل البيت عليهم السلام ، منها: الصحيفة الجامعة بإملاء النبي صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام فيها مايحتاج اليه الناس .

وصحيفتا قريش: الصحيفة الملعونة الأولى التي كتبها زعماء قريش لمقاطعة بني هاشم وعلقوها في الكعبة حتى يسلموهم النبي صلى الله عليه وآله فيقتلوه وحاصروهم بموجبها نحو أربع سنوات في شعب أبي طالب رحمه الله  .

والصحيفة الملعونة الثانية: التي كتبوها في حجة الوداع وتعاهدوا على إبعاد العترة عن خلافة النبي صلى الله عليه وآله فطالبهم النبي صلى الله عليه وآله بها فأنكروها !وسماهاكلمة الكفر، فقال: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ، أي هموا بقتل النبي صلى الله عليه وآله في رجوعه من تبوك !

وصحيفة ثالثة: تتعلق بنفيل جد عمر بن الخطاب لما زنى بصهاك أمَة الزبير بن عبد المطلب فحملت ، وكتبوا عليه أن حملها غلامٌ لابن عبد المطلب .

وبحث هذه الصحف خارج عن غرضنا .

13- ملاحظات على حديث اللوح وصحيفة الوصية

1-روت مصادرنا حديث اللوح وصحيفة الوصية بعدة طرق ، كما روت تفسير صحيفة القراب، كالذي رواه في الكافي:1/238: (عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له جعلت فداك إني أسألك عن مسألة ، هاهنا أحد يسمع كلامي؟ قال فرفع أبو عبد الله عليه السلام ستراً بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه ثم قال: يا أبا محمد سل عما بدا لك . قال قلت: جعلت فداك إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وآله علم علياً عليه السلام باباً يفتح له منه ألف باب؟ قال فقال: يا أبا محمد علم رسول الله صلى الله عليه وآله علياً عليه السلام ألف باب يفتح من كل باب ألف باب ! قال قلت: هذا والله العلم . قال فنكت ساعة في الأرض ثم قال: إنه لعلم وما هو بذاك .

قال ثم قال: يا أبا محمد وإن عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة ؟ قال قلت: جعلت فداك وما الجامعة ؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله وإملائه من فَلْق فيه وخط علي بيمينه ، فيها كل حلال وحرام وكل شئ يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش...) .

وفي الكافي(1/241): (عن بكر بن كرب الصيرفي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن عندنا ما لا نحتاج معه إلى الناس وإن الناس ليحتاجون إلينا ، وإن عندنا كتاباً إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام ، صحيفة فيها كل حلال وحرام... وإنكم لتأتونا بالأمر فنعرف إذا أخذتم به ، ونعرف إذا تركتموه ).

وفي الكافي(1/296) عن الإمام الصادق عليه السلام : (كان في ذؤابة سيف رسول الله صلى الله عليه وآله صحيفة صغيرة ، فقلت لأبي عبد الله عليه السلام : أي شئ كان في تلك الصحيفة؟ قال: هي الأحرف التي يفتح كل حرف ألف حرف).

وفي أمالي المفيد/351: (عن الأصبغ بن نباتة العبدي قال: لما ضرب ابن ملجم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام غدونا عليه نفر من أصحابنا أنا والحارث وسويد بن غفلة ، وجماعة معنا فقعدنا على الباب ، فسمعنا البكاء فبكينا فخرج إلينا الحسن بن علي فقال: يقول لكم أمير المؤمنين: إنصرفوا إلى منازلكم ، فانصرف القوم غيري ، واشتد البكاء من منزله فبكيت ، فخرج الحسن عليه السلام فقال: ألم أقل لكم انصرفوا ؟ فقلت: لا والله يا ابن رسول الله ما تتابعني نفسي ولا تحملني رجلي أن أنصرف حتى أرى أمير المؤمنين صلوات الله عليه . قال: فتلبث فدخل ولم يلبث أن خرج فقال لي: ادخل ، فدخلت على أمير المؤمنين عليه السلام فإذا هو مستند معصوب الرأس بعمامة صفراء ، قد نزف واصفر وجهه ، ما أدري وجهه أصفر أو العمامة ، فأكببت عليه فقبلته وبكيت ، فقال لي: لا تبك يا أصبغ فإنها والله الجنة، فقلت له: جعلت فداك إني أعلم والله أنك تصير إلى الجنة ، وإنما أبكي لفقداني إياك يا أمير المؤمنين، جعلت فداك حدثني بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله فإني أراني لا أسمع منك حديثاً بعد يومي هذا أبداً! فقال: نعم يا أصبغ، دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله يوماً فقال لي: يا علي إنطلق حتى تأتي مسجدي ثم تصعد على منبري ثم تدعو الناس إليك فتحمد الله عزّ وجلّ وتثني عليه وتصلي علي صلاة كثيرة ، ثم تقول: أيها الناس إني رسول الله إليكم وهو يقول لكم: ألا إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين ولعنتي على من انتمى إلى غير أبيه أو ادعى إلى غير مواليه ، أو ظلم أجيراً أجره ! فأتيت مسجده وصعدت منبره ، فلما رأتني قريش ومن كان في المسجد أقبلوا نحوي فحمدت الله وأثنيت عليه وصليت على رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة كثيرة ثم قلت: أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم ، وهو يقول لكم: ألا إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين ولعنتي على من انتمى إلى غير أبيه ، أو ادعى إلى غير مواليه ، أو ظلم أجيراً أجره . قال: فلم يتكلم أحد من القوم إلا عمر بن الخطاب فإنه قال: قد أبلغت يا أبا الحسن ولكنك جئت بكلام غير مفسر، فقلت: أُبلغ ذلك رسول الله فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته الخبر فقال:إرجع إلى مسجدي حتى تصعد منبري فاحمد الله واثن عليه وصل عليَّ ثم قل: أيها الناس: ماكنا لنجيئكم بشئ إلا وعندنا تأويله وتفسيره ، ألا وإني أنا أبوكم ، ألا وإني أنا مولاكم ، ألا وإني أنا أجيركم ) !

ومن الطبيعي أن تنكر مصادر أتباع الخلافة أحاديث الوصية ما استطاعت ، لكنهم رووا منها حديث وصية يوم الغدير وغيره ، وروى بخاري حديث الصحيفة في قراب سيف النبي صلى الله عليه وآله ثمان مرات ، وتعمد روايتها عن علي وأولاده عليهم السلام ليقول إن النبي صلى الله عليه وآله لم يورثهم غيرها !

قال البخاري في صحيحه (2/221): (عن علي قال: ما عندنا شئ إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي(ص): المدينة حَرَمٌ ما بين عائر إلى كذا ، من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل ، وقال: ذمة المسلمين واحدة ، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل . ومن تولى قوماً بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل). ونحوه:4/30 ، و4/67 و/69 و:8/10و/45 و/47 و/144، ومسلم:4 /115 و/217 و:6/85 ، وأبو داود:1/168 و:2/177، وأحمد بعشر روايات .

ونلاحظ أن رواتهم غيَّروا الفقرة المتعلقة بولاية العترة عليهم السلام  ! لكن الشافعي روى شيئاً منها في مسنده/198، قال: (عن محمد بن إسحق قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي: ما كان في الصحيفة التي كانت في قراب سيف رسول الله ؟ فقال كان فيها: لعن الله القاتل غير قاتله والضارب غير ضاربه . ومن تولى غير ولي نعمته فقد كفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله ).

2- نصت الأحاديث على أن دور كل إمام محددٌ من الله تعالى: ( لكل واحد منا صحيفة فيها ما يحتاج إليه أن يعمل به في مدته ، فإذا انقضى ما فيها مما أُمِرَ به عَرَفَ أن أجله قد حضر ، فأتاه النبي صلى الله عليه وآله ينعى إليه نفسه) .

لكنها لاتدل على تقسيم حياتهم عليهم السلام الى مراحل ، ولا تذكر أن هدفهم جميعاً العمل لتسلم السلطة كما تصور الشهيد السيد محمد باقر الصدر رحمه الله  !

3- فقد استدل رحمه الله على أن الإمام زين العابدين عليه السلام كان هدفه الأساسي ترسيخ الإسلام كدين في نفوس الناس ، فكان يعول بمئة بيت أو أربع مئة بيت من أهل المدينة ، مع أنه كان يقول ليس في المدينة عشرون بيتاً يحبوننا ! وأن هدف الإمام الباقر عليه السلام كان بناء الكتلة الواعية أو الأمة داخل الأمة ، فكان ينفق على خاصة أصحابه ، ويتصدق كل جمعة في المسجد بدينار .

لكن عمل الإمام زين العابدين عليه السلام كان كذلك أيضاً ، فكلاهما قام بترسيخ قِيَم الدين ككل واصطناع الأمة داخل الأمة، والفرق بين عملهما عليهما السلام في الدرجة وليس في النوع ، ويفهم ذلك من نص صحيفة الوصية ، فقد جاء فيه: ( فلما مضى دفعها إلى علي بن الحسين عليه السلام قبل ذلك ، ففتح الخاتم الرابع فوجد فيها أن اصمت وأطرق لمَّا حُجِبَ العلم . فلما توفي ومضى دفعها إلى محمد بن علي عليهما السلام ففتح الخاتم الخامس فوجد فيها أن فسر كتاب الله تعالى وصدِّق أباك وورث ابنك واصطنع الأمة ، وقم بحق الله عزّ وجلّ ، وقل الحق في الخوف والأمن ، ولا تخش إلا الله) .

فعبارة: وصدِّق أباك.. للباقر عليه السلام تدل على أن الصمت والإطراق لأبيه عليه السلام  ، هي أحد مضامين الصحيفة وليست كل دوره ، فقد جهر بالحق واصطنع الأمة ثم صدقه الإمام الباقر عليه السلام وبدأ بمرحلة جديدة في اصطناع الأمة ، حيث أمره الله تعالى أن يبقر علم النبوة ويفجر ينابيعه ، فرسَّخ قيم الإسلام في الأمة وقام بإعلاء صرح التشيع الذي شيده والده عليه السلام .

14- سيجلس من يحدثكم بعد سبع سنين من موتي !

كان مجلس الإمام الباقر عليه السلام في المسجد النبوي سيد المجالس وأهمها. يحضر فيه كبار العلماء والرواة وطلبة العلم .

وقد بدأ بعد وفاة أبيه زين العابدين عليه السلام بسبع سنين ، أي في خلافة عمر بن عبد العزيز ، وهو الفرصة الموعودة في مقادير الله تعالى للإمام الباقر عليه السلام .

قال الشيخ الطوسي1في رجاله (1/339): (عن القاسم بن عوف قال: كنت أتردد بين علي بن الحسين وبين محمد بن الحنفية وكنت آتي هذا مرة وهذا مرة . قال: ولقيت علي بن الحسين عليه السلام فقال لي: يا هذا إياك إن تأتي أهل العراق فتخبرهم أنا استودعناك علماً ، فإنا والله ما فعلنا ذلك ! وإياك أن تترايس بنا فيضعك الله ، وإياك أن تستأكل بنا فيزيدك الله فقراً ، واعلم أنك إن تكن ذنباً في الخير خير لك من أن تكون رأساً في الشر . واعلم أنه من يحدث عنا بحديث سألنَاه يوماً، فإن حدث صدقاً كتبه الله صديقاً، وإن حدث وكذب كتبه الله كذاباً !

وإياك أن تشد راحلة تُرَحِّلُها، فإنما هاهنا يطلب العلم حتى يمضي لكم بعد موتي سبع حجج ، ثم يبعث الله لكم غلاماً من ولد فاطمة عليها السلام تنبتُ الحكمة في صدره كما ينبت الطَّلُّ الزرع ! قال: فلما مضى علي بن الحسين حسبنا الأيام والجمع والشهور والسنين، فما زادت يوماً ولا نقصت حتى تكلم محمد بن علي بن الحسين باقر العلم ، صلوات الله عليهم).

ويدل ذلك على أن ظرف الإمام زين العابدين عليه السلام وإن سمح بقدر من مقاومة التحريف إلا أنه لم يسمح بطرح خط أهل البيت عليهم السلام كاملاً مقابل إسلام السلطة الأموية ، وأن هذا الظرف سيستمر سبع سنين بعد وفاته عليه السلام هي بقية حكم الوليد بن عبد الملك وأخيه سليمان وشطر من حكم عمر بن عبد العزيز ، فالحجات السبع تبدأ من وفاته عليه السلام سنة 94 فيكون آخرها سنة100هجرية في خلافة عمر بن العزيز التي بدأت في صفر سنة 99، وانتهت بموته سنة 101 هجرية . واستمر مجلس الإمام عليه السلام بعدها .

ومعنى قول زين العابدين عليه السلام : (وإياك أن تشد راحلة تُرَحِّلها.. قبل سبع سنين ، أي سيبدأ الباقر عليه السلام بطرح مذهب أهل البيت عليهم السلام إسلاماً متكاملاً مقابل إسلام السلطة .

15- الباقر مع جده الحسين عليهما السلام في كربلاء

كان الإمام زين العابدين وطفله الباقر مع أبيه الحسين عليهم السلام في كربلاء ، وكان عمر الباقر عليه السلام أربع سنوات  ، وقد روى بعض مشاهداته في كربلاء .

قال اليعقوبي في تاريخه:2/320: (قال أبو جعفر عليه السلام : قتل جدي الحسين ولي أربع سنين ، وإني لأذكر مقتله ، وما نالنا في ذلك الوقت).

ومعنى عبارته الأخيرة عليه السلام أنه عايش جيداً أحداث كربلاء ومأساتها ، والأسْر الى الكوفة فالشام ، لكن لم يصلنا من روايته عليه السلام إلا قليل !

فمن ذلك أنه عندما رفع الحسين عليه السلام رضيعه ، وطالب أعدائه أن يسقوه الماء ، فرماه حرملة بسهم فأصابه في نحره: (تلقى الحسين عليه السلام الدم بكفيه فلما امتلأتا رمى بالدم نحو السماء ثم قال: هَوَّنَ عليَّ ما نزل بي أنه بعين الله .قال الباقر عليه السلام : فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض) (اللهوف/69) .

وقال الباقر عليه السلام :(أصيب الحسين بن علي ووجد به ثلاث مائة وبضعة وعشرين طعنة برمح أو ضربة بسيف أو رمية بسهم) . (روضة الواعظين/189).

وفي شرح الأخبار:3/54:(كانت كلها في صدره ووجهه عليه السلام لأن كان لايولي).

وقال الباقر عليه السلام : (إن الحسين لما حضره الذي حضره ، دعا ابنته الكبرى فاطمة فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ووصيةً ظاهرةً ، ووصية باطنة . وكان علي بن الحسين مبطوناً لا يرون إلا أنه لِمَا به ، فدفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين، ثم صار ذلك إلينا. فقلت: فما في ذلك الكتاب؟ فقال: فيه والله جميع ما يحتاج إليه ولد آدم إلى أن تفنى الدنيا ). (بصائر الدرجات/168).

أقول: أودع الحسين عليه السلام مواريث النبي صلى الله عليه وآله عند أم سلمة رضي الله عنها وأوصاها أن تسلمها الى من يعطيها علامة،فسلمتها الى الإمام زين العابدين عليه السلام لما رجع من الشام وأعطاها العلامة. أما هذا الكتاب الذي كان معه عليه السلام في كربلاء ، فهو وصيته عليه السلام .

كما روى عن جده الحسين عليه السلام حادثة في مكة قبل كربلاء وكان عمره يومها ثلاث سنوات ، ففي الكافي(4/223) أن زرارة سأله: ( أدركتَ الحسين عليه السلام ؟ قال: نعم أذكر وأنا معه في المسجد الحرام ، وقد دخل فيه السيل والناس يقومون على المقام يخرج الخارج يقول: قد ذهب به السيل! ويخرج منه الخارج فيقول: هو مكانه. فقال عليه السلام : يا فلان ما صنع هؤلاء؟ فقال: أصلحك الله يخافون أن يكون السيل قد ذهب بالمقام، فقال:ناد أن الله تعالى قد جعله علماً لم يكن ليذهب به! فاستقَرُّوا .

وكان موضع المقام الذي وضعه إبراهيم عليه السلام عند جدار البيت فلم يزل هناك حتى حوَّله أهل الجاهلية إلى المكان الذي هو فيه اليوم . فلما فتح النبي صلى الله عليه وآله مكة رده إلى الموضع الذي وضعه إبراهيم عليه السلام فلم يزل هناك إلى أن وليَ عمر بن الخطاب ، فسأل الناس من منكم يعرف المكان الذي كان فيه المقام؟! فقال رجل: أنا قد كنت أخذت مقداره بنسع (حزام للبعير) فهو عندي فقال: إئتني به فأتاه به فقاسه ، ثم رده إلى ذلك المكان) ! وكم لابن الخطاب من مخالفات صريحة لرسول الله صلى الله عليه وآله !

16- وكان عضد أبيه الإمام زين العابدين عليهما السلام

رافق الإمام الباقر والده صلى الله عليه وآله في مراحل حياته وكان وزيره وعضده . وعندما توفي والده سنة أربع وتسعين ، كان الباقر عليه السلام في الثامنة والثلاثين من عمره ، وكان وارث أمجاد أبيه وخليفته بلا منازع .

قال الذهبي(4/398)يصف زين العابدين عليه السلام : (كان له جلالة عجيبة! وحقَّ له والله ذلك، فقد كان أهلاً للإمامة العظمى لشرفه وسؤدده وعلمه ) .

وسأل الزهري زين العابدين عليه السلام : (يا ابن رسول الله هذا الذي أوصيت إليه أكبر أولادك؟ فقال: يا أبا عبد الله ليست الإمامة بالصغر والكبر ، هكذا عَهِدَ إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهكذا وجدنا مكتوباً في اللوح والصحيفة. قلت: يا ابن رسول الله فكم عهد إليكم نبيكم أن تكون الأوصياء من بعده ؟ قال: وجدنا في الصحيفة واللوح اثني عشر أسامي مكتوبة بأسماء آبائهم وأمهاتهم ، ثم قال: يخرج من صلب محمد ابني سبعة من الأوصياء فيهم المهدي). (كفاية الأثر/241).

ودفع اليه أبوه في حياته مواريث الأنبياء عليهم السلام : (أخرج سفطاً أو صندوقاً عنده فقال: يا محمد إحمل هذا الصندوق ، قال فحُمل بين أربعة. فلما توفي جاء إخوته يدَّعون ما في الصندوق فقالوا: أعطنا نصيبنا من الصندوق فقال: والله ما لكم فيه شئ ، ولو كان لكم فيه شئ ما دفعه إليَّ . وكان في الصندوق سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وكتبه ) . (الكافي:1/305 ، وإعلام الورى/500) .

وكان الى جنب أبيه عليهما السلام في المراحل الصعبة.. في ثورة أهل المدينة وحملة يزيد الوحشية عليهم في وقعة الحرة . وما تبعها من حملة يزيد على ابن الزبير واستباحته الكعبة . ثم في هلاك يزيد واضطراب خلافة بني أمية وقتلهم معاوية بن يزيد رحمه الله ثم سيطرة مروان بن الوزغ وأولاده على العرش الأموي ، ثم عند موت مروان بعد شهور وسيطرة ابنه عبد الملك ، وحربه مع المختار ثم حربه مع ابن الزبير ، التي امتدت أكثر من عشر سنين . وفي أثنائها بنى عبد الملك (كعبة) على صخرة بيت المقدس وأحجَّ المسلمين اليها بدل مكة !

كما عايش الإمام صمود أبيه عليهما السلام ورفضه ضغوط الثائرين باسم الحسين عليه السلام من التوابين والمختار وابن الأشتر ، وتأييده في نفس الوقت كل من يأخذ بثأر الحسين ومدحه المختار رحمه الله لأنه قتل عدداً من قتلة الحسين عليه السلام  .

كما عاصر سيطرة ابن الزبير على الحجاز بعد هلاك يزيد ، وحكم المختار للعراق وما تبعه أكثر من سنتين ، ثم حرب مصعب له وانتصاره عليه .

وعاصر علاقات أبيه عليهما السلام المتفاوتة في توترها وهدوئها ، مع يزيد بن معاوية ، ومروان ، وعبد الملك ، والحجاج ، وابن الزبير ، والخوارج ، وعرف في المدينة الشاب المترف عمر بن عبد العزيز ، المحب لأبيه الإمام زين العابدين عليه السلام .

كما حضر مجالس أبيه عليهما السلام وسمع جواهر علومه ، وعرف تلاميذه .. من محمد بن شهاب الزهري ، الى العُبَّاد والمتصوفة ، الى تلاميذه الخاصين كيحيى بن أم الطويل وسعيد بن المسيب ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر ، وحكيم بن جبير بن مطعم ، وكميل بن زياد ، وسعيد بن جبير .

كما شاهد الباقر تقديس الأمة لأبيه زين العابدين عليهما السلام فقد كان معه في مكة عندما انفسح له الناس ليستلم الحجر ، فحسده هشام بن عبد الملك وتجاهله فارتجل الفرزدق رحمه الله قصيدته الخالدة: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته..

فحبس هشام الفرذزدق فهجاه بقوله:

يقلب رأساً لم يكن رأس سيد
وعيناً له حولاء بادٍ عيوبها !

كما عاصر الإمام الباقر أباه عليهما السلام في صموده في وجه العداء الأموي وتحريف الإسلام ، وشاركه في حملات دفاعه القوية ضد التحريف وكشف مؤامرة قريش على الأئمة من العترة النبوية عليهم السلام ، وفي عمله في تشييد صرح التشيع وبناء الفئة الثابتة من الأمة .كما كان مع أبيه في سفر الحج ، وفي اعتزاله سنين في البادية ، وسفراته المتخفية لزيارة قبرجده أمير المؤمنين والحسين عليهم السلام ومسجد الكوفة .

كما رأى إعجاب عبد الملك بأبيه زين العابدين عليه السلام ومكائده له في نفس الوقت ، وكان مبعوث أبيه اليه ليعالج مشكلة النقد والطراز مع الروم .

ثم عاصر الإمام عليه السلام بعد هلاك عبد الملك ، ابنه هشاماً ، صاحب الشخصية المعقدة والجرائم المنكرة ، وأعظمها قتله للإمام زين العابدين عليه السلام !

الفصل الثالث

الحكومات التي عاصرها الإمام الباقر عليه السلام  !

عاصر الإمام عليه السلام ثمان حكومات

عاصرحكم يزيد بن معاوية، وحكم مروان بن الحكم لشهور ، وحكم ابنه عبد الملك الذي توفي سنة 86 ، وأبناء عبد الملك:الوليد الذي قتل الإمام زين العابدين عليه السلام سنة 94 ، وهلك سنة 96 ، ثم سليمان وهلك سنة 99 ، ثم عمر بن عبد العزيز وهلك سنة 101، ثم يزيد بن عبد الملك وهلك سنة 105 .

كما عاصر عليه السلام تسع سنين من حكم الطاغية هشام بن عبد الملك ، الذي ارتكب جريمة قتل الإمام الباقر عليه السلام سنة 114 ، ثم هلك هشام سنة 125، وبعد سبع سنوات من هلاكه انهار النظام الأموي بثورة الخراسانيين.

الإمام يصف حالة أهل البيت عليهم السلام في زمن بني أمية

وصف الإمام الباقر عليه السلام اضطهاد بني أمية لأهل البيت عليهم السلام وشيعتهم ، فقال لبعض أصحابه: (يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا ! وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس! إن رسول الله صلى الله عليه وآله قبض وقد أخبر أنا أولى الناس بالناس ، فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر عن معدنه ، واحتجَّت على الأنصار بحقنا وحجتنا ! ثم تداولتها قريش واحد بعد واحد ، حتى رجعت إلينا ، فنكثت بيعتنا ونصبت الحرب لنا ، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كؤود حتى قتل ، فبويع الحسن ابنه وعوهد ثم غُدر به وأُسلم ، ووثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه ونهبت عسكره وعولجت خلاليل أمهات أولاده ! فوادع معاوية وحقن دمه ودماء أهل بيته ، وهم قليل حق قليل !

ثم بايع الحسين عليه السلام من أهل العراق عشرون ألفاً ، ثم غدروا به وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم ، وقتلوه ! ثم لم نزل أهل البيت نستذل ونستضام ، ونقصى ونمتهن ونحرم ونقتل ونخوف!ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا !

ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقربون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمال السوء في كل بلدة ، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة ، ورووا عنا ما لم نقله وما لم نفعله ، ليبغضونا إلى الناس !

وكان عِظَمُ ذلك وكِبْرُه زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السلام فقتلت شيعتنا بكل بلدة ، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة ، وكان من يذكر بحبنا والإنقطاع إلينا سجن أو نهب ماله ، أو هدمت داره !

ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين عليه السلام .

ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتلة ، وأخذهم بكل ظنة وتهمة ، حتى أن الرجل ليقال له زنديق أو كافر ، أحب إليه من أن يقال شيعة علي عليه السلام !

وحتى صار الرجل الذي يذكر بالخير ولعله يكون ورعاً صدوقاً، يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة ، ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها ولا كانت ولا وقعت ! وهو يحسب أنها حق ، لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب ولا بقلة ورع ) ! (شرح النهج:11/43).

كما وصف الإمام الجواد عليه السلام اضطهاد تلاميذ الإمام زين العابدين عليه السلام الخاصين قال: (أما يحيى بن أم الطويل فكان يظهر الفتوة ، وكان إذا مشى في الطريق وضع الخلوق على رأسه ويمضغ اللبان ويطول ذيله ، وطلبه الحجاج فقال تلعن أبا تراب وأمر بقطع يديه ورجليه وقتله .

وأما سعيد بن المسيب فنجا وذلك أنه كان يفتي بقول العامة ، وكان آخر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فنجا .

وأما أبو خالد الكابلي فهرب إلى مكة وأخفى نفسه ، فنجا .

وأما عامر بن واثلة فكانت له يد عند عبد الملك بن مروان ، فلهى عنه .

وأما جابر بن عبد الله الأنصاري فكان رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلم يُتعرض له وكان شيخاً قد أسن .

وأما أبو حمزة الثمالي وفرات بن أحنف ، فبقوا إلى أيام أبي عبد الله ، وبقي أبو حمزة إلى أيام أبي الحسن موسى بن جعفر صلى الله عليه وآله ). (رجال الطوسي:1/338 ).

صَمَتَ الإمام الباقر سبعَ سنين بعد أبيه عليهما السلام

كان الإمام زين العابدين عليه السلام يُلقي موعظة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله كل يوم جمعة فقط ، ولم يجلس في المسجد ويحدث الناس! (الكافي: 8 / 72 ). وقال للقاسم بن عوف: (وإياك أن تشد راحلة تُرَحِّلُها، فإنما هاهنا يطلب العلم حتى يمضي لكم بعد موتي سبع حجج ، ثم يبعث الله لكم غلاماً من ولد فاطمة عليها السلام تَنْبُتُ الحكمة في صدره كما ينبت الطَّلُّ الزرع ! قال: فلما مضى علي بن الحسين حسبنا الأيام والجمع والشهور والسنين ، فما زادت يوماً ولا نقصت حتى تكلم محمد بن علي بن الحسين باقر العلم ، صلوات الله عليهم). (رجال الطوسي(1/339).

في تلك السنة حدثت فُسحةٌ على عامة المسلمين ، بهلاك الطاغية سليمان بن عبد الملك ، الذي لم يكن له ولد يصلح للخلافة ، وكان ضعف الدولة الأموية يتفاقم لنقمة المسلمين وظلم الأجهزة وفسادها ! وكان الناس يميلون الى ابن عمه عمر بن عبد العزيز ويلهجون باسمه للخلافة لما عرف به من استقامة ، فأوصى له سليمان ، وبعده لأخيه يزيد بن عبد الملك .

فكان عمر بن عبد العزيز نشازاً بين الملوك الأمويين لأنه (عادل) بين جبابرة أي أعور بين عميان ! وروى محبوه أن الإمام الباقر عليه السلام سئل عنه فقال: (أما علمت أن لكل قوم نجيبة وأن نجيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز، وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده). (سير الذهبي:5/120، وتاريخ دمشق:45/147).

وقد تكون الرواية صحيحة لكنها لاتدل على نجاته بل على تميزه على قومه .

وقد كان عصره كان الفرصة الموعودة في مقاديرالله تعالى للإمام الباقر عليه السلام فنهض وشق علم النبوة ، ونشره في الناس !

(كانت ولاية عمر ثلاثين شهراً..وتوفي لست بقين من رجب سنة 101 ، وهو ابن تسع وثلاثين سنة ، وكان أسمر رقيق الوجه حسن اللحية ، غائر العينين بجبهته أثر، وعهد إلى يزيد بن عبد الملك). (الطبري:5/318).

وكان في وجهه أثر جرح من رفسة فرس ويسمى أشجَّ بني أمية.(فتن ابن حماد/75) .

وكان عهده على قصر مدته متنفساً للمسلمين من اضطهاد قومه بني أمية !

وكان سبب استخلافه أن سلفه سليمان بن عبد الملك كان ظلوماً عسوفاً أكولاً لايكاد يشبع! لكن كانت لعمر بن عبد العزيز يدٌ عليه حيث وقف معه لما أراد أخوه أن ينتزع الخلافة منه ، فحفظها له سليمان وكتب له عهده عندما عاجله الموت وهو شاب ، ونصه: (هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز: إني قد وليتك الخلافة من بعدي ، ومن بعدك يزيد بن عبد الملك ، فاسمعوا له وأطيعوا واتقوا الله ، ولا تختلفوا فيطمع فيكم).(تاريخ الطبري:5/306).

وأمر أولاده وهو يحتضرأن يبايعوه:(ونزل عمر بن عبد العزيز قبره وثلاثة من ولده ، فلما تناولوه تحرك على أيديهم فقال ولد سليمان: عاش أبونا ورب الكعبة ! فقال عمر: بل عوجل أبوكم ورب الكعبة ! وكان بعض من يطعن على عمر يقول دَفَنَ سليمان حياً . وكانت ولاية سليمان بن عبد الملك سنتين وثمانية أشهر ، وخلف من الولد الذكور عشرة ). ( اليعقوبي:2/299) .

أقول: أراد الله تعالى في مطلع القرن الثاني للهجرة أن يفتح باب رحمة على أمة نبيه وباب عذاب على بني أمية ! وشعر بنو أمية بخطرخلافة ابن عبد العزيز لما أعلن إدانة الخلفاء قبله بظلمهم للمسلمين ومصادرتهم حرياتهم واستباحتهم أموالهم، وأعلن أنه سيحقق العدالة ويرد ظلامة كل مظلوم !

وباشر بإعادة الحريات وأصدر المراسيم بتغييرالولاة ورد الظلامات ، فاستنفر بنو أمية ضده وكانوا قبيلة كثيرة بيدهم مفاصل الدولة ، وقتلوه بالسم ، وأعادوا الظلم كما كان ، ونصبوا بعده يزيد بن عبد الملك ، ثم الطاغية هشام بن عبد الملك الذي ارتكب جريمة قتل الإمام الباقر عليه السلام بالسم على يد والي المدينة .

والنص التالي يكشف الفرق في نظر الإمام الباقر عليه السلام بين سليمان بن عبد الملك وخليفته عمر بن عبد العزيز، فقد روى اليعقوبي(2/306) أن عمر بن عبد العزيز ذكر الإمام زين العابدين عليه السلام يوماً فقال:( ذهب سراج الدنيا وجمال الإسلام وزين العابدين ! فقيل له: إن ابنه أبا جعفر محمد بن علي فيه بقية ، فكتب عمر يختبره ، فكتب إليه محمد كتاباً يعظه ويخوفه ! فقال عمر: أخرجوا كتابه إلى سليمان فأخرج كتابه فوجده يقرظه ويمدحه ، فأنفذ إلى عامل المدينة وقال له: أحضر محمداً وقل له: هذا كتابك إلى سليمان تقرظه وهذا كتابك إليَّ مع ما أظهرت من العدل والإحسان ! فأحضره عامل المدينة وعرفه ما كتب به عمر فقال: إن سليمان كان جباراً كتبت إليه بما يكتب إلى الجبارين، وإن صاحبك أظهر أمراً فكتبت إليه بما شاكله ! وكتب عامل عمر إليه بذلك فقال عمر: إن أهل هذا البيت لا يخليهم الله من فضل) !

ومعناه: أن سليمان بن عبد الملك برأي الإمام عليه السلام جبارٌ لا يتحمل أن يطرح الإمام الحق ، فكان يداريه كما دارى الأنبياء عليهم السلام فراعنة عصورهم . أما ابن عبد العزيز فأعلن أنه يريد تحقيق العدل ويتحمل النصيحة، فكتب له الإمام بما كتب فأعجب ذلك عمر. وكان عهده فرصة للإمام عليه السلام لينشط في مشروعه!

فبَقَرَ علم جده صلى الله عليه وآله ونشره .

نقاط عن عصر عمر بن عبد العزيز

1- عندما تولى الخلافة دعا الإمام الباقر عليه السلام الى الشام ، ليسشتيره في أمور الخلافة: (فدخل فحدثه ساعة وقال إني: أريد الوداع يا أمير المؤمنين ، قال عمر: فأوصني يا أبا جعفر، قال: أوصيك بتقوى الله ، واتخذ الكبير أباً ، والصغير ولداً، والرجل أخاً. فقال: رحمك الله جمعت لنا والله ما إن أخذنا به وأماتنا الله عليه ، استقام لنا الخير إن شاء الله ). (تاريخ دمشق:54/268).

2- (قال أبو بكر بن أبي سبرة: لما رد عمر بن عبد العزيز المظالم قال: إنه لينبغي أن لا أبدأ بأول إلا من نفسي ، فنظر إلى ما في يديه من أرض أو متاع فخرج منه حتى نظر إلى فص خاتم فقال: هذا مما أعطانيه الوليد بن عبد الملك مما جاءه من أرض المغرب ، فخرج منه) . (الطبقات:5/341).

(لما استخلف قال: يا أيها الناس ، إني قد رددت عليكم مظالمكم ، وأول ما أرد منها ما كان في يدي ، وقد رددت فدك على ولد رسول الله (ص) وولد علي بن أبي طالب ، فكان أول من ردها ). (بحار الأنوار:29/208).

(ونكث عمر أعمال أهل بيته وسماها مظالم ، وكتب إلى عماله جميعاً: أما بعد فإن الناس قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله ، وسنن سيئة سنتها عليهم عمال السوء ، قلما قصدوا قصد الحق والرفق والإحسان ، ومن أراد الحج فعجلوا عليه عطاءه حتى يتجهز منه ، ولا تحدثوا حدثاً في قطع وصلب حتى تؤامروني ..

وأعطى بني هاشم الخمس ، ورد فدكاً وكان معاوية أقطعها مروان فوهبها لابنه عبد العزيز فورثها عمر منه ، فردها على ولد فاطمة ، فلم تزل في أيديهم حتى ولي يزيد بن عبد الملك ، فقبضها .

ورد عمر هدايا النيروز والمهرجان ، ورد السُّخَر (الإجبار على العمل مجاناً) ورد العطاء على قدر ما استحق الرجل من السنة ، وورث العيالات على ما جرت به السنة ، غير أنه أقر القطائع التي أقطعها أهل بيته والعطاء في الشرف لم ينقصه ولم يزد فيه ، وزاد أهل الشأم في أعطياتهم عشرة دنانير ، ولم يفعل ذلك في أهل العراق). (تاريخ اليعقوبي:2/305 ، ونحوه الطبري:5/321).

3- ( لما ولي عمر بن عبد العزيز ، ردَّ فدك على ولد فاطمة عليها السلام وكتب إلى واليه على المدينة أبي بكر بن عمر بن حزم يأمره بذلك ، فكتب إليه: إن فاطمة قد ولدت في آل عثمان وآل فلان وآل فلان ! فكتب إليه: أما بعد فإني لو كنت كتبت إليك آمرك أن تذبح شاة لسألتني جمَّاء أو قرناء ! أو كتبت إليك أن تذبح بقرة لسألتني ما لونها ! فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسمها بين ولد فاطمة من علي والسلام !

قال أبو المقدام: فنقمت بنو أمية ذلك على عمر بن عبد العزيز وعاتبوه فيه وقالوا له: هجَّنْتَ فعل الشيخين ! وخرج إليه عمرو بن عبس في جماعة من أهل الكوفة ، فلما عاتبوه على فعله قال: إنكم جهلتم وعلمت ونسيتم وذكرت ، إن أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم حدثني عن أبيه عن جده ، أن رسول الله قال: فاطمة بضعة مني يسخطني ما يسخطها ويرضيني ما يرضيها ، وإن فدك كانت صافية على عهد أبي بكر وعمر ، ثم صار أمرها إلى مروان فوهبها لأبي عبد العزيز ، فورثتها أنا وإخواني فسألتهم أن يبيعوني حصتهم منها فمنهم من باعني ، ومنهم من وهب لي ، حتى استجمعتها فرأيت أن أردها على ولد فاطمة ! فقالوا: إن أبيت إلا هذا فأمسك الأصل واقسم الغلة ، ففعل) ! (الشافي:4/102، وشرح النهج:16/278).

(فسلمها إلى محمد بن علي الباقر عليه السلام وعبد الله بن الحسن ، فلم تزل في أيديهم إلى أن مات عمر بن عبد العزيز ). (كشف الغمة:2/117).

(فقيل له: طعَنْتَ على الشيخين ! فقال: هما طعنا على أنفسهما ! وذلك لما صار إليه محمد بن علي عليه السلام ). (المسترشد لابن جرير الطبري الشيعي/503).

( لما دخل المدينة عمر بن عبد العزيز نادى مناديه: من كانت له مظلمة وظلامة فليحضر: فدخل إليه مولاه مزاحم فقال: إن محمد بن علي بالباب ، فقال له: أدخله يا مزاحم قال: فدخل وعمر يمسح عينيه من الدموع ، فقال له محمد بن علي: ما أبكاك يا عمر؟ فقال هشام: أبكاه كذا وكذا يا ابن رسول الله ، فقال محمد بن علي فلما رآه استقبله وأقعده مقعده فقال عليه السلام : إنما الدنيا سوق من الأسواق يبتاع فيها الناس ما ينفعهم وما يضرهم ، وكم قوم ابتاعوا ما ضرهم فلم يصبحوا حتى أتاهم الموت ، فخرجوا من الدنيا ملومين لمَّا لم يأخذوا ما ينفعهم في الآخرة فقسم ما جمعوا لمن لم يحمدهم ، وصاروا إلى من لا يعذرهم . فنحن والله حقيقون أن ننظر إلى تلك الأعمال التي نتخوف عليهم منها ، فكف عنها واتق الله واجعل في نفسك اثنتين: إلى ما تحب أن يكون معك إذا قدمت على ربك فقدمه بين يديك وانظر إلى ما تكره أن يكون معك إذا قدمت على ربك فارمه ورائك . ولا ترغبن في سلعة بارت على من كان قبلك فترجو أن يجوز عنك ، وافتح الأبواب وسهل الحجاب ، وأنصف المظلوم ورد الظالم . ثلاثة من كن فيه استكمل الإيمان بالله (فجثا عمر على ركبتيه ، ثم قال: إيه أهل بيت النبوة ، قال: نعم يا عمر، من إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل ، ومن إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق ، ومن إذا قدر لم يتناول ما ليس له . فدعا عمر بدواة وبياض وكتب:

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما رد عمر بن عبد العزيز ، ظلامة محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم بفدك). ( الخصال/105 ).

أقول: ذكرت بعض الروايات أنه رد غلة فدك دون أصلها ، وبعضها أنه سلمها الى الإمام الباقر عليه السلام ليقسمها بين أولاد فاطمة عليها السلام  ، وبعضها أنه سلمها له ولعبد الله بن الحسن المثنى . واتفق الرواة على أن يزيد بن عبد الملك الذي حكم بعده ، أعادها الى بني أمية ! لكن يبقى مجرد ردها عملاً مهماً ، لأنه اعتراف من خليفة أموي بظلامة فاطمة عليها السلام وتخطئة لسياسات الحكام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله .

وفي تاريخ دمشق(70/255): ( لما رد عمر بن عبد العزيز مظالم أهل بيته وأخذهم بالحق قال مولى لآل مروان: وأنتم أيضاً فتزوجوا بنات عمر بن الخطاب) !

يقصد أن عمر أنفق أيضاً من أموال المسلمين فبناته إماء لهم !

وفي الطرائف/252: (فردها عليهم السفاح ، ثم قبضت فردها عليهم المهدي ، ثم قبضت فردها عليهم المأمون... قبضت منهم بعد المأمون فردها عليهم الواثق ، ثم قبضت فردها عليهم المستعين ، ثم قبضت فردها عليهم المعتمد ، ثم قبضت فردها المعتضد ، ثم قبضت فردها عليهم الراضي) .

وفي المناقب:2/52: (وردها عليهم المأمون ، والمعتصم والواثق وقالا: كان المأمون أعلم منا به ، فنحن نمضي على ما مضى هو عليه ، فلما ولي المتوكل قبضها... وردها المعتضد وحازها المكتفي ، وقيل إن المقتدر ردها عليهم).

4- ( وروي أنه لما صارت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز ، رد عليهم سهام الخمس سهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسهم ذي القربى وهما من أربعة أسهم ، رده على جميع بني هاشم ، وسلم ذلك إلى محمد بن علي الباقر وعبد الله بن الحسن . وقيل إنه جعل من بيت ماله سبعين حملاً من الورق والعين من مال الخمس ، فرد عليهم ذلك ، وكذلك كلما كان لبني فاطمة وبني هاشم مما حازه أبو بكر وعمر وبعدهما عثمان ومعاوية ويزيد وعبد الملك ، رده عليهم ! واستغنى بنو هاشم في تلك السنين وحسنت أحوالهم). (المناقب:2/52 ، وكشف الغمة:2/117 ، والطبقات:5/391).

وروى في سمط النجوم/1043 ، عن الإمام الصادق عليه السلام أن عمر بن عبد العزيز كان يهدي إليهم الدراهم والدنانير في زقاق العسل ، خوفاً من أهل بيته !

5- ألغى عمر بن عبد العزيز مرسوم معاوية بلعن أمير المؤمنين عليه السلام في صلاة الجمعة ، قال اليعقوبي(2/305): (وترك لعن علي بن أبي طالب على المنبر ، وكتب بذلك إلى الآفاق... وأعطى بني هاشم الخمس ، ورد فدكاً وكان معاوية أقطعها مروان فوهبها لابنه عبد العزيز فورثها عمر منه فردها على ولد فاطمة . فلم تزل في أيديهم حتى ولي يزيد بن عبد الملك فقبضها ) .

وقال في شرح النهج (4/58): ( فأما عمر بن عبد العزيز فإنه قال: كنت غلاماً أقرأ القرآن على بعض ولد عتبة بن مسعود ، فمر بي يوماً وأنا ألعب مع الصبيان ونحن نلعن علياً ، فكره ذلك ودخل المسجد ، فتركت الصبيان وجئت إليه لأدرس عليه وردي ، فلما رآني قام فصلى وأطال في الصلاة شبه المعرض عني حتى أحسست منه بذلك ، فلما انفتل من صلاته كلح في وجهي فقلت له: ما بال الشيخ؟ فقال لي: يا بنيَّ أنت اللاعن علياً منذ اليوم؟ قلت: نعم ، قال: فمتى علمت أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم ! فقلت: يا أبت وهل كان علي من أهل بدر! فقال: ويحك ! وهل كانت بدر كلها إلا له ! فقلت: لا أعود ، فقال: آلله إنك لا تعود ! قلت: نعم فلم ألعنه بعدها . ثم كنت أحضر تحت منبر المدينة وأبي يخطب يوم الجمعة وهو حينئذ أميرالمدينة ، فكنت أسمع أبي يمر في خطبه تهدر شقاشقه حتى يأتي إلى لعن علي فيجمجم ويعرض له من الفهاهة والحصر ما الله عالم به ، فكنت أعجب من ذلك فقلت له يوماً:يا أبت أنت أفصح الناس وأخطبهم ، فما بالي أراك أفصح خطيب يوم حفلك حتى إذا مررت بلعن هذا الرجل ، صرت ألكن عَيِيّاً ! فقال: يا بني ، إن من ترى تحت منبرنا من أهل الشام وغيرهم لو علموا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك ، لم يتبعنا منهم أحد ! فوقرت كلمته في صدري مع ما كان قاله لي معلمي أيام صغري ، فأعطيت الله عهداً لئن كان لي في هذا الأمر نصيبٌ لأغيرنه ! فلما من الله عليَّ بالخلافة أسقطت ذلك وجعلت مكانه: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ، وكتب به إلى الآفاق فصار سنة).

ومدحه لذلك الشعراء ، فقال كُثيِّر عزة:

ولِيـتَ فلـم تشتـمْ عليـاً ولـم تُخـفْ
بَرِيَاً ولم تقبل إساءة مجرم
وكفَّرتَ بالعفو الذنوب مع الذي
أتيت فأضحى راضياً كل مسلم
ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه
من الأود البادي ثقاف المقوم

وعبَّر الشريف الرضي في رثائه له عن عقيدة الشيعة في ابن عبد العزيز فقال رحمه الله :

يا ابن عبد العزيز لو بكت
العيـْـــنُ فتًى من أميةٍ لبكيتكْ
أنت نزهتنـا عـن السـب والشتْـم
فلـو أمـكـن الجـزاءُ جـزيتُـك
دير سمعان لا أغبك غيث
خيـرُ ميْـت من آل مـروان ميتُـك
فلوَ اني ملكتُ دفعاُ لما نا
بَكَ من طارق الردى لفديتك

( شرح النهج:4/58 ، ومختصر أخبار شعراء الشيعة/69 ، والحماسة/150).

وفي الطبقات(5/393): (كان الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون علياً ، فلما ولي عمر أمسك عن ذلك فقال كثير عزة الخزاعي..) .

أقول:ما أن قتل بنو أمية عمر بن عبد العزيز حتى أعادوا سب علي عليه السلام كما كان !

6- وقتل بنو أمية ابن عبد العزيز بالسُّم وأعادوا الظلم كما كان: (وعزل يزيد عمال عمر بن عبد العزيز جميعاً).(اليعقوبي:2/308) لكن سياسة عمر بن عبد العزيز فضحتهم وجرَّأت المسلمين عليهم ، وفتحت لبني هاشم باب الثورة ، فثار زيد بن علي بعد عشرين سنة ، والعباسيون بعد ثلاثين سنة .

قال الوليد بن هشام: ( لقيني يهودي فأعلمني أن عمر بن عبد العزيز سيلي هذا الأمر وسيعدل فيه ، ثم لقيني بعد فقال لي: إن صاحبك قد سقي فمُرْهُ فليتدارك نفسه ! فلقيته فذكرته له فقال لي: قاتله الله ما أعلمه! لقد علمت الساعة التي سقيت فيها، ولو كان شفائي أن أمس شحمة أذني ما فعلت ، أو أوتى بطيب فأرفعه إلى أنفي فأشمه ، ما فعلت) ! (الفتن لنعيم بن حماد/68).

يشير النص الى أن اليهود كانوا وراء سمه ، وقد كانت صلاتهم وثيقة بالأمويين !

كما يشير الى مبالغات الناس في إيمان عمر بن عبد العزيز وتقواه ، وأنه كان مسلِّماً لقضاء الله وقدره ، الى حد أنه لايعالج نفسه من السُّم !

7- ذكرنا في سيرة الإمام زين العابدين عليه السلام (4/182) أن الإمام الباقر عليه السلام كان يصفه بالمترف الفاسق وكان الجاحظ يصفه بالفاسق لسوء سلوكه الأخلاقي ونحن ندينه لأنه يعلم أن بني أمية غصبوا الخلافة من أهل البيت عليهم السلام ولم يُرجعها الى أصحابها! (قال أبو بصير:كنت مع الباقر عليه السلام في المسجد ، إذ دخل عليه عمر بن عبد العزيز، عليه ثوبان ممصران متكئاً على مولى له فقال عليه السلام : لَيَلِيَنَّ هذا الغلام فيظهر العدل ويعيش أربع سنين ، ثم يموت فيبكي عليه أهل الأرض ويلعنه أهل السماء. فقلنا: يا ابن رسول الله أليس ذكرت عدله وإنصافه؟ قال:يجلس في مجلسنا ولا حق له فيه ) ! (الخرائج:1/276).

وتقدمت روايتهم عن الباقر عليه السلام أنه: ( نجيب بني أمية ويبعث يوم القيامة أمة وحده). وهو يدل على تميزه عن غيره من خلفائهم ، ولايدل على قبوله ونجاته .

8- روى ابن عساكر(69/160) أن يزيد بن معاوية صَلَبَ رأس الحسين عليه السلام في دمشق ثلاثة أيام ، ثم وضعه: ( في خزائن السلاح..فلما ولي عمر بن عبد العزيز بعث إلى الخازن خازن بيت السلاح: وجِّه إليَّ رأس الحسين بن علي ، فكتب إليه أن سليمان أخذه وجعله في سفط وصلى عليه ودفنه فصح ذلك عنده . فلما دخلت المسودة سألوا عن موضع الرأس فنبشوه وأخذوه . والله أعلم ما صُنع به ).

أقول: المعتمد عند المصريين أنه بقي في خزائن بني أمية ودفنوه في عسقلان ثم نقله المصريون الى القاهرة . والمعتمد عندنا أن الإمام زين العابدين عليه السلام أخذه من يزيد وأعاده الى كربلاء ، ودفنه مع الجسد الشريف .

9- روى ابن عساكر(30/297) وغيره ، أن عمر بن العزيز أرسل محمد بن الزبير الى الحسن البصري يقول له: (إشفني فيما اختلف فيه الناس: هل كان رسول الله (ص) استخلف أبا بكر؟ فاستوى الحسن قاعداً فقال: أوَفي شك هو لا أباً لك ! إي والله الذي لا إله إلا هو لقد استخلفه)!

وعلق عليه الأميني رحمه الله بقوله (الغدير:5/345): (أنظر إلى هذا المتقشف المتزهد الجامد كيف يحلف كذباً بالله تعالى على ما لا تعترف به الأمة جمعاء )!

أقول: يدل ذلك على أن ابن عبد العزيز والناس في عصره يرون أن الخلافة لاتكون إلا بالنص ، وأن بني أمية أو غيرهم ادعوا النص على أبي بكر ، وكان عمر بن عبد العزيز متحيراً ، فأراد أن (يُشفي) شكه بسؤال الحسن البصري !

وقد يكون ذلك في مرحلة من حياته ، ثم وصل الى تفضيل أهل البيت عليهم السلام على نفسه وجميع الناس ، فقد قضى في رجل فضَّل معاوية على علي عليه السلام بالتعزيز والنفي، وكان يقول:(ما علمنا أحداً كان في هذه الأمة أزهد من علي بن أبي طالب بعد النبي).(الكامل:3/401).

وقضى بأن علياً عليه السلام أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان ، فقد روى ابن الكلبي أن عامل عمر بن العزيز رفع اليه مسألة رجل حلف أن علياً خير هذه الأمة وأولاها برسول الله وإلا فامرأته طالق ثلاثاً ، فقال له أبوها طَلُقَتْ منك ، واختلفا: (فجمع عمر بن عبد العزيز بني هاشم وبني أمية..ما تقولون في يمين هذا الرجل؟..

وكتب عمر إلى عامله ابن مهران:قد صدَّق الله يمين الزوج وأبرَّ قسمه. وأثبته على نكاحه ، فاستيقن ذلك واعمل عليه ). ( شرح النهج:20/222 ).

10- في هذا الجو السياسي الذي هيأه الله للإمام الباقر عليه السلام انطلق في جهده النبوي على مدى أربع عشرة سنة ، يجهر بالحق ويفضح سياسات الحكام وأبواقه الذين سموهم علماء ، ويواجه تآمر قريش وتحريفها للإسلام ، ويعلي الصرح الفكري والإجتماعي للفئة الثابتة في زمن الإنحراف!

وقد نشأت ثورة الحسنيين والعباسيين من هذه الأرضية بفضل الموجة التي أحدثها الإمام الباقر عليه السلام ، ثم استمدت دفعها من ثورة أخيه زيد عليه السلام أبكر ثورة هاشمية بعد كربلاء. وعندما مات عمر بن عبد العزيز ، وتولى بعده يزيد بن عبد الملك أربع سنين ، ثم هشام بن عبد الملك عشر سنين ، لم يستطيعا إيقاف الموجة الفكرية والإجتماعية والسياسية التي أحدثها الإمام عليه السلام ، لأنها كَوَّنَتْ واقعاً جديداً في الأمة ، جريئاً على بني أمية وطغيانهم .

وساعد عليه عدم الإستقرار السياسي وأن الخليفة كان مشغولاً بالصراع مع ولاته ومع الطامعين بالخلافة حوله ، وقد انفتح هذا الباب في زمن ابن عبد العزيز عندما عزل حاكم البصرة وبلاد فارس ابن المهلب ، وحبسه في الشام فهرب من سجنه وعاد الى موطنه وأعلن الحرب على بني أمية ! وكذلك اضطربت ولاية خراسان وشمال إيران. وقوي الخوارج في العراق ..الخ.

شراسة الجبارين في عصر الإمام الباقر عليه السلام

كان الإمام الباقر عليه السلام أبرز شخصيات بني هاشم ، مُهاباً من الدولة محترماً من أصحاب مشاريع الثورة ، يقوم بثورته على طريقته ، فيرسخ معالم الإسلام كما نزل من عند الله تعالى ، ويفضح التحريف الحكومي ومؤامرة قريش على أئمة العترة النبوية الذين اختارهم الله ورسوله صلى الله عليه وآله لإمامة الأمة .

وكان منطقه عليه السلام هادراً قوياً كمنطق نبي الله هود عليه السلام لأن معاصريه جبابرة كقوم هود فوجب أن يكون منطقه كاسحاً لأفكارهم وغرورهم !

وقوم هود عليه السلام أي عاد الأولى ، أصحاب حضارة بعد قوم نوح عليه السلام وعاصمتهم الأحقاف في اليمن ، وكانوا جبارين ذوي ثروة وأجسام ضخمة ، فكان لابد لمنطق نبيهم عليه السلام أن يتناسب مع حالتهم في القوة والشدة !

قال الله تعالى في سورة الأعراف: قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ . قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ. أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ... قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِى فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ . فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِين .

لكن أسوأ الجبارين على الإطلاق هم المعاصرون للنبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته صلى الله عليه وآله ، فهم فراعنة كما قال الله تعالى لهم: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً. (وقف رسول الله صلى الله عليه وآله على قتلى بدر فقال: جزاكم الله من عصابة شراً ، لقد كذبتموني صادقاً وخونتم أميناً. ثم التفت إلى أبي جهل فقال: إن هذا أعتى على الله من فرعون ، إن فرعون لما أيقن بالهلاك وحد الله ، وإن هذا لما أيقن بالهلاك دعا باللات والعزى )!

وهم أنفسهم الذي جاهدهم علي والأئمة من أبنائه عليهم السلام  ! لذلك نرى أن منطق الإمام الباقر عليه السلام كان معهم قوياً قاصعاً كمنطق نبي الله هود عليه السلام  .

وقد تميزت أحاديثه بصراحتها في كشف مؤامرة قريش ، وبيان فريضة ولاية أهل البيت النبوي عليهم السلام والبراءة من ظالميهم وأعدائهم .

الإمام الباقر عليه السلام يتحدى الخليفة هشام الأحول

قال الذهبي (4/398)يصف الإمام زين العابدين عليه السلام : (وكان له جلالة عجيبة وَحَقَّ له والله ذلك ، فقد كان أهلاً للإمامة العظمى لشرفه وسؤدده وعلمه وتألهه وكمال عقله . قد اشتهرت قصيدة الفرزدق وهي سماعنا ، أن هشام بن عبد الملك حج قبيل ولايته الخلافة، فكان إذا أراد استلام الحجر زوحم عليه ، وإذا دنا علي بن الحسين من الحجر تفرقوا عنه إجلالاً له ، فوجم لها هشام وقال:من هذا فما أعرفه! فأنشأ الفرزدق يقول: هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَه..

فحبس هشام الفرزدق فهجاه بأبيات منها:

يقلب رأساً لم يكن رأسَ سيِّدٍ
وعيناً له حَوْلاءَ بادٍ عُيُوبها.

(المناقب:3/306 ).

فاضطرمت نار الحقد في نفس الأمير هشام ، ولم يستطع أن يقنع أباه عبد الملك بقتله ، وقد يكون هو الذي أقنع أخاه الوليد بسمه فيما بعد !

ولما صار خليفة وجه نار حسده الى الباقر عليه السلام وأظهره في قوله لزيد رحمه الله :(ما يفعل أخوك البقرة ، يعني الباقر عليه السلام ! فأجابه زيد: لَشَدَّ ما خالفت رسول الله ! سماه رسول الله الباقر وتسميه البقرة !). ( أبو نصر البخاري/22) .

وقالت لهشام أخته يوماً وهو خليفة: (يا أحول مشؤوماً ، أما تخاف أن تكون الأحوال الذي على يديه هلاك قريش؟).(نسب قريش/31).

وقالت له سكينة بنت الحسين عليه السلام : (يا أحول ، لقد أصبحت تتهكم بنا ) !

(لسان العرب:12/617، وتاريخ دمشق:70/21) .

ولما جاءت وصية أخيه الوليد لعمر بن عبد العزيز وبعده لأخيه يزيد ، قال له رجاء: (يا أحول ما أنت والكلام ) ! (الوصايا لأبي حاتم/54) .

وفي عهد هشام صار المسلمون أكثر جرأة على النظام الأموي، نتيجة لمخزون مواقف أهل البيت عليهم السلام وجهادهم ، وقد استثمر ذلك الإمام الباقر عليه السلام وصعَّد موقف التحدي مع الخليفة وواليه على المدينة بشكل لاسابقة له !

فلما كان هشام في الحج وقعت له مع الإمام الباقر عليه السلام حادثة شبيهةً بحادثته مع أبيه زين العابدين صلى الله عليه وآله ! روى في الكافي(8/120): (عن أبي الربيع قال: حججنا مع أبي جعفر عليه السلام في السنة التي كان حج فيها هشام بن عبد الملك ، وكان معه نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب ، فنظر نافع إلى أبي جعفر في ركن البيت وقد اجتمع عليه الناس فقال نافع: يا أمير المؤمنين من هذا الذي قد تَدَاكَّ عليه الناس؟ فقال: هذا نبي أهل الكوفة ، هذا محمد بن علي !

فقال: أشهد لآتينه فلأسألنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي أو ابن نبي أو وصي نبي ! قال: فاذهب إليه وسله لعلك تُخجله ! فجاء نافع حتى اتكأ على الناس ، ثم أشرف على أبي جعفر عليه السلام فقال: يا محمد بن علي إني قرأت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، وقد عرفت حلالها وحرامها ، وقد جئت أسألك عن مسائل لا يجيب فيها إلا نبي أو وصي نبي أو ابن نبي !

قال: فرفع أبو جعفر رأسه فقال: سل عما بدا لك ، فقال: أخبرني كم بين عيسى وبين محمد من سنة؟ قال: أخبرك بقولي أو بقولك؟ قال: أخبرني بالقولين جميعاً.

قال: أما في قولي فخمس مائة سنة ، وأما في قولك فست مائة سنة .

قال: فأخبرني عن قول الله لنبيه: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ . من الذي سأل محمد وكان بينه وبين عيسى خمس مائة سنة؟ قال: فتلا أبو جعفر هذه الآية: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا . فكان من الآيات التي أراها الله تبارك وتعالى محمداً صلى الله عليه وآله حيث أسرى به إلى بيت المقدس أن حشر الله عز ذكره الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين ، ثم أمر جبرئيل فأذن شفعاً وأقام شفعاً وقال في أذانه: حي على خير العمل ، ثم تقدم محمد صلى الله عليه وآله فصلى بالقوم فلما انصرف قال لهم: على مَ تشهدون وما كنتم تعبدون؟ قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك رسول الله ، أخذ على ذلك عهودنا ومواثيقنا .

فقال نافع: صدقت يا أبا جعفر ، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ : أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرض كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ؟ قال: إن الله تبارك وتعالى لما أهبط آدم إلى الأرض وكانت السماوات رتقاً لا تمطر شيئاً ، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت شيئاً ، فلما أن تاب الله عزّ وجلّ على آدم أمر السماء فتقطرت بالغمام ، ثم أمرها فأرخت عَزَاليها ، ثم أمر الأرض فأنبتت الأشجار وأثمرت الثمار وتفهقت بالأنهار ، فكان ذلك رتقها وهذا فتقها .

قال نافع: صدقت يا ابن رسول الله ، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ : يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض وَالسَّمَاوَاتُ ، أي أرض تبدل يومئذ؟

فقال أبو جعفر: أرض تبقى خبزة يأكلون منها حتى يفرغ الله عزّ وجلّ من الحساب . فقال نافع: إنهم عن الأكل لمشغولون ! فقال أبو جعفر: أهم يومئذ أشغل أم إذ هم في النار ؟ فقال نافع: بل إذ هم في النار . قال: فوالله ما شغلهم إذ دعوا بالطعام فأطعموا الزقوم ، ودعوا بالشراب فسقوا الحميم .

قال: صدقت يا ابن رسول الله ولقد بقيت مسألة واحدة ، قال: وما هي؟ قال: أخبرني عن الله تبارك وتعالى متى كان ؟

قال: ويلك متى لم يكن حتى أخبرك متى كان ! سبحان من لم يزل ولا يزال فرداً صمداً ، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً . ثم قال: يا نافع أخبرني عما أسألك عنه ، قال: وما هو؟ قال: ما تقول في أصحاب النهروان؟ فإن قلت: إن أمير المؤمنين قتلهم بحق فقد ارتددت ، وإن قلت إنه قتلهم باطلاً فقد كفرت !

قال: فولى من عنده وهو يقول: أنت والله أعلم الناس حقاً حقاً ! فأتى هشاماً فقال له: ما صنعت؟ قال: دعني من كلامك هذا ، والله أعلم الناس حقاً حقاً ، وهو ابن رسول الله حقاً ويحق لأصحابه أن يتخذوه نبياً )!

وقد رويت هذه المناظرة بألفاظ متعددة وفي تفسير القمي(2/284): (قال نافع: صدقت يا ابن رسول الله يا أبا جعفر، أنتم والله أوصياء رسول الله وخلفاؤه في التوراة ، وأسماؤكم في الإنجيل وفي الزبور وفي القرآن ، وأنتم أحق بالأمر من غيركم ) .

وروت بعض مصادرنا أن هشاماً الأحول أرسل الأبرش الكلبي أيضاً ليناظر الإمام عليه السلام كما في تفسير القمي:2/69، والمناقب:3/329 .

وفي أسد الغابة (4/93) أن الأبرش صاحب هشام ، وفي تاريخ ابن خلدون (3/114)أنه وزيره وفي الوافي (15/69)كان نديمه قبل الخلافة: (وكان غالباً عليه).

وفي تاريخ اليعقوبي(2/328): (وكان هشام من أحزم بني أمية وأرجلهم ، وكان بخيلاً حسوداً ، فظاً غليظاً ظلوماً ، شديد القسوة بعيد الرحمة طويل اللسان ، وفشا الطاعون في أيامه حتى هلك عامة الناس وذهبت الدواب والبقر ، وكان الغالب عليه الأبرش بن الوليد الكلبي ) !

وفي حج ذلك الموسم تفاقم غيظ هشام الأحول من الإمام الباقر عليه السلام فأمر بإحضاره الى دمشق ، بسبب خطبة الإمام الصادق بأمر أبيه عليهما السلام في موسم الحج ، لأن هشاماً لم يحج في غيرها وهي سنة 106 ، أي قبل شهادة الإمام الباقر عليه السلام بثمان سنوات ، فقد عد اليعقوبي(2/328) من أقام الحج في حكم هشام، وفيهم هشام سنة 106.

وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق(48/199): (حج هشام بن عبد الملك وهو خليفة سنة ست ومائة ، فصار في سنة سبع ومائة في المحرم وهو بالمدينة ، ومعه غيلان يفتي الناس ويحدثهم! وكان محمد بن كعب يجئ كل جمعه من قرية على ميلين من المدينة.. قالوا يا يا أبا حمزة جاءنا رجل يشككنا في ديننا فنأتيك به؟ قال لا حاجة لي به! قلنا:أصلحك الله نسمع منه ونسمع منك ! قال: فأتوني به إن شئتم غداً يوم السبت ، وحضر الناس معه).

أقول: لاحظ هذين المقرَّبَيْن من الخليفة اللذين يفتيان الناس: غيلان القدري الذي ينفي مسؤولية الإنسان عن أفعاله ، وينسب جرائمه الى الله تعالى !

ونافع مولى ابن عمر الذي كان نصرانياً ، ثم قيل إنه أسلم ، لكنه صار ناصبياً خارجياً !

خاف الخليفة من اعتقال الإمام عليه السلام في الحج فأحضره الى دمشق  !

قال محمد بن جرير الطبري في دلائل الإمامة/233، وابن حاتم في الدر النظيم/604: (حج هشام بن عبد الملك بن مروان سنة من السنين ، وكان حج في تلك السنة محمد بن علي الباقر وابنه جعفر عليهما السلام ، فقال جعفر في بعض كلامه: الحمد لله الذي بعث بالحق محمداً نبياً وأكرمنا به، فنحن صفوة الله على خلقه وخيرته من عباده ، فالسعيد من اتبعنا والشقي من خالفنا .

ومن الناس من يقول: إنه يتولانا وهو يتولى أعداءنا ومن يليهم من جلسائهم وأصحابهم ، فهو لم يسمع كلام ربنا ولم يعمل به .

قال أبو عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام : فأخبر مسلمة بن عبد الملك أخاه ، فلم يعرض لنا حتى انصرف إلى دمشق وانصرفنا إلى المدينة ، فأنفذ بريداً إلى عامل المدينة بإشخاص أبي وإشخاصي معه ، فأشخصنا إليه فلما وردنا دمشق حجبنا ثلاثة أيام ثم أذن لنا في اليوم الرابع ، فإذا هو قد قعد على سرير الملك وجنده وخاصته وقوف على أرجلهم سماطين متسلحين ، وقد نصب البرجاس (هدف الرمي) حذاءه وأشياخ قومه يرمون .

فلما دخل أبي وأنا خلفه ، ما زال يستدنينا منه حتى حاذيناه وجلسنا قليلاً فقال لأبي: يا أبا جعفر لو رميت مع أشياخ قومك الغرض؟

وإنما أراد أن يضحك بأبي ظناً منه أنه يقصر فلايصيب الغرض لكبر سنه فيشتفي منه ! فاعتذر أبي وقال: إني قد كبرت فإن رأيتَ أن تعفيني، فلم يقبل وقال: لا والذي أعزنا بدينه ونبيه ، ثم أومأ إلى شيخ من بني أمية أن أعطه قوسك ، فتناولها منه أبي وتناول منه الكنانة فوضع سهماً في كبد القوس فرمى وسط الغرض فأثبته فيه ثم رمى الثاني فشق فوق السهم الأول إلى نصله! ثم تابع حتى شق تسعة أسهم فصار بعضها في جوف بعض وهشام يضطرب في مجلسه ، فلم يتمالك أن قال:أجدت يا أبا جعفر فأنت أرمى العرب والعجم! زعمت أنك قد كبرت كلا !

ثم ندم على مقالته وتكنيته له ، وكان من تكبره لا يكني أحداً في خلافته ! فأطرق إطراقة يرتئي فيه رأياً ، وأبي واقف إزاءه ومواجه له وأنا وراء أبي ، فلما طال الوقوف غضب أبي وكان إذا نظر السماء نظر غضبان يتبين الغضب في وجهه ! فلما نظر هشام ذلك من أبي قال: إصعد يا محمد فصعد أبي السرير وصعدت ، فلما دنا من هشام قام إليه واعتنقه وأقعده عن يمينه ، ثم اعتنقني وأقعدني عن يمين أبي، وأقبل على أبي بوجهه وقال: يا محمد لا تزال العرب والعجم تسودها قريش ما دام فيهم مثلك ولله درك ، من علمك هذا الرمي وفي كم تعلمته؟! فقال أبي: قد علمتَ أن أهل المدينة يتعاطونه فتعاطيته أيام حداثتي ثم تركته ، فلما أراد أمير المؤمنين مني ذلك عدت إليه ، فقال: ما رأيت مثل هذا الرمي قط مذ عقلت ، وما ظننت أن أحداً في أهل الأرض يرمي مثل هذا ! فأين رميُ جعفر من رميك؟ فقال: إنا نتوارث الكمال والتمام والدين اللذين أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله في قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً .

والأرض لا تخلو ممن يكمل دينَه من هذه الأمور التي يقصرعنها غيرنا ، فكان ذلك علامة ! فلما سمع ذلك انقلبت عينه اليمنى فاحْوَلَّتْ واحْمَرَّ وجهه ، وكان ذلك علامة غضبه إذا غضب ، ثم أطرق هنيهة ورفع رأسه إلى أبي وقال: ألسنا بني عبد مناف نسبنا ونسبكم واحد؟ فقال أبي: نحن كذلك ولكن الله جل ثناؤه اختصنا بمكنون سره وخالص علمه ، ما لم يختص أحداً غيرنا .

فقال: أليس الله بعث محمداً من شجرة عبد مناف إلى الناس كافة أبيضها وأسودها وأحمرها ، فمن أين ورثتم ما ليس لغيركم ورسول الله مبعوث إلى الناس كافة؟ومن أين أورثتم هذا العلم وليس بعد محمد نبي وما أنتم أنبياء !

فقال أبي: من قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ، فالذي أبداه فهو للناس كافة والذي لم يحرك به لسانه أمر الله تعالى أن يخصنا به دون غيرنا ، فلذلك كان يناجي به أخاه علياً دون أصحابه ، وأنزل الله تعالى قرآناً فقال: وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : بين أصحابه سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي، ولذلك قال علي بالكوفة: علمني رسول الله ألف باب من العلم ، ينفتح من كل باب ألف باب ! خصه رسول الله من مكنون علمه ما خصه الله به ، فصار إلينا وتوارثناه من دون قومنا .

فقال له هشام: إن علياً كان يدعي علم الغيب ، والله لم يطلع على غيبه أحداً فكيف ادعى ذلك ومن أين؟ فقال أبي: إن الله أنزل على نبيه كتاباً بين فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة في قوله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْئٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين. وفي قوله تعالى: وَكُلَّ شَئٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِين .

وفي قوله: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَئٍ  .

وفي قوله: وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأرض إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ .

وأوحى إلى نبيه أن لايبقي في غيبه وسره ومكنون علمه شيئاً إلا ناجاه به ، وأمر أن يؤلف القرآن من بعده ، ويتولى غسله وتحنيطه وتكفينه من دون قومه ، وقال لأهله وأصحابه: حرام أن تنظروا إلى عورتي غير أخي علي فهو مني وأنا منه ، له ما لي وعليه ما عليَّ ، وهو قاضي ديني ومنجز وعدي .

وقال لأصحابه: عليٌّ يقاتل على تأويل القرآن ، كما قاتلت على تنزيله . ولم يكن عند أحد تأويل القرآن بكماله وتمامه إلا عند علي ، ولذلك قال لأصحابه: أقضاكم علي. وقال عمر بن الخطاب:لولا علي لهلك عمر! أفيشهد له عمر ، ويجحد غيره !

فأطرق هشام ثم رفع رأسه وقال: سل حاجتك . فقال: خلفت أهلي وعيالي مستوحشين لخروجي! فقال: قد آمن الله وحشتهم برجوعك إليهم ، فلا تقم أكثر من يومك ، فاعتنقه أبي وودعه وفعلت فعله ، ونهض ونهضت .

وخرجنا إلى بابه فإذا على بابه ميدان وفيه أناس قعود في آخره فسأله عنهم أبي فقال الحُجَّاب: هؤلاء القسيسون والرهبان ، وهذا عالم لهم يقعد لهم في كل سنة يوماً واحداً ، يستفتونه فيفتيهم . فلفَّ أبي رأسه بفاضل رداءه وفعلت فعله وأقبل حتى قعد عندهم ، وقعدت وراء أبي ، فرفع الخبر إلى هشام فأمر بعض غلمانه أن يحضره وينظر ما يصنع! فأتى ومعه عدد من المسلمين فأحاطوا بنا ، وأقبل عالم النصارى وقد شد حاجبيه بعصابة صفراء فتوسطنا وقام إليه جميع الحاضرين مسلِّمين ، فتوسط صدر المجلس وقعد فيه وأحاطوا به وأبي وأنا بينهم ، فأدار نظره فيهم فقال لأبي: أمِنَّا أم من هذه الأمة المرحومة؟ فقال أبي: بل من هذه الأمة المرحومة . فقال: أمن علمائها أم من جهالها؟ فقال أبي: لست من جهالها .

فاضطرب وقال: أسألك فقال: سل. قال: من أين ادعيتم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يحدثون ولا يبولون؟ وما الدليل وهل من شاهد لا يجهل؟ قال أبي: الدليل الذي لا ينكر مشاهدة الجنين في بطن أمه يطعم ولا يحدث ! فاضطرب اضطراباً شديداً وقال: كلا ، زعمت أنك لست من علمائها ! فقال أبي: قلت لست من جهالها . قال: فأسألك عن مسألة أخرى؟ قال: سل . قال: من أين ادعيتم أن فاكهة الجنة أبداً غضة طرية ، وما الدليل من المشاهدات؟

قال: إن الفرات غض طري موجود غير معدوم لا ينقطع .

فاضطرب اضطراباً شديداً وقال: كلا زعمت أنك لست من علمائها !

فقال أبي: قلت لست من جهالها. فقال أسألك عن مسألة أخرى . قال: سل .

قال: أسألك عن ساعة من ساعات الدنيا ليست من الليل ولا من النهار؟

قال أبي: هي الساعة التي بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، يهدأ فيها المبتلى ، ويرقد فيها الساهر، ويفيق فيها المغمى عليه ، جعلها الله في الدنيا رغبة للراغبين ، وفي الآخرة للعاملين لها ، وجعلها دليلاً واضحاً وحجة بالغة على الجاحدين والتاركين ! فصاح صيحة ثم قال: بقيت مسألة واحدة لأسألنك عنها ولا تهتدي إلى الجواب عنها أبداً ، قال أبي: فسل إنك حانث في قولك .

فقال: أخبرني عن مولودين ولدا في يوم واحد وماتا في يوم واحد ، عمر أحدهما مائة وخمسين سنة ، والآخر خمسين سنة في الدنيا؟

فقال أبي: ذلك عزير وعزرة ولدا في يوم واحد ، ولما بلغا مبلغ الرجال خمسة وعشرين عاماً مر عزير على حماره بقرية في أنطاكية وهي خاوية على عروشها: قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ؟ وكان الله قد اصطفاه وهداه ، فلما قال ذلك غضب الله عليه وأماته مائة عام ثم بعثه على طعامه وحماره وشرابه وعاد إلى داره وأخوه عزرة لا يعرفه ، فاستضافه وبعث إلى أولاده وأحفاده وقد شاخوا ، وعزير شابٌّ في سن خمس وعشرين ، وهو يذكر عزرة بنفسه فيقول له: ما رأيت شاباً أعلم بعزير منك ، فمن أهل السماء أنت أم من أهل الأرض؟ فقال عزير لأخيه: أنا عزير، سخط الله تعالى عليَّ بقول قلته فأماتني مائة سنة ثم بعثني ليزدادوا بذلك يقيناً أن الله على كل شيء قدير، وهذا حماري وطعامي وشرابي الذي خرجت به من عندكم أعاده لي كما كان بقدرته ! فأعاشه الله بينهم تمام الخمسين ، وقبضه الله وأخاه في يوم واحد .

فنهض عند ذلك عالم النصارى وقاموا معه فقال: جئتموني بأعلم مني فأقعدتموه بينكم ليفضحني، ويعلم المسلمون بأن لهم من يحيط بعلومنا ، وعنده ما لا نحيط به! فلا والله لا كلمتكم ولا قعدت لكم إن عشت سنة! فتفرقوا وأبي قاعد مكانه . ورفع ذلك الرجل الخبر إلى هشام فإذا رسوله بالجائزة والأمر بانصرافنا إلى المدينة من وقتنا فلا نبقى ، لأن أهل الشام ماجوا وهاجوا فيما جرى بين أبي وعالم النصارى ! فركبنا دوابنا منصرفين ، وقد سبقنا بريد هشام إلى عامل مَدْيَن في طريقنا إلى المدينة يذكر له أن ابن أبي تراب الساحر محمد بن علي وابنه جعفر الكذابين- بل هو الكذاب لعنه الله- فيما يظهران من الإسلام قد وردا عليَّ فلما صرفتهما إلى المدينة مالا إلى القسيسين والرهبان وتقرباً إليهم بالنصرانية ، فكرهت النكال بهما لقرابتهما ! فإذا مرَّا بانصرافهما عليكم فليناد في الناس برئت الذمة ممن بايعهما وشاراهما وصافحهما وسلم عليهما، ورأى أمير المؤمنين قتلهما ودوابهما وغلمانهما لارتدادهما ! فلما ورد البريد إلى مدين وشارفناها بعده ، قدم أبي غلمانه ليشتروا لدوابنا علفاً ولنا طعاماً فلما قربوا من المدينة أغلق أهلها الباب في وجوههم وشتموهم وذكروا بالشتم علياً عليه السلام وقالوا لهم: لا نزول لكم عندنا ولا بيع ولا شراء ، فأنتم كفار مشركون ! فوقف غلماننا إلى الباب حتى انتهينا إليهم فكلمهم أبي وليَّن لهم القول قال: اتقوا الله فلسنا كما بلغكم ! فأجابوه بمثل ما أجابوا الغلمان ، فقال لهم أبي: هبونا كما قلتم فافتحوا الباب وبايعونا كما تبايعون اليهود والنصارى والمجوس .

فقالوا: أنتم أشر منهم ، لأن هؤلاء يؤدون الجزية وأنتم لا تؤدون .

فقال لهم أبي: إفتحوا الباب وخذوا منا الجزية كما تأخذونها منهم .

فقالوا: لا نفتح ولا كرامة حتى تموتوا على ظهور دوابكم جياعاً وتموت دوابكم تحتكم ! فوعظهم أبي فازدادوا عتواً ، فثنى أبي رجله عن سرجه وقال لي: مكانك يا جعفر لاتبرح ! فصعد الجبل المطل على مدينة مدين وهم ينظرون ما يصنع، فلما صار في أعلاه استقبل بوجهه المدينة ووضع إصبعيه في أذنيه ونادى: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ.. وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ. بَقِيَّةُ الله خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ.

نحن والله بقية الله في أرضه ! فأمر الله تعالى ريحاً سوداء مظلمة فهبت واحتملت صوته فألقته في أسماع الرجال والنساء والصبيان والإماء ، فما بقي أحد من أهل مدين إلا صعد السطح من الفزع !

وفيمن صعد شيخ كبير السن ، فلما نظر الجبل صرخ بأعلى صوته: إتقوا الله يا أهل مدين ، فإنه قد وقف الموقف الذي وقف فيه شعيب حين دعا على قومه فإن لم تفتحوا له الباب نزل بكم العذاب ، وقد أعذر من أنذر!

ففتحوا لنا الباب وأنزلونا وكتب العامل بجميع ذلك إلى هشام ، فارتحلنا من مدين إلى المدينة في اليوم الثاني ، وكتب هشام إلى عامله بأن يأخذوا الشيخ ويدفنوه في حفيرة ففعلوا ! وكتب أيضاً إلى عامله بالمدينة أن يحتالوا في سم أبي بطعام أو شراب ، فمضى هشام ولم يتهيأ له في أبي شئ من ذلك ) !

وفي الكافي(1/471): (عن أبي بكر الحضرمي قال: لما حمل أبو جعفر عليه السلام إلى الشام إلى هشام بن عبد الملك وصار ببابه ، قال لأصحابه ومن كان بحضرته من بني أمية: إذا رأيتموني قد وبخت محمد بن علي ثم رأيتموني قد سكت فليقبل عليه كل رجل منكم فليوبخه ! ثم أمر أن يؤذن له فلما دخل عليه أبو جعفر عليه السلام قال بيده: السلام عليكم فعمهم جميعاً بالسلام ثم جلس ، فازداد هشام عليه حنقاً بتركه السلام عليه بالخلافة وجلوسه بغير إذن ، فأقبل يوبخه ويقول فيما يقول له: يا محمد بن علي لا يزال الرجل منكم قد شق عصا المسلمين ودعا إلى نفسه وزعم أنه الإمام سفهاً وقلة علم ! ووبخه بما أراد أن يوبخه ! فلما سكت أقبل عليه القوم رجل بعد رجل يوبخه حتى انقضى آخرهم ، فلما سكت القوم نهض عليه السلام قائماً ثم قال: أيها الناس أين تذهبون وأين يراد بكم ، بنا هدى الله أولكم وبنا يختم آخركم ، فإن يكن لكم ملك معجل فإن لنا ملكاً مؤجلاً ، وليس بعد ملكنا ملك ، لأنا أهل العاقبة يقول الله عزّ وجلّ : والعاقبة للمتقين !

فأمر به إلى الحبس ، فلما صار إلى الحبس تكلم فلم يبق في الحبس رجل إلا ترشفه وحن إليه ، فجاء صاحب الحبس إلى هشام فقال: يا أمير المؤمنين إني خائف عليك من أهل الشام أن يحولوا بينك وبين مجلسك هذا ، ثم أخبره بخبره ! فأمر به فحمل على البريد هو وأصحابه ليردوه إلى المدينة ، وأمر أن لا يخرج لهم الأسواق وحال بينهم وبين الطعام والشراب ، فساروا ثلاثاً لا يجدون طعاماً ولا شراباً حتى انتهوا إلى مدين ، فأغلق باب المدينة دونهم ، فشكا أصحابه الجوع والعطش قال: فصعد جبلاً ليشرف عليهم فقال بأعلى صوته: يا أهل المدينة الظالم أهلها أنا بقية الله، يقول الله: بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ . قال: وكان فيهم شيخ كبير فأتاهم فقال لهم: يا قوم هذه والله دعوة شعيب النبي ! والله لئن لم تخرجوا إلى هذا الرجل بالأسواق لتؤخذن من فوقكم ومن تحت أرجلكم ، فصدقوني في هذه المرة وأطيعوني وكذبوني فيما تستأنفون ، فإني لكم ناصح ، قال: فبادروا فأخرجوا إلى محمد بن علي وأصحابه بالأسواق. فبلغ هشام بن عبد الملك خبر الشيخ ، فبعث إليه فحمله فلم يُدر ما صُنع به ).

ملاحظات على هذه الكرامة

1- لم يصلنا من خطبة الإمام الصادق عليه السلام إلا هذه الفقرة: (الحمد لله الذي بعث بالحق محمداً نبياً وأكرمنا به صلى الله عليه وآله  ، فنحن صفوة الله على خلقه وخيرته من عباده ، فالسعيد من اتبعنا والشقي من خالفنا ، ومن الناس من يقول إنه يتولانا وهو يتولى أعداءنا ومن يليهم من جلسائهم وأصحابهم ، فهو لم يسمع كلام ربنا ولم يعمل به ) ! لكنها فقرة بليغة تنص على أن ولاية أهل البيت عليهم السلام والبراءة من أعدائهم من صلب الإسلام، وأن ذمة المسلم لاتبرأ حتى يتولاهم ويتبرأ من كل من خالفهم !

ويشبه هذه الفقرة ما قاله الإمام الباقر عليه السلام لهشام الأحول في قصره بالشام ، وبما رواه في بصائر الدرجات/83 ، عن الإمام الباقر عليه السلام : (نحن جنب الله ونحن صفوته ونحن خيرته ، ونحن مستودع مواريث الأنبياء عليهم السلام ، ونحن أمناء الله ونحن حجة الله ، ونحن أركان الإيمان ونحن دعائم الإسلام ، ونحن من رحمة الله على خلقه ، ونحن الذين بنا يفتح الله وبنا يختم ، ونحن أئمة الهدى ونحن مصابيح الدجى ونحن منار الهدى ، ونحن السابقون ونحن الآخرون ، ونحن العلم المرفوع للخلق من تمسك بنا لحق ومن تخلف عنا غرق ، ونحن قادة الغر المحجلين ، ونحن خيرة الله ، ونحن الطريق وصراط الله المستقيم إلى الله ، ونحن من نعمة الله على خلقه ، ونحن المنهاج ، ونحن معدن النبوة ، ونحن موضع الرسالة ، ونحن الذين إلينا مختلف الملائكة ، ونحن السراج لمن استضاء بنا ، ونحن السبيل لمن اقتدى بنا ، ونحن الهداة إلى الجنة ، ونحن عز الإسلام ، ونحن الجسور القناطر من مضى عليها سبق و من تخلف عنها محق ، ونحن السنام الأعظم ، ونحن الذين بنا تنزل الرحمة وبنا تسقون الغيث ، ونحن الذين بنا يصرف عنكم العذاب ، فمن عرفنا ونصرنا وعرف حقنا وأخذ بأمرنا فهو منا والينا ).

رواه كمال الدين/206، وأمالي الطوسي/654، والهداية الكبرى ، عن جابر بن يزيد/239 .

ويشبهه ما رواه في عيون المعجزات/67، عن أبي بصير وكان ضريراً قال: قلت لأبي جعفر الباقر عليه السلام : أنتم ورثة رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال لي: نعم رسول الله وارث الأنبياء ونحن ورثته صلى الله عليه وآله وورثتهم عليهم السلام .

فقلت: تقدرون أن تحيوا الموتى وتبرئوا الأكمه والأبرص ؟

قال: نعم بإذن الله تعالى . ثم قال: أدن مني فدنوت منه فمسح على عيني فأبصرت السماء والأرض وكل شئ كان في الدار ، فقال عليه السلام : أتحب أن تكون هكذا ولك ما للناس وعليك ما عليهم ، أو تعود إلى حالك ولك الجنة خالصة؟ فقلت: الجنة أحب إليَّ ، فمسح يده على عيني فرجعت كما كانت . ثم قال عليه السلام : نحن جنب الله جل وعز ، نحن صفوة الله ، نحن خيرة الله ، نحن أمناء الله ، نحن مستودع مواريث الأنبياء ، نحن حجج الله ، نحن حبل الله المتين ، نحن صراط الله المستقيم قال الله تعالى:وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ. نحن رحمة على المؤمنين ، بنا فتح الله وبنا ختم الله ومن تمسك بنا نجا وتخلف عنا غوى ، نحن القادة الغر المحجلون ، ثم قال عليه السلام : فمن عرفنا وعرف حقنا وأخذ بأمرنا فهو منا والينا ).

وهو حديث طويل يصف فيه النبي نفسه وأهل بيته صلى الله عليه وآله . (تفسير فرات/258).

2- روت مصادرنا أجزاء أخرى من مناظرة الإمام عليه السلام مع نافع ، ومع الراهب النصراني ، كما في الكافي:8/122، وتفسير القمي:1/98 ، و:2/284، وغيرهما .

3- نلاحظ في كلام الإمام الباقر عليه السلام منطقاً عالياً ، واستدلالاً جديداً بآيات من القرآن ، على مدى علم الأئمة المعصومين عليهم السلام الرباني ومقامهم العظيم ! فقد استدل عليه السلام بآية إكمال الدين على أنه نزل معها كمال المعصوم، من علي الى آخر المعصومين الإثني عشر عليهم السلام وأن وجود الإنسان الكامل مكمل للدين !

واستدل عليه السلام بآية: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . على أن القرآن وتفسيره قسمان عام للناس ، وقسم خاص لأوصياء النبي صلى الله عليه وآله : (فالذي أبداه فهو للناس كافة ، والذي لم يحرك به لسانه أمر الله تعالى أن يخصنا به دون غيرنا ) !

واستدل من تعليم النبي صلى الله عليه وآله لعلي ألف باب من العلم على وراثتهم عليهم السلام لذلك. واستدل بقوله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَئٍ.. ومَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَئٍ.. وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأرض إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ.على أن ذلك العلم عند النبي والأئمة عليهم السلام .

واستدل بقول النبي صلى الله عليه وآله لأهله وأصحابه في وصيته: حرام أن تنظروا إلى عورتي غير أخي علي فهو مني وأنا منه. على مقام لعلي عليه السلام وأنه يختص بالنظر الى جثمانه ، والعورة هنا بمعنى الجثمان ، كما بينا في السيرة .

4- لهشام الأحول هدفان من إحضار الإمام عليه السلام : الأول: أن يرهبه ويذله ويجد حجة أو طريقاً الى قتله ، خوفاً من اتساع شعبيته ، كما قتل أباه زين العابدين صلى الله عليه وآله  !

والثاني: أن يتأكد من عقيدة الشيعة في أئمتهم عليهم السلام وأنهم أصحاب صفات مميزة عن الناس، وأن عندهم علوماً من النبي صلى الله عليه وآله ليست عند غيرهم، كما أعلن ذلك أولهم علي عليه السلام ! ويظهر ذلك من سؤاله للإمام عليه السلام : (إن علياً كان يدعي علم الغيب والله لم يطلع على غيبه أحداً فكيف ادعى ذلك ومن أين )؟

وقد أكد الإمام لهشام تميزهم عليه السلام بالعلم وبيَّنَ له بعض مصادر علمهم! فغضب هشام وتساءل: ما الفرق بيننا وبينكم، ألسنا وأنتم من قبيلة واحدة ونسب واحد! وهو نفس منطق قريش الجاهلي مع النبي صلى الله عليه وآله استعملوه مع عترته ، وما زال أتباعهم يستعملونه مع الأئمة من عترته عليهم السلام الى يومنا !

5- في تلك الفترة قام هشام الأحول بتغيير والي المدينة مرتين ، فولاها (خاله إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي ، فقدم المدينة يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من جمادى الآخرة سنة 106 ، فكانت ولاية النضري على المدينة سنة وثمانية أشهر). (الطبري:5/379) . ويبدو أن هشاماً لم يرتض لينه مع أهل البيت عليهم السلام ، فولى عليهم أموياً ناصبياً خبيثاً سئ السيرة بذئ اللسان !

قال في تاريخ دمشق(16/172): (استعمل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الملك على المدينة ، فكان يؤذي علي بن أبي طالب على المنبر ، فسمعته يوماً على منبر رسول الله (ص) وهو يقول: والله لقد استعمل رسول الله علياً ، وهو يعلم أنه كذا وكذا ، ولكن فاطمة كلمته فيه). وفي مناقب ابن حمزة/271: (وهو يعلم أنه خائن)!

وفي عمدة القاري(9/261) أن خالداً هذا كان خاملاً قبل ولايته على المدينة .

وفي تاريخ دمشق(16/170): (خالد هذا ليس بابن عبد الملك بن مروان وإنما هو ابن عبد الملك بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص.. المعروف بابن مطرة وولي لهشام بن عبد الملك المدينة سبع سنين فأقحطوا ، فكان يقال سنيات خالد ، وكان أهل البادية قد جلوا إلى الشام ) !

وفي التمهيد (19/35 ) أن عروة بن الزبيركان يشغل نفسه بالكلام عندما يسب أمير المدينة علياً عليه السلام في خطبة الجمعة ويقول: (إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا) !

وفي أعيان الشيعة (3/492): (كانت سكينة (بنت الحسين عليه السلام ) تجئ يوم الجمعة فتقوم بإزاء ابن مطير... إذا صعد المنبر فإذا شتم علياً شتمته هي وجواريها ، فكان يأمر الحرس يضربون جواريها).

وقد روت المصادر إدانة هذه السياسة . (الثاقب/271، وتاريخ دمشق:16/172).

6- لم يكتف (الخليفة) بما فعل واليه أمير المدينة ، فأمره أن يجبر المسلمين على سب علي عليه السلام على منبر النبي صلى الله عليه وآله ! فكانوا يتصدون للأمير عندما يسب علياً عليه السلام يوم الجمعة ، وهجاه كُثيِّر الشاعر بأبياته: لعن الله من يسبُّ علياً.. فانتشرت فحبسه فهاج الناس فأطلقه! ومعناه قوة الجو العام ضد بني أمية .

7- قول الصادق عليه السلام كما في دلائل الإمامة:(فمضى هشام ولم يتهيأ له في أبي من ذلك شئ) يعني أن والي المدينة قام بمحاولات عديدة فاشلة ، لم تصل الينا روايتها لكن وصلنا أنهم استطاعوا ذلك بعد ثمان سنوات أن يدسوا السم للإمام عليه السلام ! وتذكر بعض الروايات أنهم أهدوا اليه سرجاً مسموماً، أو دعوه للركوب على فرس سرجها مسموم . قال ابن حاتم في الدر النظيم/613: (وفي رواية: بطريق السرج الذي أعطاه (والي المدينة) زيد بن الحسن).

وقال عنها السيد الخوئي في معجمه(8/351): (الرواية مرسلة على أنها غير قابلة للتصديق ، فإن عبد الملك لم يبق إلى زمان وفاة الباقر عليه السلام جزماً ، فالرواية مفتعلة).

أقول: الظاهر أن في الرواية سقطاً وأنه ابن عبد الملك .

8- لم تذكر رواية الكافي الريح السوداء التي هبت على مدين عندما ناداهم الإمام الباقر عليه السلام بنداء شعيب عليه السلام ، وهذا لاينفي وقوعها ، فنصوص الحادثة متعددة لسعتها ، وقد تناولتها كل راوٍ من الزاوية التي اهتم بها .

9- نلاحظ من الحادثة ومن تغيير الخليفة لولاته على المدينة ، سقوط هيبة بني أمية عند المسلمين في عهد الإمام عليه السلام الباقر، ويدل عليه التشييع الحاشد لجنازة كثير رحمه الله الذي كان يجاهر بتشيعه ويهجو الأمويين ، وإعراضهم عن جنازة عكرمة عالم الخلافة الأموية حيث ماتا في يوم واحد سنة 105هجرية ! فاحتشد الناس اجتمعوا على جنازة كثيِّر وصلى عليه الإمام الباقر عليه السلام وشارك في رفع جنازته قال: (أفرجوا لي عن جنازة كثير لأرفعها ، فرفع جنازته وعرقه يجري) ! في حين تركوا جنازة عكرمة فلم يوجد من يحملها !(الدرجات الرفيعة/590 ، وتهذيب الكمال:20/290) .

وفي كلا الموقفين دلالة على قوة الموجة التي أوجدها الإمام الباقر عليه السلام في الحجاز في نقد بني أمية وتسقيط علماء البلاط ! وكان أهل الكوفة أكثر جرأة من أهل المدينة ، كما كانت تجري في خراسان والبصرة صراعات دموية بين الولاة ، أو بين الخليفة والولاة. وفي خزانة الأدب(5/221) قال كثير في احتضاره:

برئت إلى الإله من ابن أروى(يقصد عثمان) ومن دين الخوارج أجمعينـا
ومـن عمـر برئـت ، ومن عتيـق( يقصد أبا بكر) غــداة دعـي أمـير المـؤمنينـا).

وقد اضطر الذهبي لأن يعترف بإعراض المسلمين عن جنازة عكرمة ، فقال في سيره (5/33): (ماتركوا عكرمة مع علمه وشيعوا كثيِّراً ، إلا عن بلية كبيرة في نفوسهم له) ! والبلية إنما هي في نفس الذهبي وهي بغض أهل البيت عليهم السلام  !

10- لنا أن تقدر الوقع القوي لمواقف الإمام عليه السلام مع الخليفة عند جماهير المسلمين خاصة أهل المدينة والعراق ، وقد تفاعلت مواجهته عليه السلام حتى كانت ثورة أخيه زيد رحمه الله بعد شهادته بسبع سنين ، في حكم هشام سنة 122 ، وهلك هشام سنة 125 ، وسقطت دولة بني أمية بعد هلاكه بسبع سنين .

11- اتفق المؤرخون على أن مدين تقع قرب تبوك ، وهي التي كان فيها شعيب وجاء اليها موسى عليهم السلام . ويظهر أنها كانت في الطريق بين دمشق والمدينة ، أو في طريق البريد لأن هشاماً أمر بحملهم في البريد !

12- أهم كلام هشام: (ألسنا بني عبد مناف نسبنا ونسبكم واحد؟ فقال أبي: نحن كذلك ولكن الله جل ثناؤه اختصنا بمكنون سره وخالص علمه ، ما لم يختص أحداً غيرنا. فقال:أليس الله بعث محمداً من شجرة عبد مناف إلى الناس كافة أبيضها وأسودها وأحمرها ، فمن أين ورثتم ما ليس لغيركم ورسول الله مبعوث إلى الناس كافة؟ومن أين أورثتم هذا العلم وليس بعد محمد نبي وما أنتم أنبياء )!

وهذا لب الفكر القرشي الذي توصل اليه عباقرتهم، ليجمعوا بين الإعتراف بنبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وعزل عترته وبغضهم ! فالله تعالى بزعمهم لم يبعث النبي صلى الله عليه وآله من بني هاشم بل من شجرة عبد مناف التي يشترك فيها بنو أمية فهو من شجرتهم ، ثم هو للناس كافة ولايصح قول بني هاشم إن الله بعثه منا وبعثه الينا أولاً ، ثم الى الناس كافة . ثم قال القرشيون: إنهم في نسبتهم الى النبي صلى الله عليه وآله سواسية ، فلا يجوز لبني هاشم أن يدعوا علاقة خاصة به ، أو امتيازاً بسبب قربهم منه !

وقالوا: إن بني هاشم كاذبون في ادعائهم أنهم ورثوا من النبي صلى الله عليه وآله ما ليس لغيرهم بل هم كغيرهم لا أكثر ، وقرب معاوية من النبي صلى الله عليه وآله ووراثته منه كقرب علي منه ووراثته ، وقرب كافة الناس!

وبهذا التضليل والتزوير أخذوا الخلافة وساقوا الناس ، وأقنعوا كثيراً منهم !

لقد طمس القرشيون عشرات الآيات ومئات الأحاديث في مكانة بني هاشم وعترة النبي صلى الله عليه وآله ، وقفزوا عنها ليعزلوا بني هاشم ويسقطوهم !

فأين قوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى .

وقوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً .

وقوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا .

وقوله تعالى: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ .

وعشرات الآيات التي روى رواتهم أنها نزلت في أهل البيت عليهم السلام ؟

وأين قوله صلى الله عليه وآله :إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، فانظروني بمَ تخلفوني فيهما).(أحمد:3/17) .

وقوله صلى الله عليه وآله : من كنت مولاه فعلي مولاه .

وقوله صلى الله عليه وآله :فاطمة بضعة مني .. فاطمة سيدة نساء أهل الجنة .

وقوله صلى الله عليه وآله : الحسن والحسين سيد شباب أهل الجنة .

تصور الأمويون أنهم يستطيعون أن يلغوا كل ذلك بجرة قلم واحدة ، وتزوير كلام منمق يضللون به الناس !

الفصل الرابع

خطة الباقر عليه السلام الثلاثية لشق العلم النبوي ونشره

فَضحَ مصادر التضليل ، وربَّى علماء خاصين ، وعلماء عامين

وقد أنجز الإمام عليه السلام هذه المهمات الثلاث الكبرى بأحسن وجه في العشرين سنة التي عاشها بعد أبيه الإمام زين العابدين عليهما السلام .

ذلك أن سبب غياب العلم النبوي هو أئمة الضلال الذين نصبتهم الخلافة علماء ومفتين ، فنشروا في الناس آراءهم، وثقافة أهل الكتاب!

وسماهم الباقر عليه السلام الأخابث الصادين عن سبيل الله ! ورأى أن أكثرهم تأثيراً ابن عباس، وأنس خادم النبي صلى الله عليه وآله ، وكعب الأحبار وتلاميذه الذين نشر بهم ثقافة أهل الكتاب، وعكرمة البربري ، وقتادة بن دعامة، والحكم بن عتيبة..وقد فضحهم الإمام عليه السلام واحد واحداً ، وحذر منهم !

كما ربى الإمام عليه السلام علماء خاصين وزودهم بعشرات الألوف من أحاديث النبي وأرسلهم الى الحواضرالعلمية لينشروها . وسنذكر ترجمة عدد منهم .

أحيا الإمام علوم النبي صلى الله عليه وآله بعد اندثارها وتحريفها !

معنى بقرَ العلم: شقه ونشره، وأحياه وبعثه ، وجدده بعد اندثاره ، فكل ذلك تتضمنه كلمة الباقر . كما أنها تشمل كل علوم النبي صلى الله عليه وآله ، ولذلك لا تكاد تجد مسألة مما أوحي الى النبي صلى الله عليه وآله في التوحيد ، والنبوة ، والإمامة ، والمعاد ، والعدل والمحشر ، والحساب ، وفي سيرة الأنبياء عليهم السلام  ، أو في المسائل المهمة من شريعة النبي صلى الله عليه وآله ، إلا وجدت فيها الإمام الباقر عليه السلام مبيناً ومبلغاً .

1- فقد جدد علم التوحيد ، وعلَّم الأمة تنزيه الله تعالى ، وحصنها من التشبيه .

2- وأوضح مقام النبوة ورد التهم والشبهات حول شخصية النبي صلى الله عليه وآله ، وكشف تحريفات سنته وسيرته من قبل الحكومات ورواتها .

3- وبين عقيدة الإمامة وأصالتها في نسيج الإسلام ، وحدد الفئة الناجية ، وأرسى معالم عقائدها ، وعلم الأمة البراءة من مدعي الإمامة .

4- كما بين معالم الفقه الإسلامي وأرسى أصول الفقه ، في مواجهة الفقه الظني والكيفي ، الذي تبنته الحكومات وعلماؤها.

وبين أصول الحديث في مواجهة الإسرائيليات ومكذوبات رواة الخلافة .

5- كما فتح نافذة من الغيب النبوي ، وأخبر عن أحداث في المستقبل القريب والبعيد ، حتى يتحقق الوعد الإلهي بظهور المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، بعد ما ملئت ظلماً وجوراً عجل الله تعالى فرجه الشريف .

قال المفيد رحمه الله في الإرشاد(2/157): (كان الباقر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام من بين إخوته خليفة أبيه علي بن الحسين ووصيه والقائم بالإمامة من بعده عليهم السلام وبرز على جماعتهم بالفضل في العلم والزهد والسؤدد ، وكان أنبههم ذكراً وأجلهم في العامة والخاصة ، وأعظمهم قدراً ، ولم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين عليهم السلام من علم الدين والآثار والسنة وعلم القرآن والسيرة وفنون الآداب ما ظهرعن أبي جعفر عليه السلام وروى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين ورؤساء فقهاء المسلمين، وصار عَلَماً لأهله، تضرب به الأمثال وتسير بوصفه الآثار والأشعار، وفيه يقول القرظي:

يا باقر العلم لأهل التقى
وخير من لبَّى على الأجْبُلِ).

وقال السيد الأمين في أعيان الشيعة(1/99): (وجاء بعده ولده محمد الملقب بالباقر لقب بذلك لأنه بقر العلم وعرف أصله واستنبط فرعه وتوسع فيه... وعاصر من ملوك بني أمية خمسة أو ثمانية: الوليد وسليمان ويزيد وهشام أولاد عبد الملك بينهم عمر بن عبد العزيز ، وأخذ عنه عظماء المسلمين من الصحابة والتابعين والفقهاء والمصنفين والعلماء ، من جميع نحل الإسلام ، واقتدوا به واتبعوا أقواله ، واستفادوا من فقهه وحججه البينات ، في التوحيد والفقه والكلام ، وغيرها .

وفي المناقب:يقال لم يُظهر على أحد من ولد الحسن والحسين عليهما السلام من العلوم ما ظهر منه من التفسير والكلام والفتيا والأحكام والحلال والحرام ).

ربَّى الإمام الباقر عليه السلام عشرات العلماء نشروا علم النبوة

كانت خطة الإمام الباقر عليه السلام أن يربي علماء وينشرهم في البلاد . وقد جلس في مسجد جده رسول الله صلى الله عليه وآله نحو عشرين سنة وكان يزدحم عليه طلبة العلم فيبتدئ بإلقاء العلم عليهم ، ويسألونه عن الحديث والتفسير والعقائد فيجيبهم ، وكان جملة منهم يكتبون ما يلقي عليهم .

والى جانب ذلك كان بيته مفتوحاً للزائر والقاصد وطالب العلم ، وكان حاجبه المشهور أحد كبار تلاميذه: جابر بن يزيد الجعفي .

وقد اشتهرالباقر عليه السلام بعلومه فقصده الناس ، خاصة العلماء وطلبة العلم .

(قال ربيعة الرأي لأبي عبد الله الصادق عليه السلام : ما هؤلاء الإخوة الذين يأتونك من العراق ، ولم أر في أصحابك خيراً منهم ولا أهيأ . قال عليه السلام : أولئك أصحاب أبي ، يعني ولد أعين ). (تاريخ آل زرارة/6).

والأصحاب الخاصون أصحاب المهمات الخاصة ظاهرةٌ عامةٌ عند الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ، ومن أمثلتها لنبينا صلى الله عليه وآله أبو ذر ، وعمرو بن الحمق الخزاعي . ومن أمثلتها للإمامين الباقر والصادق عليهما السلام جابر بن يزيد الجعفي رحمه الله ، وأبان بن تغلب ، ومحمد بن مسلم ، وسليمان الأعمش ، وأحمد بن عقدة ، الذين رووا عنه عشرات المجلدات في الحديث والتفسير والعقائد.

كتبنا في السيرة النبوية عند أهل البيت عليهم السلام عنواناً: كنوزٌ من السيرة وعلوم الإسلام أحرقتها السلطة ! فقد حرصت الحكومات القرشية على إحراق كتب شيعة أهل البيت وإبادتها ، ومع ذلك سلمت من نارهم ثروة . ويكفيك مثالاً على سياستهم في إبادة العلم: كُتب أحمد بن عقدة ، وكُتب جابر بن يزيد الجعفي، وكُتب سليمان الأعمش ، وهم علماء موثقون عند الجميع! فقد أحرقوا كتبهم أو فقدها تلاميذهم في تشريدهم ! وقد زادت عن مئتي مجلداً !

قال مسلم في مقدمة صحيحه (1/15):«الجراح بن مليح:سمعت جابراً يقول: عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر (الباقر عليه السلام ) عن النبي(ص) كلها »!

وقد أحضر المنصور سليمان الأعمش ليلاً ليمنعه من رواية مناقب علي عليه السلام وقال له: «فأخبرني بالله وقرابتي من رسول الله كم رويت من حديث علي بن أبي طالب وكم من فضيلة من جميع الفقهاء؟قلت: شئ يسير يا أميرالمؤمنين! قال:كم؟ قلت: مقدار عشرة آلاف حديث ومايزداد)! (فضائل ابن المغازلي/226) .

ويبلغ حجم العشرة آلاف حديث التي يرويها سليمان الأعمش في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام أكثر من مجموع الكتب الستة !

وقال الشهيد نور الله التستري في الصوارم المهرقة/214: « إن أهل بغداد أجمعوا على أنه لم يظهر من زمان ابن مسعود إلى زمان ابن عقدة من يكون أبلغ منه في حفظ الحديث. وأيضاً قال الدارقطني: سمعت منه أنه قال: قد ضبطت ثلاث مائة ألف حديث من أحاديث أهل البيت وبني هاشم عليهم السلام ، وحفظت مائة ألف حديث بأسانيدها! ونقل الذهبي عن عبد الغني بن سعيد أنه قال: سمعت عن الدارقطني قال: إن ابن عقدة يعلم ما عند الناس ، ولا يعلم الناس ما عنده ! وقال الثلاثة: إن ابن عقدة كان يقعد في جامع براثا من الكوفة ، ويذكر مثالب الشيخين عند الناس ، فلهذا تركوا بعض أحاديثه ، وإلا فلا كلام في صدقه »!

وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ(3 /840): « قال الحاكم ابن البيِّع: سمعت أبا علي الحافظ يقول:مارأيت أحفظ لحديث الكوفيين من أبي العباس بن عقدة.

وعن ابن عقدة قال: أنا أجيب في ثلاث مائة ألف حديث من حديث أهل البيت وبني هاشم. حدث بهذا عنه الدارقطني. وقال أبو سعد الماليني: أراد ابن عقدة أن ينتقل فكانت كتبه ست مائة حملة » . أي حمل بغل أو بعير !

وذكر نحوه في وسائل الشيعة(20/131) ونقل قول الشيخ الطوسي فيه: « أمره في الثقة والجلالة والحفظ ، أشهر من أن يذكر » .

وفي مجلة تراثنا(21/180):«أفرد الذهبي رسالة عن حياته ، مذكورة في مؤلفاته في مقدمة سير أعلام النبلاء باسم: ترجمة ابن عقدة. ترجم له أعلام العامة بكل تجلة وتبجيل ووثقوه، وأثنوا على علمه وحفظه وخبرته وسعة اطلاعه ، وأرخوا ولادته ليلة النصف من المحرم سنة 249 ووفاته في 7 ذي القعدة 332 .

ومن المؤسف أن هذا الرجل العظيم لم يبق من مؤلفاته الكثيرة الكبيرة سوى وريقات توجد في دار الكتب الظاهرية بدمشق، ضمن المجموعة رقم 4581 ، باسم: جزء من حديث ابن عقدة من الورقة 9 - 15» !

ولا تجد حتى الترجمة التي كتبها الذهبي لابن عقدة !

ويتضح حجم جريمة الحكومات في تضييع علم العترة عليهم السلام إذا عرفت أن كل ألفي حديث تبلغ مجلداً تقريباً ، وأن صحيح بخاري ومسلم وبقية الكتب الستة مع حذف المكرر تبلغ: 9780 حديثاً ، وكل ما في الصحيحين: 2980 حديثاً .

فتكون أحاديث جابر بن يزيد الجعفي خمساً وثلاثين مجلداً !

أما أحاديث أحمد بن عقدة عن رسول الله صلى الله عليه وآله فتبلغ خمسين مجلداً عن النبي صلى الله عليه وآله ، وعن أهل البيت عليهم السلام وبني هاشم مئة وخمسين مجلداً !

ولم تكتفِ السلطة بمصادرة الكتب وإحراقها ، حتى أفتى علماؤها بأن كل من روى شيئاً فيه أي نقد لأبي بكر وعمر ، فحكمه أن يدفن حياً في بئر !

قال الذهبي في ميزان الإعتدال(2/75 )عن العلل لأحمد بن حنبل(3/8): « قال عبد الله بن أحمد: سألت ابن معين عنه فقال: رجل سوء يحدث بأحاديث سوء ! قلت: فقد قال لي: إنك كتبت عنه! فحول وجهه وحلف بالله إنه لا أتاه ولا كتب عنه . وقال: يستأهل أن يحفر له بئر فيلقى فيها » !

إن هؤلاء الحاقدين مجرمون من الدرجة الأولى ، خَسَّروا أجيال الأمة ثروة عظيمة بسبب روايات تنتقد بعض الصحابة ! ولو كانت عقولهم سليمة لرووها وردوها ! لكنها سياسة الحقد والتجهيل التي قال عنها الحاكم الأموي لابنه: «لا تُعَرِّف أهل الشام أموراً لا نريد أن يعرفوها» ! فهويحدد ما يسمح بمعرفته وما يجب أن يحرق !

أبان بن تغلب بن رباح الكندي

قال فيه الذهبي (ميزان الإعتدال(1/6): (أبان بن تغلب الكوفي شيعي جلد ، لكنه صدوق ، فلنا صدقه وعليه بدعته . وقد وثقه أحمد بن حنبل ، وابن معين ، وأبو حاتم ، وأورده ابن عدي، وقال: كان غالياً في التشيع.وقال السعدي: زائغ مجاهر. فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع وحد الثقة العدالة والإتقان؟ فكيف يكون عدلاً من هو صاحب بدعة؟

وجوابه:أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع ، أو كالتشيع بلا غلو ولاتحرف ، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق . فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية ، وهذه مفسدة بينة .

ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما والدعاء إلى ذلك ، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة .

وأيضاً فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأموناً بل الكذب شعارهم ، والتقية والنفاق دثارهم ، فكيف يقبل نقل من هذا حاله ! حاشا وكلا . فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب علياً رضي الله عنه وتعرض لسبهم . والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفر هؤلاء السادة ، ويتبرأ من الشيخين أيضاً فهذا ضال معثر . ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلاً ، بل قد يعتقد علياً أفضل منهما ) .

وقال السيد الخوئي في معجمه (1/131) ملخصاً: (مولى بني جرير بن عبادة بن بكر بن وائل: عظيم المنزلة في أصحابنا ، لقي علي بن الحسين ، وأبا جعفر ، وأبا عبد الله عليهم السلام وروى عنهم ، وكانت له عندهم منزلة وقدم .

وذكره البلاذري قال: روى أبان عن عطية العوفي ، قال له أبو جعفر عليه السلام : أجلس في مسجد المدينة وأفت الناس ، فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك .

وقال أبو عبد الله عليه السلام لما أتاه نعيه: أما والله لقد أوجع قلبي موت أبان . وكان قارئاً من وجوه القراء ، فقيهاً لغوياً سمع من العرب وحكى عنهم . وكان أبان مقدماً في كل فن من العلوم: في القرآن والفقه والحديث والأدب واللغة والنحو . وله كتب . منها: تفسير غريب القرآن، وكتاب الفضائل. وله كتاب صفين. وكان أبان إذا قدم المدينة تقوضت إليه الحلق ، وأخليت له سارية النبي صلى الله عليه وآله .

عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: كنا في مجلس أبان بن تغلب فجاءه شاب فقال: يا أبا سعيد أخبرني كم شهد مع علي بن أبي طالب عليه السلام من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ؟ قال فقال له أبان ، كأنك تريد أن تعرف فضل علي بمن تبعه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله قال: فقال الرجل: هو ذاك ، فقال: والله ما عرفنا فضلهم إلا باتباعهم إياه .

عن أبي عبد الله عليه السلام :إن أبان بن تغلب روى عني ثلاثين ألف حديث فاروها عنه. ثقة جليل القدر عظيم المنزلة في أصحابنا ، لقي أبا محمد علي بن الحسين وأبا جعفر، وأبا عبد الله عليهم السلام وروى عنهم وكانت له عندهم حظوة.

ولأبان كتاب الفضائل عن أبان بن تغلب ، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إني أقعد في المسجد فيجئ الناس فيسألوني فإن لم أجبهم لم يقبلوا مني، وأكره أن أجبهم بقولكم وما جاء منكم، فقال لي: أنظر ما علمت أنه من قولهم، فأخبرهم بذلك ).

وفي الفوائد الطوسية للحر العاملي/262: (ذكر علماء الرجال أن أبان بن تغلب روى عن الباقر عليه السلام ثلاثين ألف حديث). أي عن الصادق عن أبيه الباقر عليهما السلام .

ففي الكافي(1/51): (عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : الحديث أسمعه منك أرويه عن أبيك أو أسمعه من أبيك أرويه عنك ؟ قال: سواء إلا أنك ترويه عن أبي أحب إلي: وقال أبو عبد الله عليه السلام لجميل: ما سمعت مني فاروه عن أبي ).

وفي رجال ابن داود/29: (قال له أبو جعفر عليه السلام : أجلس في مسجد الكوفة وأفْتِ الناس ، إني أحبُّ أن يرى في شيعتي مثلك. وكان إذا دخل على أبي عبد الله ثنى له وسادة وصافحه ، وكان إذا قدم المدينة تقوضت إليه الحلق وأخليت له سارية النبي صلى الله عليه وآله . مات سنة إحدى وأربعين ومائة وترحم عليه أبو عبد الله عليه السلام وقال: لقد أوجع قلبي موت أبان ! وكان قد أخبره بموته ) .

من مرويات أبان بن تغلب بن رباح الكندي

في التعليم والتعلم

1- قال أبان بن تغلب: قال أبو عبدالله الصادق عليه السلام : (لوددت أن أصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا ). (الكافي:1/31).

في النهي عن القياس

2- قال أبان: قال الصادق عليه السلام :(إن السنة لا تقاس،ألا ترى أن امرأة تقضي صومها ولاتقضي صلاتها ! يا أبان إن السنة إذا قيست محق الدين) . (الكافي:1/37).

ذم الذين تسموا بالفقهاء زوراً  !

3- قال أبان: سئل الباقر عليه السلام عن مسألة فأجاب فيها: (قال فقال الرجل: إن الفقهاء لا يقولون هذا ، فقال: يا ويحك ! وهل رأيت فقيها قط! إن الفقيه حق الفقيه الزاهد في الدنيا ، الراغب في الآخرة ، المتمسك بسنة النبي صلى الله عليه وآله ).(الكافي:1/37).

ضرورة وجود الإمام

4- عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام : (الحجة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق) . (الكافي:1/177).

معجزة للنبي صلى الله عليه وآله بعد وفاته

5- عن أبان بن تغلب ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله الموت دخل عليه علي عليه السلام فأدخل رأسه ثم قال: يا علي إذا أنا مت فغسلني وكفني ثم أقعدني وسلني واكتب). (الكافي:1/297).

(عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام : كيف أنت إذا وقعت البطشة بين المسجدين ، فيأرز العلم كما تأرز الحية في جحرها ، واختلفت الشيعة وسمى بعضه بعضاً كذابين ، وتفل بعضهم في وجوه بعض ! قلت: جعلت فداك ما عند ذلك من خير ، فقال لي: الخير كله عند ذلك ، ثلاثاً ) .(الكافي:1/340).

وفي رواية أحاديث المهدي عليه السلام : الخير كله في ذلك الزمان ، يقوم قائمنا فيرفع ذلك كله.

في ولاية علي والعترة عليهم السلام

6- عن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من أراد أن يحيى حياتي ، ويموت ميتتي ويدخل جنة عدن التي غرسها الله ربي بيده ، فليتول علي بن أبي طالب وليتول وليه ، وليعاد عدوه ، وليسلم للأوصياء من بعده ، فإنهم عترتي من لحمي ودمي ، أعطاهم الله فهمي وعلمي ، إلى الله أشكو [ أمر ] أمتي ، المنكرين لفضلهم ، القاطعين فيهم صلتي ، وأيم الله ليقتُلُنَّ ابني ! لا أنالهم الله شفاعتي) . (الكافي:1/209).

في ولاية أهل البيت عليهم السلام

7- قال أبان: قلت للصادق عليه السلام : (جعلت فداك قوله: فلا اقتحم العقبة . فقال: من أكرمه الله بولايتنا فقد جاز العقبة ، ونحن تلك العقبة التي من اقتحمها نجا ، قال: فسكت فقال لي: فهلا أفيدك حرفاً خير لك من الدنيا وما فيها ؟ قلت: بلى جعلت فداك ، قال قوله: فك رقبة . ثم قال: الناس كلهم عبيد النار غيرك وأصحابك فإن الله فك رقابكم من النار بولايتنا أهل البيت ). (الكافي:1/430).

في مقام عبد المطلب رضي الله عنه

8- عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام : (لما أن وجه صاحب الحبشة بالخيل ومعهم الفيل ليهدم البيت ، مروا بإبل لعبد المطلب فساقوها ، فبلغ ذلك عبد المطلب فأتى صاحب الحبشة فدخل الاذن ، فقال: هذا عبد المطلب بن هاشم قال: وما يشاء ؟ قال الترجمان: جاء في إبل له ساقوها ، يسألك ردها فقال ملك الحبشة لأصحابه: هذا رئيس قوم وزعيمهم جئت إلى بيته الذي يعبده لأهدمه وهو يسألني إطلاق إبله ، أما لو سألني الامساك عن هدمه لفعلت ، ردوا عليه إبله ، فقال عبد المطلب لترجمانه: ما قال لك الملك ؟ فأخبره ، فقال عبد المطلب: أنا رب الإبل و لهذا البيت رب يمنعه ، فردت إليه إبله وانصرف عبد المطلب نحو منزله ، فمر بالفيل في منصرفه ، فقال للفيل: يا محمود فحرك الفيل رأسه ، فقال له: أتدري لم جاؤوا بك ؟ فقال الفيل برأسه: لا ، فقال عبد المطلب: جاؤوا بك لتهدم بيت ربك أفتراك فاعل ذلك ؟ فقال برأسه: لا ، فانصرف عبد المطلب إلى منزله فلما أصبحوا غدوا به لدخول الحرم فأبى وامتنع عليهم ، فقال عبد المطلب لبعض مواليه عند ذلك: اعل الجبل فانظر ترى شيئا ؟ ، فقال: أرى سوادا من قبل البحر ، فقال له: يصيبه بصرك أجمع ؟ فقال له: لا ولأوشك أن يصيب ، فلما أن قرب ، قال: هو طير كثير ولا أعرفه يحمل كل طير في منقاره حصاة مثل حصاة الخذف أو دون حصاة الخذف فقال عبد المطلب: ورب عبد المطلب ما تريد إلا القوم ، حتى لما صاروا فوق رؤوسهم أجمع ألقت الحصاة فوقعت كل حصاة على هامة رجل فخرجت من دبره فقتلته ، فما انفلت منهم إلا رجل واحد يخبر الناس ، فلما أن أخبرهم ألقت عليه حصاة فقتلته) . (الكافي:1/447).

رسالة النبي صلى الله عليه وآله الى الباقر عليه السلام

9- قال أبان بن تغلب: قال الصادق عليه السلام : (إن جابر بن عبد الله الأنصاري كان آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وكان رجلاً منقطعاً إلينا أهل البيت وكان يقعد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وهو معتجر بعمامة سوداء وكان ينادي يا باقر العلم ، يا باقر العلم ، فكان أهل المدينة يقولون: جابر يهجر ، فكان يقول: لا والله ما أهجر ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنك ستدرك رجلاً مني إسمه إسمي وشمائله شمائلي ، يبقر العلم بقراً. فذاك الذي دعاني إلى ما أقول ، قال: فبينا جابر يتردد ذات يوم في بعض طرق المدينة إذ مر بطريق في ذاك الطريق كُتَّاب فيه محمد بن علي فلما نظر إليه قال: يا غلام أقبل فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر ثم قال: شمائل رسول الله صلى الله عليه وآله والذي نفسي بيده ، يا غلام ما اسمك ؟ قال: اسمي محمد بن علي بن الحسين ، فأقبل عليه يقبل رأسه ويقول: بأبي أنت وأمي أبوك رسول الله صلى الله عليه وآله يقرؤك السلام ويقول ذلك ، قال: فرجع محمد بن علي بن الحسين إلى أبيه وهو ذعر فأخبره الخبر ، فقال له: يا بني وقد فعلها جابر ، قال نعم قال: الزم بيتك يا بني فكان جابر يأتيه طرفي النهار وكان أهل المدينة يقولون: واعجباه لجابر يأتي هذا الغلام طرفي النهار وهو آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يلبث أن مضى علي بن الحسين عليهما السلام فكان محمد بن علي يأتيه على وجه الكرامة لصحبته لرسول الله صلى الله عليه وآله قال: فجلس عليه السلام يحدثهم عن الله تبارك وتعالى فقال أهل المدينة: ما رأينا أحداً أجرأ من هذا ، فلما رأى ما يقولون حدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال أهل المدينة: ما رأينا أحداً قط أكذب من هذا ، يحدثنا عمن لم يره ، فلما رأى ما يقولون حدثهم عن جابر بن عبد الله ، قال فصدقوه ، وكان جابر بن عبد الله يأتيه فيتعلم منه )! (الكافي:1/496).

مقام المؤمن وفضل قضاء حاجته

10- عن أبان بن تغلب ، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (لما أسري بالنبي صلى الله عليه وآله قال: يا رب ما حال المؤمن عندك ؟ قال: يا محمد من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وأنا أسرع شئ إلى نصرة أوليائي وما ترددت عن شئ أنا فاعله كترددي عن وفاة المؤمن ، يكره الموت وأكره مساءته ، وإن من عبادي المؤمنين من لايصلحه إلا الغنى ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك ، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك وما يتقرب إلي عبد من عبادي بشئ أحب إلي مما افترضت عليه وإنه ليتقرب إلي بالنافلة حتى أحبه فإذا أحببته كنت إذا سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها ، إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته ). (الكافي:2/352).

عن أبان قال: (كنت أطوف مع أبي عبد الله عليه السلام فعرض لي رجل من أصحابنا كان سألني الذهاب معه في حاجة فأشار إلي فكرهت أن أدع أبا عبد الله عليه السلام وأذهب إليه فبينا أنا أطوف إذ أشار إلي أيضا فرآه أبو عبد الله عليه السلام فقال: يا أبان إياك يريد هذا ؟ قلت: نعم ، قال: فمن هو ؟ قلت: رجل من أصحابنا ، قال: هو على مثل ما أنت عليه؟ قلت: نعم ، قال: فاذهب إليه ، قلت: فأقطع الطواف ؟ قال: نعم ، قلت: وإن كان طواف الفريضة ؟ قال: نعم ، قال: فذهبت معه ، ثم دخلت عليه بعد فسألته ، فقلت: أخبرني عن حق المؤمن على المؤمن فقال: يا أبان دعه لا ترده ، قلت: بلى جعلت فداك فلم أزل أردد عليه ، فقال: يا أبان تقاسمه شطر مالك ، ثم نظر إلي فرأى ما دخلني ، فقال: يا أبان أما تعلم أن الله عزّ وجلّ قد ذكر المؤثرين على أنفسهم؟قلت: بلى جعلت فداك ، فقال: أما إذا أنت قاسمته فلم تؤثره بعد، إنما أنت وهو سواء إنما تؤثره إذا أنت أعطيته من النصف الآخر). (الكافي:2/171).

قال أبان: سمعت الصادق عليه السلام يقول: (من طاف بالبيت أسبوعاً كتب الله عزّ وجلّ له ستة آلاف حسنة ومحا عنه ستة آلاف سيئة ورفع له ستة آلاف درجة . قال: وزاد فيه إسحاق بن عمار، وقضى له ستة آلاف حاجة ، قال: ثم قال: و قضاء حاجة المؤمن أفضل من طواف وطواف حتى عد عشراً ). (الكافي:2/194).

عن أبان بن تغلب قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام لحسين الصحاف: يا حسين ما ظاهر الله على عبد النعم حتى ظاهر عليه مؤونة الناس ، فمن صبر لهم وقام بشأنهم زاده الله في نعمه عليه عندهم ومن لم يصبر لهم ولم يقم بشأنهم أزال الله عزّ وجلّ عنه تلك النعمة). (الكافي:4/37).

حق المؤمن على المؤمن

11- قال أبان: (سألت الصادق عليه السلام عن حق المؤمن على المؤمن، فقال: حق المؤمن على المؤمن أعظم من ذلك لو حدثتكم لكفرتم! إن المؤمن إذا خرج من قبره خرج معه مثال من قبره يقول له: أبشر بالكرامة من الله والسرور فيقول له: بشرك الله بخير، قال: ثم يمضي معه يبشره بمثل ما قال وإذا مر بهول قال: ليس هذا لك وإذا مر بخير قال هذا لك فلا يزال معه يؤمنه مما يخاف ويبشره بما يحب حتى يقف معه بين يدي الله عزّ وجلّ ، فإذا أمر به إلى الجنة قال له المثال: أبشر فإن الله عزّ وجلّ قد أمر بك إلى الجنة قال فيقول:من أنت رحمك الله تبشرني من حين خرجت من قبري وآنستني في طريقي وخبرتني عن ربي؟قال فيقول:أنا السرور الذي كنت تدخله على إخوانك في الدنيا خلقت منه لأبشرك وأونس وحشتك). (الكافي:2/191).

كفى بالندم توبة

12- عن أبان بن تغلب قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما من عبد أذنب ذنبا فندم عليه إلا غفر الله له قبل أن يستغفر وما من عبد أنعم الله عليه نعمة فعرف أنها من عند الله إلا غفر الله له قبل أن يحمده ). (الكافي:2/427).

يغفرالله الذنوب بأي سبب !

13- عن أبان بن تغلب قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام : إن المؤمن ليهول عليه في نومه فيغفر له ذنوبه وإنه ليمتهن في بدنه فيغفر له ذنوبه ). (الكافي:2/445).

روح الإيمان والوسواس الخناس

14- عن أبان بن تغلب ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ما من مؤمن إلا ولقلبه أذنان في جوفه: اذن ينفث فيها الوسواس الخناس، واذن ينفث فيها الملك ، فيؤيد الله المؤمن بالملك ، فذلك قوله: وأيدهم بروح منه ) . (الكافي:2/267).

روح القدس غير روح الإيمان

15- قال أبان بن تغلب: (الروح خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله يسدده ويوفقه وهو مع الأئمة من بعده ). (بصائر الدرجات/475).

الشهيد في المعركة لا يغسل

16- قال أبان: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (الذي يقتل في سبيل الله يدفن في ثيابه ولا يغسل إلا أن يدركه المسلمون وبه رمق ثم يموت بعد فإنه يغسل ويكفن ويحنط ، إن رسول الله صلى الله عليه وآله كفن حمزة في ثيابه ولم يغسله ولكنه صلى عليه ).(الكافي:2/212).

تجوز صلاة الليل في أول الليل

17- قال أبان بن تغلب: (خرجت مع أبي عبد الله عليه السلام فيما بين مكة والمدينة فكان يقول: أما أنتم فشباب تؤخرون وأما أنا فشيخ أعجل، فكان يصلي صلاة الليل أول الليل) . (الكافي:3/440).

معجزة للإمام زين العابدين في الكعبة

18- قال أبان: (لما هدم الحجاج الكعبة فرق الناس ترابها فلما صاروا إلى بنائها فأرادوا أن يبنوها خرجت عليهم حية فمنعت الناس البناء حتى هربوا فأتوا الحجاج فأخبروه فخاف أن يكون قد منع بناء ها فصعد المنبر ثم نشد الناس وقال: أنشد الله عبداً عنده مما ابتلينا به علم لما أخبرنا به ، قال: فقام إليه شيخ فقال: إن يكن عند أحد علم فعند رجل رأيته جاء إلى الكعبة فأخذ مقدارها ثم مضى فقال الحجاج: من هو؟قال: علي بن الحسين عليه السلام فقال: معدن ذلك فبعث إلى علي بن الحسين صلوات الله عليهما فأتاه فأخبره ما كان من منع الله إياه البناء ، فقال له علي بن الحسين: ياحجاج عمدت إلى بناء إبراهيم وإسماعيل فألقيته في الطريق وانتهبته كأنك ترى أنه تراث لك !إصعد المنبر وأنشد الناس أن لايبقى أحد منهم أخذ منه شيئاً إلا رده ، قال:ففعل فأنشد الناس فردوه فلما رأى جمع التراب أتى علي بن الحسين صلوات الله عليهما فوضع الأساس وأمرهم أن يحفروا قال: فتغيبت عنهم الحية وحفروا حتى انتهوا إلى موضع القواعد قال لهم علي بن الحسين عليه السلام : تنحوا فتنحوا فدنا منها فغطاها بثوبه ، ثم بكى ثم غطاها بالتراب بيد نفسه ، ثم دعا الفعلة فقال: ضعوا بناءكم فوضعوا البناء فلما ارتفعت حيطانها أمر بالتراب فقلب فألقى في جوفه فلذلك صار البيت مرتفعاً يصعد إليه بالدرج) . (الكافي:4/222).

نزل تزويج فاطمة عليها السلام من السماء

19- قال أبان: قال الباقر عليه السلام : (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنما أنا بشر مثلكم أتزوج فيكم وأزوجكم إلا فاطمة فإن تزويجها نزل من السماء ). (الكافي:5/568).

مقدار الجزء والشيئ

20- قال أبان: قال أبو جعفر عليه السلام : (الجزء واحد من عشرة لأن الجبال عشرة والطيور أربعة ). وقال أبان ، سئل علي بن الحسين عليه السلام عن رجل أوصى بشئ من ماله فقال: (الشئ في كتاب علي عليه السلام واحد من ستة ). (الكافي:7/40).

قصة الميت الذي أحياه عيسى عليه السلام

21- قال أبان:سئل الصادق عليه السلام : (هل كان عيسى ابن مريم أحيا أحداً بعد موته حتى كان له أكل ورزق ومدة وولد؟ فقال: نعم إنه كان له صديق مواخ له في الله تبارك وتعالى وكان عيسى عليه السلام يمر به وينزل عليه . وإن عيسى غاب عنه حيناً ثم مر به ليسلم عليه فخرجت إليه أمه فسألها عنه فقالت: مات يا رسول الله ، فقال: أفتحبين أن تريه؟ قالت: نعم ، فقال لها: فإذا كان غداً آتيك حتى أحييه لك بإذن الله تبارك وتعالى ، فلما كان من الغد أتاها فقال لها: انطلقي معي إلى قبره ، فانطلقا حتى أتيا قبره فوقف عليه عيسى عليه السلام ثم دعا الله عزّ وجلّ فانفرج القبر وخرج ابنها حياً ، فلما رأته أمه ورآها بكيا فرحمهما عيسى فقال له عيسى: أتحب أن تبقي مع أمك في الدنيا؟فقال: يانبي الله بأكل ورزق ومدة ، أم بغير أكل ولا رزق ولا مدة ؟ فقال له عيسى عليه السلام : بأكل ورزق ومدة ، وتعمر عشرين سنة ، وتتزوج ويولد لك ؟ قال: نعم إذا ، قال: فدفعه عيسى إلى أمه فعاش عشرين سنة ، وتزوج وولد له). (الكافي:8/337).

الأصحاب الخاصون للمهدي عليه السلام

22- قال أبان: (قال الصادق عليه السلام سيأتي مسجدكم هذا يعني مكة ثلاث مائة وثلاث عشر رجلاً يعلم أهل مكة أنه لم يلدهم آبائهم ولا أجدادهم(أي ليسوا مكيين) عليهم السيوف مكتوب على كل سيف كلمة تفتح ألف كلمة ، تُبعث الريح فتنادى بكل واد: هذا المهدي هذا المهدي.يقضي بقضاء آل داود لايسأل بينة ).(بصائر الدرجات/331).

محمد بن مسلم الثقفي

في رجال الطوسي(1 / 391):(قال هشام بن سالم:أقام محمد بن مسلم بالمدينة أربع سنين يدخل على أبي جعفر عليه السلام يسأله، ثم كان يدخل على جعفر بن محمد عليه السلام يسأله. قال ابن أحمد: فسمعت عبد الرحمن بن الحجاج وحماد بن عثمان يقولان: ما كان أحد من الشيعة أفقه من محمد بن مسلم . قال: سمعت من أبي جعفر عليه السلام ثلاثين ألف حديث ثم لقيت جعفراً ابنه فسمعت منه ستة عشر ألف حديث ) .

وفي رجال الطوسي(1 /383): (عن عبد الله بن أبي يعفور ، قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام إنه ليس كل ساعة ألقاك ولا يمكن القدوم ، ويجئ الرجال من أصحابنا فيسألني وليس عندي كلما يسألني عنه ، قال: فما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي ، فإنه قد سمع من أبي وكان عنده وجيهاً ).

وفي رجال الطوسي(1 / 388): (كان محمد بن مسلم من أهل الكوفة يدخل على أبي جعفر عليه السلام فقال أبو جعفر بشر المخبتين، وكان محمد بن مسلم رجلاً موسراً جليلاً فقال له أبو جعفر عليه السلام : تواضع. قال فأخذ قوصرة من تمر فوضعها على باب المسجد وجعل يبيع التمر، فجاء قومه فقالوا: فضحتنا ! فقال: أمرني مولاي بشئ فلا أبرح حتى أبيع هذا القوصرة . فقال له قومه: إذا أبيت إلا لتشتغل ببيع وشراء فاقعد في الطحانين ، فهيأ رحى وجملاً يطحن! وقيل: إنه كان من العُبَّاد في زمانه ).

مكانة محمد بن مسلم الثقفي عند لشيعة

قال الكشي (2/507): (أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام وانقادوا لهم بالفقه فقالوا: أفقه الأولين ستة: زرارة ، ومعروف بن خربوذ ، وبريد ، وأبو بصير الأسدي ، والفضيل بن يسار ، ومحمد بن مسلم الطائفي ، قالوا: وأفقه الستة زرارة . وقال بعضهم مكان أبي بصير الأسدي أبو بصير المرادي وهو ليث بن البختري ).

وقال الكشي(1/348): (عن سليمان بن خالد الأقطع قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما أجد أحداً أحيا ذكرنا وأحاديث أبي عليه السلام إلا زرارة وأبا بصير ليث المرادي ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي ، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا . هؤلاء حفاظ الدين وأمناء أبي عليه السلام على حلال الله وحرامه ، وهم السابقون إلينا في الدنيا ، والسابقون إلينا في الآخرة ).

وفي رواية(1/398): (بشر المخبتين بالجنة بريد بن معاوية العجلي ، وأبا بصير بن ليث البختري المرادي ، ومحمد بن مسلم ، وزرارة ، أربعة نجباء أمناء الله على حلاله وحرامه ، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست ).

أقول: كفى بهذا شهادة عظيمة بحق هؤلاء الكبار، ومنهم محمد بن مسلم . فهم من أركان علماء المذهب ، وحملة عقائده وفقهه الى الأجيال.

قال محمد بن مسلم (كامل الزيارات/462):(خرجت إلى المدينة وأنا وجع فقيل له: محمد بن مسلم وجع، فأرسل إليَّ أبو جعفر(الباقر) عليه السلام شراباً مع غلام مغطى بمنديل، فناولنيه الغلام وقال لي: إشربه فإنه قد أمرني أن لا أبرح حتى تشربه ، فتناولته فإذا رائحة المسك منه وإذا بشراب طيب الطعم بارد ، فلما شربته قال لي الغلام: يقول لك مولاي: إذا شربته فتعال ! ففكرت فيما قال لي وما أقدر على النهوض قبل ذلك على رجلي ، فلما استقر الشراب في جوفي فكأنما نشطت من عقال! فأتيت بابه فاستأذنت عليه فصوَّتَ بي: صحَّ الجسم أدخل، فدخلت عليه وأنا باكٍ فسلمت عليه وقبلت يده ورأسه فقال لي: وما يبكيك يا محمد! قلت: جعلت فداك أبكي على اغترابي وبعد الشقة ، وقلة القدرة على المقام عندك أنظر إليك . فقال لي: أما قلة القدرة فكذلك جعل الله أولياءنا وأهل مودتنا ، وجعل البلاء إليهم سريعاً . وأما ما ذكرت من الغربة فإن المؤمن في هذه الدنيا غريب وفي هذا الخلق المنكوس، حتى يخرج من هذه الدار إلى رحمة الله .

وأما ما ذكرت من بعد الشقة فلك بأبي عبد الله عليه السلام أسوة بأرض نائية عنا بالفرات . وأما ما ذكرت من حبك قربنا والنظر إلينا ، وأنك لا تقدر على ذلك ، فالله يعلم ما في قلبك وجزاؤك عليه .

ثم قال لي: هل تأتي قبر الحسين عليه السلام ؟ قلت: نعم على خوف ووجل ، فقال: ما كان في هذا أشد فالثواب فيه على قدر الخوف ، ومن خاف في إتيانه آمَنَ الله روعته يوم يقوم الناس لرب العالمين، وانصرف بالمغفرة وسلمت عليه الملائكة ورآه النبي صلى الله عليه وآله وما صنع ودعا له ، وانقلب بنعمة من الله وفضل لم يمسسه سوء ، واتبع رضوان الله .

ثم قال لي:كيف وجدت الشراب؟ فقلت:أشهد أنكم أهل بيت الرحمة وأنك وصي الأوصياء ، ولقد أتاني الغلام بما بعثته وما أقدر على أن أستقل على قدمي، ولقد كنت آيساً من نفسي ، فناولني الشراب فشربته ، فما وجدت مثل ريحه ولا أطيب من ذوقه ولا طعمه ولا أبرد منه ، فلما شربته قال لي الغلام: إنه أمرني أن أقول لك إذا شربته فأقبل إلي ، وقد علمت شدة ما بي فقلت: لأذهبن إليه ولو ذهبت نفسي. فأقبلت إليك فكأني نشطت من عقال فالحمد لله الذي جعلكم رحمة لشيعتكم . فقال:يا محمد إن الشراب الذي شربته فيه من طين قبر الحسين عليه السلام وهو أفضل ما استشفى به فلا نعدل به ، فإنا نسقيه صبياننا ونساءنا فنرى فيه كل خير . فقلت له: جعلت فداك إنا لنأخذ منه ونستشفي به .

فقال: يأخذه الرجل فيخرجه من الحائر وقد أظهره ، فلا يمر بأحد من الجن به عاهة ولا دابة ولا شئ به آفة إلا شمه فتذهب بركته فيصير بركته لغيره ، وهذا الذي نتعالج به ليس هكذا ، ولولا ما ذكرت لك ما يمسح به شئ ولا شرب منه شي إلا أفاق من ساعته . وما هو إلا كالحجر الأسود أتاه أصحاب العاهات والكفر والجاهلية ، وكان لا يتمسح به أحد إلا أفاق ، وكان كأبيض ياقوتة ، فاسودَّ حتى صار إلى ما رأيت !

فقلت: جعلت فداك وكيف أصنع به؟ فقال: أنت تصنع به مع إظهارك إياه ما يصنع غيرك ، تستخف به فتطرحه في خرجك وفي أشياء دنسة ، فيذهب ما فيه مما تريده له ! فقلت: صدقت جعلت فداك ! قال: ليس يأخذه أحد إلا وهو جاهل بأخذه ، ولا يكاد يسلم بالناس . فقلت: جعلت فداك وكيف لي أن آخذه كما تأخذه، فقال لي: أعطيك منه شيئاً، فقلت: نعم ، قال: إذا أخذته فكيف تصنع به؟ فقلت: أذهب به معي ، فقال: في أي شئ تجعله ، فقلت: في ثيابي . قال: فقد رجعت إلى ما كنت تصنع إشرب عندنا منه حاجتك ، ولاتحمله فإنه لايسلم لك فسقاني منه مرتين فما أعلم أني وجدت شيئاً مما كنت أجد حتى انصرفت) !

معنى أصحاب الإجماع

قال السيد الخوئي(1/57): (الأصل في دعوى أصحاب الإجماع هذه الكشي في رجاله فقد قال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام : أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر ، وأصحاب أبي عبد الله عليهما السلام انقادوا لهم بالفقه ، فقالوا أفقه الأولين ستة: زرارة ، ومعروف بن خربوذ ، وبريد ، وأبو بصير الأسدي ، والفضيل بن يسار ، ومحمد بن مسلم الطائفي . قالوا: وأفقه الستة ، زرارة . وقال بعضهم: مكان أبي بصير الأسدي أبو بصير المرادي ، وهو ليث بن البختري ) .

وقال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام :أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم بما يقولون ، وأقروا لهم بالفقه من دون أولئك الستة الذين عددناهم وسميناهم ، ستة نفر: جميل بن دراج ، وعبد الله بن مسكان ، وعبد الله بن بكير ، وحماد بن عثمان ، وحماد بن عيسى ، وأبان بن عثمان قالوا: وزعم أبو إسحاق الفقيه وهو ثعلبة بن ميمون أن أفقه هؤلاء جميل بن دراج وهم أحداث أصحاب أبي عبد الله عليه السلام .

وقال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم وأبي الحسن الرضا عليهم السلام : أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم وأقروا لهم بالفقه والعلم ، وهم ستة نفر آخر ، دون الستة نفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبد الله عليه السلام منهم: يونس بن عبد الرحمان ، وصفوان بن يحيى بياع السابري ، ومحمد بن أبي عمير ، وعبد الله بن المغيرة ، والحسن بن محبوب ، وأحمد بن محمد بن أبي نصر ، وقال بعضهم: مكان الحسن بن محبوب ، الحسن بن علي ابن فضال ، وفضالة بن أيوب . وقال بعضهم: مكان فضالة بن أيوب ، عثمان بن عيسى ، وأفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمان ، وصفوان بن يحيى .

وأما من تأخر عن الكشي فنقل عنه الإجماع ، أو ادعى الإجماع تبعاً له ، فقد ذكر السيد بحر العلوم1في منظومته الإجماع على تصحيح ما يصح عن المذكورين . ولكنه حكى في فوائده في ترجمة ابن أبي عمير دعوى الإجماع عن الكشي واعتمد على حكايته ، فحكم بصحة أصل زيد النرسي لأنه راويه ابن أبي عمير .

وكيف كان فمن الظاهر أن كلام الكشي لاينظر إلى الحكم بصحة ما رواه أحد المذكورين عن المعصومين عليهم السلام حتى إذا كانت الرواية مرسلة أو مروية عن ضعيف أو مجهول الحال ، وإنما ينظر إلى بيان جلالة هؤلاء ، وأن الإجماع قد انعقد على وثاقتهم وفقههم وتصديقهم في ما يروونه . ومعنى ذلك أنهم لا يُتهمون بالكذب في أخبارهم وروايتهم ، وأين هذا من دعوى الإجماع على الحكم بصحة جميع ما رووه عن المعصومين عليهم السلام وإن كانت الواسطة مجهولاً أو ضعيفاً !

قال أبو علي في المقدمة الخامسة من رجاله عند تعرضه للإجماع المدعى على تصحيح ما يصح عن جماعة: وادعى السيد الأستاذ دام ظله ، السيد علي صاحب الرياض ، أنه لم يعثر في الكتب الفقهية من أول كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الديات على عمل فقيه من فقهائنا بخبر ضعيف ، محتجاً بأن في سنده أحد الجماعة وهو إليه صحيح  .

أقول: لابد أن السيد صاحب الرياض أراد بذلك أنه لم يعثر على ذلك في كلمات من تقدم على العلامة1وإلا فهو موجود في كلمات جملة من المتأخرين كالشهيد الثاني والعلامة المجلسي والشيخ البهائي . ويبعد أن يخفى ذلك عليه .

ثم إن التصحيح المنسوب إلى الأصحاب في كلمات جماعة منهم صاحب الوسائل على ما عرفت نسبه المحقق الكاشاني في أوائل كتابه الوافي إلى المتأخرين ، وهو ظاهر في أنه أيضاً لم يعثر على ذلك في كلمات المتقدمين .

قال في المقدمة الثانية من كتابه بعد ما حكى الإجماع على التصحيح من الكشي: وقد فهم جماعة من المتأخرين من قوله أجمعت العصابة أو الأصحاب على تصحيح ما يصح عن هؤلاء الحكم بصحة الحديث المنقول عنهم ونسبته إلى أهل

البيت عليهم السلام بمجرد صحته عنهم ، من دور إعتبار العدالة في من يروون عنه ، حتى لو رووا عن معروف بالفسق ، أو بالوضع فضلاً عما لو أرسلوا الحديث كان ما نقوله صحيحاً محكوماً على نسبته إلى أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم .

وأنت خبير بأن هذه العبارة ليست صريحة في ذلك ولا ظاهرة فيه ، فإن ما يصح عنهم إنما هو الرواية لا المروي . بل كما يحتمل ذلك يحتمل كونها كناية عن الإجماع على عدالتهم وصدقهم ، بخلاف غيرهم ممن لم بنقل الإجماع على عدالته ) .

ثم قال السيد الخوئي: ثم إنا لو تنزلنا عن ذلك وفرضنا أن عبارة الكشي صريحة في ما نسب إلى جماعة واختاره صاحب الوسائل ، فغاية ذلك دعوى الإجماع على حجية رواية هؤلاء عن المعصومين عليهم السلام تعبداً ، وإن كانت الواسطة بينهم وبين المعصوم ضعيفاً أو مجهول الحال ، فترجع هذه الدعوى إلى دعوى الإجماع على حكم شرعي . وقد بينا في المباحث الأصولية: أن الإجماع المنقول بخبر الواحد ليس بحجة ، وأدلة حجية خبر الواحد لا تشمل الأخبار الحدسية .

بقي هنا شئ وهو أنه قد يقال: إن دعوى الإجماع على تصحيح مايصح عن الجماعة المذكورين لاترجع إلى دعوى حجية روايتهم تعبداً ، كما ذهب إليه صاحب الوسائل، وإنما ترجع إلى دعوى أن هؤلاء لا يروون إلا عن ثقة .

وعليه فيعتمد على مراسيلهم وعلى مسانيدهم وإن كانت الوسائط مجهولة أو مهملة.ولكن هذا القول فاسد جزماً فإنه لايحتمل إرادة ذلك من كلام الكشي ولو سلم أنه أراد ذلك فهذه الدعوى فاسدة بلا شبهة ، فإن أصحاب الإجماع رووا عن الضعفاء في عدة موارد ).

أقول: ما أفاده السيد الخوئي1متين لا غبار عليه .

كان محمد بن مسلم يبتعد عن الأضواء !

روى الكشي(1/385): ( عن محمد بن مسلم قال: إني ذات ليلة لنائم على السطح إذ طرق الباب طارق فقلت: من هذا ؟ فقال: أشرف رحمك الله ، فأشرفت فإذا امرأة فقالت: لي ابنة عروس يضربها الطلق فما زالت تطلق حتى ماتت والولد يتحرك في بطنها ويذهب ويجيئ فما أصنع؟ فقلت: لها يا أمة الله سئل محمد بن علي بن الحسين الباقر عليهم السلام عن مثل هذا فقال: يشق بطن الميت ويستخرج الولد ، يا أمة الله إفعلي مثل ذلك. يا أمة الله ، إني رجل في ستر .مَن وجهك إليَّ؟ قالت لي: رحمك الله جئت إلى أبي حنيفة صاحب الرأي فقال لي: ما عندي فيها شئ ولكن عليك بمحمد بن مسلم الثقفي فإنه يخبرك. فما أفتاك به من شئ فعودي إلي فأعلمينه ، فقلت لها: إمضي بسلام ، فلما كان الغد خرجت إلى المسجد فإذا أبو حنيفة يسأل أصحابه عنها فتنحنحت فقال: اللهم غفراً دعنا نعيش ).

أقول: هذه الرواية تدل على أن محمد بن مسلم كان يتعمد الإبتعاد عن الأضواء ، ولا يطرح نفسه كفقيه ، ليسلم من بطش السلطة ويعمل بحرية .

كما تدل على أن أبا حنيفة كان يعرفه جيداً ويرجع اليه في المعضلات . لكنه كان يخشى أن يحسب شيعياً مثل محمد بن مسلم ، فعندما رآه بعد أن أرسل اليه المرأة ، وتنحنح ليكلمه ويبحثان في المسألة قال له: دعنا نعيش.أي دعني بعيداً عنك ولا تعرضني لخطر ، فتركه.

من مرويات محمد بن مسلم الثقفي

سورة التوحيد نسبة الله تعالى

1- قال الصادق عليه السلام : (إن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: إنسب لنا ربك ، فلبث ثلاثاً لا يجيبهم ، ثم نزل: قل هو الله أحد.. إلى آخرها ). (الكافي:1/91).

لا تفكروا في ذات الله وفكر في عظمة مخلوقاته

2- قال محمد بن مسلم ، قال الباقر عليه السلام قال: (إياكم والتفكر في الله ، ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته فانظروا إلى عظيم خلقه ) . (الكافي:1/93).

علم الله بالأشياء قبل كونها كعلمه بها بعد كونها

3- قال محمد بن مسلم: سمعت الباقر عليه السلام يقول: (كان الله عزّ وجلّ ولا شئ غيره ولم يزل عالماً بما يكون ، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه ). (الكافي:1/107).

الله أحديُ المعنى لا تعدد فيه !

4- قال محمد بن مسلم ، قال الباقر عليه السلام في صفة القديم: (إنه واحد صمد أحديُّ المعنى ، ليس بمعاني كثيرة مختلفة ، قال قلت: جعلت فداك يزعم قوم من أهل العراق أنه يسمع بغيرالذي يبصر ويبصر بغير الذي يسمع ، قال فقال: كذبوا وألحدوا وشبهوا ، تعالى الله عن ذلك ، إنه سميع بصير يسمع بما يبصر ويبصر بما يسمع ، قال قلت: يزعمون أنه بصير على ما يعقلونه ، قال فقال: تعالى الله إنما يُعقل ما كان بصفة المخلوق ، وليس الله كذلك ). (الكافي:1/108).

خلق الله آدم على صورة آدم لا صورة الله تعالى !

5- قال محمد بن مسلم: سألت أبا جعفر عليه السلام عما يروون أن الله خلق آدم على صورته ، فقال (هي: صورة محدثة مخلوقة واصطفاها الله واختارها على سائر الصور المختلفة فأضافها إلى نفسه ، كما أضاف الكعبة إلى نفسه ، والروح إلى نفسه فقال: بيتي ، ونفخت فيه من روحي ). (الكافي:1/134).

يأخذ الله الميثاق على الأنبياء والرسل عليهم السلام  !

6- قال الصادق عليه السلام : ( ما بعث الله نبياً حتى يأخذ عليه ثلاث خصال: الإقرار له بالعبودية ، وخلع الأنداد ، وأن الله يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء). (الكافي:1/147).

لا يفعل الله الشر لكن سمح للناس يفعله !

7- قال محمد بن مسلم(الكافي:1/154): سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: ( إن في بعض ما أنزل الله من كتبه أني أنا الله لا إله إلا أنا ، خلقت الخير وخلقت الشر ، فطوبى لمن أجريت على يديه الخير وويل لمن أجريت على يديه الشر ، وويل لمن يقول: كيف ذا وكيف ذا ). أي ويل لمن يرى أنه أفهم وأنه أعلم من الله تعالى!

الوسوسة في الخلق قد تكون إيماناً !

8- قال الصادق عليه السلام : (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله هلكت! فقال له: أتاك الخبيث فقال لك: من خلقك؟ فقلت: الله ، فقال لك: الله من خلقه؟فقال: إي والذي بعثك بالحق لكان كذا ! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ذاك والله محض الإيمان ! قال ابن أبي عمير: فحدثت بذلك عبد الرحمن بن الحجاج فقال: حدثني أبي عن أبي عبد الله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله إنما عنى بقوله هذا والله محض الإيمان خوفه أن يكون قد هلك حيث عرض له ذلك في قلبه ). (الكافي:1/425).

أوضاع الكفين في الدعاء !

9- قال محمد بن مسلم: (قلنا للصادق عليه السلام :كيف المسألة إلى الله تبارك وتعالى؟ قال: تبسط كفيك. قلنا: كيف الإستعاذة؟ قال: تفضي بكفيك. والتبتل الإيماء بالإصبع. والتضرع تحريك الإصبع.والإبتهال أن تمد يديك جميعاً). (الكافي:2/481). ومعنى تفضي بكفيك: تجعل ظهرهما الى السماء .وفي رواية عن أبي بصير(الكافي:2/480): (سألت الصادق عليه السلام عن الدعاء ورفع اليدين فقال: على أربعة أوجه: أما التعوذ فتستقبل القلبة بباطن كفيك . وأما الدعاء في الرزق فتبسط كفيك وتفضي بباطنهما إلى السماء . وأما التبتل فإيماء بإصبعك السبابة . وأما الإبتهال فرفع يديك تجاوز بهما رأسك . ودعاء التضرع أن تحرك أصبعك السبابة مما يلي وجهك ، وهو دعاء الخيفة ).

التسبيح مفتوح إلا تسبيح الزهراء ودعاء الفجر !

10- قال محمد بن مسلم:سألت أبا جعفر عليه السلام عن التسبيح فقال: (ما علمت شيئاً موظفاً غير تسبيح فاطمة عليها السلام ، وعشر مرات بعد الفجر تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو على كل شئ قدير . ويسبح ما شاء تطوعاً ). (الكافي:2/533).

القرآن واحد من عند الواحد بلفظ واحد !

11- قال محمد بن مسلم ، قال زرارة ، قال الباقر عليه السلام قال: (إن القرآن واحد ، نزل من عند واحد ، ولكن الإختلاف يجيئ من قبل الرواة ) .(الكافي:2/630).

سؤال القبر لا يشمل كل الناس

12- قال محمد بن مسلم: قال أبو عبد الله عليه السلام : (لايسأل في القبر إلا من مُحض الإيمان محضاً ، أو مُحض الكفر محضاً ). (منتقى الجمان:1/302 ).

العقل أحب المخلوقات الى الله تعالى

13- قال محمد بن مسلم: قال الباقر عليه السلام : (لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر . ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك ، ولا أكملتك إلا فيمن أحب ، أما إني إياك آمر ، وإياك أنهى ، وإياك أعاقب وإياك أثيب ). (الكافي:1/10).

الحث على التعلم والتعليم

14- قال محمد بن مسلم: قال الباقر عليه السلام : (إن الذي يعلم العلم منكم له أجر مثل أجر المتعلم وله الفضل عليه ، فتعلموا العلم من حملة العلم ، وعلموه إخوانكم ، كما علمكموه العلماء). (الكافي:1/34-51).

قال لي أبو عبد الله عليه السلام : (أغدُ عالماً ، أو متعلماً ، أو أحب أهل العلم ، ولا تكن رابعاً فتهلك ببغضهم .

وقال عليه السلام : للعالم إذا سئل عن شئ وهو لا يعلمه أن يقول: الله أعلم ، وليس لغير العالم أن يقول ذلك . ولا يقل: الله أعلم ، فيوقع في قلب صاحبه شكاً.

و إذا قال المسؤول:لا أدري فلا يتهمه السائل .

وقال لحمران بن أعين في شئ سأله: إنما يهلك الناس لأنهم لا يسألون .

وقال محمد بن مسلم: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : (أسمع الحديث منك فأزيد وأنقص؟ قال: إن كنت تريد معانيه فلا بأس ).

بداية انحراف الأمم خلط الحق بالباطل !

15- قال محمد بن مسلم:قال الباقر عليه السلام : (خطب أمير المؤمنين عليه السلام الناس فقال: أيها الناس إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع ، وأحكام تبتدع ، يخالف فيها كتاب الله ، يتولى فيها رجال رجالاً ، فلو أن الباطل خلص لم يخف على ذي حجى ، ولو أن الحق خلص لم يكن اختلاف ، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث ، فيمزجان فيجيئان معاً ، فهنالك استحوذ الشيطان على أوليائه ، ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى ). (الكافي:1/54).

أهل الذكر هم أهل البيت عليهم السلام

16- قلت للباقر عليه السلام : (إن من عندنا يزعمون أن قول الله عزّ وجلّ : فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ،أنهم اليهود والنصارى، قال: إذاً يدعونكم إلى دينهم!وقال بيده إلى صدره: نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون). (الكافي:1/211).

المحدثون بفتح الدال الذين تحدثهم الملائكة ؟

17- قال محمد بن مسلم: ذكر المحدث عند أبي عبد الله عليه السلام فقال: (إنه يسمع الصوت ولا يرى الشخص ، فقلت له: جعلت فداك كيف يعلم أنه كلام الملك؟ قال: إنه يعطي السكينة والوقار ، حتى يعلم أنه كلام ملك ). (الكافي:1/211).

من أحاديث الإمام المهدي عليه السلام

18- قال محمد بن مسلم: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إن بلغكم عن صاحب هذا الامر غيبة فلا تنكروها ). (الكافي:1/338).

منعت عائشة الإمام الحسن أن يدفن عند جده صلى الله عليه وآله

19- قال محمد بن مسلم: سمعت الباقر عليه السلام يقول: (لما حضر الحسن بن علي الوفاة قال للحسين عليهما السلام :يا أخي إني أوصيك بوصية فاحفظها ، إذا أنا مت فهيئني ثم وجهني إلى رسول الله صلى الله عليه وآله لأحدث به عهداً، ثم اصرفني إلى أمي عليها السلام ثم ردني فادفني بالبقيع. واعلم أنه سيصيبني من عائشة ما يعلم الله والناس صنيعها وعداوتها لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وعداوتها لنا أهل البيت .

فلما قبض الحسن عليه السلام وضع على السرير ثم انطلقوا به إلى مصلى رسول الله صلى الله عليه وآله الذي كان يصلي فيه على الجنائز فصلى عليه الحسين عليه السلام وحمل وأدخل إلى المسجد فلما أوقف على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله ذهب ذو العوينين (مروان أو الجاسوس) إلى عائشة فقال لها: إنهم قد أقبلوا بالحسن ليدفنوه مع النبي صلى الله عليه وآله فخرجت مبادرة على بغل بسرج فكانت أول امرأة ركبت في الاسلام سرجاً فقالت: نَحُّوا ابنكم عن بيتي ، فإنه لايدفن في بيتي ويهتك على رسول الله حجابه ! فقال لها الحسين عليه السلام : قديماً هتكت أنت وأبوك حجاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأدخلت عليه ببيته من لا يحب قربه وإن الله سائلك عن ذلك يا عائشة ). (الكافي:1/300).

من تعاليم زين العابدين لولده الباقر عليهما السلام

20- قال محمد بن مسلم: قال الباقر عليه السلام قال: (إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً.. لايدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الكبر، قال: فاسترجعت فقال: مالك تسترجع؟ قلت: لما سمعت منك ، فقال: ليس حيث تذهب ، إنما أعني الجحود ، إنما هو الجحود ). (الكافي:2/99).

قال الإمام الباقر عليه السلام : (قال لي علي بن الحسين صلوات الله عليهما: يا بني أنظر خمسة فلا تصاحبهم ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق . فقلت: يا أبه من هم؟ قال: إياك ومصاحبة الكذاب فإنه بمنزلة السراب يقرب لك البعيد ويباعد لك القريب . وإياك ومصاحبة الفاسق فإنه بائعك بأكلة أو أقل من ذلك . وإياك ومصاحبة البخيل فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه . وإياك ومصاحبة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك .

وإياك ومصاحبة القاطع لرحمه فإني وجدته ملعوناً في كتاب الله عزّ وجلّ في ثلاث مواضع: قال الله عزّ وجلّ : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ . أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ الله فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ . وقال: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ الله مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ.وقال في البقرة: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ الله مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) . (الكافي:2/376).

وقال الصادق عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله :لاتطلبوا عثرات المؤمنين فإن من تتبع عثرات أخيه تتبع الله عثراته ومن تتبع الله عثراته يفضحه ولو في جوف بيته ). (الكافي:2/355).

وقال الصادق عليه السلام : أبعد ما يكون العبد من الله عزّ وجلّ إذا لم يهمه إلا بطنه وفرجه). (الكافي:2/319).

قال الصادق عليه السلام :ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم و لهم عذاب أليم:الشيخ الزاني والديوث والمرأة تؤطى فراش زوجها ). (الكافي:5/537).

البر بالوالدين بعد وفاتهما

21- قال الباقر عليه السلام (الكافي:2/163): (إن العبد ليكون براً بوالديه في حياتهما ثم يموتان فلا يقضي عنهما ديونهما ولا يستغفر لهما فيكتبه الله عاقاً ، وإنه ليكون عاقاً لهما في حياتهما غير بار بهما فإذا ماتا قضى دينهما واستغفر لهما فيكتبه الله عزّ وجلّ باراً ) .

ليس في صلاة الميت قراءة وركوع

22- قال محمد بن مسلم:قال الباقر عليه السلام : (ليس في الصلاة على الميت قراءة ولا دعاء موقت تدعو بما بدا لك وأحق الموتى أن يدعى له المؤمن وأن يبدأ بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله ).(الكافي:3/185 ) .

لا يجب على المصلي منع المرور من أمامه

23- قال محمد بن مسلم: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله عليه السلام فقال له: (رأيت ابنك موسى يصلي والناس يمرون بين يديه فلا ينهاهم وفيه ما فيه ! فقال أبو عبد الله عليه السلام : أدعوا لي موسى فدعي فقال له: يا بني أن أبا حنيفة يذكر أنك كنت تصلي والناس يمرون بين يديك فلم تنههم! فقال: نعم يا أبة إن الذي كنت أصلي له كان أقرب إلي منهم يقول الله عزّ وجلّ : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ . قال: فضمه أبو عبد الله عليه السلام إلى نفسه ثم قال: بأبي أنت وأمي يا مودع الأسرار). (الكافي:3/297 ) .

قاعدة الشك بعد الفراغ

24- قال محمد بن مسلم: قال الباقر عليه السلام : (كلما شككت فيه بعدما تفرغ من صلاتك فامض ولا تعد ). (تهذيب الأحكام:2/352).

من يجب عليك نفقته

25- قال محمد بن مسلم: قلت للصادق عليه السلام : (من يلزم الرجل من قرابته ممن ينفق عليه ؟ قال: الوالدان ، والولد ، والزوجة ). (الكافي:4/13).

وقال محمد بن مسلم:سألت الباقر عليه السلام عن الرجل يحتاج إلى مال ابنه قال: (يأكل منه ما شاء من غير سرف . وقال: في كتاب علي عليه السلام : إن الولد لا يأخذ من مال والده شيئاً إلا بإذنه ، والوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء ، وله أن يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الإبن وقع عليها . وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لرجل: أنت ومالك لأبيك ). (الكافي:5/135).

أين أراد إبراهيم ذبح إسماعيل عليهما السلام

26- سألت أبا جعفر عليه السلام : (أين أراد إبراهيم عليه السلام أن يذبح ابنه؟ قال: على الجمرة الوسطى . وسألته عن كبش إبراهيم عليه السلام ما كان لونه وأين نزل ؟ فقال: أملح وكان أقرن ونزل من السماء على الجبل الأيمن من مسجد منى ، وكان يمشي سواد ، ويأكل في سواد ، وينظر ويبعر ويبول في سواد) . (الكافي:4/209).

الحث على تكثير الأولاد

27- قال محمد بن مسلم: قال الصادق عليه السلام (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أكثروا الولد أكاثر بكم الأمم غداً ). (الكافي:6/2). وقال محمد بن مسلم: قال الصادق عليه السلام : (من أراد أن يُحبل له فليصل ركعتين بعد الجمعة يطيل فيهما الركوع والسجود ، ثم يقول: اللهم إني أسألك بما سألك به زكريا . يا رب لا تذرني فرداً و أنت خير الوارثين ، اللهم هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ، اللهم باسمك استحللتها ، وفي أمانتك أخذتها ، فإن قضيت في رحمها ولداً فاجعله غلاماً مباركاً زكياً، ولا تجعل للشيطان فيه شركاً ولا نصيباً ). (الكافي:6/8).

تشديد الشريعة في شروط الطلاق

28- قال محمد بن مسلم: قال الباقر عليه السلام : (قال: لا طلاق ولا خلع ولا مبارأة ولا خيار، إلا على طهر من غير جماع ). (الكافي:6/143).

تحريم السمك الذي ليس له قشر

29- قال محمد بن مسلم: (أقرأني أبو جعفر عليه السلام شيئاً من كتاب علي عليه السلام فإذا فيه: أنهاكم عن الجري والزمير و المارماهي والطافي والطحال . قال: قلت: يا ابن رسول الله يرحمك الله إنا نؤتى بالسمك ليس له قشر ؟ فقال: كل ماله قشر من السمك ، وما ليس له قشر فلا تأكله ). (الكافي:6/219).

تحريم البيض الذي تساوى طرفاه

30- عن محمد بن مسلم ، عن أحدهما عليهما السلام قال: (إذا دخلت أجمة فوجدت بيضاً فلا تأكل منه إلا ما اختلف طرفاه ). (الكافي:6/249).

ما يحل من الميتة

31- قال الصادق عليه السلام لزرارة ومحمد بن مسلم: (اللبن واللباء والبيضة والشعر والصوف والقرن والناب والحافر وكل شئ يفصل من الشاة والدابة فهو ذكي وإن أخذته منها بعد أن تموت فاغسله وصل فيه ). (الكافي:6/258).

ضرر ترك العشاء

32- قال محمد بن مسلم: قال الصادق عليه السلام قال: (قال أميرالمؤمنين عليه السلام :عشاء الأنبياء بعد العتمة فلا تدعوه فإن ترك العشاء خراب البدن). (الكافي:6/258).

كتاب علي عليه السلام في المواريث

33- قال محمد بن مسلم (الكافي:7/93): (أقرأني أبو جعفر عليه السلام صحيفة كتاب الفرائض التي هي إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام بيده فوجدت فيها: رجل ترك ابنته وأمه: للإبنة النصف ثلاثة أسهم ، وللأم السدس سهم ، يقسم المال على أربعة أسهم فما أصاب ثلاثة أسهم فللابنة ، وما أصاب سهماً فهو للام .

قال: وقرأت فيها: رجل ترك ابنته وأباه فللإبنة النصف ثلاثة أسهم وللأب السدس سهم ، يقسم المال على أربعة أسهم فما أصاب ثلاثة أسهم فللابنة ، وما أصاب سهماً فللام . قال محمد: ووجدت فيها:رجل ترك أبويه وابنته ، فللابنة النصف ثلاثة أسهم وللأبوين لكل واحد منهما السدس، لكل واحد منهما سهم. يقسم المال على خمسة أسهم فما أصاب ثلاثة فللابنة وماأصاب سهمين فللأبوين)

تعبير رؤيا محمد بن مسلم

34- عن محمد بن مسلم قال: (دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وعنده أبو حنيفة فقلت له: جعلت فداك رأيت رؤيا عجيبة فقال لي: يا ابن مسلم هاتها فإن العالم بها جالس وأومأ بيده إلى أبي حنيفة، قال فقلت: رأيت كأني دخلت داري وإذا أهلي قد خرجت علي فكسرت جوزاً كثيراً ونثرته علي ، فتعجبت من هذه الرؤيا فقال: أبو حنيفة أنت رجل تخاصم و تجادل لئاماً في مواريث أهلك فبعد نصب شديد تنال حاجتك منها إن شاء الله. فقال:أبو عبد الله عليه السلام : أصبت والله يا أبا حنيفة ، قال: ثم خرج أبو حنيفة من عنده ، فقلت: جعلت فداك إني كرهت تعبير هذا الناصب فقال: يا ابن مسلم لايسوؤك الله وليس التعبير كما عبره ، قال: فقلت له: جعلت فداك فقولك: أصبت وتحلف عليه وهو مخطئ؟ قال: نعم حلفت عليه أنه أصاب الخطأ ، قال فقلت له: فما تأويلها؟

قال: يا ابن مسلم إنك تتمتع بامرأة فتعلم بها أهلك فتمزق عليك ثياباً جدداً فإن القشر كسوة اللب . قال ابن مسلم: فوالله ما كان بين تعبيره وتصحيح الرؤيا إلا صبيحة الجمعة فلما كان غداة الجمعة أنا جالس بالباب إذ مرت بي جارية فأعجبتني فأمرت غلامي فردها ثم أدخلها داري فتمتعت بها، فأحست بي وبها أهلي فدخلت علينا البيت فبادرت الجارية نحو الباب وبقيت أنا فمزقت عليَّ ثياباً جدداً كنت ألبسها في الأعياد) (الكافي:8/292) .

الخمر رأس كل إثم

35- قال الباقر والصادق عليهما السلام :إن الخمر رأس كل إثم . (الكافي:6/402).

قال أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام : مدمن الخمر كعابد وثن !

وفسروا المدمن بأنه أنى وجدها شربها ! (الكافي:6/404).

جابر بن يزيد الجعفي الأزدي

جابر بن يزيد الجعفي من أصحاب الباقر عليه السلام الخاصين. قالوا فيه: (أبو محمد الجعفي عربي قديم .. ابن الحرث بن عبد يغوث بن كعب بن الحرث بن معاوية بن وائل بن مرار بن جعفي ، لقي أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام ).(النجاشي / 128 ) .

درس عند الإمام الباقر عليه السلام ثمانية عشرة سنة وكان حاجبه الخاص. قال جابر رحمه الله : (دخلت على أبي جعفر عليه السلام وأنا شاب فقال:م من أنت؟ قلت:من أهل الكوفة، قال: ممن؟ قلت: من جُعف ، قال: ما أقدمك إلى المدينة؟ قلت: طلب العلم ، قال: ممن؟ قلت منك قال: فإذا سألك أحد من أين أنت فقل من أهل المدينة .

قال: قلت أسألك قبل كل شئ عن هذا ، أيحل لي أن أكذب؟ قال: ليس هذا بكذب ، من كان في مدينة فهو من أهلها حتى يخرج ).(السيد الخوئي: 4/ 336).

وفي أمالي الطوسي/296: ( خدمت سيدنا الإمام أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام ثماني عشرة سنة ، فلما أردت الخروج ودعته وقلت: أفدني .

فقال: بعد ثماني عشرة سنة يا جابر! قلت: نعم إنكم بحر لايُنزف ولا يُبلغ قعره . فقال: يا جابر ، بلغ شيعتي عني السلام وأعلمهم أنه لا قرابة بيننا وبين الله عزّ وجلّ  ، ولا يتقرب إليه إلا بالطاعة له .

يا جابر، من أطاع الله وأحبنا فهو ولينا ، ومن عصى الله لم ينفعه حبنا .

يا جابر، من هذا الذي يسأل الله فلم يعطه ، أو توكل عليه فلم يكفه ، أو وثق به فلم ينجه ! يا جابر ، أنزل الدنيا منك كمنزل نزلته تريد التحويل عنه ، وهل الدنيا إلا دابة ركبتها في منامك فاستيقظت وأنت على فراشك غير راكب ولا آخذ بعنانها ، أو كثوب لبسته أو كجارية وطأتها !

يا جابر، الدنيا عند ذوي الألباب كفئ الظلال .لا إله إلا الله إعزاز لأهل دعوته . الصلاة تثبيت للإخلاص وتنزيه عن الكبر، والزكاة تزيد في الرزق ، والصيام والحج تسكين القلوب ، القصاص والحدود حقن الدماء ، وحبنا أهل البيت نظام الدين . جعلنا الله وإياكم من الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) .

وقد أرسله الإمام الباقر عليه السلام الى الكوفة لينشر حديث النبي صلى الله عليه وآله وقد شهد الترمذي أن أهل الكوفة لولا جابر لما كان عندهم حديث ، ومعناه أنهم ازدحموا في بيته وكتبوها عنه ثم لما رأوا الخطر من الخليفة عليه فدلسوا ونسبوا رواياتهم عنه إلى غيره !

قال الترمذي في سننه (1/133): ( سمعت الجارود يقول: سمعت وكيعاً يقول: لولا جابر الجعفي لكان أهل الكوفة بغير حديث ) !

قال أبو داود: ( رأيت زكريا بن أبي زائدة يزاحمنا عند جابرفقال لي سفيان: نحن شباب وهذا الشيخ ماله يزاحمنا ! وكان شعبة يسمي من يطعن في جابر مجانين يقولون ما لايفعلون فكلهم تلاميذه ! قال لنا شعبة: لاتنظروا إلى هؤلاء المجانين الذين يقعون في جابر. هل جاءكم أحد لم يلقه ) !

( ميزان الإعتدال:1 / 382 ، والجرح والتعديل للرازي: 1 / 117 ) .

وقال ابن عدي في الكامل(2/117): (قال ابن إدريس: ذهب بي أبي إلى جابر الجعفي فأجلسني قريباً منه فقال لأبي: هذا ابنك الذي علمته القرآن؟ قال نعم . قال الشيخ: ولجابر حديث صالح ، وقد روى عنه الثوري الكثير ، وشعبة أقل رواية عنه من الثوري . وحدث عنه زهير وشريك وسفيان والحسن بن صالح وابن عيينة وأهل الكوفة وغيرهم ، وقد احتمله الناس ورووا عنه ، وعامة ما قذفوه أنه كان يؤمن بالرجعة ، ولم يتخلف أحد في الرواية عنه ).

أي احتملوا أنه شيعي ، وأنه يروي خيانة قريش بأهل البيت عليهم السلام !

وتناقض الذهبي فيه فقال في الكاشف (1/288):(من أكبر علماء الشيعة ، وثقه شعبة فشذ ، وتركه الحفاظ ). ثم نقض كلامه فقال في المغني(1/126): (د. ت. ق. جابر بن يزيد الجعفي مشهور، عالم قد وثقه شعبه والثوري وغيرهما ) .

وترجم له ابن حجر في تهذيب التهذيب(2/41) بتفصيل ومما قاله: ( روى عنه أبو داود والترمذي وابن ماجة ) جابر بن يزيد بن الحارث بن عبد يغوث الجعفي، أبو عبد الله ، ويقال أبو يزيد الكوفي .

روى عن أبي الطفيل ، وأبي الضحى ، وعكرمة ، وعطاء ، وطاوس ، وخيثمة، والمغيرة بن شبيل، وجماعة .

وعنه شعبة ، والثوري ، وإسرائيل ، والحسن بن حي ، وشريك ، ومسعر ، ومعمر ، وأبو عوانة ، وغيرهم .

قال أبو نعيم: عن الثوري: إذا قال جابر حدثنا وأخبرنا ، فذاك .

وقال ابن مهدي عن سفيان: ما رأيت أورع في الحديث منه .

وقال بن علية: عن شعبة: جابر صدوق في الحديث .

وقال يحيى بن أبي بكير عن شعبة: كان جابر إذا قال حدثنا وسمعت فهو من أوثق الناس . وقال بن أبي بكير أيضاً عن زهير بن معاوية: كان إذا قال سمعت أو سألت فهو من أصدق الناس .

وقال وكيع: مهما شككتم في شئ فلا تشكوا في أن جابراً ثقة . حدثنا عنه مسعر وسفيان وشعبة وحسن بن صالح.

وقال بن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: قال سفيان الثوري لشعبة: لئن تكلمت في جابر الجعفي لأتكلمن فيك !

وقال معلى بن منصور: وقال لي أبو عوانة كان سفيان وشعبة ينهياني عن جابر الجعفي، وكنت أدخل عليه فأقول: من كان عندك؟ فيقول شعبة وسفيان ! وقال وكيع: قيل لشعبة: لما طرحت فلاناً وفلاناً ورويت عن جابر؟ قال: لأنه جاء بأحاديث لم نصبر عنها ! وقال أحمد بن حنبل: تركه يحيى وعبد الرحمن . وقال محمد بن بشار عن ابن مهدي: ألا تعجبون من سفيان بن عيينة ، لقد تركت لجابر الجعفي لما حكي عنه أكثر من ألف حديث ، ثم هو يحدث عنه !

وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث . وقال بن عدي: له حديث صالح. وشعبة أقل رواية عنه من الثوري وقد احتمله الناس ، وعامة ما قذفوه به أنه كان يؤمن بالرجعة ، وهو مع هذا إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق .

روى له أبو داود في السهو في الصلاة حديثاً واحداً من حديث المغيرة بن شعبة ، وقال عقبة: ليس في كتابي عن جابر الجعفي غيره . وقال أبو موسى محمد بن المثنى: مات سنة 128. قلت: وذكر مطين عن مفضل بن صالح: مات سنة 127. وقال سلام بن أبي مطيع: قال لي جابر الجعفي: عندي خمسون ألف باب من العلم ما حدثت به أحداً . فأتيت أيوب فذكرت هذا له فقال: أما الآن فهو كذاب .

قال جرير: لا أستحل أن أروي عنه ، كان يؤمن بالرجعة .

وقال أبو داود: ليس عندي بالقوي في حديثه . وقال أبو الأحوص: كنت إذا مررت بجابر الجعفي سألت ربي العافية .

وقال الشافعي:سمعت سفيان بن عيينة يقول: سمعت من جابر الجعفي كلاماً فبادرت خفت أن يقع علينا السقف! ولا بد أنه طعن في بعض من يحب !

وقال إسحاق بن موسى: سمعت أبا جميلة يقول: قلت لجابر الجعفي:كيف تسلم على المهدي؟ قال: إن قلت لك كفرت .

وقال الحميدي أيضاً: سمعت رجلاً يسأل سفيان: أرأيت يا أبا محمد الذين عابوا على جابر الجعفي قوله حدثني وصي الأوصياء؟ فقال سفيان: هذا أهونه !

وقال يحيى بن يعلى: سمعت زائدة يقول:جابر الجعفي رافضي يشتم أصحاب النبي! وقال العجلي: كان ضعيفاً يغلو في التشيع وكان يدلس .

وقال عثمان بن أبي شيبة: حدثني أبي عن جدي قال: كنت آتيه في وقت ليس فيه فاكهة ولا قثاء ولا خيار فيذهب إلى بسيتين له في داره فيجئ بقثاء وخيار فيقول: كل فوالله ما زرعته ! وقال أبو العرب الصقلي في الضعفاء: سئل شريك عن جابر فقال: ما له العدل الرضي ومد بها صوته! وقال أبو العرب: خالف شريك الناس في جابر . وقال أبو أحمد الحاكم: يؤمن بالرجعة ، اتهم بالكذب وذكره يعقوب بن سفيان في باب من يرغب الرواية عنهم .

وقال بن حبان: فإن احتج محتج بأن شعبة وغيره والثوري رويا عنه قلنا: الثوري ليس من مذهبه ترك الرواية عن الضعفاء ، وأما شعبة وغيره فرأوا عنده أشياء لم يصبروا عنها وكتبوها ليعرفوها ، فربما ذكر أحدهم عنه الشئ بعد الشئ على جهة التعجب ! وأخبرني بن فارس قال: ثنا محمد بن رافع قال: رأيت أحمد بن حنبل في مجلس يزيد بن هارون معه كتاب زهير عن جابر الجعفي فقلت له: يا أبا عبد الله تنهونا عن جابر وتكتبونه ! قال: لنعرفه . وقال الميموني: سمعت أحمد يقول: كان بن مهدي والقطان لا يحدثان عن جابر بشئ وكان أهلاً ذلك ) .

أقول: نتيجة كلماتهم المتضاربة في جابر الجعفي أنهم يطعنون فيه لأنه شيعي، ولأن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بعث الى واليه في الكوفة أن يبعث اليه برأسه ، فقالوا للوالي هذا كان محدثاً كبيراً لكنه أصيب بالجنون وهو الآن يلعب مع الصبيان في السكة ! فكتب الى الخليفة بذلك ، وحمد الله أنه أراحه من قتله !

والسؤال الأهم: ماذا فعلوا بألوف الأحاديث التي جذبتهم فكتبوها عن جابر ، هل أحرقوها بعد أن غضب عليه الخليفة وأشاعوا أنه يؤمن بالرجعة فلا تصح الرواية عنه ، أم غيروا إسم من رووها عنه وجعلوها مرويات عن غير جابر؟! هذا ما نرجحه ، لأن رواة السلطة شهدوا على بعضهم بأنهم فعلوا شبيهه !

أبو حنيفة وجابر

صر ح أبو حنيفة بأن سبب اتهامه لجابر بالكذب أنه عارض اجتهاده بالأحاديث! (ما أتيته بشئ من رأيي إلا جاءني فيه بأثر ، وزعم أن عنده ثلاثين ألف حديث لم يظهرها) ! وعليه يجب تكذيب كل من عارض اجتهاداته بالحديث كالشافعي! وتكذيب من ادعى أن عنده مئات ألوف الأحاديث ، كابن حنبل وبخاري ومسلم !

1- الذين طعنوا في جابر الجعفي رحمه الله كذَّبوا أنفسهم والحمد لله وأولهم أبو حنيفة وأصحابه ! قال في المحلى:10/378: (جابر الجعفي كذاب ، وأول من شهد عليه بالكذب أبو حنيفة ثم لم يبال بذلك أصحابه فاحتجوا بروايته حيث اشتهوا) كما احتجوا بحديثه عن النبي صلى الله عليه وآله : (كل شئ خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش). وقال عنه في نيل الأوطار:7/166: (وهذا الحديث يدور على جابر الجعفي) .

2- والقضية أضخم من احتياجهم لأحاديث جابر،أوأن بعضهم كان يعجب بها ولا يصبر عن كتابتها ! أو كان يكتبها ليعرفها ، أو لينص على غرابتها ولم يفعل !

فقد شهد الترمذي بأن أحاديث جابر عمدة أحاديث أئمتهم من محدثي الكوفة! قال في سننه (1/133): (سمعت الجارود يقول: سمعت وكيعاً يقول: لولا جابر الجعفي لكان أهل الكوفة بغير حديث ) ! ومعناه أنهم مع بغضهم لجابر لتشيعه ، ازدحموا في بيته وكتبوا عنه ودلسوا فيها فنسبوها الى غيره !

قال أبو داود: ( رأيت زكريا بن أبي زائدة يزاحمنا عند جابر فقال لي سفيان: نحن شباب وهذا الشيخ ماله يزاحمنا؟!).

وكان شعبة يسمي من يطعن في جابر مجانين يقولون ما لايفعلون ! فكلهم تلاميذه! (قال لنا شعبة: لا تنظروا إلى هؤلاء المجانين الذين يقعون في جابر. هل جاءكم بأحد لم يلقه)! (ميزان الإعتدال:1/382 ، والجرح والتعديل للرازي:1/117) .

3- وبرر ابن حبان روايتهم عنه فقال: (فإن احتج محتج بأن شعبة والثوري رويا عنه ، فإن الثوري ليس من مذهبه ترك الرواية عن الضعفاء بل كان يؤدي الحديث على ما سمع، لأن يرغب الناس في كتابة الأخبار ويطلبوها في المدن والأمصار.وأما شعبة وغيره من شيوخنا فإنهم رأوا عنده أشاء لم يصبروا عنها وكتبوها ليعرفوها فربما ذكر أحدهم عنه الشئ بعد الشئ على جهة التعجب ).(المجروحين:(1/209).

4- المشكلة عندهم في جابر الجعفي ليست عقدته ! فأمثال جابر عندهم كثيرون وقد رووا عنهم واحتجوا بهم ، وبلغ عددهم أكثر من مئة راوٍ في صحيح بخاري ومسلم فقط ، لأن شرط الراوي عندهم أن يكون ثقة في نقله بقطع النظر عن مذهبه، وقد قبلوا قول الطبيب غير المسلم إذا كان ثقة. ويكفي مثلاً عبد الرزاق الصنعاني الشيعي الذي رحلوا اليه ورووا عنه !

فالمشكلة في جابر لست عقدية بل أن أحاديثه ثقيلة في الوصية لعلي والعترة عليهم السلام وأن الله تعالى فرض طاعتهم على الأمة وفي أولها الصحابة ! وهذا ينسف شرعية الخلافة القرشية التي قامت على ادعائهم أن النبي صلى الله عليه وآله لم يوص وأن بني هاشم يكفيهم النبوة ، ويجب أن الخلافة يجب أن تكون من نصيب بقية القبائل !

ومثلها مروياته الثقيلة عن النبي صلى الله عليه وآله في بعض الصحابة ، ولهذا قالوا إنه رافضي يشتم الصحابة ويؤمن بالرجعة ، أي بظهور المهدي عليه السلام بعد غيابه .

وينبغي أن تعرف أن علماء السلطة عندما يواجهون راوياً محترماً يروي هذه الأحاديث ، فقد يهاجمونه ويضعفونه كما رأيت ، أو يقولون هو جيد لكن الرواة عنه ضعاف حرفوا حديثه وكذبوا عليه! وقد قالوا ذلك في جابر رحمه الله وصبوا غضبهم على تلميذه عمرو بن شمرالذي يروي عنه الأوزاعي فقالوا:( سفيان بن سعيد: عمرو بن شمر هذا أكثر عن جابر وما رأيته عنده قط). (الجرح والتعديل: 1/77). أو قالوا أحاديثه منكرة وهو متروك ، أي منكرة عند الحكومات! ولذا تركها علماؤها ! فالمنكر عند الحكومة منكر عند الله ورسوله صلى الله عليه وآله ! والمتروك عندهم متروك عند الله ورسوله صلى الله عليه وآله ! ولذلك قالوا إنهم تركوا جابراً ولم يتركوه !

قال سفيان بن عيينة: (تركت جابراً الجعفي لما سمعت منه قال: دعا رسول الله (ص) علياً فعلمه مما تعلم ، ثم دعا عليٌّ الحسن فعلمه مما تعلم ، ثم دعا الحسن الحسين فعلمه مما تعلم ، ثم دعا ولده ، حتى بلغ جعفر بن محمد. قال سفيان: فتركته لذلك). (ميزان الذهبي:1/381) . وقد كذبوا على سفيان خوفاً من زملائه المجانين حسب تعبير شعبة ! قال عبد الرحمن بن مهدي:( ألا تعجبون من سفيان بن عيينة يقول: لقد تركت جابراً الجعفي لقوله لما حُكِيَ عنه أكثر من ألف حديث  ، ثم هو يحدث عنه!) . (تهذيب الكمال:4/469) .

5- يلفتنا في ترجمة جابر جوابه رحمه الله لمن سأله: (كيف تسلم على المهدي؟ قال: إن قلت لك كفرت) ! ومعناه أنه كان يسلم على إمامه الباقر عليه السلام أو على خاتم الأئمة المهدي قبل ولادته ، وأن تلميذه تعجب من هذا السلام كيف يصل الى صاحبه وهو غائب لم يولد ! فأجابه جابر بأني لو شرحت لك ذلك لم تتحمله وكفرت به !وهذا يدل على مقام جابر الخاص في التشيع رحمه الله  .

6- معنى قول ابن حجر في آخر ترجمة جابر: (سمعته يقول: الحارث بن سريج في كتاب الله فقال له رجل من قومه: لاوالله ما في كتاب الله سريح ، يعني الحارث الذي كان خرج في آخر دولة بني أمية): أن جابراً كان حياً عندما ثار الحارث بن سريح على نصر بن سيار حاكم خراسان ، وأنه رأى فيه بداية أحداث زوال دولة بني أمية ، تفسيراً لما أخبره به الإمام الباق عليه السلام أو لبعض آيات الشجرة الملعونة وحكمهم ألف شهر ، وقد قتل الحارث وقتل معه جهم بن صفوان والسختياني ، وكانت ثورته سنة128 ، كما في الطبري:6/6، وتاريخ خليفة/307، والذهبي:8/383 .

والذي اعترض على جابر لم يفهم قوله فاعتبره كذاباً .

وفي الوافي (11/161): (وكانت قتلته في حدود الثلاثين والمئة).

والمرجح أن جابراً عاش الى سنة132، كما قال ابن معين في تهذيب التهذيب أي شهد سقوط الأمويين ، بدليل أن الإمام الباقر عليه السلام أعطاه أحاديث لينشرها بعد سقوطهم ، وهو إخبار بأنه سيبقى الى ذلك الوقت .

كان جابر عند الأئمة عليهم السلام بمنزلة سلمان الفارسي

قال ذريح المحاربي: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن جابر الجعفي وما روى؟ فلم يجبني فسألته الثالثة فقال لي:ياذريح دع ذكر جابرفإن السفلة إذا سمعوا بأحاديثه شنَّعوا)

وروى الصدوق في الإختصاص/ 216 أن المفضل سأل الإمام الصادق عليه السلام : ( يا ابن رسول الله فما منزلة جابر بن يزيد منكم؟ قال: منزلة سلمان من رسول الله صلى الله عليه وآله قال: فما منزلة داود بن كثير الرقي منكم؟ قال: منزلة المقداد من رسول الله صلى الله عليه وآله ).

وفي الكافي ( 8 / 157): (عن جابر بن يزيد قال:حدثني محمد بن علي سبعين حديثاً لم أحدث بها أحداً قط ، ولا أحدث بها أحداً أبداً ، فلما مضى محمد بن علي ثقلت على عنقي وضاق بها صدري ، فأتيت أبا عبد الله فقلت: جعلت فداك إن أباك حدثني سبعين حديثاً لم يخرج مني شيئاً منها ولا يخرج شئ منها إلى أحد ، وأمرني بسترها وقد ثقلت على عنقي وضاق بها صدري فما تأمرني؟ فقال: يا جابر إذا ضاق بك من ذلك شئ فأخرج إلى الجبانة واحتفر حفيرة ثم دلِّ رأسك فيها وقل: حدثني محمد بن علي بكذا وكذا، ثم طُمَّهُ فإن الأرض تستر عليك!قال:جابر ففعلت ذلك فخف عني ما كنت أجده).

وفي رجال الطوسي(2/438) عن ذريح المحاربي قال: (عن جابر قال: حدثني أبو جعفر بسبعين ألف حديث لم أحدث بها أحداً قط ، ولا أحدث بها أحداً أبداً . وقال جابر: دفع إليَّ الباقر عليه السلام كتاباً وقال لي: إن أنت حدثت به حتى تهلك بنو أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي ، وإذا أنت كتمت منه شيئاً بعد هلاك بني أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي ، ثم دفع إليَّ كتاباً آخر ، ثم قال: وهاك هذا ، فإن حدثت بشئ منه أبداً فعليك لعنتي ولعنة آبائي ) .

أقول: في الحديث الأخير إخبار بأن زوال ملك بني أمية سيكون في حياة جابر بن يزيد الجعفي ، وهذا ما حصل ، وهو من معجزات الإمام الباقر عليه السلام  !

كان جابر الجعفي صاحب كرامات

كان جابر صاحب كرامات ومعجزات رويت له ، ولا عجب في ذلك فقد أعطى المسيح عليه السلام بعض تلاميذه القدرة على المعجزة . والنبي صلى الله عليه وآله وآله عليهم السلام أفضل من المسيح.

وكم كنت أتأسف لبعض أستاتذتنا أنه كان ينتقد جابر رحمه الله ولا يحب أحاديثه ويقول إنها يغلب عليها حسب تعبيره الغيبيات ! مع أن هذا الكلام يمكن قوله للقرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله فحجم الغيب فيها أكبر من الشهادة !

ومن كرامات جابر: (جاء قوم إلى جابر الجعفي فسألوه أن يعينهم في بناء مسجدهم فقال: ما كنت بالذي أعين في بناء شئ يقع منه رجل مؤمن فيموت ، فخرجوا من عنده وهم يبخلونه ويكذبونه ، فلما كان من الغد أتموا الدراهم ووضعوا أيديهم في البناء ، فلما كان عند العصر ، زلت قدم البناء فوقع فمات !

العلاء بن شريك رجل من جعفى قال: خرجت مع جابر لما طلبه هشام حتى انتهى إلى السواد قال: فبينا نحن قعود وراع قريب منا ، إذ لعبت نعجة من شاته إلى حمل فضحك جابر، قلت له: ما يضحكك يا أبا محمد؟ قال: إن هذه النعجة دعت حملها فلم يجئ . فقالت له: تنح عن ذلك الموضع فإن الذئب عام أول أخذ أخاك منه . فقلت: لأعلمن حقيقة هذا أو كذبه !

فجئت إلى الراعي فقلت: يا راعي تبيعني هذا الحمل . قال: فقال: لا. فقلت ولمَ ؟ قال: لأن أمه أفْرَهُ شاة في الغنم وأغزرها درَّة ، وكان الذئب أخذ حملاً لها عند عام الأول من ذلك الموضع فما رجع لبنها ، حتى وضعت هذا فدرَّت . فقلت:صدق. ثم أقبلت فلما صرت على جسرالكوفة نظر إلى رجل معه خاتم ياقوت فقال له: يا فلان خاتمك هذا البراق أرنيه. قال: فخلعه فأعطاه ، فلما صار في يده رمى به في الفرات ! قال الآخر: ما صنعت؟ قال: تحب أن تأخذه ؟ قال: نعم فقال بيده إلى الماء ، فأقبل الماء يعلو بعضه على بعض حتى إذا قرب تناوله وأخذه !

عن عروة بن موسى قال: كنت جالساً مع أبي مريم الحناط وجابر عنده جالس ، فقام أبو مريم فجاء بدورق من ماء بئر مبارك بن عكرمة فقال له جابر: ويحك يا أبا مريم كأني بك قد استغنيت عن هذه البئر واغترفت من هاهنا من ماء الفرات.. يجري فيه ماء الفرات فتخرج المرأة الضعيفة والصبي فيغترف منه ، ويجعل له أبواب في بني رواس وفي بني موهبة وعند بئر بني كندة ، وفي بني فزارة حتى تتغامس فيه الصبيان ، قال عليٌّ: إنه قد كان ذلك). (معجم السيد الخوئي:4 /344 ) .

وقال السيد الخوئي(4/341):(عن جابر: قال أبو جعفر عليه السلام :يا جابر، حديثنا صعب مستصعب ، أمردُ ذِكْوار ، وعِرٌ أجرد ، لا يحتمله والله إلا نبي مرسل ، أو ملك مقرب ، أو مؤمن ممتحن ، فإذا ورد عليك يا جابر شئ من أمرنا فلان له قلبك ، فاحمد الله ، وإن أنكرته فرده إلينا أهل البيت ولا تقل كيف جاء هذا أو كيف كان وكيف هو؟ فإن هذا والله الشرك بالله العظيم .

عن جابر قال: رويت خمسين ألف حديث ما سمعه أحد مني .

عن أبي جميلة المفضل بن صالح ، عن جابر بن يزيد الجعفي ، قال: حدثني أبو جعفر عليه السلام بسبعين ألف حديث ، لم أحدثها أحداً قط ، ولا أحدث بها أحداً أبداً .

قال جابر: فقلت لأبي جعفر عليه السلام جعلت فداك ، إنك قد حملتني وقراً عظيماً بما حدثتني به من سركم الذي لا أحدث به أحداً ، فربما جاش في صدري ، حتى يأخذني منه شبه الجنون . قال: يا جابر فإذا كان ذلك فاخرج إلى الجبان ، فاحفر حفيرة ودل رأسك فيها ، ثم قل: حدثني محمد بن علي بكذا وكذا ).

مؤلفات جابر الجعفي

وقد ألَّفَ جابر كتباً رواها العلماء، وألف بعضهم كتاباً في أخباره:(له كتب ، منها التفسير، أخبرناه أحمد بن محمد. وله كتاب النوادر..وله كتاب الفضائل.. وكتاب الجمل ، وكتاب صفين ، وكتاب النهروان ، وكتاب مقتل أمير المؤمنين، وكتاب مقتل الحسين. روى هذه الكتب: الحسين بن الحصين العمِّي.. وقال القتيبي: هو من الأزد . وعدَّه المفيد في رسالته العددية ممن لامطعن فيهم ولا طريق لذم واحد منهم . وعده ابن شهرآشوب من خواص أصحاب الصادق عليه السلام . وقال العلامة إن الصادق عليه السلام ترحم عليه وقال: إنه كان يصدق علينا). (السيد الخوئي:4/ 336 ) .

وقال النجاشي/85 في ترجمة أحمد بن محمد الجوهري: ( له كتب ، منها: كتاب مقتضب الأثر في عدد الأئمة الاثني عشر.. كتاب أخبار جابر الجعفي ) .

وقد وثَّقَهُ كبار علمائنا وعظموه ، قال السيد الخوئي (4/344): ( الذي ينبغي أن يقال: إن الرجل لا بد من عده من الثقات الأجلاء لشهادة علي بن إبراهيم ، والشيخ المفيد في رسالته العددية ، وشهادة ابن الغضائري على ما حكاه العلامة ، ولقول الصادق عليه السلام في صحيحة زياد: إنه كان يصدق علينا ).

اتسع تأثير جابر الجعفي فأخذ الخليفة الأحول قراراً بقتله !

روى في الكافي:1/396 ، عن النعمان بن بشير قال: (كنت مزاملاً لجابر بن يزيد الجعفي فلما أن كنا بالمدينة دخل على أبي جعفر عليه السلام فودعه وخرج من عنده وهو مسرور ، حتى وردنا الأُخَيْرجة أول منزل نعدل من فيد إلى المدينة ، يوم جمعة ، فصلينا الزوال فلما نهض بنا البعير إذا أنا برجل طوال آدم معه كتاب ، فناوله جابراً فتناوله فقبله ووضعه على عينيه ، وإذا هو: من محمد بن علي إلى جابر بن يزيد ، وعليه طين أسود رطب ! فقال له: متى عهدك بسيدي؟ فقال: الساعة . فقال له: قبل الصلاة أو بعد الصلاة؟ فقال: بعد الصلاة ! ففك الخاتم وأقبل يقرؤه ويقبض وجهه ، حتى أتى على آخره ثم أمسك الكتاب ، فما رأيته ضاحكاً ولا مسروراً حتى وافى الكوفة ! فلما وافينا الكوفة ليلاً بتُّ ليلتي فلما أصبحت أتيته إعظاماً له فوجدته قد خرج عليَّ وفي عنقه كعاب قد علقها وقد ركب قصبة ، وهو يقول: أجد منصور بن جمهور أميراً غير مأمور ، وأبياتاً من نحو هذا ، فنظر في وجهي ونظرت في وجهه ، فلم يقل لي شيئاً ولم أقل له ، وأقبلت أبكي لما رأيته واجتمع عليَّ وعليه الصبيان والناس ! وجاء حتى دخل الرحبة وأقبل يدور مع الصبيان والناس يقولون: جُنَّ جابر بن يزيد جُن . فوالله ما مضت الأيام حتى ورد كتاب هشام بن عبد الملك إلى واليه أن انظر رجلاً يقال له: جابر بن يزيد الجعفي فاضرب عنقه وابعث إليَّ برأسه ، فالتفت إلى جلسائه فقال لهم: من جابر بن يزيد الجعفي؟ قالوا: أصلحك الله كان رجلاً له علم وفضل وحديث ، وحج فجن ، وهو ذا في الرحبة مع الصبيان على القصب يلعب معهم ! قال: فأشرف عليه فإذا هو مع الصبيان يلعب على القصب ، فقال الحمد لله الذي عافاني من قتله . قال ولم تمض الأيام حتى دخل منصور بن جمهور الكوفة وصنع ما كان يقول جابر) .

ورواه في الإختصاص/67 ، وفيه أن كتاب هشام الى والي الكوفة وصل بعد ثلاثة أيام ، وأن الوالي كتب إلى هشام: (إنك كتبت إلي في أمر هذا الرجل الجعفي وإنه جُن ! فكتب إليه: دعه). وفيد:منتصف الطريق بين الكوفة ومكة ، بينها وبين تيماء ست ليال. والأخيْرجة: مكان قرب فيد . (معجم البلدان:4/282).

ملاحظتان

1- جابر الجعفي رحمه الله من حواريي الإمام الباقر عليه السلام وجنود الله الخاصين ، رباه ثمانية عشر سنة ، ثم أرسله الى الكوفة قاعدة الإسلام وعاصمة التشيع ليقوم بنشر حديث النبي وأهل بيته صلى الله عليه وآله  ، بين الشيعة وكبار علماء الدولة ورواتها ، الذين كانوا بحاجة الى الحديث النبوي ، فكان علمه الغزير سبب إعجاب بعضهم به ، وحسد بعضهم له حتى وشوا به الى الخليفة وحذروه من خطر أحاديثه على بني أمية ، فأرسل الى واليه أن يقتله ، فأمره الإمام الباقر عليه السلام أن يتظاهر بالجنون فنجاه الله تعالى ، فلما اطمأن عاد الى وضعه الطبيعي !

ثم أرسل الخليفة مرة أخرى الى واليه أن يقبض عليه ، ففرَّ منه الى سواد الكوفة ففي رجال الطوسي (2/444): (خرجت مع جابر لما طلبه هشام حتى انتهى إلى السواد). وقد يكون ذلك بعد شهادة الباقر عليه السلام سنة114 ، ويظهرأن الوالي يومها غير الوالي السابق ، لأن السابق سأل عنه مَن هو؟

ثم أراد الخليفة قتله مرة أخرى سنة126عند قتل الوليد ، فأظهر الجنون مجدداً ! ففي رجال الطوسي (2/437): (دخلت المسجد حين قتل الوليد فإذا الناس مجتمعون قال: فأتيتهم فإذا جابر الجعفي عليه عمامة خز حمراء ، وإذا هو يقول: حدثني وصي الأوصياء ووارث علم الأنبياء محمد بن علي عليه السلام قال: فقال الناس: جُنَّ جابر ، جُن جابر). والوليد قتله ابن عمه الوليد بن يزيد سنة126 .

ومعنى ذلك أن جابراً رحمه الله كان لبضع عشرة سنة في أواخر عمره متخفياً من قبضة الخليفة ، حتى سقط النظام الأموي ! ولذلك ترى التفاوت في تاريخ وفاة جابر .

2- الطريقة التي أوصل الإمام عليه السلام الخبر الى جابر فيها إعجاز ، وقد فهمها الكليني رحمه الله بأن الإمام عليه السلام استفاد من مؤمني الجن فقطع الرسول منهم مسيرة أسبوع في ساعة ، ولذا روى الحديث تحت عنوان: ( أن الجن يأتونهم فيسألونهم عن معالم دينهم ويتوجهون في أمورهم). وقد وثق بالخاتم وبحامل الكتاب .

من مرويات جابر الجعفي

تفسير: الله الصمد

1- قال جابر الجعفي: سألت أبا جعفر عليه السلام عن شئ من التوحيد ، فقال: (إن الله تباركت أسماؤه التي يدعى بها وتعالى في علو كنهه واحد، توحد بالتوحيد في توحده ، ثم أجراه على خلقه فهو واحد ، صمد ، قدوس ، يعبده كل شئ ، ويصمد إليه كل شئ ، ووسع كل شئ علماً . فهذا هو المعنى الصحيح في تأويل الصمد ، لا ما ذهب إليه المشبهة:أن تأويل الصمد: المصمت الذي لا جوف له ، لأن ذلك لايكون إلا من صفة الجسم والله جل ذكره متعال عن ذلك ، هو أعظم وأجل من أن تقع الأوهام على صفته ، أو تدرك كنه عظمته ، ولو كان تأويل الصمد في صفة الله عزّ وجلّ المصمت لكان مخالفاً لقوله عزّ وجلّ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء ، لأن ذلك من صفة الأجسام المصمتة التي لا أجواف لها ، مثل الحجر والحديد . تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً). (الكافي:1/123).

إعرف هل يحبك الله أم لا ؟

2- قال جابر الجعفي ، قال الباقر عليه السلام : (إذا أردت أن تعلم أن فيك خيراً فانظر إلى قلبك ، فإن كان يحب أهل طاعة الله ويبغض أهل معصيته ففيك خير والله يحبك ، وإن كان يبغض أهل طاعة الله ويحب أهل معصيته فليس فيك خير والله يبغضك والمرء مع من أحب ). (الكافي:1/126).

الإرتباط بين أروح المؤمنين في الدنيا

3- قال جابر: (تقبضت بين يدي أبي جعفر فقلت: جعلت فداك ربما حزنت من غير مصيبة تصيبني أو أمر ينزل بي حتى يعرف ذلك أهلي في وجهي وصديقي ! فقال: نعم يا جابر ، إن الله عزّ وجلّ خلق المؤمنين من طينة الجنان وأجرى فيهم من ريح رَوْحه ، فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه فإذا أصاب روحاً من تلك الأرواح في بلد من البلدان حزن ، حزنت هذه لأنها منها). (الكافي:2/166).

وتفسيره أن الأرواح المتناسبة التي تعارفت في عالم الذر ، مرتبطة ببعضها في الحياة الدنيا ومتفاعلة حتى لو كانت بلدانها متباعدة !

اليقين أعلى درجات الإيمان

4- قال له الإمام الصادق عليه السلام : (يا أخا جعف ، إن اليقين أفضل من الإيمان ، وما من شئ أعز من اليقين) . (كتاب التمحيص/62). أي أفضل من الإيمان بدون يقين .

ما رآه أمير المؤمنين عليه السلام في احتضاره

5- روى جابر ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن حبيب بن عمرو قال: (دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام في مرضه الذي قبض فيه فحل عن جراحته فقلت: يا أمير المؤمنين ، ما جرحك هذا بشئ وما بك من بأس. فقال لي: يا حبيب أنا والله مفارقكم الساعة. قال: فبكيت عند ذلك وبكت أم كلثوم وكانت قاعدة عنده ، فقال لها: ما يبكيك يا بنية ؟ فقالت: ذكرت يا أبه أنك تفارقنا الساعة فبكيت . فقال لها: يا بنية لا تبكين فوالله لو ترين ما يرى أبوك ما بكيت . قال حبيب: فقلت له: وما الذي ترى يا أمير المؤمنين؟ فقال: يا حبيب ، أرى ملائكة السماوات والنبيين بعضهم في أثر بعض وقوفاً إلى أن يتلقوني ، وهذا أخي محمد رسول الله صلى الله عليه وآله جالس عندي ، يقول: أقدم ، فإن أمامك خير لك مما أنت فيه .

قال: فما خرجت من عنده حتى توفي عليه السلام ! فلما كان من الغد وأصبح الحسن عليه السلام ، قام خطيباً على المنبرفحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ، في هذه الليلة نزل القرآن ، وفي هذه الليلة رفع عيسى بن مريم عليه السلام ، وفي هذه الليلة قتل يوشع بن نون ، وفي هذه الليلة مات أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام .

والله لا يسبق أبي أحد كان قبله من الأوصياء إلى الجنة ، ولا من يكون بعده .

وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله ليبعثه في السرية فيقاتل ، جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره ، وما ترك صفراء ولا بيضاء ، إلا سبع مائة درهم فضلت من عطائه ، كان يجمعها ليشتري بها خادماً لأهله ) . (أمالي الصدوق/396).

مقام زيد وأصحابه عليه السلام

6- عن جابر ، عن الباقر عن آبائه عليهم السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله للحسين عليه السلام : يا حسين،يخرج من صلبك رجل يقال له زيد يتخطى وهو وأصحابه يوم القيامة رقاب الناس ، غراً محجلين يدخلون الجنة بلا حساب ) . (أمالي الصدوق/409).

للأم ثلثا البر وللأب الثلث !

7- عن جابر ، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام ، قال: (قال موسى بن عمران: يا رب أوصني . قال: أوصيك بي . فقال: يا رب أوصني ، قال: أوصيك بي ، ثلاثاً . قال يا رب أوصني . قال: أوصيك بأمك . قال: يا رب أوصني . قال: أوصيك بأمك . قال: يا رب أوصني . قال: أوصيك بأبيك. قال: فكان يقال لأجل ذلك ، إن للأم ثلثي البر ، وللأب الثلث ) . (أمالي الصدوق/601).

ليس كل من انتحل التشيع شيعياً

8- عن جابر قال: قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام : (يا جابر، أيكتفي من انتحل التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت؟فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشع وكثرة ذكر الله ، والصوم والصلاة ، والتعهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام ، وصدق الحديث وتلاوة القرآن ، وكف الألسن عن الناس إلا من خير ، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء. فقال جابر: يا بن رسول الله، لست أعرف أحداً بهذه الصفة . فقال عليه السلام : يا جابر، لاتذهبن بك المذاهب ، أحسب الرجل أن يقول أحب علياً وأتولاه ! فلو قال: إني أحب رسول الله ، ورسول الله خير من علي ، ثم لا يعمل بعمله ولا يتبع سنته ، ما نفعه حبه إياه شيئاً ، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله ، ليس بين الله وبين أحد قرابة ، أحب العباد إلى الله وأكرمهم عليه أتقاهم له وأعملهم بطاعته ، والله ما يتقرب إلى الله جل ثناؤه إلا بالطاعة ، ما معنا براءة من النار ، ولا على الله لأحد من حجة ، من كان لله مطيعاً فهو لنا ولي ، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدو ، ولا تنال ولايتنا إلا بالورع والعمل). (أمالي الصدوق/725).

معنى: لا حول ولا قوة إلا بالله

9- قال جابر الجعفي: (سألت محمد بن علي الباقر عليه السلام عن معنى: لا حول ولا قوة إلا بالله؟ فقال: معناه لا حول لنا عن معصية الله إلا بعون الله ، ولا قوة لنا على طاعة الله إلا بتوفيق الله عزّ وجلّ ). (التوحيد للصدوق/242).

تفسير: أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد

10- قال جابر: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن قوله عزّ وجلّ : أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ . قال: يا جابر تأويل ذلك أن الله عزّ وجلّ إذا أفنى هذا الخلق وهذا العالم وسكن أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار جدد الله عالماً غير هذا العالم وجدد خلقاً من غير فحولة ولا إناث يعبدونه ويوحدونه ، وخلق لهم أرضاً غير هذه الأرض تحملهم ، وسماء غير هذه السماء تظلهم .

لعلك ترى أن الله إنما خلق هذا العالم الواحد ، وترى أن الله لم يخلق بشراً غيركم ، بلى والله لقد خلق الله ألف ألف عالم ، وألف ألف آدم أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين ). (التوحيد للصدوق/277).

ما حكمة خلق الأطفال ذوي العاهات ؟

11- قال جابر الجعفي: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام : يا ابن رسول الله إنا نرى من الأطفال من يولد ميتاً ، ومنهم من يسقط غير تام ، ومنهم من يولد أعمى أو أخرس أو أصم ، ومنهم من يموت من ساعته إذا سقط على الأرض ، ومنهم من يبقى إلى الإحتلام ، ومنهم من يعمر حتى يصير شيخاً ، فكيف ذلك وما وجهه ؟ فقال عليه السلام : إن الله تبارك وتعالى أولى بما يدبره من أمر خلقه منهم ، وهو الخالق والمالك لهم ، فمن منعه التعمير فإنما منعه ما ليس له ، ومن عمره فإنما أعطاه ما ليس له ، فهو المتفضل بما أعطاه وعادل فيما منع ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، قال جابر: فقلت له: يا ابن رسول الله وكيف لا يسأل عما يفعل؟ قال: لأنه لا يفعل إلا ما كان حكمةً وصواباً ، وهو المتكبر الجبار والواحد القهار فمن وجد في نفسه حرجاً في شئ مما قضى الله فقد كفر ، ومن أنكر شيئاً من أفعاله جحد ). (التوحيد للصدوق/397).

إذا وفى المؤمن بعشرين خصلة لا يفتن ولا يضل

12- قال جابر: قال أبو جعفر عليه السلام قال: (للمؤمن على الله عزّ وجلّ عشرون خصلة يفي له بها ، على الله تبارك وتعالى أن لا يفتنه ولا يضله ، وله على الله أن لا يعريه ولا يجوعه ، وله على الله أن لا يشمت به عدوه ، وله على الله أن لا يخذله ويعزله ، وله على الله أن لا يهتك ستره ، وله على الله أن لا يميته غرقاً ولا حرقاً ، وله على الله أن لا يقع على شئ ولا يقع عليه شئ ، وله على الله أن يقيه مكر الماكرين ، وله على الله أن يعيذه من سطوات الجبارين ، وله على الله أن يجعله معنا في الدنيا والآخرة ، وله على الله أن لا يسلط عليه من الأدواء ما يشين خلقته ، وله على الله أن يعيذه من البرص والجذام وله على الله أن لا يميته على كبيرة ، وله على الله أن لا ينسيه مقامه في المعاصي حتى يحدث توبة ، وله على الله أن لا يحجب عنه معرفته بحجته ، وله على الله أن لا يعزز في قلبه الباطل ، وله على الله أن يحشره يوم القيامة ونوره يسعى بين يديه ، وله على الله أن يوفقه لكل خير ، وله على الله أن لا يسلط عليه عدوه فيذله ، وله على الله أن يختم له بالأمن والايمان ويجعله معنا في الرفيق الاعلى . هذه شرائط الله عزّ وجلّ للمؤمنين ). (الخصال/516).

الأئمة عليهم السلام أمان للأرض من العذاب

13- قال جابرالجعفي: (قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام :لأي شئ يحتاج إلى النبي صلى الله عليه وآله والإمام ؟ فقال لبقاء العالم على صلاحه ، وذلك أن الله عزّ وجلّ يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيها نبي أو إمام . قال الله عزّ وجلّ : وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ. وقال النبي صلى الله عليه وآله :النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يكرهون ، وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون . يعني بأهل بيته الأئمة الذين قرن الله عزّ وجلّ طاعتهم بطاعته فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ . وهم المعصومون المطهرون الذين لا يذنبون ولا يعصون ، وهم المؤيدون الموفقون المسددون ، بهم يرزق الله عباده ، وبهم تعمر بلاده ، وبهم ينزل القطر من السماء وبهم يخرج بركات الأرض ، وبهم يمهل أهل المعاصي ولا يعجل عليهم بالعقوبة والعذاب ، لايفارقهم روح القدس ولا يفارقونه ، ولا يفارقون القرآن ولا يفارقهم. صلوات الله عليهم أجمعين) . (علل الشرائع:1/123).

لمَ سمي الباقر باقراً ؟

14- قال جابر: (حدثني جابر بن عبد الله الأنصاري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يا جابر إنك ستبقى حتى تلقى ولدي محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف في التوراة بباقر فإذا لقيته فاقرأه مني السلام..

روى جابر الجعفي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ، وفيه: ثم كان جابر يأتيه فيجلس بين يديه فيعلمه ، وربما غلط جابر فيما يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وآله فيرد عليه ويذكره فيقبل ذلك منه ويرجع إلى قوله ، وكان يقول: يا باقر يا باقر يا باقر ، أشهد بالله أنك قد أوتيت الحكم صبياً) . (علل الشرائع:1/233) .

وفي رواية: فكان جابر بعد ذلك يختلف إليه ويتعلم منه فسأله محمد بن علي عن شئ فقال له جابر: والله ما دخلت في نهي رسول الله صلى الله عليه وآله فقد أخبرني أنكم أئمة هداة من أهل بيته من بعده أحلم الناس صغاراً، وأعلم الناس كباراً ، وقال:لاتعلموهم فهم أعلم منكم. فقال أبو جعفر عليه السلام : صدق جدي رسول الله صلى الله عليه وآله ، إني لأعلم منك بما سألتك عنه ، ولقد أوتيت الحكم صبياً . كل ذلك بفضل الله علينا ورحمته لنا أهل البيت ).

سمى النبي صلى الله عليه وآله الأئمة الإثني عشر عليهم السلام

15- قال جابر الجعفي: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: (لما أنزل الله عزّ وجلّ على نبيه محمد صلى الله عليه وآله :فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَئٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم .قلت:يا رسول الله عرفنا الله ورسوله ، فمن أولو الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال عليه السلام : هم خلفائي يا جابر، وأئمة المسلمين بعدي أولهم علي بن أبي طالب ، ثم الحسن والحسين ، ثم علي بن الحسين ، ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر ، وستدركه يا جابر ، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام ، ثم الصادق جعفر بن محمد ، ثم موسى بن جعفر ، ثم علي بن موسى ، ثم محمد بن علي ، ثم علي بن محمد ، ثم الحسن بن علي ، ثم سميي وكنيي حجة الله في أرضه ، وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي ، ذاك الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها ، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه للايمان . قال جابر: فقلت له: يا رسول الله فهل يقع لشيعته الإنتفاع به في غيبته؟ فقال: إي والذي بعثني بالنبوة إنهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن جللها سحاب ، يا جابر هذا من مكنون سر الله ، ومخزون علمه ، فاكتمه إلا عن أهله ). (كمال الدين/253).

وروى جابر، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام قال: قلت له: يا ابن رسول الله إن قوماً يقولون: إن الله تبارك وتعالى جعل الإمامة في عقب الحسين والحسين قال: كذبوا والله ، أولم يسمعوا الله تعالى ذكره يقول: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ، فهل جعلها إلا في عقب الحسين. ثم قال: يا جابر إن الأئمة هم الذين نص رسول الله صلى الله عليه وآله بالإمامة ، وهم الأئمة الذين قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما أسري بي إلى السماء وجدت أساميهم مكتوبة على ساق العرش بالنور اثنا عشر إسماً، منهم علي وسبطاه وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والحجة القائم ، فهذه الأئمة من أهل بيت الصفوة والطهارة . والله ما يدعيه أحد غيرنا إلا حشره الله تعالى مع إبليس وجنوده ). (كفاية الأثر في النص على الأئمة الإثني عشر:246).

حديث النبي صلى الله عليه وآله في أن للمهدي غيبة

16- روى جابر الجعفي عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله المهدي من ولدي ، إسمه إسمي ، وكنيته كنيتي ، أشبه الناس بي خلقاً وخلقاً ، تكون به غيبة وحيرة تضل فيها الأمم ، ثم يقبل كالشهاب الثاقب ، يملؤها عدلاً وقسطاً ، كما ملئت جوراً وظلماً ). (كمال الدين/253).

وروى عنه: (قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن ذا القرنين كان عبداً صالحاً جعله الله عزّ وجلّ حجة على عباده فدعا قومه إلى الله وأمرهم بتقواه ، فضربوه على قرنه فغاب عنهم زماناً حتى قيل: مات أو هلك بأي واد سلك ، ثم ظهر ورجع إلى قومه فضربوه على قرنه الآخر ، وفيكم من هو على سنته ، وإن الله عزّ وجلّ مكن لذي القرنين في الأرض ، وجعل له من كل شئ سبباً وبلغ المغرب والمشرق ، وإن الله تبارك وتعالى سيجري سنته في القائم من ولدي فيبلغه شرق الأرض وغربها حتى لا يبقى منهل ولا موضع من سهل ولا جبل وطأه ذو القرنين إلا وطأه ، ويظهر الله عزّ وجلّ له كنوز الأرض ومعادنها ، وينصره بالرعب ، فيملأ الأرض به عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً).(كمال الدين/394).

أصحاب المهدي الثلاث مئة وثلاثة عشر

17- قال جابر الجعفي: قال الباقر عليه السلام : (كأني بأصحاب القائم عليه السلام وقد أحاطوا بما بين الخافقين فليس من شئ إلا وهو مطيع لهم ، حتى سباع الأرض وسباع الطير ، يطلب رضاهم في كل شئ ، حتى تفخر الأرض على الأرض وتقول: مر بي اليوم رجل من أصحاب القائم عليه السلام ).(كمال الدين/673).

سيكون بعدي أئمة من أهل بيتي

18- قال جابر الجعفي: قال الباقر عليه السلام : (لما أنزلت: يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ، قال المسلمون: يا رسول الله ألست إمام الناس كلهم أجمعين؟فقال: أنا رسول الله إلى الناس أجمعين ، ولكن سيكون بعدي أئمة على الناس من أهل بيتي من الله ، يقومون في الناس فيكذبهم ويظلمهم أئمة الكفر والضلال وأشياعهم ! ألا فمن والاهم واتبعهم وصدقهم فهو مني ومعي وسيلقاني ، ألا ومن ظلمهم وأعان على ظلمهم وكذبهم فليس مني ولا معي ، وأنا منه برئ) . (المحاسن:1/155).

كان لعلي عليه السلام صاحب يهودي

19- عن جابر الجعفي قال: (كان لأمير المؤمنين صاحب يهودي قال وكان كثيراً ما يألفه وإن كانت له حاجة أسعفه فيها ، فمات اليهودي فحزن عليه واستبدت وحشته له قال: فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وآله وهو ضاحك فقال له يا أبا الحسن ما فعل صاحبك اليهودي ؟ قال قلت:مات قال أغممت به واستبدت وحشتك عليه؟ قال نعم يا رسول الله؟قال فتحب تراه محبوراً ؟ قال نعم بأبي أنت وأمي. قال: إرفع رأسك وكشط له عن السماء الرابعة فإذا هو بقية من زبرجدة خضراء معلقة بالقدرة . فقال له: يا أبا الحسن هذا لمن يحبك من أهل الذمة من اليهود والنصارى والمجوس. وشيعتك المؤمنون معي ومعك غداً في الجنة).(الأصول الستة عشر/96)

ثواب الله لمن يحمده

20- قال جابرالجعفي: قال الباقر عليه السلام : (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن المؤمن ليشبع من الطعام والشراب ، فيحمد الله فيعطيه الله من الأجر مالا يعطي الصائم ، إن الله شاكر عليم ، يحب أن يحمد ). (المحاسن:2/435).

العالم والمتعلم شريكان في الأجر

21- قال جابر الجعفي(البصائر/24): قال الباقر عليه السلام : (قال رسول الله صلى الله عليه وآله :العالم والمتعلم شريكان في الأجر للعالم أجران وللمتعلم أجر، ولا خير في سوى ذلك).

وقال الباقر عليه السلام :مامن عبد يغدو في طلب العلم أو يروح إلا خاض الرحمة وهتفت به الملائكة مرحباً بزاير الله وسلك من الجنة مثل ذلك المسلك).(ثواب الأعمال/131)

رسالة الباقر عليه السلام لجابر في طريقه الى الكوفة

22- عن النعمان بن بشيرقال: (كنت مزاملاً لجابر بن يزيد الجعفي ، فلما أن كنا بالمدينة دخل على أبي جعفر عليه السلام فودعه وخرج من عنده وهو مسرور ، حتى وردنا الأخيرجة أول منزل نعدل من فيد إلى المدينة يوم جمعة فصلينا الزوال ، فلما نهض بنا البعير إذا أنا برجل طوال آدم معه كتاب فناوله جابراً ، فتناوله فقبله ووضعه على عينيه وإذا هو: من محمد بن علي إلى جابر بن يزيد ، وعليه طين أسود رطب ، فقال له: متى عهدك بسيدي؟فقال: الساعة فقال له: قبل الصلاة أو بعد الصلاة؟ فقال: بعد الصلاة ، ففك الخاتم وأقبل يقرؤه ويقبض وجهه حتى أتى على آخره ، ثم أمسك الكتاب ، فما رأيته ضاحكاً ولا مسروراً حتى وافى الكوفة ، فلما وافينا الكوفة ليلاً بت ليلتي فلما أصبحت أتيته إعظاماً له فوجدته قد خرج عليَّ وفي عنقه كعاب ، قد علقها وقد ركب قصبة وهو يقول: أجد منصور بن جمهور أميراً غير مأمور . وأبياتاً من نحو هذا ، فنظر في وجهي ونظرت في وجهه ، فلم يقل لي شيئاً ولم أقل له ، وأقبلت أبكي لما رأيته واجتمع علي وعليه الصبيان والناس ، وجاء حتى دخل الرحبة وأقبل يدور مع الصبيان والناس يقولون: جُنَّ جابر بن يزيد جُن ، فوالله ما مضت الأيام حتى ورد كتاب هشام بن عبد الملك إلى واليه أن انظر رجلاً يقال له: جابر بن يزيد الجعفي فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه ، فالتفت إلى جلسائه فقال لهم: من جابر بن يزيد الجعفي؟ قالوا: أصلحك الله كان رجلاً له علم وفضل و حديث ، وحج فجن وهو ذا في الرحبة مع الصبيان على القصب يلعب معهم ! قال: فأشرف عليه فإذا هو مع الصبيان يلعب على القصب فقال الحمد لله الذي عافاني من قتله ، قال ولم تمض الأيام حتى دخل منصور بن جمهور الكوفة وصنع ما كان يقول جابر ). (الكافي:1/396).

أول ما خلق الله تعالى نور محمد وآله صلى الله عليه وآله

23- قال جابر:قال لي أبو جعفر عليه السلام :يا جابر إن الله أول ما خلق خلق محمداً صلى الله عليه وآله وعترته الهداة المهتدين ، فكانوا أشباح نور بين يدي الله. قلت: وما الأشباح؟ قال: ظل النور أبدان نورانية بلا أرواح ، وكان مؤيداً بروح واحدة وهي روح القدس ، فبه كان يعبد الله وعترته ، ولذلك خلقهم حلماء ، علماء ، بررة ، أصفياء، يعبدون الله بالصلاة والصوم والسجود والتسبيح والتهليل ، ويصلون الصلوات ويحجون ويصومون). (الكافي:1/442).

خطر اليمين الفاجرة !

24- قال جابر:قال الباقر عليه السلام : (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إياكم واليمين الفاجرة فإنها تدع الديار من أهلها بلاقع ). (الكافي:1/436).

اختلاف الناس امتحان ضروري لا بد منه

25- قال جابر: (دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقلت: يا ابن رسول الله قد أرمضني اختلاف الشيعة في مذاهبها فقال:يا جابر ألم أقفك على معنى اختلافهم من أين اختلفوا ومن أي جهة تفرقوا؟ قلت: بلى يا ابن رسول الله قال: فلا تختلف إذا اختلفوا. يا جابر إن الجاحد لصاحب الزمان كالجاحد لرسول الله في أيامه ، يا جابر اسمع وعِ ، قلت:إذا شئت قال: إسمع وع وبلغ حيث انتهت بك راحلتك: إن أميرالمؤمنين عليه السلام خطب الناس بالمدينة بعد سبعة أيام من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وذلك حين فرغ من جمع القرآن ، وتأليفه فقال: الحمد لله الذي منع الأوهام أن تنال إلا وجوده ، وحجب العقول أن تتخيل ذاته لامتناعها من الشبه والتشاكل ، بل هو الذي لا يتفاوت في ذاته ولا يتبعض بتجزئة العدد في كماله ، فارق الأشياء لا على اختلاف الأماكن ، ويكون فيها لا على وجه الممازجة ، وعلمها لا بأداة لايكون العلم إلا بها ، وليس بينه وبين معلومه علم غيره به . كان عالماً بمعلومه ، إن قيل كان فعلى تأويل أزلية الوجود ، وإن قيل لم يزل فعلى تأويل نفي العدم ، فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه ، واتخذ إلهاً غيره علواً كبيراً). (الكافي:8/18).

جابر الجعفي موضع اسرار أهل البيت عليهم السلام

26- عن جابر الجعفي قال: (حدثني محمد بن علي الباقر عليه السلام سبعين حديثاً لم أحدث بها أحداً قط ، ولا أحدث بها أحداً أبداً ، فلما مضى محمد بن علي عليه السلام ثقلت على عنقي وضاق بها صدري ، فأتيت أبا عبد الله عليه السلام فقلت: جعلت فداك إن أباك حدثني سبعين حديثاً لم يخرج مني شيئ منها ولا يخرج شئ منها إلى أحد ، وأمرني بسترها وقد ثقلت على عنقي وضاق بها صدري فما تأمرني؟

فقال: يا جابر إذا ضاق بك من ذلك شئ فاخرج إلى الجبانة واحتفر حفيرة ثم دلِّ رأسك فيها وقل: حدثني محمد بن علي بكذا وكذا ثم طمَّها، فإن الأرض تستر عليك ، قال: جابر ففعلت ذلك فخف عني ما كنت أجده ). (الكافي:8/157).

بعض الأحلام تتحقق حسب تفسيرها !

27- قال جابر: قال الباقر عليه السلام : (كان رسول الله كان يقول: إن رؤيا المؤمن ترف بين السماء والأرض على رأس صاحبها حتى يعبرها لنفسه أو يعبرها له مثله ، فإذا عبرت لزمت الأرض ، فلا تقصوا رؤياكم إلا على من يعقل) . (الكافي:8/336).

إذا اختلفت الأهواء فعليك بعلي عليه السلام

28- عن جابرالجعفي، عن سعيد بن المسيب ، عن عبد الرحمن بن سمرة ، قال: (قلت يا رسول الله أرشدني إلى النجاة . فقال: يا ابن سمرة ، إذا اختلفت الأهواء ، وتفرقت الآراء ، فعليك بعلي بن أبي طالب ، فإنه إمام أمتي ، وخليفتي عليهم من بعدي ، وهو الفاروق الذي يميز بين الحق والباطل ، من سأله أجابه ، ومن استرشده أرشده ، ومن طلب الحق من عنده وجده ، ومن التمس الهدى لديه صادفه ، ومن لجأ إليه آمنه ، ومن استمسك به نجاه ، ومن اقتدى به هداه .

يا ابن سمرة ، سلم من سلم له ووالاه ، وهلك من رد عليه وعاداه .

يا ابن سمرة ، إن علياً مني ، روحه من روحي ، وطينته من طينتي ، وهو أخي وأنا أخوه ، وهو زوج ابنتي فاطمة سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين . إن منه إمامي أمتي، وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين ، وتسعة من ولد الحسين تاسعهم قائم أمتي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ). (أمالي الصدوق/78).

شكر الله لجعفر بن أبي طالب أربع خصال

29- قال جابر:قال الباقر عليه السلام : (أوحى الله عزّ وجلّ إلى رسوله صلى الله عليه وآله : أني شكرت لجعفر بن أبي طالب أربع خصال ، فدعاه النبي صلى الله عليه وآله فأخبره ، فقال: لولا أن الله أخبرك ما أخبرتك:ما شربت خمراً قط ، لأني علمت أن لو شربتها زال عقلي ، وما كذبت قط ، لأن الكذب ينقص المروءة ، وما زنيت قط ، لأني خفت أني إذا عملت عُمل بي ، وما عبدت صنماً قط لأني علمت أنه لا يضر ولا ينفع . قال: فضرب النبي صلى الله عليه وآله يده على عاتقه فقال: حق لله عزّ وجلّ أن يجعل لك جناحين تطير بهما مع الملائكة في الجنة).(أمالي الصدوق/133).

ستدفن بخراسان بضعة مني من زارها فله الجنة

30- قال جابر الجعفي:سمعت وصي الأوصياء ووارث علم الأنبياء أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يقول:حدثني سيد العابدين علي بن الحسين ، عن سيد الشهداء الحسين بن علي بن أبي طالب، عن سيد الأوصياء أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله :ستدفن بضعة مني بخراسان ، ما زارها مكروب إلا نفس الله كربته ، ولا مذنب إلا غفر الله ذنوبه). (أمالي الصدوق/180).

سليمان بن مهران الأعمش

1- أجمع العلماء على اختلاف مذاهبهم على توثيق سليمان الأعمش رحمه الله وكان من أهل طبرستان ، يمتاز بقوة العقيدة والبصيرة ، وقوة الشخصية ، وكان محدثاً حافظاً للقرآن والحديث ، وإمام الحديث المتفق عليه في الكوفة بعد جابر الجعفي رحمه الله ، يقصده الطلبة والفقهاء لأخذ الحديث والقرآن منه .

قال العجلي في معرفة الثقات(1/432):(سليمان بن مهران الأعمش يكنى أبا محمد ثقة كوفي وكان محدث أهل الكوفة في زمانه ، يقال إنه ظهر له أربعة آلاف حديث ولم يكن له كتاب ، وكان يقرئ القرآن رأساً). يعني من رأسه وحفظه .

وكان من خواص أصحاب الإمام الباقر والصادق عليهما السلام يجيد التقية لكنه لايصانع، ولم يكن يحترم أبا حنيفة وابن شبرمة وابن أبي ليلى وأمثالهم الذين مشوا مع بني أمية ، ثم مع موجة الحسنيين ، ثم رضخوا لموجة العباسيين .

(دخلت أنا وأبو حنيفة على الأعمش نعوده فقال له أبو حنيفة: لولا الثقل عليك لزدت في عيادتك أو لعدتك أكثر مما أعودك، فقال له الأعمش: والله إنك لثقيل عليَّ وأنت في بيتك فكيف إذا دخلت عليَّ )( الناسخ لابن شاهين/120).

( كان أبو حنيفة خزازاً ، وكان الأعمش صيرفياً ). ( كامل ابن عدي: 7 / 9 ) .

قال أبو داود: ( سمعت أحمد بن يونس قال: مات الأعمش وأنا ابن أربع عشرة سنة. ورأيت أبا حنيفة رجلاً قبيح الوجه). ( الآجري:1/192).

وفي أمالي الطوسي/628: ( شريك بن عبد الله القاضي قال: حضرت الأعمش في علته التي قبض فيها ، فبينا أنا عنده إذ دخل عليه ابن شبرمة وابن أبي ليلى وأبو حنيفة فسألوه عن حاله فذكر ضعفاً شديداً وذكر ما يتخوف من خطيئاته وأدركته رنة فبكى! فأقبل عليه أبو حنيفة فقال: يا أبا محمد إتق الله وانظر لنفسك فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة ، وقد كنت تحدث في علي بن أبي طالب بأحاديث لو رجعت عنها كان خيراً لك ! قال الأعمش: مثل ماذا يا نعمان ؟ قال: مثل حديث عباية: أنا قسيم النار. قال: أو لمثلي تقول هذا يا يهودي؟ أقعدوني سندوني أقعدوني: حدثني والذي إليه مصيري موسى بن طريف ، ولم أر أسدياً كان خيراً منه قال: سمعت عباية بن ربعي إمام الحي قال: سمعت علياً أمير المؤمنين عليه السلام يقول: أنا قسيم النار ، أقول هذا وليي دعيه ، وهذا عدوي خذيه !

وحدثني أبو المتوكل الناجي في إمرة الحجاج وكان يشتم علياً شتماً مقذعاً يعني الحجاج ، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة يأمر الله عزّ وجلّ فأقعد أنا وعلي على الصراط ويقال لنا: أدخلا الجنة من آمن بي وأحبكما وأدخلا النار من كفر بي وأبغضكما !

ثم قال أبو سعيد: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما آمن بالله من لم يؤمن بي ، ولم يؤمن بي من لم يتول أو قال لم يحب علياً وتلا: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ! قال فجعل أبو حنيفة إزاره على رأسه وقال: قوموا بنا ، لا يجيؤنا أبو محمد بأطمَّ من هذا ! قال لي شريك بن عبد الله: فما أمسى يعني الأعمش حتى فارق الدنيا رحمه الله ) .

ورواه مناقب آل أبي طالب(2/8) وغيره ورواه بعض علمائهم كالحاكم الحسكاني النيسابوري في شواهد التنزيل ، بأسانيد فيها الصحيح عندهم) .

أقول: وصف الأعمش أبا حنيفة باليهودي لقول النبي صلى الله عليه وآله :من أبغضنا أهل البيت حشره الله يوم القيامة يهودياً! (الزوائد:9/172، وفضائل الصحابة:2/661).

2 - كان المنصور يحقد على الأعمش لتشيعه وقوة شخصيته ، وعدم خضوعه له كما خضع غيره من الحفاظ والفقهاء ! بل كان الأعمش يتحداه ويروي فضائل علي عليه السلام حتى في مجلس المنصور!

( دخل الأعمش على المنصور وهو جالس للمظالم ، فلما بصر به قال له: يا سليمان تَصَدَّرْ؟ قال: أنا صدرٌ حيث جلستُ ! ثم قال: حدثني الصادق قال: حدثني الباقر قال: حدثني السجاد قال:حدثني الشهيد أبو عبد الله قال: حدثني أبي وهوالوصي علي بن أبي طالب قال:حدثني النبي صلى الله عليه وآله قال:أتاني جبرئيل آنفاً فقال: تختموا بالعقيق فإنه أول حجر شهد لله بالوحدانية ، ولمحمد بالنبوة ، ولعلي بالوصية ، ولولده بالإمامة ، ولشيعته بالجنة !

قال: فاستدار الناس بوجوههم نحوه فقيل له:تذكر قوماً فتعلم من لا نعلم! فقال: الصادق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب والسجاد علي بن الحسين ، والشهيد الحسين بن علي ، والوصي وهو التقي علي بن أبي طالب عليه السلام ) . (العمدة/ 378 ، والطرائف/134) .

ولم تذكر الرواية ردة فعل المنصور الذي نشط لطمس فضائل علي وولده ! لكن لا بد أنه حرَّق الإرم على الأعمش ، وفكر كيف يقتله !

3 - روت مصادر الخاصة والعامة أجزاء من ملحمة الأعمش رحمه الله مع المنصور، ومن أكمل نصوصها رواية ابن المغازلي في فضائل علي عليه السلام /226، وابن حسنويه الحنفي ، بسنده عن سلمان بن الأعمش عن أبيه قال: (وجَّه إليَّ المنصورُ فقلت للرسول: لمَ يريدني أمير المؤمنين؟ قال: لا أعلم ، فقلت:أبلغه أني آتيه ، ثمّ تفكرتُ في نفسي فقلت: ما دعاني في هذا الوقت لخير، ولكن عسى أن يسألني عن فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فإن أخبرته قتلني ! قال: فتطهرتُ ولَبستُ أكفاني وتحنَّطتُ ثم كتبت وصيتي ، ثم صرت إليه فوجدت عنده عمرو بن عُبيد فحمدت الله تعالى على ذلك وقلت: وجدت عنده عون صدق من أهل البصرة . فقال لي: أدن يا سليمان ! فدنوت ، فلما قرُبتُ منه أقبلتُ على عمرو بن عُبيد أُسائله وفاح مِنَّي ريح الحُنوط . فقال: يا سليمان ما هذه الرائحة؟ والله لتصْدُقني وإلاّ قتلتُك . فقلت: يا أمير المؤمنين أتاني رسولك في جَوف الليل فقلت في نفسي: ما بعث إلي أمير المؤمنين في هذه الساعة إلاّ ليسألني عن فضائل علي فإن أخبرته قتلني، فكتبتُ وصيتي ولبستُ كفَني وتحنَّطْتُ .

فاستوى جالساً وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم. ثم قال: أتدري يا سلمان ما اسمي؟ فقلت: يا أمير المؤمنين دعنا الساعة من هذا . فقال: ما اسمي؟ فقلت: عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب . قال: صدقت فأخبرني بالله وقرابتي من رسول الله كم رويت من حديث علي بن أبي طالب وكم من فضيلة من جميع الفقهاء؟ قلت: شئ يسير يا أمير المؤمنين.قال: كم؟ قلت: مقدار عشرة آلاف حديث وما يزداد !

قال: يا سلمان ألا أحدثك بحديث في فضائل علي يأكل كل حديث رويته عن جميع الفقهاء ، فإن حلفت لا ترويها لأحد من الشيعة حدثتك بها ! قلت: لا أحلف ولا أحدث بها . قال:إسمع.كنت هارباً من بني مروان وكنت أدور البلدان أتقرب إلى الناس بحب علي وفضائله ، وكانوا يشرفوني ويعظموني ويكرموني حتى وردت بلاد الشام وأهل الشام كلما أصبحوا لعنوا علياً رضي الله عنه في مساجدهم ، فإنهم كلهم خوارج وأصحاب معاوية ، فدخلت مسجداً وفي نفسي منهم ما فيها ، فأقمت الصلاة وصليت الظهر وعليَّ كساء خلق ، فلما سلم الإمام اتكى على الحائط وأهل المسجد حضور، وجلست فلم أر أحداً يتكلم توقراً منهم لإمامهم ، فإذا أنا بصبيين قد دخلا المسجد ، فلما نظر إليهما الإمام قام ثم قال: أدخلا فمرحباً بكما وبمن سميتما باسمهما، والله ما سميتهما باسميهما إلا لأجل حبي لمحمد وآل محمد ! فإذا أحدهما الحسن والآخر الحسين ، فقلت في نفسي: قد أجيبت حاجتي ولا قوة إلا بالله ، وكان إلى جانبي شاب فسألته من هذا الشيخ ومن هذان الغلامان . فقال: الشيخ جدهما وليس في هذه المدينة أحد يحب علياً سواه ، فلذلك سماهما الحسن والحسين ، ففرحت فرحاً شديداً ، وكنت يومئذ لا أخاف الرجال ، فدنوت من الشيخ فقلت: هل لك في حديث أقر به عينك؟ فقال ما أحوجني إلى ذلك وإن أقررت عيني أقررت عينك ، فعند ذلك قلت: حدثني أبي عن جدي عن أبيه عن رسول الله . قال لي: ومن أبوك ومن جدك ؟ فعلمت أنه يريد نسبتي فقلت: أنا محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ، وإنه قال: كنا مع رسول الله وإذا بفاطمة وقد أقبلت تبكي ، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله : وما يبكيك لا أبكى الله عيناك . قالت: يا أبتا إن الحسن والحسين قد ذهبا منذ اليوم ولم أدرِ أين هما وإن علياً يمشي إلى الدالية منذ خمسة أيام يسقي البستان ، وإني قد استوحشت لهما ! قال: يا أبا بكر إذهب فاطلبهما ويا عمر إذهب فاطلبهما ويا فلان ويا فلان . قال: ولم يزل يوجه حتى مضوا سبعين رجلاً يعثرون في طلبهم فرجعوا ولم يصيبوهما ، فاغتم النبي صلى الله عليه وآله ثم قام ووقف على باب المسجد فقال:اللهم بحق إبراهيم خليلك ، وبحق آدم صفوتك إن كانا قرة عيني في بر أو بحر أو سهل أو جبل فاحفظهما وسلمهما على قلب فاطمة سيدة نساء العالمين ! فإذا باب من السماء قد فتح وجبرئيل قد نزل من عند رب لم يزل وقال: السلام عليك يا رسول الله ، الحق يقرؤك السلام ويقول لك لا تحزن ولا تغتم ، الغلامان فاضلان في الدنيا والآخرة ، وهما سيدا شباب أهل الجنة ، وإنهما في حديقة بني النجار ، وقد وكلت بهما ملكين رحيمين يحفظانهما إن قاما أو قعدا أو ناما أو استيقظا ! قال: فعند ذلك فرح النبي فرحاً شديداً وقام ومضى وجبرئيل عن يمينه والمسلمون حوله حتى دخل حظيرة بني النجار ، فسلم عليه الملكان الموكلان بهما فرد عليهما السلام والحسن والحسين نيام معتنقان ، وذلك الملك قد جعل جناحه تحتهما والجناح الآخر فوقهما ، فجثى النبي صلى الله عليه وآله على ركبتيه وانكب عليهما يقبلهما ، حتى استيقظا فرأيا جدهما فحمل النبي صلى الله عليه وآله الحسن وحمل جبرئيل الحسين ، وخرج النبي صلى الله عليه وآله من الحظيرة ، قال: وكان يقول كلما قبلهما وهما على كتفيه وكتف جبرئيل: من أحبكما فقد أحبني ومن أبغضكما فقد أبغضني. فقال أبو بكر:أعطني أحمل أحدهما يا رسول الله، قال: نعم المحمول ونعم المطية ونعم الراكبان هما ، وأبوهما وأمهما خير منهما ، ونِعْمَ من أحبهما . فلما خرجا ومضيا وتلقاهما عمر فقال: من أحبهما قال ولم يزل النبي صلى الله عليه وآله سائراً حتى دخلت المسجد وقال: والله لأشرفن اليوم ولدى كما شرفهما الله تعالى ، ثم قال: يا بلال ناد في الناس فقال النبي صلى الله عليه وآله : معاشر المسلمين بلغوا عن نبيكم ما تسمعون منه ، أيها الناس: ألا أدلكم اليوم على خير الناس جداً وجدةً ؟ قالوا: بلي يا رسول الله . قال: الحسن والحسين جدهما محمد رسول الله وجدتهما خديجة بنت خويلد سيدة نساء أهل الجنة .

أيها الناس: ألا أدلكم على خير الناس أباً وأماً ؟ قالوا: بلى يا رسول الله  . قال: الحسن والحسين ، أبوهما علي بن أبي طالب وأمهما فاطمة بنت رسول الله ، وإن أباهما خير منهما ، يحب الله ويحب رسوله ويحبه الله ورسوله ، سيد العابدين وسيد الأوصياء . أيها الناس: ألا أدلكم على خير الناس عمّاً وعمة؟ قالوا: بلى يا رسول الله . قال: الحسن والحسين عمهما جعفر الطيار يطير مع الملائكة بجناحين مكللين بالدر والياقوت، وعمتهما أم هاني بنت أبي طالب .

ثم قال: اللهم إنك تعلم أن الحسن والحسين في الجنة ، وأن جدهما وجدتهما في الجنة ، وأن أباهما وأمها في الجنة ، وأن من كرامتهما على الله أن سماهما في التوراة شبراً وشبيراً ، فهما سبطاي وريحانتاي في الدنيا والآخرة .

قال ( المنصور ): فلما سمع الشيخ ذلك مني كساني خلعته ، فبعتها بمائة دينار . ثم ذكر المنصور أن هذا الشيخ دله على أخ له فحدثه المنصور بفضائل العترة فأكرمه ، قال: ( فقلت:أخبرني أبي عن جدي عن أبيه قال: كنا مع رسول الله جلوساً بباب داره وإذا بفاطمة عليها السلام قد أقبلت وهي حاملة الحسن وهي تبكي بكاءً شديداً ، فاستقبلها وقال: ما يبكيك لا أبكى الله لك عيناً ! ثم تناول الحسن من يدها فقالت: يا أبت إن نساء قريش يعيرنني ويقلن قد زوجك أبوك بفقير لا مال له ! فقال لها النبي: يا فاطمة ما زوجتك أنا ولكن الله تعالى زوجك في السماء وشهد لك جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ! إعلمي يا فاطمة أن الله تعالى اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها أباك فبعثه نبياً ، ثم اطلع اطلاعة ثانية فاختار بعلك فجعله وصياً ثم زوجك به من فوق سبع سماواته ، وأمرني أن أزوجك به واتخذه وصياً ووزيراً فعلي أشجعهم قلباً ، وأعلم الناس علماً ، وأحلم الناس حلماً ، وأحكم الناس حكماً، وأقدم بالناس إيماناً ، وأسمحهم كفاً، وأحسن الناس خلقاً، يا فاطمة إني أخذ لواء الحمد ومفاتيح الجنة بيدي وأدفعها إلى علي بن أبي طالب ، فيكون آدم ومن دونه تحت لوائه ! يا فاطمة إني مقيم غداً علياً على حوضي يسقي من يرد عليه من أمتي . يا فاطمة إبناك الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ، وكان قد سبق اسمهما في التوراة مع موسى بن عمران لكرامتها عند الله .

يا فاطمة يُكسى أبوك حلة من حلل الجنة ولواء الحمد بين يدي وأمتي تحت لوائي فأناوله علياً لكرامته على الله . قال: وينادي مناد يا محمد نعم الجد جدك ونعم الأخ أخوك ، فالجد إبراهيم والأخ علي بن أبي طالب .

وإذا دعاني رب العالمين دعا علياً معي ، وإذا أحياني أحيى علياً معي ، وإذا شفعني ربي شفع علياً . وإنه في المقام عوني على مفاتيح الجنة ، فقومي يا فاطمة إن علياً وشيعته هم الفائزون يوم القيامة !

ثم قال المنصور إن الشيخ حكى له على شخص كان مفرطاً في سب علي عليه السلام فحول الله وجهه إلى وجه خنزير وصار آية للناس !

ثم قال: يا سليمان سمعت في فضائل علي أعجب من هذين الحديثين؟

يا سليمان حُبُّ علي إيمان وبُغْضُه نِفاق ، لا يحبُّ علياً إلاّ مؤمن ولا يبغضه إلاّ كافر ! فقلت: يا أمير المؤمنين الأمان ؟ قال: لك الأمان ، قلت: فما تقول يا أمير المؤمنين في مَنْ قتل هؤلاءِ ؟ قال: في النّار لا أشكُّ .

فقلت: فما تقول فيمن قَتَل أولادهم وأولاد أولادهم؟ قال: فَنكَّسَ رأسه ثم قال: يا سليمان المُلْكُ عَقيمٌ ، ولكن حَدِّث عن فضائل علي بما شئت !

قال قلت: مَن قتل ولده في النار! فقال عمرو بن عبيد: صدقت يا سليمان ، الويل ثم الويل لمن قتل ولده ! فقال المنصور: يا عمرو إشهد عليه فإنه قال في النار، فقال قد أخبرني الشيخ الصدوق يعني الحسن بن أنس أن من قتل أولاد علي لايشم رائحة الجنة . قال: فوجدت المنصور قد غمض وجهه ! فخرجنا. فقال أبو جعفر: لولا مكان عمرو ، ما خرج سليمان إلا مقتولاً ) . وكشف اليقين للعلامة الحلي / 309 ، وشرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي: 2 / 372 ، وينابيع المودة للقندوزي: 3 / 37 ، وحلية الأبرار: 2 / 137 ، وغاية المرام: 6 / 302 ، وشرح إحقاق الحق للمرعشي: 15 / 671 ).

هؤلاء العلماء بقر بهم الإمام عليه السلام علم النبوة ؟

نص المحدثون والمؤرخون كالترمذي على أنه لم يكن في الكوفة حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأن جابرالجعفي هو الذي نشره ، ولولاه لكان أهل الكوفة بغير حديث. ولا بد أن ابن عقدة أثر تأثيراً بليغاً كذلك، ثم وصل الحديث من الكوفة وبغداد الى بقية البلاد .

وهنا سؤال يفرض نفسه: أين صار حديث جابر الذي كتبه عنه الطلبة والعلماء وملأ الكوفة ؟ والجواب: أن لما غضب الخليفة على جابر وأراد قتله ، تغير كلام رواة الحديث فقالوا: لم نرو عن جابر بن يزيد الجعفي لأنه يؤمن بالرجعة ، وأسندوا أحاديثه الى غيره ! وهذا الأسلوب معروف عندهم فقد كتب الخطيب عن أحدهم (تاريخ بغداد(12/160): (وكان العباس ادعى في آخر عمره سماعاً من القاضي أبي عبد الله المحاملي ، وعمد إلى أحاديث من مناكير الفضائل التي يرويها أبو العباس بن عقدة فركَّبها على المحاملي ورواها عنه).

فهم يُركِّبُونَ الحديث على السند أو على الشخص !

من مرويات سليمان الأعمش

في الأئمة الإثني عشر عليهم السلام

1- في أمالي الصدوق/252: (عن سليمان بن مهران الأعمش ، عن الصادق جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين عليهم السلام قال: نحن أئمة المسلمين ، وحجج الله على العالمين ، وسادة المؤمنين ، وقادة الغر المحجلين ، وموالي المؤمنين ، ونحن أمان أهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء ، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها ، وبنا ينزل الغيث ، وبنا ينشر الرحمة ، ويخرج بركات الأرض ، ولولا ما في الأرض منا لساخت بأهلها .

قال عليه السلام : ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة لله فيها ، ظاهر مشهور ، أو غائب مستور ، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة لله فيها ، ولولا ذلك لم يعبد الله . قال سليمان: فقلت للصادق عليه السلام : فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور ؟ قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب ) .

2- قال سليمان بن مهران الأعمش: حدثني محمد بن كثيرقال:حدثني أبو خيثمة ، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : بي أنذرتم وبعلي بن أبي طالب عليه السلام اهتديتم ، وقرأ: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ وبالحسن أعطيتم الإحسان، وبالحسين تسعدون وبه تشقون ، ألا وإن الحسين باب من أبواب الجنة ، من عاداه حرم الله عليه رائحة الجنة ) . (مائة منقبة لابن شاذان/22).

حديث الدار في أول بعثة النبي صلى الله عليه وآله

3- عن سليمان الأعمش وأبي مريم جميعاً ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبد الله ابن الحارث بن نوفل ، عن عبد الله بن عباس ، عن علي بن أبي طالب عليه السلام ، قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله :وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ . دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لي: يا علي ، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ، قال: فضقت بذلك ذرعاً ، وعرفت أني متى أناديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره ، فصمتُّ على ذلك ، وجاءني جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد ، إنك إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك ، فاصنع لنا يا علي صاعاً من طعام ، واجعل عليه رجل شاة ، واملأ لنا عِسَّاً من لبن ، ثم أجمع بني عبد المطلب حتى أكلمهم ، وأبلغهم ما أمرت به .

ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم أجمع وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً ، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب .

فلما اجتمعوا له صلى الله عليه وآله دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به ، فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه وآله جذمة من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ، ثم قال: خذوا بسم الله ، فأكل القوم حتى صدروا ، ما لهم بشئ من الطعام حاجة ، وما أرى إلا مواضع أيديهم! وأيم الله الذي نفس علي بيده إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم ، ثم جئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا جميعاً ، وأيم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله .

فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال:لشد ما سحركم صاحبكم ! فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله .

فقال لي من الغد: يا علي ، إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول ، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم ، فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثم اجمعهم لي . قال ففعلت ثم جمعتهم ، فدعاني بالطعام فقربته لهم ، ففعل كما فعل بالأمس ، وأكلوا حتى ما لهم به من حاجة ، ثم قال إسقهم ، فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعاً . ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا بني عبد المطلب ، إني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيكم يؤمن بي ويؤازرني على أمري ، فيكون أخي ووصيي ووزيري وخليفتي في أهلي من بعدي؟ قال: فأمسك القوم ، وأحجموا عنها جميعاً . قال فقمت وإني لأحدثهم سناً وأرمصهم عيناً ، وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً . فقلت: أنا يا نبي الله أكون وزيرك على ما بعثك الله به . قال: فأخذ بيدي ثم قال: إن هذا أخي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا . قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع ! ). (أمالي الطوسي/582).

عن سليمان الأعمش قال:كنت مع جعفر بن محمد عليه السلام على باب أبي جعفر المنصور ، فخرج من عنده رجل مجلود بالسوط ، فقال لي: يا سليمان أنظر ما فص خاتمه ؟ قلت: يا ابن رسول الله فصه غير عقيق ، فقال يا سليمان أما إنه لو كان عقيقاً لما جلد بالسوط! قلت: يا ابن رسول الله زدني ؟ قال يا سليمان: هو أمان من قطع اليد قلت: يا بن رسول الله زدني؟ قال: يا سليمان هو أمان من الدم ، قلت: يا ابن رسول الله زدني؟ قال: يا سليمان إن الله عزّ وجلّ يحب أن ترفع إليه في الدعاء يد فيها فص عقيق قلت يا ابن رسول الله زدني؟ قال: العجب من يد فيها فص عقيق كيف تخلو من الدنانير والدراهم ، قلت يا ابن رسول الله زدني؟ قال: يا سليمان إنه حرز من كل بلاء ، قلت يا ابن رسول الله زدني ؟ قال: يا سليمان هو أمان من الفقر، قلت: يا ابن رسول الله أحدث بها عن جدك الحسين بن علي ، عن أمير المؤمنين عليهم السلام ؟ قال: نعم). (مكارم الأخلاق/88).

إحياء علي عليه السلام امرأة قتلها أبو بكر

4- روى سليمان الأعمش ، عن سمرة بن عطية ، عن سلمان الفارسي قال: إن امرأة من الأنصار يقال لها أم فروة كانت تحض على نكث بيعة أبي بكر وتحث على بيعة علي عليه السلام ، فبلغ أبا بكر ذلك فأحضرها واستتابها فأبت عليه فقال: يا عدوة الله أتحضين على فرقة جماعة اجتمع عليها المسلمون ، فما قولك في إمامتي؟ قالت: ما أنت بإمام. قال: فمن أنا؟ قالت أمير قومك اختارك قومك وولوك فإذا كرهوك عزلوك ، فالإمام المخصوص من الله ورسوله يعلم ما في الظاهر والباطن ، وما يحدث في المشرق والمغرب من الخير والشر ، وإذا قام في شمس أو قمر فلا فئ له ، ولا تجوز الإمامة لعابد وثن ، ولا لمن كفر ثم أسلم ، فمن أيهما أنت يا ابن أبي قحافة! قال: أنا من الأئمة الذين اختارهم الله لعباده !

فقالت: كذبت على الله ، ولو كنت ممن اختارك الله لذكرك في كتابه كما ذكر غيرك فقال عزّ وجلّ : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ .

ويلك إن كنت إماماً حقاً فما إسم السماء الدنيا والثانية ، والثالثة ، والرابعة ، والخامسة ، والسادسة ، والسابعة ؟ فبقي أبو بكر لا يحير جواباً . ثم قال: إسمها عند الله الذي خلقها . قالت: لو جاز للنساء أن يعلمن الرجال لعلمتك .

فقال: يا عدوة الله لتذكرن إسم سماء سماء وإلا قتلتك . قالت: أبالقتل تهددني ؟ والله ما أبالي أن يجري قتلي على يدي مثلك ولكني أخبرك ، أما السماء الدنيا الأولى فأيلول ، والثانية زبنول ، والثالثة سحقوم ، والرابعة ذيلول ، والخامسة ماين ، والسادسة ماحيز ، والسابعة أيوث .

فبقي أبو بكر ومن معه متحيرين وقالوا لها: ما تقولين في علي؟ قالت: وما عسى أن أقول في إمام الأئمة ، ووصي الأوصياء ، من أشرق بنوره الأرض والسماء ، ومن لايتم التوحيد إلا بحقيقة معرفته ، ولكنك ممن نكث واستبدل وبعت دينك بدنياك . قال أبو بكر: أقتلوها فقد ارتدت . فقتلت !

وكان علي عليه السلام في ضيعة له بوادي القرى فلما قدم وبلغه قتل أم فروة فخرج إلى قبرها وإذا عند قبرها أربعة طيور بيض ، مناقيرها حمر ، في منقار كل واحد حبة رمان كأحمر ما يكون وهي تدخل في فُرجة في القبر ، فلما نظر الطيور إلى علي عليه السلام رفرفن وقرقرن ، فأجابها بكلام يشبه كلامها وقال: أفعل إن شاء الله .

ووقف على قبرها ومد يده إلى السماء وقال: يا محيي النفوس بعد الموت ، ويا منشئ العظام الدارسات ، أحي لنا أم فروة واجعلها عبرة لمن عصاك ! فإذا بهاتف يقول: إمض لأمرك يا أمير المؤمنين . وخرجت أم فروة متلحفة بريطة خضراء من السندس ، وقالت: يا مولاي أراد ابن أبي قحافة أن يطفئ نورك ، فأبي الله لنورك إلا ضياء ، وبلغ أبا بكر وعمر ذلك فبقيا متعجبين فقال لهما سلمان: لو أقسم أبو الحسن على الله أن يحيي الأولين والآخرين لأحياهم . وردها أمير المؤمنين عليه السلام إلى زوجها وولدت غلامين له ، وعاشت بعد علي ستة أشهر ) . (الخرائج(2/548).

اللهم اغفر لي ولن تفعل !

5- في الخرائج والجرائح للراوندي(2/578): عن سليمان بن مهران الأعمش قال: بينا أنا في الطواف بالموسم إذ رأيت رجلاً يدعو وهو يقول: اللهم اغفر لي وأنا أعلم أنك لا تفعل . قال: فارتعت لذلك ، فدنوت منه وقلت: يا هذا أنت في حرم الله وحرم رسوله ، وهذه أيام حرم في شهر عظيم ، فلم تيأس من المغفرة ؟ قال: يا هذا ذنبي عظيم . قلت: أعظم من جبل تهامة! قال: نعم . قلت: يوازن الجبال الرواسي! قال: نعم ، فإن شئت أخبرتك . قلت: أخبرني .

قال:أخرج بنا عن الحرم فخرجنا منه فقال لي: أنا أحد من كان في العسكر المشؤوم عسكر عمر بن سعد عليه اللعنة ، حين قتل الحسين بن علي عليه السلام ، وكنت أحد الأربعين الذين حملوا الرأس إلى يزيد من الكوفة ، فلما حملناه على طريق الشام نزلنا على دير للنصارى ، وكان الرأس معنا مركوزاً على رمح ومعه الأحراس ، فوضعنا الطعام وجلسنا لنأكل ، فإذا بكف في حائط الدير تكتب:

أترجو أمة قتلت حسينا
شفاعة جده يوم الحساب

قال: فجزعنا من ذلك جزعاً شديداً ، وأهوى بعضنا إلى الكف ليأخذها ، فغابت ثم عاد أصحابي إلى الطعام ، فإذا الكف قد عادت تكتب مثل الأول: فقام أصحابنا إليها ، فغابت ثم عادوا إلى الطعام فعادت تكتب:

وقـد قتلـوا الحسـيـن بحكـم جور
وخالـف حكمهـم حكـم الكتـاب

فامتنعت عن الطعام وما هنأني أكله ، ثم أشرف علينا راهب من الدير ، فرأى نوراً ساطعاً من فوق الرأس فأشرف فرأى عسكراً ، فقال الراهب للحراس: من أين جئتم ؟ قالوا: من العراق حاربنا الحسين . فقال الراهب: ابن فاطمة ، وابن بنت نبيكم ، وابن ابن عم نبيكم! قالوا: نعم . قال: تباً لكم ، والله لو كان لعيسى بن مريم ابن لحملناه على أحداقنا ولكن لي إليكم حاجة . قالوا: وما هي؟ قال: قولوا لرئيسكم: عندي عشرة آلاف دينار ورثتها من آبائي ، ليأخذها مني ويعطيني الرأس ، يكون عندي إلى وقت الرحيل ، فإذا رحل رددته إليه .

فأخبروا عمر بن سعد بذلك ، فقال: خذوا منه الدنانير وأعطوه إلى وقت الرحيل فجاؤوا إلى الراهب ، فقالوا: هات المال حتى نعطيك الرأس .

فأدلى إليهم جرابين في كل جراب خمسة آلاف دينار ، فدعا عمر بالناقد والوزان ، فانتقدها ووزنها ودفعها إلى جارية له وأمر أن يعطى الرأس. فأخذ الراهب الرأس فغسله ونظفه ، وحشاه بمسك وكافور كان عنده ، ثم جعله في حريرة ، ووضعه في حجره ، ولم يزل ينوح ويبكي حتى نادوه وطلبوا منه الرأس ، فقال: يا رأس والله ما أملك إلا نفسي ، فإذا كان غداً فاشهد لي عند جدك محمد أني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله ، أسلمت على يديك وأنا مولاك .

ثم قال لهم: إني أحتاج أن أكلم رئيسكم بكلمة وأعطيه الرأس . فدنا عمر بن سعد منه فقال: سألتك بالله ، وبحق محمد صلى الله عليه وآله ألا تعود إلى ما كنت تفعله بهذا الرأس ، ولا تخرج هذا الرأس من هذا الصندوق . فقال له: أفعل .

فأعطاهم الرأس ونزل من الدير ، فلحق ببعض الجبال يعبد الله . ومضى عمر بن سعد ، ففعل بالرأس مثل ما كان يفعل في الأول . فلما دنا من دمشق ، قال لأصحابه: إنزلوا ، وطلب من الجارية الجرابين ، فاحضرا بين يديه ، فنظر إلى خاتمه ثم أمر أن يفتحا ، فإذا الدنانير قد تحولت خزفية ، فنظروا في سكتها فإذا على جانب مكتوب: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ . وعلى الوجه الآخر: وَسَيَعْلَمُ أَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَىَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ . فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون ، خسرت الدنيا والآخرة . ثم قال لغلمانه: إطرحوها في النهر فطرحت فدخل دمشق من الغد ، وأدخل الرأس إلى يزيد عليه اللعنة ، فابتدر قاتل الحسين إلى يزيد ، فقال:

إمـلأ ركابـي فضـة أو ذهبـا
إنـي قتلـت الملـك المـحجبـا
قتـلت خيـر النـاس امـا وأبـا
ضـربتـه بالسيـف حتـى انقلبـا

فأمر يزيد بقتله ، وقال: حين علمت أنه خير الناس أما وأباً لم قتلته! وجعل الرأس في طشت ، وهو ينظر إلى أسنانه وهو يقول:

ليت أشياخي ببدر شهدوا
جـزع الخـزرج من وقع الأسل
فأهلوا واستهلوا فرحاً
ثم قالوا يا يزيد لا تشل
فجزيناهم ببدر مثلها
وببدر يوم أحد فاعتدل
لست من خندف إن لم أنتقم
من بني أحمد ما كان فعل

فدخل عليه زيد بن أرقم ورأى الرأس في الطشت وهو يضرب بالقضيب على أسنانه ، فقال: كف عن ثناياه فطالما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يقبلها . فقال يزيد: لولا أنك شيخ خرفت لقتلتك .

ودخل عليه رأس اليهود فقال: ما هذا الرأس؟فقال: رأس خارجي. قال:ومن هو؟ قال: الحسين. قال: ابن من؟ قال: ابن علي . قال: ومن أمه؟ قال: فاطمة . قال: ومن فاطمة ؟ قال: بنت محمد . قال: نبيكم! قال: نعم . قال: لا جزاكم الله خيراً بالأمس كان نبيكم واليوم قتلتم ابن بنته! ويحك إن بيني وبين داود النبي نيفاً وسبعين أباً ، فإذا رأتني اليهود كفَّرت لي (كما يفعل غيرنا في الصلاة).

ثم مال إلى الطشت وقبل الرأس وقال: أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن جدك محمداً رسول الله وخرج! فأمر يزيد بقتله ...! فقال الأعمش للرجل: تنح عني ، لا تحرقني بنارك . فوليت ولا أدري ما كان من خبره )

رد الله بصر عجوز عمياء بحبها لعلي عليه السلام

6- (عن سليمان الأعمش ، قال: خرجت حاجاً إلى مكة فاجتزت بالقادسية وإذا بامرأة بدوية عمياء جالسة على الطريق، وهي تقول: يا راد الشمس على ابن أبي طالب عليه السلام رُد عليَّ بصري ، قال: فرق لها قلبي فأخرجت سبعة دنانير فوضعتها في كمها وقلت: يا أمة الله استعيني بهذه على دهرك . فقالت: من أنت يرحمك الله ؟ قلت رجل حاج ، قالت: يا أخي أنت أحوج إلى هذه الدنانير مني لبعد سفرك ، وأنا أرجو حسن كفاية الله تعالى في مكاني هذا ، فقلت لها: ويحك خذيها فإن في نفقتي سعة فقالت: زاد الله في نفقتك ، وأحسن عني جزاك ، وأبت أن تأخذها ، فمضيت وقضيت حجي . فلما عدت دخلت القادسية ، فذكرت الإمرأة العمياء ، فأتيت الموضع فإذا بها جالسة مع نسوة وقد رد الله بصرها ، فسلمت عليها فردت عليَّ السلام ، فقلت لها: يرحمك الله ، ما فعل لك حب علي بن أبي طالب عليه السلام ؟ فقالت: وما سؤالك أبعد الله أجرك ، فقلت: أتعرفيني؟ فقالت: لا ، فقلت: أنا صاحب الدنانير التي عرضتها عليك فامتنعت من قبولها فقالت: مرحبا بك يا هذا وأهلاً ، قبل الله حجك وبر عملك ، أجلس أحدثك فجلست إليها فقالت: أخبرك يا ابن أخي أني دعوت الله عزّ وجلّ سبعة أيام بلياليها ، فلما كان في الليلة السابعة اجتهدت في الدعاء وكانت ليلة الجمعة ، فلما كان نصف الليل إذا أنا برجل أطيب الناس رائحة ، وألطفهم كلاماً فسلم فرددت عليه. فقال: أتحبين علياً عليه السلام ؟ قلت: إي والله أحبه حباً شديداً ، فقال: إلهي وسيدي ومولاي إن كنت تعلم منها حسن النية ، وإخلاص المحبة فرد عليها بصرها بمحمد وآله ، ثم قال: إرفعي رأسك إلى السماء ، وحدقي بطرفك ، فرفعت رأسي فنظرت إلى النجوم ، فقلت: بحق من رد علي بصري بدعائك ، مَن أنت ؟ فقال: أنا الخضر: وأنا خليل علي عليه السلام ورفيقه في الجنة ، فاستمسكي بما أنت عليه من محبتك إياه ، فإن الله ينفعك بذلك في الدنيا والآخرة ). (مدينة المعاجز(2/74).

7- (حدثنا الجماني، عن شريك ، عن سليمان الأعمش قال: حدثني أبو المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة يقول الله لي ولعلي بن أبي طالب: أدخلا الجنة من أحبكما وأدخلا النار من أبغضكما ، وذلك قول الله عزّ وجلّ :أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) . (الجواهر السنية/275).

معجزة زيارة أهل الكهف !

8- في العقد النضيد والدر الفريد/176: (عن سليمان بن مهران الأعمش ، عن سلمان الفارسي قال: كنتُ أميراً على أربعة أُمراء أمّرني عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله قال: بينا نحن قعود عند رسول الله ، إذ أُهدي له بساط فأمر ببسطه ، ثم دعا بأبي بكر فأجلسه على ركن البساط عن يمين رسول الله ، ثم دعا بعمر فأجلسه على الركن الثاني عن يسار أبي بكر ، ثم دعا عثمان بن عفان فأجلسه على الركن الثالث عن يسار عمر ، ثم أجلسني على الركن الرابع ، ثم دعا بعليٍّ عليه السلام فأجلسه في وسط البساط ، ثمَّ رفع رأسه إلى السماء يدعو فقال: اللهم إنَّ أخي سليمان دعاكَ وسألك أن تعطيه مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده ، فاستجبت دعوته وأعطيته مسألته ، اللهمَّ إني عبدك ورسولك وأمينك وخيرتك من خلقكَ ، اللهمَّ فإني أسألك أن تأمر الريح يحمل هؤلاء إلى أصحاب الكهف .

قال سلمان: فرفعت بنا الريح إلى أصحاب الكهف في أسرع الأوقات ، فقلت لأصحابي: أتدرون أين أنتم؟ قالوا: لا، فقلت: فإنا عند أصحاب الكهف .

يا أبا بكر قم فسَلِّم فقام أبو بكر فقال: السلام عليكم فتية آمنوا بربهم ، فلم أسمع لهم جواباً . فقلت لعمر: قم فسلِّم كسلام صاحبك فقام عمر وقال: السلام عليكم فتية آمنوا بربهم ، فلم أسمع لهم جواباً .

فقلت لعثمان: قم فسلِّم فقام عثمان فقال: السلام عليكم فتية آمنوا بربهم ، فلم أسمع لهم جواباً .

ثم قلت لعليٍّ: يا أبا الحسن ، قم فسلِّم سلامَ أصحابك بهذا أُمرت ، فقام عليٌّ عليه السلام فقال: السلام عليكم ، فتيةٌ آمنوا بربهم وزدناهم هدى ، فسمعت لهم حساً وهمهمة ودوياً كدويِّ النحل ، ثمّ أجابوا فقالوا: وعليك السلام يا ابن عم رسول الله ووصيه وخليفته من بعده . ثمَّ رجعنا إلى رسول الله في أسرع الأوقات فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله : ما كان من أمركم يا سلمان ؟ فأخبرتُ رسول الله الخبر فقال: حجةٌ ورب الكعبة لمن قبل، يا سلمان ، حدِّث بهذا الحديث ولا تكتمه ) .

روى الأعمش المناظرة المشهورة لمؤمن الطاق

9- روى الأعمش(الإحتجاج:2/144) مناظرة مؤمن الطاق مع ابن أبي خدرة التاريخية فقال: (اجتمعت الشيعة والمحكمة عند أبي نعيم النخعي بالكوفة ، وأبو جعفر محمد بن النعمان مؤمن الطاق حاضر ، فقال ابن أبي خدرة: أنا أقرر معكم أيتها الشيعة أن أبا بكر أفضل من علي وجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وآله بأربع خصال لا يقدر على دفعها أحد من الناس: هو ثان مع رسول الله صلى الله عليه وآله في بيته مدفون ، وهو ثاني اثني معه في الغار ، وهو ثاني اثنين صلى بالناس آخر صلاة قبض بعدها رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ثاني اثنين الصديق من الأمة .

قال أبو جعفر مؤمن الطاق: يا ابن أبي خدرة ! وأنا أقرر معك أن علياً عليه السلام أفضل من أبي بكر وجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وآله بهذه الخصال التي وصفتها وأنا مثلبة لصاحبك ، وألزمك طاعة علي عليه السلام من ثلاث جهات: من القرآن وصفاً ، ومن خبر رسول الله صلى الله عليه وآله نصاً ، ومن حجة العقل اعتباراً .

ووقع الإتفاق على إبراهيم النخعي ، وعلى أبي إسحاق السبيعي ، وعلى سليمان بن مهران الأعمش . فقال أبو جعفر مؤمن الطاق: أخبرني يا ابن أبي خدرة عن النبي صلى الله عليه وآله أترك بيوته التي أضافها الله إليه ونهى الناس عن دخولها إلا بإذنه ميراثاً لأهله وولده ، أو تركها صدقة على جميع المسلمين ؟ قل ما شئت .

فانقطع ابن أبي خدرة لما أورد عليه ذلك وعرف خطأ ما فيه!

فقال أبو جعفر مؤمن الطاق: إن تركها ميراثاً لولده وأزواجه فإنه قبض عن تسع نسوة ، وإنما لعائشة بنت أبي بكر تسع ثمن هذا البيت الذي دفن فيه صاحبك ، ولم يصبها من البيت ذراع في ذراع ، وإن كان صدقة فالبلية أطم وأعظم ! فإنه لم يصب له من البيت إلا مالأدنى رجل من المسلمين ، فدخول بيت النبي صلى الله عليه وآله بغير إذنه في حياته وبعد وفاته معصية ، إلا لعلي بن أبي طالب عليه السلام وولده ، فإن الله أحل لهم ما أحل للنبي صلى الله عليه وآله . ثم قال: إنكم تعلمون أن النبي صلى الله عليه وآله أمر بسد أبواب جميع الناس التي كانت مشرعة إلى المسجد ما خلا باب علي عليه السلام ، فسأله أبو بكر أن يترك له كوة لينظر منها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأبى عليه ، وغضب عمه العباس من ذلك فخطب النبي صلى الله عليه وآله خطبة وقال: إن الله تبارك وتعالى أمر موسى وهارون أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا ، وأمر هما أن لا يبيت في مسجد هما جنب ولا يقرب فيه النساء إلا موسى وهارون وذريتهما ، وإن علياً مني هو بمنزلة هارون من موسى وذريته كذرية هارون ، ولا يحل لأحد أن يقرب النساء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ولا يبيت فيه جنباً ، إلا علي وذريته ، فقالوا بأجمعهم: كذلك كان .

قال أبو جعفر: ذهب ربع دينك يا ابن أبي خدرة ! وهذه منقبة لصاحبي ليس لأحد مثلها ومثلبة لصاحبك .

وأما قولك: ثاني اثنين إذ هما في الغار ، أخبرني هل أنزل الله سكينته على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى المؤمنين في غير الغار؟ قال ابن أبي خدرة: نعم . قال أبو جعفر: فقد أخرج صاحبك في الغار من السكينة وخصه بالحزن ، ومكان علي عليه السلام في هذه الليلة على فراش النبي صلى الله عليه وآله وبذل مهجته دونه أفضل من مكان صاحبك في الغار! فقال الناس: صدقت . فقال أبو جعفر: يا ابن أبي خدرة ! ذهب نصف دينك .

وأما قولك: ثاني اثنين الصديق من الأمة ، أوجب الله على صاحبك اللإستغفار لعلي بن أبي طالب عليه السلام في قوله عزّ وجلّ : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلآخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالآيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً للَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رُءُوفٌ رَحِيمٌ .

والذي ادعيت إنما هو شئ سماه الناس ، ومن سماه القرآن وشهد له بالصدق والتصديق أولى به ممن سماه الناس، وقد قال علي عليه السلام على منبر البصرة: أنا الصديق الأكبر آمنت قبل أن آمن أبو بكر وصدقت قبله . قال الناس: صدقت .

قال أبو جعفر مؤمن الطاق: يا ابن أبي خدرة ! ذهب ثلاث أرباع دينك .

وأما قولك في الصلاة بالناس: كنت ادعيت لصاحبك فضيلة لم تقم له ، وإنها إلى التهمة أقرب منها إلى الفضيلة ، فلو كان ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله لما عزله عن تلك الصلاة بعينها ، أما علمت أنه لما تقدم أبو بكر ليصلي بالناس خرج رسول الله صلى الله عليه وآله فتقدم وصلى بالناس وعزله عنها !

ولا تخلو هذه الصلاة من أحد وجهين: إما أن تكون حيلة وقعت منه فلما حس النبي صلى الله عليه وآله بذلك خرج مبادراً مع علته فنحاه عنها لكي لا يحتج بعد على أمته فيكونوا في ذلك معذورين ، وإما أن يكون هو الذي أمره بذلك وكان ذلك مفوضاً إليه كما في قصة تبليغ براءة فنزل جبرئيل عليه السلام وقال: لايؤديها إلا أنت أو رجل منك ، فبعث علياً عليه السلام في طلبه وأخذها منه وعزله عنها وعن تبليغها ؟ فكذلك كانت قصة الصلاة ، وفي الحالتين هو مذموم ، لأنه كشف عنه ما كان مستوراً عليه ، وذلك دليل واضح ، لأنه لا يصلح لللإستخلاف بعده ، ولا هو مأمون على شئ من أمر الدين! فقال الناس: صدقت .

قال أبو جعفر مؤمن الطاق: يا ابن أبي خدرة ! ذهب دينك كله ، وفضحت حيث مدحت ، فقال الناس لأبي جعفر: هات حجتك فيما ادعيت من طاعة علي عليه السلام ، فقال أبو جعفر مؤمن الطاق: أما من القرآن وصفاً ، فقوله: عزّ وجلّ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ . فوجدنا علياً عليه السلام بهذه الصفة في القرآن في قوله عزّ وجلّ : َالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَاسِ ، يعني في الحرب والتعب ، أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ . فوقع الإجماع من الأمة بأن علياً عليه السلام أولى بهذا الأمر من غيره ، لأنه لم يفر عن زحف قط كما فر غيره في غير موضع! فقال الناس: صدقت . وأما الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله نصاً فقال: إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي: كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض . وقوله صلى الله عليه وآله : مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح ، من ركبها نجى ، ومن تخلف عنا غرق ، ومن تقدمها مرق ، ومن لزمها لحق . فالمتمسك بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله هاد مهتد بشهادة من الرسول صلى الله عليه وآله والمتمسك بغيرهم ضال مضل! قال الناس: صدقت يا أبا جعفر .

وأما من حجة العقل: فإن الناس كلهم يستعبدون بطاعة العالم ووجدنا الإجماع قد وقع على علي عليه السلام أنه كان أعلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وكان جميع الناس يسألونه ويحتاجون إليه ، وكان علي عليه السلام مستغنياً عنهم ، هذا من الشاهد ، والدليل عليه من القرآن قوله عزّ وجلّ : أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لا يَهِدّيِ إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ . فما اتفق يوم أحسن منه، ودخل في هذا الأمر عالم كثير.

وقد كانت لأبي جعفر مؤمن الطاق مقامات مع أبي حنيفة ، فمن ذلك:

ما روي أنه قال يوماً لمؤمن الطاق: إنكم تقولون بالرجعة ؟ قال: نعم ، قال أبو حنيفة: فأعطني الآن ألف درهم حتى أعطيك ألف دينار إذا رجعنا ! قال الطاقي لأبي حنيفة: فأعطني كفيلاً بأنك ترجع إنساناً ولا ترجع خنزيراً .

وقال له يوماً آخر: لمَ لم يطالب علي بن أبي طالب بحقه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله إن كان له حق ؟ فأجابه مؤمن الطاق ، فقال: خاف أن تقتله الجن كما قتلوا سعد بن عبادة بسهم المغيرة بن شعبة .

وكان أبو حنيفة يوماً آخر يتماشى مع مؤمن الطاق في سكة من سكك الكوفة ، إذا بمناد ينادي ، من يدلني على صبي ضال؟ فقال مؤمن الطاق: أما الصبي الضال فلم نره ، وإن أردت شيخا ضالاً فخذ هذا ! عنى به أبا حنيفة !

ولما مات الصادق عليه السلام رأى أبو حنيفة مؤمن الطاق ، فقال له: مات إمامك ؟ قال: نعم ، أما إمامك فمن المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم )!

أحمد بن محمد بن عقدة

أحمد بن محمد بن سعيد السبيعي الهمداني المعروف بابن عقدة (249 - 333 هـ ) فهو متأخر عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام ويروي عنهما بواسطة ، ومع أنه زيدي المذهب فهو يروي عن أئمتنا عليهم السلام ويروي أخبار المهدي عليه السلام كأنه اثنا عشري .

قال النجاشي (231 ):(جليل في أصحاب الحديث مشهوربالحفظ . والحكايات تختلف عنه في الحفظ وعِظمه وكان كوفياِ زيدياً جارودياً على ذلك حتى مات وذكره أصحابنا لاختلاطه بهم ومداخلته إياهم ، وعظم محله وثقته وأمانته) .

وقال الطوسي في الفهرست/86: ( وأمره في الثقة والجلالة وعظم الحفظ أشهر من أن يذكر ) . وذكر النجاشي والطوسي كتبه وهي كثيرة ، ولم يسلم منها إلا القليل .

قال الذهبي في سيره(15/340): (أبو العباس الكوفي الحافظ العلامة ، أحد أعلام الحديث ونادرة الزمان وصاحب التصانيف على ضعف فيه (لأنه شيعي!) وهو المعروف بالحافظ ابن عقدة . وعُقْدَة لقب لأبيه النحوي البارع محمد بن سعيد كان قبل الثلاث مئة . ولد أبو العباس في سنة تسع وأربعين ومئتين بالكوفة وطلب الحديث سنة بضع وستين ومئتين ، وكتب منه ما لا يحد ولا يوصف ، عن خلق كثير بالكوفة وبغداد ومكة . روى عنه الطبراني ، وابن عدي ، وأبو بكر بن الجعابي ، وابن المظفر، وأبو علي النيسابوري ، وأبو أحمد الحاكم ، وابن المقرئ ، وابن شاهين ، وعمر بن إبراهيم الكتاني ، وأبو عبيد الله المرزباني ، وابن جميع الغساني ، وإبراهيم بن عبد الله خرشيذ قوله ، وأبو عمر بن مهدي ، وأبو الحسين أحمد بن المتيم ، وأحمد بن محمد بن الصلت الأهوازي ... وخلائق .

قال أبو أحمد الحاكم: قال لي ابن عقدة: دخل البرديجي الكوفة فزعم أنه أحفظ مني فقلت: لاتطوِّل ، نتقدم إلى دكان وراق ونضع القبَّان ونزن من الكتب ما شئت ثم يلقى علينا فنذاكره ! قال: فبقي ! (أي لم يكن عنده جواب!)

سمعت علي بن عمر وهو الدارقطني يقول:أجمع أهل الكوفة أنه لم يُرَ من زمن عبد الله بن مسعود إلى زمن أبي العباس بن عقدة ، أحفظ منه . ابن عقدة يعلم ما عند الناس ولا يعلم الناس ما عنده ).

وتدل الرواية على أن الوراقين بياعي الكتب كانوا يبيعونها بالوزن ، وأن عمدة الكتب في المكتبات كانت كتب الحديث . وكان الحديث يشمل التفسير أيضاً .

وقد كتب الذهبي رسالة وافية في ترجمته ، ويظهر أنهم أخفوها من مخطوطاته !

حاجتهم لابن عقدة وعداؤهم له !

في سير أعلم النبلاء(15/348 ):( روى ابن صاعد ببغداد حديثاً أخطأ في إسناده ، فأنكر عليه ابن عقدة فخرج عليه أصحاب ابن صاعد (وهم غوغاء أهل الحديث الذين أسسهم المتوكل، وكانوا يهاجمون مراكز الشيعة ومن خالفهم ) ! وارتفعوا إلى الوزير علي بن عيسى وحبس ابن عقدة ، فقال الوزير: من نسأل ونرجع إليه؟ فقالوا: ابن أبي حاتم ، فكتب إليه الوزير يسأله ، فنظر وتأمل فإذا الحديث على ما قال ابن عقدة ، فكتب إليه بذلك فأطلق ابن عقدة وارتفع شأنه .

سمعت ابن الجعابي يقول: دخل ابن عقدة بغداد ثلاث دفعات ، سمع في الأولى من إسماعيل القاضي ونحوه ، ودخل الثانية في حياة ابن منيع ، فطلب مني شيئاً من حديث ابن صاعد لينظر فيه فجئت إلى ابن صاعد فسألته فدفع إلي مسند علي فتعجبت من ذلك ، وقلت في نفسي: كيف دفع إلي هذا وابن عقدة أعرف الناس به ! مع اتساعه في حديث الكوفيين ، وحملته إلى ابن عقدة ، فنظر فيه ، ثم رده عليَّ فقلت: أيها الشيخ هل فيه شئ يستغرب؟ فقال: نعم فيه حديث خطأ ! فقلت: أخبرني به فقال: لاوالله لا عرفتك ذلك حتى أجاوز قنطرة الياسرية وكان يخاف من أصحاب ابن صاعد ، فطالت علي الأيام انتظاراً لوعده ، فلما خرج إلى الكوفة سرت معه فلما أردت مفارقته قلت: وعدك؟ قال: نعم ، الحديث عن أبي سعيد الأشج ، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، ومتى سمع منه؟ وإنما ولد أبو سعيد في الليلة التي مات فيها يحيى بن زكريا ! فودعته وجئت إلى ابن صاعد فأعلمته بذلك فقال: لأجعلن على كل شجرة من لحمه قطعة ، يعني ابن عقدة ! ثم رجع يحيى إلى الأصول فوجده عنده الحديث عن شيخ غير الأشج ، عن ابن أبي زائدة فجعله على الصواب..

قال الخطيب: سمعت من يذكر أن الحفاظ كانوا إذا أخذوا في المذاكرة ، شرطوا أن يعدلوا عن حديث ابن عقدة لاتساعه وكونه مما لا ينضبط .

ثم عدد الذهبي بعض كتبه نقلاً عن الشيخ الطوسي1، ثم نقل عن أبي عمر بن حياة قال: كان ابن عقدة في جامع براثا يملي مثالب الصحابة أو قال: الشيخين ، فلم أحدث عنه بشئ . وقيل: إن الدارقطني كذب من يتهمه بالوضع ، وإنما بلاؤه من روايته بالوجادات ، ومن التشيع). ومعنى الوجادة: أنه وجد كتاباً ورواه .

أما كتب ابن عقدة فقال عنها الطوسي في رجاله/409: (روى ابن عقدة جميع كتب أصحابنا ومصنفاتهم ، وذكر أصولهم، ثم أورد عدداً كبيراً منها ، ومن ذلك: كتب غريب القرآن لأبان بن تغلب ، ومحمد بن السائب الكلبي ، وأبي روق بن عطية بن الحارث جمع عبد الرحمن بن محمد الأزدي الكوفي. كتاب الفضائل كتاب القراءة كتاب صفين لأبان بن تغلب . كتب المبدأ والمغازي والوفاة والردة والنواد لأبان بن عثمان الأحمر البجلي . وكتاب خطب علي عليه السلام لإبراهيم بن الحكم بن ظهير الفزاري . كتاب النوادر لإبراهيم بن عبد الحميد الأسدي . كتاب مبوب في الحلال والحرام لإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن أبي عبد الله عليه السلام .كتاب إبراهيم بن مهزم الأسدي.كتاب السنن والأحكام والقضايا لأبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله ... تفسير القرآن: لزياد بن المنذر أبو الجارود ، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام .. رسالة أبي جعفر عليه السلام الى كتاب سعد بن طريف الحنظلي. كتاب سويد مولى محمد بن مسلم.. الخ.) وذكر ابن عقدة بعد كل كتاب سنده له ، وتاريخ إجازة سماعه !

ولما غضب الخليفة على ابن عقدة ، أحرقوا كتبه ونهبوها ، ووصلت بعض كتبه الى علماء السلطة كالخطيب البغدادي فنقل منها !

قال(تاريخ بغداد:3/307): (وذكره ابن عقدة في تاريخه الكبير). ونحوه ابن حجر في التهذيب (9/259/487).

وذكرالخطيب إجازة ابن عقدة لابن السقاء في كتابه الكفاية في علم الرواية/349 ، قال: وقرأت بخط أبي العباس أحمد بن محمد المعروف بابن عقدة ، إجازة قد كتبها لأبي محمد عبد الله بن محمد بن عثمان الواسطي الحافظ المعروف بابن السقاء نسختها..

وذكر له في تاريخ بغداد (5/16) جزء في صلة الرحم .

وذكر له ابن ماكولا (2/550 و1/316) كتاب أخبار أبي حنيفة ومسنده .

ومعناه أن بعض كتبه وصلت الى يد علماء السلطة ، بغد الغارة عليها ونهبها !

قال العلامة في الخلاصة/322:(له كتب ذكرناها في كتابنا الكبير، منها كتاب أسماء الرجال الذين رووا عن الصادق عليه السلام أربعة آلاف رجل، وأخرج فيه لكل رجل الحديث الذي رواه ). وقال ابن حجر في فتح الباري(7/61): (وأما حديث من كنت مولاه فعلي مولاه فقد أخرجه الترمذي والنسائي وهو كثير الطرق جداً وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد وكثير من أسانيدها صحاح وحسان ، وقد روينا عن الإمام أحمد قال: ما بلغنا عن أحد من الصحابة ما بلغنا عن علي بن أبي طالب).

من مرويات أحمد بن عقدة

المسجد والحرم كله قبلة

روى عنه الطوسي في تهذيب الأحكام(2/44) ، بسنده عن الإما م الصادق عليه السلام قال: (البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة للناس جميعاً).

وروى خطبة الحسن عليه السلام بسنده عن أبي الطفيل ، قال: خطب الحسن بن علي عليهما السلام بعد وفاة علي عليه السلام وذكر أمير المؤمنين عليه السلام فقال: خاتم الوصيين ، وصي خاتم الأنبياء ، وأمير الصديقين والشهداء والصالحين . ثم قال: يا أيها الناس ، لقد فارقكم رجل ما سبقه الأولون ، ولا يدركه الآخرون ، لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعطيه الراية فيقاتل جبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره ، فما يرجع حتى يفتح الله عليه ، ما ترك ذهباً ولا فضة إلا شيئاً على صبي له ، وما ترك في بيت المال إلا سبع مائة درهم ، فضلت من عطائه ، أراد أن يشتري بها خادماً لام كلثوم . ثم قال: من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد النبي صلى الله عليه وآله ثم تلا هذه الآية ، قول يوسف: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. أنا ابن البشير ، أنا ابن النذير ، وأنا ابن الداعي إلى الله ، وأنا ابن السراج المنير ، وأنا ابن الذي أرسل رحمة للعالمين ، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، وأنا من أهل البيت الذين كان جبرئيل ينزل عليهم ومنهم كان يعرج ، وأنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم وولايتهم ، فقال فيما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله :قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا. واقتراف الحسنة: مودتنا ). (أمالي الطوسي/269).

وروى عن ابن أبي ليلى ، قال: شهد مع علي عليه السلام يوم الجمل ثمانون من أهل بدر وألف وخمس مائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ).(شرح الأخبار:1/489).

الشيعي الثرثار أضر من الناصبي !

روى ابن عقدة عن عبد الأعلى بن أعين: قال لي أبو عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام : يا عبد الأعلى ، إن احتمال أمرنا ليس معرفته وقبوله ، إن احتمال أمرنا هو صونه وستره عمن ليس من أهله ، فاقرءهم السلام ورحمة الله يعني الشيعة وقل: قال لكم رحم الله عبداً استجر مودة الناس إلى نفسه وإلينا بأن يظهر لهم ما يعرفون ويكف عنهم ما ينكرون ، ثم قال: ما الناصب لنا حرباً بأشد مؤونة من الناطق علينا بما نكرهه ). (الغيبة للنعماني/42 ) .

وروى ابن عقدة ضرورة وجود الإمام

روى بسنده عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة خطبها بالكوفة طويلة ذكرها: اللهم فلا بد لك من حجج في أرضك حجة بعد حجة على خلقك يهدونهم إلى دينك ، ويعلمونهم علمك لكيلا يتفرق أتباع أوليائك ظاهر غير مطاع ، أو مكتتم خائف يترقب ، إن غاب عن الناس شخصهم في حال هدنتهم في دولة الباطل فلن يغيب عنهم مبثوث علمهم ، وآدابهم في قلوب المؤمنين مثبتة ، وهم بها عاملون ، يأنسون بما يستوحش منه المكذبون ، ويأباه المسرفون بالله ، كلام يكال بلا ثمن لو كان من يسمعه بعقله فيعرفه ويؤمن به ويتبعه ، وينهج نهجه فيفلح به ؟ ثم يقول: فمن هذا ؟ ولهذا يأرز العلم إذ لم يوجد حملة يحفظونه ويؤدونه كما يسمعونه من العالم . ثم قال بعد كلام طويل في هذه الخطبة: اللهم وإني لأعلم أن العلم لا يأرز كله ، ولا ينقطع مواده ، فإنك لا تخلي أرضك من حجة على خلقك إما ظاهر مطاع ، أو خائف مغمور ليس بمطاع ، لكي لا تبطل حجتك ويضل أولياؤك بعد إذ هديتهم ، ثم تمام الخطبة ). (الغيبة للنعماني/136).

وروى علامات الإمام المعصوم

روى بن عقدة عن الإمام الرضا عليه السلام قال: ( للإمام علامات: يكون أعلم الناس، وأحكم الناس ، وأتقى الناس ، وأحلم الناس ، وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس ، ويولد مختوناً ، ويكون مطهراً ، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه ، ولا يكون له ظل ، وإذا وقع إلى الأرض من بطن أمه وقع على راحتيه رافعاً صوته بالشهادتين ، ولا يحتلم وتنام عينه ولا ينام قلبه ، ويكون محدَّثاً ، ويستوى عليه درع رسول الله صلى الله عليه وآله ولا يرى له بول ولا غائط لأن الله عزّ وجلّ قد وكل الأرض بابتلاع ما يخرج منه ويكون رائحته أطيب من رائحة المسك .

ويكون أولى بالناس منهم بأنفسهم ، وأشفق عليهم من آبائهم وأمهاتهم ، ويكون أشد الناس تواضعاً لله عزّ وجلّ  ، ويكون آخذ الناس بما يأمر به ، وأكف الناس عما ينهى عنه ، ويكون دعاؤه مستجاباً حتى أنه لو دعا على صخره لانشقت بنصفين ، ويكون عنده سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسيفه ذو الفقار ، ويكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعتهم إلى يوم القيامة ، وصحيفة فيها أسماء أعدائهم إلى يوم القيامة ، ويكون عنده الجامعة وهي صحيفة طولها سبعون ذراعاً فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم . ويكون عنده الجفر الأكبر والأصغر ، إهاب ماعز وإهاب كبش فيهما جميع العلوم حتى أرش الخدش وحتى الجلدة ونصف الجلدة ، ويكون عنده مصحف فاطمة عليها السلام .

وفي حديث آخر: وجميع الأئمة الأحد عشر بعد النبي صلى الله عليه وآله قتلوا منهم بالسيف وهوأميرالمؤمنين والحسين عليهم السلام والباقون قتلوا بالسم قتل كل واحد منهم طاغية زمانه ، وجرى ذلك عليهم على الحقيقة والصحة لا كما تقوله الغلاة والمفوضة لعنهم الله ، فإنهم يقولون: إنهم لم يقتلوا على الحقيقة وإنه شبه للناس أمرهم ، فكذبوا عليهم غضب الله ، فإنه ما شبه أمر أحد من أنبياء الله وحججه للناس إلا أمر عيسى بن مريم عليه السلام وحده ، لأنه رفع من الأرض حياً ، وقبض روحه بين السماء والأرض ، ثم رفع إلى السماء ورد عليه روحه ، وذلك قول الله تعالى: إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا .وقال عزّ وجلّ حكاية لقول عيسى عليه السلام يوم القيامة: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَئٍ شَهِيدٌ . ويقولون المتجاوزون للحد في أمر الأئمة عليهم السلام : إنه إن جاز أن يشبه أمر عيسى عليه السلام للناس فلم لا يجوز أن يشبه أمرهم أيضاً ؟ والذي يجب أن يقال لهم: إن عيسى هو مولود من غير أب فلم لا يجوز أن يكونوا مولودين من غير آباء ؟ فإنهم لا يجترون على إظهار مذهبهم لعنهم الله في ذلك ، ومتى جاز أن يكون جميع أنبياء الله ورسله وحججه بعد آدم مولودين من الآباء والأمهات وكان عيسى عليه السلام من بينهم مولوداً من غير أب جاز أن يشبه أمر غيره من الأنبياء والحجج عليهم السلام كما جاز أن يولد من غير أب دونهم ، وإنما أراد الله عزّ وجلّ يجعل أمره آية وعلامة ). (العيون:1/192).

الإمام منصوب من الله تعالى

روى بسنده عن الباقر عليه السلام في قوله تعالى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى الله وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى للَّمُتَكَبِّرِينَ . قال: من زعم أنه إمام وليس بإمام . قلت: وإن كان علوياً فاطمياً ؟ قال: وإن كان علويا فاطمياً )! (الغيبة للنعماني/113).

وروى عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: ( ينبغي لمن ادعى هذا الأمر في السر أن يأتي عليه ببرهان في العلانية . قلت: وما هذا البرهان الذي يأتي في العلانية؟ قال: يحل حلال الله ، ويحرم حرام الله ، ويكون له ظاهر يصدق باطنه. (الغيبة للنعماني/113).

عن عمرو بن الأشعث ، قال: سمعت جعفر بن محمد عليه السلام يقول ونحن عنده في البيت نحو من عشرين رجلاً فأقبل علينا وقال: لعلكم ترون أن هذا الأمر في الإمامة إلى الرجل منا يضعه حيث يشاء ، والله إنه لعهد من الله نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله إلى رجال مسميْن رجلٌ فرجلٌ حتى تنتهي إلى صاحبها ).(الغيبة/59).

وروى عن الباقر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن من أهل بيتي اثنا عشر محدثًا. فقال له رجل يقال له عبد الله بن زيد وكان أخ علي بن الحسين من الرضاعة: سبحان الله محدثاً ! كالمنكر لذلك . قال: فأقبل عليه أبو جعفر عليه السلام ، فقال له: أما والله إن ابن أمك كان كذلك يعني علي بن الحسين عليه السلام ). (الغيبة/72).

كل إمام مزعوم من دون الله مرفوض

روى عن محمد بن مسلم الثقفي ، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام يقول: كل من دان لعبادة الله يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله تعالى فسعيه غير مقبول ، وهو ضال متحير ، والله شانئ لأعماله ). (الغيبة/126).

وروى حديث علي لحذيفة عن الأئمة عليهم السلام

روى بسنده عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال لحذيفة بن اليمان: يا حذيفة ، لا تحدث الناس بما لا يعرفون فيطغوا ويكفروا ، إن من العلم صعباً شديداً محمله لو حملته الجبال عجزت عن حمله ، إن علمنا أهل البيت سينكر ويبطل ، وتقتل رواته ، ويساء إلى من يتلوه بغياً وحسداً لما فضل الله به عترة الوصي وصي النبي صلى الله عليه وآله  .

يا ابن اليمان ، إن النبي صلى الله عليه وآله تفل في فمي وأمر يده على صدري ، وقال: اللهم أعط خليفتي ووصيي ، وقاضي ديني ، ومنجز وعدي وأمانتي ، وولييوناصري على عدوك وعدوي ، ومفرج الكرب عن وجهي ما أعطيت آدم من العلم ، وما أعطيت نوحاً من الحلم ، وإبراهيم من العترة الطيبة والسماحة ، وما أعطيت أيوب من الصبر عند البلاء ، وما أعطيت داود من الشدة عند منازلة الأقران ، وما أعطيت سليمان من الفهم ، اللهم لا تخف عن علي شيئاً من الدنيا حتى تجعلها كلها بين عينيه مثل المائدة الصغيرة بين يديه ، اللهم أعطه جلادة موسى ، واجعل في نسله شبيه عيسى عليه السلام ، اللهم إنك خليفتي عليه وعن عترته وذريته الطيبة المطهرة التي أذهبت عنها الرجس والنجس ، وصرفت عنها ملامسة الشياطين  ، اللهم إن بغت قريش عليه ، وقدمت غيره عليه فاجعله بمنزلة هارون من موسى إذ غاب عنه موسى ، ثم قال لي: يا علي ، كم في ولدك من ولد فاضل يقتل والناس قيام ينظرون لا يغيرون! فقبحت أمة ترى أولاد نبيها يقتلون ظلماً وهم لايغيرون إن القاتل والآمر والشاهد الذي لايغير كلهم في الإثم واللعان سواء مشتركون !

يا ابن اليمان ، إن قريشاً لا تنشرح صدورها ، ولا ترضى قلوبها ، ولا تجري ألسنتها ، ببيعة علي وموالاته إلا على الكره والعمى والصغار .

يا ابن اليمان ، ستبايع قريش علياً، ثم تنكث عليه وتحاربه وتناضله وترميه بالعظائم ، وبعد علي يلي الحسن وسينكث عليه ، ثم يلي الحسين فتقتله أمة جده فلعنت أمة تقتل ابن بنت نبيها ولا تُعز من أمة ولعن القائد لها والمرتب لفاسقها . فوالذي نفس علي بيده ، لا تزال هذه الأمة بعد قتل الحسين ابني في ضلال وظلمة وعسف وجور واختلاف في الدين ، وتغيير وتبديل لما أنزل الله في كتابه ، وإظهار البدع ، وإبطال السنن ، واختلال وقياس مشتبهات ، وترك محكمات حتى تنسلخ من الإسلام وتدخل في العمى والتلدد والتسكع !

ما لك يا بني أمية ، لا هديت يا بني أمية ، وما لكم يا بني العباس ، لكم الإتعاس، فما في بني أمية إلا ظالم ، ولا في بني العباس إلا معتد متمرد على الله بالمعاصي ، قتَّال لولدي ، هتَّاك لستري وحرمتي ، فلا تزال هذه الأمة جبارين يتكالبون على حرام الدنيا ، منغمسين في بحار الهلكات وفي أودية الدماء ، حتى إذا غاب المتغيب من ولدي عن عيون الناس ، وماج الناس بفقده أو بقتله أو بموته ، اطلعت الفتنة ، ونزلت البلية ، والتحمت العصبية ، وغلا الناس في دينهم وأجمعوا على أن الحجة ذاهبة ، والإمامة باطلة ، ويحج حجيج الناس في تلك السنة من شيعة علي ونواصبه للتحسس والتجسس عن خلق الخلف فلا يرى له أثر ولا يعرف له خبر ولا خلف، فعند ذلك سُبَّت شيعة علي سبها أعداؤها ، وظهرت عليها الأشرار والفساق باحتجاجها، حتى إذا بقيت الأمة حيارى وتدلهت وأكثرت في قولها إن الحجة هالكة ، والإمامة باطلة ، فورب علي إن حجتها عليها قائمة ماشية في طرقها ، داخلة في دورها وقصورها ، جوالة في شرق هذه الأرض وغربها ، تسمع الكلام وتسلم عن الجماعة ، ترى ولا ترى إلى الوقت والوعد ، ونداء المنادي من السماء: ألا ذلك يوم فيه سرور ولد علي وشيعته). (الغيبة/144).

وروى ابن عقدة من أحاديث المهدي عليه السلام

روى عن الإمام الصادق عليه السلام تفسير قوله تعالى: وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِى لا يُشْرِكُونَ بِى شَيْئًا: قال: نزلت في القائم وأصحابه ) . (الغيبة/247).

وروى عن الفضيل بن يسار ، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن قائمنا إذا قام استقبل من جهل الناس أشد مما استقبله رسول الله صلى الله عليه وآله من جهال الجاهلية . قلت: وكيف ذاك ؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أتى الناس وهم يعبدون الحجارة والصخور والعيدان والخشب المنحوتة ، وإن قائمنا إذا قام أتى الناس وكلهم يتأول عليه كتاب الله يحتج عليه به ، ثم قال: أما والله ليدخلن عليهم عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحر والقر ) . (الغيبة/307).

وروى عن المفضل بن عمر: قال أبو عبد الله عليه السلام : إذا أذن الإمام دعا الله باسمه العبراني فأتيحت له صحابته الثلاث مائة والثلاثة عشر قزع كقزع الخريف ، فهم أصحاب الألوية، منهم من يفقد من فراشه ليلاً فيصبح بمكة ، ومنهم من يرى يسير في السحاب نهاراً يعرف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه.قلت: جعلت فداك أيهم أعظم إيماناً ؟ قال: الذي يسير في السحاب نهاراً ، وهم المفقدون ، وفيهم نزلت هذه الآية: أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَاتِ بِكُمُ الله جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٌ. (الغيبة/326).

وروى عن الإمام الصادق عليه السلام قال: إذا خرج القائم عليه السلام خرج من هذا الأمر من كان يرى أنه من أهله ودخل فيه شبه عبدة الشمس والقمر. (الغيبة/332).

سأله المعلى بن خنيس: أيسير القائم إذا قام بخلاف سيرة علي عليه السلام ؟ فقال: نعم ، وذاك أن علياً سار بالمن والكف ، لأنه علم أن شيعته سيظهر عليهم من بعده ، وأن القائم إذا قام سار فيهم بالسيف والسبي ، وذلك أنه يعلم أن شيعته لم يظهر عليهم من بعده أبداً ) . (الغيبة/337).

وروى عن أبي بصير:قلت لأبي عبد الله عليه السلام :كان أبو جعفر عليه السلام يقول:لقائم آل محمد غيبتان: أحدهما أطول من الأخرى، فقال: نعم ولا يكون ذلك حتى يختلف سيف بني فلان وتضيق الحلقة ، ويظهر السفياني ويشتد البلاء ، ويشمل الناس موت وقتل يلجؤون فيه إلى حرم الله وحرم رسوله صلى الله عليه وآله ).(الغيبة للنعماني/177).

وروى عن أبي بصير: قال أبو عبد الله عليه السلام : لا بد أن يكون قدام القائم سنة يجوع فيها الناس ، ويصيبهم خوف شديد من القتل ، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ، فإن ذلك في كتاب الله لبين ، ثم تلا هذه الآية: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَئٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ). (الغيبة/259).

وروى ابن عقدة عدة أحاديث عن الصادق والباقر عليهما السلام يظهر أنها دمجت في بعضها ، نذكر منها عن أبي بصير، عن الباقر عليه السلام قال: إذا رأيتم ناراً من المشرق شبه الهردي العظيم تطلع ثلاثة أيام أو سبعة فتوقعوا فرج آل محمد عليهم السلام إن شاء الله عزّ وجلّ إن الله عزيز حكيم، ثم قال: الصيحة لا تكون إلا في شهر رمضان ، لأن شهر رمضان شهر الله ، والصيحة فيه هي صيحة جبرائيل إلى هذا الخلق ، ثم قال: ينادي مناد من السماء باسم القائم عليه السلام فيسمع من بالمشرق ومن بالمغرب ، لا يبقى راقد إلا استيقظ ، ولا قائم إلا قعد ، ولا قاعد إلا قام على رجليه فزعاً من ذلك الصوت ، فرحم الله من اعتبر بذلك الصوت فأجاب ، فإن الصوت الأول هو صوت جبرئيل الروح الأمين عليه السلام .

ثم قال عليه السلام : خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة ، في شهر واحد ، في يوم واحد ، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضا فيكون البأس من كل وجه ، ويل لمن ناواهم ، وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني ، هي راية هدى ، لأنه يدعو إلى صاحبكم ، فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس وكل مسلم ، وإذا خرج اليماني فانهض إليه فإن رايته راية هدى ، ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه ، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار ، لأنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم . ثم قال لي: إن ذهاب ملك بني فلان كقصع الفخار ، وكرجل كانت في يده فخارة وهو يمشي إذ سقطت من يده وهو ساه عنها فانكسرت ، فذهاب ملكهم هكذا أغفل ما كانوا عن ذهابه )؟ (الغيبة/262).

ولاية أهل البيت شرط في قبول الأعمال

روى ابن عقدة عن الصادق عليه السلام قال: (ألا أخبركم بما لايقبل الله عزّ وجلّ من العباد عملاً إلا به ؟ فقلت: بلى. فقال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده والإقرار بما أمر الله والولاية لنا والبراءة من أعدائنا، يعني الأئمة خاصة، والتسليم لهم والورع والإجتهاد والطمأنينة، والإنتظار للقائم عليه السلام .

ثم قال: إن لنا دولة يجئ الله بها إذا شاء. ثم قال: من سره أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه فجدوا وانتظروا، هنيئاً لكم أيتها العصابة المرحومة) . (الغيبة للنعماني/207).

عصا موسى عليه السلام من الجنة

روى عن الإمام الصادق عليه السلام قال: عصا موسى عليه السلام قضيب آس من غرس الجنة ، أتاه بها جبرائيل عليه السلام لما توجه تلقاء مدين ، وهي وتابوت آدم في بحيرة طبرية ، ولن يبليا ، ولن يتغيرا حتى يخرجهما القائم عليه السلام إذا قام ) . (الغيبة للنعماني/243)

لا تترك قضاء حاجة المؤمن

روى عن الصادق عليه السلام قال:( أيما رجل مسلم أتاه رجل مسلم في حاجة ، وهو يقدر على قضائها فمنعه إياها ، عيَّره الله يوم القيامة تعييراَ شديداَ وقال له: أتاك أخوك في حاجة قد جعلت قضاؤها في يدك ، فمنعته إياها زهداً منك في ثوابها ، وعزتي لا أنظر إليك اليوم في حاجة معذباً كنت أو مغفوراً لك) . (أمالي الطوسي /99).

وروى قصة يهودي جاء الى عمر

روى عن عمر بن أبي سلمة ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله . وعن أبي الطفيل عامر بن واثلة قالا: شهدنا الصلاة على أبي بكر حين مات ، فبينما نحن قعود حول عمر وقد بويع إذ جاءه فتى يهودي من يهود المدينة كان أبوه عالم اليهود بالمدينة ، وهم يزعمون أنه من ولد هارون فسلم على عمر ، وقال: يا أمير المؤمنين ، أيكم أعلم بكتابكم وسنة نبيكم ؟ فقال: عمر: هذا وأشار إلى علي بن أبي طالب عليه السلام وقال: هذا أعلمنا بكتابنا وسنة نبينا .

فقال الفتى: أخبرني أنت كذا ؟ قال: نعم ، سلني عن حاجتك . فقال: إني أسألك عن ثلاث وثلاث وواحدة . قال علي عليه السلام : أفلا تقول: أسألك عن سبع؟

فقال الفتى: لا ، ولكن أسألك عن الثلاث ، فإن أصبت فيهن سألتك عن الثلاث الآخر ، فإن أصبت فيهن سألتك عن الواحدة ، فإن لم تصب في الثلاث الأول سكت ولم أسألك عن شئ . قال له علي عليه السلام : يا يهودي ، فإن أخبرتك بالصواب وبالحق تعلم أني أخطأت أو أصبت؟ قال: نعم . قال علي عليه السلام : فبالله لئن أصبت فيما تسألني عنه لتسلمن ولتدعن اليهودية؟قال: نعم لك الله علي لئن أصبت لأسلمن ولأدعن اليهودية . قال: فاسأل عن حاجتك.

قال: أخبرني عن أول حجر وضع على وجه الأرض ، وأول شجرة نبتت في الأرض ، وأول عين أنبعت في الأرض ؟ قال علي عليه السلام : يا يهودي ، أما أول حجر وضع على وجه الأرض فإن اليهود يقولون الصخرة التي في بيت المقدس وكذبوا ولكنه الحجر الأسود ، نزل به آدم عليه السلام من الجنة فوضعه في الركن والمؤمنون يستلمونه ليجددوا العهد والميثاق لله عزّ وجلّ بالوفاء .

وأما قولك: أول شجرة نبتت في الأرض فإن اليهود يقولون الزيتونة وكذبوا ، ولكنها النخلة العجوة ، نزل بها آدم عليه السلام من الجنة وبالفحل ، فأصل الثمرة كلها العجوة . وأما العين فإن اليهود يقولون: بأنها العين التي تحت الصخرة وكذبوا ، ولكنها عين الحياة التي لا يغمس فيها ميت إلا حي ، وهي عين موسى التي نسي عندها السمكة المملوحة فلما مسها الماء عاشت وانسربت في البحر فاتبعها موسى وفتاه حين لقيا الخضر . فقال الفتى: أشهد أنك قد صدقت وقلت الحق ، وهذا كتاب ورثته عن آبائي إملاء موسى عليه السلام وخط هارون عليه السلام بيده ، وفيه هذه الخصال السبع ، والله لئن أصبت في بقية السبع لأدعن ديني وأتبعن دينك .

فقال علي عليه السلام : سل. فقال: أخبرني كم لهذه الأمة بعد نبيها من إمام هدى لايضرهم خذلان من خذلهم؟ وأخبرني عن موضع محمد في الجنة أي موضع هو؟ وكم مع محمد في منزلته ؟ فقال: علي: يا يهودي ، لهذه الأمة اثنا عشر إماماً مهدياً كلهم هاد مهدي لا يضرهم خذلان من خذلهم ، وموضع محمد صلى الله عليه وآله في أفضل منازل جنة عدن وأقربها من الله وأشرفها ، وأما الذي مع محمد صلى الله عليه وآله في منزلته فاللإثنا عشر الأئمة المهديون . قال اليهودي: وأشهد أنك قد صدقت وقلت الحق لئن أصبت في الواحدة كما أصبت في الستة والله لأسلمن على يدك ولأدعن اليهودية . قال له: إسأل . قال: أخبرني عن خليفة محمد كم يعيش بعده ، ويموت موتاً أو يقتل قتلاً ؟ قال: يعيش بعده ثلاثين سنة، وتخضب هذه من هذه وأخذ بلحيته وأوما إلى رأسه. فقال الفتى: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وأنك خليفة رسول الله على الأمة ، ومن تقدمك مفتر، ثم خرج ). صفحة/97

لم يقبل علي عليه السلام أن يجعل سيرة أبي بكر وعمر جزء من الدين

روى ابن عقدة بسنده عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن جده: أن القوم حين اجتمعوا للشورى فقالوا فيها ، وناجى عبد الرحمن رجل منهم على حدة ، ثم قال لعلي عليه السلام : عليك عهد الله وميثاقه ، لئن وليت لتعملن بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر .

فقال علي عليه السلام : علي عهد الله وميثاقه ، لئن وليت أمركم لأعملن بكتاب الله وسنة رسوله . فقال عبد الرحمن لعثمان كقوله لعلي عليه السلام ، فأجابه أن نعم فرد عليهما القول ثلاثاً كل ذلك يقول علي عليه السلام كقوله ، ويجيبه عثمان: أن نعم ، فبايع عثمان عبد الرحمن عند ذلك ). (أمالي الطوسي/709).

وفي تاريخ اليعقوبي(2/162): (فقال عبد الرحمن بن عوف: لنا الله عليك إن وليت هذا الأمر أن تسير فينا بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر؟فقال علي عليه السلام : أسير فيكم بكتاب الله وسنة نبيه ما استطعت . فخلا بعثمان فقال له: لنا الله عليك إن وليت هذا الأمر أن تسير فينا بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر؟ فقال: لكم أن أسير فيكم بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر ، ثم خلا بعلي فقال له مثل مقالته الأولى فأجابه مثل الجواب الأول ، ثم خلا بعثمان فقال له مثل المقالة الأولى ، فأجابه مثل ما كان أجابه ، ثم خلا بعلي فقال له مثل المقالة الأولى ، فقال: إن كتاب الله وسنة نبيه لا يحتاج معهما إلى إجِّيرى أحد ! أنت مجتهد أن تزوي هذا الأمر عني. فخلا بعثمان فأعاد عليه القول فأجابه بذلك الجواب ، وصفق على يده).

ومعنى قول علي عليه السلام لعبد الرحمن: أنت مجتهد أن تزوي هذا الأمر عني: أنك تعرف أني لا يمكن أن أكرز سيرة الشيخين جزءً من الإسلام ، فليس هدفك إلا أن تحصل مني على مبرر وتبعد الخلافة عني! ومعنى قوله: إن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله لا يحتاج معهما إلى إجِّيري أحد ! أن الكتاب والسنة ليسا ناقصين حتى تكملهما باشتراط سنة أحد وسيرته !

والإجِّيري: العادة ، وقال ابن السكيت: ما زال ذلك إجِّيراه ، أي عادته . وفي الإمامة والسياسة(1/125) أنه عليه السلام قال: وما يدخل سنة أبي بكر وعمر مع كتاب الله وسنة نبيه!

الفصل الخامس

فضح الإمام الباقر عليه السلام علماء الخلافة !

هبط المستوى العلمي للأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله هبوطاً فاحشاً !

ذكرنا أن المستوى العلمي للأمة هبط بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله هبوطاً حاداً ، فصار السائد في الأمة السطحية والظنون ! وقام دين الخليفة على الرأي، وتبعه المسلمون فاعتمدوا الظنون وثقافة اليهود ، وموروثات المجتمع العربي الجاهلي . ولم يخرج عن هذه الحالة إلا أئمة العترة عليهم السلام الذين قال الله فيهم:قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ..أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ .

لكنهم كانوا معزولين وممنوعين أن يعلموا الأمة ، بل كان من يأخذ عنهم يُتهم !

وقد ضرب المحامي الأردني أحمد حسين يعقوب ، مثلاً لذلك ، فقال: إن سبب انهيار المستوى العلمي بسيط: فلو أن جماعة دخلوا المحكمة فكتفوا القاضي الخبير بالقانون ، وجلسوا في منصة القضاء ، وأرادوا أن يحكموا وليس عندهم علم ، فلا بد لهم أن يحكموا بالظن والرأي ! وهذا ما وقع لما غيبوا علم أهل البيت عليهم السلام فلم يبق لهم إلا الرأي !

وقد ارتكبوا في تفسير آيات القرآن تخريب معانيها ، وتمييعه ، وتحريفه ، والجهالة في تفسيرها،لأنهم ليس عندهم علم بالكتاب ولا باللغة وقواعدها!

سمى الإمام عليه السلام علماء الخلافة: الأخابث الصادين عن سبيل الله !

وجد الإمام الباقر عليه السلام نحو عشرين شخصاً تبنتهم السلطة كعلماء ومفسرين ومفتين وأئمة مذاهب ، فوجه سيفه نحوهم ، وسماهم الأخابث الصادين عن سبيل الله ، لأنهم برأيه عليه السلام أصل كل ضلالة ، فلا علم عندهم ، بل يبيعون الناس آراءهم وبضاعة أهل الكتاب ، وقد أضلوا الناس وغشوهم !

فكان لا بد من فضحهم وكشفهم للناس ليتركوهم ! ووصفهم بأنهم يصدون الناس عن العلم النبوي الصحيح عند أهل البيت عليهم السلام .

ولأنهم طلاب دنيا فقد ارتكبوا جريمة نصب أنفسهم أئمة للمسلمين بدون حجة ولا علم ! وأولهم ابن عباس ، وأنس خادم النبي صلى الله عليه وآله ، والحسن البصري ، ويليهم كعب الأحبار ، وأبو حنيفة ، وسفيان الثوري ، وعكرمة ، وقتادة ، والحكم بن عتيبة ، وأمثالهم !

ما ضرَّ هؤلاء الأخابث لو جلسوا في بيوتهم !

في الكافي(1/393) بسند صحيح عن سدير الصيرفي قال: (سمعت أبا جعفر عليه السلام وهو داخل وأنا خارج وأخذ بيدي، ثم استقبل البيت فقال: يا سدير إنما أُمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها ثم يأتونا فيُعلمونا ولايتهم لنا وهو قول الله: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى. ثم أومأ بيده إلى صدره إلى ولايتنا .

ثم قال: يا سدير فأريك الصادين عن دين الله؟! ثم نظر إلى أبي حنيفة وسفيان الثوري في ذلك الزمان وهم حَلَقٌ في المسجد ، فقال: هؤلاء الصادون عن دين الله بلا هدى من الله ولا كتاب مبين ، إن هؤلاء الأخابث لو جلسوا في بيوتهم فجال الناس فلم يجدوا أحداً يخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله صلى الله عليه وآله حتى يأتونا فنخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله صلى الله عليه وآله ) .

ومعناه الحرمة المشددة لمن تصدى للإفتاء ، ونصب نفسه مفتياً ، أو محدثاً ، أوشيخاً ، أو إمام مذهب ، لأن ذلك يحتاج الى علم يقني ، والى نصب من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله !

وقال الإمام الباقر عليه السلام :( إن العلم الذي نزل مع آدم عليه السلام لم يرفع ، والعلم يتوارث ، وكان علي عليه السلام عالم هذه الأمة ، وإنه لم يهلك منا عالم قط إلا خلفه من أهله من علم مثل علمه ، أو ما شاء الله ). ( الكافي1/222و393) .

وفي معاني الأخبار/182،بسند صحيح عن فضيل بن عثمان، قال:(سئل أبو عبد الله عليه السلام فقيل له: إن هؤلاء الأخابث يروون عن أبيك يقولون:إن أباك عليه السلام قال: إذا عرفت فاعمل ما شئت! فهم يستحلون بعد ذلك كل مُحرم ! قال: ما لهم لعنهم الله ! إنما قال أبي عليه السلام : إذا عرفت الحق فاعمل ما شئت من خير يقبل منك ).

أي افترى علماء السلطة على الإمام الباقر عليه السلام بأنه قال: من عرف إمامه فليفعل ما شاء ! فاستنكر ذلك وقال: إنما قال إذا عرفت فاعمل ما شئت . فإذا عرفت الإمام فاعمل فإنه يقبل منك ، ولم يقل معرفتك للإمام تغني عن العمل،كما زعم أبو حنيفة وسفيان وبقية الأخابث !

عبد الله بن عباس أول علماء الخلافة الصادين عن سبيل الله !

لو أردنا ترجمة أهم علماء السلطة كما نسجوا من سيرتهم لاحتجنا الى مجلدين ، لكنا نأخذ أشهرهم ونبين عوارهم وكيف فضحهم الإمام الباقر عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام ، وقد أخذنا أكثر ترجمة بعضهم من كتاب التفسير والمفسرون للشيخ محمد حسين الذهبي المصري ، فهو معجب بعلماء السلطة جميعاً ، بل يقدسهم تقديس العوام !

كيف ترجموا لعبد الله بن عباس؟

قال الذهبي المصري: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله . ولد والنبي وأهل بيته بالشعب بمكة فأتى به النبي فحنكه بريقه وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين ، ولازم النبي في صغره لقرابته منه ، ولأن خالته ميمونة كانت من أزواج رسول الله ، توفي رسول الله وله من العمر ثلاث عشرة سنة ، وقيل خمس عشرة ، فلازم كبار الصحابة وأخذ عنهم ما فاته من حديث رسول الله ، وكانت وفاته بالطائف سنة ثمان وستين على الأرجح ، وله من العمر سبعون سنة .

كان ابن عباس يلقب بالحبر والبحر لكثرة علمه ، وكان على درجة عظمية من الإجتهاد والمعرفة بمعاني كتاب الله ، ولذا انتهت إليه الرئاسة في الفتوى والتفسير وكان عمر يجلسه مع كبار الصحابة ويدنيه منه ، وكان يقول له: إنك لأصبح فتياننا وجهاً ، وأحسنهم خلقاً ، وأفقههم في كتاب الله . وقال في شأنه: ذاكم فتى الكهول ! إن له لساناً سؤولاً ، وقلباً عقولاً .

وكان لفرط أدبه إذا سأله عمر مع الصحابة عن شئ يقول: لا أتكلم حتى يتكلموا . وكان عمر يعتد برأي ابن عباس مع حداثة سنه. كان إذا جاءته الأقضية المعضلة قال لابن عباس: إنها قد طرأت علينا أقضية وعضل فأنت لها ولأمثالها ، فكان يأخذ بقوله ، وما كان يدعو لذلك أحداً سواه !

وقال فيه عطاء: ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس! أصحاب الفقه عنده ، وأصحاب القرآن عنده ، وأصحاب الشعر عنده يصدرهم كلهم من واد واسع. وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: كان ابن عباس قد فاق الناس بخصال: بعلم ما سبقه وفقه فيما احتيج إليه من رأيه ، وحلم ونسب ، وتأويل ، وما رأيت أحداً كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله منه ، ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه ، ولا أفقه في رأي منه ، ولا أثقب رأياً فيما احتيج إليه منه ، ولقد كان يجلس يوماً ولا يذكر فيه إلا الفقه ، ويوماً التأويل ويوماً المغازي ، ويوماً الشعر ، ويوماً أيام العرب ، ولا رأيت عالماً قط جلس إليه إلا خضع له ، وما رأيت سائلاً قط سأله إلا وجد عنده علماً !

والحق أن ابن عباس قد ظهرفيه النبوغ العربي بأكمل معانيه علماً وفصاحة ، وسعة اطلاع في نواح علمية مختلفة ، لا سيما فهمه لكتاب الله تعالى . وخير ما يقال فيه ما قاله ابن عمر: ابن عباس أعلم أمة محمد بما نزل على محمد!

أخذ ابن عباس علمه من أهل الكتاب

قال الذهبي المصري: (كان ابن عباس كغيره من الصحابة الذين اشتهروا بالتفسير ، يرجعون في فهم معاني القرآن إلى ما سمعوه من رسول الله ، وإلى ما يفتح الله به عليهم من طريق النظر والإجتهاد ، مع الإستعانة في بمعرفة أسباب النزول والظروف والملابسات التي نزل فيها القرآن . ومن بين المراجع العلمية المفضلة عند ابن عباس ، كعب الأحبار اليهودي ، وعبد الله بن سلام ، وأهل الكتاب على العموم ، فقد كان يسأل كعباً عن التفسير الصحيح لأم القرآن وللمرجان مثلاً، وقد رأى الناس في هؤلاء اليهود أن عندهم أحسن الفهم على العموم في القرآن وفي كلام الرسول وما فيهما من المعاني الدينية، ورجعوا إليهم سائلين عن هذه المسائل رغم التحذير الشديد من كل جهة من سؤالهم .

هذه هي عبارة الأستاذ جولد زيهر في كتابه . وقد تابعه الأستاذ أحمد أمين على هذا الرأي ، حيث يقول في فجر الإسلام: وقد دخل بعض هؤلاء اليهود في الإسلام ، فتسرب منهم إلى المسلمين كثير من هذه الأخبار ، ودخلت في تفسير القرآن يستكملون بها الشرح ، ولم يتحرج حتى كبار الصحابة مثل ابن عباس عن أخذ قولهم. روى أن النبي قال: إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم. ولكن العمل كان على غير ذلك ، كانوا يصدقونهم وينقلون عنهم .

فالأستاذ جولد زيهر ، والأستاذ أحمد أمين ، يريان أن الصحابة وبخاصة ابن عباس لم يأبهوا لنهي الرسول فصدقوا أهل الكتاب وأخذوا عنهم الكثير في التفسير ، وأن اللون اليهودي قد صبغ مدارس التفسير القديمة ، وبالأخص مدرسة ابن عباس ، بسبب اتصالهم بمن دخل في الإسلام من أهل الكتاب !

والحق أن هذا غلو في الرأي ، فابن عباس وغيره من الصحابة ، كانوا يسألون علماء اليهود الذين اعتنقوا الإسلام ، ولكن لم يكن سؤالهم عن شئ يمس العقيدة أو يتصل بأصول الدين أو فروعه ، وإنما كانوا يسألون أهل الكتاب عن بعض القصص والأخبار الماضية ، ولم يكونوا يقبلون كل ما يروى لهم على أنه صواب لايتطرق إليه شك ، بل كانوا يحكمون دينهم وعقلهم ، فما اتفق مع الدين والعقل صدقوه ، وما خالف ذلك نبذوه ، وما سكت عنه القرآن واحتمل الصدق والكذب توقفوا فيه . وبهذا المسلك يكون الصحابة قد جمعوا بين قوله عليه الصلاة والسلام: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج . وقوله: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، فإن الأول محمول على ما وقع فيهم من الحوادث والأخبار لما فيها من العظة والإعتبار ، بدليل قوله بعد ذلك: فإن فيهم أعاجيب . والثاني محمول على ما إذا كان المخبر به من قبلهم محتملاً ، ولم يقم دليل على صدقه ولا على كذبه لأنه ربما كان صدقاً في نفس الأمر فيكون في التكذيب به حرج ، وربما كان كذباً في نفس الأمر فيكون في التصديق به حرج ، ولم يرد النهى عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه ، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه ، كما أفاده ابن حجر ونبه عليه الشافعي .

ثم كيف يستبيح ابن عباس لنفسه أن يحدث عن بني إسرائيل يمثل هذا التوسع الذي يجعله مخالفاً لأمر رسول الله (ص) وقد كان ابن عباس نفسه من أشد الناس نكيراً على ذلك ، فقد روى البخاري في صحيحه عنه أنه قال: يا معشر المسلمين: تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه أحدث الأخبار بالله ، تقرؤونه محضاً لم يُشب ، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا: هَذَا مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً ! أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم ، ولا والله ما رأينا رجلاً منهم قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم !

أقول: كفى برواية البخاري وكلام ابن عباس دليلاً على رد كلام الذهبي المصري ، فابن عباس يقول إن المسلمين يسألون اليهود والنصارى ، بينما هم لا يسألوننا !

وهو يسألهم ويقول أسألهم عن بعض الأشياء ولا آخذ برأيهم !

يفتخر الشيعة بمواقف ابن عباس ويتغاضون عن ضعفه

يفتخر الشيعة بمواقف ابن عباس ، ومن حقهم ذلك لأنه دافع عن عليِّ عليه السلام وبني هاشم دفاعاً قوياً ، وأفحم خصومهم وألقمهم أحجاراً !

فمواقفه ومناظراته مفحمة وقاصمة مع عمر وعائشة ومعاوية وشخصيات بني أمية . وقد روتها المصادر المختلفة وتداولها الناس في مجالسهم .

ولذلك يصعب على الشيعة نقد ابن عباس مع أنهم يعرفون أن فيه نقاط ضعف !

والحس العام عند الشيعة أن دفاعاته القوية عن أمير المؤمنين عليه السلام منقبة عظيمة يغتفر معها نقاط الضعف الصغيرة .

وكان أميرالمؤمنين عليه السلام يحسب الأمور بمصلحة الإسلام العليا ويعرف نقاط ضعف ابن عباس ولذلك كان متحفظاً منه فلم تصدر منه شهادة مدح فيه أبداً ، كما صدرت في غيره من أصحابه ، ولا خصه بشيئ من علمه كما خص آخرين . ولما جعله والياً على البصرة جعل معه أبا الأسود الدؤلي على قضاء البصرة (طرائف المقال:2/72) وجعل معه زياد بن عبيد والياً على بيت المال .

قال ابن الأثير في الكامل (3 / 256 ): (وولى زياداً على الخراج وبيت المال ، وأمر ابن عباس أن يسمع منه ويطيع ). وكأنه عليه السلام كان يقرأ الغيب وما سيفعله ابن عباس!

فكان زياد يعطي ابن عباس المخصصات التي يحتاجها في ولايته ، ولم تكن يد ابن عباس مطلقة في بيت المال !

وكان زياد بن عبيد والياً ناجحاً ، لأنه يجيد الفارسية من أمه ، وقد نجح في التعامل مع الفرس في البصرة وفارس . ومهما كانت أمه سمية فأمير المؤمنين عليه السلام يطبق القاعدة الشرعية: الولد للفراش وللعاهر الحجر .

رأيي في ابن عباس

1- اشتهر ابن عباس بأنه مدافع قوي عن بني هاشم ، وخاصة عن أمير المؤمنين عليه السلام فهو بصير بخصومهم القرشيين ، وحجته قوية ، وله مواقف ومناظرات مع عمر وعائشة ومعاوية ومروان وابن الزبير وغيرهم ، هي من أقوى المناظرات حجة وأداءً .

لذلك أحبه الشيعة الإمامية وعده بعضهم منهم ، لكنه يتبين واقعه عندما يكون الأمر بين بني علي وبني العباس ، لذلك فهو عندي ثقة إلا أن يكون الأمر بينه وبين العلويين . وقد أظهر نفسه لما ادعى الإمامة بعد الحسين عليه السلام وأنكر إمامة زين العابدين عليه السلام بل لما أنكر أن تكون ليلة القدر تنزل بعد النبي صلى الله عليه وآله على علي والأئمة عليهم السلام ، فأظهر الله له آية وأصابه بالعمى كما يأتي.

2- كان ابن عباس صاحب نبوغ وصاحب حافظة قوية ، وروى ابن حجر في الإصابة(4/128) أنه كان عمره لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله عشر سنين ورجح رواية الثلاث عشرة سنة .

3- جمع محمد عابد السندي أحاديثه التي سمعها مباشرة من النبي صلى الله عليه وآله فبلغت 87 حديثاً فقط ، وسماها: كشف الباس عما رواه ابن عباس مشافهة عن سيد الناس . لكنه جمع الأحاديث من الصحابة وحدث بها ، وكان يقصد بيوتهم ويسمع منهم ويكتب .

4- والإشكال عليه: لماذا لم يذكر أسماء من روى عنهم وأسقط الواسطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله  ، فكأنه هو سمع منه ، وكثيراً ما يقول سمعت رسول الله ولم يسمع منه إلا 87 حديثاً!

5- إذا نظرنا الى موسوعة أحاديث ابن عباس نصل الى نتيجة أنه حشوي يروي الضد والنقيض، وفقد روى حديث الغدير وبيعة الغدير لعلي عليه السلام وروى نص النبي صلى الله عليه وآله على الأئمة الإثني عشر عليهم السلام ، وفي نفس الوقت ادعى الإمامة بعد الحسين عليه السلام !

ابن عباس يتحدث كيف كان يجمع الأحاديث

في سنن الدارمي(1/141، و146): (عن ابن عباس قال: لما توفي رسول الله قلت لرجل من الأنصار: يافلان هلمَّ فلنسأل أصحاب النبي فإنهم اليوم كثير ، فقال: واعجباً لك يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله من ترى ! فترك ذلك وأقبلت على المسألة ، فإنه كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائلٌ فأتوسد ردائي على بابه فتسفي الريح على وجهي التراب ، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك ، ألا أرسلت إليَّ فآتيك . فأقول: أنا أحق أن آتيك فأساله عن الحديث .

قال: فبقي الرجل (الذي لم يصحبه ليجمع الحديث)حتى رآني وقد اجتمع الناس عليَّ فقال: كان هذا الفتى أعقل مني ).

وفي الطبقات (2/371): (عن سلمى قالت: رأيت عبد الله بن عباس معه ألواح يكتب عليها عن أبي رافع شيئاً من فعل رسول الله صلى الله عليه وآله ).

وروى كُرَيْب غلام ابن عباس أن ابنه علياً ورث كتبه ، كما في الطبقات (5/293):(قال: وضع عندنا كريب حمل بعير أو عدل بعير من كتب بن عباس . قال: فكان علي بن عبد الله بن عباس إذا أراد الكتاب كتب إليه إبعث إلي بصحيفة كذا وكذا ، قال فينسخها فيبعث إليه بإحداهما ).

أعجب عمر بابن عباس ونصبه رئيس علماء الخلافة

أُعجب عمر بن الخطاب بابن عباس أيما إعجاب ، لأن عمر ومن حوله لابضاعة لهم من العلم ، ولم يعرفوا حتى مفردات اللغة مثل وفاكهة وأباًّ ، ولاعرفوا حساب سهام الإرث ، ولأن عمر يحتاج الى أحد يقابل به علياً المعروف بعلمه، فنصب ابن عباس رئيس علماء الخلافة ، وسماه حَبْر الأمة ، وهو غلامٌ لم تكتمل لحيته فكان يفتي لهم بظنه ، فيُعجبون به ويعملون بفتواه !

سماه عمر بثقافته اليهودية: حبر الأمة !

فهو متأثر بألقاب اليهود حيث كان يحضر دروسهم! ولذا سماه حبر الأمة وتبعه الرواة والناس . وقال له عمر(سير الذهبي:3/337) :(إني رأيت رسول الله دعاك يوماً فمسح رأسك وتفل في فيك وقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ).

ولم يقل متى رأى النبي صلى الله عليه وآله تفل في فمه ودعا له ! فلما ولد ابن عباس في الشعب كان عمر كافراً ، ثم بقي ابن عباس في مكة مع أبيه ولم يهاجر.

والصحيح أن هذا القول من أم عبد الله زعمت أنها لما ولدته أخذته إلى النبي صلى الله عليه وآله في الشعب فتفل في فمه ودعا له فتبنى عمر حديثها، ولم يرو هذا الحديث غيرها ، وكان العباس مع بني هاشم في الشعب لكنه لم يكن يومها مسلماً .

وقال الذهبي في سيره ( 3 / 331 ): (عبد الله بن عباس البحر ، حبرالأمة ، وفقيه العصر، وإمام التفسير.. مولده بشعب بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين . صحب النبي صلى الله عليه وآله نحواً من ثلاثين شهراً ، وحدث عنه بجملة صالحة ) !

والصحيح في علم ابن عباس ما رواه ابن سعد (2/371 ) قال: ( رأيت عبد الله بن عباس معه ألواح يكتب عليها عن أبي رافع شيئاً من فعل رسول الله صلى الله عليه وآله . سمعت ابن عباس يقول: كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله من المهاجرين والأنصار ، فأسألهم عن مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وما نزل من القرآن في ذلك . وكنت لا آتي أحداً منهم إلا سُرَّ بإتياني لقربي من رسول الله صلى الله عليه وآله ).

وغرض عمر من ألقابه له وادعائه أن النبي صلى الله عليه وآله تفل في فمه ودعا له بالعلم ! أن يقول إنه مستغنٍ عن علم علي بعلم ابن عباس ! فكأنه يقول له لا نحتاج الى علمك هذا ابن عباس عنده علم النبي صلى الله عليه وآله !وقد روى أبو الصلاح الحلبي في تقريب المعارف/255: (عن الحكم بن عتيبة قال:كان عمر يدعو ابن عباس فيستفتيه مغايظة لعلي )!

لكن مكانة ابن عباس عند عمر لم تبلغ مكانة كعب الأحبار !

فكعب كما ستعرف له في قلب عمر مكانة نبي، وقد كان يستفتيه في الأحكام والعقائد ، ويسأله عن مستقبله الشخصي ، وعن الجنة والنار ، كما سيأتي .

كان ابن عباس يفسر القرآن ويفتي برأيه وظنه !

كان ابن عباس من أئمة مدرسة العمل بالرأي والظن ، يفسرالقرآن بالظن ويفتي ويحُلل ويحرم بالظن . فهو على مذهب الخلفاء القرشيين ، أبي بكر وعمر ، الذين أدانوا الظن والرأي لكنهم عملوا به كل عمرهم !

قال الدارمي (2/346): (أرسل ابن عباس إلى زيد بن ثابت: أتجد في كتاب الله للأم ثلث ما بقي؟فقال زيد: إنما أنت رجل تقول برأيك ، وأنا رجل أقول برأيي)! وصححه الألباني في إرواء الغليل(6/123) .

وفي سنن النسائي(6/228): (عن عكرمة قال: أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج وأبوين؟ فقال زيد: للزوج النصف وللأم ثلث ما بقي وللأب بقية المال... قال فأتيت ابن عباس فأخبرته ، قال فقال: إرجع إليه فقل له: أبكتاب الله قلت أم برأيك؟ قال: فأتيته فقال: برأيي. فرجعت إلى ابن عباس فأخبرته فقال ابن عباس: وأنا أقول برأيي للأم الثلث كاملاً )!

وبقي ابن عباس على هذا المذهب ! وكان يستفتي أهل الرأي، ويعمل بفتواهم !

ولاينافي هذا أنه أحياناً يأخذ بالعلم اليقيني من علي عليه السلام ، فهو بذلك لايكون من أتباع مدرسة العلم اليقينيي بل من أتباع الظن ، لأن الظن كالخمر: ما أسكر كثيره فقليله حرام !

وكان ابن عباس يعرف أن علياً عليه السلام مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله وعنده العلم الصحيح ، لكنه يخاف من عمر أن يتهمه بأنه يأخذ علم علي عليه السلام وينشره !

وقد روى علماؤهم وصححوه كابن سعد (4/22)والطبري في الرياض النضرة (3/160) وابن عبد البر في الإستيعاب (3/1104) ومجمع الزوائد (9/69) أن ابن عباس كان يقول: (والله لقد أعطى علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم ، وأيم الله لقد شارككم في العشر العاشر) .

وروى ابن عباس تأكيدات النبي صلى الله عليه وآله على أن الله فرض على أمته اتباع علي والأئمة من عترته عليهم السلام لكنه لايريد أن يفتح مشكلة مع عمر بل يريد كسب رضاه ! وهذا يدل على أن شخصيته ضعيفة كأبيه ، فهو يتقرب الى الخليفة لينال من دنياه !

ميثم التمار يفحم ابن عباس ويملي عليه من علمه !

تدل الحادثة التالية على أن ابن عباس لم يأخذ تفسير القرآن من علي عليه السلام ، رغم قربه منه في خلافته ، ورغم تعصبه لقبيلة بني هاشم !

روى الكشي/294، عن حمزة بن ميثم التمار ، عن أبيه أنه زار المدينة فالتقى بابن عباس فقال له: (يا ابن عباس، سلني ما شئت من تفسير القرآن ، فإني قرأت تنزيله على أمير المؤمنين عليه السلام وعلمني تأويله . فقال: يا جارية الدواةَ وقرطاساً فأقبلَ يكتب . فقلت: يا ابن عباس كيف بك إذا رأيتني مصلوباً تاسع تسعة ، أقصرهم خشبة وأقربهم بالمطهرة ، فقال لي: وتَكَهَّنُ أيضاً ! خَرِّقِ الكتاب!

فقلت: مَهْ ، إحتفظ بما سمعت مني، فإن يك ما أقول لك حقاً أمسكته ، وإن يك باطلاً خرقته . قال: هو ذاك. فقدم أبي علينا فما لبث يومين حتى أرسل عبيد الله بن زياد  ، فصلبه تاسع تسعة أقصرهم خشبة وأقربهم إلى المطهرة .

فرأيت الرجل الذي جاء إليه ليقتله وقد أشار إليه بالحربة وهو يقول: أما والله لقد كنت ما علمتك إلا قواماً ، ثم طعنه في خاصرته فأجافه ، فاحتقن الدم فمكث يومين ، ثم إنه في اليوم الثالث بعد العصر قبل المغرب ، انبعث منخراه دماً ، فخضبت لحيته بالدماء ) !

كان ذلك أواخر سنة ستين لأن ميثماً رضي الله عنه قتل قبل قدوم الحسين عليه السلام الى العراق بعشرة أيام ، وكان ابن عباس في الثلاث والستين من عمره وتوفي في السبعين .

وفي الرواية دلالات: منها: أن ميثم التمار وهو من حواريي علي عليه السلام قد خصه بعلم البلايا والمنايا ، يقول لابن عباس علمني علي عليه السلام التفسير والتأويل فتعال فاكتب! فأسرع وأتى بالقرطاس ، وأخذ يسأله ويكتب .

ومنها: أن ميثم التمار أراد أن يُرِي ابن عباس معجزة لأمير المؤمنين عليه السلام ويَهُزَّ إيمانه فقال له: إني ذاهب الى الكوفة لأُصلب وأُقتل ! فدهش ابن عباس وتصور أن ذلك كهانةٌ من ميثم ، فأراد أن يمحو ما كتب عنه ! فأفحمه ميثم وقال له: إصبر قليلاً لتعرف هل أن كلامي كهانة أم يقين تعلمته من ابن عمك وصي النبي صلى الله عليه وآله الذي لم تتعلم منه ! فخجل ابن عباس وقال: الحق معك ، فلنصبر! ولا يبعد أن يكون ميثم حدثه عن الحسين عليه السلام وكربلاء ودعاه الى نصرته والذهاب معه !

والعجيب أن ابن عباس رأى بعد أيام صدق قول ميثم ، وإيمانه ويقينه ، ولكنه بقي على مستواه ، فلم يذهب مع الحسين عليه السلام  ، بل (نصحه) بعدم الذهاب !

في رسائل الشهيد الثاني/329: (حدثني محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام قال: لما تجهر الحسين عليه السلام إلى الكوفة أتاه ابن عباس فناشده الله والرحم أن يكون هو المقتول بالطف! فقال: أنا أعرف بمصرعي منك وما وكدي(بغيتي)من الدنيا إلا فراقها !

ألا أخبرك يا ابن عباس بحديث أمير المؤمنين عليه السلام والدنيا؟فقال له بلى لعمري إني لأحب أن تحدثني بأمرها ، فقال أبي قال علي بن الحسين عليه السلام سمعت أبا عبد الله يقول: حدثني أميرالمؤمنين عليه السلام قال: إني كنت بفدك في بعض حيطانها وقد صارت لفاطمة عليه السلام قال فإذا أنا بأمره قد قحمت علي وفي يدي مسحاة وأنا اعمل بها ، فلما نظرت إليها طاير قلبي مما تداخلني من جمالها ، فشبهتها ببثينة بنت عامر الجمحي وكانت من نساء أجمل قريش، فقالت: يا ابن أبي طالب هل لك أن تتزوج بي فأغنيك عن هذه المسحاة ، وأدلك على خزائن الأرض فيكون لك الملك ما بقيت ولعقبك من بعدك؟فقال لها:من أنت حتى أخطبك من أهلك؟فقالت: أنا الدنيا. قال لها:فارجعي واطلبي زوجاً غيري! وأقبلت على مسحاتي وأنشأت أقول:

لقـد خـاب مـن غرتـه دنيـاً دنيـةٌ
وما هي إن عزت قروناً بنائل
أتتنا على زي العزيز بثينة
وزينتها في مثل تلك الشمائل
فقلـت لهـا غـري سـواي فإننـي
عروف عن الدنيا ولست بجاهل
وما أنا والدنيا فإن محمداً
أهل صـريعـاً بيـن تلـك الجـنادل
وهبهـا أتتنـى بالكنـوز وردهـا
وأمـوال قـارون وملـك القبـائـل
أليـس جميعـاً للفنـاء مصيـرها
ويطلـب مـن خـزانـها بالطـوائل
فغـري سـواي إننـي غيـر راغب
بمـا فيـك مـن ملـك وعز ونائل
فقـد قنعت نفسـي بما قد رزقـتـه
فشأنـك يا دنيـا وأهـل الغـوائـل
فإني أخاف الله يوم لقائه وأخشى غداً دائماً غير زائل

فخرج من الدنيا وليس في عنقه تبعة لأحد ، حتى لقي الله محموداً غير ملوم ولا مذموم . ثم اقتدت به الأئمة من بعده عليهم السلام لم يتلطخوا بشئ من بوائقها)!

أقول: هذه القصة من الحسين عليه السلام لابن عباس جواباً على نهيه إياه أن يكون قتيل الطف ، تدل على أن مشكلة ابن عباس حبه للدنيا ، فأجابه الحسين عليه السلام بأنه كأبيه لايعملان بهذه المقاييس !

ولم ينتفع ابن عباس بظنونه ومقاييسه، فقد عاش بعد الحسين عليه السلام بضع سنين ورأى الذل من ابن الزبير ، ونفاه الى الطائف فتوفي هناك ، وأوصى ابنه أن يذهب لاجئاً عند بني أمية في الشام !

ابن عباس وبيت مال البصرة

روت المصادر أن أميرالمؤمنينن عليه السلام اتهم ابن عباس بأنه لما كان والي البصرة خان بيت المال ، وأخذ منه مبلغاً كبيراً أو صغيراً . قال عليه السلام (نهج البلاغة:3/353): (أما بعد فإني كنت أشركتك في أمانتي، وجعلتك شعاري وبطانتي، ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي لمواساتي وموازرتي وأداء الأمانة إلي . فلما رأيتَ الزمان على ابن عمك قد كَلِب ، والعدو قد حَرِب ، وأمانة الناس قد خُزِيَت ، وهذه الأمة قد فَنَكَت وشَغَرَت ، قَلَبْتَ لابن عمك ظهر المِجَنّ ، ففارقته مع المفارقين ، وخذلته مع الخاذلين ، وخنته مع الخائنين ! فلا ابن عمك آسيت ، ولا الأمانة أديت !

وكأنك لم تكن الله تريد بجهادك ، وكأنك لم تكن على بينة من ربك ، وكأنك إنما كنت تكيد هذه الأمة عن دنياهم ، وتنوي غرتهم عن فيئهم ، فلما أمكنتك الشدة في خيانة الأمة ، أسرعت الكرة وعاجلت الوثبة ، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم ، المصونة لأراملهم وأيتامهم ، اختطاف الذئب الأزَلِّ دامية المعزى الكسيرة ، فحملته إلى الحجاز رحيب الصدر بحمله ، غير متأثم من أخذه ! كأنك لا أباً لغيرك ، حدرت إلى أهلك تراثاً من أبيك وأمك !

فسبحان الله ، أما تؤمن بالمعاد ، أو ما تخاف نقاش الحساب؟! أيها المعدود كان عندنا من ذوي الألباب ! كيف تسيغ شراباً وطعاماً وأنت تعلم أنك تأكل حراماً وتشرب حراماً ، وتبتاع الإماء وتنكح النساء من مال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين ، الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال ، وأحرز بهم هذه البلاد .

فاتق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم ، فإنك إن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك ! ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلا دخل النار. ووالله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة ، ولا ظفرا مني بإرادة ، حتى آخذ الحق منهما ، وأزيح الباطل من مظلمتهما . وأقسم بالله رب العالمين ، ما يسرني أن ما أخذتَ من أموالهم حلالٌ لي أتركه ميراثاً لمن بعدي ! فصُخْ رويداً فكأنك قد بلغت المدى ، ودفنت تحت الثرى ، وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي الظالم فيه بالحسرة ، ويتمنى المضيع الرجعة ، ولات حين مناص) !

أقول: هذا كلامٌ قوي يدل بصراحة على وقوع خيانة من ابن عباس !

لكن أمير المؤمنين عليه السلام لم يعزل ابن عباس عن ولاية البصرة فقد بقي والياً عليها في زمن علي عليه السلام ، وحضر شهادته وبيعة الحسن عليه السلام وأرسله الى البصرة والياً .

ولهذا رد بعض الباحثين أصل التهمة ، واعتبرها افتراءً على ابن عباس من خصومه وخصوم أمير المؤمنين عليه السلام ، خاصة الأمويين .

ومن أبرز الذين دافعوا عنه العلامة السيد جعفر مرتضى في رسالته: ابن عباس وأموال البصرة . والعلامة السيد مهدي الخرسان في المجلد الرابع من كتابه موسوعة ابن عباس . وقد قرأت ما كتباه ، فرأيت أنهما أخذا نقاطاً قوية في مدح ابن عباس، وهي عموماً صحيحة ، لكنهما لم يجيبا جواباً قوياً على سؤال: ما نصنع بكتاب أمير المؤمنين عليه السلام ، البليغ الصريح ، وسنده صحيح، وبلاغته وعلو متنه تأبى أن نقول إنه مكذوب عليه ، فهو من نفس قماشة خطب أمير المؤمنين عليه السلام !

وقد ناقشتهما في ذلك فتراجع السيد جعفر عن إنكار أصل الحادثة ، ولم يتراجع السيد الخرسان ، بل نراه يصر في موسوعته على التعبيرعن ابن عباس بحبر الأمة وترجمان القرآن ، مع أن هذا الوصف لم يرد له فيه أي حديث ، وما هو إلا لقب أعطاه إياه عمر بن الخطاب .

ومحور المسألة رسالة أمير المؤمنين عليه السلام ، وفيها تهمة صريحة لابن عباس بأنه فعل فلا بد من القول بأن ابن عباس صدرت مخالفة استوجبت هذا التوبيخ والتهديد من أميرالمؤمنين عليه السلام . وما دام أمير المؤمنين عليه السلام لم يتخذ إجراء ضد عامله ابن عباس ، فلا بد من القول بأنه تراجع وأطاع .

وقد دافع عنه اليعقوبي بأنه أخذ عشرة آلاف درهم من بيت المال ، وأن أبا الأسود الدؤلي كانت بينه وابن عباس حساسية فكتب الى أمير المؤمنين عليه السلام بذلك !

لكن هذا غامض لأن أميرالمؤمنين عليه السلام عين أبا الأسود قاضياً على البصرة ، وزياد بن عبيد والياً على الخراج وبيت المال وابن عباس والياً عاماً ، وأوصى ابن عباس أن يطيع زياد بن عبيد . فمن أين أخذ العشرة آلاف إلا أن تكون أعطيت له لبيت المال وتصرف بها قبل أن يدفعها !

ومهما يكن فإن عشرة آلاف درهم لاتتناسب مع رسالة أمير المؤمنين عليه السلام !

وأما القول بأن أبا الأسود الدؤلي اندفع بحساسيته وحسده وضخَّم الأمر لأمير المؤمنين عليه السلام فانفعل وكتب ما كتب ، فهذا ينافي ما نعرف من دقة أبي الأسود ، ومن تثبت أمير المؤمنين عليه السلام وعصمته !

بقي أن نذكر الرسائل التي زعموا أن أمير المؤمنين عليه السلام أرسلها الى ابن عباس وأجوبة ابن عباس الخشنة المزعومة له ، وهذه لا شك في أنها موضوعة .

وبها يظهر أن أعداء علي عليه السلام وابن عباس عملوا كثيراً لتضخيم مسألة ابن عباس وبيت المال . فنحن نتحفظ من قبول مبلغ العشرة آلاف درهم ، كما نتحفظ من قبول أن المبلغ كان مئتي ألف درهم كما في بعض الروايات . ونقول:لا شك أن ابن عباس صدرت منه خطيئة كبيرة ، فغضب عليه أميرالمؤمنين عليه السلام ووبخه وهدده ، ويبدو أنه أصلح خطأه بشكل وآخر ، ورجع الى طاعة أمير المؤمنين عليه السلام .

هذا ، وسيأتي رأي السيد الخوئي1ومناقشته .

الإمام الباقر يعلن أن أباه وصف ابن عباس بالمنتحل والخائن!

قال الكشي/273: (جعفر بن معروف ، قال حدثنا يعقوب بن يزيد الأنباري ، عن حماد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر اليماني ، عن الفضيل بن يسار ، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أتى رجل أبي عليه السلام فقال: إن فلاناً يعني عبد الله بن العباس يزعم أنه يعلم كل آية نزلت في القرآن في أي يوم نزلت وفيمَ نزلت .

قال: فسله فيمن نزلت: وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً. وفيمَ نزلت: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ .

وفيمَ نزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا .

فأتاه الرجل فغضب وقال: وددتُ الذي أمرك بهذا واجهني به فأسائله ولكن سله: ما العرش ومتى خلق وكيف هو؟ فانصرف الرجل إلى أبي فقال له ما قال ، فقال عليه السلام :وهل أجابك في الآيات؟قال: لا !

قال: ولكني أجيبك فيها بنور وعلم ، غير المدعي والمنتحِل: أما الأوليان فنزلتا في أبيه، وأما الأخيرة فنزلت في أبي وفينا ، ولم يكن الرباط الذي أُمرنا به بعدُ وسيكون ذلك ، من نسلنا المرابط ، ومن نسله المرابط .

فأما ما سألت عنه: فما العرش ، فإن الله عزّ وجلّ جعله أرباعاً ، لم يخلق قبله شيئاً إلا ثلاثة أشياء الهواء والقلم والنور ، ثم خلقه من ألوان مختلفة من ذلك النور الأخضر، الذي منه اخضرَّت الخضرة ، ومن نور أصفر خلقت منه الصفرة ، ونور أحمر احْمَرَّت منه الحمرة ، ونور أبيض وهو نور الأنوار ، ومنه ضوء النهار . ثم جعله سبعين ألف طبق ، غلظ كل طبق كأول العرش إلى أسفل السافلين ، وليس من ذلك طبق إلايسبح بحمده ويقدسه بأصوات مختلفة ، وألسنة غير مشتبهة ، لو سمع واحداً منها شئ مما تحته لانهدمت الجبال والمدائن والحصون ، ولخسفت البحار وأهلك ما دونه .

له ثمانية أركان يحمل كل ركن منها من الملائكة مالا يحصى عدتهم إلا الله ، يسبحون الليل والنهار ولايفترون، ولو حسَّ شئ مما فوقه ما أقام لذلك طرفة عين بينه وبين الإحساس بالجبروت والكبرياء والعظمة والقدس والرحمة ، ثم العلم . وليس وراء هذا مقال !

لقد طمع الخائن (ابن عباس) في غير مطمع! أما إن في صلبه وديعةٌ قد ذرئت لنار جهنم، سيُخرجون أقواماً من دين الله أفواجاً كما دخلوا فيه، وستصبغ الأرض بدماء الفراخ من فراخ آل محمد ، تنهض في غير وقت وتطلب غيرمُدرك ، ويرابط الذين آمنوا ويصبرون لما يرون ، حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ) !

ملاحظات على رواية الإمام زين العابدين عليه السلام مع ابن عباس

1- لهذه الرواية دلالات مهمة ، وأخطرها أن ابن عباس ادعى أنه أعلم الأمة بعد الإمام الحسين عليه السلام وصرح بنيته أن يعلن إمامته !

ففي تاريخ اليعقوبي (2/225): (توفي الحسن بن علي وابن عباس عند معاوية ، فدخل عليه لما أتاه نعي الحسن ، فقال له: يا ابن عباس إن حسناً مات . قال: إنا لله وإنا إليه راجعون على عظم الخطب وجليل المصاب ، أما والله يا معاوية لئن كان الحسن مات ، فما ينسئ موته في أجلك ولايسد جسمه حفرتك ، ولقد مضى إلى خير، وبقيتَ على شر. قال: لا أحسبه قد خلف إلا صبية صغاراً . قال: كلنا كان صغيراً فكبر . قال: بخ بخ ، يا ابن عباس أصبحت سيد قومك. قال: أما ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين بن رسول الله صلى الله عليه وآله فلا). وابن عساكر (12/311 ) .

وهذا ادعاء خطير وانتحالٌ لمقام جعله الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله برواية ابن عباس نفسه ، لعلي والأئمة من ذريته عليهم السلام  ، فكان واجب الإمام زين العابدين عليه السلام أن يفحمه ، حتى لا يُضل الناس ولهذا وصفه بالمنتحل للإمامة وبالخائن !

2- أرسل اليه الإمام زين العابدين عليه السلام أنك إذا كنت تعلم سبب نزول كل آية ووقت نزولها ومكانه ، فأخبرنا عن الآيات الثلاث: (فغضب وقال: وددتُ الذي أمرك بهذا واجهني به فأسائله ولكن سله: ما العرش ومتى خلق وكيف هو) ؟

أي غضب ابن عباس ولم يجب ، وهرب الى طرح سؤال على الإمام عليه السلام عن خلق العرش وكيفيته ! وكأنه يقول له: إن كنتُ لا أعرف سبب نزولها فأنت لاتعرف ما هو العرش! فأجابه إن هاتين الآيتين في أبيك وفيك والثالثة في أبي علي عليه السلام وفينا. أما العرش فهذا وحي الله فيه الى جدي صلى الله عليه وآله !

3- ورد في تفسير الآيات الثلاث ما يؤيد هذه الرواية ، فقد روى ابن شعبة الحراني في تحف العقول/484، في تفسير: وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ، نص رسالة الإمام الهادي عليه السلام إلى إسحاق بن إسماعيل النيسابوري:(سترنا الله وإياك بستره ، وتولاك في جميع أمورك بصنعه ، فهمت كتابك يرحمك الله ، ونحن بحمد الله ونعمته أهل بيت نَرِقُّ على أوليائنا ، ونُسَرُّ بتتابع إحسان الله إليهم وفضله لديهم ، ونَعْتَدُّ بكل نعمة ينعمها الله تبارك وتعالى عليهم . فأتمَّ الله عليك يا إسحاق وعلى من كان مثلك ، ممن قد رحمه الله وبصَّرَهُ بصيرتك، نعمتَه ، وقَدْرُ تمام نعمته دخول الجنة . وليس من نعمةٍ وإن جلَّ أمرها وعَظُمَ خَطَرُها ، إلا والحمد لله تقدست أسماؤه عليها ، مؤدٍّ شكرَها. وأنا أقول:الحمد لله أفضل ما حمده حامده إلى أبد الأبد، بما من الله عليك من رحمته ونجاك من الهلكة ، وسهل سبيلك على العقبة . وأيم الله إنها لعقبة كؤود ، شديد أمرها ، صعب مسلكها ، عظيم بلاؤها ، قديم في الزبر الأولى ذكرها. ولقد كانت منكم في أيام الماضي عليه السلام إلى أن مضى لسبيله، وفي أيامي هذه أمور كنتم فيها عندي غير محمودي الرأي ولا مسددي التوفيق . فاعلم يقيناً يا إسحاق أنه من خرج من هذه الدنيا أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً.

يا إسحاق ليس تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور،وذلك قول الله في محكم كتابه حكاية عن الظالم إذ يقول: قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا . قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى. وأي آية أعظم من حجة الله على خلقه وأمينه في بلاده ، وشهيده على عباده من بعد من سلف من آبائه الأولين النبيين وآبائه الآخرين الوصيين عليهم أجمعين السلام ورحمة الله وبركاته).

وفي تفسر العياشي (2/143) عن الإمام الرضا عليه السلام قال: (قال الله في قوم نوح: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ، قال: الأمر إلى الله يهدي ويضل . وعن الإمام الباقر عليه السلام ، قال: نزلت في العباس ).

أقول: يظهر أن النبي صلى الله عليه وآله دعا عمه العباس الى الإسلام فأبى ، فنزلت آيات نصح نوح لقومه .كما نصحه علي عليه السلام بعد ذلك بالهجرة قبل فتح مكة ، فأبى .

أما الآية الثالثة فورد في تفسيرها في معاني الأخبار للصدوق/369: حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار ، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن علي بن أسباط ، عن أبي حمزة ، عن أبي بصير قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا . فقال: إصبروا على المصائب ، وصابروهم على التقية ، ورابطوا على من تقتدون به ، واتقوا الله لعلكم تفلحون ).

فمع أن الآية خطاب لعامة المؤمنين بالصبر والمصابرة في دولة الظالمين ، لكن يظهر من كلامه عليه السلام أنها تتضمن أمراً خاصاً لأئمة أهل البيت عليهم السلام بالصبر في دولة بني العباس ! فقد قال عليه السلام : (وأما الأخيرة فنزلت في أبي وفينا ، ولم يكن الرباط الذي أُمرنا به بعدُ وسيكون ذلك من نسلنا المرابط ، ومن نسله المرابط ).

ومعناه أنه عند حكم بني العباس يبدأ نوعٌ من المصابرة والمرابطة لم يكن موجوداً .

4- تميزت الرواية بحديث خلق العرش وصفاته ، وفيه حقائق كبرى عقدية وعلمية مدهشة عن خلق النور ، ليس بعدها مقال ، على حد تعبيره عليه السلام !

قال عليه السلام مخاطباً ابن عباس: (ولكن أجيبك فيها بنور وعلم ، غير المدعي ولا المنتحل). يُعَرِّضُ به أنه مدعٍ منتحل لميراث علم رسول الله صلى الله عليه وآله مع أنه لم يجعله الله حجته على خلقه بعد نبيه صلى الله عليه وآله ، فهو منتحل لشخصية إمام .

ثم تكلم الإمام عليه السلام عن خلق النور والأشعة والألوان ، التي هي أصل الكون .

وفي توحيد الصدوق/320، عن الرضا عليه السلام :(إن الله تبارك وتعالى خلق العرش والماء والملائكة قبل خلق السماوات والأرض، وكانت الملائكة تستدل بأنفسها وبالعرش والماء على الله عزّ وجلّ . ثم جعل عرشه على الماء ليظهر بذلك قدرته للملائكة فيعلموا أنه على كل شئ قدير، ثم رفع العرش بقدرته ونقله، فجعله فوق السماوات السبع، وخلق السماوات والأرض في ستة أيام ، وهو مستولٍ على عرشه ، وكان قادراً على أن يخلقها في طرفة عين ، ولكنه عزّ وجلّ خلقها في ستة أيام ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئاً بعد شئ ، وتستدل بحدوث ما يحدث على الله تعالى ذكره مرة بعد مرة . ولم يخلق الله العرش لحاجة به إليه ، لأنه غني عن العرش ، وعن جميع ما خلق، ولا يوصف بالكون على العرش ، لأنه ليس بجسم. تعالى الله عن صفة خلقه علواً كبيراً).

رأي السيد الخوئي1في ابن عباس

الرأي المعروف عند علمائنا توثيق ابن عباس ومدحه لأنه كان يدافع عن أمير المؤمنين عليه السلام وهم يغضون النظر عن نقاط ضعفه والروايات القادحة فيه .

وعلى هذا المنوال سار السيد الخوئي1فترجم لابن عباس في كتابه: معجم رجال الحديث (11/245) وأورد كلام العلامة الحلي وابن داود في مدحه . ثم قال: (هذا والأخبار المروية في كتب السير والروايات الدالة على مدح ابن عباس وملازمته لعلي ومن بعده الحسن والحسين عليهم السلام كثيرة، وقد ذكر المحدث المجلسي 1مقداراً كثيراً منها في أبواب مختلفة من كتابه البحار ، من أراد الإطلاع عليها فليراجع سفينة البحار في مادة عبس . ونحن وإن لم نظفر برواية صحيحة مادحة ، وجميع ما رأيناه من الروايات في إسنادها ضعف ، إلا أن استفاضتها أغنتنا عن النظر في إسنادها ، فمن المطمأن به صدور بعض هذه الروايات عن المعصومين إجمالاً) .

ومعنى كلامه أنه لا توجد رواية صحيحة في مدح ابن عباس، لكن كثرة الروايات المادحة له واستفاضتها يغني عنده عن السند ، ويكفي للقول بأنه ثقة ممدوح .

ثم قال السيد الخوئي1:(وبإزاء هذه الروايات روايات قادحة ذكرها الكشي).

ويحسن أن نورد ما كتبه الكشي في ترجمة ابن عباس(1/373) قال:

1- جعفر بن معروف ، قال حدثنا يعقوب بن يزيد الأنباري ، عن حماد ابن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر اليماني ، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أتى رجل أبي عليه السلام فقال: إن فلاناً يعني عبد الله بن العباس يزعم أنه يعلم كل آية نزلت في القرآن في أي يوم نزلت وفيم نزلت . قال: فسله فيمن نزلت: وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً. . وفيم نزلت: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ . وفيم نزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا ..؟ فأتاه الرجل وقال: وددت الذي أمرك بهذا واجهني به فأسائله ، ولكن سله ما العرش ومتى خلق وكيف هو؟فانصرف الرجل إلى أبي فقال له ما قال، فقال: وهل أجابك في الآيات؟قال: لا. قال: ولكني أجيبك فيها بنور وعلم غير المدعى والمنتحل ، أما الأوليان فنزلتا في أبيه ، وأما الأخيرة فنزلت في أبي وفينا ، وذكر الرباط الذي أمرنا به بعد وسيكون ذلك من نسلنا المرابط ومن نسله المرابط .

فأما ما سألت عنه فما العرش: فإن الله عزّ وجلّ جعله أرباعاً لم يخلق قبله شيئاً إلا ثلاثة أشياء الهواء والقلم والنور ، ثم خلقه من ألوان مختلفة من ذلك ، النور الأخضر الذي منه اخضرت الخضرة ، ومن نور أصفر خلقت منه الصفرة ، ونور أحمر احمرت منه الحمرة ، ونور أبيض وهو نور الأنوار ومنه ضوء النهار . ثم جعله سبعين ألف طبق غلظ كل طبق كأول العرش إلى أسفل السافلين ، وليس من ذلك طبق إلا يسبح بحمده ويقدسه بأصوات مختلفة وألسنة غير مشتبهة ولو سمع واحداً منها شئ بما تحته لانهدم الجبال والمدائن والحصون ، ولخسفت البحار وأهلك وما دونه . له ثمانية أركان يحمل كل ركن منها من الملائكة مالا يحصى عدتهم إلا الله يسبحون الليل والنهار ولا يفترون ، ولو حس حس شئ مما فوقه أقام لذلك طرفة عين ، بينه وبين الإحساس الجبروت والكبرياء والعظمة والقدس والرحمة ثم العلم، وليس وراء هذا مقال لقد طمع الخائن في غير مطمع .

أما أن في صلبه وديعة قد ذرئت لنار جهنم سيخرجون أقوام من دين الله أفواجا كما دخلوا فيه ، وستصبغ الأرض بدماء الفراخ من فراخ آل محمد ، تنهض تلك الفراخ في غير وقت وتطلب غير ما تدرك ، ويرابط الذين آمنوا ويصبرون لما يرون حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين . حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن قتيبة ، قال حدثنا الفضل بن شاذان ، عن محمد بن أبي عمير ، عن أحمد بن محمد بن زياد قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين عليهما السلام .. وذكر نحوه .

2 - محمد بن مسعود ، قال حدثني جعفر بن أحمد بن أيوب: قال حدثني حمدان بن سليمان أبو الخير ، قال حدثني أبو محمد بن عبد الله بن محمد اليماني ، قال حدثني محمد بن الحسين بن أبي الخطاب الكوفي ، عن أبيه الحسين ، عن طاووس قال: كنا على مائدة ابن عباس ، ومحمد بن الحنفية حاضر ، فوقعت جرادة فأخذها محمد ، ثم قال هل تعرفون ما هذه النقط السود في جناحها ؟ قالوا الله أعلم . فقال: أخبرني أبي علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان مع النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: هل تعرف يا علي هذا النقط السود في جناح هذه الجرادة ؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم . فقال: مكتوب في جناحها أنا الله رب العالمين ، خلقت الجراد جنداً من جنودي أصيب به من أشاء من عبادي ، فقال ابن عباس: فما بال هؤلاء القوم يفتخرون علينا يقولون أنهم أعلم منا ، فقال محمد: ما ولدهم الا من ولدني .

قال: فسمع ذلك الحسن بن علي عليه السلام فبعث إليهما وهما في المسجد الحرام ، فقال لهما: أما إنه قد بلغني ما قلتما إذ وجدتما جرادة ، فأما أنت يا ابن عباس ففيمن نزلت هذه الآية: لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ، في أبي أوفي أبيك ؟ وتلى عليه آيات من كتاب الله كثيراً ثم قال: أما والله لولا ما نعلم لا علمتك عاقبة أمرك ما هو وستعلمه ، ثم إنك بقولك هذا مستنقص في بدنك ، ويكون الجرموز من ولدك ، ولو أذن لي في القول لقلت ما لو سمع عامة هذا الخلق لجحدوه وأنكروه .

3 - حمدويه وإبراهيم ، قالا حدثنا أيوب بن نوح ، عن صفوان بن يحيى عن عاصم بن حميد ، عن سلام بن سعيد ، عن عبد الله بن عبد يليل رجل من أهل الطائف ، قال أتينا ابن عباس رحمه الله نعوده في مرضه الذي مات فيه قال ، فأغمي عليه في البيت فأخرج إلى صحن الدار، قال فأفاق فقال: إن خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إني سأهاجر هجرتين وإني سأخرج من هجرتي: فهاجرت هجرة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهجرة مع علي عليه السلام ، وإني سأعمى: فعميت ، وأني سأغرق: فأصابني حكة فطرحني أهلي في البحر فغفلوا عني فغرقت ثم استخرجوني بعد .

وأمرني أن أبرأ من خمسة: من الناكثين وهم أصحاب الجمل ، ومن القاسطين وهم أصحاب الشام ، ومن الخوارج وهم أهل النهروان ، ومن القدرية وهم الذين ضاهوا النصارى في دينهم فقالوا لاقدر ، ومن المرجئة الذين ضاهوا اليهود في دينهم فقالوا الله أعلم .

قال ثم قال: اللهم إني أحيا على ما حييَ عليه علي بن أبي طالب وأموت على ما مات عليه علي بن أبي طالب ، قال: ثم مات فغسل وكفن ثم صلى على سريره ، قال: فجاء طائران أبيضان فدخلا في كفنه فرأى الناس ، انما هو فقهه فدفن) .

وقال الكشي في قضية بيت مال البصرة (1/379): ( روى علي بن يزداد الصائغ الجرجاني ، عن عبد العزيز بن محمد بن عبد الأعلى الجزري ، عن خلف المخزومي البغدادي ، عن سفيان بن سعيد ، عن الزهري ، قال: سمعت الحارث يقول: استعمل علي صلوات الله عليه على البصرة عبد الله بن عباس، فحمل كل مال في بيت المال بالبصرة ولحق بمكة وترك علياً عليه السلام وكان مبلغه ألفي ألف درهم ، فصعد علي عليه السلام المنبر حين بلغه ذلك فبكى ، فقال: هذا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله في علمه وقدره يفعل مثل هذا فكيف يؤمن من كان دونه ، اللهم إني قد مللتهم فأرحني منهم ، واقبضني إليك غير عاجز ولا ملول.

قال الكشي: قال شيخ من أهل اليمامة يذكر عن معلى بن هلال ، عن الشعبي ، قال: لما احتمل عبد الله بن عباس بيت مال البصرة ، وذهب به إلى الحجاز كتب إليه علي بن أبي طالب عليه السلام : (من عبد الله علي بن أبي طالب إلى عبد الله بن عباس أما بعد فإني كنت أشركتك في أمانتي ، ولم يكن أحد من أهل بيتي في نفسي أوثق منك لمواساتي ومؤازرتي وأداء الأمانة إلي ، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب ، والعدو عليه قد حرب ، وأمانة الناس قد عزت ، وهذه الأمور قد فشت ، قلبت لابن عمك ظهر المجن ، وفارقته مع المفارقين ، وخذلته أسوأ خذلان الخاذلين ، فكأنك لم تكن تريد الله بجهادك ، وكأنك لم تكن على بينة من ربك ، وكأنك إنما كنت تكيد أمة محمد صلى الله عليه وآله على دنياهم ، وتنوي غرتهم ، فلما أمكنتك الشدة في خيانة أمة محمد أسرعت الوثبة وعجلت العدوة ، فاختطفت ما قدرت عليه اختطاف الذئب الأزلّ دامية المعزى الكسيرة . كأنك لا أباً لك إنما جررت إلى أهلك تراثك من أبيك وأمك ، سبحان الله ، أما تؤمن بالمعاد أوَما تخاف من سوء الحساب ، أوَما يكبر عليك أن تشتري الإماء وتنكح النساء بأموال الأرامل والمهاجرين الذين أفاء الله عليهم هذه البلاد ؟!

أردُد إلى القوم أموالهم فوالله لئن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لأعذرن الله فيك ، والله فوالله لو أن حسناً وحسيناً فعلا مثل الذي فعلت لما كانت لهما عندي في ذلك هوادة ، ولا لواحد منهما عندي فيه رخصة ، حتى آخذ الحق وأزيح الجور عن مظلومها ، والسلام ) .

قال: فكتب إليه عبد الله بن عباس ( أما بعد ، فقد أتاني كتابك تعظم علي إصابة المال الذي أخذته من بيت مال البصرة ولعمري إن لي في بيت مال الله أكثر مما أخذت: والسلام ) .

قال: فكتب إليه علي بن أبي طالب عليه السلام :( أما بعد ، فالعجب كل العجب من تزيين نفسك أن لك في بيت مال الله أكثر مما أخذت ، وأكثر مما لرجل من المسلمين ، فقد أفلحت إن كان تمنيك الباطل ، وادعاؤك مالا يكون ينجيك من الاثم ، ويحل لك ما حرم الله عليك ، عمرك الله إنك لأنت العبد المهتدي إذن ! فقد بلغني أنك اتخذت مكة وطناً وضربت بها عطناً تشتري مولدات مكة والطائف ، تختارهن على عينك ، وتعطي فيهن مال غيرك ! وإني لأقسم بالله ربي وربك رب العزة ، ما يسرني أن ما أخذت من أموالهم لي حلال أدعه لعقبي ميراثاً فلا غرو أشد باغتباطك تأكله رويداً رويداً ، فكأن قد بلغت المدى وعرضت على ربك المحل الذي تتمنى الرجعة ، والمضيع للتوبة كذلك ، ولات حين مناص ، والسلام ) .

فكتب إليه عبد الله بن عباس:(أما بعد فقد أكثرت علي فوالله لئن ألقى الله بجميع ما في الأرض من ذهبها وعقيانها أحب إلي من أن ألقى الله بدم رجل مسلم).

تضعيف السيد الخوئي روايات ذم ابن عباس

فقد رد الرواية الأولى بأن جعفر بن معروف لم يوثق . وأهمل رواية علي بن قتيبة ، فقال في (14/315) علي بن محمد بن قتيبة لم يوثق ، فالرواية لا يعتمد عليها ).

ورد الثانية: رواية جناح الجرادة ، بقوله: الرواية ضعيفة بعدة من رواتها .

ورد رواية الثالثة، سرقة بيت مال البصرة فقال: (هذه الرواية وما قبلها من طرق العامة ، وولاء ابن عباس لأمير المؤمنين وملازمته له عليه السلام هو السبب الوحيد في وضع هذه الأخبار الكاذبة وتوجيه التهم والطعون عليه ، حتى أن معاوية لعنه الله كان يلعنه بعد الصلاة مع لعنه علياً والحسنين وقيس بن عبادة والأشتر )!

ورد الرواية الرابعة: فقال:(وقال الكشي قبل ترجمة عبد الله بن عباس متصلاً بها: وروى محمد بن عيسى بن عبيد ، عن محمد بن سنان ، عن موسى بن بكر الواسطي، عن الفضيل بن يسار ، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: قال أمير المؤمنين عليه السلام : اللهم العن ابني فلان وأعم أبصارهما ، كما أعميت قلوبهما الآكلين في رقبتي ، واجعل عمى أبصارهما دليلاً على عمى قلوبهما !) .

قال: وهي ضعيفة بالإرسال: أولا لجهالة طريق الكشي إلى محمد بن عيسى بن عبيد ، وبمحمد بن سنان وموسى بن بكر الواسطي ثانياً.

ورد الرواية الخامسة التي فيها سبب عمى ابن عباس ، فقال:(ثم إن الكليني1 روى عن محمد بن أبي عبد الله ومحمد بن الحسن ، عن سهل بن زياد ومحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد جميعاً عن الحسن بن عباس بن حريش ، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بينا أبي جالس وعنده نفر إذ استضحك حتى اغرورقت عيناه دموعاً ثم قال: هل تدرون ما أضحكني؟ قال فقالوا: لا ، قال: زعم ابن عباس أنه من الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ، فقلت له: هل رأيت الملائكة يا ابن عباس تخبرك بولائها لك في الدنيا والآخرة مع الامن من الخوف والحزن ؟ قال فقال: إن الله تبارك وتعالى يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وقد دخل في هذا جميع الأمة ، فاستضحكت.. إلى أن قال: ثم تركته يومه ذلك لسخافة عقله ثم لقيته فقلت: يا ابن عباس ما تكلمت بصدق بمثل أمس ، قال لك علي بن أبي طالب: إن ليلة القدر في كل سنة وإنه ينزل في تلك الليلة أمر السنة وإن لذلك الأمر ولاة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت من هم؟ فقال: أنا وأحد عشر من صلبي أئمة محدثون ، فقلت: لا أراها كانت إلا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ! فتبدَّى لك الملك الذي يحدثه فقال:كذبت يا عبد الله رأت عيناي الذي حدَّثك به علي عليه السلام ولم تَرَهُ عيناه ولكن وعى قلبه ووقر في سمعه ، ثم صفقك بجناحه فعميت!

قال فقال ابن عباس: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَئٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله تعالى، فقلت له: فهل حكم الله في حكم من حكمه بأمرين ؟ قال: لا ، قلت: هاهنا هلكت وأهلكت). (الكافي: الجزء1،كتاب الحجة ، باب في شأن إنا أنزلناه في ليلة القدر41 حديث2).

وهذه الرواية مضافاً إلى ضعفها بالحسن بن العباس بن حريش ، آثار الوضع عليها ظاهرة، فإن الظاهر من ضحك الباقر عليه السلام أن الأمر وقع قريباً والمفروض في الرواية أنه عليه السلام كان جالساً وعنده نفر فكانت هذه القصة زمان إمامته عليه السلام ولا أقل أنها كانت زمان كبره ، مع أن ابن عباس مات سنة ثمان وستين ، وولد أبو جعفر سنة سبع وخمسين ، فالقضية مكذوبة لا محالة ).

ثم ختم السيد الخوئي1بحثه بقوله: والمتحصل مما ذكرنا أن عبد الله بن عباس كان جليل القدر، مدافعاً عن أمير المؤمنين والحسنين عليهم السلام ، كما ذكره العلامة وابن داود .

ثم استشهد بقول العلامة في الخلاصة وقول ابن داوود وقال: وذكره ابن داود في القسم الأول ( 864 ) وقال: عبد الله بن العباس رضي الله عنه ، حاله أعظم من أن يشار إليه في الفضل والجلالة ومحبة أمير المؤمنين عليه السلام وانقياده إلى قوله) .

ثم قال السيد الخوئي1: وله مفاخرة مع معاوية وعمرو بن العاص وقد ألقمهما حجراً ، رواها الصدوق في الخصال في باب الأربعة ، قول معاوية: إني لأحبك لخصال أربع.. وقد شهد عند معاوية بأنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، ثم ذكر بعد ذلك علي بن أبي طالب ، والحسن بن علي والحسين ، وأولاده التسعة عليهم السلام . الخصال: باب الاثني عشر..

ثم قبل السيد الخوئي1الروايات المادحة لابن عباس وأكثرها عن جعفر بن معروف !قال: (ثم إن الكشي ذكر في عبد الله بن العباس عدة روايات مادحة (1/276) وهي كما تلي: حمدويه وإبراهيم قالا: حدثنا أيوب بن نوح ، عن صفوان بن يحيى ، عن عاصم بن حميد ، عن سلام بن سعيد ، عن عبد الله بن يا ليل رجل من أهل الطائف، قال: أتينا ابن عباس نعوده في مرضه الذي مات فيه ، قال: فأغمي عليه في البيت فأخرج إلى صحن الدار، قال: فأفاق فقال: إن خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أني سأهاجر هجرتين وأني سأخرج من هجرتي ، فهاجرت هجرة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهجرة مع علي عليه السلام وأني سأعمى فعميت ، وأني سأغرق فأصابتني حكة فطرحني أهلي في البحر فغفلوا عني فغرقت ثم استخرجوني بعد .

وأمرني أن أبرأ من خمسة: من الناكثين وهم أصحاب الجمل ، ومن القاسطين وهم أصحاب الشام ، ومن الخوارج وهم أهل النهروان ، ومن القدرية وهم الذين ضاهوا النصارى في دينهم فقالوا لا قدر ، ومن المرجئة الذين ضاهوا اليهود في دينهم فقالوا: الله أعلم ، قال ثم قال: اللهم إني أحيا على ما حيي عليه علي بن أبي طالب ، وأموت على ما مات عليه علي بن أبي طالب .

قال: ثم مات فغسل وكفن ثم صلى على سريره، قال: فجاء طائران أبيضان فدخلا في كفنه فرأى الناس إنما هو فقهه فدفن .

جعفر بن معروف قال: حدثني محمد بن الحسين ، عن جعفر بن بشير ، عن ابن جريح ، عن أبي عبد الله عليه السلام أن ابن عباس لما مات وأخرج خرج من كفنه طير أبيض يطير ينظرون إليه يطير نحو السماء حتى غاب عنهم ، فقال: وكان أبي يحبه حباً شديداً ، وكانت أمه تلبسه ثيابه وهو غلام فينطلق إليه في غلمان بني عبد المطلب ، قال فأتاه بعدما أصيب ببصره ، فقال: من أنت ؟ قال: أنا محمد بن علي بن الحسين ، فقال: حسبك من لم يعرفك فلا عرفك .

جعفر بن معروف قال: حدثني الحسين بن علي بن النعمان ، عن أبيه ، عن معاذ بن مطر قال: سمعت إسماعيل بن الفضل الهاشمي ، قال: حدثني بعض أشياخي قال: لما هزم علي بن أبي طالب صلوات الله عليه أصحاب الجمل بعث أمير المؤمنين عليه السلام عبد الله بن عباس إلى عائشة يأمرها بتعجيل الرحيل وقلة العرجة ، قال ابن عباس: فأتيتها وهي في قصر بني خلف في جانب البصرة ، قال فطلبت الإذن عليها فلم تأذن فدخلت عليها من غير إذنها فإذا بيت قفار لم يعد لي فيه مجلس ، فإذا هي من وراء سترين ، قال: فضربت ببصري فإذا في جانب البيت رحل عليه طنفسة ، قال فمددت الطنفسة فجلست عليها ، فقالت من وراء الستر: يا ابن عباس أخطأت السنة ! دخلت بيتنا بغير إذننا ، وجلست على متاعنا بغير إذننا ، فقال لها ابن عباس: نحن أولى بالسنة منك ونحن علمناك السنة ، وإنما بيتك الذي خلفك فيه رسول الله صلى الله عليه وآله فخرجت منه ظالمة لنفسك غاشية لدينك عاتبة على ربك عاصية لرسول الله صلى الله عليه وآله فإذا رجعت إلى بيتك لم ندخله إلا باذنك ولم نجلس على متاعك إلا بأمرك ، إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بعث إليك يأمرك بالرحيل إلى المدينة وقلة العرجة ، فقالت: رحم الله أمير المؤمنين ذلك عمر ابن الخطاب ! فقال ابن عباس: هذا والله أمير المؤمنين وإن تربدت فيه وجوه ورغمت فيه معاطس ، أما والله لهو أمير المؤمنين ، وأمس برسول الله رحماً ، وأقرب قرابة ، وأقدم سبقاً ، وأكثر علماً ، وأعلى مناراً ، وأكثر آثاراً من أبيك ومن عمر ، فقالت: أبيتُ ذلك . فقال: أما والله إن كان إباؤك فيه لقصير المدة عظيم التبعة، ظاهر الشؤم ، بيِّن النكد ، مبين المنكر ، وما كان إباؤك فيه إلا حلب شاة حتى صرت ما تأمرين ولا تنهين ، ولا ترفعين ولا تضعين ، وما مثلك إلا كمثل ابن الحضرمي بن نجمان أخ بني أسد حيث يقول:

ما زال إهداء القصائد بيننا
شتم الصديق وكثرة الألقاب
حتى تركتم كأن قلوبهم
في كل مجمعة طنين ذباب

قال: فأراقت دمعتها وأبدت عويلها وتبدى نشيجها ، ثم قالت: أخرج والله عنكم فما في الأرض بلد أبغض إلي من بلد تكونون فيه !

فقال ابن عباس: فوالله ماذا بلاؤنا عندك ولا بصنيعنا إليك ، إنا جعلناك للمؤمنين أماً وأنت بنت أم رومان ، وجعلنا أباك صديقاً وهو ابن أبي قحافة ، فقالت: يا ابن عباس تمنون علي برسول الله! فقال: ولم لا نمن عليك بمن لو كان منك قلامة منه مننتنا به ، ونحن لحمه ودمه ومنه وإليه ، وما أنت إلا حشية من تسع حشايا خلفهن بعده لست بأبيضهن لوناً، ولا بأحسنهن وجهاً ، ولا بأرشحهن عرقاً ، ولا بأنضرهن ورقاً ، ولا بأطراهن أصلاً ، فصرت تأمرين فتطاعين ، وتدعين فتجابين ، وما مثلك إلا كما قال أخو بني فهر:

مننت على قومي فأبدوا عداوة
فقلت لهم كفوا العداوة والنكرا
ففيـه رضـا مـن مثلكـم لصديقـه
وأحجـى بكم أن تجمعـوا البغي والكفرا

قال: ثم نهضت وأتيت أمير المؤمنين عليه السلام فأخبرته بمقالتها وما رددت عليها ، فقال: أنا كنت أعلم بك حيث بعثتك )!

أقول: أورد السيد الخوئي جوابه لعائشة تأييداً لرأيه في وثاقته !

مناقشة رأي السيد الخوئي1

المناقشة الأولى:

أنه فاتته رواية صحيحة في الكافي (1 /322) في لعن الأعيبس وذريته ، وسندها: علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، وعلي بن محمد القاساني جميعاً ، عن زكريا بن يحيى بن النعمان الصيرفي قال: سمعت علي بن جعفر يحدث الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين فقال: والله لقد نصرالله أبا الحسن الرضا عليه السلام فقال له الحسن: اي والله جعلت فداك لقد بغى عليه إخوته ، فقال علي بن جعفر: إي والله ونحن عمومته بغينا عليه ، فقال له الحسن: جعلت فداك كيف صنعتم فإني لم أحضركم؟ قال: قال له إخوته ونحن أيضاً: ما كان فينا إمام قط حائل اللون فقال لهم الرضا عليه السلام : هو ابني ، قالوا: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد قضى بالقافة ، فبيننا وبينك القافة قال: إبعثوا أنتم إليهم فأما أنا فلا ، ولا تعلموهم لما دعوتموهم ولتكونوا في بيوتكم . فلما جاؤوهم أقعدونا في البستان واصطف عمومته وإخوته وأخذوا الرضا عليه السلام وألبسوه جبة صوف وقلنسوة منها ، ووضعوا على عنقه مسحاة ، وقالوا له: أدخل البستان كأنك تعمل فيه ، ثم جاؤوا بأبي جعفر عليه السلام فقالوا: ألحقوا هذا الغلام بأبيه فقالوا: ليس له ههنا أب ولكن هذا عم أبيه وهذا عم أبيه وهذا عمه وهذه عمته ، وإن يكن له ههنا أب فهو صاحب البستان ، فإن قدميه وقدميه واحدة فلما رجع أبو الحسن عليه السلام قالوا: هذا أبوه . قال علي بن جعفر: فقمت فمصصت ريق أبي جعفر عليه السلام ثم قلت له: أشهد أنك إمامي عند الله ، فبكى الرضا عليه السلام ثم قال: يا عم ألم تسمع أبي وهو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : بأبي ابن خيرة الإماء ابن النوبية الطيبة الفم ، المنتجبة الرحم ، ويلهم لعن الله الأعيبس وذريته ، صاحب الفتنة ، [ويكون من ولده الطريد الشريد] يقتلهم سنين وشهوراً وأياماً ، يسومهم خسفاً ويسقيهم كأساً مصبرة ، وهو الطريد الشريد الموتور بأبيه وجده صاحب الغيبة يقال مات أو هلك ، أي واد سلك ؟ قال الرضا عليه السلام أفيكون هذا يا عم إلا مني ، فقلت: صدقت جعلت فداك ).

وما بين قوسين من رواية المفيد في الإرشاد (2/274) وقد سقط من نسخة الكافي . وقد رواها المفيد بأسانيد أحدها عن الكافي جاء فيها: (فبكى الرضا عليه السلام ثم قال: يا عم ، ألم تسمع أبي وهو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : بأبي ابن خيرة الإماء النوبية الطيبة ، يكون من ولده الطريد الشريد ، الموتور بأبيه وجده ، صاحب الغيبة ، فيقال: مات أو هلك أي واد سلك). فالمقصود بصاحب الغيبة من ولده الإمام المهدي عليه السلام . وقد ورد من طرق الفريقين أنه شبيه جده النبي صلى الله عليه وآله أبيض مشرب بحمرة، ومن طرقنا أن أمه من الروم. وشاهدنا لعن الأعيبس وذريته وأولهم ابن عباس !

المناقشة الثانية:

لايصح رده لرواية أن سبب عمى ابن عباس إنكاره الأئمة من ذرية علي عليهم السلام  ، وقد رواها الكافي(1/242) بسند صحيح: (باب في شأن إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، والسند هو: محمد بن أبي عبد الله ومحمد بن الحسن ، عن سهل بن زياد ، ومحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد جميعاً، عن الحسن العباس بن الحريش، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: عن أبي عبد الله عليه السلام [عن أبيه] قال: بينا أبي جالس وعنده نفر إذا استضحك حتى اغرورقت عيناه دموعاً، ثم قال: هل تدرون ما أضحكني؟ قال فقالوا: لا ، قال زعم ابن عباس أنه من الذين قَالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا. فقلت له: هل رأيت الملائكة يا ابن عباس تخبرك بولايتها لك في الدنيا والآخرة ، مع الأمن من الخوف والحزن ، قال فقال إن الله تبارك وتعالى يقول: إنما المؤمنون إخوة . وقد دخل في هذا جميع الأمة ، فاستضحكت . ثم قلت: صدقت يا ابن عباس أنشدك الله هل في حكم الله جل ذكره اختلاف قال فقال: لا ، فقلت: ما ترى في رجل ضرب رجلاً أصابعه بالسيف حتى سقطت ثم ذهب وأتى رجل آخر فأطاركفه فأتى به إليك وأنت قاض كيف أنت صانع؟ قال: أقول لهذا القاطع: أعطه دية كفه وأقول لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت وابعث به إلى ذوي عدل . قلت: جاء الإختلاف في حكم الله عز ذكره ، ونقضت القول الأول ، أبى الله عز ذكره أن يحدث في خلقة شيئاً من الحدود وليس تفسيره في الأرض ، إقطع قاطع الكف أصلاً ثم أعطه دية الأصابع . هكذا حكم الله ليلة تنزل فيها أمره ، إن جحدتها بعدما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله فأدخلك الله النار كما أعمى بصرك يوم جحدتها علي بن أبي طالب قال: فلذلك عمي بصري، قال: وما علمك بذلك فوالله إن عمي بصري إلا من صفقة جناح الملك. قال: فاستضحكت ثم تركته يومه ذلك لسخافة عقله . ثم لقيته فقلت: يا ابن عباس ما تكلمت بصدق مثل أمس! قال لك علي بن أبي طالب عليه السلام : إن ليلة القدر في كل سنة ، وإنه ينزل في تلك الليلة أمر السنة وإن لذلك الأمر ولاة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: من هم؟ فقال: أنا وأحد عشر من صلبي أئمة محدثون؟ فقلتَ: لا أراها كانت إلا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ! فتبدَّى لك الملك الذي يحدثه فقال: كذبت يا عبد الله رأت عيناي الذي حدثك به علي ولم تره عيناه ولكن وعا قلبه ووقر في سمعه ، ثم صفقك بجناحه فعميت ! قال فقال ابن عباس: ما اختلفنا في شئ فحكمه إلى الله فقلت له: فهل حكم الله في حكم من حكمه بأمرين؟ قال: لا ، فقلت: هاهنا هلكت وأهلكت )!

فقال السيد الخوئي عنها:(وهذه الرواية مضافاً إلى ضعفها بالحسن بن العباس بن حريش ، آثار الوضع عليها ظاهرة ، فإن الظاهر من ضحك الباقر عليه السلام أن الأمر وقع قريباً والمفروض في الرواية أنه عليه السلام كان جالساً وعنده نفر فكانت هذه القصة زمان إمامته ، ولا أقل أنها كانت زمان كبره عليه السلام مع أن ابن عباس مات سنة ثمان وستين ، وولد أبو جعفر عليه السلام سنة سبع وخمسين ، فالقضية مكذوبة لا محالة ).

أقول: ما أدري من أين استظهر سيدنا الأستاذ1من ضحك الإمام الباقر عليه السلام ، قال:( فإن الظاهر من ضحك الباقر عليه السلام أن الأمر وقع قريباً!)

أما الحسن بن العباس بن حريش ، فقد وثقه علي بن إبراهيم ، وقال الشيخ الطوسي في الفهرست /301: (الحسن بن العباس بن حريش الرازي = صحيح ).

ووثقه أو مال الى توثيقه عدد من الرجاليين كالمجلسيين والوحيد البهباني وغيرهم

فقول السيد الخوئي1(5/363):(وكيف كان فالرجل ضعيف: إما لثبوت اتحاده مع سابقه أو لاحتماله . فتوثيق علي بن إبراهيم يسقط بمعارضة تضعيف النجاشي).يناقش فيه بأن تضعيف النجاشي سببه كتابه واسمه (ثواب قراءة إنا أنزلناه) وهو اجتهاد منه تبعوه عليه ، مع أن القميين المتشددين رووا كتابه .

قال النجاشي/61: (له كتاب إنا أنزلناه في ليلة القدر ، وهو كتاب ردي الحديث ، مضطرب الألفاظ. أخبرنا إجازة محمد بن علي القزويني قال: حدثني أحمد بن محمد بن يحيى ، عن الحميري ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عنه ).

فانظر في سلسلة رواة كتابه ، تجدهم كبار القوم .

قال المجلسي في مرآة العقول (3 / 61): (لكن يظهر من كتب الرجال أنه لم يكن لتضعيفه سبب إلا رواية هذه الأخبار العالية الغامضة التي لاتصل إليها عقول أكثر الخلق والكتاب كان مشهوراً عند المحدثين ، وأحمد بن محمد روى هذا الكتاب مع أنه أخرج البرقي عن قم بسبب أنه كان يروي عن الضعفاء ، فلو لم يكن هذا الكتاب معتبراً عنده ، لما تصدى لروايته).

وأما الإشكال على الرواية بأن الباقر عليه السلام كان عمره لما توفي ابن عباس اثنتي عشرة أو أربع عشرة سنة لأن ابن عباس توفي سنة 68 أو 70 ، وكان عمر الباقر لما توفي ابن عباس بضع عشرة سنة فكيف تصح مناظرته له ؟

والجواب: أنه مادام السند صحيحاً والرواية مقبولة عند جمع من كبار العلماء ، فلا بد أنه وقع سقط في نسختها ، وأصلها عن أبي عبد الله عليه السلام [عن أبيه] قال: بينا أبي جالس وعنده نفر إذا استضحك. أي أبيه زين العابدين عليه السلام فسقط من النساخ عبارة [عن أبيه] أيالإمام زين العابدين عليه السلام وهو معاصر لابن عباس . وكم لهذا السقط من مثيل .

ويؤيده نص الرواية المتقدمة (الكشي/273): (عن أبي جعفر عليه السلام قال: أتى رجل أبي عليه السلام فقال: إن فلاناً يعني عبد الله بن العباس يزعم..) وهذه قرينة كافية للسقط في الأولى .

المناقشة الثالثة:

1- لحديث جعفر بن معروف أسانيد أخرى لم يطلع عليها السيد1ولامطعن في سندها وليس فيها ابن معروف، فقد رواها المفيد في الإختصاص/71:(عنه عن محمد بن الحسن ، عن محمد بن الحسن الصفار ، عن علي بن إسماعيل ، عن حماد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن الفضيل بن يسار ، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أتى رجل أبي عليه السلام يعني زين العابدين عليه السلام فقال: إن رجلاً يعني عبد الله بن عباس يزعم أنه يعلم كل آية نزلت في القرآن في أي يوم نزلت وفيما نزلت نزلت...الخبر). ورجاله وثقهم السيد الخوئي1.

2- كما روى الصدوق بعضها في التوحيد/325، بسند موثق لا مطعن فيه ، قال: (حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله : حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن علي بن إسماعيل، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني ، عن أبي الطفيل ، عن أبي جعفر عليه السلام ).

قال السيد الخوئي في معجمه (1/241) في ابراهيم بن عمر اليماني: (الرجل يعتمد على روايته لتوثيق النجاشي له ، ولوقوعه في إسناد تفسير القمي ، ولا يعارضه التضعيف عن ابن الغضائري ، لما عرفت في المدخل من عدم ثبوت نسبة الكتاب إليه . وطريق الصدوق إليه: أبوه رضي الله عنه عن سعد بن عبد الله ، عن يعقوب بن يزيد ، عن حماد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر اليماني. والطريق صحيح ).

3-كما رواها القمي في تفسيره (2/23): بسند صحيح، قال:(حدثني أبي عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي الطفيل عن أبي جعفر عليه السلام قال: جاء رجل إلى أبي علي بن الحسين عليه السلام فقال: إن ابن عباس يزعم أنه يعلم كل آية نزلت في القرآن..الخ). وقد صحح السيد الخوئي أسانيد تفسير القمي (1/241) .

4- وروى النعماني القسم الأخير منها في الغيبة/205 ، بسند صحيح أيضاً ، قال: (علي بن أحمد قال: حدثنا عبيد الله بن موسى العلوي ، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن علي بن إسماعيل، عن حماد بن عيسى،عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي الطفيل، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين عليهم السلام ).

5- قال السيد الخوئي1إن العلامة ذكره في القسم الأول في الرواة الذين يعتمد على روايتهم وهو نوع من التوثيق، لكن السيد الخوئي يعتبره توثيقاً عن حدس!

فقد طبق1قاعدته بأن توثيق المتقدمين يوجب اعتماد الراوي لأنه عن حس ، أما توثيق المتأخرين فلايوجبه لأنه عن حدس . ولسنا بصدد بحثه .

6- قال 1إنه لم يوثق جعفر بن معروف أحد من المتقدمين، ولم يعتبر بكثرة اعتماد الكشي عليه الذي هو نوع من التوثيق ، ولا بكونَه وكيلاً للمعصومين عليهم السلام ، وهو نوع من التوثيق مادام لم يعزل ، ولم يرد فيه ذم !

ثم لم يعتبر بمدح المتأخرين وتوثيقهم ، كالعلامة الذي عده ممن يعتمد عليهم ، والميرداماد في حاشيته على الكشي(2/471) قال:(جعفر بن معروف.الطريق صحيح بعبد الله بن بكير، فإنه وإن كان فطحياً فهو من اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم ، فما قاله السيد بن طاوس من القدح في الطريق بابن بكير لفطحيته ، وبجعفر بن معروف ، لطعن ابن الغضائري فيه لا تعويل عليه . وقد أسمعناك فيما سلف أن جعفر بن معروف الذي قال ابن الغضائري إن في مذهبه ارتفاعاً هو أبو الفضل السمرقندي يروي عنه العياشي، وجعفر بن معروف هذا الذي يروي عنه الكشي هو أبو محمد من أهل كش كان وكيلاً مكاتباً ، وهو من المشيخة الأجلاء لا غميزة فيه أصلا ً).

ومدحه النوري في خاتمة المستدرك (7/226) فقال: (جَعْفَر بن مَعْروف الكَشي كان وكيلاً وكان مكاتِباً كما في رجال الشيخ باب من لم يرو عنهم عليهم السلام . وفي الأول إشعار بالوثاقة وفي الثاني مدح عظيم . ويروي عنه الكشي كثيراً ) .

7- يضاف الى العناصر المتقدمة لإثبات وثاقته: جلالة مشايخه الذين روى عنهم وتلاميذه الذين رووا عنه ، ومجموع ما روي عنه من العقائد والفقه والتفسير والسيرة . فلا نرى وجهاً لعدم توثيقه .

أما بقية رجال السند فقد وثقهم السيد الخوئي1في معجمه . راجع المفيد من معجم رجال الحديث/12، و192، و195، و 459و 769، و774.

8- ومما يؤيد توثيق ابن معروف عُلُوُّ متن روايته بحيث لو أراد الراوي أن يكذب مثل متنها لما استطاع ، وأن العلماء تلقوها بالقبول واستشهدوا بها أو بأجزاء منها. فهذا يوجب الإطمئنان بصدورها عن الإمام عليه السلام .

9- قال السيد الخوئي1في معجمه( 8 /360 ): «وإن استفاضة الروايات أغنتنا عن النظر في إسنادها ، وإن كانت جلها بل كلها ضعيفة أو قابلة للمناقشة » .

وقال في كتاب الصلاة (4 /392): « لما عرفت من أن النصوص الناطقة باختصاص المحل بما قبل الركوع بالغة حد الإستفاضة بحيث أصبحت معلومة الصدور » .

وقال في معجمه (11/250) في روايات مدح ابن عباس: (هذا ، والأخبار المروية في كتب السير والروايات الدالة على مدح ابن عباس ، وملازمته لعلي ومن بعده الحسن والحسين عليهم السلام ، كثيرة ، وقد ذكر المحدث المجلسي1مقداراً كثيراً منها في أبواب مختلفة من كتابه البحار، من أراد الإطلاع عليها فليراجع سفينة البحار في مادة عبس. ونحن وإن لم نظفر برواية صحيحة مادحة ، وجميع ما رأيناه من الروايات في إسنادها ضعف ، إلا أن استفاضتها أغنتنا عن النظر في إسنادها ، فمن المطمأن به صدور بعض هذه الروايات عن المعصومين إجمالاً ) .

لكنه1قال في مصباح الفقاهة (1/524): )وأما الإستفاضة فهي لا تنافي عدم الإعتبار، فإن الخبر المستفيض قسم من أخبار الآحاد ، كما حقق في محله ، ولذا يجعلونه في مقابل المتواتر). فمقصوده 1إذن أن الإستفاضة قد توجب الإطمئنان بصدور الحديث وقد لا توجب . وعليه كانت روايات مدح ابن عباس عنده على ضعفها مقبولة ، لأنها مستفيضة، لكن يحب أن يقبل روايات ذمه لأنها مستفيضة ، والمهم أن عدداً منها صحيح على مبناه !

المناقشة الرابعة:

أهمل السيد الخوئي1رواية علي بن محمد بن قتيبة النيشابوري لرواية الإمام زين العابدين عليه السلام وسنده: حدثنا الفضل بن شاذان ، عن محمد بن أبي عمير ، عن أحمد بن محمد بن زياد قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين عليهما السلام .. وذكر نحوه ).

فقال السيد الخوئي1في(14/315) علي بن محمد بن قتيبة لم يوثق ، فالرواية لا يعتمد عليها ). وقال في ترجمة ابن قتيبة (13/171): (قال النجاشي: عليه اعتمد أبو عمر والكشي في كتاب الرجال. أبو الحسن صاحب الفضل بن شاذان ، وراوية كتبه . له كتب منها: كتاب يشتمل على ذكر مجالس الفضل مع أهل الخلاف ، ومسائل أهل البلدان . أخبرنا الحسين قال: حدثنا أحمد بن جعفر قال: حدثنا أحمد بن إدريس عنه ، بكتابه . وعده الشيخ في رجاله فيمن لم يرو عنهم عليهم السلام قائلاً: علي بن محمد القتيبي: تلميذ الفضل بن شاذان ، نيسابوري ، فاضل  .

وقال العلامة: في ترجمة يونس بن عبد الرحمان: وروى الكشي حديثاً صحيحاً عن علي بن محمد القتيبي قال: حدثني الفضل بن شاذان . . . إلخ ) .

ثم قال السيد الخوئي أقول: وقع الخلاف في اعتبار علي بن محمد القتيبي وعدمه ، فقيل باعتباره ، واستدل على ذلك بوجوه .

الأول: اعتماد الكشي عليه حيث أنه يروي عنه كثيراً ، ويرد عليه ما يأتي عن النجاشي في ترجمته من أنه يروي عن الضعفاء كثيراً .

الثاني: حكم العلامة بصحة روايته ، وجوابه: أن ذلك منه مبني على أصالة العدالة التي لا نقول بها ، ومر ذلك مراراً .

الثالث: حكم الشيخ عليه بأنه فاضل ، فهو مدح يدخل الرجل به في الحسان ،

والجواب: أن الفضل لا يعد مدحاً في الراوي بما هو راو ، وإنما هو مدح للرجل في نفسه باعتبار اتصافه بالكمالات والعلوم ، فما عن المدارك من أن علي بن محمد بن قتيبة غير موثق ، ولا ممدوح مدحاً يعتد به ، هو الصحيح ، والله العالم).

والمناقشة فيه:

أولاً: من أين نعلم أن العلامة حكم بصحة روايته عملاً بأصالة العدالة في المسلم التي يعتمد عليها غيرنا ؟ فقد يكون حكمه بوثاقته وصحة روايته لدليل آخر .

ثم ، لماذا لانقول بأصالة العدالة في خصوص الرواة المعروفين بولاية أهل البيت عليهم السلام من أهل السلوك الحسن؟

ثانياً: كيف لايعتبر أن كونه راوية كتب الفضل بن شاذان الأزدي توثيقاً له ، ولا يبعد أن يكون العلامة الحلي1اعتمد عليه في تصحيح روايته شهادة الإمام عليه السلام في عبد الرحمن بن يونس، فإن الفضل من كبار علماء المذهب الممدوحين مدحاً خاصاً ومدحه يشمل كتبه ، وقد وصلت كتبه عن طريق راويته المعتمد علي بن محمد بن قتيبة النيشابوري  .

روى الكشي(2/830): (عن محمد بن الحسين بن محمد الهروي ، عن حامد بن محمد العلجردي البوسنجي ، عن الملقب بفورا ، من أهل البوزجان من نيسابور أن أبا محمد الفضل بن شاذان رحمه الله كان وجهه إلى العراق إلى حيث أبو محمد الحسن بن علي صلوات الله عليهما . فذكر أنه دخل أبي محمد عليه السلام فلما أراد أن يخرج: سقط منه كتاب في حضنه ملفوف في رداء له ، فتناوله أبو محمد عليه السلام ونظر فيه ، وكان الكتاب من تصنيف الفضل وترحم عليه ، وذكر أنه قال: أغبط أهل خراسان بمكان الفضل بن شاذان وكونه بين أظهرهم ! وفي رواية أخرى: أن أبا محمد عليه السلام ترحم عليه ثلاثاً ولاءً ) . وهذا يكفي لتوثيق من اعتمده راوية لكتبه .

المناقشة الخامسة:

وتبقى أقوى المناقشات: ماذا يصنع السيد الخوئي برسالة أمير المؤمنين عليه السلام في توبيخ ابن عباس وتهديده ! لقد أجاب عنها بقوله: (هذه الرواية وما قبلها من طرق العامة ، وولاء ابن عباس لأمير المؤمنين وملازمته له عليه السلام هو السبب الوحيد في وضع هذه الأخبار الكاذبة وتوجيه التهم والطعون عليه ، حتى أن معاوية لعنه الله كان يلعنه بعد الصلاة مع لعنه علياً والحسنين وقيس بن عبادة والأشتر )!

وهذا عجيب لأن هذه الرواية شيعية من طرقنا: من نهج البلاغة ، ولها مصادر عديدة ذكروها في مصادر نهج البلاغة (3/331) .

وبلاغتها وسبكها وأدبها ، تنادي بأنها من كلام أمير المؤمنين عليه السلام وتأبى القول أنها موضوعة ، بل إن علو متنها يغني عن السند .

فلا جواب للسيد عنها ، ولا عن ادعاء ابن عباس الإمامة بعد الحسين عليه السلام ؟

ونتيجة البحث:

أن ابن عباس ثقة نقبل رواياته ، لأن الوثاقة تعني أنه صادق في حديثه . أما كلامه في مدح نفسه ومدح بني العباس فلا نقبله ، لأنه متهم فيه .

ابن عباس من أتباع مدرسة الرأي والظن !

إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا !

هذه آية محكمة معناها:أيها المسلمون ألقوا ظنونكم وآراءكم جانباً ، واعتمدوا على العلم واليقين فقط من كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله فقط . ولاتبنوا شيئاً من دينكم على الرأي والظن ، فتحرفوا الدين ! ومعناه أن الله فرض علينا تحصيل العلم واليقين في كل العقائد والأحكام والقضايا ؟

والسؤال: من أين نأتي بالعلم في الأحكام ؟ والجواب في قوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. أي لا تسألوا أهل الجهل والظن، بل إسألوا أهل الذكر والعلم .

ومعناه أن أهل الذكر موجودون في كل جيل، وهم الذين قال النبي صلى الله عليه وآله فيهم: إني تارك فيكم الثقلين:كتاب الله وعترتي أهل بيتي. فالقرآن الذكر والعترة أهله .

وقد روينا ذلك في عامة مصارنا وفصلناه في كتاب: آيات الغدير/294 . قال صلى الله عليه وآله : أيها الناس: إني أوشك أن أدعى فأجيب ، فما أنتم قائلون ؟فقالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت . فقال: أليس تشهدون أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وأن الجنة حقٌ وأن النار حقٌ وأن البعث حق ؟ قالوا: يا رسول الله بلى . فأومأ رسول الله إلى صدره وقال: وأنا معكم . ثم قال رسول الله: أنا لكم فرط ، وأنتم واردون عليَّ الحوض ، وسعته ما بين صنعاء إلى بصرى ، فيه عدد الكواكب قِدْحان ، ماؤه أشد بياضاً من الفضة . . فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين . فقام رجل فقال: يا رسول الله وما الثقلان ؟ قال: الأكبر: كتاب الله ، طرفه بيد الله وسبب طرفه بأيديكم ، فاستمسكوا به ولا تزلوا ولا تضلوا . والأصغر: عترتي أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض . . سألت ربي ذلك لهما ، فلا تقدموهم فتهلكوا ، ولا تتخلفوا عنهم فتضلوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم .

أيها الناس: ألستم تعلمون أن الله عزّ وجلّ مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأني أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله . قال: قم يا علي . فقام علي ، وأقامه النبي صلى الله عليه وآله عن يمينه ، وأخذ بيده ورفعها حتى بان بياض إبطيهما ، وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه . اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره واخذل من خذله ، وأدر الحق معه حيث دار . فاعلموا معاشر الناس أن الله قد نصبه لكم وليا وإماما مفترضا طاعته على المهاجرين والأنصار ، وعلى التابعين لهم بإحسان ، وعلى البادي والحاضر، وعلى الأعجمي والعربي ، والحر والمملوك والصغير والكبير. فقام أحدهم فسأله وقال: يا رسول الله ولاؤه كماذا ؟ فقال صلى الله عليه وآله : ولاؤه كولائي ، من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه ! وأفاض النبي صلى الله عليه وآله في بيان مكانة علي والعترة الطاهرة والأئمة الإثني عشر من بعده عليهم السلام : علي والحسن والحسين ، وتسعة من ذرية الحسين ، واحدٌ بعد واحد ، مع القرآن والقرآن معهم، لا يفارقونه ولا يفارقهم ، حتى يردوا عليَّ حوضي . ثم أشهد المسلمين مراتٍ أنه قد بلغ عن ربه.فشهدوا . وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب فوعدوه وقالوا: نعم . وقام إليه آخرون فسألوه فأجابهم .

ولما أتم خطبته نزل جبرئيل بقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً . فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ، ورضا الرب برسالتي ، وولاية علي بعدي ..

ونزل عن المنبر ، وأمر أن تنصب لعلي خيمة ، وأن يهنئه المسلمون بولايته عليهم حتى أنه أمر نساءه بتهنئته ، فجئن إلى باب خيمته وهنأنه !وكان من أوائل المهنئين عمر بن الخطاب فقال له: بخٍ بخٍ لك يا بن أبي طالب ، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ! وجاء حسان بن ثابت ، وقال: إئذن لي يا رسول الله أن أقول في علي أبياتاً تسمعهن ، فقال: قل على بركة الله ، فأنشد حسان :

يناديهمُ يوم الغدير نبيُّهُمْ
بخـمٍّ فأسمـع بالرسـول مناديـا
يقول فمن مولاكم ووليُّكُمْ
فقالـوا ولـم يبـدوا هنـاك التعاميـا
إلهـك مـولانـا وأنـت ولـينـا
ولـم تـر منـا في الولايـة عاصيـا
فقال له قم يا عليُّ فإنني
رضيتـك من بعـدي إمامـاً وهاديـا
فمن كنت مولاه فهذا وليه
فكونـوا لـه أنصـار صـدق مواليـا
هناك دعا اللهم وال وليه
وكـن للـذي عـادى عليـاً معاديـا

ورواه الطبراني في الكبير(5/167) عن زيد بن أرقم قال نزل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجحفة ثم أقبل على الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

إني لا أجد لنبي إلا نصف عمر الذي قبله ، وإني أوشك أن أدعى فأجيب فما أنتم قائلون ؟قالوا: نصحت . قال: أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأن الجنة حق والنار حق وأن البعث بعد الموت حق؟ قالوا: نشهد . قال: فرفع يديه فوضعهما على صدره ثم قال: وأنا أشهد معكم ثم قال: ألا تسمعون؟ قالوا: نعم . قال: فإني فرطكم على الحوض وإنكم واردون عليَّ الحوض وإن عرضه أبعد ما بين صنعاء وبصرى ، فيه أقداح عدد النجوم من فضة فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين. فنادى مناد: وما الثقلان يا رسول الله؟ قال: كتاب الله طرف بيد الله عزّ وجلّ وطرف بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلوا . والآخر: عترتي ، وإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض ، وسألت ذلك لهما ربي. فلا تَقدَّموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ، ثم أخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: من كنت أولى به من نفسه فعلي وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ).

ومعنى ذلك: أن عدم أخذ الدين من أهل البيت عليهم السلام يعني اللجوء الى الظنون !

السبب الأساسي في معارك النبي صلى الله عليه وآله ومعارك علي عليه السلام

وجدت في الأحاديث الصحيحة أن المبرر الأساسي لمعارك النبي صلى الله عليه وآله أن الله تعالى أرسله نبياً وأعطاه حق دعوة الناس الى دينه ، فمنعته قريش من تبليغ رسالته وصادرت حريته ، فكان له الحق أن يقاتلها لينتزع منها حرية التبليغ!

جاء في معركة بدر (المناقب: 1/162): (فلبس عتبة درعه وتقدم هو وأخوه شيبة وابنه الوليد وقال: يا محمد أخرج الينا أكفاءنا من قريش ، فتطاولت الأنصار لمبارزتهم فدفعهم، وأمر علياً عليه السلام وحمزة وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وهو ابن سبعين سنة بالبراز، وقال: قاتلوا على حقكم الذي بعث الله به نبيكم ، إذ جاؤوا بباطلهم ليطفؤا نورالله، فلما رأوهم قالوا: أكفاء كرام ) .

وفي الفصول المهمة ( 1/315): (قم يا علي ، قم يا حمزة ، قم يا عبيدة ، قاتلوا على حقكم الذي بعث به نبيكم ). فحقهم على قريش أن لاتصادر حرية النبي صلى الله عليه وآله في تبليغ رسالته بل تتركه يبلغ والناس يختارون الهدى أو الضلال.

كما نصت الأحاديث النبوية الصحيحة على أن المبرر الأساسي لقتال علي عليه السلام على تأويل القرآن أنهم جعلوا آراءهم جزءً من الدين وعملوا بظنونهم وآرائهم ، وأعرضوا عن أهل الذكر الراسخين في العلم واضطهدوهم! وقد حكم النبي صلى الله عليه وآله بكفر من استعمل الرأي في الدين ، ولكنه كفر دون كفر !

روي في الإحتجاج (1/290) ، والسيوطي في جامعه (31/350) أنه صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام : (أبشر يا صديق فإن الشهادة من ورائك . فقلت: بأبي أنت وأمي! بيِّن لي ما هذه الفتنة التي يبتلون بها وعلى ما أجاهدهم بعدك؟ فقال: إنك ستقاتل بعدي الناكثة والقاسطة والمارقة وحلَّاهم وسماهم رجلاً رجلاً، ثم قال لي: وتجاهد أمتي على كل من خالف القرآن ممن يعمل في الدين بالرأي، ولا رأي في الدين ، إنما هو أمر من الرب ونهيه. فقلت: يا رسول الله ! فأرشدني إلى الفلج عند الخصومة يوم القيامة ، فقال: نعم ، إذا كان ذلك فاقتصرعلى الهدى إذا قومك عطفوا الهدى على العمى ، وعطفوا القرآن على الرأي فتأولوه برأيهم..).

أعلن أهل البيت عليهم السلام ضلال العاملين بالرأي والظن !

بل شنوا حملة شديدة على علماء السلطة لعملهم بالرأي لأنه بدعةٌ في الدين، وتجد في مصادرنا أبواباً بعنوان: النهي عن الفتيا والقول بغير علم.. باب إبطال المقاييس والرأي والبدع. وكلها تحرم الإعتماد على الظن والقياس والإستحسان !

قال الإمام الصادق عليه السلام لبعض أصحابه (دعائم الإسلام:2/536):(إياك وخصلتين مهلكتين: تفتي الناس برأيك ، وتدين بما لا تعلم . إن أول من قاس إبليس، وإن أول من سنَّ لهذه الأمة القياس ، لمعروف) ! يقصد أبا حنيفة أو قبله عمر .

وقال الإمام محمد الباقر عليه السلام (بصائر الدرجات/319 ): (يا جابر إنا لو كنا نحدثكم برأينا وهوانا لكنا من الهالكين ! ولكنا نحدثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله صلى الله عليه وآله كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم ).

وسأل رجل الإمام الصادق عليه السلام (الكافي:1/58) عن مسألة: (فقال الرجل: أرأيتَ إن كان كذا وكذا ، ما يكون القول فيها؟ فقال له: مَهْ ، ما أجبتك فيه من شئ فهو عن رسول الله صلى الله عليه وآله . لسنا من: أرأيتَ في شئ )!

وقال المحامي أحمد حسين يعقوب(الخطط السياسية/122) يصف المنهج العلمي لأهل البيت عليهم السلام : (لاحاجة عند عمادة أهل البيت عليهم السلام للرأي أبداً..فالأئمة الكرام يعرفون الحكم الشرعي معرفة قائمة على الجزم واليقين ، فما الداعي للخوض بالرأي القائم على الفرض والتخمين) !

إن من عجائب تناقضات الخلافة أنها أقرت بقاعدة بطلان القول بالرأي والظن القرآنية والنبوية ، لكن الخليفة والقضاة وعلماء السلطة، ومنهم ابن عباس ، يعملون بالرأي والظن ! وتقدمت رواية الدارمي(2/346): (أرسل ابن عباس إلى زيد بن ثابت: أتجد في كتاب الله للأم ثلث ما بقي؟فقال زيد: إنما أنت رجل تقول برأيك ، وأنا رجل أقول برأيي) ! وصححه الألباني في إرواء الغليل(6/123) .

وأسوأ من ذلك أنهم نسبوا ذلك الى النبي صلى الله عليه وآله افتراءً عليه ! وقد كتبنا فصلاً في: ألف سؤال وإشكال على المخالفين لأهل البيت عليهم السلام (2/485). بعنوان: تأسيس دين الظنون والإحتمالات . وقلنا إن القرشيين برووا عملهم بظنونهم وآرائهم بأنه جائز ، بل افتروا على النبي صلى الله عليه وآله بأنه كان يعمل بظنونه ويخطئ ! ونحن نعتقد أن الإسلام دين العلم ، نزل بعلم من عند الله الذي خلق السماوات والأرض بالحق والعلم ، وعلَّمَ رسوله صلى الله عليه وآله الحق والعلم ، وبلَّغ النبي رسالات ربه بعلم ، وعمل في صغير أموره وكبيرها بعلم .

وكل ما نسبه القرشيون الى النبي صلى الله عليه وآله من أخطاء ومعاص وما ينافي العلم والحكمة مردودٌ عليهم ! لقوله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى.إِنْ هُوَإِلا وَحْىٌ يُوحَى. وهو منزهٌ عن الهوى من طفولته، قال علي عليه السلام : (ولقد قَرَنَ الله به من لَدُنْ أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ، ويعلمه محاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره).(نهج البلاغة:2/157).

الفصل السادس

أنس بن مالك صحابي ضخموه وهو ضئيل

أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وآله

في الإصابة(1/275) ملخصاً: (أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد أبو حمزة الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله(ص) وأحد المكثرين من الرواية عنه .

صح عنه أنه قال: قدم النبي(ص) المدينة وأنا ابن عشرسنين وأن أمه أم سليم أتت به النبي (ص) لما قدم فقالت له: هذا أنس غلام يخدمك فقبله ، وأن النبي كناه أبا حمزة ببقلة كان يجتنبها ومازحه النبي(ص) فقال له يا ذا الأذنين !

وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: خرج أنس مع رسول الله (ص) إلى بدر وهو غلام يخدمه . وكانت إقامته بعد النبي (ص) بالمدينة ، ثم سكن البصرة ومات بها .

قال علي بن المديني: كان آخر الصحابة موتاً بالبصرة .

وقال البخاري: غزا أنس مع النبي (ص) ثماني غزوات .

قال لي ثابت البناني: قال لي أنس بن مالك هذه شعرة من شعر رسول (ص) فضعها تحت لساني ، قال فوضعتها تحت لسانه فدفن وهي تحت لسانه .

وقال معتمر عن أبيه سمعت أنس بن مالك يقول لم يبق أحد صلى القبلتين غيري. قال جرير بن حازم قلت لشعيب بن الحبحاب: متى مات أنس؟ قال سنة تسعين. قال أبو هريرة ما رأيت أحداً أشبه صلاةً برسول الله (ص) من ابن أم سليم يعني أنساً . وكانت تسمى أم حرام أيضاً !

كذب أنس بن مالك وبالغ في مدح أمه !

1-كذب أنس في مدح أمه أم حرام بنت ملحان! وروى كذبه البخاري وكرره !

قال البخاري(3 / 201): (كان رسول الله (ص)يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه ، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله (ص) فأطعمته وجعلت تُفَلِّي رأسه! فنام رسول الله ثم استيقظ وهو يضحك ! قالت: فقلت وما يضحكك يا رسول الله ؟ قال: ناس من أمتي عُرِضوا عليَّ غزاةً في سبيل الله ، يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرَّة ، أو مثل الملوك على الأسرة ، شك إسحاق ، قالت فقلت: يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم ، فدعا لها رسول الله (ص) ثم وضع رأسه ثم استيقظ وهو يضحك فقلت: وما يضحكك يا رسول الله ؟ قال: ناس من أمتي عرضوا عليَّ غزاةً في سبيل الله ، كما قال في الأول ، قالت: فقلت يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت من الأولين، فركبت البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت). (ورواه في:3 /203و 221 ، و: 7 /140 ، و: 3 / 203 ، و: 8 /73 ).

قال ابن حجر في فتح الباري(6/74): ( في هذا الحديث منقبة لمعاوية ، لأنه أول من غزا البحر ، ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر ) .

ونشر محبوا معاوية حديث بنت ملحان في تبشير معاوية بالجنة !

وقد كذب أنس في أن أمه تزوجت عبادة بن الصامت في حياة النبي صلى الله عليه وآله ، بل كانت زوجة أبي طلحة وكانت في بيته حفلة خمر الصحابة التي رووها بسند صحيح قرب وفاة النبي صلى الله عليه وآله وتزوجت بعُبادة في زمن عمر !

ولوصح حديثها لشاع قبل أن تموت! خاصة وأن عمر حرَّم غزو البحر ولم يستجب للضغوط عليه وحاجة المسلمين إليه ، وعاقب عليه العلاء الحضرمي لأنه خرج بسفن أهل البحرين وفتح قسماً من جنوب إيران ، وكان أنس وأمه موجودين يومذاك في المدينة، فلماذا لم يقولا لعمر إن رسول الله صلى الله عليه وآله مدح غزاة البحر وبشر أم أنس أنها منهم ! لكنهم اخترعوه ليكون منقبة لمعاوية !

2- لايمكن لعاقل أن يصدق أحاديث أنس وأمه وقولها إن النبي صلى الله عليه وآله كان يزورها في بيتها فتطعمه وتفلِّي رأسه ، وكأن رأسه صلى الله عليه وآله فيه قمل كرجالهم ! ثم ينام في بيتها قريباً منها وهي امرأة أرملة عزباء لم تتزوج حتى كبر أنس، ثم تزوجت أبا طلحة المعروف بكفره وخمره ! ثم طلقها فتزوجت عبادة بن الصامت في زمن عمر.

وقد روت بنت ملحان رؤيا للنبي صلى الله عليه وآله في فضلها ، وزعمت أنها تدخل الجنة قبل النبي صلى الله عليه وآله ! وكل ما قالته عن سلوك النبي صلى الله عليه وآله معها مكذوب ! لكنك تجد علماء الحكومة يقبلونه ويتخبطون في تفسيره!

فقد تبرع بعضهم وجعل بنت ملحان خالة النبي صلى الله عليه وآله ! وتبرع آخر وقال إن تلك التصرفات المحرمة حلالٌ للنبي صلى الله عليه وآله ! وادعى النووي الإجماع على الأحكام الشرعية التي نضمنها الحديث !

قال في شرح مسلم (13/58): ( فيه جواز فَلْيُ الرأس وقتل ما فيه.. وفيه جواز ملامسة المحرم في الرأس وغيره مما ليس بعورة ، وجواز الخلوة بالمحرم والنوم عندها ، وهذا كله مجمع عليه ) ! وأين الإجماع وأهل البيت كذبوه !

وقال ابن حجر في فتح الباري(11/65): (وفيه جواز قائلة الضيف في غير بيته بشرطه كالإذن وأمن الفتنة ، وجواز خدمة المرأة الأجنبية الضيف بإطعامه والتمهيد له ونحو ذلك..وفيه خدمة المرأة الضيف بتفلية رأسه ، وقد أشكل هذا على جماعة فقال ابن عبد البر: أظن أن أم حرام أرضعت رسول الله (ص) أو أختها أم سليم فصارت كل منهما أمه أو خالته من الرضاعة فلذلك كان ينام عندها ، وتنال منه ما يجوز للمحرم أن يناله من محارمه ) .

وأجابه ابن قدامة (10/370):(لم نرَ هذا عن أحد سواه ! وأظنه إنما قال هذا لأن النبي كان ينام في بيتها وينظر إلى شعرها ، ولعل هذا كان قبل نزول الحجاب)!

وفي مواهب الجليل(5/17): ( ومن خصائصه(ص) جواز خلوته بالأجنبية . وقال الشيخ جلال الدين: واختص بإباحة النظر للأجنبيات والخلوة بهن وإردافهن) . أي إركابهن خلفه على بعير أو دابة !

وقال ابن حجر (9/174): (والذي وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائص النبي جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها ! وهو الجواب الصحيح عن قصة أم حرام بنت ملحان في دخوله عليها ونومه عندها وتفليتها رأسه ! ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية ).

3- وفي الطبراني الكبير(25 / 132): (قالت:كنت نائمة عند النبي(ص) وأنا منه غير بعيدة فاستيقظ وهو يسبح فسألته فقال). فصارت في هذا الحديث نائمة في بيت النبي صلى الله عليه وآله ! لكن كل ما ذكروه باطل لأنه ينافي عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلوكه وخلقه العظيم! ويظهر أن أنساً كذبه لأجل أمه ولم يروه غيرهما ! وقد اعترف أنس بأنه كذب في حديث الطير ، وشهد أهل البيت عليهم السلام عليه بأنه كذاب كما يأتي !

4- كان منزل أنس وأمه في قُباء لا في المدينة، وهي رملة بنت ملحان ، وتلقب بالرمصاء ، والرمص مرض في العيون ، وكانت أرملة فخطبها أبو طلحة الأنصاري فقالت: لا أتزوج حتى يبلغ أنس ويجلس في المجالس فيقول جزى الله أمي عني خيراً لقد أحسنت ولايتي).(الطبقات: 8 / 426) .

فتزوجت لما كبر أنس، وزعم أنس أن صداق أمه كان أن يسلم أبو طلحة ، ومعناه أن أبا طلحة كان كافراً. والظاهرأنها بقيت معه الى وفاة النبي صلى الله عليه وآله !

وفي بيته كانت حفلة الخمر لكبار الصحابة قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله بشهرين ، وكان ساقيهم أنس كما قال ابن حجر!

ثم طلقها أبو طلحة فتزوجت عبادة بن الصامت وهو أخ أبي ذر لأمه ، وكان قائداً في الفتوحات ، فأخذها معه الى قبرص فتوفيت نحوسنة 30 هجرية .

5- لو سلمنا صحة حديث بنت ملحان وأن معاوية كان في غزوة قبرص، فإن أول من غزا في البحر ليس معاوية بل العلاء بن الحضرمي عامل النبي صلى الله عليه وآله على البحرين! فقد اتفقت مصادر الحديث والسيرة على أن عمر كان يخاف من ركوب البحر فنهى عنه ، لكن العلاء الحضرمي خالفه فغزا فارس بالسفن من البحرين وفتح اصطخر ، فغضب عليه عمر وعزله !

ففي تاريخ الطبري(3/177): (واستعمله عمر ونهاه عن البحر فلم يقدر في الطاعة والمعصية وعواقبهما ، فندب أهل البحرين إلى فارس فتسرعوا إلى ذلك ، وفرقهم أجناداً على أحدهما الجارود بن المعلى ، وعلى الآخر السوار بن همام ، وعلى الآخر خليد بن المنذر ابن ساوى ، وخليد على جماعة الناس ، فحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن عمر وكان عمرلايأذن لأحد في ركوبه غازياً ، يكره التغرير بجنده استناناً بالنبي(ص) وبأبي بكر! لم يغز فيه النبي ولا أبو بكر ، فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس فخرجوا في إصطخر وبإزائهم أهل فارس ، وعلى أهل فارس الهربذا اجتمعوا عليه ، فحالوا بين المسلمين وبين سفنهم ، فقام خليد في الناس فقال: أما بعد فإن الله إذا قصي أمراً جرت به المقادير حتى تصيبه ، وإن هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم إلى حربهم ، وإنما جئتم لمحاربتهم ، والسفن والأرض لمن غلب فاستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ، فأجابوه إلى ذلك فصلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالاً شديداً في موضع من الأرض يدعى طاوس ، وجعل السوار يرتجز ويقول :

يـا آل عبـد القيـس للقـراعِ
قـد حفـل الإمـداد بـالجـراعِ
وكلهـم فـي سنـن المصـاع
بحسـن ضـرب القـوم بالقطـاع.

ولما بلغ عمر الذي صنع العلاء من بعثه ذلك الجيش في البحر ألقى في روعه نحو من الذي كان، فاشتد غضبه على العلاء وكتب إليه يعزله وتوعده وأمره بأثقل الأشياء عليه وأبغض الوجوه إليه بتأمير سعد عليه! وقال: إلحق بسعد بن أبي وقاص فيمن قبلك فخرج بمن معه نحو سعد ، وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان أن العلاء بن الحضرمي حمل جنداً من المسلمين فأقطعهم أهل فارس وعصاني ، وأظنه لم يرد الله بذلك! فخشيت عليهم أن لا يُنصروا وأن يُغلبوا ويَنشبوا ، فاندب إليهم الناس واضممهم إليك من قبل أن يُجتاحوا ! فندب عتبة الناس وأخبرهم بكتاب عمر فانتدب عاصم ابن عمرو وعرفجة بن هرثمة وحذيفة بن محصن ، ومجزأة بن ثور ونهار بن الحارث..الخ.) .

والصحيح أن جيش العلاء الحضرمي لم يعلق داخل فارس كما ادعت الرواية ، بل انتصر وفتح مدناً وكتب مع أهلها عهد الصلح ومنها إصطخر، وقد بيناه في قراءة جديدة للفتوحات ، لكن عمر خاف من ولائهم لعلي عليه السلام فعزل العلاء فمات ربما بالسم !

6- زعم أنس أن أمه تدخل الجنة قبل النبي صلى الله عليه وآله ! روى أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (دخلتُ الجنة فسمعت خَشْفة فقلت من هذا ؟ قالوا هذه الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك). (مسلم: 7 / 145 ، وأحمد: 3 / 99 ، و 106 ، و 125 ، والطبقات: 8 / 430 ، وأوسط الطبراني: 2 / 368 ، وفيه: ورأيتُ أم سليم بنت ملحان في الجنة .

وفضائل الصحابة للنسائي/85 ، وشرح النووي: 16 / 11 ، والخشفة حركة المشي ومنتخب عبد بن حميد/399 ، وفيض القدير: 3 / 690 ، وفيه أنه رآها في الجنة مرتين !

أما البخاري فجعل ذلك مناماً(4/198)قال: (رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة وسمعت خشفة فقلت من هذا ؟ فقال هذا بلال . ورأيت قصراً بفنائه جارية فقلت لمن هذا ؟ فقال: لعمر ، فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرتك! فقال عمر: بأبي وأمي يا رسول الله عليك أغار )!

7- اعترف أنس في حديث الطير بأنه كذب ثلاث مرات من أجل قومه ، فلماذا لا يكذب من أجل أمه! روى الحاكم (3/130): ( عن أنس بن مالك قال: كنت أخدم رسول الله فقدم لرسول الله صلى الله عليه وآله فرخ مشوي فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير ، قال فقلت اللهم اجعله رجلاً من الأنصار فجاء علي فقلت إن رسول الله على حاجة ، ثم جاء فقلت إن رسول الله على حاجة ثم جاء فقال رسول الله: إفتح فدخل فقال رسول الله: ما حبسك عليَّ ؟ فقال إن هذه آخر ثلاث كرات يردني أنس يزعم أنك على حاجة ! فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقلت يا رسول الله سمعت دعاءك فأحببت أن يكون رجلاً من قومي! فقال رسول الله: إن الرجل قد يحب قومه! هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . رواه عن أنس جماعة من أصحابه زيادة على ثلاثين نفساً !

ثنا ثابت البناني أن أنس بن مالك كان شاكياً فأتاه محمد بن الحجاج يعوده في أصحاب له ، فجرى الحديث حتى ذكروا علياً فتنقصه محمد بن الحجاج فقال أنس: من هذا أقعدوني فأقعدوه ، فقال: يا ابن الحجاج لا أراك تنقص علي بن أبي طالب! والذي بعث محمداً بالحق لقد كنت خادم رسول الله بين يديه ، وكان كل يوم يخدم بين يدي رسول الله غلام من أبناء الأنصار ، فكان ذلك اليوم يومي ، فجاءت أم أيمن مولاة رسول الله بطير فوضعته بين يدي رسول الله فقال رسول الله: أم أيمن ما هذا الطائر؟ قالت هذا الطائر أصبته فصنعته لك ، فقال رسول الله: اللهم جئني بأحب خلقك إليك واليَّ يأكل معي من هذا الطائر ! وضُرب الباب فقال رسول الله: يا أنس أنظر من على الباب ، قلت اللهم اجعله رجلاً من الأنصار ، فذهبت فإذا علي بالباب ، قلت: إن رسول الله على حاجة ، فجئت حتى قمت مقامي ، فلم ألبث أن ضرب الباب فقال: يا أنس أنظر من على الباب فقلت اللهم اجعله رجلاً من الأنصار فذهبت فإذا عليٌّ بالباب ، قلت: إن رسول الله على حاجة ، فجئت حتى قمت مقامي، فلم ألبث أن ضُرب الباب فقال رسول الله: يا أنس إذهب فأدخله، فلست بأول رجل أحب قومه ليس هو من الأنصار! فذهبت فأدخلته فقال:يا أنس قرب إليه الطير ، قال فوضعته بين يدي رسول الله فأكلا جميعاً ! قال محمد بن الحجاج: يا أنس كان هذا بمحضر منك؟ قال: نعم !

قال أعطي بالله عهداً أن لا أنتقص علياً بعد مقامي هذا ، ولا أعلم أحداً ينتقصه إلا أشنت له وجهه ) !

ثم كذب أنس ولم يشهد لعلي عليه السلام فدعا عليه بالبرص !

8- كذب أنس على علي عليه السلام مرتين فدعا عليه بالبرص ، فأصيب به الى حاجبيه ، وكان يقول لمن سأله: هذا من دعوة العبد الصالح علي بن أبي طالب !

والمرة الأولى لما جاء أنس الى علي عليه السلام مع أهل الكوفة الى حرب الجمل ، فأرسله علي عليه السلام الى طلحة والزبير يذكرهما بحديث للنبي صلى الله عليه وآله فيهما كان أنس فيه حاضراً . فذهب أنس ورجع ولم يبلغهما !

ففي نهج البلاغة (4/74): (قال عليه السلام :لأنس بن مالك وقد كان بعثه إلى طلحة والزبير لما جاء إلى البصرة يذكرهما شيئاً سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله في معناهما فلوى عن ذلك فرجع إليه فقال: إني أنسيت ذلك الأمر!

فقال عليه السلام : إن كنت كاذباً فضربك الله بها بيضاء لامعة لا تواريها العمامة ، يعني البرص، فأصاب أنساً هذا الداء فيما بعد في وجهه ، فكان لا يرى إلا مبرقعاً ).

والمرة الثانية في الكوفة قال في شرح النهج (4/74): ( ناشد علي الناس في رحبة القصر أو قال رحبة الجامع بالكوفة: أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه؟ فقام اثنا عشر رجلاً فشهدوا بها ، وأنس بن مالك في القوم لم يقم فقال له: يا أنس ما يمنعك أن تقوم فتشهد ولقد حضرتها ؟ فقال:يا أميرالمؤمنين كبرت ونسيت! فقال: اللهم إن كان كاذباً فارمه بها بيضاء لا تواريها العمامة ! قال طلحة بن عمير: فوالله لقد رأيت الوضح به أبيض بين عينيه) .

وفي الفضائل لابن شاذان/164: ( عن سالم بن أبي جعدة قال: حضرت مجلس أنس بن مالك بالبصرة وهو يحدث فقام إليه رجل من القوم فقال: يا صاحب رسول الله ما هذه النمثة التي أراها بك؟ فإني حدثني أبي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: البرص والجذام لا يبلو الله تعالى به مؤمناً ؟ قال: فعند ذلك أطرق أنس بن مالك إلى الأرض وعيناه تذرفان بالدمع ثم قال: دعوة العبد الصالح علي بن أبي طالب نفذت فيَّ ، قالوا: يا أنس حدثنا ما كان السبب؟ فقال لهم: ألهوا عن هذا . فعند ذلك قام الناس من حوله) !

9- ختم أنس خدمته للنبي صلى الله عليه وآله بأن صار ساقي خمر لأحد عشر صحابياً في حفلة في بيت أمه ، قرب وفاة النبي صلى الله عليه وآله !

وقد تأسف ابن حجر(فتح الباري : 10 / 31) لأن سنده نظيف صحيح !

فقد شرب الصحابة العدول الخمر وناحوا على قتلى بدر! ومنهم أبو بكر وعمر!

فجاء النبي صلى الله عليه وآله وبيده سعفة أو مكنسة يريد أن يضربهم ، فقالوا تُبنا تُبنا !

قال ابن حجر: رواه تمام الرازي المتوفى414، في كتابه الفوائد: 2/228، برقم: 1593، وفي طبعة: 3/481 ، بسند صحيح عن أبي القموص قال:« شرب أبو بكر الخمر قبل أن تحرم فأخذت فيه ، فأنشأ يقول:

تَحَيَّـيْ بالسلامـة أمَّ بكـرٍ
وهـل لك بعد رهطك من سلام
ذرينـي أصطبـح يا بكـر أنـي
رأيـت المـوت نقَّـبَ عن هشـام
فودَّ بنو المغيرة أن فدوْهُ
بألف من رجال أو سوام
فكائـن بالطـويِّ طـويِّ بـدر
مـن القينـات والخيـل الكـرام
فكائـن بالطـويِّ طـويِّ بـدر
من الشيـزى تُكلـل بـالسنـام

فبلغ ذلك النبي فقام معه جريدة يجر إزاره حتى دخل عليه ، فلما نظر إليه قال: أعوذ من سخط الله ومن سخط رسوله ، والله لا يلج لي رأساً أبداً !

فذهب عن رسول الله ما كان فيه ! وخرج ونزل عليه: فَهَلْ أنتمْ مُنْتَهُون! فقال عمر: انتهينا والله ».ورواه الثعلبي في تفسيره (2/142) دون أن يسميهما .

ولم يذهب عن رسول الله ماكان فيه كما زعمت الرواية ، لكنه لايريد أن يصطدم بقريش التي كانت تهدده بأن تعلن الردة !

وروى ابن هشام(2/549) أبيات أبي بكر وفيها الكفر وإنكارالآخرة قال:

يخبرنا الرسول بأن سنحيا
وكيف حياة أصداءٍ وهامِ!

وقد رواها ابن هشام (2/549) بتسعة أبيات ، والإصابة (7/38) وفتح الباري(10/30) وأطال في الدفاع بما يستطيع، وأظهر تحيره ، وابن كثير(2/535) والنهاية:3/412 ، وفيض القدير(1/ 117) ومجمع الزوائد: 5/51 ، وأحاديث الشعر للمقدسي/57 ، وتفسير الثعلبي: 2/142. والعديد من مصادرنا .

ورواها ابن حجر في الإصابة (7/39) وقال في فتح الباري (10/31) إن تلك الجلسة كانت حفلة خمر في بيت أبي طلحة زوج أم أنس، وكانوا أحد عشر صحابياً وكان ساقيهم أنس بن مالك ! ثم قال ابن حجر: «ولأحمد عن يحيى القطان عن حميد عن أنس: كنت أسقي أبا عبيدة وأبي بن كعب وسهيل بن بيضاء ، ونفراً من الصحابة عند أبي طلحة . ووقع عند عبد الرزاق عن معمر بن ثابت وقتادة وغيرهما عن أنس، أن القوم كانوا أحد عشـر رجلاً، وقد حصل من الطرق التي أوردتها تسمية سبعة منهم ، وأبهمهم في رواية سُلَيْمان التيمي عن أنس . ومن المستغربات ما أورده ابن مردويه في تفسيره من طريق عيسى بن طهمان عن أنس ، أن أبا بكر وعمر كانا فيهم! وهو منكر مع نظافة سنده ، وما أظنه إلا غلطاً » !

واستنكار ابن حجر تعصب بدون حجة لأن الحديث إذا صح فلا معنى لاستغراب معناه ! والعجيب أن القصةكانت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله بشهر أو شهرين ! لأن آية: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ، من سورة المائدة آخر سورة نزلت من القرآن !

وروى البخاري (4/263): (عن عائشة أن أبا بكر تزوج امرأة من كلب يقال لها أم بكر، فلما هاجر أبو بكر طلقها فتزوجها ابن عمها الذي قال هذه القصيدة !

لكن عائشة لم تحل المشكلة لأنهما نفت نظم أبيها للقصيدة ، ولم تنف إنشاده لها !

وروى في الإصابة (7/39) أنها «كانت تدعو على من يقول إن أبا بكر الصديق قال هذه القصيدة ثم تقول: والله ما قال أبو بكر بيت شعر في الجاهلية ولا في الإسلام ولكن تزوج امرأة من بني كنانة ثم بني عوف فلما هاجرطلقها فتزوجها ابن عمها هذا الشاعر، أبو بكر بن شعوب ، فقال هذه القصيدة يرثي كفار قريش!

وقد بحثنا خبر هذه الحفلة في كتاب: ألف سؤال وإشكال(3/113).

أقول: العجب ثم العجب من تناقض القرشيين ووقاحتهم ، فهم يريدون خلافة النبي صلى الله عليه وآله ثأراً لبدر، ثم يطالبون بثأر بدر! ولولا معركة بدر لما كان إسلامٌ ولا خلافةٌ يجلسون على كرسيها ! والذي يجلس على كرسي خلافة محمد صلى الله عليه وآله يفترض أنه مسلم ، وأنه الى جانب النبي صلى الله عليه وآله في معركة بدر وضد من قاتله من المشركين !

لكن تعقيد الشخصية القرشية جعلتهم يتبنون نتيجة بدر التي منها الخلافة ويتبنون «مناحة قومهم» على قتلى بدر، لأنها ضد بني هاشم!

الإمام الباقر عليه السلام يعلن أن أنساً كذب على النبي صلى الله عليه وآله كذبة خطيرة !

أكبر شهادة ضد أنس،شهادة الإمام الباقر عليه السلام بأنه كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله ليبرر للحكام انتهاك حقوق الإنسان وتعذيب المسجونين ، فقال إن النبي عذب شخصاً لم يعترف بديْن عليه ، فدق يده بمسامير في الحائط !

روى الصدوق بسند صحيح(علل الشرائع(2/ 541) أن الإمام الباقر عليه السلام قال: (إن أول ما استحل الأمراء العذاب لكذبة كذبها أنس بن مالك على رسول الله صلى الله عليه وآله أنه سَمَّرَ يَدَ رجل إلى الحائط ، ومن ثَمَّ استحل الأمراء العذاب !) .

وقد اقتدوا بأنس الكذاب ، فنسبوا في صحاحهم إلى النبي صلى الله عليه وآله التعذيب والمثلة !

وروى الشافعي في الأم وفي مسنده/315 ، إنكار الإمام زين العابدين عليه السلام لزعمهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله سمل عين أحد ! قال:( أخبرنا إبراهيم بن أبي يحيى، عن جعفر ، عن أبيه ، عن علي بن الحسين قال: لاوالله ما سمل رسول الله (ص) عيناً ، ولا زاد أهل اللقاح على قطع أيديهم وأرجلهم ) .

ثم قال البيهقي في سننه(9/70): (حديث أنس ثابت صحيح ، ومعه رواية ابن عمر، وفيهما جميعاً أنه سمل أعينهم ، فلا معنى لإنكار من أنكر، والأحسن حمله على النسخ). فرد البيهقي شهادة زين العابدين عليه السلام بقول أنس وابن عمر!

ورد شهادة ابن عباس(ابن هشام(3 /611) بأنه نزلت الآية: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَخَيْرٌ للَّصَّابِرِينَ . فعفا وصبر ونهى عن المثلة) !

ونلاحظ أن الإمام الباقر عليه السلام فضح عالم السلطة أنس بن مالك ، ليحذر المسلمين من حديثه وفتواه ، لأنه خان النبي صلى الله عليه وآله وكذب عليه ، واتبع حكام بني أمية !

الفصل السابع

الحاخام كعب الأحبار مدمر الثقافة الإسلامية !

تبنى عمر هذا الحاخام فخرب الثقافة الإسلامية !

1-كعب بن ماتع بن هيسوع حاخام من يهود اليمن ، وقيل متهود أصله من حمير (الأنساب:5/427). وقد كان عمر على صلة بالحاخامات في الحجاز وخارجه ، ومنهم كعب فلما قصد كعب بيت المقدس من اليمن مر على المدينة ، فخرج عمر وأخرج المسلمين لاستقباله إكراماً له واحتراماً !

وبقي مدة في المدينة ثم ذهب الى بيت المقدس . ثم سكن حمص وهو على يهوديته ثم رافق عمر إلى بيت المقدس ورجع مع عمر الى المدينة وهو على يهوديته ! وكان عمر يعظمه ويقول له: « ألا تتحول إلى المدينة فيها مهاجر رسول الله وقبره ! فيقول كعب: يا أميرالمؤمنين ! إني وجدت في كتاب الله المنزل أن الشام كنز الله من أرضه ، فيها كنز من عباده » . (كنز العمال:14/143) .

2- قال السيوطي(الدرالمنثور:2/168):(ثم خرج حتى انتهى إلى حمص فسمع رجلاً من أهلها يقرأ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ !

قال كعب: يا رب آمنت ، يا رب أسلمت ، مخافة أن تصيبه هذه الآية . ثم رجع فأتى أهله باليمن ثم جاء بهم مسلمين » .

3- قال الشيخ محمود أبو رية الأزهري (أضواء على السنة المحمدية /145): «أقوى هؤلاء الكهان دهاءً وأشدهم مكراً كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام.. وبواسطة كعب وابن منبه وسواهما من اليهود الذين أسلموا تسربت إلى الحديث طائفة من أقاصيص التلمود الإسرائيليات ، وما لبثت أن أصبحت جزء من الأخبار الدينية والتاريخية »! (ألف سؤال وإشكال:1/486).

قال الذهبي (3 / 489): « كان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية).

4- كان عمر يثق بكعب الأحبار ثقة عجيبة! فقد جعله مرجع دولة الخلافة فهو مصدر الفتوى ، ومصدر معرفة أخبار الغيب والآخرة ، ومصدر تفسير القرآن ، ومعرفة المستقبل السياسي والديني للأمة ، وحتى مستقبل شخص الخليفة !

وكان يزعم أن كل ذلك مكتوب في التوراة ، وفي كتب الله التي عنده !

سأله عمر: « يا كعب كيف تجد نعتي؟ قال أجد نعتك قرن من حديد . قال وما قرن من حديد ؟ قال أمير شديد لا تأخذه في الله لومة لائم . قال ثم مه ؟ قال ثم يكون من بعدك خليفة تقتله فئة ». ( مجمع الزوائد: 9 / 65 ) .

وفي الطبقات(3/306): « قال عمر بن الخطاب: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك ، فإن كنت ملكاً فهذا أمر عظيم » ! وكان يسأل طلحة والزبير وسلمان وأبا موسى الأشعري (الدر المنثور:5/306) ويطلب منهم الجواب ويحذرهم أن يكذبوا عليه: إني سائلكم عن شئ فإياكم أن تكذبوني فتهلكوني وتهلكوا أنفسكم ، أنشدكم بالله أخليفة أنا أم ملك » ؟

وفي الطبري(3 /279)كان يسأل كعباً خاصة ويستحلفه: أنشدك الله يا كعب أتجدني خليفة أم ملكاً ؟ قال قلت بل خليفة ، فاستحلفه فقال كعب: خليفة والله من خير الخلفاء وزمانك خير زمان » .

وقال لكعب ( تاريخ المدينة:3 /891 ): « حدثني يا كعب عن جنات عدن. قال: نعم يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة لايسكنها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حاكم عادل! فقال عمر: أما النبوة فقد مضت لأهلها ، وأما الصديقون فقد صدقت الله ورسوله ، وأما الحكم العدل فإني أرجو الله أن لا أحكم بشئ إلا لم آل فيه عدلاً ، وأما الشهادة فأنى لعمر بالشهادة )!

5- وذات يوم قال كعب لعمر: إعهد فإنك ميت في عامك ، قال عمر: وما يدريك يا كعب؟ قال: وجدته في كتاب الله. أنشدك الله يا كعب هل وجدتني باسمي ونسبي عمر بن الخطاب؟ قال: اللهم لا، ولكني وجدت صفتك وسيرتك وعملك وزمانك)!

ومعناه أن لكعب ضلعاً في الخطة اليهودية لقتل عمر لكي تصل الخلافة الى حلفائهم بني أمية .

6-كان عمر يعامل كعب الأحبار كنبي ويقبل منه كل ما يقول! وقد أقنع عمر بأمور غير معقولة ، بل بالمتناقضات والهرطقة !

أقنعه مثلاً: أن صيد الجراد للمُحرمين حلال لأنه من صيد البحر لأنه يولد من أنف الحوت ، فعندما يخرج الحوت رأسه وينفث الماء ، فإنه ينفث الجراد كل ستة أشهر مرة ! فقد ذهب كعب مع جماعة معه الى العمرة وصادفوا في طريقهم جراداً فقال لهم كعب كلوه لأن الله حرم صيد البر فقال: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ، والجراد صيد البحر يولد من منخري الحوت ! فصادوه وهم محرمون !

(فقال عمر: وما يدريك؟ فقال: يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده إن هو إلا نثرةُ حوت ، ينثره في كل عام مرتين »! (كنز العمال:5/ 265 ) .

وأخذ فقهاء المذاهب بفتوى كعب وعمر فصار الجراد عندهم بحرياً ! بل صار قول كعب حديثاً نبوياً ! فزعموا أن النبي صلى الله عليه وآله قال:« إن الجراد نثرة الحوت في البحر. قال زياد: فحدثني من رأى الحوت ينثره »! (ابن ماجة:2/ 1073).

الإمام الباقر يفضح كعباً !

فقد مرَّ الباقر عليه السلام على« ناس وهم يأكلون جراداً فقال: سبحان الله وأنتم محرمون! قالوا: إنما هو من البحر، قال:فارمسوه في الماء إذن »!(تهذيب الأحكام :5 /363).

يعني أن الجراد يموت إذا رمس في الماء ، فلو كان بحرياً كما زعم كعب لم يمت !

كذبت وكذب كعب الأحبار معك !

أقنع كعب عمر بن الخطاب بأن بيت المقدس أفضل من الكعبة وأن الكعبة تسجد لبيت المقدس صبيحة كل يوم!وأن الكعبة ستهدم ومكة ستخرب ولا تسكن !

قال زرارة (الكافي:4/239): « كنت قاعداً إلى جنب أبي جعفر الباقر عليه السلام وهو مُحْتبٍ مستقبلَ الكعبة ، فقال: أما إن النظر إليها عبادة . فجاءه رجل من بجيلة يقال له عاصم بن عمر فقال لأبي جعفر: إن كعب الأحبار كان يقول: إن الكعبة تسجد لبيت المقدس في كل غداة! فقال أبو جعفر:فما تقول فيما قال كعب؟ فقال: صدق، القولُ ما قال كعب! فقال أبو جعفر:كذبت وكذب كعب الأحبار معك ، وغضب ! قال زرارة: ما رأيته استقبل أحداً بقول كذبت غيره ، ثم قال: ما خلق الله عزّ وجلّ بقعة في الأرض أحب إليه منها ، ثم أومأ بيده نحو الكعبة ، ولا أكرم على الله عزّ وجلّ منها ، لها حرَّم الله الأشهر الحرم في كتابه يوم خلق السماوات والأرض، ثلاثة متوالية للحج: شوال ، وذو العقدة ، وذو الحجة ، وشهر مفرد للعمرة وهو رجب».

أقول: كل أحاديث الغلو في مدح الشام وتفضيلها على الحجاز أصلها من كعب وتلاميذه ، وحامل رايتها معاوية وأعوانه . فيجب التوقف في أحاديث مدح الشام وأهلها، وبيت المقدس وأهله ، حتى تثبت من طريق ليس فيها يهود !

هذا ، والحديث عن كعب الأحبار طويل ، تعرضت له في كتبي مثل ألف سؤال وإشكال ،لأن فعالياته التخرييبة في الثقافة الإسلامية كثيرة ومتنوعة ، فقد أطلق عمر ومن بعده يده ولسانه وأبواق تلاميذه ، أكثر من نصف قرن ، الى زمن معاوية وواصل تلاميذه بعده التدمير، ولذلك كان لا بد للإمام الباقر عليه السلام أن يفضحه وتلاميذه ويكشف تضليلهم للمسلمين ، ويشق علم النبوة وينشره من جديد .

الفصل الثامن

الحاخام عبد الله بن سلام

جعلوه إماماً بحجة أنه صحابي

قال الذهبي في تذكرة الحفاظ (1/26): (عبد الله بن سلام بن الحارث ، الحبر أبو يوسف الإسرائيلي رضي الله عنه ، حليف الأنصار، أسلم وقت مقدم النبي(ص) المدينة وكان اسمه الحصين فسماه رسول الله عبد الله ، وشهد له بالجنة !

وفيه نزلت: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ. وقوله تعالى: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ . وكان عبد الله عالم أهل الكتاب ، وفاضلهم في زمانه بالمدينة، روى عدة أحاديث ، حدث عنه أنس بن مالك ، وزرارة بن أوفى ، قاضى البصرة ، وأبو أروى عن معاذ أن رسول الله قال: إنه عاشر عشرة في الجنة ، ما سمعت رسول الله يقول لأحد إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام ! وروى أنه قال للنبي صلى الله عليه وآله : إني أقرأ القرآن والتوراة فقال له: إقرأ هذا ليلة وهذا ليلة )!

وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب(5/219):(شهد مع عمر فتح بيت المقدس والجابية . وقال الهيثم بن عدي: مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين ).

وقا ل الذهبي المصري في كتابه التفسير والمفسرون: (ويحدثنا البخاري عن قصة إسلامه فيقول في ضمن حديث ساقه في باب الهجرة :فلما جاء نبي الله (ص) جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله ، وأنك جئت بحق ، وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم ، وأعلمهم وابن أعلمهم ، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيَّ ما ليس فيَّ فأرسل نبي الله ص فأقبلوا فدخلوا عليه ، فقال لهم رسول الله(ص): فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام ؟ قالوا: ذلك سيدنا وابن سيدنا ، وأعلمنا وابن أعلمنا ، قال: أفرأيتم إن أسلم ؟ قالوا حاشا لله ، ما كان ليسلم. قال: يا ابن سلام أخرج عليهم فخرج فقال: يا معشراليهود إتقوا الله فو الله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بحق ، فقالوا:كذبت! فأخرجهم رسول الله (ص).

ونجد البخاري رضي الله عنه يفرد لعبد الله بن سلام باباً مستقلاً في مناقبه ، فروى فيما روى من ذلك بإسناده إلى سعد بن أبي وقاص أنه قال: ما سمعت النبي(ص) يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام ، وقال: فيه نزلت هذه الآية: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ .

ومما يذكر عنه رحمه الله :أنه وقف خطيباً في المتألبين على عثمان رضي الله عنه يدافع عنه ويخذل الثائرين. وليس عجيباً أن يكون عبد الله بن سلام في هذه المكانة العالية من العلم بعد أن اجتمع لديه علم التوراة وعلم القرآن ، وبعد أن امتزجت فيه الثقافتان اليهودية والإسلامية . ولقد نقل عنه المسلمون كثيراً مما يدل على علمه بالتوراة وما حولها ، ونجد ابن جرير الطبري ينسب إليه في تاريخه كثيراً من الأقوال في المسائل التاريخية الدينية .

وإنا لا نستطيع أن نتهم الرجل في علمه ، ولا في ثقته وعدالته ، بعد ما علمت أنه من خيار الصحابة وأعلمهم ، وبعد ما جاء فيه من آيات القرآن ، وبعد أن اعتمده البخاري وغيره من أهل الحديث . كما أننا لم نجد من أصحاب الكتب التي بين أيدينا من طعن عليه في علمه ، أو نسب إليه من التهم مثلما نسب إلى كعب الأخبار ، ووهب بن منبه ) .هذا هو رأي السنة في عبد الله بن سلام .

رأي الشيعة في الحاخام عبد الله بن سلام

يرى الشيعة أن الخليفة القرشي ورواته عظموا عبد الله بن سلام ، وزعموا أن النبي صلى الله عليه وآله شهد أنه من أهل الجنة ، وجعلوه شاهد بني إسرائيل ، وكل ذلك لأنه عادى عترة النبي صلى الله عليه وآله وأيد القرشيين وكان يمدح عمر وعثمان .

وأكبر مقام أعطوه له أن عنده علم الكتاب ، فقالوا نزلت فيه آية: قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ .

والمقصود علم القرآن ، والآية نزلت في علي عليه السلام ولم يدَّع غيره أن عنده علم الكتاب ، بل كان الصحابة يجهلون كثيراً من مفردات القرآن ، فلم يعرف أبو بكر وعمر معنى كلمة وأبَّاً في قوله تعالى: وَفاكهَةً وَأبَّا !

ولو كان الحاخام ابن سلام عنده علم الكتاب لظهر ذلك في المدة الطويلة التي عاشها بعد النبي صلى الله عليه وآله ، في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي عليه السلام  ، فقد مات سنة ثلاث وأربعين هجر ية . ولو كان عنده علم الكتاب لوجب أن يكون أفضل من آصف بن برخيا وصي سليمان الذي عنده علم من الكتاب: قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ !

روى في بصائر الدرجات/٢٣٤: (عن أبي مريم، قلت لأبي جعفر عليه السلام : هذا ابن عبد الله بن سلام يزعم أن أباه الذي يقول الله: قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ . قال: كَذِبَ ! ذاك علي بن أبي طالب عليه السلام ).

ما خرجت اليهودية من قلبك !

دخل أبو ذر رضي الله عنه على عثمان في خلافته فوجد عنده كعب الأحبار فانتقد عثمان ، وأخذ كعب يدافع عن عثمان ، فغضب أبو ذر وقال له: أتعلمنا ديننا يا ابن اليهودية والله ماخرجت اليهودية من قلبك ، وضربه بالعصا !

ولو رأى أبو ذر ابن سلام يفتي في الدين لضربه بالعصا أيضاً !

قال المفيد في الأمالي/165: (فمضى أبو ذر حتى قدم على عثمان ، فلما دخل عليه قال له: لا قرب الله بعمرو عيناً فقال أبو ذر: والله ما سماني أبواي عمرواً ولكن لا قرب الله من عصاه وخالف أمره وارتكب هواه . فقام إليه كعب الأحبار فقال له: ألا تتقي الله يا شيخ تجيب أمير المؤمنين بهذا الكلام !

فرفع أبو ذر عصاً كانت في يده فضرب بها رأس كعب ، ثم قال له: يا ابن اليهوديين ما كلامك مع المسلمين؟ فوالله ما خرجت اليهودية من قلبك بعد !

فقال عثمان: والله لا جمعتني وإياك دار ، قد خرفت وذهب عقلك ، أخرجوه من بين يدي حتى تركبوه قتب ناقته بغير وطاء ، ثم أنخسوا به الناقة وتعتعوه حتى توصلوه الربذة ، فنزلوه بها من غير أنيس حتى يقضي الله فيه ما هو قاض ، فأخرجوه متعتعاً ملهوزاً بالعصا ! وتقدم أن لا يشيعه أحد من الناس ، فبلغ ذلك علياً فبكى حتى بل لحيته بدموعه ثم قال: أهكذا يصنع بصاحب رسول الله صلى الله عليه وآله ! إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم نهض ومعه الحسن والحسين عليهم السلام وعبد الله بن العباس والفضل وقثم وعبيد الله ، حتى لحقوا أبا ذر فشيعوه .

فلما بصر بهم أبو ذر رحمه الله حن إليهم وبكى عليهم ، وقال: بأبي وجوه إذا رأيتها ذكرت بها رسول الله صلى الله عليه وآله وشملتني البركة برؤيتها . ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إني أحبهم ، ولو قطعت إرباً إرباً في محبتهم ما زلت عنها ابتغاء وجهك والدار الآخرة ، فارجعوا رحمكم الله ، والله أسأل أن يخلفني فيكم أحسن الخلافة . فودعه القوم ورجعوا وهم يبكون على فراقه ) !

وكانت أفكار عبد الله بن سلام اليهودية كأفكار كعب الأحبار تماماً ! فقد استفاض عند المسلمين أن الكعبة أفضل بقعة في الأرض ، فكذَّبها ابن سلام وروى عن النبي صلى الله عليه وآله أن بيت المقدس أفضل منها ! ففي فضائل بيت المقدس لابن المرجي/330: (عن عبد الله بن عباس قال: سأل عبد الله بن سلام النبي(ص)فقال: أخبرني عن وسط الدنيا ؟ فقال: هو بيت المقدس.قال: ولمَ ذاك ؟ قال: لأنه المحشر وفيه المنشر وفيه الصراط والميزان ، وذلك قوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ. قال: فلم سماه الأقصى؟قال:لأنه وسط الدنيا لا يزيد شيئاً ولا ينقص شيئاً.قال:صدقت. قال له: أخبرني إذا كان يوم القيامة إلى أن يحشر الله تعالى خلقه؟ قال: إلى بيت المقدس . قال: ومن يحشرهم؟ قال: نار بإذن الله تجمعهم إلى بيت المقدس، فإذا خرجت النار أحاطت الدنيا كلها ، ثم صرفت وجوه الخلائق ، ونفخت بين أيديهم نفخة ، فيمرون على الوجوه إلى بيت المقدس بإذن الله. قال: صدقت ). (قال عبد الله بن سلام: يا محمد أخبرني أين وسط الدنيا ؟ قال بيت المقدس . قال ولم ذلك ؟ قال:لأن فيها المحشر والمنشر ومنه ارتفع العرش ، وفيه الصراط والميزان. قال: صدقت يا محمد . قال: فأخبرني عن فسطاط موسى بن عمران ؟ قال موضع بيت المقدس ، قال من ابتدأ ببناء بيت المقدس؟ فقال داود وابنه من بعده سليمان . قال: وأخبرني عن آدم من أي الأرض خلق؟ قال: خلق رأسه ووجهه من موضع الكعبة ، وخلق بدنه من بيت المقدس). (روضة الواعظين/409، من كتاب عبد الله بن سلام).

ابن سلام يكذب على النبي صلى الله عليه وآله !

قال الذهبي في تذكرة الحفاظ(1/27): (عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه أنه جاء إلى النبي(ص)فقال: إني قرأت القرآن والتوراة ، فقال: إقرأ هذا ليلة وهذا ليلة ! فهذا إن صح ففيه الرخصة في تكرير التوراة وتدبرها )!

والتوراة بإجماع المسلمين محرفة ، فكيف يرخص النبي صلى الله عليه وآله بقراءتها ، فضلاً عن جعلها كالقرآن!

ومن كذبه على النبي صلى الله عليه وآله أنه نسب التطهر بالماء قبل الإسلام الى أهل الكتاب ، وهو خاص بالأنصار! فقد سألهم النبي صلى الله عليه وآله عن فعلهم الذي مدحهم الله بقوله: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ .فقالوا: كنا نستنجي بالماء .فجعله عبد الله بن سلام لأهل الكتاب! وزعم أنه قال(مجمع الزوائد(1/212): يارسول الله إنا كنا قبلك أهل كتاب وإنا نؤمر بغسل الغائط والبول فقال النبي(ص)إن الله قد رضي عنكم وأثنى عليكم وأحبكم).

سمع ابن سلام من النبي صلى الله عليه وآله ولاية علي عليه السلام ولم يطعه !

في أمالي الصدوق/186: (عن أبي الجارود ، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ، قال: إن رهطاً من اليهود أسلموا، منهم عبد الله بن سلام وأسد وثعلبة وابن يامين وابن صوريا ، فأتوا النبي صلى الله عليه وآله فقالوا: يا نبي الله ، إن موسى عليه السلام أوصى إلى يوشع بن نون فمن وصيك يا رسول الله ، ومن ولينا بعدك؟ فنزلت هذه الآية: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : قوموا فقاموا فأتوا المسجد فإذا سائل خارج فقال: ياسائل أما أعطاك أحد شيئاً ؟ قال: نعم هذا الخاتم. قال:من أعطاك ؟ قال:أعطانيه ذلك الرجل الذي يصلي. قال:على أي حال أعطاك؟ قال: كان راكعاً. فكبرالنبي صلى الله عليه وآله وكبر أهل المسجد فقال النبي صلى الله عليه وآله : علي بن أبي طالب وليكم بعدي.قالوا: رضينا بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد نبياً ، وبعلي بن أبي طالب ولياً . فأنزل الله عزّ وجلّ : وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْغَالِبُونَ .

فروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: والله لقد تصدقت بأربعين خاتماً وأنا راكع لينزل فيَّ ما نزل في علي بن أبي طالب ، فما نزل ) .

الفصل التاسع

الحسن البصري سامري هذه الأمة

الحسن بن يسار البصري

الحسن البصري: أبو سعيد بن يسار البصري الأنصاري ، مولى زيد بن ثابت الأنصاري (غير زيد المشهور) أمه خيرة مولاة أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وآله .كان عمره لما توفي النبي صلى الله عليه وآله عشرسنين ومات في رجب سنة110وله 89 سنة.

كان صبيح الوجه معتدل القامة جميلاً طويلاً ممتلئ البدن . وهومن كبار علماء مذاهب الخلافة ، وهو حشوي يعمل بالرأي والظن ، ويجمع بين المتناقضات! يروي أحاديث النبي صلى الله عليه وآله في فضل علي عليه السلام ووجوب اتباعه ، ثم يعتبر أن حربه علي لعائشة معصية ، وأن القاتل والمقتول في النار ! ويذم معاوية ذماً قوياً ، ويعتبره طاغية وفرعون هذه الأمة ، ثم يصانع خلفاء معاوية من بعده !

وفي المسترشد للطبري/533: (ومما نقموا على عمر: توليته معاوية بن أبي سفيان وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إذا رأيتم معاوية على منبري هذا فاقتلوه . قال الحسن البصري: فلم يفعلوا ولم يفلحوا ! وقد ولاه الثاني أمر المسلمين ، فخطب على منابرهم ، وتحكم في أموالهم وفروجهم ، وجعل له سبيلاً إلى طلب الخلافة ، حتى قتل ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وجرى على يده ويد ابنه ما جرى )!

لكن الحسن البصري يمدح عثمان ويقول إن الذين حاصروه وقتلوه منافقون وفساق ! يتقرب بذلك الى بني أمية ، فكان مقبولاً عندهم بعد معاوية !

أمير المؤمنين عليه السلام والحسن البصري

في أمالي المفيد/118: (قال الحسن البصري: لما قدم علينا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب البصرة مرَّ بي وأنا أتوضأ فقال:يا غلام أحسن وضوءك يحسن الله إليك . ثم جازني فأقبلت أقفو إثره ، فحانت مني التفاته فنظر إليَّ فقال: يا غلام ألك إلي حاجة؟ قلت: نعم ، علمني كلاماً ينفعني الله به . فقال: يا غلام من صدق الله نجا ومن أشفق على دينه سلم من الردى ، ومن زهد في الدنيا قرت عينه بما يرى من ثواب الله عزّ وجلّ  . ألا أزيدك يا غلام ؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين ، قال: ثلاث خصال من كن فيه سلمت له الدنيا والآخرة ، من أمر بالمعروف وائتمر به ، ونهى عن المنكر وانتهى عنه ، وحافظ على حدود الله .

يا غلام أيسرك أن تلقى الله يوم القيامة وهو عنك راض؟قلت: نعم يا أميرالمؤمنين قال: كن في الدنيا زاهداً ، وفي الآخرة راغباً ، وعليك بالصدق في جميع أمورك ، فإن الله تعبدك وجميع خلقه بالصدق .

ثم مشى حتى دخل سوق البصرة فنظر إلى الناس يبيعون ويشترون ، فبكى بكاء شديداً ، ثم قال: يا عبيد الدنيا وعمال أهلها إذا كنتم بالنهار تحلفون ، وبالليل في فرشكم تنامون ، وفي خلال ذلك عن الآخرة تغفلون فمتى تحرزون الزاد ، وتفكرون في المعاد ؟

فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إنه لا بد لنا من المعاش فكيف نصنع؟

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : إن طلب المعاش من حله لا يشغل عن عمل الآخرة ، فإن قلت لا بد لنا من الإحتكار لم تكن معذوراً . فولى الرجل باكياً .

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : أقبل عليَّ أزدك بياناً ، فعاد الرجل إليه فقال له: إعلم يا عبد الله أن كل عامل في الدنيا للآخرة لا بد أن يوفى أجر عمله في الآخرة ، وكل عامل ديناً للدنيا عمالته في الآخرة نار جهنم . ثم تلا أمير المؤمنين عليه السلام قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ طَغَى. وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَاوَى ).

أقول: يظهر أن هذا الشخص كان محتكراً فكشفه أمير المؤمنين عليه السلام فخاف وبكى !

وفي الخرائج (2/547): (رأى علي عليه السلام الحسن البصري يتوضأ في سقية (كوزة) فقال: أسبغ طهورك يا كُفْتِي(إسم شيطان)! قال: لقد قتلت بالأمس رجالاً كانوا يسبغون الوضوء! قال: وإنك لحزين عليهم؟ قال: نعم. قال: فأطال الله حزنك !

قال أيوب السجستاني: فما رأينا الحسن قط إلا حزيناً ، كأنه رجع من دفن حميم ، أو كأنه ضل حماره . فقلنا له في ذلك فقال: عملتْ فيَّ دعوة الرجل الصالح . وكُفتي بالنبطية شيطان ، وكانت أمه سمته بذلك ودعته في صغره ، فلم يعرف ذلك أحد حتى دعاه به أمير المؤمنين عليه السلام )!

وفي رواية: قال: فأطال الله حزنك . فكان حزيناً إلى آخر عمره !

وقد اعترف الحسن البصري بأنه يروي عن علي عليه السلام ولا يذكر إسمه! (عن يونس بن عبيد قال:سألت الحسن قلت:يا أبا سعيد إنك تقول: قال رسول الله (ص) وإنك لم تدركه؟ قال: يا ابن أخي لقد سألتني عن شئ ما سألني عنه أحد قبلك ، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك ، إني في زمان كما ترى. كل شئ سمعتني أقول: قال رسول الله (ص) فهو عن علي بن أبي طالب ، غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر علياً) . (تهذيب الكمال:6/124).

وفي الإحتجاج(1/250): (عن ابن عباس قال: لما فرغ علي عليه السلام من قتال أهل البصرة وضع قتباً على قتب ثم صعد عليه فخطب ، فحمد الله وأثنى عليه فقال: يا أهل البصرة ، يا أهل المؤتفكة ، يا أهل الداء العضال ، يا جند المرأة وأتباع البهيمة ! رغا فأجبتم ، وعقر فهربتم. ماءكم زعاق ، ودينكم نفاق ، وأخلاقكم دقاق .

ثم نزل يمشي بعد فراغه من خطبته فمشينا معه فمر بالحسن البصري وهو يتوضأ فقال: يا حسن أسبغ الوضوء. فقال: يا أمير المؤمنين لقد قتلت بالأمس أناساً يشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ، يصلون الخمس ، ويسبغون الوضوء ! فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : قد كان ما رأيت فما منعك أن تعين علينا عدونا ؟ فقال: والله لأصدقنك يا أميرالمؤمنين لقد خرجت في أول يوم فاغتسلت وتحنطت وصببت علي سلاحي وأنا لا أشك في أن التخلف عن أم المؤمنين عائشة هو الكفر، فلما انتهيت إلى موضع من الخريبة ناداني مناد: يا حسن إلى أين؟ إرجع فإن القاتل والمقتول في النار، فرجعت ذعراً وجلست في بيتي ، فلما كان في اليوم الثاني لم أشك أن التخلف عن أم المؤمنين عائشة هو الكفر! فتحنطت وصببت علي سلاحي وخرجت أريد القتات ، حتى أنهيت إلى موضع من الخريبة فناداني مناد من خلفي: يا حسن إلى أين مرة بعد أخرى فإن القاتل والمقتول في النار! قال علي عليه السلام : صدقت أفتدري من ذلك المنادي؟ قال: لا. قال عليه السلام : ذلك أخوك إبليس ، وصدقك أن القاتل والمقتول منهم في النار!

فقال الحسن البصري: الآن عرفت يا أمير المؤمنين أن القوم هلكى .

وعن أبي يحيى الواسطي قال: لما افتتح أمير المؤمنين عليه السلام البصرة اجتمع الناس عليه وفيهم الحسن البصري ومعه الألواح ، فكان كلما لفظ أمير المؤمنين بكلمة كتبها ، فقال له أميرالمؤمنين عليه السلام بأعلى صوته: ما تصنع؟فقال نكتب آثاركم لنحدث بها بعدكم ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أما إن لكل قوم سامري وهذا سامري هذه الأمة أما إنه لا يقول لا مساس ، ولكن يقول لا قتال) !

اعتزل مجلسه عطاء بن واصل وابن عبيد فسموا المعتزلة

كان مجلس الحسن البصري عامراً فاختلفوا في القدر، وكيف أن الله تعالى أقدر عبده على المعصية ثم يعاقبه؟ فقال الحسن بالجبر، وخالفه واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد ، فلم يقبلوا نسبة الجبر الى الله تعالى ، واعتزلوا مجلسه فسموا المعتزلة !

وفي كنز الفوائد/170: (أن الحجاج بن يوسف الثقفي كتب إلى الحسن البصري والى واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وعامر الشعبي فقال لهم: أخبروني بقولكم في القضاء والقدر، فكتب إليه الحسن البصري: ما أعرف فيه إلا ما قاله علي بن أبي طالب فإنه قال: يا ابن آدم أزعمت ان الذي نهاك دهاك ، وإنما دهاك أسفلك وأعلاك ، وربك برئ من ذاك !

وكتب إليه واصل بن عطاء: ما أعرف فيه إلا ما قاله علي بن أبي طالب ، فإنه قال: ما تحمد الله عليه فإنه هو منه وما تستغفر الله عنه فهو منك .

وكتب إليه عمرو بن عبيد: ما أعرف فيه إلا ما قاله علي بن أبي طالب ، فإنه قال: إن كان الرزق في الأصل محتوماً فالوازر بالقصاص مظلوم .

وكتب إليه عامر الشعبي: لا أعرف فيه إلا ما قاله علي بن أبي طالب: من وسع عليك الطريق لم يأخذ عليك المضيق .

فلما قرأ الحجاج أجوبتهم قال: قاتلهم الله ، لقد أخذوها من عين صافية)!

وفي تحف العقول/231: ( كتب الحسن بن أبي الحسن البصري إلى أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام : أما بعد فإنكم معشر بني هاشم الفلك الجارية في اللجج الغامرة ، والأعلام النيرة الشاهرة ، أو كسفينة نوح عليه السلام التي نزلها المؤمنون ونجا فيها المسلمون. كتبت إليك يا ابن رسول الله عند اختلافنا في القدر وحيرتنا في الإستطاعة، فأخبرنا بالذي عليه رأيك ورأي آبائك عليهم السلام ؟فإن من علم الله علمكم وأنتم شهداء على الناس والله الشاهد عليكم: ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .

فأجابه الحسن عليه السلام : بسم الله الرحمن الرحيم وصل إلي كتابك ولولا ما ذكرته من حيرتك وحيرة من مضى قبلك إذاً ما أخبرتك ، أما بعد فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أن الله يعلمه فقد كفر . ومن أحال المعاصي على الله فقد فجر ، إن الله لم يطع مكرهاً ولم يعص مغلوباً ولم يهمل العباد سدى من المملكة ، بل هو المالك لما ملكهم والقادر على ما عليه أقدرهم ، بل أمرهم تخييراً ونهاهم تحذيراً ، فإن ائتمروا بالطاعة لم يجدوا عنها صاداً ، وإن انتهوا إلى معصية فشاء أن يمن عليهم بأن يحول بينهم وبينها فعل ، وإن لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها جبراً ، ولا ألزمهم كرهاً ، بل من عليهم بأن بصرهم وعرفهم وحذرهم وأمرهم ونهاهم لا جبلاً لهم على ما أمرهم به فيكونوا كالملائكة ، ولا جبراً لهم على ما نهاهم عنه ولله الحجة البالغة ، فلو شاء لهديكم أجمعين . والسلام على من اتبع الهدى).

أعطى الأمويون الحسن البصري منبر الحرم في الحج

فكان ينصب له المنبر في المطاف ، ويعطلون المطاف ليستمعوا الى حديث الحسن البصري ! فرآه الإمام زين العابدين عليه السلام وقد عطل المطاف وهو يقص على المسلمين قصص أهل الكتاب ! ويوجه الناس إلى بني أمية ، فوقف قباله وسأله أسئلة فاضطر أن ينزل عن منبره ويترك الناس يطوفون حول بيت ربهم عزّ وجلّ !

قال في مناقب آل أبي طالب(3/297): (رأى الحسن البصري عند الحجر الأسود يقص فقال عليه السلام : يا هناه (يا هذا وفي رواية: يا حسن) أترضى لنفسك الموت؟ قال: لا، قال: فعلمك الحساب؟( هل تعرف حسابك) قال: لا . قال: فثم دار للعمل؟ غير دار الدنيا؟ قال: لا . قال: فلله في الأرض معاذ غير هذا البيت؟ قال: لا . قال: فلم تشغل الناس عن الطواف ؟ ثم مضى !

قال الحسن: ما دخل مسامعي مثل هذه الكلمات من أحد قط! أتعرفون هذا الرجل ؟ قالوا: هذا زين العابدين ، فقال الحسن: ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ) !

ولا بد أن هذه الحادثة قد هزت الناس في الموسم ، وتناقلوا أن زين العابدين عليه السلام نهى الحسن البصري عن الخطابة والقصص ، وتعطيل الطواف ومنع الناس عن عبادة ربهم ، ولم تستطع السلطة عمل شئ !

وفي الإحتجاج(2/41):(فما رؤيَ الحسن البصري بعد ذلك يعظ الناس).

الإمام الباقر عليه السلام والحسن البصري

روى القاضي النعمان في شرح الأخبار(2/273)عن أبي الجارود قال: (كنت عند أبي جعفر محمد بن علي صلوات الله عليه مع جماعة من أصحابه فقال له رجل منهم: يا ابن رسول الله ، حدثنا الحسن البصري أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله أرسلني برسالة ، فضقت بها ذرعاً ، فتواعدني إن لم أبلغها أن يعذبني. ثم قطع الحديث فسألناه تمامه وأن يخبرنا بالرسالة ما هي ، فجعل يروغ !

فقال أبو جعفر عليه السلام :مالحسنٍ قاتل الله حسناً ، أما والله لو شاء أن يخبركم لأخبركم ولكني أخبركم . إن الله عزّ وجلّ بعث محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، فشهد المسلمون الشهادتين وصلوا فأقلوا وأكثروا.فجاء جبرائيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال:يا محمد عَلِّم ِالناس صلاتهم وحدودها ومواقيتها وعددها . فجمع رسول الله صلى الله عليه وآله الناس فقال: أيها الناس إن الله عزّ وجلّ فرض عليكم الصلاة في الفجر كذا وكذا عددها والظهر كذا وكذا عددها ووقتها حتى أتى على الصلوات الخمس .

ثم قال أبو جعفر عليه السلام : فهل تجدون هذا في القرآن . قالوا: لا .

قال: ثم أنزل الله عزّ وجلّ وآتوا الزكاة ، فتزكى المسلمون على قدر ما يرون ، أعطى هذا من دراهمه وأعطى هذا من دنانيره ، وهذا من تمره ، وهذا من زرعه . فأتاه جبرائيل عليه السلام فقال: يا محمد علم الناس من زكاتهم مثل ما علمتهم من صلاتهم ، فجمع رسول الله صلى الله عليه وآله الناس ، فقال: إن الله افترض علكيم الزكاة في الذهب من كذا وكذا وفي الفضة من كذا وكذا ، وعدد جميع ما يجب فيه الزكاة وما يجب فيه منها . ثم قال أبو جعفر عليه السلام : فهل تجدون هذا في كتاب الله ؟ قالوا: لا .

قال: ثم أنزل الله عزّ وجلّ فريضة الحج فقال تعالى: وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، ليس فيه كيف يطوفون ولاكيف يسعون، فأتاه جبرائيل فقال: يا محمد عَلِّم الناس من حجهم ما علمتهم من صلاتهم وزكاتهم .

فجمع رسول الله صلى الله عليه وآله الناس فقال: أيها الناس ، إن الله عزّ وجلّ قد فرض عليكم الحج ، وأوقفهم على مناسك الحج ومعالمه شيئاً شيئاً .

ثم قال أبو جعفر عليه السلام فهل تجدون ذلك مفسراً في كتاب الله ؟قالوا: لا .

قال: ثم أنزل الله عزّ وجلّ فرض الصيام ، وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصوم يوم عاشورا ، فأتاه جبرائيل فقال: يا محمد علم الناس من صومهم ما علمتهم من صلاتهم وزكاتهم وحجهم . فجمع رسول الله صلى الله عليه وآله الناس فقال: أيها الناس إن الله عزّ وجلّ قد فرض عليكم صيام شهر رمضان ، ثم علمهم ما يجتنبون في صومهم وما يأتون وما يذرون .

ثم قال أبو جعفر عليه السلام : فهل تجدون هذا في كتاب الله تعالى ؟ قالوا: لا .

قال: ثم أنزل الله عزّ وجلّ فريضة الجهاد ، فلم يعلموا كيف يجاهدون ، فأتاه جبرائيل عليه السلام فقال: يا محمد علم الناس من جهادهم ما علمتهم من صلاتهم وزكاتهم وصومهم وحجهم . فجمع رسول الله صلى الله عليه وآله الناس فقال: أيها الناس إن الله عزّ وجلّ قد فرض عليكم الجهاد في سبيله بأموالكم وأنفسكم، وبين لهم حدوده ، وأوضح لهم شروطه .

ثم أنزل الله عزّ وجلّ الولاية فقال: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ . فقال المسلمون: هذا لنا ، بعضنا أولياء بعض، فجاء جبرائيل عليه السلام فقال: يا محمد علم الناس عن ولايتهم ما علمتهم من صلاتهم وزكاتهم وصومهم وحجهم وجهادهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا جبرائيل ، إن أمتي حديثة عهد بجاهلية ، وأخاف عليهم أن يرتدوا ، فأنزل الله عزّ وجلّ : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.

فلم يجد رسول الله صلى الله عليه وآله بُداً من أن خرج إلى الناس، فقال: أيها الناس إن الله عزّ وجلّ بعثني برسالته فضقت بها ذرعاً وخفت أن الناس يكذبوني ، فتواعدني إن لم أبلغها ليعذبني ! ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ثم قال: أيها الناس ألستم تعلمون أن الله مولاي وأني مولى المؤمنين ووليهم ، وأني أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى. قال: من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار .

قال أبو جعفر صلوات الله عليه: فوجبت ولاية علي على كل مسلم ).

والسؤال هنا: لماذا روى الحسن البصري الفقرة الأولى من الحديث: إن الله أرسلني برسالة ، فضقت بها ذرعاً ، فتواعدني إن لم أبلغها أن يعذبني! ورفض أن يكمل الحديث؟ والجواب لابد أنه انتبه الى أن الحديث يثبت ولاية علي عليه السلام بأمر الله تعالى فيجب على الصحابة والمسلمين طاعته ، فخاف وأخفى بقية الحديث عمداً !

ولذا قال الإمام الباقر عليه السلام : ما لحسنٍ قاتل الله حسناً ! أي ماله يجحد ويكتم الشهادة ، ويكتم حديث رسول الله صلى الله عليه وآله ؟!

ناقض الحسن البصري نفسه

ففي الكافي (1/51):(عن عبد الله بن سليمان قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول وعنده رجل من أهل البصرة يقال له عثمان الأعمى وهو يقول: إن الحسن البصري يزعم أن الذين يكتمون العلم يؤذي ريح بطونهم أهل النار! فقال أبو جعفر عليه السلام : فهلك إذن مؤمن آل فرعون! ما زال العلم مكتوماً منذ بعث الله نوحاً عليه السلام ! فليذهب الحسن يميناً وشمالاً فوالله ما يوجد العلم إلاهاهنا )!

أقول: بذلك يكون الحسن البصري شهد على نفسه بأنه كتم العلم فروى فقرة من حديث النبي صلى الله عليه وآله ثم قطع الحديث ، فسألوه عن تمامه فجعل يروغ !

وكان يخطئ في الفتوى فيرد عليه الأئمة عليهم السلام

في الكافي (5/421): (عن قتادة ، عن الحسن البصري أن رسول الله صلى الله عليه وآله تزوج امرأة من بني عامر بن صعصعة يقال لها: سنى وكانت من أجمل أهل زمانها ، فلما نظرت إليها عائشة وحفصة قالتا: لتغلبنا هذه على رسول الله صلى الله عليه وآله بجمالها ، فقالتا لها: لايرى منك رسول الله صلى الله عليه وآله حرصاً ! فلما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله تناولها بيده فقالت: أعوذ بالله فانقبضت يد رسول الله صلى الله عليه وآله عنها فطلقها وألحقها بأهلها !

وتزوج رسول الله صلى الله عليه وآله امرأة من كندة بنت أبي الجون، فلما مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله ابن مارية القبطية قالت: لو كان نبياً ما مات ابنه !

فألحقها رسول الله صلى الله عليه وآله بأهلها قبل أن يدخل بها، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ووليَ الناس أبو بكر أتته العامرية والكندية وقد خطبتا ، فاجتمع أبو بكر وعمر فقالا لهما: اختارا إن شئتما الحجاب وإن شئتما الباه ، فاختارتا الباه فتزوجتا فجذم أحد الرجلين وجن الآخر! قال عمر بن أذينة: فحدثت بهذا الحديث زرارة والفضيل فرويا عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ما نهى الله عزّ وجلّ عن شئ إلا وقد عصيَ فيه ، حتى لقد نكحوا أزواج النبي صلى الله عليه وآله من بعده وذكر هاتين العامرية والكندية !

ثم قال أبو جعفر عليه السلام :لوسألتهم عن رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أتحل لابنه؟ لقالوا: لا. فرسول الله صلى الله عليه وآله أعظم حرمة من آبائهم.

وفي رواية: وإن أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله في الحرمة مثل أمهاتهم).

وفي من لايحضره الفقيه(٣/١٥٨): (عن سديرالصيرفي قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام : حديث بلغني عن الحسن البصري فإن كان حقاً فإنا لله وإنا إليه راجعون ، قال: وما هو؟ قلت: بلغني أن الحسن كان يقول: لو غَلَى دماغه من حر الشمس ما استظل بحائط صيرفي، ولو تفرثت كبده عطشاً لم يستسق من دار صيرفي ماء ، وهو عملي وتجارتي ، وعليه نبت لحمي ودمي ومنه حجتي وعمرتي!

قال: فجلس عليه السلام ثم قال: كذب الحسن، خذ سواء وأعط سواء ، فإذا حضرت الصلاة فدع ما بيدك وانهض إلى الصلاة ).

وقال الحسن البصري: (بئس الشئ الولد إن عاش كدَّني ، وإن مات مَدَّني ! فبلغ ذلك زين العابدين عليه السلام فقال: كذب والله . نعم الشئ الولد ، إن عاش فدعاء حاضر ، وإن مات فشفيع سابق ) . ( الدعوات للراوندي/285 ) .

الفصل العاشر

قتادة وابن عتيبة وعكرمة ونافع

قتادة بن دعامة السدوسي

نأخذ ترجمة قتادة من كتاب التفسير والمفسرون للذهبي المصري(1/125) والمؤلف نموذج للمبهورين بقتادة وأمثاله من علماء السلطة ، حتى كأنه يقول بعصمتهم ! قال عن قتادة: قتادة بن دعامة السدوسي الأكمه ، عربي الأصل. كان يسكن البصرة . روى عن أنس ، وأبي الطفيل ، وابن سيرين ، وعكرمة ، وعطاء بن أبي رباح. وغيرهم . وكان قوي الحافظة واسع الإطلاع في الشعر العربي ، بصيراً بأيام العرب عليماً بأنسابهم ، متضلعاً في اللغة العربية ، ومن هنا جاءت شهرته .

ولقد يشهد لقوة حفظه ما رواه سلام بن مسكين قال: حدثني عمرو بن عبد الله قال: قدم قتادة على سعيد بن المسيب فجعل يسأله أياماً وأكثر ، فقال له سعيد: أكل ما سألتني تحفظه؟ قال نعم، سألتك عن كذا فقلت فيه كذا ، وسألتك عن كذا فقلت فيه كذا . وقال فيه الحسن كذا حتى رد عليه حديثاً كثيراً قال فقال سعيد: ما كنت أظن أن الله خلق مثلك . وقد شهد له ابن سيرين بقوة الحافظة أيضاً فقال قتادة: هو أحفظ الناس وكان قتادة على مبلغ عظيم من العلم فوق ما اشتهر به من معرفته لتفسير كتاب الله . حتى قدمه بعضهم على كثير من أقرانه ، وجعل بعضهم من النادر تقدم غيره عليه . وقال فيه سعيد بن المسيب: ما أتاني عراقي أحسن من قتادة . وقال معمر للزهري: قتادة أعلم عندك أم مكحول ؟ قال: بل قتادة . وقال أبو حاتم: سمعت أحمد بن حنبل وذكر قتادة ، فأطنب في ذكره ، فجعل ينشر من علمه وفقهه ومعرفته بالإختلاف والتفسير ، ووصفه بالحفظ والفقه ، وقال: قلما تجد من تقدمه ، أما المثل فلعل .

وقال معمر: سألت أبا عمرو بن العلاء عن قوله تعالى: وَمَا كُنَّا له مُقْرِنِين ، فلم يجبني فقلت: سمعت قتادة يقول: مطيقين ، فسكت ، فقلت له: ما تقول يا أبا عمرو؟ فقال: حسبك قتادة ، ولولا كلامه في القدر وقد قال رسول الله (ص): إذا ذكر القدر فأمسكوا ما عدلت به أحداً من أهل دهره ! وهذا يدل على أن أبا عمرو كان يثق بعلم قتادة وبتفسيره للقرآن ، لولا ما ينسب إليه من الخوض في القضاء والقدر . وكثيراً ما تحرج بعض الرواة من الرواية عنه لذلك ، ونجد أصحاب الصحاح يخرجون له ويحتجون بروايته ، ويكفينا هذا في تعديله وتوثيقه .

قال أبو حاتم: أثبت أصحاب أنس: الزهري ، ثم قتادة ، وقال ابن سعد: كان ثقة مأموناً حجة في الحديث وكان يقول بشئ من القدر. وقال ابن حبان في الثقات: كان من علماء الناس بالقرآن والفقه ، ومن حفاظ أهل زمانه .

وكانت وفاته سنة سبع عشرة ومائة ، وعمره إذ ذاك ست وخمسون سنة .

ثم قال: فهؤلاء هم مشاهير المفسرين من التابعين ، وغالب أقوالهم في التفسير تلقوها عن الصحابة ، وبعض منها رجعوا فيه إلى أهل الكتاب ، وما وراء ذلك فمحض اجتهاد لهم ، ولا شك أنهم كانوا على مبلغ عظيم من العلم ودقة الفهم ، لقرب عهدهم من عهد النبوة ، واتصال ما بين العهدين بعهد الصحابة . وحمل علماء كل جيل علم من سبقهم وزادوا عليه ، سنة الله في تدرج العلوم ، تبدأ ضيقة الدائرة ، محدودة المسائل ، ثم لا تلبث أن تتسع وتتضخم إلى أن تبلغ النهاية وتصل إلى الكمال ).

أقول: تشعر بإعجاب هذاالعالم الأزهري بقتادة وأمثاله الى حد التقديس! مع أنه قال عن مصادر علمه: وغالب أقوالهم في التفسير تلقوها عن الصحابة وبعض منها رجعوا فيه إلى أهل الكتاب ، وما وراء ذلك فمحض اجتهاد لهم .

لكن ما رووه عن الصحابة بسند صحيح الى رسول الله صلى الله عليه وآله لايصل الى خمسة بالمئة . وما أخذوه من أهل الكتاب يبلغ ثلاثين بالمئة . والباقي يعني غالبية تفسيرهم برأيهم ومن عندهم .

قتادة ومجاهد نموذجاً

اعتمد البخاري في صحيحه على مجاهد بن جبر تلميذ ابن عباس ونقل عنه كثيراً ، وقد راجعت جميع ما نقله عنه من أول كتابه الى آخره .

كما راجعتُ ما نقله الطبري في مجلدين من تفسيره عن قتادة ، فوجدت أن تسعين بالمئة من أقوال قتادة ومجاهد أقوالٌ بالرأي خاصة قتادة ، وأن معرفتهما باللغة العربية ضعيفة ! وأنهما ينقلان عن أهل الكتاب ، فعرفت أن سبب مديح علماء السلطة لهما أن علماء السلطة عوام حفاة من العلم ! وأن سبب إكثار البخاري عن مجاهد في تفسير الآيات أن البخاري لايعرف العربية ، ويتصور أن مجاهد نابغة في العربية! ومجاهد ليس خبيراً بالعربية بل التقط من ابن عباس الصحيح والغلط .

وكذلك عرفت السبب في إعجاب أحمد بن حنبل بقتادة ، لأن أحمد لم يكن يجيد العربية ، وكان يسكن في حي الفرس ببغداد ويتكلم بالفارسية ، ولذلك تجده يقول: (قتادة عالم بالتفسير وباختلاف العلماء . وقال الذهبي: ومع حفظ قتادة وعمله بالحديث كان رأساً في العربية واللغة وأيام العرب )!

وقال أبو عبيدة: (ماكنا نفقد في كل أيام راكباً من ناحية بني أمية ينيخ على باب قتادة يسأله عن خبر أو نسب أو شعر ، وكان قتادة أجمع الناس.

وقد كان الرجلان من بني أمية يختلفان في البيت من الشعر ، فيبردان بريداً الى قتادة ، فيسألانه عن ذلك ) . (الناسخ والمنسوخ لقتادة/19).

ويحتاج نقد ما رواه البخاري عن مجاهد في اللغة الى عشرات الصفحات !

من ذلك قول البخاري (4/ 74):(باب صفة الشمس والقمر بحسبان . قال مجاهد كحسبان الرحى) . أي محور الرحى وقطبها الذي تدور عليه .

والصحيح: أن القمر يدور لكن الشمس لا تدور دوْر الرحى ، بل تجري في خط مستقيم الى مستقرها . وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ .

ومن ذلك قول مجاهد في تفسيره/395: (في قوله: لا يُحِبُّ الله الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ . قال: هو الرجل يستضيف الرجل فلا يضيفه ، فقد أذن له أن يذكر منه ما صنع به أي: لم يُقْرِني ولم يضيفني ).

وهذا مخالف للشرع، لأن الضيافة مستحبة وليست واجبة ليكون تركها ظلماً ! بل فرضها ظلم!

ومن ذلك قول البخاري (1/160): في تفسير: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ: قال مجاهد خطاهم آثارهم أن يمشي في الأرض بأرجلهم . لكن الآثار أعم من المشي .

وقول البخاري (4/139): (وقال مجاهد: الكهل الحليم ، والأ كمه من يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل ). بل الكهل درجة في السن. والأكمه: الأعمى .

وقول البخاري (4/97):(وقال مجاهد مهطعين: مديمي النظر. وقد ذكرت كتب اللغة كالعين والصحاح أن هطع بمعنى مد عنقه خاضعاً ، ونظر في مكان واحد . لكن مجاهد أخذ من المعنى جزءً هو إدامة النظر، وترك أجزاء أساسية !

وقول البخاري (4/147): (وقال مجاهد تقرضهم تتركهم. والآية: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ. وتقرضهم من قرض كمن يقرض بالمقراض ، فالشمس عند طلوعها لا تشرق عليهم بل تزورُّ وتميل عن كهفهم ، وعند الغروب تقرضهم أي تشرق على جزء منهم كأنما تقرضهم بالمقراض ! فأين هذا من تفسير مجاهد بأنها تتركهم !

وقول البخاري (6/16): (وقال مجاهد تعبثون تبنون ، هضيم يتفتت إذا مس).

والآية: وَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ . وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ... وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ . فعبثهم بآيات البناء بدون موجب . والهضيم صفة لطلع النخل أي التمر وهي اسم فاعل بمعنى المفعول . أي سهل الهضم ،لا أنه يتفتت بالمس كما قال!

أما قتادة فهو أضعف من مجاهد في اللغة:

فلم يستشهد بأي حديث عن النبي صلى الله عليه وآله ولا أثر من صحابي كما زعموا له ! بل يتكلم برأيه ويقع في أخطاء ذريعة !

من ذلك: قال في قوله تعالى:بَلْ لَعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ:لايؤمن منهم إلا قليل. لكن قليلاً هنا صفة لمفعول مطلق محذوف ، أي لا يؤمنون إلا إيماناً قليلاً ، ولو كان كما قال لكان مرفوعاً لأنه فاعل ، لا منصوباً . (تفسير الطبري:1/324).

وعن قتادة في قوله: قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ . قال: لاينال عهد الله في الآخرة الظالمون ، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم وأكل به وعاش). (تفسير الطبري:1/419).

فقد تصور قتادة أن الظالم ينال والعهد مفعول ، بينما العهد ينال والظالم مفعول .

وقال قتادة: (والمحكمات:الناسخ الذي يعمل به ما أحل الله فيه حلاله وحرم فيه حرامه. وأما المتشابهات فالمنسوخ الذي لايعمل به ). (الطبري:3/115).

بينما المحكم ما لايحتمل إلا معنى واحداً مثل: قل هو الله أحد. والمتشابه ما احتمل أكثر من معنى مثل: يَدُ الله فَوق أيديهم ، فهو يحتمل اليد الجارحة والقدرة .

وقال قتادة: (والحكمة: أي السنة). (تفسير الطبري:1/436). والصحيح أن السنة فيها حكمة ، لكنها أعم من الحكمة .

وفسر قتادة قوله تعالى: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ . يقول: يكلمهم صغيراً وكبيراً . (تفسير الطبري:3/188). والصحيح أنه يكلمهم في مهده لما ولد: وكهلاً عندما ينزل من السماء ، وقد روي أنه يبقى كهلاً لا يهرم .

وفسرقتادة قوله تعالى: رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا: لا تحمل علينا عهداً وميثاقاً ، كما حملته على الذين من قبلنا) . (تفسير الطبري:3/104). والصحيح أن الإصر ثقل العهد والميثاق: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ ..

أقول: كان قتادة يعرف ضعفه علمياً ، ولذا قال: ما أرى أحداً يجرى مع الكلبي في التفسير في عنان ). (تفسير الطبري:1/31). وسترى دليل ذلك في تعامله مع الإمام الباقر عليه السلام .

لكن الذهبي الناصبي يفضل قتادة على الإمام الباقر عليه السلام لأن قلب الذهبي مملوء ببغض أهل البيت عليهم السلام فكيف يعترف بأن الباقر بشر به جده صلى الله عليه وآله بأنه سيبقر علم النبوة !

قال الذهبي في سيره (4/401):(كان أبو جعفر إماماً مجتهداً ، تالياً لكتاب الله ، كبير الشأن ، ولكن لا يبلغ في القرآن درجة ابن كثير ونحوه ، ولا في الفقه درجه أبي الزناد وربيعة ، ولا في الحفظ ومعرفة السنن درجة قتادة وابن شهاب ، فلانحابيه ولا نحيف عليه ونحبه في الله لما تجمع فيه من صفات).

الإمام الباقر عليه السلام مع قتادة بن دعامة

في الكافي(6/256 ) بسند صحيح، عن أبي حمزة الثمالي قال: (كنت جالساً في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله إذا أقبل رجل فسلم فقال: من أنت يا عبد الله ؟ قلت: رجل من أهل الكوفة، فقلت: ما حاجتك فقال لي: أتعرف أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام ؟ فقلت: نعم فما حاجتك إليه؟ قال: هيأت له أربعين مسألة أسأله عنها فما كان من حق أخذته وما كان من باطل تركته !

قال أبو حمزة: فقلت له: هل تعرف ما بين الحق والباطل؟ قال: نعم ، فقلت له: فما حاجتك إليه إذا كنت تعرف ما بين الحق والباطل! فقال لي: يا أهل الكوفة أنتم قوم ما تطاقون ! إذا رأيت أبا جعفر عليه السلام فأخبرني، فما انقطع كلامي معه حتى أقبل أبو جعفر عليه السلام وحوله أهل خراسان و غيرهم ، يسألونه عن مناسك الحج ، فمضى حتى جلس مجلسه وجلس الرجل قريباً منه . قال أبو حمزة: فجلست حيث أسمع الكلام وحوله عالم من الناس ، فلما قضى حوائجهم وانصرفوا التفت إلى الرجل فقال له: من أنت ؟ قال: أنا قتادة بن دعامة البصري.فقال له أبو جعفر عليه السلام : أنت فقيه أهل البصرة ؟ قال: نعم ، فقال له أبو جعفر عليه السلام : ويحك يا قتادة إن الله جل وعز خلق خلقاً من خلقه فجعلهم حججاً على خلقه فهم أوتاد في أرضه ، قُوَّامٌ بأمره ، نجباءُ في علمه ، اصطفاهم قبل خلقه أظلة عن يمين عرشه . قال: فسكت قتادة طويلاً ثم قال: أصلحك الله والله لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدام ابن عباس فما اضطرب قلبي قدام واحد منهم ما اضطرب قدامك ! قال له أبو جعفر عليه السلام : ويحك أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ . رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَوةِ . فأنت ثَمَّ ونحن أولئك ، فقال له قتادة: صدقت والله جعلني الله فداك . والله ما هي بيوت حجارة ولا طين !

قال قتادة: فأخبرني عن الجٍبْن قال: فتبسم أبو جعفر عليه السلام ثم قال: رجعت مسائلُك إلى هذا ؟ قال: ضلَّت عليَّ ، فقال: لا بأس به ، فقال: إنه ربما جعلت فيه إنفحة الميت ، قال: ليس بها بأس إن الإنفحة ليس لها عروق ولا فيها دم ولا لها عظم ، إنما تخرج من بين فرث ودم ، ثم قال: وإنما الإنفحة بمنزلة دجاجة ميتة أخرجت منها بيضة ، فهل تؤكل تلك البيضة ، فقال قتادة: لا ، ولا آمر بأكلها ، فقال له أبو جعفر عليه السلام : ولمَ ؟ فقال: لأنها من الميتة ، قال له فإن حضنت تلك البيضة فخرجت منها دجاجة أتأكلها؟ قال: نعم. قال: فما حرم عليك البيضة وحلل لك الدجاجة؟ ثم قال عليه السلام : فكذلك الإنفحة مثل البيضة فاشتر الجبن من أسواق المسلمين من أيدي المصلين ولا تسأل عنه ، إلا أن يأتيك من يخبرك عنه ) .

وفي الكافي(8/311) بسند صحيح: (عن زيد الشحام قال: دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفر عليه السلام فقال: يا قتادة أنت فقيه أهل البصرة ؟ قال: هكذا يزعمون ، فقال أبو جعفر عليه السلام :بلغني أنك تفسر القرآن ؟ فقال له قتادة: نعم ، فقال له أبو جعفر عليه السلام بعلم تفسره أم بجهل؟ قال:لا بعلم، فقال له أبو جعفر عليه السلام : فإن كنت تفسره بعلم فأنت أنت ! وأنا أسألك؟ قال قتادة: سل قال: أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ في سبأ:وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا آمِنِينَ؟ فقال قتادة: ذلك من خرج من بيته بزاد حلال وراحلة وكراء حلال يريد هذا البيت كان آمنا حتى يرجع إلى أهله .

فقال أبو جعفر عليه السلام : نشدتك الله يا قتادة هل تعلم أنه قد يخرج الرجل من بيته بزاد حلال وراحلة وكراء حلال يريد هذا البيت فيقطع عليه الطريق فتذهب نفقته ، ويضرب مع ذلك ضربة فيها اجتياحه ؟!

قال قتادة: اللهم نعم ، فقال أبو جعفر عليه السلام : ويحك يا قتادة إن كنت إنما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت ، وإن كنت قد أخذته من الرجال فقد هلكت وأهلكت ، ويحك يا قتادة ! ذلك من خرج من بيته بزاد وراحلة وكراء حلال يروم هذا البيت عارفاً بحقنا يهوانا قلبه كما قال الله عزّ وجلّ : فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ ، ولم يَعْنِ البيت فيقول: إليه، فنحن والله دعوة إبراهيم عليه السلام التي من هوانا قلبه قبلت حجته وإلا فلا ، يا قتادة فإذا كان كذلك كان آمناً من عذاب جهنم يوم القيامة ، قال قتادة: لا جرم والله لا فسرتها إلا هكذا ، فقال أبو جعفر عليه السلام : ويحك يا قتادة إنما يعرف القرآن من خوطب به ).

وفي تفسير الفخر الرازي (8/156): (قال سعيد بن جبير: سميت مكة بكة لأنهم يتباكُّون فيها أي يزدحمون في الطواف، وهو قول الباقر ومجاهد وقتادة قال بعضهم: رأيت محمد بن علي الباقر يصلي فمرت امرأة بين يديه فذهبت أدفعها فقال: دعها فإنها سميت بكة لأنه يبك بعضهم بعضاً، تمر المرأة بين يدي الرجل وهويصلي ، والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي ، لابأس بذلك في هذا المكان) .

الحكم بن عتيبة فقيه الخلافة في العراق

1- قال الذهبي في سيره(5/208): (الحكم بن عتيبة: الإمام الكبير عالم أهل الكوفة ، أبو محمد الكندي ، مولاهم الكوفي . قال أحمد بن حنبل: هو من أقران إبراهيم النخعي ولدا في عام واحد . قال الأوزاعي: حججت فلقيت عبدة ابن أبي لبابة ، فقال لي: هل لقيت الحكم ، قلت: لا ، قال: فالقه ، فما بين لابتيها أفقه منه ، وكان صاحب سنة واتباع . سمعت شعبة يقول:كان الحكم يفضل علياً على أبي بكر وعمر ، قلت: الشاذكوني ليس بمعتمد وما أظن أن الحكم يقع منه هذا . قال: كان الحكم إذا قدم المدينة ، فرغت له سارية النبي(ص) يصلي إليها).

2- وقال السيد الخوئي في معجمه(7 /182و:9/16):(من أصحاب السجاد عليه السلام - رجال الشيخ. وعده في أصحاب الباقر عليه السلام قائلاً: الحكم بن عتيبة أبو محمد الكوفي الكندي مولى الشموس بن عمرو الكندي. وأصحاب الصادق عليه السلام قائلاً: الحكم بن عتيبة أبو محمد الكوفي الكندي: مولى زيدي بتري .

روى الكشي في ذمه روايات كثيرة منها: عن أبي مريم الأنصاري قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام : قل لسلمة بن كهيل ، والحكم بن عتيبة ، شَرِّقا أو غرِّبا لن تجدا علماً صحيحاً إلا شيئاً خرج من عندنا أهل البيت .

عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن شهادة ولد الزنا أتجوز؟ قال: لا. فقلت: إن الحكم بن عتيبة يزعم أنها تجوز ! فقال: اللهم لا تغفر ذنبه ، قال الله للحكم: إنه لذكر لك ولقومك؟ فليذهب الحكم يميناً وشمالاً ، فوالله لا يوجد العلم ، إلا في أهل بيت نزل عليهم جبرئيل عليه السلام .

عن أبي بصير ، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن الحكم بن عتيبة وسلمة وكثير النوا ، وأبا المقدام ، والتمار ، يعني سالماً أضلوا كثيراً ممن ضل من هؤلاء ، وإنهم ممن قال الله عزّ وجلّ : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ .

ثم قال السيد الخوئي: لا شبهة في ذم الرجل وانحرافه عن أبي جعفر عليه السلام لكنه مع ذلك حكم الشيخ النوري بوثاقته في النقل لرواية الأجلة عنه. ولكنك قد عرفت فيما تقدم أنه لا دلالة في ذلك ، فالرجل لا يعتد بروايته .

وقال الكشي: البترية هم أصحاب كثير النوا ، والحسن بن صالح بن حي ، وسالم بن أبي حفصة ، والحكم بن عتيبة ، وسلمة بن كهيل ، وأبو المقدام ثابت الحداد ، وهم الذين دعوا إلى ولاية علي عليه السلام ثم خلطوها بولاية أبي بكر وعمر، ويثبتون لهما إمامتهما ويبغضون عثمان ، وطلحة ، والزبير ، وعائشة ، ويرون الخروج مع بطون ولد علي بن أبي طالب يذهبون في ذلك إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويثبتون لكل من خرج من ولد علي بن أبي طالب عليه السلام عند خروجه الإمامة ) .

3- قال السيد شرف الدين في المراجعات/121: (احتج به البخاري ومسلم روى عنه في الصحيحين: منصور ، ومسعر ، وشعبة . وروى عنه في صحيح البخاري خاصة: عبد الملك بن أبي غنية ، وروى عنه في صحيح مسلم خاصة: كل من الأعمش ، وعمرو بن قيس ، وزيد بن أبي أنيسة ، ومالك بن مغول ، وأبان بن تغلب ، وحمزة الزيات ، ومحمد بن جحادة ، ومطرف ).

4- في الإرشاد (2/160): (عن عبد الله بن عطاء قال: ما رأيت العلماء عند أحد قط أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي ابن الحسين عليهم السلام ولقد رأيت الحكم بن عتيبة مع جلالته في القوم بين يديه كأنه صبي بين يدي معلمه ) .

وفي الكافي(6/256 ) من حديث: (فسكت قتادة طويلاً ثم قال: أصلحك الله والله لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدام ابن عباس فما اضطرب قلبي قدام واحد منهم ما اضطرب قدامك قال له أبو جعفر عليه السلام : ويحك أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ . رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَوةِ . فأنت ثم ونحن أولئك! فقال له قتادة: صدقت والله جعلني الله فداك، والله ما هي بيوت حجارة ولا طين )!

5- في الكافي (7/24): (عن الحكم بن عتيبة قال:كنا على باب أبي جعفر عليه السلام ونحن جماعة ننتظر أن يخرج إذ جاءت امرأة فقالت: أيكم أبو جعفر فقال لها القوم: ما تريدين منه ؟ قالت: أريد أن أسأله عن مسألة فقالوا لها: هذا فقيه أهل العراق فسليه ، فقالت: إن زوجي مات وترك ألف درهم وكان لي عليه من صداقي خمس مائة درهم فأخذت صداقي وأخذت ميراثي ثم جاء رجل فادعى عليه ألف درهم فشهدتُ له . قال الحكم: فبينا أنا أحسب إذ خرج أبو جعفر عليه السلام فقال: ما هذا الذي أراك تحرك به أصابعك يا حكم؟ فقلت: إن هذه المرأة ذكرت أن زوجها مات وترك ألف درهم وكان لها عليه من صداقها خمس مائة درهم فأخذت صداقها وأخذت ميراثها ثم جاء رجل فادعى عليه ألف درهم فشهدت له ، فقال الحكم: فوالله ما أتممت الكلام حتى قال: أقرت بثلث ما في يديها ولا ميراث لها ، قال الحكم: فما رأيت والله أفهم من أبي جعفر عليه السلام قط) .

وفي رواية الكافي(7/167): (قال الفضل بن شاذان: وتفسير ذلك أن الذي على الزوج صار ألفاً وخمس مائة درهم للرجل ألف ولها خمس مائة درهم هو ثلث الدين وإنما جاز إقرارها في حصتها فلها مما ترك الميت الثلث وللرجل الثلثان فصار لها مما في يديها الثلث ويرد الثلثان على الرجل . والدين استغرق المال كله فلم يبق شئ يكون لها من ذلك الميراث ولايجوز إقرارها على غيرها).

6- في الكافي(1/270): (عن عبيد بن زرارة قال: أرسل أبو جعفر عليه السلام إلى زرارة أن يُعلم الحكم بن عتيبة أن أوصياء محمد عليهم السلام محدثون ).

7- في الكافي (1/399): (محمد بن مسلم:سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول:ليس عند أحد من الناس حق ولا صواب، ولا أحد من الناس يقضي بقضاء حق إلا ما خرج منا أهل البيت. وإذا تشعبت بهم الأمور كان الخطأ منهم والصواب من علي عليه السلام .

عن أبي مريم قال: قال أبو جعفر عليه السلام لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة: شرِّقا وغرِّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلا شيئاً خرج من عندنا أهل البيت .

عن زرارة قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام فقال: له رجل من أهل الكوفة يسأله عن قول أمير المؤمنين عليه السلام : سلوني عما شئتم فلا تسألوني عن شئ إلا أنبأتكم به ! قال: إنه ليس أحد عنده علم شئ إلا خرج من عند أمير المؤمنين عليه السلام ، فليذهب الناس حيث شاؤوا ، فوالله ليس الأمر إلا من هاهنا ، وأشار بيده إلى بيته ).

8- عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن شهادة ولد الزنا تجوز؟ فقال: لا فقلت إن الحكم بن عتيبة يزعم أنها تجوز. فقال: اللهم لاتغفر ذنبه! ما قال الله للحكم: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ . فليذهب الحكم يميناً وشمالاً فوالله لا يؤخذ العلم إلا من أهل بيت نزل عليهم جبرئيل عليه السلام .

9- في الكافي (5/478): (عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده فقال: ذاك إلى سيده إن شاء أجازه وإن شاء فرق بينهما ، قلت:أصلحك الله إن الحكم بن عتيبة وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون: إن أصل النكاح فاسد ولا تحل إجازة السيد له ، فقال أبو جعفر عليه السلام : إنه لم يعص الله إنما عصى سيده ، فإذا أجازه فهو له جائز).

10- وفي الكافي (7/329):(عن الحكم بن عتيبة قلت لأبي جعفر عليه السلام : أصلحك الله إن بعض الناس في فيه اثنان وثلاثون سناً وبعضهم لهم ثمانية وعشرون سناً فعلى كم تقسم دية الأسنان فقال: الخلقة إنما هي ثمانية وعشرون سناً اثنتا عشر في مقاديم الفم وستة عشر سناً في مؤاخيره فعلى هذا قسمت دية الأسنان . فدية كل سن من المقاديم إذا كسرت حتى يذهب خمس مائة درهم فديتها كلها ستة آلاف درهم وفي كل سن من المؤاخير إذا كسرت حتى يذهب فإن ديتها مائتان وخمسون درهماً وهي ستة عشرسناً فديتها كلها أربعة آلاف درهم،فجميع دية المقاديم والمؤاخير من الأسنان عشرة آلاف درهم، وإنما وضعت الدية على هذا،فما زاد على ثمانية وعشرين سناً فلا دية له ومانقص فلادية له . هكذا وجدناه في كتاب علي عليه السلام .

قال الحكم فقلت: إن الديات إنما كانت تؤخذ قبل اليوم من الإبل والبقر والغنم ، فقال: إنما كان ذلك في البوادي قبل الاسلام فلما ظهر الإسلام وكثرت الورق في الناس قسمها أمير المؤمنين عليه السلام على الورق .

قال الحكم: فقلت له أرأيت من كان اليوم من أهل البوادي ما الذي يؤخذ منهم في الدية اليوم إبل أو ورق ؟ قال فقال: الإبل اليوم مثل الورق بل هي أفضل من الورق في الدية ، انهم كانوا يأخذون منهم في الدية الخطأ مائة من الإبل يحسب بكل بعير مائة درهم فذلك عشرة آلاف درهم قلت له: فما أسنان المائة بعير قال: فقال: ما حال عليه الحول ذكران كلها .

عن الحكم بن عتيبة قال:سألت أبا جعفر عليه السلام عن أصابع اليدين وأصابع الرجلين أرأيت ما زاد فيها على عشر أصابع أو نقص من عشرة فيها دية؟ فقال لي: يا حكم الخلقة التي قسمت عليها الدية عشرة أصابع في اليدين فما زاد أو نقص فلا دية له. وعشرة أصابع في الرجلين فما زاد أو نقص فلا دية له وفي كل أصبع من أصابع اليدين ألف درهم،وفي كل أصبع من أصابع الرجلين ألف درهم،وكل ماكان من شلل فهو على الثلث من دية الصحاح).

11- في تهذيب الأحكام (6/273): (عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: دخل الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل على أبي جعفر عليه السلام فسألاه عن شاهد ويمين فقال: قضى به رسول الله صلى الله عليه وآله وقضى به علي عليه السلام عندكم بالكوفة فقالا: هذا خلاف القرآن فقال: وأين وجدتموه خلاف القرآن ؟ فقالا: إن الله تبارك وتعالى يقول: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ . فقال لهما أبو جعفر عليه السلام فقوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ . هوأن لا تقبلوا شهادة واحد ويميناً؟! ثم قال: إن علياً عليه السلام كان قاعداً في مسجد الكوفة فمر به عبد الله بن قفل التميمي ومعه درع طلحة فقال علي عليه السلام : هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقال له عبد الله بن قفل: فاجعل بيني وبينك قاضيك الذي رضيته للمسلمين ، فجعل بينه وبينه شريحا فقال علي عليه السلام : هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقال له شريح هات على ما تقول بينة ، فأتاه بالحسن عليه السلام فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقال شريح: هذا شاهد واحد فلا أقضي بشهادة شاهد حتى يكون معه آخر فدعى قنبراً فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة ، فقال شريح هذا مملوك ولا أقضي بشهادة مملوك ، قال: فغضب علي عليه السلام فقال: خذوها فإن هذا قضى بجور ثلاث مرات قال: فتحول شريح ثم قال:لا أقضي بين اثنين حتى تخبرني من أين قضيت بجور ثلاث مرات ؟ فقال له: ويلك أو ويحك إني لما أخبرتك أنها درع طلحة اخذت غلولاً يوم البصرة فقلت: هات على ما تقول بينة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : حيثما وجد غلول أخذ بغير بينة! فقلت: رجل لم يسمع الحديث فهذه واحدة .

ثم أتيتك بالحسن فشهد فقلت: هذا واحد ولا أقضي بشهادة واحد حتى يكون معه آخر ، وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بشهادة واحد ويمين فهذه ثنتان !

ثم أتيتك بقنبر فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقلت: هذا مملوك ولا أقضي بشهادة مملوك ، وما بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلاً. ثم قال: ويحك إمام المسلمين يؤمن من أمورهم على ما هو أعظم من هذا ) .

12- في الكافي (8/76): (عن الحكم بن عتيبة قال: بينما أنا مع أبي جعفر عليه السلام والبيت غاص بأهله إذ أقبل شيخ يتوكأ على عنزة له حتى وقف على باب البيت فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله ورحمة الله وبركاته ثم سكت. فقال أبو جعفر عليه السلام : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثم أقبل الشيخ بوجهه على أهل البيت وقال: السلام عليكم ، ثم سكت . حتى أجابه القوم جميعاً وردوا عليه السلام .ثم أقبل بوجهه على أبي جعفر عليه السلام ثم قال: يا ابن رسول الله أدنني منك جعلني الله فداك فوالله إني لأحبكم وأحب من يحبكم ووالله ما أحبكم وأحب من يحبكم لطمع في دنيا . والله إني لأبغض عدوكم وأبرأ منه ووالله ما أبغضه وأبرأ منه لوتر كان بيني وبينه . والله إني لأحل حلالكم وأحرم حرامكم وأنتظر أمركم فهل ترجو لي جعلني الله فداك ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام : إلي إلي حتى أقعده إلى جنبه ثم قال: أيها الشيخ إن أبي علي بن الحسين عليهما السلام أتاه رجل فسأله عن مثل الذي سألتني عنه فقال له أبي: إن تمت ترد على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى علي والحسن و الحسين وعلي بن الحسين ويثلج قلبك ويبرد فؤادك وتقر عينك وتستقبل بالروح والريحان مع الكرام الكاتبين ولو قد بلغت نفسك ههنا وأهوى بيده إلى حلقه . وإن تعش ترى ما يقر الله به عينك وتكون معنا في السنام الأعلى ، فقال الشيخ: كيف قلت: يا أبا جعفر ؟ فأعاد عليه الكلام ، فقال الشيخ: الله أكبر يا أبا جعفر إن أنا مت أرد على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين عليهم السلام وتقر عيني ويثلج قلبي ويبرد فؤادي وأستقبل بالروح والريحان مع الكرام الكاتبين لو قد بلغت نفسي إلى ههنا وإن أعش أرى ما يقر الله به عيني فأكون معكم في السنام الأعلى ! ثم أقبل الشيخ ينتحب ، ينشج ها ها ها حتى لصق بالأرض وأقبل أهل البيت ينتحبون وينشجون لما يرون من حال الشيخ وأقبل أبو جعفر عليه السلام يمسح بإصبعه الدموع من حماليق عينيه وينفضها ، ثم رفع الشيخ رأسه فقال لأبي جعفر عليه السلام : يا ابن رسول الله ناولني يدك جعلني الله فداك فناوله يده فقبلها ووضعها على عيينة وخده ، ثم حسر عن بطنه وصدره فوضع يده على بطنه وصدره ، ثم قام فقال:السلام عليكم وأقبل أبو جعفر عليه السلام ينظر في قفاه وهو مدبر ثم أقبل بوجهه على القوم فقال: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا . فقال الحكم بن عتيبة: لم أر مأتماً قط يشبه ذلك المجلس).

13- في الكافي(1/400): (عن أبي بصير قال قال لي: إن الحكم بن عتيبة ممن قال الله:وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ.فليشرِّق الحكم وليغرب أما والله لا يصيب العلم إلا من أهل بيت نزل عليهم جبرئيل ).

14- روى السيد الخوئي في معجمه(17/301): (عن عذافر الصيرفي ، قال: كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر عليه السلام فجعل يسأله ، وكان أبو جعفر له مكرماً ، فاختلفا في شئ ، فقال أبو جعفر: يا بني قم فأخرج كتاب علي ، فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً ، ففتحه وجعل ينظر حتى أخرج المسألة ، فقال أبو جعفر: هذا خط علي عليه السلام وإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله  ، وأقبل على الحكم وقال: يا أبا محمد إذهب أنت وسلمة وأبو المقدام حيث شئتم ، يميناً وشمالاً فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل عليه السلام ).

عكرمة البربري مولى ابن عباس

في التفسير والمفسرون للذهبي المصري ملخصاً:أصله من البربر بالمغرب . روى عن مولاه ، وعلي بن أبي طالب ، وأبي هريرة ، وغيرهم .ووصفه العلماء الذين لم يثقوا به بالجرأة على العلم ويقولون: إنه كان يدعى معرفة كل شئ في القرآن ، ويزيدون على ذلك فيتهمونه بالكذب على مولاه ابن عباس ، وبعد هذا كله ، يتهمونه بأنه كان يرى رأى الخوارج ، ويزعم أن مولاه كان كذلك !

وقال البخاري: ليس أحد من أصحابنا إلا وهو يحتج بعكرمة ، وقد وثقه النسائي وأحرج له في كتابه السنن ، كما أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم ، وكان مسلم بن الحجاج من أسوئهم رأياً فيه ، ثم عدله بعد ما جرحه . وقال المروزي: أجمع عامة أهل العلم بالحديث على الإحتجاج بحديث عكرمة ، واتفق على ذلك رؤساء أهل الحديث من أهل عصرنا ، منهم أحمد بن حنبل ، وابن راهويه ، ويحيى بن معين ، وأبو ثور ، ولقد سألت إسحاق بن راهويه عن الإحتجاج بحديثه فقال: عكرمة عندنا إمام الدنيا ، تعجب من سؤالي إياه ؟

الحق أن عكرمة تابعي موثوق بعدالته ودينه ، وكل ما رمي به كذب واختلاق ! كان على مبلغ عظيم من العلم ، وعلى مكانة عالية من التفسير خاصة ، وقد شهد له العلماء بذلك ، فقال ابن حبان: كان من علماء زمانه بالفقه والقرآن ).

جعلوا عكرمة إماماً مع أنهم فضحوه !

جعل علماء المذاهب الأربعة أو علماء الخلافة عكرمة مولى ابن عباس إماماً رغم أن مالكه علي بن عبد الله بن عباس اتهمه بأنه يكذب على أبيه وحبسه في المرحاض.

وقد أحبوا عكرمة لأنه كان يدور في الأسواق ويحلف ويقول من شاء باهلته أن آية التطهير نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وآله خصة ولا تشمل علياً وفاطمة والحسنين عليهم السلام ! (الدر المنثور:5/198).

وأحبوه لأنه صاحب كذبة خوخة أبي بكر ، فقد كان أبو بكر يخاف أن يمر بين المصلين ففتح من جهة المحراب خوخة أي باباً صغيراً يدخل منها فقال عكرمة إن النبي صلى الله عليه وآله قال: سدو الأبواب عن المسجد إلا خوخة أبي بكر ، مع أن خوخته لم تكن موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وآله ، بل كان بيته في السنح خارج المدينة !

وقد أطال الذهبي في ترجمة عكرمة ، لكنا نذكر مطاعنهم فيه التي تسقط كل مديحهم له !

قال الذهبي في سيره (5/12): (العلامة ، الحافظ ، المفسرأبو عبد الله القرشي ، مولاهم المدني ، البربري الأصل . حدث عن ابن عباس، وعائشة ، وأبي هريرة ، وابن عمر ، وعبد الله بن عمرو ، وعقبة بن عامر.. قال عبد الحميد بن بهرام: رأيت عكرمة أبيض اللحية عليه عمامة بيضاء ، طرفها بين كتفيه ، قد أدارها تحت لحيته ، وقميصه إلى الكعبين ، وكان رداؤه أبيض ، وقدم على بلال بن مرداس ، وكان على المدائن فأجازه بثلاثة آلاف ، فقبضها منه .

وكان يدور البلدان يتعرض! (أي يستعطي) قال عبد العزيز بن أبي رواد: قلت لعكرمة: تركت الحرمين ، وجئت إلى خراسان ! قال: أسعى على بناتي .

ابن لهيعة عن أبي الأسود: أنا أول من هيج عكرمة على المسير إلى إفريقية ، قلت له: أنا أعرف قوماً لو أتيتهم؟ قال: فلقيني جليس له فقال: هو ذا عكرمة يتجهز إلى إفريقية . وكان قليل العقل خفيفاً ! سألني عن أهل المغرب ، فأخبرته بغفلتهم قال: فخرج إليهم وكان أول ما أحدث فيهم رأي الصفرية !

قال ابن لهيعة: وكان يحدث برأي نجدة الحروري وأتاه ، فأقام عنده ستة أشهر ، ثم أتى ابن عباس فسلم فقال ابن عباس: قد جاء الخبيث .

قال يحيى بن بكير: فالخوارج الذين بالمغرب عنه أخذوا . قال علي بن المديني: كان عكرمة يرى رأي نجدة الحروري .

سمعت يحيى بن معين يقول: إنما لم يذكر مالك عكرمة يعني في الموطأ قال: لأن عكرمة كان ينتحل رأي الصفرية .

وقال إبراهيم الجوزجاني: سألت أحمد بن حنبل عن عكرمة ، أكان يرى رأي الأباضية؟ فقال: يقال إنه كان صفرياً. قلت:أتى البربر؟ قال: نعم ، وأتى خراسان يطوف على الأمراء يأخذ منهم .

عن يحيى البكاء سمعت ابن عمر يقول لنافع: إتق الله ويحك لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عباس !

عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول لغلام له: يا برد ، لا تكذب عليَّ كما يكذب عكرمة على ابن عباس .

عن يزيد بن أبي زياد قال: دخلت على علي بن عبد الله بن عباس وعكرمة مقيد على باب الحش( المرحاض) قال قلت:مالهذا كذا، قال:إنه يكذب على أبي!

عن عثمان بن مرة قال: إن عكرمة كذاب يحدث غدوة حديثاً يخالفه عشية .

عن عبد الله بن خيثم سألت عكرمة عن قوله: والنَّخْلَ بَاسِقَات؟ قال:بسوقها كبسوق النساء عند ولادتها، فرحت إلى سعيد فقال: كذب ، بسوقها: طولها .

سألت ابن سيرين عن عكرمة فقال: ما يسوؤني أن يكون من أهل الجنة ، ولكنه كذاب . وقال معن وغيره: كان مالك لايرى عكرمة ثقة ، ويأمر أن لا يؤخذ عنه . قال أحمد بن حنبل: عكرمة مضطرب الحديث يختلف عنه ، وما أدري .

وفي صحيح البخاري لقتادة عن عكرمة أربعة أحاديث ..

أقول: مهما وضعوا من مديح عكرمة الى جانب هذه العيوب فإنه لا يجبرها ! ولو صحت عيوبه أو قسم منها لكانت كافيةً لإسقاطه ، فكيف وثقوه وجعلوه إماماً ؟!

كان عكرمة في آخر عمره منقطعاً الى الإمام الباقر عليه السلام !

في الكافي (3/123): (عن أبي بصير ، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كنا عنده وعنده حمران إذ دخل عليه مولى له فقال: جعلت فداك هذا عكرمة في الموت وكان يرى رأي الخوارج وكان منقطعاً إلى أبي جعفر عليه السلام ، فقال لنا أبو جعفر عليه السلام : أنظروني حتى أرجع إليكم فقلنا: نعم ، فما لبث أن رجع فقال: أما إني لو أدركت عكرمة قبل أن تقع النفس موقعها لعلمته كلمات ينتفع بها ، ولكني أدركته وقد وقعت النفس موقعها ! قلت: جعلت فداك وما ذاك الكلام ؟ قال فلقنوا موتاكم عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله والولاية ). وفي رواية قبلها: (فقال أبو جعفر عليه السلام : لو أدركت عكرمة عند الموت لنفعته ، فقيل لأبي عبد الله عليه السلام : بماذا كان ينفعه؟ قال: يلقنه ما أنتم عليه).فيظهر أنه كان مبغوضاً من الناس لا يجد من يقبله إلا الإمام عليه السلام !

صلى الباقر عليه السلام على جنازة كثير ولم يصل على جنازة عكرمة !

كان عكرمة يجول في البلاد يستعطي الأمراء ، وفي العقائد كان تابعاً لابن عباس ، ثم مال الى الخوارج ، ثم عاد الى بني أمية فكان مع والي المدينة الأموي .

وبسبب هذا التغيير في عقائده ، وما نسبوا اليه من الشغف بمجالس الغناء ولعب النرد ، أعرض الناس عنه ، حتى أنه لم يحضر أحد جنازته !

ففي نهاية الإرب(8/132): (لما مات كثير عزة لم تتخلف بالمدينة امرأة ولا رجل عن جنازته ، وغلب النساء عليها ، وجعلن يبكينه ويذكرن عزة في ندبهن له فقال أبو جعفر محمد بن علي الباقر: أفرجوا لي عن جنازة كثير لأرفعها ، فجعلنا ندفع النساء عنها ومحمد بن علي يقول: تنحين يا صويحبات يوسف! فانتدبت له امرأة منهن فقالت: يا بن رسول الله لقد صدقت إنا لصويحباته ، ولقد كنا له خيراً منكم له ! فقال أبو جعفر لبعض مواليه: احتفظ بها حتى تجيئني بها إذا انصرفت ، قال: فلما انصرف أتي بها وكأنها شررة النار،؛ فقال لها محمد بن علي: إيه ، أنت القائلة: إنكن ليوسف خير منا؟ قالت: نعم ، تؤمنني غضبك يا بن رسول الله ؟ فقال: أنت آمنة من غضبي فأنبئيني، فقالت: نحن دعوناه إلى اللذات من المطعم والمشرب والتمتع والتنعم ، وأنتم معاشر الرجال ألقيتموه في الجب وبعتموه بأبخس الأثمان ، وحبستموه في السجن ، فأينا كان عليه أحنى وبه أرأف ؟

فقال محمد بن علي الباقر:لله درك لن تغالب امرأة إذا غلبت! ثم قال لها: ألك بعل؟ فقالت: لي من الرجال من أنا بعله ، فقال أبو جعفر: ما أصدقك مثلك من تملك الرجل ولا يملكها . فلما انصرفت قال رجل من القوم: هذه فلانة (زينب) بنت معقب).

نلاحظ من الحادثة ومن تغيير الخليفة لولاته على المدينة ، سقوط هيبة بني أمية عند المسلمين في عهد الإمام لباقر عليه السلام  ، ويدل عليه التشييع الحاشد لجنازة كثير الذي كان يجاهر بتشيعه ويهجاء الأمويين ، وإعراضهم عن جنازة عكرمة عالم الخلافة الأموية ، حيث ماتا في يوم واحد سنة 105 هجرية ! فاحتشد الناس على جنازة كثيِّر وصلى عليه الإمام الباقر عليه السلام وشارك في رفع جنازته ، قال: ( أفرجوا لي عن جنازة كثير لأرفعها ، فرفع جنازته وعرقه يجري ) !

في حين تركوا جنازة عكرمة فلم يوجد من يحملها ! ( الدرجات الرفيعة /590 ، وتهذيب الكمال (20 / 290 ). وقيل استأجرت له الحكومة أربعة سودان فحملوه !

وقد اضطر الذهبي الى أن يعترف بإعراض المسلمين عن جنازة عكرمة ، لكنه جعل الحق على المسلمين في ذلك ! فقال في سيره (5/33): ( قلت: ما تركوا عكرمة مع علمه وشيعوا كثيِّراً ، إلا عن بلية كبيرة في نفوسهم له ) !

يقصد الذهبي أن الذين لم يحضروا جنازته في نفوسهم بلية ومرض لأنهم لم يكرموا هذا الإمام! فعكرمة هو السالم من البلية ومرض القلب ، وأهل المدينة أهل بلية ومرض ! وكفى بهذا دليلاً على نصب الذهبي وبليته !

القسيس نافع مولى ابن عمر

1- كان نافع مرجعاً دينياً عند الدولة الأموية ، وحج مع الخليفة هشام فبعثه لمناظرة الإمام عليه السلام فقال: (إذهب إليه فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: ما الذي يأكل الناس ويشربون إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام : يحشر الناس على مثل قرصة البر النقي ، فيها أنهار متفجرة يأكلون ويشربون حتى يفرغ من الحساب . قال: فرأى هشام أنه قد ظفر به ، فقال: الله أكبر إذهب إليه فقل له: ما أشغلهم عن الأكل والشرب يومئذ؟!

فقال له أبو جعفر عليه السلام : فهم في النار أشغل ، ولم يشغلوا عن أن قالوا: أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ ! فسكت هشام لايرجع كلاماً). (الإحتجاج:2/57).

2- في مقدمة موطأ مالك (1/21): (روى مالك عن نافع مولى عبد الله بن عمر المتوفى سنة 120، ونافع هو الذي بعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر ليعلمهم القرآن والسنة. لزمه مالك وهو غلام نصف النهار (أي كان مالك خادماً لنافع) وكان مالك يقول: كنت إذا سمعت حديث نافع عن ابن عمر لا أبالي ألا أسمعه من أحد غيره! وأهل الحديث يقولون رواية مالك عن نافع عن ابن عمر: سلسلة الذهب لجلالة كل واحد من هؤلاء)!

أما عندنا فنافع ناصبي خارجي كذابٌ! ففي تهذيب الكمال(29/298) والكافي(6/61) عن زرارة أن الإمام الباقر عليه السلام قال له:(أنت الذي تزعم أن ابن عمرطلق امرأته واحدة وهي حائض فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله عمر أن يأمره أن يراجعها؟قال: نعم. فقال له: كذبتَ والله الذي لا إله إلا هو على ابن عمر! أنا سمعت ابن عمر يقول: طلقتها على عهد رسول الله ثلاثاً فردها رسول الله وأمسكتها بعد الطلاق ! فاتق الله ولا ترو على ابن عمر الباطل).

الفصل الحادي عشر

أجيالٌ من الرواة والعلماء خَرَّجَها الإمامان عليهما السلام

موجة الثقافة العامية التي حدثت بعد النبي صلى الله عليه وآله

قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: (بعد أن وارينا رسول الله صلى الله عليه وآله في التراب أنكرنا أنفسنا !). (الدارقطني:1/330) . وصدق أبو سعيد ، لأنه اختلف كل شيئ ! فقد كان النبي صلى الله عليه وآله المرجع في الأمور ، وحلَّال كل مشكلة ، ومصدر العلم، وبعده صارت الأمة كغنم لا راعي لها )!

نعم كان القرآن موجوداً لكن الصحابة لا يعرفون تفسيره ، والخليفة لا يعرف معنى العديد من كلماته ! وقد كان علي عليه السلام مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله لكن قريشاً لا تريد علياً ولا أحداً من بني هاشم ، فعزلتهم وكرهتهم !

وصار المصدر للعلم الخليفة ومن حوله ، وبما أن الخليفة لايعرف تفسيرالقرآن ، ولم يتفقه له في الشريعة وهو يقول شغلنا عن التفقه الصفق في الأسواق ! لذا جمع شباباً ناشئين كابن عباس وزيد بن ثابت ، وحاخامات يهود كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار ، ورواة مطيعين كأبي هريرة وابن عمرو العاص ، وجعلهم مصدر المعرفة والعلم والفتيا والقضاء !

قال الألباني(تراث الألباني:8/407): (إذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما بلغه حديث من أبي هريرة رضي الله عنه ندم فقال: شغلنا الصفق في الأسواق ، إذا كان هذا عمر فماذا نقول عن الصحابة الآخرين ، وماذا نقول عن النساء ، بل ماذا نقول أخيراً عن الجواري وعن راعية الغنم ).

وفي مبسوط السرخسي(10/153): (ولما قال عمر رضي الله عنه في خطبته: ألا لا تغالوا في أصدقة النساء فقالت امرأة سفعاء الخدين: أنت تقوله برأيك أم سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فإنا نجد في كتاب الله تعالى بخلاف ما تقول ، قال الله تعالى: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا. فبقي عمر رضي الله عنه باهتاً وقال كل الناس أفقه من عمر حتى النساء في البيوت ).

فإن أردت أن تعرف المستوى الثقافي للأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله فاعرف مستوى هؤلاء ونوعية ثقافتهم! إنها الظنون وقصص أهل الكتاب ، والفتوى بالرأي ، والقضاء بالرأي ، وتفسير القرآن بالرأي ، والقياس بالرأي !

وقد استمر هذا الوضع الى زمن الإمام الباقر عليه السلام ، وكانت خلافة علي عليه السلام إستثناء منه لكن مدتها لم تكن كافية لرد موجة الثقافة العامية السائدة !

ثم اجتمعت الظروف ليطلق الإمام الباقر عليه السلام الموجة المضادة للثقافة العامية ولهذا السبب سماه جده النبي صلى الله عليه وآله باقر علم النبوة !

فانتقم الإمام عليه السلام من مراسيم منع تدوين السنة ومنع التحديث ، وأسقط مصادر الثقافة المنحرفة ، وأطلق مع تلاميذه في الناس عشرات ألوف الأحاديث النبوية في الناس ، لتحل محل المكذوبات والتحريفات !

ولا يمكننا إحصاء تلاميذ الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام ، بل إن ترجمة المعروفين منهم تحتاج الى مجلدات ! ويكفي أن أحمد ابن عقدة رحمه الله ألَّف كتاباً من عدة مجلدات أورد فيه أربعة آلاف عالم وطالب رووا عن الإمام الصادق عليه السلام  ، وذكر بعد كل واحد منهم ما رواه ! قال العلامة الحلي في خلاصة الأقوال/322: ( له كتب ذكرناها في كتابنا الكبير ، منها كتاب أسماء الرجال الذين رووا عن الصادق عليه السلام أربعة آلاف رجل ، وأخرج فيه لكل رجل الحديث الذي رواه . مات بالكوفة سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة). وقد روينا قسماً كبيراً من فقهنا وعقائدنا وثقافتنا ، عن الإمامين محمد الباقر وابنه جعفر الصادق عليهما السلام  ، حتى عرف مذهبنا بالمذهب الجعفري .

واليك حجم ما رواه بعض تلاميذهما عليهما السلام :

ففي رجال النجاشي/12: (عن سليم بن أبي حية قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فلما أردت أن أفارقه ودعته وقلت: أحب أن تزودني ، فقال: أئْتِ أبان بن تغلب ، فإنه قد سمع مني حديثاً كثيراً ، فما روى لك فاروه عني ).

وقال عليه السلام : (إن أبان بن تغلب روى عني ثلاثين ألف حديث ، فاروها عنه ).

وفي رجال ابن داود/29: ( قال له أبو جعفر عليه السلام : أجلس في مسجد الكوفة وأفْتِ الناس ، إني أحبُّ أن يرى في شيعتي مثلك. وكان إذا دخل على أبي عبد الله ثنى له وسادة وصافحه ، وكان إذا قدم المدينة تقوضت إليه الحلق وأخليت له سارية النبي صلى الله عليه وآله . مات سنة إحدى وأربعين ومائة ، وترحم عليه أبو عبد الله عليه السلام وقال: لقد أوجع قلبي موت أبان! وكان أخبره بموته).

وفي رجال الطوسي:1/386 ، عن محمد بن مسلم الثقفي رحمه الله قال: (ما شجر في رأيي شئ قط إلا سألت عنه أبا جعفر عليه السلام حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث ، وسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ستة عشر ألف حديث) .

وقال السيد الخوئي في كتاب الإجتهاد والتقليد/15: (حتى أن أبان بن تغلب وهو راو واحد حدَّثَ عن أبي عبد الله عليه السلام بثلاثين ألف حديث . وتظافر النقل أن أربعة آلاف رجل من المشتهرين بالعلم جمعوا من أجوبة مسائله أربع مائة كتاب عرفت بالأصول الأربع مائة ، كلهم من أهل العراق والحجاز والشام وخراسان .

وهذا غير ما دُوِّن عن السجاد والباقر والأئمة بعد الصادق عليهم السلام ، فقد جمع أصحابهم فيما تحملوه من أحاديثهم ما يزيد على الأصول الأربع مائة بكثير ، ولم تزل تلكم الأحاديث محتفظاً بها في موسوعات هامة كالأصول الأربعة ).

وفي رجال الطوسي(2/438) عن ذريح المحاربي قال:(عن جابر رحمه الله قال: حدثني أبو جعفر بسبعين ألف حديث لم أحدث بها أحداً قط ، ولا أحدث بها أحداً أبداً .

وقال جابر رحمه الله :دفع إليَّ (الباقر عليه السلام )كتاباً وقال لي: إن أنت حدثت به حتى تهلك بنو أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي ، وإذا أنت كتمت منه شيئاً بعد هلاك بني أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي ، ثم دفع إليَّ كتاباً آخر ، ثم قال: وهاك هذا ، فإن حدثت بشئ منه أبداً فعليك لعنتي ولعنة آبائي) .

أقول: هذا إخبار من الباقر عليه السلام بأن زوال ملك بني أمية سيكون في حياة جابر بن يزيد الجعفي رحمه الله ، وهذا ما حصل ، وهو من معجزاته عليه السلام !

أطلق الإمام الباقر عليه السلام موجة مضادة لثقافة الخلافة !

قال مسلم في صحيحه(1/15): (سمعت جريراً يقول: لقيت جابر بن يزيد الجعفي فلم أكتب عنه،كان يؤمن بالرجعة..سمعت جابراً يقول عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر عن النبي(ص) كلها..

قال جابر: إن عندي لخمسين ألف حديث ما حدثت منها بشئ ! قال ثم حدث يوماً بحديث فقال هذا من الخمسين ألفاً..

حدثنا سفيان قال سمعت جابراً يحدث بنحو من ثلاثين ألف حديث ، ما أستحل أن أذكر منها شيئاً ، وأن لي كذا وكذا ) !

وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب(9/311):(الستة: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي ، أبو جعفر الباقر ، أمه بنت الحسن بن علي بن أبي طالب.. روى عنه ابنه جعفر، وإسحاق السبيعي ، والأعرج ، والزهري، وعمرو بن دينار، وأبو جهضم موسى بن سالم ، والقاسم بن الفضل ، والأوزاعي ، وابن جريج ، والأعمش ، وشيبة ابن نصاح ، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم وعبد الله بن عطاء ، وبسام الصيرفي ، وحرب بن سريج ، وحجاج بن أرطاة ومحمد بن سوقة ، ومكحول بن راشد ، ومعمر بن يحيى بن بسام ، وآخرون . قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث ، وليس يروي عنه من يحتج به ).

وقال المزي في تهذيب الكمال (26/136): ( محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي ، أبو جعفر الباقر.. روى عنه: أبان بن تغلب الكوفي وأبيض بن أبان ، وبسام الصيرفي (س) وأبو حمزة ثابت بن أبي صفية الثمالي (ت) وجابر بن يزيد الجعفي ، وابنه جعفر بن محمد الصادق (بخ/4) والحجاج بن أرطاة وحرب بن سريج (عس) والحكم بن عتيبة ، وربيعة بن أبي عبد الرحمان وسدير بن حكيم بن صهيب والد حنان بن سدير الصيرفي ، وسليمان الأعمش (قد) وشيبة بن نصاح (س) وعبد الله بن أبي بكر بن حزم (ت) وعبد الله بن عطاء، وعبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، وعبد الرحمان بن طلحة الخزاعي (عس) إن كان محفوظاً ، وعبد الرحمان بن عمرو الأوزاعي (م) وعبد الرحمان بن هرمز الأعرج وهو أسن منه ، وعبد الملك بن جريج ، وعبيد الله بن طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعي (د) على خلاف فيه ، وعبيد الله بن الوليد الوصافي ، وعطاء بن أبي رباح ، وعلقمة بن مرثد (س) وعمرو بن دينار (خ م دس) والقاسم بن الفضل الحداني (ق) وقرة بن خالد السدوسي ، وكثير النواء ، وليث بن أبي سليم ومحمد بن سوقة (ق) ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، ومخول بن راشد (خ س) ومعمر بن يحيى بن سام (خ) ، وأبو جهضم موسى ابن سالم (س) ، وموسى بن عمير القرشي ، وواصل مولى أبي عيينة (د) ويحيى بن أبي كثير ، ويحيى الكندي (خت) وأبو إسحاق السبيعي (خ).

أقول: لاحظ قول ابن سعد في الطبقات:5/224: (قال أبو نعيم الفضل بن دكين: توفي بالمدينة سنة أربع عشرة ومائة . وكان ثقة كثير العلم والحديث ، وليس يروي عنه من يحتج به) . وقوله في/222، عن أبيه الإمام زين العابدين عليه السلام :(قالوا وكان علي بن حسين ثقة مأموناً ، كثير الحديث عالياً رفيعاً ورعاً ).

فقد اعترف ابن سعد بثروة الأحاديث التي نشرها الإمام الباقر وأبوه عليهما السلام في الأمة ثم اعتذر لعلماء السلطة لعدم روايتهم عنهم ، بأن تلاميذ الإمام الباقر عليه السلام غير ثقاة لايحتج بهم ! وهذا تعامٍ منه عن أن من تلاميذه عليه السلام وتلاميذ أبيه وابنه جعفر الصادق عليهم السلام هم كبار أئمتهم !

أما الذهبي فاستعمل أسلوب ابن تيم